اعْلَم أَن الطَّهَارَة شَرط جَوَاز الصَّلَاة
وَهِي نَوْعَانِ حَقِيقِيَّة وحكمية
أما الْحَقِيقِيَّة فَهِيَ الطَّهَارَة عَن النَّجَاسَة حَقِيقَة وَهِي أَنْوَاع ثَلَاثَة طَهَارَة الْبدن وطهارة الْمَكَان وطهارة الثِّيَاب
وَأما الْحكمِيَّة فَهِيَ الطَّهَارَة عَن النَّجَاسَة حكما وَهِي نَوْعَانِ الْوضُوء وَالْغسْل
عرفنَا فَرضِيَّة الطَّهَارَة بأنواعها بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿عَلَيْهِم مدرارا وَجَعَلنَا الْأَنْهَار﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَن طهرا بَيْتِي للطائفين﴾ وَقَوله ﴿وثيابك فطهر﴾
وَأما السّنة فَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور وتحريمها التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم
وَقَالَ عَلَيْهِ
[ ٧ ]
السَّلَام إِن تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة أَلا فبلوا الشّعْر وأنقوا الْبشرَة
وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْأمة
فنبدأ بِالْوضُوءِ فَنَقُول إِنَّه يشْتَمل على الْغسْل وَالْمسح فالغسل هُوَ تسييل المَاء على الْعُضْو وَالْمسح هُوَ إِيصَال المَاء إِلَيْهِ والإمرار عَلَيْهِ لَا غير حَتَّى لَا يجوز الْوضُوء وَالْغسْل بِدُونِ التسييل فِي الْغسْل على جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَات إِلَّا رِوَايَة عَن أبي يُوسُف فَإِنَّهُ قَالَ لَو مسح عضوه ببلة دون التسييل جَازَ
ثمَّ للْوُضُوء أَرْكَان وشروط وَسنَن وآداب
أما الْأَركان فَأَرْبَعَة أَحدهَا غسل الْوَجْه مرّة وَاحِدَة قَوْله تَعَالَى ﴿قرن مكناهم﴾
وحد الْوَجْه قصاص الشّعْر إِلَى حِدة الذقن وَإِلَى شحمتي الْأذن وَهُوَ حد صَحِيح فَإِن الْوَجْه فِي اللُّغَة اسْم لما يواجه النَّاظر إِلَيْهِ فِي الْعَادة
فَإِن كَانَ قبل نَبَات الشّعْر يجب غسل جَمِيعه
وَإِذا نبت الشّعْر لَا يجب غسل مَا تَحْتَهُ عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم يجب غسل مَا تَحت الشعرة وإيصال المَاء إِلَى أصُول الشّعْر وَقَالَ الشَّافِعِي إِن كَانَت اللِّحْيَة خَفِيفَة يجب غسل مَا تحتهَا وَإِن كَانَت كثيفة لَا يجب
وعَلى هَذَا الِاخْتِلَاف إِيصَال المَاء إِلَى الشَّوَارِب
[ ٨ ]
والحاجبين ثمَّ يجب غسل ظَاهر الشّعْر الَّذِي يوازي الذقن والخدين فِي أصح الرِّوَايَات لِأَنَّهُ قَائِم مقَام الْبشرَة
وَالشعر المسترسل من الذقن لَا يجب غسله عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَجْه وَلَا قَائِم مقَامه
والفرجة الَّتِي بَين العذار وَالْأُذن يجب غسلهَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد خلافًا لأبي يُوسُف لِأَنَّهَا من جملَة حد الْوَجْه وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَعْرَة
وَالثَّانِي غسل الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين مرّة وَاحِدَة عندنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾
وَقَالَ زفر لَا يجب غسل الْمرْفقين
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْمرْفق عُضْو مركب من الساعد والعضد وَغسل الساعد وَاجِب وَغسل الْعَضُد غير وَاجِب وَلَا يُمكن التَّمْيِيز بَينهمَا فَيجب غسل الْكل احْتِيَاطًا
وَالثَّالِث مسح الرَّأْس مرّة وَاحِدَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾)
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مِقْدَار الْمَفْرُوض مِنْهُ فَعَن أَصْحَابنَا فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات فِي ظَاهر الرِّوَايَة مُقَدّر بِثَلَاثَة أَصَابِع الْيَد مُطلقًا
والطَّحَاوِي مِقْدَار الناصية
وَقَالَ مَالك مَا لم يمسح جَمِيع الرَّأْس أَو أَكْثَره لَا يجوز
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا مسح مِقْدَار مَا يُسمى مسحا جَازَ
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لقَوْله تَعَالَى ﴿لم نمكن﴾ وَالْمسح يكون بالآلة
[ ٩ ]
