الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب يَقع فِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي بَيَان أصل أَوْقَات الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة وَفِي بَيَان الْأَوْقَات المستحبة مِنْهَا وَفِي بَيَان أَوْقَات الصَّلَوَات الْوَاجِبَة وَفِي بَيَان أَوْقَات السّنَن المؤقتة وَفِي بَيَان الْأَوْقَات الَّتِي يكره فِيهَا الصَّلَاة
أما بَيَان أَوْقَات الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة فَنَقُول أول وَقت صَلَاة الْفجْر حِين يطلع الْفجْر الثَّانِي وَآخره حِين تطلع الشَّمْس وَإِنَّمَا قيد بِالْفَجْرِ الثَّانِي لِأَن الْفجْر فجران الأول وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو فِي نَاحيَة من السَّمَاء كذنب السرحان طولا ثمَّ ينكتم سمي فجرا كَاذِبًا لِأَنَّهُ يَبْدُو نوره ثمَّ يخلف ويعقبه الظلام وَهَذَا الْفجْر مِمَّا لَا يحرم بِهِ الطَّعَام وَالشرَاب على الصائمين وَلَا يخرج بِهِ وَقت الْعشَاء وَلَا يدْخل وَقت صَلَاة الْفجْر
وَأما الْفجْر الثَّانِي فَهُوَ الْمُعْتَرض فِي الْأُفق لَا يزَال نوره حَتَّى تطلع الشَّمْس سمي فجرا صَادِقا لِأَنَّهُ إِذا بدا نوره ينتشر فِي الْأُفق وَلم يخلف وَهَذَا الْفجْر مِمَّا يحرم بِهِ الطَّعَام وَالشرَاب على الصائمين وَيخرج بِهِ
[ ٩٩ ]
وَقت الْعشَاء وَيدخل وَقت صَلَاة الْفجْر
وَهَكَذَا روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ الْفجْر فجران فجر مستطيل يحل بِهِ الطَّعَام وَتحرم فِيهِ الصَّلَاة وفجر مستطير يحرم بِهِ الطَّعَام وَتحل فِيهِ الصَّلَاة
وَأما أول وَقت الظّهْر فحين زَالَت الشَّمْس بِلَا خلاف
وَأما آخِره فَلم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ عَن أبي حنيفَة
روى محمدعنه إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ سوى فَيْء الزَّوَال يخرج وَقت الظّهْر وَيدخل وَقت الْعَصْر وَبِه أَخذ أَبُو حنيفَة
وروى الْحسن بن زيادعنه أَنه قَالَ إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله سوى فِي الزَّوَال يخرج وَقت الظّهْر وَيدخل وَقت الْعَصْر وَبِه أَخذ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالشَّافِعِيّ
وروى أَسد بن عمروعنه أَنه قَالَ إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله سوى فَيْء الزَّوَال يخرج وَقت الظّهْر وَلَا يدْخل وَقت الْعَصْر حَتَّى يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ فَيكون بَين وَقت الظّهْر وَالْعصر وَقت مهمل كَمَا بَين الظّهْر وَالْفَجْر
وَأما أول وَقت الْعَصْر فعلى الِاخْتِلَاف الَّذِي ذكرنَا فِي آخر وَقت الظّهْر
ثمَّ لَا بُد من معرفَة زَوَال الشَّمْس وَمَعْرِفَة فَيْء الزَّوَال حَتَّى يعرف وَقت الظّهْر وَالْعصر فَيَنْبَغِي أَن يغرز عودا مستويا فِي أَرض مستوية
[ ١٠٠ ]
قبل الزَّوَال فَمَا دَامَ طول الْعود على النُّقْصَان فالشمس فِي الِانْقِطَاع وَلم تزل بعد
وَإِن امْتنع الظل عَن النُّقْصَان وَلم يَأْخُذ فِي الزِّيَادَة فالشمس فِي الاسْتوَاء وَهُوَ حَال قيام الظهيرة وَإِذا أَخذ الظل فِي الزِّيَادَة فالشمس قد زَالَت وَهِي حَال الزَّوَال
