قَالَ ﵀ إِذا احْتضرَ الرجل الْمَوْت فَإِنَّهُ يُوَجه على شقَّه الْأَيْمن نَحْو الْقبْلَة على مَا ذكرنَا ويلقن كلمة الشَّهَادَة لقَوْله ﵇ لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله
وَإِذا مضى يَنْبَغِي أَن يغمض عَيناهُ ويشد لحياه
لِأَنَّهُ إِذا ترك مَفْتُوحًا يصير كريه المنظر ويقبح فِي أعين النَّاس وَعَلِيهِ توارث الْأمة وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن
ثمَّ الْمُسْتَحبّ أَن يعجل فِي جهازه وَلَا يُؤَخر لقَوْله ﵇ عجلوا مَوْتَاكُم فَإِن يَك خيرا قدمتموه إِلَيْهِ وَإِن يَك شرا فبعدا لأهل النَّار
وَلَا بَأْس بإعلام النَّاس بِمَوْتِهِ لِأَن فِيهِ تحريض النَّاس إِلَى الطَّاعَة وحثا على الاستعداد لَهَا فَيكون سَببا إِلَى الْخَيْر وَدلَالَة عَلَيْهِ وَالنَّبِيّ ﵇ قَالَ الدَّال على الْخَيْر كفاعله
ثمَّ يشْتَغل بِغسْلِهِ فَإِن غسل الْمَيِّت وَاجِب بِإِجْمَاع الْأمة عَلَيْهِ من لدن آدم ﵇ إِلَى يَوْمنَا هَذَا
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لما توفّي آدم ﵇ غسلته الْمَلَائِكَة وَقَالَت
[ ٢٣٩ ]
لوَلَده هَذِه سنة مَوْتَاكُم
ثمَّ كَيفَ يغسل روى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة وَذكر مُحَمَّد فِي كتاب الصَّلَاة أَنه يجرد الْمَيِّت وَيُوضَع على تخت وتستر عَوْرَته بِخرقَة وَهِي من الرّكْبَة إِلَى السُّرَّة ويوضأ وضوءه للصَّلَاة إِلَّا أَنه لَا يمضمض وَلَا يستنشق وَلَا يمسح على رَأسه وَلَا يُؤَخر غسل رجلَيْهِ بِخِلَاف غسل الْجنب ثمَّ يضجع على شقَّه الْأَيْسَر فَيغسل بِالْمَاءِ الَّذِي غلي بالسدر والخطمي والحرض أَو بِالْمَاءِ القراح إِن لم يكن شَيْء من ذَلِك حَتَّى ينقيه ويخلص المَاء إِلَى مَا يَلِي التخت لِأَن الْمسنون هُوَ الْبدَاءَة بالميامن فيضجع على شقَّه الْأَيْسَر حَتَّى يُمكن الْبدَاءَة بِغسْل الْأَيْمن ثمَّ يضجع على شقَّه الْأَيْمن فَيغسل الْأَيْسَر حَتَّى ينقيه ثمَّ يقعده ويسنده إِلَى نَفسه وَيمْسَح يَده على بَطْنه مسحا رَقِيقا فَإِن سَالَ مِنْهُ شَيْء يمسحه وَيغسل ذَلِك الْموضع حَتَّى يطهر عَن النَّجَاسَة الْحَقِيقَة
وَلَا يجب إِعَادَة الْغسْل وَلَا الْوضُوء بِخُرُوج شَيْء مِنْهُ وَعند الشَّافِعِي يُعَاد الْوضُوء
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْغسْل وَالْوُضُوء مَا وَجب لأجل الْحَدث وَإِنَّمَا عَرفْنَاهُ بِالنَّصِّ بِخِلَاف الْقيَاس وَقد وجد
ثمَّ يضجعه على شقَّه الْأَيْسَر حَتَّى ينقيه وَيرى أَن المَاء قد خلص إِلَى مَا يَلِي السرير حَتَّى يكون الْغسْل ثَلَاث مَرَّات وَهُوَ الْغسْل الْمسنون فِي حَالَة الْحَيَاة فَكَذَلِك بعد الْمَمَات ثمَّ ينشفه بِثَوْب حَتَّى لَا تبتل أَكْفَانه
