قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِدُيُونٍ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ وَدُيُونٌ لَزِمَتْهُ فِي مَرَضِهِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ فَدَيْنُ الصِّحَّةِ وَالدَّيْنُ الْمَعْرُوفُ الْأَسْبَابِ مُقَدَّمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَيْنُ الْمَرَضِ وَدَيْنُ الصِّحَّةِ يَسْتَوِيَانِ لِاسْتِوَاءِ سَبَبِهِمَا وَهُوَ الْإِقْرَارُ الصَّادِرُ عَنْ عَقْلٍ وَدِينٍ،
مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ جِنْسَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: فَفِي نَوْعٍ مِنْهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْوَدِيعَةِ وَالْإِقْرَاضِ وَالِاقْتِضَاءِ، وَفِي نَوْعٍ مِنْهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْعَبْدِ، وَمَسْأَلَةُ زَرْعِ هَذِهِ الْأَرْضِ، أَوْ بِنَائِهَا هَذِهِ الدَّارِ، وَمَسْأَلَةُ خَيَّاطَةِ الثَّوْبِ بِدُونِ ذِكْرِ الْقَبْضِ مِنْهُ، وَفِي نَوْعٍ مِنْهَا اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَعِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ، كَمَا فِي الثَّانِي، وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، كَمَا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِسْكَانِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ مَعَ ذِكْرِ الْقَبْضِ، انْتَهَى.
(بَابُ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ إِقْرَارِ الصَّحِيحِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وَأَفْرَدَهُ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَحْكَامٍ لَيْسَتْ لِلصَّحِيحِ، (وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِدُيُونٍ)، أَيْ: بِدُيُونٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ الْأَسْبَابِ، (وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ وَدُيُونٌ لَزِمَتْهُ فِي مَرَضِهِ)، أَيْ: فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (بِأَسْبَابِ مَعْلُومَةٍ)، مُتَعَلِّقٌ بِلَزِمَتْهُ، أَيْ: لَزِمَتْهُ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ، مِثْلُ بَدَلِ مَالٍ مَلَكَهُ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ مُهْرِ مِثْلِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا وَعُلِمَ مُعَايِنَةً. (فَدَيْنُ الصِّحَّةِ وَالدَّيْنُ الْمَعْرُوفُ الْأَسْبَابِ مُقَدَّمٌ) عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، إِلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دَيْنُ الْمَرَضِ) سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبٍ مَعْلُومٍ أَوْ بِإِقْرَارِهِ، (وَدَيْنُ الصِّحَّةِ يَسْتَوِيَانِ لِاسْتِوَاءِ سَبَبِهِمَا وَهُوَ الْإِقْرَارُ الصَّادِرُ عَنْ عَقْلٍ وَدِينٍ)، وَإِنَّمَا تُعْرَضُ لَوْ صَفَى الْعَقْلُ وَالدِّينُ؛ لِأَنَّهُمَا الْمَانِعَانِ عَنِ الْكَذِبِ فِي الْإِخْبَارِ وَالْإِقْرَارِ، إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صِحَّةِ الْمُقِرِّ وَمَرَضِهِ، بَلْ بِالْمَرَضِ يَزْدَادُ جِهَةُ رُجْحَانِ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ التَّوَرُّعِ عَنِ الْمَعَاصِيَ وَالْإِنَابَةِ عَمَّا جَرَى فِي الْمَاضِي، فَالِاحْتِرَازُ عَنِ الْكَذِبِ فِي هَذِهِ
[ ٨ / ٣٨٠ ]
وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ الذِّمَّةُ الْقَابِلَةُ لِلْحُقُوقِ فَصَارَ كَإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ مُبَايَعَةً وَمُنَاكَحَةً. وَلَنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يُعْتَبَرُ دَلِيلًا إِذَا كَانَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِ الْغَيْرِ، وَفِي إِقْرَارِ الْمَرِيضِ ذَلِكَ لِأَنَّ حَقَ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْمَالِ اسْتِيفَاءً، وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ إِلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
الْحَالَةِ أَكَثُرُ فَكَانَ جِهَةُ قَبُولِ الْإِقْرَارِ فِيهِ أَوَفَرَ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى تَقْرِيرِ دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ؛ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ إِنَّمَا يُفِيدُ مُسَاوَاتِهِ لِلدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ فَلَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى، كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْأُولَى أَنْ يُقَالَ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الدَّيْنُ فِي الْمَرَضِ يُسَاوِي الدَّيْنُ فِي الصِّحَّةِ؛ لِاسْتِوَاءِ السَّبَبِ الْمَعْلُومِ وَالْإِقْرَارِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ إِذَا أَفَادَ مُسَاوَاةِ دَيْنِ الْمَرَضِ لِلدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ، فَقَدْ أَفَادَ مُسَاوَاتِهِ لِلدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ بَيْنَ ذَيْنِكِ الدَّيْنَيْنِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ الْمُرَكَّبِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَأَرَادَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ حَيْثُ قَالَ: الْمُدَّعَى عَامٌّ لِمَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْمُعَايَنَةِ، وَالدَّلِيلُ خَاصُّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّنْبِيهِ بِحَالِ الْأَدْنَى عَلَى حَالِ الْأَعْلَى.
أَقُولُ: لَا حَاصِلَ لَهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّنْبِيهِ بِمُسَاوَاةِ دَيْنِ الْمَرَضِ لِأَدْنَى دَيْنَيِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ عَلَى مُسَاوَاتِهِ لِأَعْلَى دَيْنَيِ الصِّحَّةِ وَهُوَ الدَّيْنُ اللَّازِمُ فِي الصِّحَّةِ بِأَسْبَابِ مَعْلُومَةٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُصُولِ الشَّيْءِ إِلَى رُتْبَةِ الْأَدْنَى وُصُولُهُ إِلَى رُتْبَةِ الْأَعْلَى فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّنْبِيهُ بِالْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّنْبِيهِ بِمُسَاوَاةِ أَدْنَى دَيْنَيِ الْمَرَضِ وَهُوَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ لِلدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ عَلَى مُسَاوَاةِ أَعْلَى دَيْنَيِ الْمَرَضِ وَهُوَ الدَّيْنُ اللَّازِمُ فِي الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ لِلدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ؛ إِذْ يَلْزَمُ مِنْ وُصُولِ الْأَدْنَى إِلَى رُتْبَةِ شَيْءٍ وَصُولُ الْأَعْلَى إِلَى رُتْبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، بِالْأَوْلَوِيَّةِ لَكِنَّهُ لَا يُجْدِي شَيْئًا هَاهُنَا؛ إِذِ الْكَلَامُ فِي قُصُورِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَنْ إِفَادَةِ مُسَاوَاةِ دَيْنِ الْمَرَضِ لِلدَّيْنِ اللَّازِمِ فِي الصِّحَّةِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ مَعَ عُمُومِ الْمُدَّعَى، وَهَذَا لَا يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّ مُسَاوَاةَ الدَّيْنِ اللَّازِمِ فِي الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ لِدَيْنِ الصِّحَّةِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أَصْلًا.
(وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ الذِّمَّةُ الْقَابِلَةُ لِلْحُقُوقِ)، وَهِيَ ذِمَّةُ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَهِيَ فِي حَالَتَيِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ، فَاسْتَوَى دِينُ الْمَرَضِ وَدَيْنُ الصِّحَّةِ فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَفِي مَحِلِّهِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْوُجُوبِ، وَإِذَا اسْتَوَيَا وُجُوبًا اسْتَوَيَا اسْتِيفَاءً، (وَصَارَ كَإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ مُبَايِعَةً وَمُنَاكَحَةً)، أَيْ: صَارَ إِقْرَارُهُ فِي الْمَرَضِ كَإِنْشَائِهِ التَّصَرُّفَ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ، وَذَلِكَ مُسَاوٍ لِتَصَرُّفِهِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، فَكَذَا هَاهُنَا.
(وَلَنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يُعْتَبَرُ دَلِيلًا إِذَا كَانَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ)، أَيْ: إِذَا تَضَمَّنَ إِبْطَالَ حَقِّ الْغَيْرِ، كَمَا لَوْ رَهَنَ أَوْ آجَرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْمُرْتِهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمَا بِهِ (وَفِي إِقْرَارِ الْمَرِيضِ ذَلِكَ)، أَيْ: إِبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ؛ (لِأَنَّ حَقَّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْمَالِ)، يَعْنِي: مَالَ الْمَرِيضِ. (اسْتِيفَاءً)، أَيْ: مِنْ حَيْثُ الِاسْتِيفَاءِ؛ (وَلِهَذَا ذَلِكَ)، أَيِ: الْمَرِيضُ (مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ إِلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ).
قَالَ صَاحِبٌ النِّهَايَةِ: أَيْ: فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِينٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الدُّيُونُ مُحِيطَةٌ بِمَالِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَبَرُّعُهُ أَصْلًا فِي الثُّلُثِ وَمَا دُونَهُ، انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ
[ ٨ / ٣٨١ ]
بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ
هَذَا الْمَحَلِّ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَكِنْ غَيَّرَ الْعِبَارَةَ؛ حَيْثُ قَالَ: وَلِهَذَا مَنَعَ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ أَصْلًا إِذَا أَحَاطَتِ الدُّيُونُ بِمَالِهِ وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ، انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَرْحٍ صَحِيحٍ؛ إِذِ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِمَا: إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِينٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّيُونِ أَصْلًا بِمُقْتَضَى وُقُوعِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وَلِتَعَلُّقِ حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ أَصْلًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَعْنَىً لَغْوٌ يُنَاقِضُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ أَصْلًا لَمْ يُتَصَوَّرْ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ. فَالْوَجْهُ فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَكِنْ لَمْ تُحِطْ بِمَالِهِ. وَأَمَّا إِذَا أَحَاطَتِ الدُّيُونُ بِمَالِهِ فَيَمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ مُطْلَقًا، أَيْ: بِالثُّلُثِ وَبِمَا دُونَهُ، نَعَمْ يُمْنَعُ الْمَرِيضُ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَصْلًا؛ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِتُعَلِّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ بَلْ لِتُعَلِّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِهِ، فَالْمَنْعُ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ؛ وَلِهَذَا مُنِعَ إِنَّمَا يَتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ تَحَقُّقِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ. ثُمَّ إِنَّ جُمْهُورَ الشُّرَّاحِ قَالُوا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ إِلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ، جَوَابًا عَمَّا ادَّعَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ اسْتِوَاءِ حَالِ الصِّحَّةِ، وَحَالِ الْمَرَضِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ لَمَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ فِي حَالِ الْمَرَضِ، كَمَا لَا يُمْنَعُ عَنْهُمَا فِي حَالِ الصِّحَّةِ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْعُهُ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَا لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ؟ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَصْلًا فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ عَمَّا ادَّعَاهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ اسْتِوَاءُ حَالَتَيِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ لَا فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ. ثُمَّ أَقُولُ: كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ: وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ أَصْلًا إِذَا أَحَاطَتِ الدُّيُونُ بِمَالِهِ؛ إِذْ يَتِمُّ الْجَوَابُ حِينَئِذٍ عَمَّا ادَّعَاهُ الشَّافِعِيُّ قَطْعًا، وَيَصِحُّ التَّفْرِيعُ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِلَا غُبَارٍ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ، وَكَأَنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ تَنَبَّهَ لِقُصُورِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا فِي التَّفْرِيعِ؛ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بَدَلَ ذَلِكَ: وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ مُطْلَقًا فِي حَقِّهِمْ، غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثُّلُثِ، لَكِنَّ فِيمَا قَالَهُ إِفْرَاطٌ، كَمَا كَانَ فِيمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَفْرِيطٌ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنَ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ مُطْلَقًا فِي حَقِّهِمْ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثُّلُثِ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ بَلْ فِيمَا إِذَا أَحَاطَتِ الدُّيُونُ بِمَالِهِ، وَأَمَّا فِيمَا إِذَا لَمْ تُحِطِ بِهِ فَمُقَدَّرٌ بِالثُّلُثِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ الْإِطْلَاقُ فَكَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ.
فَالْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ فِي تَنْقِيحِ الْكَلَامِ هَاهُنَا لِإِفَادَةِ تَمَامِ الْمَقْصُودِ مَا نَبَّهَنَا عَلَيْهِ آنِفًا، فَإِنْ قِيلَ: الْإِقْرَارُ بِالْوَارِثِ فِي الْمَرَضِ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَلِمَ لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ فِي الْمَرَضِ إِذَا كَانَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي إِبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ؟ قُلْنَا: اسْتِحْقَاقُ الْوَارِثِ الْمَالَ بِالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا، فَالِاسْتِحْقَاقُ يُضَافُ إِلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا وَهُوَ الْمَوْتُ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ شَاهِدَيِ النَّسَبِ قَبْلَ الْمَوْتِ إِذَا رَجَعَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَشْهُودُ لَهُ أَخَذَ الْمَالَ لَمْ يُضَمَّنَا شَيْئًا، فَأَمَّا الدَّيْنُ فَلَمْ يَجِبْ بِالْمَوْتِ بَلْ يَجِبُ بِالْإِقْرَارِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ، (بِخِلَافِ النِّكَاحِ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَشْهَدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ إِنْشَاءِ النِّكَاحِ: يَعْنِي لَا يَلْزَمُنَا ذَلِكَ؛ (لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ)، فَإِنَّ بَقَاءَ النَّفْسِ بِالتَّنَاسُلِ، وَلَا طَرِيقَ لِلتَّنَاسُلِ إِلَّا بِالنِّكَاحِ، وَالْمَرْءُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ صَرْفِ مَالِهِ إِلَى الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ دَيْنُ الصِّحَّةِ كَالصَّرْفِ
[ ٨ / ٣٨٢ ]
وَهُوَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَبِخِلَافِ الْمُبَايَعَةِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ حَقَ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ، وَفِي حَالَةِ الصِّحَّةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْمَالِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاكْتِسَابِ فَيَتَحَقَّقُ التَّثْمِيرُ، وَهَذِهِ حَالَةُ الْعَجْزِ وَحَالَتَا الْمَرَضِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ حَالَةُ الْحَجْرِ، بِخِلَافِ حَالَتَيِ الصِّحَّةِ
إِلَى ثَمَنِ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ. (وَهُوَ)، أَيِ: النِّكَاحُ. (بِمَهْرِ الْمِثْلِ) هَذِهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ: يَعْنِي أَنَّ النِّكَاحَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ حَالَ كَوْنِهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَبَاطِلَةٌ وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ النِّكَاحَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ مُطْلَقًا.
