يحْتَاج إِلَى بَيَان أَنْوَاع الطَّلَاق وَإِلَى بَيَان أَحْكَامهَا فَنَقُول الطَّلَاق فِي الأَصْل نَوْعَانِ طَلَاق سنة وَطَلَاق بِدعَة
وَالسّنة نَوْعَانِ نوع يرجع إِلَى الْعدَد وَنَوع يرجع إِلَى الْوَقْت
وَكَذَلِكَ طَلَاق الْبِدْعَة نَوْعَانِ أَيْضا يرجع إِلَى الْعدَد وَالْوَقْت
ثمَّ السّنة فِي الْعدَد وَالْوَقْت نَوْعَانِ عندنَا حسن وَأحسن
فَالْأَحْسَن أَن يُطلق الرجل امْرَأَته وَاحِدَة رَجْعِيَّة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا أَو كَانَت حَامِلا قد استبان حملهَا
وَأما الْحسن فَأن يطلقهَا وَاحِدَة فِي طهر لم يواقعها فِيهِ ثمَّ يُطلق فِي الطُّهْر الآخر وَاحِدَة ثمَّ فِي الطُّهْر الثَّالِث وَاحِدَة فَتبين
وَأما طَلَاق الْبِدْعَة فِي الْوَقْت فَأن يطلقهَا فِي حَالَة الْحيض أَو فِي طهر جَامعهَا فِيهِ
وَأما طَلَاق الْبِدْعَة فِي الْعدَد فَأن يطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة
ثمَّ السّنة الَّتِي ترجع إِلَى الْعدَد تستوي فِيهَا الْمَدْخُول بهَا وَغير الْمَدْخُول بهَا لِأَنَّهُ إِيقَاع الطَّلَاق من غير حَاجَة
فَأَما السّنة فِي الْوَقْت فيختلف فِيهَا الْمَدْخُول بهَا وَغير الْمَدْخُول بهَا
[ ٢ / ١٧١ ]
فَإِن الطَّلَاق فِي حَالَة الْحيض يكره عَلَيْهَا إِذا كَانَ مَدْخُولا بهَا لَا غير لِأَن فِيهِ تَطْوِيل الْعدة فَأَما فِي غير المدخلة فَلَا يكره لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى تَطْوِيل الْعدة فَإِنَّهُ لَا عدَّة عَلَيْهَا
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا من السّنة والبدعة قَول أَصْحَابنَا وَقَالَ الشَّافِعِي لَا أعرف فِي عدد الطَّلَاق سنة وَلَا بِدعَة وَإِنَّمَا السّنة والبدعة فِي الْوَقْت على مَا ذكرنَا
وأصل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عمر أَنه طلق امْرَأَته فِي حَالَة الْحيض فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ أَخْطَأت السّنة مَا هَكَذَا أَمرك الله إِن من السّنة أَن يسْتَقْبل الطُّهْر فيطلقها لكل قرء تَطْلِيقَة
هَذَا الَّذِي ذكرنَا فِي حق ذَوَات الْأَقْرَاء
فَأَما فِي حق الآيسة وَالصَّغِيرَة فطلاق السّنة أَن يفصل بَين كل تَطْلِيقَة بِشَهْر بِالْإِجْمَاع
وَفِي حق الممتد طهرهَا لَا يُطلق للسّنة إِلَّا وَاحِدَة
وَأما فِي الْحَامِل فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف يُطلق ثَلَاثًا للسّنة ويفصل بَين كل تَطْلِيقَة بِشَهْر
وَقَالَ مُحَمَّد وَزفر لَا يُطلق للسّنة إِلَّا وَاحِدَة وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
ثمَّ فِي حق الآيسة وَالصَّغِيرَة إِذا دخل بهما لَا يكره الطَّلَاق وَإِن طلقهما فِي طهر جامعهما فِيهِ بل يُبَاح لَهُ الطَّلَاق فِي أَي وَقت شَاءَ لِأَن احْتِمَال الْحَبل مَعْدُوم وَفِي ذَات الْأَقْرَاء يكره لهَذَا
وَكَذَلِكَ فِي حق الْحَامِل لِأَن الْكَرَاهَة للندامة بِسَبَب الْحمل فَمَتَى طَلقهَا مَعَ قيام الْحمل علم أَنه لم ينْدَم
هَذَا الَّذِي ذكرنَا فِي حق الْحرَّة فَأَما فِي حق الْأمة الْمسلمَة والكتابية
[ ٢ / ١٧٢ ]
فَلَا يخْتَلف الْجَواب فِي حق السّنة والبدعة إِلَّا أَن فِي حق الْأمة طَلَاق السّنة وَاحِدَة لِأَن طَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ وعدتها حيضتان
وَلَو طلق امْرَأَته وَاحِدَة ثمَّ رَاجعهَا فِي ذَلِك الطُّهْر فَلهُ أَن يطلقهَا ثَانِيًا للسّنة عِنْد أبي حنيفَة وَزفر
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يُطلق
وَعَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ
وَأَجْمعُوا أَنه لَو أَبَانهَا فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ ثمَّ تزَوجهَا لَهُ أَن يطلقهَا ثَانِيًا للسّنة
فَأَبُو حنيفَة ألحق الْمُرَاجَعَة بِالتَّزْوِيجِ وَالْمعْنَى الْجَامِع بَينهمَا أَن بالمراجعة بَطل حكم الطَّلَاق فَجعل كَأَن لم يكن
وعَلى هَذَا قَالُوا لَو رَاجعهَا بالقبلة واللمس لَهُ أَن يطلقهَا ثَانِيًا فِي ذَلِك الطُّهْر عِنْد أبي حنيفَة فَأَما إِذا رَاجعهَا بِالْوَطْءِ فَلَا يُطلق ثَانِيًا لِأَن الْوَطْء دَلِيل الْمُرَاجَعَة فَيصير كَمَا لَو رَاجع ثمَّ جَامعهَا لَيْسَ لَهُ أَن يطلقهَا
فَأَما إِذا جَامعهَا فحبلت جَازَ لَهُ أَن يُطلق أُخْرَى فِي ذَلِك الطُّهْر فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَزفر وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يطلقهَا وَالصَّحِيح قَوْلهم لِأَن الْكَرَاهَة لمَكَان احْتِمَال الْحَبل فَإِذا علم بالحبل وطلق فَالظَّاهِر أَنه لَا ينْدَم كَمَا إِذا ظهر الْحَبل فجامعها ثمَّ طَلقهَا لَا يكره لما قُلْنَا
وَإِذا طلق امْرَأَته فِي حَالَة الْحيض ثمَّ رَاجعهَا ثمَّ أَرَادَ طَلاقهَا للسّنة ذكر فِي الأَصْل أَنَّهَا إِذا طهرت ثمَّ حَاضَت ثمَّ طهرت طَلقهَا إِن شَاءَ
[ ٢ / ١٧٣ ]
وَذكر الطَّحَاوِيّ أَنه يطلقهَا فِي الطُّهْر الَّذِي يَلِي الْحَيْضَة
وَذكر الْكَرْخِي وَقَالَ مَا ذكره الطَّحَاوِيّ قَول أبي حنيفَة وَمَا ذكر فِي الأَصْل قَوْلهمَا
وَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ الْقيَاس لِأَنَّهُ طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَمَا ذكر فِي الأَصْل لحَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي ﵇ قَالَ لعمر مر ابْنك فَلْيُرَاجِعهَا ثمَّ يَدعهَا حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض فَتطهر ثمَّ يطلقهَا إِن شَاءَ طَاهِرا من غير جماع
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق للسّنة فَإِن كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء
وَهِي طَاهِرَة من غير جماع يَقع الطَّلَاق للْحَال وَإِن كَانَت حَائِضًا أَو فِي طهر جَامعهَا فِيهِ لم يَقع السَّاعَة فَإِذا حَاضَت وطهرت وَقعت بهَا تَطْلِيقَة
وَإِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثِنْتَيْنِ للسّنة أَو ثَلَاثًا للسّنة وَقع عِنْد كل طهر لم يواقعها فِيهِ طَلْقَة
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا للسّنة وَنوى الْوُقُوع للْحَال يَقع عندنَا خلافًا ل زفر لِأَن السّنة نَوْعَانِ سنة إِيقَاع وَسنة وُقُوع فَإِن وُقُوع الثَّلَاث عَرفْنَاهُ جَائِزا مَشْرُوعا بِالسنةِ وَسنة الْإِيقَاع مَا ذكرنَا فَإِذا نوى صحت نِيَّته
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق للسّنة وَنوى الثَّلَاث صَحَّ لما ذكرنَا أَن سنة الْإِيقَاع نَوْعَانِ حسن وَأحسن فَإِذا لم يكن لَهُ نِيَّة يَقع على الْأَحْسَن وَهُوَ الطَّلَاق الْوَاحِد فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَإِذا نوى الثَّلَاث فقد نوى إِيقَاعه فِي ثَلَاثَة أطهار فَيَقَع عِنْد كل طهر وَاحِدَة كَأَنَّهُ قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَة أطهار
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق للبدعة وَنوى الثَّلَاث صَحَّ لِأَن
[ ٢ / ١٧٤ ]
إِيقَاعه الثَّلَاث جملَة فِي طهر وَاحِد بِدعَة وَالطَّلَاق فِي حَالَة الْحيض بِدعَة فَإِذا نوى الثَّلَاث فقد نوى مَا يحْتَملهُ كَلَامه فَصحت نِيَّته
فَأَما فِي حق الآيسة وَالصَّغِيرَة وَالْحَامِل فَإِنَّهُ إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا للسّنة يَقع للْحَال وَاحِدَة وَعند كل شهر أُخْرَى لقِيَامه مقَام الطُّهْر
