قَالَ (وَمَنْ اسْتَثْنَى مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَزِمَهُ الْبَاقِي) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْجُمْلَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الِاتِّصَالِ،
عَلَى حُكْمِ السَّبَبِ، فَإِذَا لَغَا بَقِيَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ وَهُوَ اللُّزُومُ، كَمَا أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لَا يَمْنَعُهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ: هَذَا إذَا أَقَرَّ بِالْمَالِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ، فَأَمَّا إذَا بَيَّنَ السَّبَبَ بِأَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ بِعَيْنِهِ أَوْ مُسْتَهْلَكٍ أَوْ وَدِيعَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ مُسْتَهْلَكَةٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ وَالْمَالُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ بَيَّنَ السَّبَبَ إلَّا أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِيمَا بَيَّنَ مِنْ السَّبَبِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ إنْ كَانَ اسْتِهْلَاكًا فَالِاسْتِهْلَاكُ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَرْضًا أَوْ غَصْبًا بِعَيْنِهِ أَوْ وَدِيعَةً بِعَيْنِهَا فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَابِلًا لِلْفَسْخِ بِالرَّدِّ لِأَنَّ حَقَّ الْفَسْخِ لِلْمُقِرِّ ثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ بِأَنْ يَرُدَّ مَا قَبَضَ فَيَنْفَسِخَ الْقَرْضُ وَالْغَصْبُ فَلَا يَكُونُ فِي اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فَائِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ عَلَى أَنَّ الْمُقِرَّ بِالْخِيَارِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ ﵀ هَذَا الْفَصْلَ فِي الْأَصْلِ فِي جَانِبِ الْمُقِرِّ، إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي جَانِبِ الْمُقَرِّ لَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ إذَا لَمْ يُصَدِّقْ الْمُقِرَّ فِي الْخِيَارِ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّهُ فِي الْحَاصِلِ يَدَّعِي شِرَاءً بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَقَدْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ الْخِيَارَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَثْبُتُ مَتَى صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الشِّرَاءُ، وَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِي الشِّرَاءِ مُسْتَقِيمٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ الْمَالَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَالَ مَشْرُوطٌ فِي الْإِقْرَارِ، وَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِي الْإِقْرَارِ لَا يَسْتَقِيمُ، فَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْخِيَارِ فَأَرَادَ هُوَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْخِيَارِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ ﵀ هَذَا الْفَصْلَ فِي الْأَصْلِ.
قَالُوا: وَيَجِبُ أَنْ لَا تُسْمَعَ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُسْمَعُ إذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ، وَدَعْوَى الْخِيَارِ مِنْ الْمُقِرِّ هَاهُنَا لَمْ تَصِحَّ لِمَكَانِ الْمُنَاقَضَةِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ.
(بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ) لَمَّا ذَكَرَ مُوجَبَ الْإِقْرَارِ بِلَا مُغَيِّرٍ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُوجَبِهِ مَعَ الْمُغَيِّرِ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي كَوْنِهِ مُغَيِّرًا كَالشَّرْطِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ اسْتَثْنَى مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ) أَيْ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ لَا مَفْصُولًا عَنْهُ (صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَزِمَهُ الْبَاقِي) أَيْ لَزِمَ الْمُقِرَّ الْبَاقِي بَعْدَ الثَّنِيَّا (لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْجُمْلَةِ) أَيْ مَعَ مَصْدَرِ الْكَلَامِ (عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي) فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا وَاحِدًا مَعْنَى عَلَيَّ تِسْعَةٌ لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الِاتِّصَالِ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ
[ ٨ / ٣٥١ ]
(وَسَوَاءٌ اسْتَثْنَى الْأَقَلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ، فَإِنْ اسْتَثْنَى الْجَمِيعَ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ) لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا وَلَا حَاصِلَ بَعْدَهُ فَيَكُونُ رُجُوعًا،
فَيَصِحُّ بِشَرْطِ الْوَصْلِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ جَوَازُ التَّأْخِيرِ وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْأُصُولِ (وَسَوَاءٌ اسْتَثْنَى الْأَقَلَّ) أَيْ الْأَقَلَّ مِنْ الْبَاقِي كَمَا فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَرْبَعَمِائَةٍ (أَوْ الْأَكْثَرَ) مِنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا سِتَّمِائَةٍ: يَعْنِي لَا فَصْلَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَكْثَرِ. وَفِي الْعِنَايَةِ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ: اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِذَلِكَ.
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ انْتَهَى.
وَفِي الْكَافِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْفَرَّاءِ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ انْتَهَى.
وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَصِحُّ وَيَكُونُ عَلَيْهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالْفَرَّاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ وَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ انْتَهَى.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أَقُولُ: فِي كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ قَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: نِصْفَهُ بَدَلٌ مِنْ اللَّيْلِ، وَإِلَّا قَلِيلًا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ النِّصْفِ، كَأَنَّهُ قَالَ: قُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ شِئْت جَعَلْت نِصْفَهُ بَدَلًا مِنْ قَلِيلًا، فَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَكُنْ الِاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ مِنْ قَبِيلِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ، أَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْرًا مُعَيَّنًا مَخْصُوصًا حَتَّى يُحْكَمَ بِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ الْبَاقِي.
نَعَمْ يُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الْبَاقِي أَيْضًا، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَكُونُ حِينَئِذٍ النِّصْفَ لَا الْأَكْثَرَ، وَالْمُدَّعَى جَوَازُ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ، فَالْأَظْهَرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ، وَهُوَ أَنَّ طَرِيقَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يُجْعَلَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ، وَعَدَمُ تَكَلُّمِ الْعَرَبِ بِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِطَرِيقِهِمْ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكَسْرِ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ الْعَرَبُ وَكَانَ صَحِيحًا، وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْكَثِيرِ مِنْ الْقَلِيلِ بِأَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا تِسْعَةً فَجَائِزٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهِ الْعَشَرَةُ.
وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثَّنِيَّا، وَهَذَا الْمَعْنَى كَمَا يُوجَدُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ يُوجَدُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْكَثِيرِ مِنْ الْقَلِيلِ، إلَّا أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا وَضَعُوا الِاسْتِثْنَاءَ لِحَاجَتِهِمْ إلَى اسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ، وَمِثْلُ هَذَا الْغَلَطِ يَنْدُرُ وُقُوعُهُ غَايَةَ النُّدْرَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِدْرَاكِهِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوُقُوعَ فِي الْجُمْلَةِ فَيَصِحُّ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
ثُمَّ إنَّ لِجَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ دَلِيلًا آخَرَ قَوِيًّا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ فَإِنَّ الْغَاوِينَ أَكْثَرُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (فَإِنْ اسْتَثْنَى الْجَمِيعَ) أَيْ الْكُلَّ بِأَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ (لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ) أَيْ لَزِمَ الْمُقِرَّ جَمِيعُ مَا أَقَرَّ بِهِ (وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ) أَيْ بَطَلَ مَا ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ (تَكَلُّمٌ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا) أَيْ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثَّنِيَّا (وَلَا حَاصِلَ بَعْدَهُ) أَيْ وَلَا بَاقِيَ بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ (فَيَكُونُ رُجُوعًا) أَيْ فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ رُجُوعًا
[ ٨ / ٣٥٢ ]
وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِي الطَّلَاقِ.