وَفِي اخْتِلَاف زفرو يَعْقُوب مُقَدّر بِربع الرَّأْس وَهُوَ قَول زفر وَذكر الْكَرْخِي وَآلَة الْمسْح هِيَ أَصَابِع الْيَد فِي الْعَادة فَيكون الْمسْح فِي الْغَالِب بأثرها وَهُوَ الثَّلَاث فَيصير تَقْدِير الْآيَة وامسحوا بِثَلَاث أَصَابِع أَيْدِيكُم برؤوسكم
ثمَّ على قِيَاس ظَاهر الرِّوَايَة إِذا وضع ثَلَاث أَصَابِع وَلم يمدها جَازَ وَهَكَذَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي النَّوَادِر وعَلى قِيَاس رِوَايَة الرّبع والناصية لَا يجوز لِأَنَّهُ أقل من ذَلِك
وَلَو مسح بأصبع أَو بأصبعين صغيرتين ومدهما حَتَّى بلغ مِقْدَار الْفَرْض لم يجز عندنَا خلافًا لزفَر لِأَن المَاء يصير مُسْتَعْملا بِالْوَضْعِ وَالْمسح بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمل لَا يجوز
وَلَو مسح بأصبع وَاحِدَة ثَلَاث مَرَّات بِمَاء جَدِيد جَازَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة ثَلَاث أَصَابِع
وَلَو مسح بإصبع وَاحِدَة بِبَطْنِهَا وظهرها وجانبيها جَازَ
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا لَا يجوز
وَالصَّحِيح أَنه يجوز كَمَا لَو استنجى بِحجر لَهُ ثَلَاثَة أحرف وَهَكَذَا روى زفر عَن أبي حنيفَة
وَالرَّابِع غسل الرجلَيْن مرّة وَاحِدَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
[ ١٠ ]
وَهَذَا فرض عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَقَالَ بعض النَّاس الْفَرْض هُوَ الْمسْح لَا غير
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ يُخَيّر بَين الْغسْل وَالْمسح
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه يجمع بَينهمَا
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لِأَن الْعلمَاء أَجمعُوا على وجوب غسل الرجلَيْن بعد وجود الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي السّلف وَالْإِجْمَاع الْمُتَأَخر يرفع الِاخْتِلَاف الْمُتَقَدّم
ثمَّ يجب غسل الْكَعْبَيْنِ مَعَ الرجلَيْن عندنَا خلافًا لزفَر كَمَا فِي الْمرْفقين
والكعبان هما العظمان الناتئان فِي أَسْفَل السَّاق عَلَيْهِ عرف النَّاس وَهَكَذَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ فِي تَسْوِيَة الصُّفُوف ألصقوا الكعاب بالكعاب والمناكب بالمناكب
وَأما شَرَائِط الْوضُوء فنذكرها فِي موَاضعهَا إِن شَاءَ الله
وَأما سنَن الْوضُوء فأحد وَعِشْرُونَ فعلا وَهِي أَنْوَاع ثَلَاثَة نوع يكون قبل الْوضُوء وَنَوع يكون عِنْد ابْتِدَائه وَنَوع يكون فِي خلاله
أما الَّذِي يكون قبل الْوضُوء فواحد وَهُوَ الِاسْتِنْجَاء بالأحجار والأمدار وَمَا يقوم مقَامهَا
فَأَما الَّذِي يكون عِنْد ابْتِدَاء الْوضُوء فَأَرْبَعَة أَحدهَا النِّيَّة وَعند الشَّافِعِي فرض
وَفِي التَّيَمُّم فرض بِالْإِجْمَاع
[ ١١ ]
وَالثَّانِي التَّسْمِيَة وَعند بَعضهم فرض وهم أَصْحَاب الشَّافِعِي
وَالثَّالِث غسل الْيَدَيْنِ إِلَى الرسغين لإدخالهما فِي الْإِنَاء احْتِرَازًا عَن توهم النَّجَاسَة
وَالرَّابِع الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَهُوَ كَانَ أدبا فِي عصر النَّبِي ﵇ فَصَارَ سنة بعد عصره بِإِجْمَاع الصَّحَابَة كالتراويح
فَأَما الَّذِي يكون فِي خلاله فستة عشر أَحدهمَا الْمَضْمَضَة
وَالثَّانِي الِاسْتِنْشَاق وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء وَعند بَعضهم هما واجبان
وَالثَّالِث التَّرْتِيب فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَهُوَ أَن يمضمض أَولا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق ثَلَاثًا يَأْخُذ لكل وَاحِد مِنْهُمَا مَاء جَدِيدا فِي كل مرّة
وَقَالَ الشَّافِعِي السّنة أَن يجمع بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بِمَاء وَاحِد ثَلَاث مَرَّات فَيَأْخُذ المَاء بكفه فيمضمض بِبَعْضِه ويستنشق بِبَعْضِه ثمَّ هَكَذَا فِي الْمرة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة
وَالرَّابِع أَن يمضمض ويستنشق بِالْيَمِينِ
وَقَالَ بَعضهم يمضمض بِيَمِينِهِ ويستنشق بيساره لِأَن الْيَسَار للأقذار
وَالْخَامِس الْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إِلَّا فِي حَالَة الصَّوْم
لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ للقيط بن صبرَة بَالغ فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إِلَّا أَن تكون صَائِما فارفق
[ ١٢ ]
وَالسَّادِس أَن يستاك فِي حَال الْمَضْمَضَة تكميلا للإنقاء على مَا قَالَ ﵇ السِّوَاك مطهرة للفم ومرضاة للرب
فَإِن لم يجد فيعالج فَمه بالإصبع والسواك أفضل
وَالسَّابِع التَّرْتِيب فِي الْوضُوء
وَقَالَ الشَّافِعِي إِنَّه فرض
وَالثَّامِن الْمُوَالَاة فِي الْوضُوء وَهُوَ أَن لَا يشْتَغل بَين أَفعَال الْوضُوء بِعَمَل لَيْسَ مِنْهُ
وَقَالَ مَالك إِنَّه فرض
وَالتَّاسِع أَن يغسل أَعْضَاء الْوضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه تَوَضَّأ مرّة مرّة فَقَالَ هَذَا وضوء لَا يقبل الله الصَّلَاة إِلَّا بِهِ ثمَّ تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَقَالَ هَذَا وضوء من يضعف الله لَهُ الْأجر مرَّتَيْنِ ثمَّ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا وضوئي ووضوء أمتِي ووضوء الْأَنْبِيَاء من قبلي ووضوء خليلي إِبْرَاهِيم فَمن زَاد على ذَلِك أَو نقص فقد تعدى وظلم مَعْنَاهُ من زَاد على الثَّلَاث أَو نقص وَلم ير الثَّلَاث سنة
والعاشر الْبدَاءَة بالميامن وَهِي سنة فِي الْوضُوء وَغَيره من الْأَعْمَال لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يحب التَّيَامُن فِي كل شَيْء حَتَّى التنعل والترجل
وَالْحَادِي عشر الْبدَاءَة من رُؤُوس الْأَصَابِع فِي غسل الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ
وَالثَّانِي عشر تَخْلِيل الْأَصَابِع فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ بعد إِيصَال المَاء إِلَى مَا بَين الْأَصَابِع
والتخليل للْمُبَالَغَة سنة فَأَما إِيصَال المَاء إِلَى مَا بَين
[ ١٣ ]
الْأَصَابِع فَفرض
وَالثَّالِث عشر الِاسْتِيعَاب فِي مسح الرَّأْس وَهُوَ سنة وَهُوَ أَن يمسح كُله
وَعند مَالك فرض على مَا مر
وَالرَّابِع عشر هُوَ الْبدَاءَة فِي الْمسْح من مقدم الرَّأْس كَيْفَمَا فعل وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ السّنة أَن يبْدَأ من الهامة فَيَضَع يَده عَلَيْهَا ويمدها إِلَى مقدم رَأسه ثمَّ يُعِيدهَا إِلَى الْقَفَا
وَالْخَامِس عشر أَن يمسح مرّة وَاحِدَة والتثليث مَكْرُوه
وَقَالَ الشَّافِعِي السّنة هُوَ التَّثْلِيث
وَالسَّادِس عشر أَن يمسح الْأُذُنَيْنِ ظاهرهما وباطنهما بِمَاء الرَّأْس لَا بِمَاء جَدِيد
وَقَالَ الشَّافِعِي يمسح بِمَاء جَدِيد لَا بِمَاء الرَّأْس
وَأما تَخْلِيل اللِّحْيَة فَهُوَ من الْآدَاب عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف سنة كَذَا ذكر مُحَمَّد فِي كتاب الْآثَار
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي مسح الرَّقَبَة قَالَ أَبُو بكر الْأَعْمَش إِنَّه سنة
وَقَالَ أَبُو بكر الإسكاف إِنَّه أدب
وَأما آدَاب الْوضُوء فكثيرة وَالْفرق بَين السّنة وَالْأَدب أَن السّنة مَا واظب عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَلم يَتْرُكهَا إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ لِمَعْنى من الْمعَانِي وَالْأَدب مَا فعله رَسُول الله ﷺ مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَلم يواظب عَلَيْهِ
[ ١٤ ]
وَذَلِكَ نَحْو إِدْخَال الإصبع المبلولة فِي صماخ الْأُذُنَيْنِ وَكَيْفِيَّة مسح الرَّأْس وَكَيْفِيَّة إِدْخَال الْيَد فِي المَاء والإناء والدلك فِي غسل أَعْضَاء الْوضُوء وَالْغسْل أَن يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
عِنْد كل فعل من أَفعَال الْوضُوء والدعوات المأثورة عِنْد غسل كل عُضْو فِي الْغسْل وَالْوُضُوء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ورد فِي الْأَحَادِيث أَنه فعله رَسُول الله ﷺ فِي الْوضُوء وَلم يواظب عَلَيْهِ
[ ١٥ ]