وعَلى هَذَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق طَلَاق الْعدة أَو طَلَاق الْعدْل أَو طَلَاق الْإِسْلَام أَو طَلَاق الْحق أَو طَلَاق الْقُرْآن أَو أجمل الطَّلَاق أَو أعدل الطَّلَاق أَو أحسن الطَّلَاق فَالْجَوَاب فِيهِ مثل قَوْله أَنْت طَالِق للسّنة
ثمَّ يتنوع الطَّلَاق أَيْضا إِلَى نَوْعَيْنِ آخَرين رَجْعِيّ وبائن
أما الرَّجْعِيّ فَهُوَ صَرِيح الطَّلَاق إِذا كَانَ وَاحِدًا أَو اثْنَتَيْنِ
والصريح مَا اشتق من لفظ الطَّلَاق نَحْو قَوْلك أَنْت طَالِق وَأَنت مُطلقَة وطلقتك وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَنْت الطَّلَاق لِأَن الْمصدر قد يُرَاد بِهِ الْمَفْعُول كَأَنَّهُ قَالَ أَنْت مُطلقَة وَقد يُرَاد بِهِ الْفَاعِل فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْت طَالِق
وَكَذَلِكَ الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة الَّتِي تسمى كِنَايَة نَحْو قَوْلك اعْتدي واستبري رَحِمك وَأَنت وَاحِدَة فَإِنَّهُ يكون رَجْعِيًا لِأَن قَوْله اعْتدي إِن كَانَ بعد الدُّخُول يَقع الطَّلَاق بِهِ بطرِيق الِاقْتِضَاء لِأَن الْأَمر بالاعتداد يكون بعد الطَّلَاق فَيصير الطَّلَاق ثَابتا مُقْتَضى صِحَة الْأَمر كَأَنَّهُ قَالَ طَلقتك فاعتدي وَإِن كَانَ قبل الدُّخُول بهَا يَجْعَل مجَازًا عَن الطَّلَاق
وَكَذَا قَوْله استبري رَحِمك وَقَوله أَنْت وَاحِدَة أَي أَنْت طَالِق طَلْقَة وَاحِدَة
[ ٢ / ١٧٥ ]
ثمَّ مَا كَانَ من الصَّرِيح لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى النِّيَّة
وَأما فِي هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة فَيحْتَاج إِلَى النِّيَّة
فَإِن نوى بقوله أَنْت طَالِق ونظائره ثَلَاث تَطْلِيقَات أَو طَلْقَتَيْنِ لَا يَصح عندنَا وَعند زفر وَالشَّافِعِيّ يَصح
فَأَما إِذا ذكر بِلَفْظَة الْأَمر بِأَن قَالَ طَلِّقِي نَفسك أَو قَالَ لرجل طلق امْرَأَتي وَنوى الثَّلَاث صَحَّ
وَكَذَلِكَ إِذا قرن بِهِ الْمصدر بِأَن قَالَ أَنْت طَالِق طَلَاقا وَكَذَا إِذا ذكر الْمصدر وَحده بِأَن قَالَ أَنْت الطَّلَاق وَنوى الثَّلَاث صَحَّ بِالْإِجْمَاع
وَلَا خلاف فِي الْكِنَايَات المنبئة عَن الْبَيْنُونَة وَالْحُرْمَة نَحْو قَوْلك أَنْت بَائِن أَنْت عَليّ حرَام وَنوى الثَّلَاث فَإِنَّهُ يَقع الثَّلَاث وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَقَالَ أردْت طَلَاقا عَن وثاق يصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله دون الْقَضَاء لِأَنَّهُ صرف الْكَلَام عَن ظَاهره شرعا
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَقَالَ أردْت الطَّلَاق عَن الْعَمَل لَا يصدق أصلا كَذَا قَالَ أَصْحَابنَا
وروى الْحسن على أبي حنيفَة أَنه قَالَ يصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله فِي الْفَصْلَيْنِ
وَلَو قَالَ أَنْت مُطلقَة رَجْعِيَّة لَا يَقع بِدُونِ النِّيَّة
وَلَو قَالَ أَنْت أطلق من امْرَأَة فلَان وَهِي مُطلقَة فَإِنَّهُ يقف على النِّيَّة إِلَّا إِذا كَانَ فِي حَال سُؤال الطَّلَاق مِنْهَا فَإِنَّهُ يَقع من غير نِيَّة
وَلَو قَالَ يَا مُطلقَة أَو يَا طَالِق وَقَالَ أردْت بِهِ الشتم يصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله دون الْقَضَاء إِن لم يكن لَهَا زوج قبله فَأَما إِذا كَانَ لَهَا
[ ٢ / ١٧٦ ]
زوج قبله فَإِنَّهُ يصدق فِي الْقَضَاء
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق طَالِق أَو طَلقتك طَلقتك وعنى بِالثَّانِي الْإِخْبَار يصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله دون الْقَضَاء