عَنْ الْإِقْرَارِ لَا مَحَالَةَ لَا اسْتِثْنَاءً حَقِيقِيًّا، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ مَوْصُولًا مَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْبَيَانِ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ، وَالْإِبْطَالُ لَيْسَ مِنْ الْبَيَانِ فِي شَيْءٍ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ اسْتِثْنَاءُ الْأَلْفِ مِنْ الْأَلْفِ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِثْنَاءُ الْأَلْفِ وَزِيَادَةً أَوْلَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِي الطَّلَاقِ) أَيْ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ. اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ لَفْظِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لَهُ نِسَاءٌ إلَّا هَؤُلَاءِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَلَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَطُلِّقْنَ كُلُّهُنَّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَعَتَقُوا كُلُّهُمْ، وَلَوْ قَالَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لَهُ عَبِيدٌ غَيْرَ هَؤُلَاءِ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمَاتَ وَثُلُثُ مَالِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ إلَّا ثُلُثَ مَالِي كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَالِهِ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَلَقَدْ أَفْصَحَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيْمَانِ الزِّيَادَاتِ حَيْثُ قَالَ: اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ إنَّمَا لَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فَيَصِحُّ كَمَا إذَا: قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ قَالَ إلَّا عَمْرَةَ وَزَيْنَبَ وَسُعَادَ حَتَّى أَتَى عَلَى الْكُلِّ صَحَّ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ هَاهُنَا: وَهَذَا الْفِقْهُ وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ فَيُبْتَنَى عَلَى صِحَّةِ اللَّفْظِ لَا عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ سِتَّ طَلْقَاتٍ إلَّا أَرْبَعًا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ السِّتُّ لَا صِحَّةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَمَعَ هَذَا لَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا أَرْبَعًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَتْبَعُ صِحَّةَ اللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ. وَتَحْقِيقُهُ هُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَتَى وَقَعَ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ أَوْ لِلتَّكَلُّمِ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا لِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ كُلًّا ضَرُورَةَ عَدَمِ مِلْكِهِ فِيمَا سِوَاهُ لَا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ اللَّفْظِ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِهِ غَيْرُ هَذِهِ الْجَوَارِي أَوْ الْعَبِيدِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ وَلَا لِلتَّكَلُّمِ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ فِي بَيَانِ الْفِقْهِ وَالتَّحْقِيقِ بِعَيْنِ تَحْرِيرِهِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا وَلَكِنْ بِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ تَحْرِيرِهِ. أَقُولُ: التَّحْقِيقُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ لَفْظُ الْمُصَنِّفِ فِي الزِّيَادَاتِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَتَى وَقَعَ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ أَوْ لِلتَّكَلُّمِ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا إنَّمَا يَتَمَشَّى عِنْدَ كَوْنِ غَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ أَخَصَّ مِنْ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا عِنْدَ كَوْنِهِ مُسَاوِيًا لَهُ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ كَمَا لَوْ قَالَ نِسَائِي كَذَا إلَّا حَلَائِلِي أَوْ إلَّا أَزْوَاجِي، أَوْ كَوْنِهِ أَعَمَّ مِنْهُ بِحَسَبِهِ كَمَا لَوْ قَالَ هَؤُلَاءِ طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي فَلَا يَتَمَشَّى ذَلِكَ
[ ٨ / ٣٥٣ ]
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا أَوْ إلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا قِيمَةَ الدِّينَارِ أَوْ الْقَفِيزِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا)
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا. وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي خِلَافِ الْجِنْسِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا اتَّحَدَا جِنْسًا مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ.
قَطْعًا. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الزِّيَادَاتِ: أَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فَيَصِحُّ بِتَنَاوُلِ مَا كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ وَمَا كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ أَيْضًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لَا عَيْنُهُ فَيَقْتَضِي أَنْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا أَيْضًا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ قَالَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ.
وَأَصْحَابُنَا قَيَّدُوهُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَا يُسَاوِيهِ نَحْوُ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي أَوْ إلَّا مَمَالِيكِي لَكِنْ إذَا اسْتَثْنَى بِلَفْظٍ يَكُونُ أَخَصَّ مِنْهُ فِي الْمَفْهُومِ لَكِنْ فِي الْوُجُودِ يُسَاوِيهِ يَصِحُّ نَحْوَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ وَلَا عَبِيدَ لَهُ سِوَاهُمْ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِي أُصُولِهِ بَعْدَ أَنْ قَالَ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ: وَقَالَ مَشَايِخُنَا: هَذَا إذَا كَانَ بِلَفْظِهِ نَحْوُ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي، أَوْ بِمَا يُسَاوِيهِ نَحْوُ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا حَلَائِلِي أَوْ بِأَعَمَّ مِنْهُ، وَإِنْ اسْتَثْنَى بِلَفْظٍ يَكُونُ أَخَصَّ مِنْهُ فِي الْمَفْهُومِ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ يُسَاوِيهِ فِي الْوُجُودِ نَحْوُ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبَ وَهِنْدَ وَبَكْرَةَ وَعَمْرَةَ أَوْ إلَّا هَؤُلَاءِ وَلَا نِسَاءَ لَهُ سِوَاهُنَّ حَتَّى لَا تَطْلُقَ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَرَّ نَقْلًا عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ عَدَمَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: أَيْ أَعَمَّ مِنْهُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا أَوْ إلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا قِيمَةَ الدِّينَارِ أَوْ الْقَفِيزِ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ يَعْنِي يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيُطْرَحُ مِنْ الْمِائَةِ قِيمَةُ الدِّينَارِ أَوْ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ. قَالَ الْمُصَنَّفُ (وَهَذَا) أَيْ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) اسْتِحْسَانًا (وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ) أَيْ مِائَةُ دِرْهَمٍ (إلَّا ثَوْبًا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ) قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَأَحْمَدُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ) يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ لَكَانَ الْمُسْتَثْنَى دَاخِلًا تَحْتَ صَدْرِ الْكَلَامِ (وَهَذَا) الْمَعْنَى (لَا يَتَحَقَّقُ فِي خِلَافِ الْجِنْسِ) أَيْ فِي اسْتِثْنَاءِ خِلَافِ الْجِنْسِ، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ (وَلِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا) أَيْ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (اتَّحَدَا