وَلَا يُؤْخَذ شَيْء من ظفره وَلَا شعره وَلَا يسرح لحيته لِأَن هَذَا من بَاب الزِّينَة وَالْمَيِّت لَا يزين
هَذَا الَّذِي ذكرنَا سنة فِي كل ميت مَاتَ بعد الْولادَة إِلَّا الشَّهِيد
[ ٢٤٠ ]
الَّذِي مثل شُهَدَاء أحد على مَا نذْكر
وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الْمَوْلُود إِذا خرج مَيتا لَا يغسل هَذَا جَوَاب هَذَا الْكتاب على مَا نذْكر
فَأَما إِذا اسْتهلّ الصَّبِي ثمَّ وجد مَيتا يغسل لِأَن الاستهلال دلَالَة الْحَيَاة
وَإِذا وجد أَكثر الْإِنْسَان الْمَيِّت يغسل لِأَن للْأَكْثَر حكم الْكل فَأَما إِذا وجد الْأَقَل أَو النّصْف لم يغسل عندنَا وَعند الشَّافِعِي يغسل كَيْفَمَا كَانَ
ثمَّ الْجِنْس يغسل الجنسكالذكر للذّكر وَالْأُنْثَى للْأُنْثَى وَلَا يغسل الْجِنْس خلاف الْجِنْس كَالرّجلِ للْأُنْثَى وَالْأُنْثَى للرجل لِأَن مس الْعَوْرَة حرَام فِي حَالَة الْحَيَاة وَالْمَمَات جَمِيعًا للأجانب
فَأَما إِذا كَانَا زَوْجَيْنِ فالزوجة الْمُعْتَدَّة بِسَبَب الْمَوْت يحل لَهَا غسل الزَّوْج بِالْإِجْمَاع مَا لم يُوجد مِنْهَا فِي حَال الْعدة مَا هُوَ سَبَب الْفرْقَة وَهُوَ الْمُصَاهَرَة أَو الرِّدَّة
فَأَما الْمُعْتَدَّة بِالطَّلَاق الْبَائِن إِذا مَاتَ الزَّوْج بعد ذَلِك فَلَا تغسله لِأَن الطَّلَاق الْبَائِن يرفع النِّكَاح
فَأَما الزَّوْج فَلَا يغسل الزَّوْجَة عندنَا خلافًا لَهُ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما أم الْوَلَد فَلَا تغسل مَوْلَاهَا وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة بعد مَوته عندنَا وَقَالَ زفر تغسل إِلَّا أَن الصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْقيَاس أَن الْمُعْتَدَّة للزَّوْج لَا تغسل لِأَن النِّكَاح انْتهى بِالْمَوْتِ كَمَا فِي جَانب الزَّوْج وَإِنَّمَا جَاءَت الْإِبَاحَة بِخِلَاف الْقيَاس فِي حق الزَّوْجَة فَبَقيَ الحكم فِي حق أم الْوَلَد على أصل الْقيَاس
[ ٢٤١ ]
فَأَما الصَّبِي والصبية إِن كَانَا من أهل الشَّهْوَة فَكَذَلِك الْجَواب وَإِن لم يَكُونَا من أهل الشَّهْوَة فَلَا بَأْس بغسلهما عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس
وَإِذا مَاتَت الْمَرْأَة فِي السّفر وَلم يكن هُنَاكَ غير الرِّجَال فَإِن كَانَ مِنْهُم ذُو رحم محرم مِنْهَا فَإِنَّهُ ييممها بِيَدِهِ بِغَيْر خرفة وَإِن لم يكن فالأجنبي ييممها بِخرقَة لِأَن الْأَجْنَبِيّ لَا يحل لَهُ مس مَحل التَّيَمُّم بِدُونِ الْخِرْقَة فَأَما الْمحرم فَيحل لَهُ مس ذَلِك الْموضع من غير حَائِل
