اعْلَم أَن الزَّكَاة تثبت فرضيتها بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع على مَا ذكرنَا فِي كتاب الصَّلَاة
ثمَّ اخْتلف مَشَايِخنَا فِي كَيْفيَّة فرضيتها ذكر مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي عَن أَصْحَابنَا أَنَّهَا على التَّرَاخِي وَكَذَا قَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص أَنَّهَا على التَّرَاخِي
وَاسْتدلَّ بِمَسْأَلَة هَلَاك النّصاب بعد التَّأْخِير عَن أول الْحول أَنه لَا يضمن وَلَو وَجَبت على الْفَوْر لوَجَبَ الضَّمَان كتأخير الصَّوْم عَن شهر رَمَضَان
وَذكر الْكَرْخِي هَهُنَا أَنَّهَا على الْفَوْر وَذكر فِي الْمُنْتَقى عَن مُحَمَّد أَنَّهَا على الْفَوْر
وَحَاصِل الْخلاف أَن الْأَمر الْمُطلق عَن الْوَقْت على الْفَوْر أم على التَّرَاخِي على قَول بعض مَشَايِخنَا على التَّرَاخِي وعَلى قَول بَعضهم على الْفَوْر وَبِه قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور الماتريدي وَهَذِه من مسَائِل أصُول الْفِقْه تعرف ثمَّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ اعْلَم أَن مَال الزَّكَاة نَوْعَانِ السوائم وَمَال التِّجَارَة لِأَن من شَرط وجوب الزَّكَاة أَن يكون المَال ناميا وَالسَّمَاء من حَيْثُ الْعين يكون بالاسامة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى بِالتِّجَارَة
ثمَّ مَال التِّجَارَة نَوْعَانِ الْأَثْمَان الْمُطلقَة وَهِي الذَّهَب وَالْفِضَّة
[ ٢٦٣ ]
وَمَا سواهُمَا من السّلع غير أَن الْأَثْمَان خلقت فِي الأَصْل للتِّجَارَة فَلَا تحْتَاج إِلَى تعْيين الْعباد للتِّجَارَة بِالنِّيَّةِ فَتجب الزَّكَاة فِيهَا وَإِن لم ينْو التِّجَارَة أَو أمسك للنَّفَقَة فَأَما السّلع فَكَمَا هِيَ صَالِحَة للتِّجَارَة بهَا فَهِيَ صَالِحَة للِانْتِفَاع بِأَعْيَانِهَا بل هُوَ الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ مِنْهَا فَلَا بُد من النِّيَّة حَتَّى تصير للتِّجَارَة
إِذا ثَبت هَذَا فنبدأ بِزَكَاة الذَّهَب وَالْفِضَّة فَنَقُول لَا يخلوا إِمَّا أَن يكون الْإِنْسَان لَهُ فضَّة مُفْردَة أَو ذهب مُفْرد أَو من الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا
فَإِن كَانَت لَهُ فضَّة مُفْردَة إِن كَانَ نِصَابا وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَم وزنا وزن سَبْعَة يجب عَلَيْهِ خَمْسَة دَرَاهِم ربع عشرهَا اجْتمع شَرَائِط الْوُجُوب
وَإِن كَانَ مَا دون ذَلِك لَا يجب لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه كتب فِي كتاب الصَّدقَات لعَمْرو بن حزم الرقة لَيْسَ فِيهَا صَدَقَة حَتَّى تبلغ مِائَتَيْنِ فَإِذا بلغت مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم
ثمَّ الْفضة مَال الزَّكَاة كَيْفَمَا كَانَت مَضْرُوبَة أَو غير مَضْرُوبَة أَو تبرا أَو حليا يحل اسْتِعْمَالهَا أَو لَا أمْسكهَا للنَّفَقَة أَو لَا نوى التِّجَارَة أَو لم ينْو
وَكَذَلِكَ حلية السَّيْف واللجام والسرج وَالْكَوَاكِب الَّتِي فِي الْمَصَاحِف إِذا كَانَت تخلص عِنْد الإذابة
[ ٢٦٤ ]
وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك الْجيد والرديء نَحْو النقرة السَّوْدَاء
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ إِذا كَانَت حليا يحل لبسهَا كحلي النِّسَاء وخواتيم الْفضة للرِّجَال وَنَحْوهَا لَا زَكَاة فِيهَا فِي أحد الْقَوْلَيْنِ
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما روينَا من الحَدِيث من غير فصل
هَذَا إِذا كَانَت خَالِصَة أما إِذا كَانَت مختلطة بالغش إِن كَانَ الْغَالِب هُوَ الْفضة فَكَذَلِك الْجَواب لِأَن الْغِشّ مغمور مستهلك فِيهَا وَإِن كَانَ الْغَالِب هُوَ الْغِشّ وَهِي الستوقة إِن لم تكن أثمانا رائجة أَو معدة للتِّجَارَة فَلَا زَكَاة فِيهَا إِلَّا أَن تكون كَثِيرَة يبلغ مَا فِيهَا من الْفضة نِصَابا