أَقُولُ: كَوْنُ النِّكَاحِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْحَوَائِجَ الْأَصْلِيَّةَ مَا يَكُونُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْإِنْسَانِ، وَالنِّكَاحِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ لِإِمْكَانِ حُصُولِهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ تَزَوَّجَ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ أَنَّ لَهُ نِسَاءً جِوَارِيَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُولَدُ لَهُ عَادَةً جَازَ، وَهِيَ تُشَارِكُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ مَعَ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَجَاءُ بَقَاءِ النَّسْلِ، وَلَا احْتِيَاجُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ. قُلْنَا: النِّكَاحُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ مِنْ مَصَالِحِ الْمَعِيشَةِ، وَالْعِبْرَةُ لِأَصْلِ الْوَضْعِ لَا لِلْحَالِ فَإِنَّ الْحَالَ مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا لِيُبْتَنَى الْأَمْرُ عَلَيْهَا، إِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْأَسْرَارِ، وَذَكَرَ فِي الشُّرُوحِ (وَبِخِلَافِ الْمُبَايَعَةِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَشْهَدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ إِنْشَاءِ الْمُبَايِعَةِ: يَعْنِي: وَلَا يَلْزَمُنَا الْمُبَايَعَةُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ؛ (لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ)، وَالْمَالِيَّةُ بَاقِيَةٌ فِي الْمُبَايَعَةِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ فَاتَتِ الصُّورَةُ، فَلَمْ يَكُنْ فِي إِنْشَاءِ ذَلِكَ إِبْطَالُ شَيْءٍ، مِنْ حَقِّهِمْ بَلْ فِيهِ تَحْوِيلُ حَقِّهِمْ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ يُعَدُّ لَهُ، وَلِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ، وَلَمَا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ تَعَلَقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِ الْمَدْيُونِ بِطَلَ إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ حَالَةَ الصِّحَّةِ أَيْضًا؛ لَأَنَّ الْإِقْرَارَ الْمُتَضَمِّنَ لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، كَمَا مَرَّ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَاطِلٍ بِالْإِجْمَاعِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَفِي حَالَةِ الصِّحَّةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ) حَقُّ الْغُرَمَاءِ (بِالْمَالِ)، أَيْ: بِمَالِ الْمَدْيُونِ (لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاكْتِسَابِ)، أَيْ: لِقُدْرَةِ الْمَدْيُونِ عَلَى الِاكْتِسَابِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، (فَيَتَحَقَّقُ التَّثْمِيرُ)، أَيْ: تَثْمِيرُ الْمَالِ وَهُوَ تَكْثِيرُهُ، يُقَالُ: ثَمَّرَ اللَّهُ مَالَهُ، أَيْ: كَثَّرَهُ فَلَمْ تَقَعِ الْحَاجَةُ إِلَى تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ.
(وَهَذِهِ)، أَيْ: حَالَةُ الْمَرَضِ (حَالَةُ الْعَجْزِ) عَنْ الِاكْتِسَابِ، فَيَتَعَلَّقُ حَقُّهُمْ بِمَالِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَذَرًا عَنِ التَّوَى، وَلَمَا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ إِذَا أَقَرَّ فِي الْمَرَضِ، ثَانِيًا: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ بِمَالِهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِي الْمَرَضِ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِذَلِكَ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَحَالَتَا الْمَرَضِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ)، أَيْ: حَالَةُ أَوَّلِ الْمَرَضِ وَحَالَةُ آخِرِهِ بَعْدَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْمَوْتُ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ؛ (لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ الْمَرَضَ (حَالَةُ الْحَجْرِ)؛ وَلِهَذَا يُمْنَعُ عَنِ التَّبَرُّعِ فَكَانَ الْإِقْرَارَانِ فِي الْمَرَضِ بِمَنْزِلَةِ إِقْرَارٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّ حَالَتَيِ الصِّحَّةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَيُعْتَبَرُ الْإِقْرَارَانِ جَمِيعًا. (بِخِلَافِ حَالَتَيِ الصِّحَّةِ
[ ٨ / ٣٨٣ ]
وَالْمَرَضِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى حَالَةُ إِطْلَاقٍ وَهَذِهِ حَالَةُ عَجْزٍ فَافْتَرَقَا، وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الدُّيُونُ الْمَعْرُوفَةُ الْأَسْبَابِ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا إِذِ الْمُعَايَنُ لَا مَرَدَّ لَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ بَدَلِ مَالٍ مَلَكَهُ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ وَعُلِمَ وُجُوبُهُ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَهْرِ مِثْلِهَا، وَهَذَا الدَّيْنُ مِثْلُ دَيْنِ الصِّحَّةِ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِمَا بَيَّنَّا،
وَالْمَرَضِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى)، أَيْ: حَالَةُ الصِّحَّةِ (حَالَةُ إِطْلَاقٍ) لِلتَّصَرُّفِ، (وَهَذِهِ)، أَيْ: حَالَةُ الْمَرَضِ (حَالَةُ عَجْزٍ) عَنِ التَّصَرُّفِ. قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: لَوْ قَالَ: حَالَةُ حَجْرٍ، لَكَانَ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً بِالْإِطْلَاقِ (فَافْتَرَقَا)، أَيِ: افْتَرَقَ الْوَجْهَانِ أَوِ الْحُكْمَانِ، فَمَنَعَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ الصِّحَّةُ بِمَالِهِ عَنْ إِقْرَارِهِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْإِقْرَارُ فِي أَوَّلِ الْمَرَضِ عَنِ الْإِقْرَارِ فِي آخِرِهِ، ثُمَّ إِنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ أَفَادَ تَقْدِيمَ دَيْنِ الصِّحَّةِ عَلَى الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي تَقْدِيمِ الدُّيُونِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الْمَعْرُوفَةُ الْأَسْبَابِ)، يَعْنِي: إِنَّمَا تُقَدَّمُ الدُّيُونُ اللَّازِمَةُ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ؛ (لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا)، أَيْ: فِي ثُبُوتِ تِلْكَ الدُّيُونِ؛ (إِذِ الْمُعَايَنُ لَا مَرَدَّ لَهُ)، يَعْنِي: أَنَّ ثُبُوتَهَا بِالْمُعَايَنَةِ وَالْأَمْرِ الْمُعَايَنِ لَا مَرَدَّ لَهُ، فَتَقَدَّمَ عَلَى الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْمَرَضِ.
(وَذَلِكَ)، أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنَ الدُّيُونِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابَ، (مِثْلُ: بَدَلِ مَالِ مُمَلِّكِهِ)، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَلِ الْقَرْضِ، (أَوِ اسْتَهْلَكَهُ)، أَيْ: أَوْ بَدَلَ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ، (وَعُلِمَ وُجُوبُهُ)، أَيْ: وُجُوبُ الْبَدَلِ (بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ)، أَيْ: بِغَيْرِ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ بِأَنْ يَثْبُتَ وُجُوبُهُ بِمُعَايَنَةِ الْقَاضِي أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، (أَوْ تُزَوُّجُ امْرَأَةٌ بِمَهْرٍ مِثْلِهَا)، هَذَا عَطْفٌ عَلَى بَدَلِ مَالٍ مَلَكَهُ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ: أَوْ مُهْرُ مِثْلِ امْرَأَةٍ تَزَوْجَهَا، فَإِنَّهُ أَيْضًا مِنَ الدُّيُونِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابُ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ كَوْنَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِهِ بِغَيْرِ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ شَرْطٌ فِي هَذَا الْمِثَالِ أَيْضًا؛ وَإِلَّا كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ، فَلَا يَصِحُّ مِثَالًا لِمَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّيُونِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي هَذَا أَيْضًا لَا يَرَى فِي تَأْخِيرِهِ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلِهِ: وَعُلِمَ وُجُوبُهُ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ وَجْهٌ وَجِيهٌ.
(وَهَذَا الدَّيْنُ)، يَعْنِي: الدَّيْنُ اللَّازِمُ فِي الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ، (مِثْلُ دَيْنِ الصِّحَّةِ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِمَا بَيَّنَّا)، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا، فَإِنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ، أَعْنِي عَدَمَ التُّهْمَةِ فِي الثُّبُوتِ، كَمَا تَتَمَشَّى فِي الدَّيْنِ اللَّازِمِ فِي الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعَايَنَ لَا مَرَدَّ لَهُ كَذَلِكَ تَتَمَشَّى فِي دَيْنِ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا،
أَمَّا فِيمَا لَزِمَ فِي الصِّحَّةِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ، فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعَايَنَ لَا مَرَدَّ لَهُ، وَأَمَّا فِيمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَّةِ بِالْإِقْرَارِ فَبِنَاءً عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ، كَمَا فِي إِقْرَارِ الْمَرِيضِ هَذَا، وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَوْلُهُ: "لِمَا بَيَّنَّا" إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: "إِذِ الْمُعَايَنُ لَا مَرَدَّ لَهُ".