ثمَّ يُكفن الْمَيِّت بعد الْغسْل لِأَن تكفين الْمَيِّت سنة لما رُوِيَ فِي قصَّة آدم ﵇ أَن الْمَلَائِكَة قَالَت لوَلَده بَعْدَمَا غسلوه وكفنوه ودفنوه هَذِه سنة مَوْتَاكُم
ثمَّ الْكَفَن يصير من جَمِيع المَال وَهُوَ مقدم على الدّين وَالْوَصِيَّة وَالْمِيرَاث لِأَن هَذَا من حوائج الْمَيِّت
وَمن لم يكن لَهُ مَال فَكَفنهُ على من تجب عَلَيْهِ نَفَقَته وَكسوته فِي حَال حَيَاته إِلَّا الْمَرْأَة خَاصَّة فِي قَول محمدفإن كفنها لَا يجب على زَوجهَا لِأَن الزَّوْجِيَّة تَنْقَطِع بِالْمَوْتِ
وَمن لم يكن لَهُ مَال وَلَا من ينْفق عَلَيْهِ فِي بَيت المَال لِأَنَّهُ أعد لحوائج الْمُسلمين
ثمَّ أَكثر مَا يُكفن بِهِ الرجل ثَلَاث أَثوَاب إِزَار ورداء وقميص وَأدنى ذَلِك ثَوْبَان إِزَار ورداء
وَأكْثر مَا تكفن بِهِ الْمَرْأَة خَمْسَة أَثوَاب إِزَار ولفافة وَدرع وخمار وخرقة يرْبط ثدياها وَأدنى ذَلِك ثَلَاثَة لفافة وخمار وَإِزَار
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الصَّبِي والصبية المراهقين
فَأَما الَّذِي لم يراهق فيكفن فِي خرقتين إِزَار ورداء وَلَو كفن فِي
[ ٢٤٢ ]
إِزَار وَاحِد لَا يكره لِأَن بدنه لَيْسَ بِعَوْرَة وَلَيْسَ لَهُ حُرْمَة كَامِلَة
وَإِن كَانَ سقطا فَإِنَّهُ يُكفن فِي خرقَة
وَكَذَلِكَ إِذا ولد مَيتا يلف فِي خرقَة أَيْضا لِأَن حرمته لم تكمل
ثمَّ كَيْفيَّة لبس الأكفان يَنْبَغِي أَن تجمر الأكفان أَولا وترا لِأَن الثَّوْب الْجَدِيد أَو الغسيل مِمَّا يطيب فِي حَالَة الْحَيَاة فَكَذَلِك بعد الْمَمَات فيلبس الْقَمِيص أَولا ثمَّ تبسط اللفافة وَهِي الرِّدَاء طولا ثمَّ يبسط الْإِزَار فَوْقهَا عرضا فَيُوضَع الْمَيِّت عَلَيْهَا ثمَّ يوضع الحنوط فِي رَأسه ولحيته وَسَائِر جسده وَيُوضَع الكافور على مساجده وَأَرَادُوا بالمساجد الْجَبْهَة وَالْيَدَيْنِ والركبتين تَشْرِيفًا للْمَيت لِأَن المغتسل فِي حَالَة الْحَيَاة قد يتطيب وَلَا بَأْس بِسَائِر الطّيب فِي الحنوط غير الزَّعْفَرَان والورس فِي حق الرجل وَلَا بَأْس بِهِ فِي حق الْمَرْأَة ثمَّ يعْطف الْإِزَار على الْمَيِّت من شقَّه الْأَيْسَر على رَأسه وَسَائِر جسده ثمَّ يعْطف من قبل شقَّه الْأَيْمن كَذَلِك ثمَّ يعْطف الرِّدَاء عَلَيْهِ وَهُوَ اللفافة
فَإِن خيف انتشار الْكَفَن وَظُهُور الْعَوْرَة يرْبط بِشَيْء من الْخِرْقَة