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق فَقَالَ رجل مَا قلت فَقَالَ قلت هِيَ طَالِق أَو قَالَ قد طَلقتهَا فَهِيَ وَاحِدَة فِي الْقَضَاء لِأَن الظَّاهِر يدل عَلَيْهِ
وَأما حكم الطَّلَاق الرَّجْعِيّ فَنَقُول إِنَّه يُوجب الْحُرْمَة وَزَوَال الْملك عِنْد انْقِضَاء الْعدة وَفِي الْحَال ينْعَقد سَببا لزوَال الْملك وَيتم عَلَيْهِ عِنْد انْقِضَاء الْعدة
وَكَذَا ينْعَقد سَببا لزوَال حل الْمَحَلِّيَّة عِنْد انضمام الطَّلقَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة إِلَيْهِ
فَأَما فِي الْحَال فَلَا يَزُول شَيْء من الْحل وَالْملك
وَهَذَا عندنَا
وعَلى قَول الشَّافِعِي حكمه للْحَال زَوَال حل الْوَطْء وَزَوَال الْملك من وَجه
وعَلى هَذَا يَنْبَنِي حل الْوَطْء عندنَا لقِيَام ملك النِّكَاح من كل وَجه وَإِنَّمَا يَزُول عِنْد انْقِضَاء الْعدة فَيكون الْحل قَائِما قبل انْقِضَاء الْعدة وَتَكون الرّجْعَة اسْتِدَامَة الْملك وَعِنْده الرّجْعَة إنْشَاء النِّكَاح من وَجه واستبقاء من وَجه فَيَقُول بِالْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا
وعَلى هَذَا يَنْبَنِي أَن الْإِشْهَاد لَيْسَ بِشَرْط فِي الرّجْعَة عندنَا وَعِنْده شَرط لما كَانَ إنْشَاء النِّكَاح من وَجه
وَأَجْمعُوا أَنه يملك الْمُرَاجَعَة من غير رضَا الْمَرْأَة وَمن غير مهر وَمن غير تَجْدِيد العقد وَهُوَ أَن يَقُول لامْرَأَته رَاجَعتك أَو عبارَة تقوم مقَامهَا فِي هَذَا الْمَعْنى وَالْأَفْضَل أَن يشْهد على رَجعتهَا وَأَن يعلمهَا بذلك
[ ٢ / ١٧٧ ]
وعَلى هَذَا إِن الرّجْعَة لَا تثبت بِالْفِعْلِ عِنْده لِأَن إنْشَاء النِّكَاح من كل وَجه يكون بالْقَوْل وَالرَّجْعَة إنْشَاء من وَجه فَيجب أَن تكون بالْقَوْل أَيْضا لَكنا نقُول عندنَا تثبت الرّجْعَة والإعادة إِلَى الْحَالة الأولى بطرِيق الدّلَالَة لِأَن الطَّلَاق الرَّجْعِيّ مَتى زَالَ الْملك بِهِ عِنْد انْقِضَاء الْعدة يثبت من وَقت التَّكَلُّم من وَجه لِأَن الْإِبَانَة قَول الزَّوْج قَوْله هُوَ الطَّلَاق السَّابِق فَلَو لم تصح الرّجْعَة بِالْوَطْءِ لصار الْوَطْء وَاقعا فِي ملك الْغَيْر من وَجه فَكَانَ الْإِقْدَام على الْوَطْء دلَالَة الرّجْعَة وَالرَّدّ إِلَى الْحَالة الأولى احْتِرَازًا عَن الْحُرْمَة من وَجه
وَكَذَا إِذا لمسها بِشَهْوَة أَو نظر إِلَى فرجهَا بِشَهْوَة لِأَن ذَلِك حرَام أَيْضا فِي غير الْملك من وَجه
فَأَما النّظر إِلَى فرجهَا لَا عَن شَهْوَة وَالنَّظَر إِلَى سَائِر أعضائها عَن شَهْوَة فَلَا يُوجب الْمُرَاجَعَة لِأَن هَذَا مِمَّا يُبَاح فِي الْجُمْلَة
وَلَو جامعت الزَّوْج وَهُوَ نَائِم أَو مَجْنُون تثبت الرّجْعَة
وَلَو لمسته الْمَرْأَة بِشَهْوَة مختلسة أَو كَانَ نَائِما واعترف أَنه كَانَ بِشَهْوَة فَهُوَ رَجْعَة عِنْد أبي حنيفَة
وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد لَيْسَ برجعة
وَقد ذكرنَا الْمَسْأَلَة فِي كتاب الْبيُوع فِي الْجَارِيَة الْمُشْتَرَاة بِشَرْط الْخِيَار للْمُشْتَرِي إِذا لمست المُشْتَرِي بِشَهْوَة على الاختلاس فَلَا نعتد بِهِ
ثمَّ إِنَّمَا تصح الرّجْعَة إِذا رَاجعهَا فِي الْعدة
فَلَا تصح بعد انْقِضَاء الْعدة لِأَنَّهُ زَالَ الْملك فَلَا بُد من تَجْدِيد العقد
وَلَو أَنَّهَا إِذا طهرت من الْحَيْضَة الثَّالِثَة فَقَالَ رَاجَعتك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون أَيَّامهَا عشرَة أَو مَا دون الْعشْرَة فَإِن كَانَت أَيَّامهَا عشرَة فَإِنَّهُ لَا تصح الرّجْعَة وَتحل للأزواج
[ ٢ / ١٧٨ ]
لِأَن عدتهَا تَنْقَضِي بِمُجَرَّد مُضِيّ الْعشْرَة