فَأَما معرفَة فَيْء الزَّوَال فَيَنْبَغِي أَن يخط على رَأس مَوضِع الزِّيَادَة فَيكون من رَأس الْخط إِلَى الْعود فَيْء الزَّوَال فَإِذا صَار الْعود مثلَيْهِ من رَأس الْخط إِلَّا من الْعود خرج وَقت الظّهْر وَدخل وَقت الْعَصْر عِنْد أبي حنيفَة وَإِذا صَار ظلّ الْعود مثله من رَأس الْخط خرج وَقت الظّهْر وَدخل وَقت الْعَصْر عِنْدهمَا
وَأما آخر وَقت الْعَصْر فحين تغرب الشَّمْس عندنَا
وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ فِي قَول إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ يخرج وَقت الْعَصْر وَلَا يدْخل وَقت الْمغرب حَتَّى تغرب الشَّمْس فَيكون بَينهمَا وَقت مهمل عِنْده على هَذَا القَوْل
وَفِي قَول إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ يخرج وَقت الْمُسْتَحبّ وَيبقى أصل الْوَقْت إِلَى غرُوب الشَّمْس
وَأما أول وَقت الْمغرب فحين تغرب الشَّمْس بِلَا خلاف
وَاخْتلفُوا فِي آخِره قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ حِين يغيب الشَّفق
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا مضى من الْوَقْت مِقْدَار مَا يتَطَهَّر الْإِنْسَان وَيُؤذن وَيُقِيم وَيُصلي الْمغرب ثَلَاث رَكْعَات يخرج وَقت الْمغرب حَتَّى إِذا صلى الْمغرب بعد ذَلِك يكون قَضَاء لَا أَدَاء
وَأما أول وَقت الْعشَاء فحين يغيب الشَّفق بِلَا خلاف
وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير الشَّفق
[ ١٠١ ]
قَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ الْبيَاض
وَقَالَ أَبُو يُوسُف ومحمدالشافعي هُوَ الْحمرَة فَمَتَى غَابَتْ الْحمرَة وارتفع الْبيَاض وانتشر الظلام فِي الْأُفق يدْخل وَقت الْعشَاء وَيخرج وَقت الْمغرب عِنْدهم
وَإِذا غَابَ الْبيَاض وَبَدَأَ الظلام فِي الْأُفق يخرج وَقت الْمغرب وَيدخل وَقت الْعشَاء عِنْده
وَأما آخر وَقت الْعشَاء فحين يطلع الْفجْر الصَّادِق عندنَا
وَعند الشافعيقولان فِي قَول حِين يمْضِي ثلث اللَّيْل
وَفِي قَول حِين يمْضِي النّصْف
وَأما بَيَان الْأَوْقَات المستحبة فَنَقُول لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَت السَّمَاء مصحية أَو متغيمة فَإِن كَانَت مصحية فَفِي الْفجْر الْمُسْتَحبّ هُوَ آخر الْوَقْت وَيكون الْإِسْفَار بِصَلَاة الْفجْر أفضل من التغليس فِي السّفر والحضر والصيف والشتاء وَفِي حق جَمِيع النَّاس إِلَّا فِي حق الْحَاج بِمُزْدَلِفَة فَإِن التغليس بهَا أفضل فِي حَقهم
وَكَانَ اخْتِيَار الطَّحَاوِيّ أَن يبْدَأ بالتغليس فَيبْطل الْقِرَاءَة ثمَّ يخْتم بالإسفار
وَفِي الظّهْر الْمُسْتَحبّ هُوَ آخر الْوَقْت فِي الصَّيف وأوله فِي الشتَاء
وَفِي الْعَصْر الْمُسْتَحبّ هُوَ التَّأْخِير مَا دَامَت الشَّمْس بَيْضَاء نقية فِي الشتَاء والصيف
وَفِي الْمغرب الْمُسْتَحبّ أول الْوَقْت وَيكون تَعْجِيله أفضل
وتأخيره إِلَى وَقت اشتباك النُّجُوم مَكْرُوه
[ ١٠٢ ]
وَفِي الْعشَاء المتسحب هُوَ التَّأْخِير إِلَى ثلث اللَّيْل فِي الشتَاء وَيكرهُ التَّأْخِير إِلَى نصف اللَّيْل وَذكر الْكَرْخِي تَأْخِير الْعشَاء مَا لم يتَجَاوَز ثلث اللَّيْل أفضل وَكَذَا ذكر الطَّحَاوِيّ
وَفِي الصَّيف التَّعْجِيل أفضل
وَهَذَا كُله مَذْهَب عُلَمَاؤُنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي الْمُسْتَحبّ هُوَ التَّعْجِيل فِي الصَّلَوَات كلهَا