وَكَذَلِكَ فِي حق الْمَرْأَة تبسط اللفافة أَيْضا ثمَّ الْإِزَار وتلبس الدرْع والخمار فَوق الدرْع والخرقة ترْبط فَوق الأكفان عِنْد الصَّدْر فَوق الثديين ويسدل شعرهَا من الْجَانِبَيْنِ فَوق الدرْع على صدرها ثمَّ يعْطف الْإِزَار واللفافة على مَا ذكرنَا
ثمَّ الغسيل والجديد سَوَاء فِي حق الْكَفَن
وَلَا بَأْس بالبرد والكتان والقصب وَفِي حق النسوان بالحرير والإبريسم والمعصفر والمزعفر على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه
لَكِن الثِّيَاب الْبيض
[ ٢٤٣ ]
أفضل على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ البسوا هَذِه الثِّيَاب الْبيض فَإِنَّهَا خير ثيابكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم
ثمَّ يُؤْتى بالجنازة وَيحمل عَلَيْهَا الْمَيِّت ويسرع بِهِ فَإِن الْإِسْرَاع بِهِ سنة لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون مشيا دون الخبب وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ عجلوا مَوْتَاكُم فَإِن كَانَ خيرا قدمتموه وَإِن كَانَ شرا ألقيتموه عَن رِقَابكُمْ
وَالْمُسْتَحب للمشيع الْمَشْي خلفهَا دون التَّقَدُّم وَإِن مَشى ماش أمامها كَانَ وَاسِعًا لَكِن لَا يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم الْكل لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ الْجِنَازَة متبوعة وَلَيْسَت بتابعة لَيْسَ مَعهَا من تقدمها
وَتحمل الْجِنَازَة من جوانبها الْأَرْبَع فَيبْدَأ الَّذِي يُرِيد حملهَا بالمقدم الْأَيْمن من الْمَيِّت فَيَجْعَلهُ على عَاتِقه الْأَيْمن ثمَّ الْمُؤخر الْأَيْمن على عَاتِقه الْأَيْمن ثمَّ الْمُقدم الْأَيْسَر على عَاتِقه الْأَيْسَر ثمَّ الْمُؤخر الْأَيْسَر على عَاتِقه الْأَيْمن
وَقَالَ الشَّافِعِي يقوم من يحمل الْجِنَازَة بَين العمودين فَإِن سعد بن معَاذ حمل بَين العمودين
وَالصَّحِيح مَا قُلْنَا لعمل الْأمة من لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا من غير نَكِير وَحَدِيث سعد يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لضيق الْمَكَان أَو لعذر من الْأَعْذَار
وَيكرهُ أَن يحمل الْمَيِّت على الدَّابَّة صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا لِأَن من تَعْظِيم الْمَيِّت أَن يحمل على أَعْنَاق الرِّجَال
وَإِن كَانَ صَبيا فَحَمله إِنْسَان على يَدَيْهِ وَهُوَ رَاكب فَلَا بَأْس بِهِ
وَكَذَا لَا بَأْس بِأَن يحمل الرضع أَو فَوق ذَلِك فِي سقط وَنَحْوه
[ ٢٤٤ ]
على الْأَيْدِي ويتداولونه لِأَن معنى الْكَرَامَة حَاصِل
وَيكرهُ لمشيعي الْجِنَازَة أَن يقعدوا قبل وضع الْجِنَازَة لأَنهم أَتبَاع الْجِنَازَة والتبع لَا يقْعد قبل قعُود الأَصْل تَعْظِيمًا لَهُ
[ ٢٤٥ ]