أما إِذا كَانَت أثمانا رائجة أَو معدة للتِّجَارَة
فَإِن تعْتَبر قيمتهَا إِن بلغت نِصَابا من أدنى مَا تجب الزَّكَاة فِيهِ من الدَّرَاهِم الرَّديئَة فَإِنَّهُ تجب فِيهَا الزَّكَاة فَإِنَّهُ روى الْحسن عَن أبي حنيفَة فِيمَن كَانَ عِنْده فلوس أَو دَرَاهِم رصاص أَو نُحَاس مموهة بِحَيْثُ لَا تخلص مِنْهَا الْفضة إِن لم تكن للتِّجَارَة فَلَا زَكَاة فِيهَا وَإِن كَانَت للتِّجَارَة وَقيمتهَا تبلغ مِائَتي دِرْهَم رَدِيئَة فَفِيهَا الزَّكَاة
أما الغطارفة فبعض الْمُتَأَخِّرين قَالُوا يجب فِي كل مِائَتَيْنِ مِنْهَا ربع عشرهَا وَهُوَ خسمة مِنْهَا عددا لِأَنَّهَا من أعز الْأَثْمَان فِي دِيَارنَا
وَقَالَ السّلف ينظر إِن كَانَت أثمانا رائجة يعْتَبر قيمتهَا بِأَدْنَى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الدَّرَاهِم فَتجب الزَّكَاة فِي قيمتهَا وَإِن لم تكن رائجة فَإِن كَانَت سلعا للتِّجَارَة تعْتَبر قيمتهَا أَيْضا وَإِن لم تكن للتِّجَارَة فَفِيهَا الزَّكَاة بِقدر مَا فِيهَا من الْفضة إِن بلغت نِصَابا أَو بِالضَّمِّ إِلَى مَا عِنْده من مَال التِّجَارَة
وَهَذَا هُوَ الْأَصَح
[ ٢٦٥ ]
وَأما الذَّهَب الْمُفْرد إِن يبلغ نِصَابا وَذَلِكَ عشرُون مِثْقَالا فَفِيهِ نصف مِثْقَال
وَإِن كَانَ أقل من ذَلِك فَلَا زَكَاة فِيهِ لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لعَلي يَا عَليّ لَيْسَ فِي الذَّهَب زَكَاة مَا لم يبلغ عشْرين مِثْقَالا فَإِذا بلغ عشْرين مِثْقَالا فَفِيهِ نصف مِثْقَال
ثمَّ الْجيد والرديء والتبر والمصوغ والمضروب والحلي فِيهِ سَوَاء خلافًا للشَّافِعِيّ فِي الْحلِيّ كَمَا فِي الْفضة
وَكَذَلِكَ الحكم فِي الدَّنَانِير الَّتِي الْغَالِب فِيهَا الذَّهَب كالمحمودية وَنَحْوهَا
فَأَما الهروية والمروية وَمَا لم يكن الْغَالِب فِيهَا الذَّهَب فَتعْتَبر قيمتهَا إِن كَانَت أثمانا رائجة أَو للتِّجَارَة وَإِلَّا فيتعبر قدر مَا فِيهَا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وزنا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يخلص بالإذابة
فَأَما إِذا زَاد على نِصَاب الذَّهَب أَو الْفضة فَلَا يجب فِي الزِّيَادَة شَيْء عِنْد أبي حنيفَة حَتَّى تبلغ أَرْبَعَة مَثَاقِيل فِي الذَّهَب فَيجب فِيهَا قيراطان وَأَرْبَعين من الدَّرَاهِم فَيجب فِيهَا دِرْهَم وَلَا تجب فِي أقل من ذَلِك
وَقَالَ أَبُو يُوسُف ومحمدالشافعي تجب الزَّكَاة فِي الكسور بِحِسَاب ذَلِك
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة لِأَن فِي اعْتِبَار الكسور حرجا بِالنَّاسِ والحرج مَوْضُوع
فَأَما إِذا اجْتمع الصنفان فَإِنَّهُ ينظر إِن لم يكن كل وَاحِد مِنْهُمَا نِصَابا أَو كَانَ أَحدهمَا نِصَابا دون الآخر فَإِنَّهُ تجب ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر حَتَّى يكمل النّصاب عندنَا
[ ٢٦٦ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يضم لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ حَتَّى يجوز بيع أَحدهمَا بِالْآخرِ مُتَفَاضلا فَلَا يضم كَمَا فِي السوائم عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُمَا فِي معنى الثمنية وَالتِّجَارَة كشيء وَاحِد فَيجب الضَّم تكميلا للنصاب نظرا للْفُقَرَاء كَمَا فِي مَال التِّجَارَة بِخِلَاف السوائم لِأَن ثمَّة الحكم مُتَعَلق بالصورة وَالْمعْنَى فَلَا يتَحَقَّق تَكْمِيل النّصاب عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس
فَأَما إِذا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا نِصَابا وَلم يكن زَائِدا عَلَيْهِ فَلَا يجب الضَّم بل يَنْبَغِي أَن يُؤَدِّي من كل وَاحِد مِنْهُمَا زَكَاته
وَإِن زَاد على النصابين شَيْء فَإِن كَانَ أقل من أَرْبَعَة مَثَاقِيل أَو أقل من أَرْبَعِينَ درهما فَإِنَّهُ يجب ضم إِحْدَى الزيادتين إِلَى الْأُخْرَى ليتم أَرْبَعِينَ درهما أَو أَرْبَعَة مَثَاقِيل عِنْد أبي حنيفَة لِأَن عِنْده لَا تجب الزَّكَاة فِي الكسور
وَعِنْدَهُمَا لَا يجب ضم إِحْدَى الزيادتين إِلَى الْأُخْرَى لِأَن عِنْدهمَا تجب الزَّكَاة فِي الكسور بِحِسَاب ذَلِك
وَلَو ضم صَاحب المَال أحد النصابين إِلَى الآخر حَتَّى يُؤَدِّي كُله من الذَّهَب أَو من الْفضة فَلَا بَأْس بِهِ وَلَكِن يجب أَن يكون التَّقْوِيم بِمَا هُوَ أَنْفَع للْفُقَرَاء قدرا ورواجا وَإِلَّا فَيُؤَدِّي من كل وَاحِد ربع عشره
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي كَيْفيَّة الضَّم فَقَالَ أَبُو حنيفَة يضم بِاعْتِبَار الْقيمَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يضم بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء دون التَّقْوِيم
وَإِنَّمَا يظْهر الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ قيمَة أَحدهمَا لجودته أَو لصياغته أَزِيد على وَزنه بِأَن كَانَ لَهُ مائَة دِرْهَم وَخَمْسَة دَنَانِير قيمتهَا مائَة دِرْهَم
[ ٢٦٧ ]
فَعِنْدَ أبي حنيفَة يقوم الدَّنَانِير بِخِلَاف جِنْسهَا دَرَاهِم ويضمها إِلَى الدَّرَاهِم فيكمل نِصَاب الدَّرَاهِم من حَيْثُ الْقيمَة فَيجب خَمْسَة دَرَاهِم نظرا للْفُقَرَاء وعَلى قَوْلهمَا يضم بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء دون التَّقْوِيم فيضم نصف نِصَاب الْفضة إِلَى ربع نِصَاب الذَّهَب فَيكون ثَلَاثَة أَربَاع أنصاب فَلَا يجب فِيهِ شَيْء
وَلَو كَانَ مائَة دِرْهَم وَعشرَة دَنَانِير قيمتهَا مائَة وَأَرْبَعُونَ فيضم بِاعْتِبَار الْقيمَة عِنْد أبي حنيفَة فتبلغ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين درهما فَيجب سِتَّة دَرَاهِم
وَعِنْدَهُمَا يضم بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء فَيكون نصف نِصَاب الْفضة وَنصف نِصَاب الذَّهَب نِصَابا تَاما فَيجب فِي نصف كل وَاحِد مِنْهُمَا ربع عشرَة
فَأَما إِذا كَانَ وزنهما وقيمتهما سَوَاء فَلَا يظْهر الْخلاف
فَإِن كَانَ مائَة دِرْهَم وَعشرَة دَنَانِير قيمتهَا مائَة دِرْهَم فَإِنَّهُ تجب الزَّكَاة فِيهِ بالِاتِّفَاقِ على اخْتِلَاف الْأَصْلَيْنِ عِنْده يضم بِاعْتِبَار الْقيمَة وَعِنْدَهُمَا بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء
وَلَو كَانَ مائَة دِرْهَم وَخَمْسَة دَنَانِير قيمتهَا خَمْسُونَ لَا تجب الزَّكَاة فِيهَا بِالْإِجْمَاع لِأَن النّصاب لم يكمل بِالضَّمِّ لَا بِاعْتِبَار الْقيمَة وَلَا بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء
وَأَجْمعُوا أَنه لَا تعْتَبر الْقيمَة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة عِنْد الِانْفِرَاد فِي حق تَكْمِيل النّصاب حَتَّى إِنَّه إِذا كَانَ لَهُ إبريق فضَّة وَزنه مائَة دِرْهَم وَقِيمَته لصياغته مِائَتَا دِرْهَم لَا تجب فِيهِ الزَّكَاة بِاعْتِبَار الْقيمَة
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت آنِية ذهب وَزنهَا عشرَة وَقيمتهَا لصياغتها مِائَتَا دِرْهَم لَا تجب فِيهَا الزَّكَاة بِاعْتِبَار الْقيمَة لِأَن الْجَوْدَة فِي الْأَمْوَال الربوية لَا قيمَة لَهَا عِنْد الِانْفِرَاد وَلَا عِنْد الْمُقَابلَة بجنسها عندنَا
[ ٢٦٨ ]
خلافًا للشَّافِعِيّ لَكِن أَبَا حنيفَة ضم الدَّرَاهِم إِلَى الدَّنَانِير الَّتِي هِيَ خلاف جِنْسهَا لتظهر قيمَة الْجَوْدَة فيكمل النّصاب من حَيْثُ الْمَعْنى احْتِيَاطًا فِي بَاب الْعِبَادَة ونظرا للْفُقَرَاء
[ ٢٦٩ ]