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ: أَعْنِي قَوْلَهُ: إِذِ الْمُعَايَنُ لَا مَرَدَّ لَهُ لَا تَتَمَشَّى فِيمَا إِذَا ثَبَتَ دَيْنُ الصِّحَّةِ بِالْإِقْرَارِ؛ إِذِ الثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ لَيْسَ مِنَ الْمُعَايَنِ، فَلَا يَظْهَرُ بِهَا أَنْ لَا يُقَدَّمَ هَذَا الدَّيْنُ عَلَى دَيْنِ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، يَعْنِي فِي النِّكَاحِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهِ فِي غَيْرِهِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: "لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا"، مَعَ قُرْبِهِ فِي الذِّكْرِ وَشُمُولِهِ لِلدَّيْنِ اللَّازِمِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ اللَّازِمِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ جَمِيعًا، كَيْفَ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ هَاهُنَا لِمَا بَيَّنَّا، فَيُصَارُ إِلَى تَوْزِيعِ قَوْلِهِ لِمَا بَيَّنَّا إِلَى قَوْلِهِ: "لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا"، وَإِلَى قَوْلِهِ: فِي بَعِيدٍ بِخِلَافِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَهُوَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ
[ ٨ / ٣٨٤ ]
وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لِآخَرَ لَمْ يَصِحَّ فِي حَقِ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ فِي إِيثَارِ الْبَعْضِ إِبْطَالُ حَقِ الْبَاقِينَ، وَغُرَمَاءُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إِلَّا إِذَا قَضَى مَا اسْتَقْرَضَ فِي مَرَضِهِ أَوْ نَقَدَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَى فِي مَرَضِهِ وَقَدْ عُلِمَ بِالْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: قَوْلُهُ: "لِمَا بَيَّنَّا"، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقَوْلِهِ: "لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا".
أَقُولُ: إِنْ أَرَادَا أَنَّ قَوْلَهُ لِمَا بَيَّنَّا إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ، كَمَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِمَا مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ أَرَادَا أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً؛ لِكَوْنِ الدُّيُونِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابِ مُطْلَقًا مِثْلِ دِينِ الصِّحَّةِ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَهُوَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مَخْصُوصٌ بِالنِّكَاحِ، وَلَيْسَ كَثِيرٌ مِنْ أَسْبَابِ تِلْكَ الدُّيُونِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ قَطُّ، فَلَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ.
(وَلَوْ أَقَرَّ)، أَيِ: الْمَرِيضُ (بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لِآخَرٍ)، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعَيْنُ أَمَانَةً أَوْ مَضْمُونَةً (لَمْ يَصِحَّ) إِقْرَارُهُ (فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ)، أَيْ: بِمَا أَقَرَّ بِهِ ذِكْرُ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ، وَمُفَادُهَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعَيْنِ فِي الْمَرَضِ كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فِيهِ، (وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ الْبَعْضِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ، وَقَالَ فِي تَعْلِيلِهَا: (لِأَنَّ فِي إِيثَارِ الْبَعْضِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ) وَهُوَ لَا يَصِحُّ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُسَلَّمِ الْمَقْبُوضُ لِلْقَابِضِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ عِنْدَنَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَقْبُوضُ سَالِمٌ لِلْقَابِضِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ نَاظِرٌ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَصْنَعُ فَرُبَّمَا يَقْضِي دَيْنَ مَنْ يَخَافُ أَنْ لَا يُسَامِحَهُ بِالْإِبْرَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ بَلْ يُخَاصِمُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالتَّصَرُّفُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ غَيْرُ مَرْدُودٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَبْطُلُ حَقَّ غَيْرِهِ.
(وَغُرَمَاءُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ)، أَيْ: وَغُرَمَاءُ الصِّحَّةِ وَغُرَمَاءُ الْمَرَضِ الَّذِينَ كَانُوا غُرَمَاءَ فِي الدُّيُونِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ جَوَازِ إِيثَارِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالْعِلَّةِ اشْتِرَاكُ الْكُلِّ وَتُسَاوِيهِمْ فِي تَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِمَالِ الْمَرِيضِ، (إِلَّا إِذَا قَضَى مَا اسْتَقْرَضَ فِي مَرَضِهِ)، هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ الْبَعْضِ، وَقَوْلُهُ: فِي مَرَضِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، أَعْنِي: قَضَى وَاسْتَقْرَضَ، فَالْمَعْنَى: إِلَّا إِذَا قَضَى فِي مَرَضِهِ مَا اسْتَقْرَضَ فِي مَرَضِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَوْ نَقْدَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَى فِي مَرَضِهِ)، أَيْ: نَقَدَ فِي مَرَضِهِ ثَمَنَ مَا اشْتَرَى فِي مَرَضِهِ.
(وَقَدْ عُلِمَ) وُجُوبُهُ (بِالْبَيِّنَةِ)، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ وُجُوبُ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَضَاءِ وَالنَّقْدِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْقَاضِي فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ الْمَرِيضُ الْمُقْرِضَ وَالْبَائِعَ بِقَضَاءِ دِينِهِمَا وَيُسَلِّمَ الْمَقْبُوضَ لَهُمَا، وَلَا يُشَارِكْهُمَا فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْطِلْ حَقَّ الْغُرَمَاءِ، بَلْ إِنَّمَا حَوَّلَهُ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ يُعَدُّ لَهُ، وَكَانَ تَعَلُّقُ حَقِّهِمْ بِالْمَالِيَّةِ بِالصُّورَةِ وَالْمَالِيَّةِ لَمْ تَفُتْ بِالتَّحْوِيلِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: أَرَأَيْتَ لَوْ رَدَّ مَا اسْتَقْرَضَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ وَرَدَّ الْمَبِيعَ أَكَانَ يَمْتَنِعُ سَلَامَتُهُ لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِ لِحَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ: لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إِذَا رَدَّ بَدَّلَهُ؛ لِأَنَّ حَكَمَ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ.
[ ٨ / ٣٨٥ ]
قَالَ (فَإِذَا قُضِيَتْ) يَعْنِي الدُّيُونَ الْمُقَدَّمَةَ (وَفَضَلَ شَيْءٌ يُصْرَفُ إِلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي ذَاتِهِ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا رُدَّ فِي حَقِ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ حَقُّهُمْ ظَهَرَتْ صِحَّتُهُ. قَالَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ جَازَ إِقْرَارُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ إِبْطَالَ حَقِ الْغَيْرِ وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ أَوْلَى مِنَ الْوَرَثَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ تَرِكَتِهِ
وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فَقَالَ: فَإِنْ قَضَى الْمَرِيضُ دُيُونَ هَؤُلَاءِ، هَلْ لِغُرَمَاءَ الصِّحَّةِ أَنْ يُشَارِكُوهُمْ فِيمَا قَبَضُوا؟ قَالُوا: لَا يُشَارِكُونَ الْمُقْرِضَ وَالْبَائِعَ، وَيُشَارِكُونَ الْمَرْأَةَ وَالْآجِرَ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمُقْرِضِ وَالْبَائِعِ لَمْ يُبْطِلْ حَقَّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حَقَّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ فِي مَعْنَى مَالِ الْمَرِيضِ، لَا فِي أَعْيَانِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِبْطَالًا لَحِقِّهِمْ بَلْ كَانَ نَقْلًا لَحَقِّهِمْ وَلَهُ وِلَايَةُ النَّقْلِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ مَالَهُ لِيُوَفِّيَ حُقُوقَهُمْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
فَأَمَّا فِي النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ فَبِقَضَاءِ الْمَهْرِ وَالْأَجْرِ أُبْطِلَ حَقُّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ عَنْ عَيْنِ الْمَالِ وَعَنْ مَالِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لَا يَصْلُحُ لِقَضَاءِ حُقُوقِهِمْ، فَصَارَ وُجُودُ هَذَا الْعِوَضِ فِي حَقِّهِمْ وَعَدَمِهِ بِمَنْزِلَةٍ فَكَانَ إِبْطَالًا لِحَقِّهِمْ وَلَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِبْطَالِ، انْتَهَى.
(قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (فَإِذَا قُضِيَتْ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفَسَّرَ الْمُصَنِّفُ الْقَائِمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ بِقَوْلِهِ: (يَعْنِي الدُّيُونَ الْمُقَدَّمَةَ)، وَأَرَادَ بِالدُّيُونِ الْمُقَدِّمَةِ دُيُونَ الصِّحَّةِ وَالدُّيُونَ اللَّازِمَةَ فِي الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ، (وَفَضْلُ شَيْءٍ)، وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْقُدُورِيُّ، يَعْنِي: وَفَضْلُ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ الْمَذْكُورَةِ (يُصْرَفُ إِلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ).
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي ذَاتِهِ صَحِيحٌ)، أَيْ: مَحْمُولٌ عَلَى الصِّدْقِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لِصُدُورِهِ عَنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ؛ إِذِ الْكَلَامُ فِيهِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ، (وَإِنَّمَا رُدَّ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ) لِكَوْنِهِ مُتَّهَمًا فِي حَقِّ الْغَيْرِ، (فَإِذَا لَمْ يُبْقِ حَقَّهُمْ ظَهَرَتْ صِحَّتُهُ)، أَيْ: صِحَّةُ إِقْرَارِهِ فِي الْمَرَضِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ. (قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ)، أَيْ: عَلَى الْمَرِيضِ (دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ جَازَ إِقْرَارُهُ)، وَإِنْ كَانَ بِكُلِّ مَالِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ إِبْطَالَ حَقِّ الْغَيْرِ)، يَعْنِي: أَنَّهُ إِنَّمَا رُدَّ لِتَضَمُّنِهِ إِبْطَالَ حَقِّ الْغَيْرِ، فَإِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ نَفَذَ إِقْرَارُهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
أَقُولُ: كَانَ الظَّاهِرُ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ وَلَا دُيُونٌ لَازِمَةٌ فِي مَرَضِهِ بِأَسْبَابِ مَعْلُومَةٍ جَازَ إِقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ اللَّازِمَةَ فِي الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَيْضًا عَلَى الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ، كَمَا مَرَّ فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ تِلْكَ الدُّيُونُ فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا يَجُوزَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ لِتَضْمِينِهِ إِبْطَالَ حَقِّ غُرَمَاءِ الدُّيُونِ اللَّازِمَةِ فِي مَرَضِهِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ، (وَكَانَ الْمُقِرُّ لَهُ أَوْلَى مِنَ الْوَرَثَةِ)، هَذَا مِنْ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ أَيْضًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِهِ (لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ تَرِكَتِهِ): وَالْأَثَرُ فِي مَثَلِهِ كَالْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ فَلَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي مَبْسُوطِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا عُمَرَ، وَكَذَا رُوِيَ فِي الْأَصْلِ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِيهِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ غَيْرِ وَارِثٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِمَالِهِ.
أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ غَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مَرْوِيًّا عَنْ عُمَرَ أَيْضًا، فَيَجُوزُ أَنْ يُسْنِدَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي النَّقْلِ إِلَى أَحَدِهِمَا، كَمَا وَقَعَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَبَعْضُهُمْ إِلَى الْآخَرِ، كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا، سِيَّمَا إِذَا اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الْفَرِيقَيْنِ فِي النَّقْلِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ؛ حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا
[ ٨ / ٣٨٦ ]
وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَحَقُ الْوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ بِشَرْطِ الْفَرَاغِ وَلِهَذَا تُقَدَّمُ حَاجَتُهُ فِي التَّكْفِينِ.
قَالَ (وَلَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِحُّ لِأَنَّهُ إِظْهَارُ حَقٍّ ثَابِتٍ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ، وَصَارَ كَالْإِقْرَارِ لِأَجْنَبِيٍّ وَبِوَارِثٍ آخَرَ وَبِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ لِلْوَارِثِ.
مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَالَا: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ، انْتَهَى. فَتَدَبَّرْ. (وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ)؛ إِذْ فِيهِ رَفْعُ الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الدَّيْنُ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ»، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
(وَحَقُّ الْوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ بِشَرْطِ الْفَرَاغِ) عَنِ الْحَاجَةِ وَلِهَذَا تُقَدَّمُ حَاجَتُهُ، أَيْ: حَاجَةُ الْمَيِّتِ (فِي التَّكْفِينِ) وَالتَّجْهِيزِ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ قَضَاءُ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ، وَبَيْنَ الدَّيْنِ اللَّازِمِ بِمُنَاكَحَتِهِ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَهُوَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَضَاءُ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ يَكُونُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَاكَ دَيْنُ الصِّحَّةِ، وَالدَّيْنُ اللَّازِمُ فِي الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ تَحَقُّقًا، وَلَكِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ قَضَائِهِمَا.
وَأَمَّا إِذَا تَحَقَّقَا وَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ قَضَائِهِمَا، فَلَا يَكُونُ الدَّيْنُ الثَّابِتُ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ كَوْنِهِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ أَنْ يُرْفَعَ بِهِ الْحَائِلُ بَيْنَ الْمَدْيُونِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ، كَمَا مَرَّ، وَتِلْكَ الْعِلَّةُ مُنْتَفِيَةٌ عِنْدَ تَحَقُّقِ دَيْنِ الصِّحَّةِ وَدَيْنِ الْمَرَضِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ مَعَ عَدَمِ وَفَاءِ التَّرِكَةِ بِمَا سِوَاهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَحُولَانِ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مَا لَمْ يُرْفَعَا بِقَضَائِهِمَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ عِلَّةَ كَوْنِهِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ كَوْنُهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمَعِيشَةِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنِ الْإِيرَادِ الْمَزْبُورِ بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ ثُبُوتُ الدَّيْنِ فِيمَا إِذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دُيُونُ الصِّحَّةِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ حَتَّى يَكُونَ قَضَاؤُهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مَدَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، وَبَيْنَ مَا لَزِمَ بِنِكَاحِهِ عَدَمُ ظُهُورِ ثُبُوتِ الْأَوَّلِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ وَظُهُورِ ثُبُوتِ الثَّانِي؛ إِذِ الْمُعَايَنُ لَا مَرَدَّ لَهُ لَا عَدَمَ كَوْنٍ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَكَوْنِ الثَّانِي مِنْهَا، كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، وَمَوْرِدُ الْإِيرَادِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا، وَيُمْكِنُ التَّوْجِيهُ فَتَأَمَّلَ.
(قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَلَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ لَا يَصِحُّ)، سَوَاءً أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ بِدَيْنٍ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الْعَيْنَ وَالدَّيْنَ: (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيهِ)، أَيْ: فِي إِقْرَارِهِ هَذَا (بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: وَأَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَأَبِي هَاشِمٍ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِحُّ)، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَالْعَطَاءِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَصِحُّ إِذَا لَمْ يُتَّهَمُ، وَيَبْطُلُ إِذَا اتُّهِمَ كَمَنْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ عَمٍّ فَأَقَرَّ لِابْنَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ أَقَرَّ لِابْنِ عَمِّهِ قُبِلَ؛ إِذْ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَزِيدَ فِي نَصِيبِهِ، وَيُتَّهَمُ أَنْ يَزِيدَ فِي نَصِيبِهَا، دَلِيلُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ (إِظْهَارُ حَقٍّ ثَابِتٍ)، أَيْ: إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ لَازِمٍ عَلَيْهِ؛ (لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ)، أَيْ: فِي هَذَا الْإِقْرَارِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ فَإِنَّ حَالَ الْمَرَضِ أَدَلُّ عَلَى الصِّدْقِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ تَدَارَكِ الْحُقُوقِ، فَلَا يَجُوزُ أَنَّ يَثْبُتَ الْحَجْرُ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ، (وَصَارَ) هَذَا الْإِقْرَارُ (كَالْإِقْرَارِ لِأَجْنَبِيِّ وَبِوَارِثٍ آخَرَ)، نَحْوُ: أَنْ يُقِرَّ لِمَجْهُولِ النَّسَبِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ تَضَمَّنَ وُصُولَ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَيْهِ، (وَبِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ لِلْوَارِثِ)، أَيْ: وَكَالْإِقْرَارِ بِاسْتِهْلَاكِ وَدِيعَةٍ مَعْرُوفَةٍ لِلْوَارِثِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ، وَصُورَةُ ذَلِكَ عَلَى
[ ٨ / ٣٨٧ ]
وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ»
مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: رَجُلٌ أَوْدَعَ أَبَاهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي حَالِ صِحَّةِ الْأَبِ أَوْ مَرَضِهِ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: اسْتَهْلَكْتُهَا، ثُمَّ مَاتَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ جَائِزٌ وَالْأَلْفُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِلِابْنِ الْمُقَرِّ لَهُ خَاصَّةً.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَبِرْ إِقْرَارَهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ مَاتَ مُجْهَلًا فَيَجِبُ الضَّمَانُ فَلَا يُفِيدُ رَدُّ إِقْرَارِهِ؛ وَلِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ إِنَّمَا رُدَّ لِلتُّهْمَةِ وَلَا تُهْمَةَ فِي الْمُعَايَنَةِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: جَوَابُهُمُ الثَّانِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْمُعَايَنَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا هُوَ إِيدَاعُ الْوَارِثِ تِلْكَ الْوَدِيعَةِ لَا اسْتِهْلَاكُ الْمُوَرِّثِ إِيَّاهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الِاسْتِهْلَاكُ بِإِقْرَارِ الْمُوَرِّثِ لَا غَيْرَ، كَمَا هُوَ الْمَفْرُوضُ فِي هَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ، فَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالِاسْتِهْلَاكِ، فَالصَّوَابُ مِنْ جَوَابِهِمْ هُوَ الْأَوَّلُ، كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ مِنْ تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ إِنَّمَا يُرَدُّ لِلتُّهْمَةِ لَا لِخَلَلٍ فِيهِ وَلَا تُهْمَةَ فِي هَذَا، أَلَا يُرَى أَنَّا إِذَا كَذَّبْنَاهُ فَمَاتَ وَجَبَ الضَّمَانُ أَيْضًا فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مُجْهَلًا، انْتَهَى.
وَكَأَنَّ تِلْكَ الْجَمَاعَةَ مِنَ الشُّرَّاحِ اغْتَرُّوا بِمَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تُهْمَةَ فِي هَذَا، فَفَهِمُوا أَنَّ وَجْهَ عَدَمِ التُّهْمَةِ فِيهِ ثُبُوتُهُ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وَجْهُ ذَلِكَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُقِرِّ، سَوَاءٌ صَدَقَ فِي إِقْرَارِهِ أَمْ كَذَبَ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مُجْهَلًا، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْوِيرِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ لَمْ يُصِبْ أَيْضًا فِي تَحْرِيرِ هَذَا الْمَقَامِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ تَعْلِيلِهَا الْمَذْكُورِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ عِنْدَ تَقْرِيرِ دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ، مَعَ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ لَا لَهُ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنْ يَذْكُرَ مَضْمُونَ ذَلِكَ التَّعْلِيلِ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ.
(وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ»)، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ نُوحِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ ثَعْلَبٍ عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ». قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ: وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ»، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ شَاذَّةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄: إِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ غَيْرُ وَارِثٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَرَثَةُ، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ عِنْدَنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ، انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، انْتَهَى.
أَقُولُ: كُلٌّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْأَثَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ بِالدَّيْنِ بِدُونِ تَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ، وَمَسْأَلَتُنَا تَعُمُّ بُطْلَانَ إِقْرَارِهِ لَهُ بِالدَّيْنِ وَبِالْعَيْنِ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَكَانَ الدَّلِيلُ قَاصِرًا عَنْ إِفَادَةِ تَمَامِ
[ ٨ / ٣٨٨ ]
وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ عَلَى الْوَارِثِ أَصْلًا، فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِ الْبَاقِينَ، وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ سَبَبُ التَّعَلُّقِ،
الْمُدَّعِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى إِفَادَةِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْآتِي كُلِّيَّةَ الْمُدَّعِي، فَتَأَمَّلْ. (وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ وَلِهَذَا يُمْنَعُ)، أَيِ: الْمَرِيضُ (مِنَ التَّبَرُّعِ عَلَى الْوَارِثِ)، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ لَهُ (أَصْلًا)، أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ، (فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ)، أَيْ: فَفِي تَخْصِيصِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ (إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ)، أَيْ: إِبْطَالُ حَقِّ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَهُوَ جَوْرٌ عَلَيْهِمْ فَيُرَدُّ، وَتَذَكَّرْ هَاهُنَا مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنِ الْإِشْكَالِ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ بِوَارِثٍ آخَرَ وَجَوَابَهُ، فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَرَّ نَقْلًا عَنِ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ.
فَإِنْ قِيلَ: حَقَّ الْوَرَثَةِ إِنَّمَا يَظْهَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ حَاجَتِهِ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ فَقَدْ ظَهَرَ حَاجَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ خِرَافًا، وَبِالْمَرَضِ تَزْدَادُ جِهَةُ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْبَاعِثَ الشَّرْعِيَّ يَنْضَمُّ إِلَى الْعَقْلِيِّ فَيَبْعَثُهُ عَلَى الصِّدْقِ.
قُلْنَا: الْإِقْرَارُ لِلْوَارِثِ إِيصَالُ نَفَعٍ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ لَمْ يُعَرَفْ إِلَّا بِقَوْلِهِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِيثَارَ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ حَيْثُ عَجَزَ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَتَوَقَّفَ صِحَّتُهُ عَلَى رِضَا الْبَاقِينَ، دَفَعَا لِلْوَحْشَةِ وَالْعَدَاوَةِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهِمٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إِيصَالَ النَّفْعِ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِهِ إِنْشَاءً لَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي إِقْرَارِهِ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ، وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
(وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ) عَنِ الْمَالِ لِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْمَوْتِ الْمُوجِبِ لِانْتِهَاءِ الْآمَالِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ فِيهِ يُورِثُ تُهْمَةَ تَخْصِيصِهِ، (وَالْقَرَابَةُ) تَمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا. (سَبَبُ التَّعَلُّقِ)، أَيْ: سَبَبُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْأَقْرِبَاءِ بِالْمَالِ، وَتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ يَمْنَعُ تَخْصِيصَ بَعْضِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِلَا مُخَصَّصٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ الَّذِي هُوَ مُخْتَارُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ … إِلَخْ. دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أُسْلُوبِ تَحْرِيرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ: "وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ" عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: "وَلِهَذَا يُمْنَعُ … إِلَخْ". فَإِنَّهُ كَانَ دَلِيلًا إِنِّيًا، وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَا انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ جِدًّا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ مُقَدِّمَةٌ لِدَلِيلِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلَهُ: "فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ"، مُقَدِّمَةٌ أُخْرَى لَهُ مَرْبُوطَةٌ بِالْأُولَى، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ، مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ، لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى كَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ تَوْسِيطُ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ دَلِيلَيِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، نَعَمْ يَصْلُحُ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ سَبَبُ التَّعَلُّقِ؛ لِأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ لَوْلَا تَوْسِيطُ قَوْلِهِ: "فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ".
وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْكَافِي: وَلِأَنَّهُ آثَرَ بَعْضَ وَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّ الْكُلِّ بِمَا لَهُ فَيُرَدُّ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا؛ لَأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ مَالِهِ لِظُهُورِ آثَارِ الْمَوْتِ فِيهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَالِهِ لِانْتِهَاءِ آمَالِهِ عِنْدَ إِقْبَالِهِ عَلَى الْآخِرَةِ فَيَظْهَرُ عِنْدَ اسْتِغْنَائِهِ حَقُّ أَقْرِبَائِهِ؛ وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ عَلَى وَارِثِهِ أَصْلًا فَلَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ إِبْطَالَ حَقِّ الْبَاقِينَ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَلِأَنَّ فِيهِ إِيثَارُ
[ ٨ / ٣٨٩ ]
إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِ الْأَجْنَبِيِّ لِحَاجَتِهِ إِلَى الْمُعَامَلَةِ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ انْحَجَرَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ، وَقَلَّمَا تَقَعُ الْمُعَامَلَةُ مَعَ الْوَارِثِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِ الْإِقْرَارِ بِوَارِثٍ آخَرَ لِحَاجَتِهِ أَيْضًا، ثُمَّ هَذَا التَّعَلُّقُ حَقُ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا صَدَّقُوهُ فَقَدْ أَبْطَلُوهُ فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ قَالَ (وَإِذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهِ) لِمَا بَيَّنَّا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا فِي الثُّلُثِ
بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّ جَمِيعِهِمْ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبَقِيَّةِ كَالْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِمْ بِالْإِقْرَارِ لِوَرَثَتِهِ، كَمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ، انْتَهَى، تَبَصَّرْ.
(إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ)، أَيْ: تُعَلِّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ (لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ)؛ حَيْثُ لَمْ يُمْنَعْ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِأَجْنَبِيٍّ (لِحَاجَتِهِ)، أَيْ: لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ (إِلَى الْمُعَامَلَةِ) مَعَ النَّاسِ (فِي الصِّحَّةِ)، أَيْ: فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ؛ (لِأَنَّهُ لَوِ انْحَجَرَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ) فِي الصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازٍ أَنْ يَعْرِضَهُ الْمَرَضُ، فَتَخْتَلُّ مَصَالِحُهُ فَيَقَعُ فِي الْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا. وَلَمَا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ: الْحَاجَةُ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ الْوَارِثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَمَا يُعَامَلُونَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ يُعَامَلُونَ مَعَ الْوَارِثِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَقَلَّمَا تَقَعُ الْمُعَامَلَةُ مَعَ الْوَارِثِ)؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ لِلِاسْتِرْبَاحِ وَلَا اسْتِرْبَاحَ مَعَ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَيَا مِنَ الْمُمَاكَسَةِ مَعَهُ، فَلَا يُحَصَّلُ الرِّبْحَ.
(وَلَمْ يَظْهَرْ)، أَيْ: وَكَذَا لَمْ يَظْهَرْ هَذَا التَّعَلُّقُ (فِي حَقِّ الْإِقْرَارِ بِوَارِثٍ آخَرَ لِحَاجَتِهِ أَيْضًا)، أَيْ: لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَارِثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِبْقَاءِ نَسْلِهِ فَلَا يَنْحَجِرُ عَنْهُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، (ثُمَّ هَذَا التَّعَلُّقُ)، أَيْ: تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ (حَقُّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا صَدَّقُوهُ)، أَيْ: إِذَا صَدَّقَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الْمُقِرَّ لِوَارِثٍ، (فَقَدْ أَبْطَلُوهُ)، أَيْ: أَبْطَلُوا حَقَّهُمْ، (فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ)، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْمُصَنِّفِ بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنَّ تَصَدِّقَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ.
(وَإِذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهِ لِمَا بَيَّنَّا) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ، وَإِلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَوِ انْحَجَرَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. وَفِي الْعِنَايَةِ وَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مَعْلُومَةً مِمَّا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهَا تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، (وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا فِي الثُّلُثِ)، وَهُوَ مَذْهَبُ
[ ٨ / ٣٩٠ ]
لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ عَلَيْهِ.
إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي الثُّلُثِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثِ الْبَاقِي لِأَنَّهُ الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الْكُلِّ.
قَالَ (وَمَنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَبَطَلَ إِقْرَارُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَبْطُلْ إِقْرَارُهُ لَهَا) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَرَّ لِابْنِهِ فَلَا يَصِحُّ وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ لِأَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى زَمَانِ التَّزَوُّجِ فَبَقِيَ إِقْرَارُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ.
بَعْضِ النَّاسِ، كَمَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ؛ (لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ)، أَيْ: تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ. (عَلَيْهِ)، أَيْ: عَلَى الثُّلُثِ وَتَعَلَّقَ بِالثُّلُثَيْنِ حَقُّ الْوَرَثَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ تَبَرَّعَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يُنَفَّذْ إِلَّا فِي الثُّلُثِ، فَكَذَا الْإِقْرَارُ وَجَبَ أَنْ لَا يَنْفُذُ إِلَّا فِي الثُّلُثِ، كَذَا قَالُوا.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الشَّرْعُ إِنَّمَا قَصَرَ عَلَى الثُّلُثِ تَصَرُّفَهُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفَهُ فِي نَحْوِ ثَمَنِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ إِلَّا فِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، فَلَمْ يَجْرِ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِي أَنَّ كَوْنَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ عَلَى مُوجَبِ الِاسْتِحْسَانِ أَيْضًا دُونَ الْقِيَاسِ. (إِلَّا أَنَّا نَقُولُ) فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ: (لَمَا صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي الثُّلُثِ) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْ إِقْرَارِهِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ لِعَدَمِ تُعَلِّقِ الْوَرَثَةِ بِهِ، (كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلْثِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ)، وَالثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ قَطْعًا فَيَنْفُذُ الْإِقْرَارُ فِي الثُّلُثِ الثَّانِي. (ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الْكُلِّ)، كَذَا فِي الْإِيضَاحِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَبِرَاتِ.
أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْإِتْيَانَ عَلَى الْكُلِّ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْوَجْهِ الْمَزْبُورِ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَظَاهَرٌ؛ لِأَنَّ التَّثْلِيثَ إِذَا انْتَهَى إِلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ فَأُخْرِجَ مِنْهَا أَحَدُهَا، وَبَقِيَ الْجُزْآنِ امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إِخْرَاجُ الثُّلُثِ مِنْ ذَيْنِكَ الْجُزْأَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّجَزُّؤِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِإِمْكَانِ الْقِسْمَةِ إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحُكَمَاءِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَيْنَ الْكُلِّ لِلْقَطْعِ بِمُغَايَرَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ. لَا يُقَالُ: مُرَادُهُمُ الْإِتْيَانُ عَلَى قَرِيبٍ مِنَ الْكُلِّ لَا عَلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي جَوَازَ الْإِقْرَارِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَإِنْ أَحَاطَ بِكُلِّ مَالِهِ حَقِيقَةً، تَدَبَّرْ، وَنَقْضُ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَبِالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْوَرَثَةِ مَعَ جَرَيَانِ الطَّرِيقِ الْمَزْبُورِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي ثُلْثِ مَالِهِ بِدُونِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَلَمَّا صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي ثُلْثِ مَالِهِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلْثِ الْبَاقِي لِمَا أَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ بَعْدَ الثُّلُثِ الْخَارِجِ جُعِلَ كَأَنَّهُ هُوَ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَجِبُ أَنْ تَنْفُذَ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلْثِهِ أَيْضًا ثُمَّ وَثُمَّ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْكُلِّ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الثُّلُثَ بَعْدَ الدَّيْنِ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ، فَلَمَّا أَقَرَّ بِدَيْنٍ انْتَقَلَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ إِلَى ثُلْثِ مَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ الثُّلُثُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُحَلَّ تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ وَصِيَّةً، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ ثُلْثُ الْمَجْمُوعِ لَا غَيْرَ فَافْتَرَقَا.
(قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ) فِي مَرَضِهِ بِمَالٍ، (ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ)، أَيْ: ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، (وَبَطَلَ إِقْرَارُهُ) بِالْمَالِ. (فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَبْطُلْ إِقْرَارُهُ لَهَا)، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ؛ حَيْثُ بَطَلَتَا لَهَا أَيْضًا. وَقَالَ زُفَرُ: بَطَلَ الْإِقْرَارُ لَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَحَصَلَتِ التُّهْمَةُ وَهِيَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ، وَلَنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَوَجْهُ الْفَرْقِ)، أَيْ: بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ (أَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَرَّ لِابْنِهِ فَلَا يَصِحُّ)، يَعْنِي: أَنَّ النَّسَبَ إِذَا ثَبَتَ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ وَقَعَ لِوَارِثِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
(وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى زَمَانِ التَّزَوُّجِ)، يَعْنِي: أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ إِذَا ثَبَتَتْ ثَبَتَتْ مُقْتَصِرَةً عَلَى زَمَانِ الْعَقْدِ، (فَبَقِيَ إِقْرَارُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ)، فَيَصِحُّ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهِيَ وَارِثَةٌ حِينَئِذٍ، وَالْهِبَةُ
[ ٨ / ٣٩١ ]
قَالَ: (وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَمِنْ مِيرَاثِهَا مِنْهُ)
فِي الْمَرَضِ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَفِي وَصَايَا الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ أَقَرَّ بِدِينٍ لِابْنِهِ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَبْدٌ ثُمَّ أَسْلَمَ الِابْنُ أَوْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ كَانَ سَبَبُ التُّهْمَةِ بَيْنَهُمَا قَائِمًا وَهُوَ الْقُرَابَةُ الَّتِي صَارَ بِهَا وَارِثًا فِي ثَانِيَ الْحَالِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي أَقَرَّ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ التُّهْمَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَائِمًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ، انْتَهَى.
(قَالَ)، أَيِ: الْقُدُورِيَّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَمِنْ مِيرَاثِهَا مِنْهُ)، أَيْ: مِنَ الزَّوْجِ، قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: هَذَا إِذَا طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بِلَا سُؤَالِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ إِذْ هُوَ فَارٌّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ، انْتَهَى.
وَقَالَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالشُّرُوحِ: وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا بِسُؤَالِهَا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنِ، وَالْمَوْضِعَانِ صَحِيحَانِ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي الْجَامِعِ وَالْمُحِيطِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَوْلَا الْإِقْرَارُ، فَفِي الْوَضْعِ الْأَوَّلِ: تَرِثُهُ إِذَا مَاتَ فِي الْعِدَّةِ، وَفِي الْوَضْعِ الثَّانِي: لَا تَرِثُهُ، وَمَعَ هَذَا إِذَا أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَمِنَ الْمِيرَاثِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: قَدْ اخْتَلَفَ رَأْيَاهُمَا فِي اسْتِخْرَاجِ هَذَا الْمَقَامِ. وَالَّذِي يُطَابِقُ مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ بِأَمْرِهَا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِوَصِيَّةٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنَ الْمِيرَاثِ، فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةً هُنَاكَ بِمَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ هَا هُنَا، وَلَا يَرَى لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةً سِوَى الِاحْتِرَازِ عَمَّا إِذَا طَلَّقَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا، ثُمَّ إِنِّي تَتَبَّعْتُ عَامَّةَ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى الْجَامِعِ وَالْمُحِيطِ وَلَمْ أَظْفَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِكَوْنِ الْحُكْمِ وَاحِدًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، بَلْ أَيْنَمَا وَجَدْتُ الْمَسْأَلَةَ الْمَزْبُورَةَ مَذْكُورَةٌ مَعَ الْحُكْمِ الْمَسْفُورِ وَجَدْتُهَا مُقَيَّدَةً بِكَوْنِ الطَّلَاقِ بِسُؤَالِ الْمَرْأَةِ أَوْ بِأَمْرِهَا: فَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
وَأَمَّا عَدَمُ تَعَرُّضِ الْمُصَنِّفِ وَصَاحِبِ الْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنَ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا لِلتَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِهِ مِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ مِنَ الشُّرَّاحِ وَإِنْ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ هَاهُنَا أَيْضًا بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّهُ فَسَّرَهَا؛ حَيْثُ جَعَلَهَا مِثَالًا لِمَا إِذَا كَانَ الْمُقِرُّ لَهُ وَارِثًا حَالَةَ الْإِقْرَارِ دُونَ الْمَوْتِ، فَغَيَّرَهَا عَنْ وَضْعِهِمَا الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: كَمَا إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا، وَقَدْ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ، فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَالْمِيرَاثِ
[ ٨ / ٣٩٢ ]
لِأَنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ فِيهِ لِقِيَامِ الْعِدَّةِ، وَبَابُ الْإِقْرَارِ مَسْدُودٌ لِلْوَارِثِ، فَلَعَلَّهُ أَقْدَمَ عَلَى هَذَا الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ إِقْرَارُهُ لَهَا زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا وَلَا تُهْمَةَ فِي أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فَيَثْبُتُ.
(وَمَنْ أَقَرَّ بِغُلَامٍ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ ابْنُهُ وَصَدَّقَهُ الْغُلَامُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا) لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا يَلْزَمُهُ خَاصَّةً، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهِ، وَشَرْطٌ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ كَيْ لَا يَكُونَ مُكَذَّبًا فِي الظَّاهِرِ، وَشَرْطٌ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ تَصْدِيقَهُ لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ إِذِ الْمَسْأَلَةُ فِي غُلَامٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ،
وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ: ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ لَا يَخْفَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: (لِأَنَّهُمَا)، أَيِ: الزَّوْجَيْنِ (مُتَّهَمَانِ فِيهِ)، أَيْ: فِي هَذَا الْإِقْرَارِ؛ (لِقِيَامِ الْعِدَّةِ) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ مَوْتُ الْمُقِرِّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَإِقْرَارُهُ لَهَا جَائِزٌ.
(وَبَابُ الْإِقْرَارِ مَسْدُودٌ لِلْوَارِثِ فَلَعَلَّهُ)، أَيْ: فَلَعَلَّ الزَّوْجَ (أَقْدَمَ عَلَى هَذَا الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ إِقْرَارُهُ لَهَا زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا)، فَوَقَعَتِ التُّهْمَةُ فِي إِقْرَارِهِ. (وَلَا تُهْمَةَ فِي أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فَيَثْبُتُ)، أَيْ: أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ. قَالَ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي: وَلَوْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ مِنْ مَهْرِهَا صُدِّقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَهْرِ مَثْلِهَا، وَتَحَاصَّ غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُ، فَانْعَدَمَتِ التُّهْمَةُ، وَلَوْ أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ فِي مَرَضِهَا بِقَبْضِ الْمَهْرِ مِنْ زَوْجِهَا لَمْ تُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِدَيْنٍ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يُوجِبُ مِثْلَ الْمَقْبُوضِ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ يَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا، وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ لِلْوَارِثِ لَا يَصِحُّ، انْتَهَى.
وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: الْمَرِيضَةُ إِذَا أَقَرَّتْ بِاسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا فَإِنْ مَاتَ وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ أَوْ مُعْتَدَّةٌ لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهَا، وَإِنْ مَاتَتْ غَيْرَ مَنْكُوحَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ بِأَنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَصِحُّ.