قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ، إذْ الْعَبْدُ مُنْحَطُّ الدَّرَجَةِ عَنْ الْحُرِّ فَانْحَطَّ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ الْحُرِّ لِذَلِكَ انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي ذِكْرِ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: لَمَّا كَانَتْ إجَارَةُ الرَّقِيقِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ وَبِالرَّقِيقِ مَسَائِلُ خَاصَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذَكَرَهَا فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَخَّرَ ذِكْرَهَا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّوْعِ، وَقَالَ هَذَا مَا لَاحَ لِي مِنْ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ، وَمَا قِيلَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ إنَّ الْعَبْدَ مُنْحَطُّ الدَّرَجَةِ عَنْ الْحُرِّ فَانْحَطَّ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ الْحُرِّ لِذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا اسْتِئْجَارَ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَمَّامِ وَالدَّوَابِّ، وَذَكَرَ هُنَا اسْتِئْجَارَ الرَّقِيقِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَرْجَمَ الْبَابَ بِبَابِ إجَارَةِ الْعَبْدِ كَمَا تَرْجَمَ فِي الْأَصْلِ بِبَابِ إجَارَةِ الرَّقِيقِ لِلْخِدْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ هَذَا الشَّارِحِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعَبْدَ مُنْحَطُّ الدَّرَجَةِ عَنْ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ أَصْلًا فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَهَذَا مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَذَا لَمْ يَبْدَأْ أَوَّلَ الْبَابِ بِاسْتِئْجَارِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصَرُّفٌ أَصْلًا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ لَا أَصَالَةً وَلَا نِيَابَةً، بَلْ هُوَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ، وَمَوْقِعُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَالدَّابَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ غَرَضَ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَكُنْ إلَّا تَنْوِيعُ الْمَسَائِلِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي الْوَجْهِ الَّذِي لَاحَ لَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ
[ ٩ / ١٣٦ ]
بَابُ إجَارَةِ الْعَبْدِ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ اشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَةِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْإِطْلَاقُ،
الْجِنْسِ مُقَدَّمًا عَلَى النَّوْعِ لَا يَقْتَضِي تَأْخِيرَ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ إلَى هُنَا، فَإِنَّ مَسَائِلَ كَثِيرَةً مِنْ الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ مُخْتَصَّةٌ أَيْضًا بِالنَّوْعِ لَا عَامَّةٌ لِلْجِنْسِ، أَلَا يُرَى أَنَّ مَسَائِلَ بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالنَّوْعِ الْفَاسِدِ مِنْ جِنْسِ الْإِجَارَةِ، وَكَذَا مَسَائِلُ بَابِ الْإِجَارَةِ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ مُخْتَصَّةٌ بِالنَّوْعِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الشَّرْطَانِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْأُخْرَى الْمُتَقَدِّمَةِ. وَإِنَّمَا يَقْتَضِي هَذَا الْوَجْهُ تَأْخِيرَ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ عَمَّا ذَكَرَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِجِنْسِ الْإِجَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْبَيْنِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَمَنْ يَحْذُو حَذْوَهُ مِنْ النَّظَرِ فَقَدْ قَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ دَفْعَهُ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ إجَارَةِ الْعَبْدِ: أَيْ نَفْسِهِ وَقَالَ: وَإِجَارَةُ الْغَيْرِ إيَّاهُ ذُكِرَتْ اسْتِطْرَادًا، وَقَدْ يُقَدَّمُ فِي الذِّكْرِ مَا يُذْكَرُ اسْتِطْرَادًا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، فَعَلَى هَذَا الْإِجَارَةُ مُضَافٌ إلَى الْفَاعِلِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ، وَهِيَ كِرَاءُ الْأَجِيرِ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْرِبِ وَعَامَّةِ كُتُبِ اللُّغَةِ، وَلَمْ يُسْمَعْ مَجِيءُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَصْدَرًا قَطُّ، وَإِنَّمَا الْمَصْدَرُ مِنْ الثُّلَاثِيِّ الْأَجْرُ، وَمِنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ الْإِيجَارُ وَالْمُؤَاجَرَةُ، فَلَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ لِلْإِجَارَةِ فَاعِلٌ، وَمَفْعُولٌ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ هَاهُنَا مُضَافٌ إلَى الْفَاعِلِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى إجَارَةُ الْعَبْدِ نَفْسِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ خَمْسُ مَسَائِلَ: ثِنْتَانِ مِنْهَا مُتَعَلِّقَتَانِ بِإِيجَارِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ، وَثَلَاثٌ مِنْهَا مُتَعَلِّقَاتٌ بِإِيجَارِ الْغَيْرِ إيَّاهُ، فَحَمَلَ عُنْوَانَ الْبَابِ عَلَى أَقَلَّ مَا ذَكَرَ فِي الْبَابِ، وَجَعَلَ أَكْثَرَ مَا ذَكَرَ فِيهِ اسْتِطْرَادِيًّا كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: وَإِجَارَةُ الْغَيْرِ إيَّاهُ ذُكِرَتْ اسْتِطْرَادًا مِمَّا لَا تَقْبَلُهُ فِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ.
ثُمَّ أَقُولُ: فِي دَفْعِ مَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ النَّظَرِ إنَّ انْحِطَاطَ دَرَجَةِ الْعَبْدِ عَنْ الْحُرِّ كَمَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ فِيمَا إذَا وُجِدَ مِنْ الْعَبْدِ تَصَرُّفٌ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ، كَذَلِكَ يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصَرُّفٌ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ كَانَ هُوَ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ، وَمَوْقِعَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ فِي كُلِّ مِنْ تَيْنِك الصُّورَتَيْنِ حُكْمًا خَاصًّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: فِي الْوَجْهِ الَّذِي اخْتَارَهُ، وَبِالرَّقِيقِ مَسَائِلُ خَاصَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذَكَرَهَا فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ اخْتِصَاصَ مِثْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالْعَبْدِ لَيْسَ لِارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ عَنْ الْحُرِّ بَلْ إنَّمَا هُوَ لِانْحِطَاطِ دَرَجَتِهِ عَنْ الْحُرِّ؛ فَكَانَ قَوْلُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُ: أَخَّرَ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ عَنْ أَحْكَامِ الْحُرِّ؛ لِانْحِطَاطِ دَرَجَةِ الْعَبْدِ عَنْ الْحُرِّ وَجْهًا جَارِيًا فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا شَامِلًا لِلْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَسْرِهَا فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُ صَاحِبِ الْغَايَةِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَذَا لَمْ يَبْدَأْ أَوَّلَ الْبَابِ بِاسْتِئْجَارِ الْعَبْدِ إلَخْ، إذْ مَدَارُهُ عَلَى أَنْ لَا يَجْرِيَ الْوَجْهُ الْمَزْبُورُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا يُنَادِي عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ. ثُمَّ إنَّ إضَافَةَ الْإِجَارَةِ إلَى الْعَبْدِ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ إلَى الْفَاعِلِ وَلَا مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَفْعُولِ لِمَا عَرَفْت، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ لِأَدْنَى الْمُلَابَسَةِ فَتَشْمَلُ مَا كَانَ الْعَبْدُ مُتَصَرِّفًا فِي نَفْسِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَمَا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ.
وَمَا كَانَ الْعَبْدُ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ، وَمَوْقِعَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَمَا فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ. وَمِنْ هَذَا الْبَعْضِ الْمَسْأَلَةُ الْمُبْتَدَأُ بِهَا أَوَّلَ الْبَابِ فَلَا مَحْذُورَ وَلَا اسْتِطْرَادَ فِي شَيْءٍ تَأَمَّلْ تَرْشُدْ (قَوْلُهُ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ اشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَةِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْإِطْلَاقُ) فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُسْتَأْجَرَ فِي مِلْكِ مَنَافِعِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمَوْلَى فِي مَنَافِعِ عَبْدِهِ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يُسَافِرَ بِعَبْدِهِ فَلِمَاذَا لَا يَكُونُ
[ ٩ / ١٣٧ ]
وَلِهَذَا جُعِلَ السَّفَرُ عُذْرًا
لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُسَافِرَ بِأَجِيرِهِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا يُسَافِرُ الْمَوْلَى بِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ، وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ أَجِيرِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ. وَنَقْضُ هَذَا الْجَوَابِ بِمَنْ ادَّعَى دَارًا وَصَالَحَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً فَإِنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَخْرُجَ بِالْعَبْدِ إلَى السَّفَرِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَتَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْآجِرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي النَّقْلِ كَانَتْ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُقَرِّرُ حَقَّهُ فِي الْأَجْرِ، فَالْمُسْتَأْجِرُ إذَا سَافَرَ بِالْعَبْدِ فَهُوَ يُلْزِمُ الْمُؤَجِّرَ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّدِّ، وَرُبَّمَا تَرْبُو عَلَى الْأُجْرَةِ. وَأَمَّا فِي الصُّلْحِ فَمُؤْنَةُ الرَّدِّ لَيْسَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَالْمُدَّعِي بِالْإِخْرَاجِ إلَى السَّفَرِ يَلْتَزِمُ مُؤْنَةَ الرَّدِّ وَلَهُ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يَقْدِرَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْعَبْدِ إذَا الْتَزَمَ مُؤْنَةَ الرَّدِّ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُؤَجِّرُ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّهُ إنْ سَافَرَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْعَبْدِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ يَتَرَتَّبُ الضَّرَرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ بِإِلْزَامِهِ إيَّاهُ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّدِّ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ الضَّرَرَ يَنْدَفِعُ بِالْتِزَامِ الْمُسْتَأْجِرِ تِلْكَ الْمُؤْنَةَ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ عِبَارَاتِ الْكُتُبِ عَدَمُ جَوَازِ الْمُسَافَرَةِ بِهِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. وَطَعَنَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا كَمَا تَرَى انْقِطَاعٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّلَ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَضُمَّ إلَى عِلَّتِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ قَيْدًا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ وَيَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ. ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فِي مَنَافِعِ الْعَبْدِ كَالْمَوْلَى فَإِنَّ الْمَوْلَى لَهُ الْمَنْفَعَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ زَمَانًا، وَمَكَانًا وَنَوْعًا، وَلَيْسَ الْمُسْتَأْجِرُ كَذَلِكَ بَلْ يَمْلِكُهَا بِعَقْدٍ ضَرُورِيٍّ يَتَقَيَّدُ بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ الْمَوْلَى وَالْعُرْفُ يُوجِبُهُ، أَوْ دَفْعُ ضَرَرِ الْمُؤْنَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا يُوجِبُهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيمَا اسْتَصْوَبَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِمَسْأَلَةِ الصُّلْحِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَالِحَ أَيْضًا لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَ الْعَبْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَالْمَوْلَى، بَلْ هُوَ أَيْضًا إنَّمَا يَمْلِكُهَا بِعَقْدٍ ضَرُورِيٍّ هُوَ عَقْدُ
[ ٩ / ١٣٨ ]
فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهِ كَإِسْكَانِ الْحَدَّادِ وَالْقَصَّارِ فِي الدَّارِ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْخِدْمَتَيْنِ ظَاهِرٌ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْخِدْمَةُ فِي الْحَضَرِ لَا يَبْقَى غَيْرُهُ دَاخِلًا كَمَا فِي الرُّكُوبِ
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَجْرَ) وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ اسْتِحْسَانًا إذَا فَرَغَ مِنْ الْعَمَلِ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِانْعِدَامِ إذْنِ الْمَوْلَى وَقِيَامِ الْحَجْرِ فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّصَرُّفَ نَافِعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْفَرَاغِ سَالِمًا ضَارٌّ عَلَى اعْتِبَارِ هَلَاكِ الْعَبْدِ، وَالنَّافِعُ مَأْذُونٌ فِيهِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ.
(وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَآجَرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ فَأَخَذَ الْغَاصِبُ الْأَجْرَ فَأَكَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ ضَامِنٌ)؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْمَالِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، إذْ الْإِجَارَةُ قَدْ صَحَّتْ عَلَى مَا مَرَّ. وَلَهُ أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ مَالٍ مُحْرَزٍ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُحْرَزٍ فِي حَقِّ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُحْرِزُ مَا فِي يَدِهِ.
الصُّلْحِ مَعَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْعَبْدِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْخِدْمَتَيْنِ ظَاهِرٌ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْخِدْمَةُ فِي الْحَضَرِ لَا يَبْقَى غَيْرُهُ دَاخِلًا كَمَا فِي الرُّكُوبِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ غَيْرُ وَاضِحٍ ظَاهِرًا انْتَهَى. أَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَدَارَ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ الْعَقْدِ رَأْسًا بِنَاءً عَلَى انْصِرَافِ مُطْلَقِ الْعَقْدِ إلَى الْمُتَعَارَفِ الَّذِي هُوَ الْخِدْمَةُ فِي الْحَضَرِ، وَمَدَارُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ خِدْمَتَيْ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَإِنْ كَانَتَا دَاخِلَتَيْنِ تَحْتَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ إلَّا أَنَّ الْخِدْمَةَ فِي الْحَضَرِ تَعَيَّنَتْ بِقَرِينَةٍ حَالَ حَضَرَ الْعَاقِدُ، وَمَكَانَ الْعَقْدِ، فَبَعْدَ تَعَيُّنِهَا لَا يَبْقَى الْمَحَالُ لِلْأُخْرَى كَمَا فِي الرُّكُوبِ، فَإِنَّهُ إذَا أَطْلَقَ الرُّكُوبَ ثُمَّ رَكِبَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْكَبَ غَيْرَهُ يَتَعَيَّنُ هُوَ فَبَعُدَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَنْ رَكِبَهُ أَوَّلًا لِتَعَيُّنِهِ لِلرُّكُوبِ فَكَذَا هَاهُنَا، وَيُرْشِدُ إلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكِتَابِ عِبَارَةُ الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى التَّعَارُفِ؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ صَاحِبِ الْعَبْدِ أَنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِخْدَامَ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ حَتَّى لَا تَلْزَمَهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ، وَرُبَّمَا يَرْبُو ذَلِكَ عَلَى الْآجِرِ فَيَتَعَيَّنُ مَوْضِعُ الْعَقْدِ مَكَانًا لِلِاسْتِيفَاءِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَجْرَ) قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي فِي تَقْرِيرِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا فَعَمِلَ فَأَعْطَاهُ
[ ٩ / ١٣٩ ]
(وَإِنْ وَجَدَ الْمَوْلَى الْأَجْرَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ)؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ (وَيَجُوزُ قَبْضُ الْعَبْدِ الْأَجْرَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى اعْتِبَارِ الْفَرَاغِ عَلَى مَا مَرَّ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا بِأَرْبَعَةٍ)؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ أَوْ نَظَرًا إلَى تَنَجُّزِ الْحَاجَةِ فَيَنْصَرِفُ الثَّانِي إلَى مَا يَلِي الْأَوَّلَ ضَرُورَةً.
الْأَجْرَ فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ فَعَمِلَ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا كَمَا تَرَى فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْمُدَّةَ، وَهِيَ الشَّهْرُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ، وَعَرَفْت فِيمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْأَجِيرَ يَصِيرُ بِذِكْرِ الْوَقْتِ أَجِيرًا خَاصًّا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ ضَمَانِ الْأَجِيرِ أَنَّ الْأَجِيرَ الْخَاصَّ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فِي الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِرَعْيِ الْغَنَمِ فَمَا مَعْنَى اعْتِبَارِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُدَّةِ.
نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْأَجْرَ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ مِنْ الْأَجْرِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ صَرَاحَةً فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِمَادًا عَلَى ظُهُورِ كَوْنِهِ مُرَادًا. فَإِنْ قُلْت: مَنْ زَادَ قَيْدَ فَعَمِلَ أَرَادَ بِالْعَمَلِ تَسْلِيمَ النَّفْسِ. قُلْت: لَا يُرَى لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ، إذْ لَا اتِّحَادَ بَيْنَهُمَا وَلَا اسْتِلْزَامَ، فَإِنَّ الْعَمَلَ يُوجَدُ بِدُونِ تَسْلِيمِ النَّفْسِ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مُطْلَقًا، وَتَسْلِيمُ النَّفْسِ يُوجَدُ بِدُونِ الْعَمَلِ فِي الْأَجِيرِ الْخَاصِّ الَّذِي سَلَّمَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الْعَمَلِ، وَإِرَادَةِ تَسْلِيمِ النَّفْسِ؟. وَالْإِنْصَافُ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِهِ كَمَا صَنَعَ الْمُصَنِّفُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ تَحَرَّيَا لِلْجَوَازِ أَوْ نَظَرًا إلَى تَنَجُّزِ الْحَاجَةِ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: هَذَا التَّعْلِيلُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا نُكِّرَ الشَّهْرُ، وَهُنَا عُرِّفَ بِقَوْلِهِ هَذَيْنِ. قُلْت: رَأَيْت فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ
[ ٩ / ١٤٠ ]
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَقَبَضَهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ جَاءَ آخِرُ الشَّهْرِ، وَهُوَ آبِقٌ أَوْ مَرِيضٌ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ أَبَقَ أَوْ مَرِضَ حِينَ أَخَذْته وَقَالَ الْمَوْلَى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِسَاعَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ،
لِلْعَتَّابِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِقَوْلِهِ هَذَيْنِ، بَلْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا شَهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ هَذَيْنِ عَلَى مَا إذَا قَالَ الْمُؤَجِّرُ آجَرْتُ مِنْك هَذَا الْعَبْدَ شَهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ اسْتَأْجَرْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ فَيَنْصَرِفُ قَوْلُهُ: هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ إلَى الشَّهْرَيْنِ الْمُنَكَّرَيْنِ اللَّذَيْنِ دَخَلَا تَحْتَ إيجَابِ الْمُؤَجِّرِ فَيَنْفِي التَّنْكِيرَ فَصَلُحَ التَّعْلِيلُ بِتَنَجُّزِ الْحَاجَةِ لِإِثْبَاتِ التَّعْيِينِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ فِي نَسْجِ هَذَا الْمَقَامِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، وَلَكِنْ بِنَوْعِ تَغْيِيرِ تَحْرِيرٍ فِي أَوَائِلِ الْمَقَالِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قِيلَ مَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ ذُكِرَ مُنَكَّرًا مَجْهُولًا وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِمَا كَانَ فِي كَلَامِ الْمُؤَجِّرِ مِنْ الْمُنَكَّرِ، فَكَأَنَّ الْمُؤَجِّرَ قَالَ: آجَرْتُ عَبْدِي هَذَا شَهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ، فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ اسْتَأْجَرْتُهُ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَا الشُّبْهَةُ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الشُّبْهَةُ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَزْبُورَ يَسْتَقِيمُ، وَيَتِمُّ بِتَنْكِيرِ شَهْرٍ فِي شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَنْكِيرِ شَهْرَيْنِ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ تَعْرِيفِ الشَّهْرَيْنِ يَصِيرُ الْمُتَعَيَّنُ مَجْمُوعَ الشَّهْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا بِأَرْبَعَةٍ وَالثَّانِي بِخَمْسَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ بِنَاءً عَلَى تَنْكِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِبْهَامِهِ، فَاحْتِيجَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا بِأَرْبَعَةٍ، وَالثَّانِي بِخَمْسَةٍ دُونَ الْعَكْسِ بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ أَصْلًا. وَأَمَّا الْجَوَابُ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ لَمَا صَحَّ تَنْكِيرُ عَبْدًا فِي قَوْلِهِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ، بَلْ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِالتَّعْرِيفِ مِنْ الشَّهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ هُوَ الْعَبْدُ الَّذِي آجَرَهُ الْمُؤَجِّرُ مِنْهُ. عَلَى أَنَّ كَوْنَ اللَّامِ فِي قَوْلِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْعَهْدِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا كَانَ كَلَامُ الْمُؤَجِّرِ مُقَدَّمًا عَلَى كَلَامِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْعَقْدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ فَإِنَّ أَيًّا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ تَكَلَّمَ أَوَّلًا يَصِيرُ كَلَامُهُ إيجَابًا، فَإِذَا قِيلَ الْآخَرُ أُلْزِمَ الْعَقْدَ، فَحَمْلُ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ عَلَى قَوْلِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا يَقْتَضِي تَعْرِيفَ الشَّهْرَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَيَلْزَمُ تَخْصِيصُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بِبَعْضِ الصُّوَرِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا عَرَّفَ الشَّهْرَيْنِ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفًا لِمَا وَقَعَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ تَنْكِيرِ ذَلِكَ إشْعَارًا بِأَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَعْرِيفِ لَفْظِ الشَّهْرَيْنِ، بَلْ تَنْكِيرُ ذَلِكَ وَتَعْرِيفُهُ سِيَّانِ عِنْدَ تَنْكِيرِ شَهْرًا فِي شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي رَدِّ الشُّبْهَةِ آنِفًا. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا ذَكَرَ الْمُسْتَأْجِرُ لَفْظَ الشَّهْرَيْنِ بِالتَّنْكِيرِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مُعَرَّفًا نَظَرًا إلَى تَعَيُّنِهِ الْمَآلِيّ حَيْثُ يَتَصَرَّفُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ مِنْ كَلَامِ الْمُسْتَأْجِرِ بَلْ هُوَ لَفْظُ الْمُصَنِّفِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ أَيْضًا، إذْ لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ قَوْلَهُ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ مِنْ كَلَامِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَأَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلشَّهْرَيْنِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ مِنْ كَلَامِ الْمُسْتَأْجِرِ بَلْ كَانَ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْمَلُ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ وَالْمُفَصَّلُ لَفْظَ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَرْتَضِيهِ الْعَاقِلُ.
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِصُورَةِ أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ عَبْدًا بَلْ هُوَ مُتَمَشٍّ فِي صُورَةِ إنْ كَانَ حُرًّا أَيْضًا لِعَيْنِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، فَوَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ إجَارَةِ الْعَبْدِ غَيْرُ وَاضِحٍ، فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ مَا لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْعَبْدِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَإِلَّا فَكَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا يُقَالُ:
[ ٩ / ١٤١ ]
وَإِنْ جَاءَ بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ)؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَيَتَرَجَّحُ بِحُكْمِ الْحَالِ، إذْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى قِيَامِهِ مِنْ قَبْلُ وَهُوَ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا إنْ لَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ. أَصْلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ وَانْقِطَاعِهِ.
بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِجَارَةِ
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْخَيَّاطُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ أَمَرْتُك أَنْ تَعْمَلَهُ قَبَاءً وَقَالَ الْخَيَّاطُ بَلْ قَمِيصًا أَوْ قَالَ: صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلصَّبَّاغِ أَمَرْتُك أَنْ تَصْبُغَهُ أَحْمَرَ فَصَبَغْته أَصْفَرَ وَقَالَ الصَّبَّاغُ لَا بَلْ أَمَرْتنِي أَصْفَرَ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ)؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِذْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَكَذَا إذَا أَنْكَرَ صِفَتَهُ، لَكِنْ يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شَيْئًا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ. قَالَ: (وَإِذَا حَلَفَ فَالْخَيَّاطُ ضَامِنٌ) وَمَعْنَاهُ مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَكَذَا يُخَيَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّبْغِ إذَا حَلَفَ إنْ شَاءَ
إنَّ كَوْنَ الْأَجِيرِ عَبْدًا أَكْثَرُ مِنْ كَوْنِهِ حُرًّا، فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْأَكْثَرِ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ كَوْنَ الْأَجِيرِ حُرًّا أَكْثَرُ لِاسْتِقْلَالِهِ وَكَثْرَةُ احْتِيَاجِهِ إلَى الْأُجْرَةِ لِإِنْفَاقِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ لَذَكَرَ سَائِرَ مَسَائِلِ الْأَجِيرِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِجَارَةِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ اتِّفَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْأَصْلُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامَ اخْتِلَافِهَا، وَهُوَ الْفَرْعُ، إذْ الِاخْتِلَافُ إنَّمَا يَكُونُ بِعَارِضٍ (قَوْلُهُ: وَإِذَا حَلَفَ فَالْخَيَّاطُ ضَامِنٌ، وَمَعْنَاهُ مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ) يَعْنِي بِهِ مَا مَرَّ قَبْلَ بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فِي مَسْأَلَةِ: وَمَنْ دَفَعَ إلَى الْخَيَّاطِ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمٍ فَخَاطَهُ قَبَاءً، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَانَا هُنَاكَ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ خِيَاطَةُ الْقَمِيصِ وَالْأَجِيرُ خَالَفَ فَخَاطَ قَبَاءً، وَهَاهُنَا قَدْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَيْفَ يَتَّحِدُ الْجَوَابُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتَلَفَتْ صُورَتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ ابْتِدَاءً وَلَكِنْ اتَّحَدَتَا انْتِهَاءً؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ هُنَا بَعْدَ حَلِفِ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَلَمَّا حَلَفَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَلَمْ يَبْقَ لِخِلَافِ الْآخَرِ اعْتِبَارٌ فَكَانَتَا فِي الْحُكْمِ فِي الِانْتِهَاءِ سَوَاءً، هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي النِّهَايَةِ
[ ٩ / ١٤٢ ]
ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: يُضَمِّنُهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ.
(وَإِنْ قَالَ: صَاحِبُ الثَّوْبِ عَمِلْته لِي بِغَيْرِ أَجْرٍ وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَقَوُّمَ عَمَلِهِ إذْ هُوَ يَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَيُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالصَّانِعُ يَدِّعِيهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ حِرِّيفًا لَهُ) أَيْ خَلِيطًا لَهُ (فَلَهُ الْأَجْرُ وَإِلَّا فَلَا)؛ لِأَنَّ سَبْقَ مَا بَيْنَهُمَا يُعَيِّنُ جِهَةَ الطَّلَبِ بِأَجْرٍ جَرْيًا عَلَى مُعْتَادِهِمَا (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ الصَّانِعُ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ بِالْأَجْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الْحَانُوتَ لِأَجْلِهِ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَجْرِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِحْسَانِهِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ لِلدَّفْعِ، وَالْحَاجَةُ هَاهُنَا إلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعِنَايَةِ.
وَقَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: وَلَك أَنْ تَقُولَ إذَا كَانَ الْحُكْمُ ذَلِكَ إذَا اتَّفَقَا فَبِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى إذَا اخْتَلَفَا مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ غَيْرُ الْقِيَاسِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَانَ التَّعَدِّي مُقَرَّرًا عِنْدَهُمَا فَيَجِبُ الضَّمَانُ قَطْعًا. وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُخَالَفَةِ فَلَا تَعَدِّيَ عَلَى زَعْمِ الْأَجِيرِ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ نَوْعُ خَفَاءٍ. فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ الْحُكْمُ ذَلِكَ: أَيْ الضَّمَانُ إذَا اتَّفَقَا فَبِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى إذَا اخْتَلَفَا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَوْرِدَ الِاعْتِرَاضِ هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَمَعْنَاهُ مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ. وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ هُوَ الِاتِّحَادُ فِي الْحُكْمِ لَا التَّشْبِيهُ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ غَيْرُ الْقِيَاسِ فَهَلَّا هُوَ لَغْوٌ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِحْسَانِهِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ لِلدَّفْعِ وَالْحَاجَةِ هَاهُنَا إلَى الِاسْتِحْقَاقِ) يَعْنِي أَنَّ الْحَاجَةَ هَاهُنَا إلَى الِاسْتِحْقَاقِ لَا إلَى الدَّفْعِ، وَالظَّاهِرُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ. قَالَ بَعْضُ
[ ٩ / ١٤٣ ]