وَأما إِذا كَانَت السَّمَاء متغيمة فَإِن الْمُسْتَحبّ أَن يُؤَخر الْفجْر وَالظّهْر وَالْمغْرب ويعجل الْعَصْر وَالْعشَاء
فَكل صَلَاة فِي أول اسْمهَا عين تعجل
وَمَا لم يكن فِي أول اسْمهَا عين تُؤخر
وَأما بَيَان أَوْقَات الصَّلَوَات الْوَاجِبَة وَمَا هُوَ شَبيه بهَا فَمِنْهَا وَقت الْوتر وَهُوَ على قَول أبي حنيفَة وَقت صَلَاة الْعشَاء إِلَّا أَنه شرع مُرَتبا عَلَيْهَا كوقت قَضَاء الْفَائِتَة هُوَ وَقت أَدَاء الوقتية لكنه شرع مُرَتبا عَلَيْهِ فَلَا يجوز أَدَاؤُهُ قبل صَلَاة الْعشَاء مَعَ أَنه وقته لفوت شَرطه وَهُوَ التَّرْتِيب
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وقته بعد أَدَاء صَلَاة الْعشَاء
وَهَذَا بِنَاء على أَن الْوتر وَاجِب عِنْده وَعِنْدهم سنة
ثمَّ الْوَقْت الْمُسْتَحبّ للوتر لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة
ومشايخنا قَالُوا إِن طمع أَنه يَسْتَيْقِظ فِي آخر اللَّيْل غَالِبا فَالْأَفْضَل أَن يُؤَخر إِلَى وَقت السحر
وَإِن خشِي أَن لَا يَسْتَيْقِظ فَالْأَفْضَل أَن يُوتر بعد الْعشَاء فِي الْوَقْت الْمُسْتَحبّ
[ ١٠٣ ]
وَإِذا ترك الْوتر عَن وقته حَتَّى طلع الْفجْر يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء عِنْد أَصْحَابنَا
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا يجب لِأَنَّهُ سنة
وَأما على قَول أبي حنيفَة فَلَا يشكل لِأَنَّهُ وَاجِب وَإِنَّمَا الْمُشكل على قَوْلهمَا فَإِنَّهُ سنة عِنْدهمَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يقْضِي وَلَكِن هَذَا هُوَ الْقيَاس عِنْدهمَا وَكَذَا رُوِيَ عَنْهُمَا فِي غير رِوَايَة الْأُصُول
وَجَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة هُوَ الِاسْتِحْسَان وتركا الْقيَاس بالأثر وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ من نَام عَن وتر أَو نَسيَه فليصله إِذا ذكره وَلم يفصل بَين مَا إِذا تذكر فِي الْوَقْت أَو بعده
من هَذَا النَّوْع وَقت صَلَاة الْجِنَازَة وَهُوَ وَقت حُضُور الْجِنَازَة حَتَّى إِذا حضرت الْجِنَازَة وَقت الْغُرُوب فأداها فِيهِ يجوز من غير كَرَاهَة لِأَنَّهَا وَجَبت فِي هَذَا الْوَقْت نَاقِصَة وبمنزلة أَدَاء الْعَصْر فِي الْوَقْت الْمَكْرُوه
وَكَذَا وَقت وجوب سَجْدَة التِّلَاوَة وَقت التِّلَاوَة حَتَّى لَو تَلا آيَة السَّجْدَة فِي وَقت غير مَكْرُوه وسجدها فِي وَقت مَكْرُوه لَا يجوز لِأَنَّهَا وَجَبت كَامِلَة فَلَا تُؤَدّى نَاقِصَة
وَلَا تَلا فِي وَقت مَكْرُوه وسجدها فِيهِ جَازَ من غير كَرَاهَة
وَمن هَذَا النَّوْع وَقت صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَهُوَ من وَقت ابيضاض الشَّمْس إِلَى وَقت الزَّوَال فَإِن صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَاجِبَة على مَا تذكر
وَأما أَوْقَات السّنَن المؤقتة فوقت بعض السّنَن بعد أَدَاء الْفَرَائِض وَوقت بَعْضهَا قبل الْفَرِيضَة فِي وَقتهَا
[ ١٠٤ ]
فَمَتَى أدّى السّنَن على الْوَجْه الَّذِي شرع يكون سنة وَإِلَّا فَيكون تَطَوّعا مُطلقًا على مَا نذْكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما بَيَان الْأَوْقَات الَّتِي يكره فيهاالصلاة فَنَقُول الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة اثْنَا عشر وقتا فَثَلَاثَة مِنْهَا يكره الصَّلَاة فِيهَا لِمَعْنى فِي الْوَقْت وَالْبَاقِي لِمَعْنى غير الْوَقْت
أما الثَّلَاثَة الَّتِي يكره الصَّلَاة فِيهَا لِمَعْنى يتَّصل بِالْوَقْتِ فِيمَا بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى أَن ترْتَفع وتبيض
وَوقت اسْتِوَاء الشَّمْس حَتَّى تَزُول وَوقت احمرار الشَّمْس واصفرارها حَتَّى تغرب
وَفِي هَذِه الْأَوْقَات الثَّلَاثَة يكره أَدَاء التَّطَوُّع الْمُبْتَدَأ الَّذِي لَا سَبَب لَهُ فِي جَمِيع الْأَزْمَان وَفِي جَمِيع الْأَمْكِنَة حَتَّى لَو شرع فِيهِ فَالْأَفْضَل أَن يقطع وَلَكِن أَو أدّى جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة
وَكَذَا التَّطَوُّع الَّذِي لَهُ سَبَب مثل رَكْعَتي الطّواف وركعتي تَحِيَّة المسحد وَنَحْوهمَا
وَكَذَا يكره أَدَاء الْفَرْض فِيهِ وَهُوَ صَلَاة الْعَصْر عِنْد تغير الشَّمْس
وَلَا يتَصَوَّر أَدَاء الْفَرْض وَقت الاسْتوَاء قبل الزَّوَال وَوقت الطُّلُوع لِأَنَّهُ لَا فرض فيهمَا
وَلَكِن مَعَ هَذَا أَدَاء الْعَصْر فِي الْوَقْت الْمَكْرُوه جَائِز مَعَ الْكَرَاهَة بِالْحَدِيثِ فالأداء فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَة أولى لِأَنَّهَا تفوت عَن الْوَقْت أصلا
وَكَذَا يكره أَدَاء الْوَاجِبَات فِي هَذِه الْأَوْقَات لَكِن يجوز مَعَ الْكَرَاهَة وَذَلِكَ نَحْو من قَرَأَ آيَة السَّجْدَة فِيهَا أَو حضرت الْجِنَازَة فِيهَا أَو أوجب على نَفسه الصَّلَاة فِيهَا فَأدى السَّجْدَة وَالصَّلَاة يجوز مَعَ الْكَرَاهَة
لَكِن الْأَفْضَل فِي صَلَاة الْجِنَازَة أَن يُؤَدِّيهَا وَلَا يؤخرها لقَوْله عَلَيْهِ
[ ١٠٥ ]
السَّلَام ثَلَاث لَا يؤخرون الْجِنَازَة إِذا حضرت وَفِي سَجْدَة التِّلَاوَة وَالصَّلَاة الْمَنْذُورَة الْأَفْضَل أَن يقطع ويؤديها فِي وَقت آخر لِأَن الْوَقْت فِي حَقّهَا لَيْسَ بِسَبَب الْوُجُوب وَلَا بِشَرْط بل الْأَدَاء وَجب مُطلقًا فَلَا يفوت عَن الْوَقْت
فَأَما قَضَاء الْفَرَائِض وَالصَّلَاة الْمَنْذُورَة الْفَائِتَة وَقَضَاء الْوَاجِبَات الْفَائِتَة عَن أَوْقَاتهَا كسجدة التِّلَاوَة الَّتِي وَجَبت بالتلاوة فِي وَقت غير مَكْرُوه أَو الْوتر الَّذِي فَاتَ عَن الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا يجوز فِي هَذِه الْأَوْقَات
وَهَذَا كُله مَذْهَب عُلَمَاؤُنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز ذَلِك كُله من غير كَرَاهَة إِلَّا التَّطَوُّع الْمُبْتَدَأ الَّذِي لَا سَبَب لَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوه فِيهَا إِلَّا بِمَكَّة فِي جَمِيع الْأَزْمَان أَو فِي يَوْم الْجُمُعَة فِي جَمِيع الْأَمْكِنَة فَإِنَّهُ غير مَكْرُوه
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما رُوِيَ عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ أَنه قَالَ ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله ﷺ ينهانا أَن نصلي فِيهَا وَأَن نقبر فِيهَا مَوتَانا إِذا طلعت الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع وَنصف النَّهَار وَإِذا تضيفت الشَّمْس للغروب من غير فصل بَين التَّطَوُّع الْمُبْتَدَأ وَغَيره فَهُوَ على الْعُمُوم
وَأما الْأَوْقَات الْأُخَر الَّتِي تكره الصَّلَاة فِيهَا لِمَعْنى فِي غير الْوَقْت فَمِنْهَا بعد طُلُوع الْفجْر إِلَى أَن يُصَلِّي الْفجْر وَبعد صَلَاة الْفجْر إِلَى أَن تطلع الشَّمْس
وَبعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى أَن تَتَغَيَّر الشَّمْس للغروب فَلَا خلاف أَن أَدَاء التَّطَوُّع الْمُبْتَدَأ مَكْرُوه فِيهَا
وَلَا خلاف أَن قَضَاء الْفَرَائِض والواجبات يجوز فِيهَا من غير كَرَاهَة
[ ١٠٦ ]
وَأما التطوعات الَّتِي لَهَا أَسبَاب مثل رَكْعَتي الطّواف وركعتي التَّحِيَّة وركعتي الْفجْر بَعْدَمَا صلى الْفجْر وَلم يؤدهما لعذر أَو لغير عذر فَيكْرَه أَدَاؤُهَا عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يكره
وَأَجْمعُوا أَنه لَا يكره أَدَاء رَكْعَتي الْفجْر قبل صَلَاة الْفجْر
وَكَذَا أَدَاء الْوَاجِبَات فِي هَذِه الْأَوْقَات من سَجْدَة التِّلَاوَة وَصَلَاة الْجِنَازَة يجوز من غير كَرَاهَة
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما رُوِيَ عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ شهد عِنْدِي رجال مرضيون وأرضاهم عِنْدِي عمر أَن رَسُول الله ﵇ قَالَ لَا صَلَاة بعد صَلَاة الصُّبْح حَتَّى تشرق الشَّمْس وَلَا صَلَاة بعد صَلَاة الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس لَيْسَ فِي الحَدِيث فصل إِلَّا مَا خص بِالْإِجْمَاع
وَأما أَدَاء الْوَاجِب الَّذِي وَجب بصنع العَبْد من النّذر وَقَضَاء التَّطَوُّع الَّذِي أفْسدهُ وَنَحْو ذَلِك فِيهَا فَإِنَّهُ يكره فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَعَن أبي يُوسُف أَنه لَا يكره لِأَنَّهُ وَاجِب بِسَبَب النّذر كسجدة التِّلَاوَة
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لِأَن الْمَنْذُور عينه لَيْسَ بِوَاجِب وَكَذَا عين الصَّلَاة لَا يجب بِالشُّرُوعِ
وَمِنْهَا مَا بعد الْغُرُوب يكره النَّفْل فِيهِ وَغَيره لِأَن فِيهِ تَأْخِير الْمغرب عَن وقته
وَمِنْهَا مَا بعد نصف اللَّيْل يكره فِيهِ أَدَاء الْعشَاء لَا غير كي لَا يُؤَخر الْعشَاء إِلَى النّصْف لما فِيهِ من تقليل الْجَمَاعَة
[ ١٠٧ ]
وَمِنْهَا وَقت الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة يكره فِيهِ الصَّلَاة لِأَنَّهُ سَبَب لترك اسْتِمَاع الْخطْبَة
وَمِنْهَا وَقت خُرُوج الإِمَام للخطبة قبل أَن يشْتَغل بهَا وَبعد الْفَرَاغ مِنْهَا إِلَى أَن يشرع فِي الصَّلَاة يكره التَّطَوُّع فِيهِ عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما
وَمِنْهَا بعد شُرُوع الإِمَام فِي الْجَمَاعَة يكره للْقَوْم التَّطَوُّع قَضَاء لحق الْجَمَاعَة إِلَّا فِي صَلَاة الْفجْر فَإِنَّهُ إِذا لم يصل رَكْعَتي الْفجْر فَلهُ أَن يُصَلِّي إِذا لم يخف فَوت الْجَمَاعَة أصلا بِأَن كَانَ عِنْده أَنه يدْرك رَكْعَة من الْفجْر بِجَمَاعَة لإحراز ثَوَاب الْجَمَاعَة مَعَ فَضِيلَة رَكْعَتي الْفجْر على مَا نذْكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِنْهَا وَقت يكره فِيهِ التَّنَفُّل لبَعض النَّاس دون بعض وَهُوَ قبل صَلَاة الْعِيدَيْنِ من حضر الْمصلى يَوْم العَبْد فَإِنَّهُ يكره لَهُ أَن يتَطَوَّع قبل صَلَاة الْعِيد لما رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ ينْهَى النَّاس عَن التَّنَفُّل قبل صَلَاة الْعِيد
[ ١٠٨ ]