ذكر مُحَمَّد فِي الأَصْل وَقَالَ الْأَيْمَان ثَلَاثَة يَمِين تكفر وَيَمِين لَا تكفر وَيَمِين نرجو أَن لَا يُؤَاخذ الله تَعَالَى بهَا صَاحبهَا
أما الْيَمين الَّتِي تكفر فَهِيَ الْيَمين على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل
وَهِي أَنْوَاع إِمَّا أَن يعْقد على مَا هُوَ مُتَصَوّر الْوُجُود عَادَة أَو على مَا هُوَ مُسْتَحِيل غير مُتَصَوّر الْوُجُود أصلا أَو على مَا هُوَ مُتَصَوّر الْوُجُود فِي نَفسه لَكِن لَا يُوجد على مجْرى الْعَادة وَهَذِه الْجُمْلَة قد تكون فِي الْإِثْبَات وَقد تكون فِي النَّفْي وَتَكون مُطلقَة وموقوتة
أما النَّوْع الأول فَإِن كَانَ فِي الْإِثْبَات مُطلقًا بِأَن قَالَ وَالله لآكلن هَذَا الرَّغِيف أَو لَآتِيَن الْبَصْرَة فَمَا دَامَ الْحَالِف والمحلوف عَلَيْهِ قَائِمين فَهُوَ على يَمِينه لتصور الْبر وَهُوَ الْفِعْل مرّة فِي الْعُمر فَإِذا هلك أَحدهمَا صَار تَارِكًا للبر فَيحنث فِي يَمِينه
وَإِن كَانَ فِي مَوضِع النَّفْي مُطلقًا بِأَن قَالَ وَالله لَا آكل هَذَا الرَّغِيف أَو لَا أَدخل هَذِه الدَّار فَإِن فعل مرّة حنث لِأَنَّهُ فَاتَ الْبر
وَإِذا هلك الْحَالِف أَو الْمَحْلُوف عَلَيْهِ قبل الْفِعْل لَا يَحْنَث لِأَن شَرط بره هُوَ
[ ٢ / ٢٩١ ]
الِامْتِنَاع عَن الْفِعْل وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك الْفِعْل بعد هَلَاك الْحَالِف أَو هَلَاك الْمَحْلُوف عَلَيْهِ
وَأما الموقتة صَرِيحًا فِي الْإِثْبَات كَقَوْلِه وَالله لآكلن هَذَا الرَّغِيف الْيَوْم فَإِن مضى الْيَوْم والحالف والمحلوف عَلَيْهِ قائمان يَحْنَث فِي يَمِينه لِأَنَّهُ فَاتَ الْبر لفَوَات وقته الْمعِين
أما إِذا هلك أَحدهمَا فِي الْيَوْم فَإِن هلك الْحَالِف قبل مُضِيّ الْيَوْم لَا يَحْنَث بِالْإِجْمَاع
وَإِن هلك الْمَحْلُوف عَلَيْهِ وَهُوَ الرَّغِيف قبل مُضِيّ الْيَوْم أَجمعُوا أَنه لَا يَحْنَث فِي الْحَال مَا لم يمض الْيَوْم وَلَا تجب الْكَفَّارَة حَتَّى لَو عجل الْكَفَّارَة لَا يجوز
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا مضى الْيَوْم قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد لَا يَحْنَث فِي يَمِينه
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَحْنَث وَتجب الْكَفَّارَة
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا قَالَ وَالله لأقضين دين فلَان غَدا فقضاه الْيَوْم أَو أَبرَأَهُ صَاحب الدّين الْيَوْم ثمَّ جَاءَ الْغَد
وَكَذَلِكَ على هَذَا فِي الْيَمين بِالطَّلَاق وَالْعتاق بِأَن قَالَ إِن لم أشْرب هَذَا المَاء الْيَوْم فامرأته طَالِق أَو عَبده حر ثمَّ أهريق المَاء قبل مُضِيّ الْيَوْم لَا يَحْنَث عِنْدهمَا حَتَّى لَا يَقع الطَّلَاق وَالْعتاق عِنْد مُضِيّ الْيَوْم وَعِنْده يَحْنَث عِنْد مُضِيّ الْيَوْم
وَحَاصِل الْخلاف أَن تصور الْبر شَرط لانعقاد الْيَمين عِنْدهمَا وَعند أبي يُوسُف لَيْسَ بِشَرْط إِنَّمَا الشَّرْط أَن يكون الْيَمين على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل على مَا نذْكر فَلَمَّا كَانَ تصور الْبر شرطا عِنْدهمَا لانعقاد الْيَمين فَيكون شرطا لبقائها فَإِذا هلك الْمَحْلُوف عَلَيْهِ خرج الْبر من أَن يكون متصورا فَتبْطل الْيَمين فَإِذا مضى الْوَقْت فَوجدَ شَرط الْحِنْث وَلَا يَمِين فَلَا يَحْنَث كَمَا إِذا هلك الْحَالِف وَعِنْده لما لم يكن تصور الْبر
[ ٢ / ٢٩٢ ]
شَرط الِانْعِقَاد لَا يكون شَرط الْبَقَاء فَتكون بَاقِيَة فَوجدَ الْحِنْث فِي آخر الْيَوْم والحالف من أهل وجوب الْكَفَّارَة فَيلْزمهُ بِخِلَاف مَا إِذا مَاتَ الْحَالِف لِأَنَّهُ وجد شَرط الْحِنْث لَكِن الْحَالِف لَيْسَ من أهل وجوب الْكَفَّارَة بعد الْمَوْت فَلَا يجب
وَأما إِذا حلف على النَّفْي بِأَن قَالَ وَالله لَا آكل هَذَا الرَّغِيف الْيَوْم فَإِن مضى الْيَوْم قبل الْأكل بر فِي يَمِينه لِأَنَّهُ وجد ترك الْأكل فِي الْيَوْم كُله
وَإِن هلك الْحَالِف أَو الْمَحْلُوف عَلَيْهِ بر فِي يَمِينه أَيْضا لِأَن شَرط الْبر عدم الْأكل وَقد تحقق
وَأما إِذا عقد الْيَمين على فعل لَا يتَصَوَّر وجوده أصلا بِأَن قَالَ وَالله لأشربن المَاء الَّذِي فِي هَذَا الْكوز وَلَيْسَ فِي الْكوز مَاء فَلَا ينْعَقد الْيَمين عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا وَعند أبي يُوسُف ينْعَقد وَيحنث للْحَال فهما يَقُولَانِ إِن الْيَمين يعْقد للبر ثمَّ تجب الْكَفَّارَة لرفع حكم الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم فَإِذا لم يكن الْبر متصورا فَلَا يتَصَوَّر الْحِنْث فَلَا فَائِدَة فِي انْعِقَاد الْيَمين
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا قَالَ وَالله لأقتلن فلَانا وَهُوَ لَا يعلم بِمَوْتِهِ لِأَن يَمِينه تَنْصَرِف إِلَى الْحَيَاة الَّتِي كَانَت وَقد فَاتَت بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر عودهَا
فَأَما إِذا كَانَ عَالما بِمَوْتِهِ فَإِنَّهُ تَنْعَقِد الْيَمين بِالْإِجْمَاع لِأَن يَمِينه تَنْصَرِف إِلَى الْحَيَاة الَّتِي تحدث فِيهِ فَيكون الْبر متصورا لكنه خلاف الْمُعْتَاد فَيكون من الْقسم الثَّالِث هَكَذَا فصل فِي الْجَامِع الصَّغِير وَهُوَ الصَّحِيح
وَنَظِير الْقسم الثَّالِث أَيْضا إِذا قَالَ وَالله لأصعدن السَّمَاء أَو لأحولن هَذَا الْحجر ذَهَبا أَو لأشربن مَاء دجلة كُله لِأَن الْبر مُتَصَوّر على خلاف الْعَادة فباعتبار
[ ٢ / ٢٩٣ ]
التَّصَوُّر تَنْعَقِد الْيَمين فِي الْجُمْلَة وَبِاعْتِبَار الْعَجز من حَيْثُ الْعَادة يَحْنَث فِي الْحَال
فَأَما إِذا وَقت الْيَمين فَقَالَ وَالله لأصعدن السَّمَاء الْيَوْم فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله يَحْنَث فِي آخر الْيَوْم لِأَن الْبر يجب فِي الموقتة فِي آخر الْيَوْم وَيكون الْوَقْت ظرفا لِأَنَّهُ يفضل عَنهُ
وَعند أبي يُوسُف يَحْنَث للْحَال لتحَقّق الْعَجز للْحَال وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه
وَإِنَّمَا يتَأَخَّر الْحِنْث إِلَى آخر الْوَقْت عِنْده فِيمَا إِذا كَانَ الْفِعْل متصورا من حَيْثُ الْعَادة ثمَّ فَاتَ بِسَبَب هَلَاك الْمَحْلُوف عَلَيْهِ كَمَا ذكرنَا
وَنَوع آخر من الْيَمين فِي الْمُسْتَقْبل مَا تكون موقتة دلَالَة وَهِي تسمى يَمِين الْفَوْر وَهِي كل يَمِين خرجت جَوَابا لكَلَام أَو بِنَاء على أَمر فتتقيد بذلك بِدلَالَة الْحَال
كمن قَالَ لآخر تعال تغد معي فَقَالَ وَالله لَا أتغدى وَلم يتغد مَعَه وَذهب إِلَى بَيته وتغدى لَا يَحْنَث فِي يَمِينه اسْتِحْسَانًا خلافًا ل زفر
وَكَذَلِكَ إِذا أَرَادَت امْرَأَة إِنْسَان أَن تخرج من الدَّار فَقَالَ لَهَا إِن خرجت فَأَنت طَالِق فَتركت الْخُرُوج سَاعَة ثمَّ خرجت لَا يَحْنَث ويتقيد بِتِلْكَ الْحَال وَلِهَذَا نَظَائِر
وَأما الْيَمين الَّتِي لَا تكفر فَهِيَ يَمِين الْغمُوس وَهِي الْيَمين الكاذبة قصدا فِي الْمَاضِي كَقَوْلِه وَالله لقد دخلت هَذِه الدَّار وَهُوَ يعلم أَنه مَا دَخلهَا
وَفِي الْحَال نَحْو قَوْله لرجل وَالله إِنَّه عَمْرو مَعَ علمه أَنه زيد وَنَحْوهَا
وَحكمهَا وجوب التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار دون الْكَفَّارَة بِالْمَالِ عندنَا
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وَعند الشَّافِعِي تجب الْكَفَّارَة بِالْمَالِ وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما الْيَمين الَّتِي يُرْجَى فِيهَا عدم الْمُؤَاخَذَة فَهِيَ الْيَمين الكاذبة خطأ وَهِي تسمى يَمِين اللَّغْو كمن قَالَ وَالله مَا دخلت هَذِه الدَّار وَعِنْده كَذَلِك وَالْأَمر بِخِلَافِهِ
أَو رأى طيرا من بعيد فَظن أَنه غراب فَقَالَ وَالله إِنَّه لغراب فَإِذا هُوَ حمام
وَلَا حكم لهَذِهِ الْيَمين أصلا
وَقَالَ الشَّافِعِي يَمِين اللَّغْو هِيَ الْيَمين الَّتِي تجْرِي على لِسَان الْحَالِف من غير قصد لَا وَالله وبلى وَالله أَو كَانَ يقْرَأ الْقُرْآن فَجرى على لِسَانه الْيَمين
[ ٢ / ٢٩٥ ]