فَأَما إِذا كَانَت مَا دون الْعشْرَة فَإِن اغْتَسَلت لَا تصح الرّجْعَة وَتحل للأزواج وَإِن كَانَ قبل الِاغْتِسَال فَلَا تحل للأزواج وَتَصِح الرّجْعَة لِأَن مُدَّة الِاغْتِسَال من الْحيض بِإِجْمَاع الصَّحَابَة
وَلَو اغْتَسَلت بسؤر حمَار فَلَا تصح الرّجْعَة وَلَا تحل للأزواج لِأَن سُؤْر الْحمار مَشْكُوك فِيهِ فَكَانَ الِاحْتِيَاط فِي بَاب الْحُرْمَة أَن لَا تصح الرّجْعَة وَلَا تحل للأزواج
وَلَو اغْتَسَلت وَبَقِي فِي بدنهَا عُضْو كَانَت لَهُ الرّجْعَة وَإِن كَانَ أقل من عُضْو فَلَا رَجْعَة وَهَذَا اسْتِحْسَان وَالْقِيَاس أَنه إِذا بَقِي أقل من عُضْو أَن تبقى الرّجْعَة لِأَن الْحَدث بَاقٍ حَتَّى لَا تحل لَهَا الصَّلَاة هَكَذَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف وَقَالَ مُحَمَّد الِاسْتِحْسَان فِي الْعُضْو أَنه لَا تَنْقَطِع الرّجْعَة وَالْقِيَاس أَنه تَنْقَطِع كَمَا فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إِلَّا أَنهم استحسنوا وَقَالُوا لَا تَنْقَطِع الرّجْعَة لِأَن وجوب غسل الْعُضْو مجمع عَلَيْهِ فَلَا يكون الِاغْتِسَال مُعْتَبرا مَعَه كَمَا لَو زَاد على الْعُضْو
فَأَما إِذا بَقِي الْمَضْمَضَة أَو الِاسْتِنْشَاق فقد رُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ تَنْقَطِع الرّجْعَة وَلَا تحل للأزواج لِأَن الْمَضْمَضَة مُخْتَلف فِي وُجُوبهَا فَكَانَ الِاحْتِيَاط أَن تَنْقَطِع الرّجْعَة وَلَا تحل للأزواج
هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم الِاغْتِسَال
وَلَو مضى وَقت صَلَاة كَامِل قبل أَن تَغْتَسِل فَإِنَّهُ تَنْقَطِع الرّجْعَة
لِأَن الصَّلَاة صَارَت دينا فَيكون لَهَا حكم الطاهرات مُطلقًا
فَأَما إِذا تيممت بِأَن كَانَت مسافرة فَإِن صلت تَنْقَطِع الرّجْعَة أَيْضا فَأَما بِنَفس التَّيَمُّم فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا تَنْقَطِع
وَعند مُحَمَّد وَزفر تَنْقَطِع وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
[ ٢ / ١٧٩ ]
وَلَو قَالَ الزَّوْج قد كنت رَاجَعتك أمس وكذبته الْمَرْأَة فَإِن كَانَت فِي الْعدة فَالْقَوْل قَوْله لِأَنَّهُ أخبر بِمَا يملك إنشاءه للْحَال
وَإِن قَالَ بعد انْقِضَاء الْعدة وكذبته الْمَرْأَة فَالْقَوْل قَوْلهَا لِأَنَّهُ أخبر بِمَا لَا يملك للْحَال إنشاءه وَلَا يَمِين عَلَيْهَا عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما وَهَذِه من جملَة الْمسَائِل السَّبْعَة الَّتِي لَا يسْتَحْلف فِيهَا عِنْده
فَإِن قَالَ قد رَاجَعتك فَقَالَت مجيبة قد انْقَضتْ عدتي فَالْقَوْل قَوْلهَا عِنْد أبي حنيفَة وَقَالا القَوْل قَول الزَّوْج وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَمن حكم الطَّلَاق الرَّجْعِيّ أَن تكون الْأَقْرَاء محسوبة من الْعدة لِأَن الطَّلَاق وَاقع فِي حق أحد الْحكمَيْنِ وَهُوَ انْعِقَاده سَببا لزوَال حل التَّزَوُّج
وَأما الطَّلَاق الْبَائِن فَنَذْكُر أقسامه وَأَحْكَامه فَنَقُول الطَّلَاق الْبَائِن أَقسَام ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يقْتَرن بِصَرِيح الطَّلَاق مَا يدل على الْبَيْنُونَة وَالثَّانِي أَن يكون اللَّفْظ منبئا عَن الْبَيْنُونَة وَالثَّالِث مَا يَقع بِهِ الْبَيْنُونَة من طَرِيق الحكم
أما الأول فَنَقُول إِذا اقْترن بِالصَّرِيحِ الْعدَد الثَّلَاث بِأَن قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا أَو اقْترن بِاللَّفْظِ المنبىء عَن الْبَيْنُونَة صفة للْمَرْأَة من غير حرف الْعَطف كَقَوْلِه أَنْت طَالِق بَائِن أَو طَالِق الْبَتَّةَ أَو أَنْت طَالِق حرَام
وَعَن أبي يُوسُف أَنه إِذا قَالَ أَنْت طَالِق للبدعة وَنوى وَاحِدَة
[ ٢ / ١٨٠ ]
بَائِنَة تكون بَائِنَة وروى هِشَام عَن مُحَمَّد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه وَاحِدَة رَجْعِيَّة
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق أقبح الطَّلَاق رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه رَجْعِيّ وَقَالَ مُحَمَّد أَنه بَائِن
وَالْقسم الثَّانِي أَن يُوقع بِأَلْفَاظ دَالَّة على الْبَيْنُونَة وَالْقطع وَالْحُرْمَة وَهِي تسمى كنايات الطَّلَاق
وَهِي فِي الْجُمْلَة أَقسَام ثَلَاثَة مِنْهَا مَا يصلح للشتم والتبعيد وَالطَّلَاق وَمِنْهَا مَا يصلح للطَّلَاق والتبعيد وَلَا يصلح للشتم وَمِنْهَا مَا لَا يصلح للطَّلَاق
وَالْأَحْوَال ثَلَاثَة حَال ذكر الطَّلَاق وَحَال الْغَضَب وَحَال ابْتِدَاء الزَّوْج بِالطَّلَاق لَيْسَ بِحَال سُؤال الطَّلَاق وَلَا حَال الْغَضَب
وَهَهُنَا حكمان أَحدهمَا أَن وُقُوع الطَّلَاق بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ يفْتَقر إِلَى نِيَّة الطَّلَاق أم لَا وَالثَّانِي إِذا قَالَ الْمُتَكَلّم مَا عنيت بِهَذَا اللَّفْظ الطَّلَاق هَل يصدق أم لَا فَنَقُول أما بَيَان الحكم الأول إِذا ذكر لفظا يصلح للطَّلَاق فِي غير حَال مذاكرة الطَّلَاق وَحَال الْغَضَب كَيْفَمَا كَانَ فَإِذا نوى بِهِ الطَّلَاق يَقع وَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة لَا يَقع لِأَنَّهُ كَمَا يصلح للفرقة لأمر آخر فَإِن قَوْله بَائِن يحْتَمل بينونة الطَّلَاق وَيحْتَمل الْبَيْنُونَة عَن الْخَيْر أَو عَن الشَّرّ
وَكَذَلِكَ قَوْله اذهبي واغربي والحقي بأهلك فَإِنَّهُ كَمَا
[ ٢ / ١٨١ ]
يصلح للطَّلَاق يصلح للإبعاد عَن نَفسه والتغريب من غير طَلَاق مُحْتَمل والمحتمل لَا يَقع بِدُونِ النِّيَّة
وَإِن كَانَ لفظا لَا يصلح للطَّلَاق فَإِنَّهُ لَا يَقع بِهِ الطَّلَاق وَإِن نوى لِأَن الطَّلَاق يَقع بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ كَقَوْلِه اسْقِنِي واقعدي وأعرضت عَن طَلَاقك وصفحت عَن فراقك وَتركت طَلَاقك وخليت سَبِيل طَلَاقك وَنَحْو ذَلِك
وَأما فِي حَال ذكر الطَّلَاق وَحَال الْغَضَب فَفِي تِسْعَة أَلْفَاظ من الْكِنَايَات يَقع الطَّلَاق بِلَا نِيَّة وَهِي قَوْله أَنْت بَائِن وَأَنت عَليّ حرَام وخلية وبريئة وبتة وأمرك بِيَدِك واختاري واعتدي واستبري رَحِمك لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ كَمَا تصلح للطَّلَاق تصلح لغيره وَالْحَال يدل على الطَّلَاق ظَاهرا لِأَنَّهُ حَال سُؤال الطَّلَاق وَحَال الْغَضَب وَالْخُصُومَة فَكَانَ الظَّاهِر أَنه قصد الطَّلَاق بذلك فرجح جَانب الطَّلَاق على غَيره
وَأما فِي سَائِر الْأَلْفَاظ نَحْو قَوْلك لَا سَبِيل لي عَلَيْك وفارقتك وخليت سَبِيلك وَلَا ملك لي عَلَيْك والحقي بأهلك ووهبتك لأهْلك واغربي واخرجي واذهبي وقومي واستتري وتقنعي وتزوجي وَلَا نِكَاح عَلَيْك وَنَحْو ذَلِك فَلَا يَقع إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ كَمَا تصلح للطَّلَاق تصلح للتبعيد عَن نَفسه وَالْإِنْسَان قد يبعد امْرَأَته من غير طَلَاق فَلَا بُد من النِّيَّة
وَأما الحكم الثَّانِي وَهُوَ أَنه إِذا قَالَ مَا عنيت بِهِ الطَّلَاق هَل يصدق فَنَقُول فِي كل لفظ يصلح للطَّلَاق يصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله لكَونه مُحْتملا فَأَما فِي الْقَضَاء فَهَل يصدق فَهُوَ على أَقسَام ثَلَاثَة
[ ٢ / ١٨٢ ]
قسم مِنْهُ لَا يدين فِي الْأَحْوَال كلهَا وَهُوَ أَرْبَعَة أَلْفَاظ قَوْله أَمرك بِيَدِك واختاري واعتدي واستبري رَحِمك لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ لَا تصلح للشتم وَلَا للتبعيد فَالظَّاهِر مِنْهَا الطَّلَاق وَالْحَال يدل عَلَيْهِ فَلَا يصدق فِي الْقَضَاء
وَقسم مِنْهُ يدين فِي حَال الْغَضَب وَلَا يدين فِي حَال ذكر الطَّلَاق وَذَلِكَ فِي كل لفظ يصلح للشتم وَهِي خَمْسَة أَلْفَاظ أَنْت خلية بَريَّة بتة باين أَنْت عَليّ حرَام لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ تصلح للشتم وَتصْلح للطَّلَاق وَحَال الْغَضَب يصلح للأمرين جَمِيعًا فَكَانَ الْحَال مُحْتملا وَاللَّفْظ مُحْتملا للطَّلَاق وَغَيره فَلَا يكون قَوْله خلاف الظَّاهِر فَيصدق وَأما فِي حَال ذكر الطَّلَاق فَذكر هَذِه الْأَلْفَاظ مَعَ الرضى لَا يصلح إِلَّا للطَّلَاق فَحمل عَلَيْهِ دون الشتم
وَقسم مِنْهُ يدين فِي حَال الْغَضَب وَحَال ذكر الطَّلَاق وَهِي الْأَلْفَاظ الَّتِي تصلح للتبعيد وَالطَّلَاق دون الشتم لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ تصلح للتبعيد وَتصْلح للطَّلَاق فَلَا يتَرَجَّح أحد الْأَمريْنِ بِالْحَال وَقد نوى مَا يحْتَملهُ كَلَامه وَالظَّاهِر لَا يُخَالِفهُ فَيصدق فِي الْقَضَاء
وَالْقسم الثَّالِث وَأما الْبَائِن الَّذِي يَقع حكما فكثير كاعتراض حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَالرّضَاع وَاللّعان وَالرِّدَّة وَنَحْوهَا لِأَن الْغَرَض هُوَ الْمُفَارقَة بَينهمَا فَلَا بُد من ثُبُوت الْبَيْنُونَة لَكِن بَعْضهَا يكون طَلَاقا بِالْإِجْمَاع بَين أَصْحَابنَا وَبَعضهَا يكون فسخا بِالْإِجْمَاع وَبَعضهَا مُخْتَلف فِيهِ
أما الأول فكالفرقة بالإيلاء فَإِذا مَضَت مُدَّة الْإِيلَاء بَانَتْ بتطليقة بَائِنَة عندنَا لِأَنَّهُ حصل بقول الزَّوْج وكتفريق القَاضِي بِسَبَب الْعنَّة
[ ٢ / ١٨٣ ]
فَإِن القَاضِي نَائِب عَن الزَّوْج فِي التَّفْرِيق الْوَاجِب عَلَيْهِ
وَأما مَا يكون فسخا بِالْإِجْمَاع فكالفرقة الَّتِي تقع بِحرْمَة مُؤَبّدَة مثل حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَحُرْمَة الرَّضَاع لِأَنَّهَا خلاف حكم الطَّلَاق
وَكَذَلِكَ كل فرقة حصلت بِفعل الْمَرْأَة أَو حصلت لَا بِفعل الزَّوْجَيْنِ فَهِيَ فسخ لِأَن الْمَرْأَة لَا تملك الطَّلَاق وَالطَّلَاق لَا بُد لَهُ من قَول الزَّوْج وَذَلِكَ نَحْو اخْتِيَار الْأمة الْمُعتقَة نَفسهَا أَو اخْتِيَار الصَّغِيرَة إِذا أدْركْت وردة الْمَرْأَة وإباؤها الْإِسْلَام بعد إِسْلَام زَوجهَا والفرقة الْوَاقِعَة باخْتلَاف الدَّاريْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فعل أحد وَكَذَا إِذا ملك أحد الزَّوْجَيْنِ صَاحبه لِأَنَّهُ تقع الْفرْقَة بِلَا فعل وَكَذَا إِذا أسلم الْحَرْبِيّ وَتَحْته أَكثر من أَربع نسْوَة فَاخْتَارَ أَرْبعا مِنْهُنَّ تقع الْفرْقَة على الْبَاقِيَات بِغَيْر طَلَاق لِأَن الْحُرْمَة تثبت شرعا وَاخْتِيَار الزَّوْج للْبَيَان لَا أَنه طَلَاق وَكَذَا اخْتِيَار الصَّغِير نَفسه بعد الْبلُوغ وَإِن كَانَ فعله لِأَنَّهُ رفع النِّكَاح من وَجه وَالْفَسْخ يثبت بطرِيق الضَّرُورَة
وَأما الْمُخْتَلف فِيهِ فنحو الْفرْقَة بِسَبَب اللّعان عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد تكون طَلَاقا وَعند أبي يُوسُف تكون فسخا لِأَنَّهُ يثبت بِهِ حُرْمَة مُؤَبّدَة عِنْده خلافًا لَهما
وَكَذَا ردة الزَّوْج عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف فرقة بَائِنَة بِغَيْر طَلَاق
وَقَالَ مُحَمَّد هِيَ طَلَاق بَائِن
وإباء الزَّوْج الْإِسْلَام إِذا أسلمت امْرَأَته الذِّمِّيَّة فَهُوَ طَلَاق بَائِن عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف فرقة بَائِنَة بِغَيْر طَلَاق
ف مُحَمَّد سوى بَينهمَا وجعلهما طَلَاقا بَائِنا
وَأَبُو يُوسُف جَعلهمَا فسخا
وَأَبُو حنيفَة فرق بَينهمَا فَقَالَ ردة الزَّوْج فسخ وإباؤه الْإِسْلَام طَلَاق
[ ٢ / ١٨٤ ]
وَأما بَيَان أَحْكَام الطَّلَاق الْبَائِن فَنَقُول مِنْهَا إِن كَانَ وَاحِدًا يَزُول بِهِ ملك النِّكَاح وَتبقى الْمَرْأَة محلا للنِّكَاح بطلاقين حَتَّى لَا يحل لَهُ الِاسْتِمْتَاع بهَا وَلَا يَصح الظِّهَار وَالْإِيلَاء وَلَا يجْرِي التَّوَارُث وَلَا تحل إِلَّا بتجديد النِّكَاح وَلَو وَطئهَا لَا يجب الْحَد لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْكِنَايَات إِنَّهَا بوائن أَو رواجع وأصحابنا أخذُوا بقول من قَالَ إِنَّهَا بوائن
وَالشَّافِعِيّ أَخذ بقول من قَالَ إِنَّهَا رواجع
وَإِن كَانَت الْبَيْنُونَة بِالثلَاثِ يَزُول الْملك وَحل الْمَحَلِّيَّة جَمِيعًا حَتَّى لَا يحل لَهُ وَطئهَا إِلَّا بعد إِصَابَة الزَّوْج الثَّانِي
وَإِن وجد عقد النِّكَاح أَو ملك الْيَمين فَإِن النِّكَاح لَا يَصح لعدم حل الْمَحَلِّيَّة وبسبب ملك الْيَمين يَصح وَلَا يُفِيد الْحل
وَمِنْهَا أَن المبانة والمختلعة يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق مَا دَامَت فِي الْعدة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَأَجْمعُوا أَنه لَا تلحقها الْكِنَايَات المزيلة للنِّكَاح وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَمِنْهَا أَن الطَّلَاق الْبَائِن هَل يكره إِذا خلا عَن الْعدَد والعوض فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا يكره
وَفِي رِوَايَة الزِّيَادَات يكره
وَإِذا اقْترن بِهِ الْعدَد يكره بِالْإِجْمَاع
وَإِذا اقْترن بِهِ الْعِوَض وَهُوَ الْخلْع لَا يكره على مَا نذْكر
ثمَّ وُقُوع الطَّلَاق بِمَا ذكرنَا من الْأَلْفَاظ يَسْتَوِي فِيهِ الْجَواب بَين أَن وجد من الزَّوْج أَو من نَائِبه وَهُوَ الْوَكِيل وَالرَّسُول
وَكَذَلِكَ إِذا كتب وَهُوَ أَنْوَاع إِن لم يكن مستبين الْحُرُوف كَمَا إِذا كتب على المَاء والهواء فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ لَا يُسمى كِتَابَة
[ ٢ / ١٨٥ ]
وَإِن كَانَ مستبين الْخط وَلَكِن لَا يكون على رسم الْكِتَابَة بِأَن كَانَت على لوح أَو حَائِط أَو أَرض فَهُوَ فِي حكم الْكِتَابَة وَلِأَن الْإِنْسَان قد يكْتب لتجربة الْخط ولتجربة الحبر والقلم فَإِن نوى الطَّلَاق يَقع وَإِلَّا فَلَا
فَأَما إِذا كَانَ على رسم الْكِتَابَة والرسالة بِأَن يكْتب أما بعد يَا فُلَانَة إِذا وصل إِلَيْك كتابي فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق بِهِ وَلَا يصدق إِذا قَالَ لم أرد بِهِ الطَّلَاق لِأَن الْكتاب من الْغَائِب بِمَنْزِلَة الْخطاب من الْحَاضِر
ثمَّ إِذا كتب مُطلقًا وَقَالَ أَنْت طَالِق على رسم الْكِتَابَة يَقع الطَّلَاق كَمَا كتب وَلَا يتَوَقَّف على الْوُصُول إِلَيْهَا
وَإِن علقه بِشَرْط الْوُصُول بِأَن قَالَ إِذا وصل إِلَيْك كتابي فَإِنَّهُ لَا يَقع الطَّلَاق مَا لم يصل الْكتاب إِلَيْهَا لِأَن الْمُعَلق بِالشّرطِ لَا ينزل قبل وجوده
هَذَا الَّذِي ذكرنَا فِي حكم الصَّحِيح فَأَما الْمَرِيض إِذا طلق وَهُوَ صَاحب الْفراش طَلَاقا رَجْعِيًا أَو بَائِنا أَو ثَلَاثًا ثمَّ مَاتَ من ذَلِك الْمَرَض وَهِي فِي الْعدة فَإِنَّهَا تَرث عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَالْقِيَاس مَعَه لَكنا استحسنا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة
وَلَو زَالَ الْمَرَض ثمَّ نكس الْمَرِيض وَمَات وَهِي فِي الْعدة لم تَرثه لِأَنَّهُ تبين أَنه مَا طلق فِي مرض الْمَوْت
[ ٢ / ١٨٦ ]