جِنْسًا مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ) يَعْنِي أَنَّ الشَّرْطَ اتِّحَادُ الْجِنْسِ وَهُوَ مَوْجُودٌ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ فَانْتَفَى الْمَانِعُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمُقْتَضَيْ وَهُوَ التَّصَرُّفُ اللَّفْظِيُّ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَعِنْدَهُ الِاسْتِثْنَاءُ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ: أَيْ إنَّمَا امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى لِدَلِيلٍ مُعَارِضٍ كَدَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيَّ، فَعَدَمُ لُزُومِ الدِّرْهَمِ لِلدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ لَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَطْبَقُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ أَنَّ لِلِاسْتِثْنَاءِ حُكْمًا يُعَارَضُ بِهِ حُكْمُ الصَّدْرِ، وَلِأَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ كَلِمَةُ تَوْحِيدٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِثْنَاءِ حُكْمٌ يُضَادُّ حُكْمَ الصَّدْرِ لَكَانَ هَذَا نَفْيًا لِلشَّرِكَةِ لَا تَوْحِيدًا، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَقَالَ: الْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْمُعَارِضِ وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا لِلْمُجَانَسَةِ مِنْ
[ ٨ / ٣٥٤ ]
وَلَهُمَا أَنَّ الْمُجَانَسَةَ فِي الْأَوَّلِ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ،
حَيْثُ الْمَالِيَّةُ. وَعِنْدَنَا الِاسْتِثْنَاءُ يَمْنَعُ التَّكَلُّمَ بِحُكْمِهِ بِقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى فَيَصِيرُ كَالتَّكَلُّمِ بِمَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَيَخْرُجُ كَلَامُهُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ وَامْتِنَاعُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ يَكُونُ فِي الْإِيجَابِ لَا فِي الْإِخْبَارِ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَاطِبَةً: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ اسْتِخْرَاجٌ وَتَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثَّنِيَّا فَنَجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَنَقُولُ: إنَّهُ اسْتِخْرَاجٌ وَتَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بِوَضْعِهِ وَإِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ بِإِشَارَتِهِ، وَاخْتِيرَ الْإِثْبَاتُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إشَارَةً وَالنَّفْيُ قَصْدًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، إذْ الْكُفَّارُ يُقِرُّونَ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَنَقُولُ إلَخْ.
وَسَلَكَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هَذَا الْمَسْلَكَ فِي حَلِّ هَذَا الْمَقَامِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي أَثْنَاءِ تَقْرِيرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَانَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ فِي الْعَيْنِ فَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ كَانَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمُسْتَثْنَى، وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَرَى يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ شَرْطٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَهُوَ الْحَقُّ، وَقَرَّرَ الشَّارِحُونَ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُ يُعَارِضُ الصَّدْرَ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْمُجَانَسَةُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِالْإِخْرَاجِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِبَيَانِ أَنَّ الصَّدْرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُسْتَثْنَى فَهُوَ أَحْوَجُ إلَى إثْبَاتِ الْمُجَانَسَةِ لِأَجْلِ الدُّخُولِ مِنَّا، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الشَّارِحِينَ بِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سِوَى صَاحِبِ الْغَايَةِ فَإِنَّهُ قَالَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ كَلَامٌ آخَرُ يُعَارِضُ الصَّدْرَ بِحُكْمِهِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْمُجَانَسَةُ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ … إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
قَدْ اسْتَثْنَى مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَانَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ فِي الْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ كَانَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَلَيْسَ بِدَالٍّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنْسِ فِي قَوْلِهِمْ إنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَانَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ فِي الْعَيْنِ مَا هُوَ جِنْسٌ صُورَةً وَمَعْنًى لَا مُطْلَقُ الْجِنْسِ الشَّامِلِ لِمَا هُوَ جِنْسٌ مَعْنًى فَقَطْ وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ قَوْلُهُمْ كَانَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ فِي الْعَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ، فَكَانَ الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ فِي قَوْلِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ مَا هُوَ جِنْسٌ صُورَةً وَمَعْنًى أَيْضًا فَالْمَفْهُومُ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْمُجَانَسَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي بَعْضِ مَوَادِّ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ الْمُجَانَسَةِ فِي الْجُمْلَةِ شَرْطًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي جَمِيعِ مَوَادِّ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَالثَّوْبِ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ الْأَكْمَلِ: قَرَّرَ الشَّارِحُونَ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لَيْسَ بِتَامٍّ (وَلَهُمَا) أَيْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (أَنَّ الْمُجَانَسَةَ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا وَإِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ (ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ) يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ الْمُجَانَسَةُ وَهِيَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ دُونَ الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ عَدَمَ تَنَاوُلِ الدَّرَاهِمِ غَيْرَهَا لَفْظًا لَا يَرْتَابُ فِيهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَنَاوُلِهَا إيَّاهُ حُكْمًا، فَقُلْنَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ عَلَى أَخَصِّ
[ ٨ / ٣٥٥ ]
وَهَذَا فِي الدِّينَارِ ظَاهِرٌ. وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ أَوْصَافُهَا أَثْمَانٌ؛ أَمَّا الثَّوْبُ فَلَيْسَ بِثَمَنٍ أَصْلًا وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ وَمَا يَكُونُ ثَمَنًا صَلَحَ مُقَدِّرًا بِالدَّرَاهِمِ فَصَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَمَا لَا يَكُونُ ثَمَنًا لَا يَصْلُحُ مُقَدِّرًا فَبَقِيَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ مَجْهُولًا فَلَا يَصِحُّ.
أَوْصَافِهَا الَّذِي هُوَ الثَّمَنِيَّةُ وَهُوَ الدَّنَانِيرُ وَالْمُقَدَّرَاتُ وَالْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ (أَمَّا الدِّينَارُ فَظَاهِرٌ) يَعْنِي أَمَّا ثُبُوتُ الْمُجَانَسَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ فِي صُورَةِ اسْتِثْنَاءِ الدِّينَارِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ بِلَا اشْتِبَاهٍ (وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ أَوْصَافُهُمَا أَثْمَانٌ) يَعْنِي وَأَمَّا ثُبُوتُ الْمُجَانَسَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ فِي صُورَةِ اسْتِثْنَاءِ قَفِيزِ حِنْطَةٍ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ أَوْصَافُهَا أَثْمَانٌ.
تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ أَثْمَانٌ بِأَوْصَافِهِمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَثْمَانًا مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ، حَتَّى لَوْ عُيِّنَتْ فِي الْعَقْدِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا إلَّا أَنَّهَا إذَا وُصِفَتْ ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا وَيَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ بِهَا فَكَانَتْ فِي حُكْمِ الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ مَعْنًى وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَاسًا صُورَةً وَالِاسْتِثْنَاءُ اسْتِخْرَاجٌ وَتَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي مَعْنًى لَا صُورَةً؛ لِأَنَّهُ تَكَلُّمٌ بِالْمِائَةِ صُورَةٍ، كَذَا فِي الْكَافِي وَالشُّرُوحِ (أَمَّا الثَّوْبُ) فِي الْوَجْهِ الثَّانِي (فَلَيْسَ بِثَمَنٍ أَصْلًا) أَيْ لَا ذَاتًا وَلَا وَصْفًا (وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ) بَلْ يَثْبُتُ سَلَمًا أَوْ مَا هُوَ بِمَعْنَى السَّلَمِ كَالْبَيْعِ بِثِيَابٍ مَوْصُوفَةٍ مُؤَجَّلًا فَلَمْ يَكُنْ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ اسْتِخْرَاجًا صُورَةً وَلَا مَعْنًى فَكَانَ بَاطِلًا (وَمَا يَكُونُ ثَمَنًا صَلُحَ مُقَدِّرًا) بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ (لِلدَّرَاهِمِ) أَيْ لِمَا دَخَلَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ لِحُصُولِ الْمُجَانَسَةِ بَيْنَهُمَا بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَخَصِّ الْأَوْصَافِ (فَصَارَ بِقَدْرِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ الدَّرَاهِمِ) بِقِيمَتِهِ فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا قَدْرَ قِيمَةِ الْمُسْتَثْنَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: إذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ يُطْرَحُ قِيمَةُ الْمُسْتَثْنَى عَنْ الْمُقَرِّ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُسْتَثْنَى تَسْتَغْرِقُ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ (وَمَا لَا يَكُونُ ثَمَنًا لَا يَصْلُحُ مُقَدِّرًا) لِلدَّرَاهِمِ لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ (فَبَقِيَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَجْهُولًا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَبَقِيَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ مَجْهُولًا (فَلَا يَصِحُّ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ فَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ وَلَا يَمْتَنِعُ بِهِ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ جَهَالَةَ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى تَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى تُورِثُ جَهَالَةً فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَبَقِيَ الْمُقَرُّ بِهِ مَجْهُولًا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا لَيْسَ بِثَمَنٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَدِّرًا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمُقَدِّرَاتِ تُقَدِّرُ الدَّرَاهِمَ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْدِيرَ الِاسْتِثْنَائِيَّ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ التَّجَانُسِ أَوْ مَعْنَاهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَيْثُ أَخَصُّ الْأَوْصَافِ اسْتِحْسَانًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ التَّجَانُسِ، ثُمَّ الْمَصِيرُ إلَى الْقِيمَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُقَدِّرَاتِ انْتَهَى أَقُولُ بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَا يَكُونُ ثَمَنًا بِوَصْفِهِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إنَّمَا يَكُونُ ثَمَنًا وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبِ الْوَصْفِ كَالْحِنْطَةِ الرَّبِيعِيَّةِ وَالْخَرِيفِيَّةِ لَا بِسَبَبِ الذَّاتِ وَالْعَيْنِ، حَتَّى لَوْ عُيِّنَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ وَلَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَوْ وُصِفَ وَلَمْ يُعَيَّنْ صَارَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الدِّينَارِ فَيَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا إنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَدِّرًا لِلدَّرَاهِمِ إذَا كَانَ مَوْصُولًا لَا مُطْلَقًا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لَمْ يُوصَفْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بِشَيْءٍ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَدِّرًا لِلدَّرَاهِمِ فَيَبْقَى
[ ٨ / ٣٥٦ ]
قَالَ (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا) بِإِقْرَارِهِ (لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِقْرَارُ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إمَّا إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدْ بَطَلَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَكَذَلِكَ، إمَّا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ،
الْمُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ مَجْهُولًا فِي هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ إلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِقْرَارُ) قَالَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ إقْرَارِ الْمَبْسُوطِ: وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُك هَذَا الْعَبْدَ أَمْسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الْقِيَاسِ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَنْزِلَةِ ذِكْرِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْإِنْشَاءَاتِ دُونَ الْإِخْبَارَاتِ، وَلَكِنْ اُسْتُحْسِنَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُخْرِجٌ لِلْكَلَامِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً لَا أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى ﵇ حَيْثُ قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ وَلَمْ يَصْبِرْ وَلَمْ يُعَاتَبْ عَلَى ذَلِكَ، وَالْوَعْدُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَالْعَهْدِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُخْرِجٌ لِلْكَلَامِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً. وَقَالَ ﷺ «مَنْ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثَنِيَّاهُ» وَالْإِقْرَارُ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا إلَّا بِكَلَامٍ هُوَ عَزِيمَةٌ، لَكِنْ إنَّمَا يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا كَانَ مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ لَا إذَا كَانَ مَفْصُولًا عَنْهُ، فَإِنَّ الْمَفْصُولَ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَالْمُقِرُّ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فِي إقْرَارِهِ فَكَذَا لَا يَمْلِكُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَفْصُولَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا لِأَنَّ رُجُوعَهُ نَفْيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ فَكَانَ تَنَاقُضًا مِنْهُ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَصِحُّ مَفْصُولًا كَانَ أَوْ مَوْصُولًا.
أَمَّا هَذَا فَبَيَانُ تَغْيِيرٍ وَبَيَانُ التَّغْيِيرِ يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ انْتَهَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ (لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إمَّا إبْطَالٌ) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ (أَوْ تَعْلِيقٌ) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي طَلَاقِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ. وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ كَمَا ذَكَرَ فِي طَلَاقِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَالتَّتِمَّةِ وَاخْتَارَهُ بَعْضٌ آخَرُ مِنْ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ كَمَا فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ عِنْدَ مَنْ قَالَ إنَّهُ إبْطَالٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ إنَّهُ تَعْلِيقٌ يَقَعُ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ بِشَرْطٍ وَلَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الْجَزَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ وَبَقِيَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَيَقَعُ، وَكَيْفَمَا كَانَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِقْرَارُ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْإِبْطَالُ (فَقَدْ بَطَلَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي) وَهُوَ التَّعْلِيقُ (فَكَذَلِكَ، إمَّا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا سَبَقَ وَالتَّعْلِيقُ إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَإِنْ كَانَ صِدْقًا لَا يَصِيرُ كَذِبًا بِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا لَا يَصِيرُ صِدْقًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ فَلَغَا تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ (أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ وُقُوعَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا لَا يَكَادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَالتَّعْلِيقُ بِمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ إعْدَامًا مِنْ الْأَصْلِ (كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ) أَيْ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَقَالَ فُلَانٌ قَدْ شِئْت فَهَذَا إقْرَارٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ فِي وُجُودِهِ خَطَرٌ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالْخَطَرِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَا فِيهِ خَطَرٌ يَمِينٌ وَالْإِقْرَارُ لَا يُحْلَفُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَإِنْ كَانَ صِدْقًا لَا يَصِيرُ كَذِبًا بِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا لَا يَصِيرُ صِدْقًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ فَلَا يَلِيقُ التَّعْلِيقُ بِهِ أَصْلًا، إنَّمَا التَّعْلِيقُ فِيمَا هُوَ إيجَابٌ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ مَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ إقْرَارٍ عُلِّقَ بِالشَّرْطِ أَوْ الْخَطَرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إنْ
[ ٨ / ٣٥٧ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إذَا مِتُّ أَوْ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إذَا أَفْطَرَ النَّاسُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيَانِ الْمُدَّةِ فَيَكُونُ تَأْجِيلًا لَا تَعْلِيقًا، حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْأَجْلِ يَكُونُ الْمَالُ حَالًّا.
قَالَ (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَارٍ وَاسْتَثْنَى بِنَاءَهَا لِنَفْسِهِ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ الدَّارُ وَالْبِنَاءُ) لِأَنَّ الْبِنَاءَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ مَعْنًى لَا لَفْظًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَلْفُوظِ،
مَطَرَتْ السَّمَاءُ أَوْ إنْ هَبَّتْ الرِّيحُ أَوْ إنْ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى أَوْ إنْ أَرَادَهُ أَوْ رَضِيَهُ أَوْ أَحَبَّهُ أَوْ قَدَّرَهُ أَوْ يَسَّرَهُ أَوْ إنْ بُشِّرْت بِوَلَدٍ أَوْ إنْ أَصَبْت مَالًا أَوْ إنْ كَانَ كَذَلِكَ أَوْ إنْ كَانَ حَقًّا فَهَذَا كُلُّهُ مُبْطِلٌ لِلْإِقْرَارِ إذَا وَصَلَهُ بِالْكَلَامِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إذَا مِتُّ أَوْ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إذَا أَفْطَرَ النَّاسُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيَانِ الْمُدَّةِ) وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَادُونَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَحَلَّ الْأَجَلِ فَحَسْبُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ يَصِيرُ حَالًّا بِالْمَوْتِ وَمَجِيءِ رَأْسِ الشَّهْرِ وَالْفِطْرُ مِنْ آجَالِ النَّاسِ فَتُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ لِلْعُرْفِ (فَيَكُونُ تَأْجِيلًا) أَيْ فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ تَأْجِيلًا: أَيْ دَعْوَى الْأَجَلِ إلَى الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ (لَا تَعْلِيقًا) أَيْ لَا يَكُونُ تَعْلِيقًا بِالشَّرْطِ (حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْأَجَلِ يَكُونُ الْمَالُ حَالًّا) لِأَنَّ دَعْوَى الْأَجَلِ مِنْ الْمُقِرِّ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُثْبِتَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ يُصَدِّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَارٍ وَاسْتَثْنَى بِنَاءَهَا لِنَفْسِهِ) بِأَنْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إلَّا بِنَاءَهَا (فَلِلْمُقَرِّ لَهُ الدَّارُ وَالْبِنَاءُ لِأَنَّ الْبِنَاءَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ مَعْنًى) أَيْ تَبَعًا (لَا لَفْظًا) أَيْ لَا مَقْصُودًا بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ فِي الدَّارِ وَالْوَصْفُ يَدْخُلُ تَبَعًا لَا قَصْدًا، وَلِهَذَا لَوْ اُسْتُحِقَّ الْبِنَاءُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي بَيْعِ الدَّارِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَتِهِ بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي (وَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَلْفُوظِ) يَجْعَلُ الْمَلْفُوظَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، فَمَا لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الدَّارِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ عَمَلُ الِاسْتِثْنَاءِ، كَذَا قَالُوا.
أَقُولُ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ أَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْبِنَاءُ وَصْفٌ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الدَّارُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْبِنَاءِ وَالْعَرْصَةِ. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الدَّارُ الْمَحَلُّ الَّذِي يَجْمَعُ الْبِنَاءَ وَالْعَرْصَةَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ الْبِنَاءِ
[ ٨ / ٣٥٨ ]
وَالْفَصُّ فِي الْخَاتَمِ وَالنَّخْلَةُ فِي الْبُسْتَانِ نَظِيرُ الْبِنَاءِ فِي الدَّارِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا لَا لَفْظًا،
وَالْعَرْصَةِ لَا اسْمًا لِلْعَرْصَةِ وَحْدَهَا فَتَأَمَّلْ. قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ مَا ذُكِرَ بِمَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَإِنَّ الْحِنْطَةَ دَخَلَتْ فِي الدَّرَاهِمِ مَعْنًى لَا لَفْظًا حَتَّى صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ.
قُلْت: الدَّرَاهِمُ تَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَا كَذَلِكَ الدَّارُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِاسْمٍ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُ الدَّارِ ذِكْرًا لِلْبِنَاءِ بِطَرِيقِ التَّنَاوُلِ قَصْدًا، بَلْ الدَّارُ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءُ صِفَةٌ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالْوَصْفُ يَدْخُلُ تَبَعًا لَا قَصْدًا فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَصْفِ فَافْتَرَقَا، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: التَّعَرُّضُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ جِدًّا وَقَدْ أَهْمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَلَكِنَّ الْمَرْتَبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحَانِ الْمَزْبُورَانِ لَا تَقْطَعُ الْكَلَامَ هَاهُنَا، إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ بِتَنَاوُلِ الدَّرَاهِمِ الْحِنْطَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى تَنَاوُلُهَا إيَّاهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الْوَضْعِيُّ لِلَفْظِ الدَّرَاهِمِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ جِدًّا، أَلَا يَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ عَدَمَ تَنَاوُلِ الدَّرَاهِمِ غَيْرَهَا لَفْظًا لَا يَرْتَابُ فِيهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَنَاوُلِهَا إيَّاهُ حُكْمًا فَقُلْنَا بِتَنَاوُلِ مَا كَانَ عَلَى أَخَصِّ أَوْصَافِهَا الَّذِي هُوَ الثَّمَنِيَّةُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ تَنَاوُلُهَا إيَّاهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا يُجْدِي نَفْعًا، إذْ الْمُصَنِّفُ مُصَرِّحٌ هَاهُنَا بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَلْفُوظِ فَتَنَاوُلُ لَفْظِ الدَّرَاهِمِ الْحِنْطَةَ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، كَيْفَ وَلَوْ كَفَى تَنَاوُلُ لَفْظِ الدَّرَاهِمِ الْحِنْطَةَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَقَطْ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْحِنْطَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لَكَفَى تَنَاوُلُ اسْمِ الدَّارِ الْبِنَاءَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَقَطْ أَيْضًا فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْبِنَاءِ مِنْ الدَّارِ
فَإِنَّ الْبِنَاءَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ بَيْعِ الدَّارِ وَفِي حُكْمِ الْإِقْرَارِ بِالدَّارِ وَنَحْوِهِمَا حَتَّى يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي وَالْمُقَرُّ لَهُ الْبِنَاءَ أَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ إيضَاحٍ وَتَقْرِيرٍ فَنَقُولُ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ هُوَ التَّنَاوُلُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ لَكِنْ قَصْدًا لَا تَبَعًا، وَالدَّرَاهِمُ تَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا عَلَى أَخَصِّ أَوْصَافِهَا الَّذِي هُوَ الثَّمَنِيَّةُ تَنَاوُلًا قَصْدِيًّا لَا تَبَعِيًّا، فَإِنَّ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الثَّمَنِيَّةُ كَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ مِنْ قَبِيلِ الذَّوَاتِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ الدَّرَاهِمِ لِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهَا فِي أَخَصِّ أَوْصَافِهَا وَهُوَ الثَّمَنِيَّةُ وَكَوْنِهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَا كَذَلِكَ الدَّارُ مَعَ الْبِنَاءِ فَإِنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ لِلدَّارِ فَلَا يَدْخُلُ فِي حُكْمِهَا إلَّا تَبَعًا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَرْقٌ بَيْنَ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ حُكْمًا وَبَيْنَ مَا يَتْبَعُ مُتَنَاوَلُهُ فِي الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَدْلُولٌ حُكْمِيٌّ لِلَّفْظِ مَقْصُودٌ مِنْهُ أَصَالَةً فَيَكُونُ اسْتِثْنَاؤُهُ تَصَرُّفًا فِي الْمَلْفُوظِ: أَيْ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ حُكْمًا فَيَصِحُّ، وَالثَّانِي خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَضْعًا وَحُكْمًا غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنْهُ أَصْلًا لَكِنَّهُ تَابِعٌ لِمَدْلُولِهِ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ لَهُ فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاؤُهُ تَصَرُّفًا فِي الْمَلْفُوظِ فَلَا يَصِحُّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْفَصُّ فِي الْخَاتَمِ وَالنَّخْلَةُ فِي الْبُسْتَانِ نَظِيرُ الْبِنَاءِ فِي الدَّارِ) يَعْنِي لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْفَصِّ فِي الْإِقْرَارِ بِالْخَاتَمِ وَلَا اسْتِثْنَاءُ النَّخْلَةِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْبُسْتَانِ، كَمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبِنَاءِ فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّارِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَصِّ وَالنَّخْلَةِ (يَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ يَدْخُلُ فِي الصَّدْرِ (تَبَعًا لَا لَفْظًا) وَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَلْفُوظِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا إنَّ الْفَصَّ يَدْخُلُ تَبَعًا لَا لَفْظًا يُنَافِي قَوْلَهُ فِيمَا مَرَّ أَنَّ اسْمَ الْخَاتَمِ يَشْمَلُ الْكُلَّ. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مُرَادَهُ بِشُمُولِ اسْمِ الْخَاتَمِ الْكُلَّ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ أَعَمُّ مِنْ الشُّمُولِ الْقَصْدِيِّ وَالتَّبَعِيِّ، وَمُرَادُهُ بِنَفْيِ دُخُولِ الْفَصِّ فِي الْخَاتَمِ فِي قَوْلِهِ اللَّاحِقِ نَفْيُ الدُّخُولِ الْقَصْدِيِّ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَلَوْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِدَارٍ وَاسْتَثْنَى بِنَاءَهَا لِنَفْسِهِ فَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَتَنَاوَلُ الْبِنَاءَ لُغَةً بَلْ وُضِعَ دَلَالَةً عَلَى الْعَرْصَةِ فِي اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا الْبِنَاءُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَكُونُ الدَّارُ مَعَ الْبِنَاءِ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْمًا عَامًّا لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ كَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِخَاتَمٍ كَانَ لَهُ الْحَلْقَةُ وَالْفَصُّ لَا لِأَنَّهُ اسْمٌ عَامٌّ، بَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْحَلْقَةِ وَالْفَصِّ وَلَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَتَنَاوَلُ الْبِنَاءَ لُغَةً بَلْ وُضِعَ دَلَالَةً عَلَى الْعَرْصَةِ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ كُتُبُ اللُّغَةِ، أَلَا يَرَى إلَى مَا قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الدَّارُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْبِنَاءِ وَالْعَرْصَةِ، وَإِلَى مَا قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ: الدَّارُ الْمَحَلُّ يَجْمَعُ الْبِنَاءَ
[ ٨ / ٣٥٩ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَّا ثُلُثَهَا أَوْ إلَّا بَيْتًا مِنْهَا لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ لَفْظًا (وَلَوْ قَالَ بِنَاءُ هَذَا الدَّارِ لِي وَالْعَرْصَةُ لِفُلَانٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ) لِأَنَّ الْعَرْصَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْبُقْعَةِ دُونَ الْبِنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ بَيَاضُ هَذِهِ الْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ لِفُلَانٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَكَانُ الْعَرْصَةِ أَرْضًا حَيْثُ يَكُونُ الْبِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْأَرْضِ إقْرَارٌ بِالْبِنَاءِ كَالْإِقْرَارِ بِالدَّارِ.
وَالْعَرْصَةَ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ جُزْءٌ مِنْ مَعْنَى اسْمِ الدَّارِ، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَا قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَتَنَاوَلُ الْبِنَاءَ لُغَةً يَقْتَضِي صِحَّةَ اسْتِثْنَاءِ الْبِنَاءِ لِنَفْسِهِ لِلْقَطْعِ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ مِنْ الْكُلِّ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالتَّضْمِينِ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ لَا الْجُزْئِيَّةِ فَيَئُولُ إلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَعَ إبَاءِ قَوْلِهِ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ عَنْ ذَلِكَ التَّوْجِيهِ جِدًّا يَمْنَعُهُ قَوْلُهُ فِي تَنْظِيرِهِ بِمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ بِالْخَاتَمِ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْحَلْقَةِ وَالْفَصِّ وَلَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ، فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي دُخُولِ الْفَصِّ كَالْحَلْقَةِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ دُونَ التَّبَعِيَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الثِّقَاتِ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَّا ثُلُثَهَا) أَيْ إذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إلَّا ثُلُثَهَا (أَوْ إلَّا بَيْتًا مِنْهَا) حَيْثُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ مَا عَدَا ثُلُثَ الدَّارِ وَمَا عَدَا الْبَيْتَ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الثُّلُثِ وَالْبَيْتِ (دَاخِلٌ فِيهِ) أَيْ فِي الصَّدْرِ الَّذِي هُوَ الدَّارُ (لَفْظًا) وَمَقْصُودًا حَتَّى لَوْ اُسْتُحِقَّ الْبَيْتُ فِي بَيْعِ الدَّارِ سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا قَالُوا. أَقُولُ: كَوْنُ الْبَيْتِ دَاخِلًا فِي الدَّارِ لَفْظًا وَمَقْصُودًا مُشْكِلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ، وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا بَعْدَمَا انْهَدَمَتْ وَصَارَتْ صَحْرَاءَ حَنِثَ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ دَاخِلًا فِي الدَّارِ لَفْظًا وَمَقْصُودًا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ مَدْلُولِ لَفْظِ الدَّارِ فَلَا يَكُونُ الدَّارُ حِينَئِذٍ اسْمًا لِلْعَرْصَةِ فَقَطْ بَلْ لِمَجْمُوعِ الْعَرْصَةِ وَالْبُيُوتِ، فَإِذَا انْهَدَمَتْ وَصَارَتْ صَحْرَاءَ لَزِمَ أَنْ تَنْعَدِمَ بِانْعِدَامِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا فَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الْحِنْثِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ قَالَ هَاهُنَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَثْنَى رُبْعَ الدَّارِ أَوْ ثُلُثَهَا أَوْ بَيْتًا مِنْهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ فَكَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَصَحَّ انْتَهَى.
فَإِنَّ كَوْنَ الدَّارِ اسْمًا لِلْعَرْصَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي صُورَةِ اسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ مِنْ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعَرْصَةِ إذْ الْبَيْتُ اسْمٌ لِبِنَاءٍ مُسْقَفٍ لَهُ حَوَائِطُ أَرْبَعَةٌ عَلَى قَوْلٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ كَمَا عُرِفَ فِي الْأَيْمَانِ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ صُفَّةً، وَالْعَرْصَةُ هِيَ الْبُقْعَةُ كَمَا سَيَأْتِي فَأَنَّى هَذِهِ مِنْ ذَلِكَ؟ فَمَا ذَكَرَهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ لَا لَهُ فِي هَاتِيكَ الصُّورَةِ (وَلَوْ قَالَ بِنَاءُ هَذِهِ الدَّارِ لِي وَالْعَرْصَةُ لِفُلَانٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ) وَهَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِهِ: يَعْنِي يَكُونُ الْبِنَاءُ لِلْمُقِرِّ وَالْعَرْصَةُ لِفُلَانٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ (لِأَنَّ الْعَرْصَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْبُقْعَةِ دُونَ الْبِنَاءِ) يَعْنِي أَنَّ الْعَرْصَةَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةُ عَنْ بُقْعَةٍ لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ، فَلَمَّا اُعْتُبِرَ فِي مَعْنَاهَا الْخُلُوُّ عَنْ الْبِنَاءِ لَمْ يَتْبَعْهَا الْبِنَاءُ فِي الْحُكْمِ (فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَيَاضُ هَذِهِ الْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ لِفُلَانٍ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَكَانَ الْعَرْصَةِ أَرْضًا) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِنَاءُ هَذِهِ الدَّارِ لِي وَالْأَرْضُ لِفُلَانٍ (حَيْثُ يَكُونُ الْبِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ) مَعَ الْأَرْضِ (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْأَرْضِ إقْرَارٌ بِالْبِنَاءِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ وَالْبِنَاءَ تَبَعٌ، وَالْإِقْرَارَ إقْرَارٌ بِالتَّبَعِ (كَالْإِقْرَارِ بِالدَّارِ) حَيْثُ يَكُونُ الْبِنَاءُ أَيْضًا لِلْمُقَرِّ لَهُ هُنَاكَ وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ لِنَفْسِهِ كَمَا مَرَّ. فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ الْبِنَاءُ لِفُلَانٍ وَالْأَرْضُ لِآخَرَ فَإِنَّهُ كَمَا
[ ٨ / ٣٦٠ ]
(وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ اشْتَرَيْته مِنْهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ، فَإِنْ ذَكَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ قِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ إنْ شِئْت فَسَلِّمْ الْعَبْدَ وَخُذْ الْأَلْفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك) قَالَ: وَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا هَذَا وَهُوَ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيُسَلِّمَ الْعَبْدَ، وَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ،
قَالَ حَتَّى يَكُونُ الْبِنَاءُ لِلْأَوَّلِ وَالْأَرْضُ لِلثَّانِي، وَلَمْ يَقُلْ هُنَاكَ الْإِقْرَارُ بِالْأَرْضِ إقْرَارٌ بِالْبِنَاءِ فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا؟ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ فِيمَا أَوْرَدْت إقْرَارٌ مُعْتَبَرٌ بِالْبِنَاءِ لِلْأَوَّلِ فَهَبْ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ إقْرَارٌ بِالْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ لَكِنَّ إقْرَارَهُ فِيمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ لَا يَصِحُّ فَكَانَ لِلثَّانِي الْأَرْضُ خَاصَّةً، وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَآخِرُ كَلَامِهِ إقْرَارٌ بِالْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ وَهُمَا جَمِيعًا مِلْكُهُ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِمَا لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: بِنَاءُ هَذِهِ الدَّارِ لِي غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَهُ فَبَقِيَ قَوْلُهُ وَأَرْضُهَا لِفُلَانٍ، وَالْإِقْرَارُ بِالْأَصْلِ يُوجِبُ ثُبُوتَ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ فِي التَّبَعِ.
تَوْضِيحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْبِنَاءَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَمَّا صَارَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ حُكْمًا فَإِقْرَارُهُ بِالْأَرْضِ لِلثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْبِنَاءِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْبِنَاءُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُقِرِّ فَكَانَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَإِقْرَارُهُ بِالْأَرْضِ يُثْبِتُ الْحَقَّ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِي الْبِنَاءِ تَبَعًا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ خَمْسُ مَسَائِلَ وَتَخْرِيجُهَا عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الدَّعْوَى صَحِيحٌ دُونَ الْعَكْسِ. وَالثَّانِي أَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ.
إذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ: إذَا قَالَ بِنَاءُ هَذِهِ الدَّارِ لِي وَأَرْضُهَا لِفُلَانٍ كَانَتْ الْأَرْضُ وَالْبِنَاءُ لِفُلَانٍ؛ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ: الْبِنَاءُ لِي ادَّعَى الْبِنَاءَ وَبِقَوْلِهِ: الْأَرْضُ لِفُلَانٍ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِالْبِنَاءِ تَبَعًا لِلْإِقْرَارِ بِالْأَرْضِ، وَالْإِقْرَارُ بَعْدَ الدَّعْوَى صَحِيحٌ.
وَإِذَا قَالَ أَرْضُهَا لِي وَبِنَاؤُهَا لِفُلَانٍ فَهُوَ عَلَى مَا أَقَرَّ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ أَرْضُهَا لِي ادَّعَى الْبِنَاءَ لِنَفْسِهِ تَبَعًا وَبِقَوْلِهِ: وَالْبِنَاءُ لِفُلَانٍ أَقَرَّ بِالْبِنَاءِ لِفُلَانٍ، وَالْإِقْرَارُ بَعْدَ الدَّعْوَى صَحِيحٌ، وَيُؤْمَرُ الْمُقَرُّ لَهُ بِنَقْلِ الْبِنَاءِ مِنْ أَرْضِهِ. وَإِذَا قَالَ أَرْضُ هَذِهِ الدَّارِ لِفُلَانٍ وَبِنَاؤُهَا لِي فَالْأَرْضُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ: أَرْضُهَا لِفُلَانٍ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِالْبِنَاءِ تَبَعًا وَبِقَوْلِهِ وَبِنَاؤُهَا لِي ادَّعَى الْبِنَاءَ لِنَفْسِهِ، وَالدَّعْوَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ لَا تَصِحُّ وَإِذَا قَالَ: أَرْضُ هَذِهِ الدَّارِ لِفُلَانٍ وَبِنَاؤُهَا لِفُلَانٍ آخَرَ فَالْأَرْضُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ: أَرْضُ هَذِهِ الدَّارِ لِفُلَانٍ صَارَ مُقِرًّا لِفُلَانٍ بِالْبِنَاءِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَبِقَوْلِهِ وَبِنَاؤُهَا لِفُلَانٍ آخَرَ كَانَ مُقِرًّا عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ. وَإِذَا قَالَ بِنَاءُ هَذِهِ الدَّارِ لِفُلَانٍ وَأَرْضُهَا لِفُلَانٍ آخَرَ فَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا بِنَاءُ هَذَا الدَّارِ لِفُلَانٍ صَارَ مُقِرًّا بِالْبِنَاءِ لَهُ وَبِقَوْلِهِ وَأَرْضُهَا لِفُلَانٍ آخَرَ صَارَ مُقِرًّا عَلَى الْأَوَّلِ بِالْبِنَاءِ لِلثَّانِي، وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ بَاطِلٌ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ، فَإِنْ ذَكَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ قِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ: إنْ شِئْت فَسَلِّمْ الْعَبْدَ وَخُذْ الْأَلْفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك) إلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ (قَالَ) أَيْ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: (هَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ (عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا هَذَا) أَيْ هَذَا الْوَجْهُ (وَهُوَ أَنْ يُصَدِّقَهُ) أَيْ أَنْ يُصَدِّقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ (وَيُسَلِّمَ الْعَبْدَ، وَجَوَابُهُ) أَيْ جَوَابُ هَذَا الْوَجْهِ (مَا ذُكِرَ) مِنْ قَوْلِهِ قِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ إنْ شِئْت فَسَلِّمْ الْعَبْدَ وَخُذْ الْأَلْفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْعَبْدَ كَيْفَ يُقَالُ لَهُ: إنْ شِئْت فَسَلِّمْ الْعَبْدَ إلَخْ. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يُتَّجَهُ أَنْ لَوْ كَانَ لَفْظُ يُسَلِّمُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُسَلِّمُ الْعَبْدَ مَنْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَنْ سَلَّمَهُ لَهُ: أَيْ جَعَلَهُ سَالِمًا لَهُ فَلَا؛ لِأَنَّ سَلَامَةَ الْعَبْدِ لِلْمُقِرِّ إنَّمَا تَحْصُلُ بِاعْتِرَافِ الْمُقَرِّ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُك لَا عَبْدِي، وَقَدْ يَتَحَقَّقُ هَذَا قَبْلَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ إلَى الْمُقِرِّ فَلَا يُنَافِي أَنْ يُقَالَ لَهُ إنْ شِئْت فَسَلِّمْ الْعَبْدَ إلَخْ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ سَلَّمَهُ لَهُ مُرَادًا بِهِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ. وَهَذَا وَمَا سَيَأْتِي فِي فَصْلِ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ بَابِ الصُّلْحِ فِي الدَّيْنِ حَيْثُ قَالَ: فَلَوْ سَلَّمَ لَهُ
[ ٨ / ٣٦١ ]
لِأَنَّ الثَّابِتَ بِتَصَادُقِهِمَا كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.
وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ الْمُقَرُّ لَهُ: الْعَبْدُ عَبْدُك مَا بِعْتُكَهُ وَإِنَّمَا بِعْتُك عَبْدًا غَيْرَ هَذَا وَفِيهِ الْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْمُقِرِّ لِإِقْرَارِهِ بِهِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْعَبْدِ لَهُ وَقَدْ سَلَّمَ فَلَا يُبَالَى بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ عَبْدِي
مَا قَبَضَ ثُمَّ تَوَى مَا عَلَى الْغَرِيمِ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْقَابِضَ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ لِيُسَلِّمَ لَهُ مَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ يُسَلِّمُ هَاهُنَا ثُلَاثِيًّا مِنْ السَّلَامَةِ لَا مِنْ التَّسْلِيمِ وَيَكُونَ الْعَبْدُ فَاعِلًا لَا مَفْعُولًا فَحِينَئِذٍ لَا يُتَوَهَّمُ الْمُنَافَاةُ أَصْلًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ جَوَابِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (لِأَنَّ الثَّابِتَ بِتَصَادُقِهِمَا كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً) يَعْنِي أَنَّهُمَا تَصَادَقَا فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّابِتُ بِتَصَادُقِهِمَا كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً. وَلَوْ عَايَنَا أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ وَالْعَبْدُ فِي يَدِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَذَا هَاهُنَا. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَصَادَقَا وَثَبَتَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ شَرْطٍ فَالْحُكْمُ الْأَمْرُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُقِرِّ ثُمَّ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ مَا إذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُقِرِّ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِذَلِكَ كَانَ حُكْمًا بِمَا لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَطَعَنَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي جَوَابِهِ بِأَنْ قَالَ: وَلَيْتَ شِعْرِي أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ حُكْمُ أَيَّةِ مَسْأَلَةٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ حُكْمُ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، فَإِنَّ نَفْسَ الْإِقْرَارِ وَالتَّصَادُقِ لَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُقِرِّ وَلَا الْحُكْمَ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ الْمَذْكُورِينَ مُقْتَضَى الدَّعْوَى وَلَا دَعْوَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، بَلْ فِيهِ إقْرَارٌ مَحْضٌ، وَحُكْمُهُ لُزُومُ الْأَلْفِ عَلَى الْمُقِرِّ إنْ سَلَّمَ الْمُقَرُّ لَهُ الْعَبْدَ إلَيْهِ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ بِأَنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي ثُبُوتِ الْبَيْعِ مُعَايَنَةً، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
قِيلَ: لِلْمُقَرَّ لَهُ إنْ شِئْت فَسَلِّمْ الْعَبْدَ وَخُذْ الْأَلْفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إنْ شِئْت فَسَلِّمْ الْعَبْدَ تَخْيِيرَ الْمُقَرِّ لَهُ بَيْنَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ وَعَدَمِ تَسْلِيمِهِ، إذْ لَا يَقْدِرُ الْبَائِعُ عَلَى عَدَمِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي بَعْدَ أَنْ صَحَّ الْبَيْعُ وَتَمَّ، بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ لُزُومَ الْأَلْفِ عَلَى الْمُقِرِّ مَشْرُوطٌ بِتَسْلِيمِك الْعَبْدَ إلَيْهِ، فَإِنْ أَرَدْت الْوُصُولَ إلَى حَقِّك فَسَلِّمْ الْعَبْدَ وَلَا تُضَيِّعْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَخُذْ الْأَلْفَ خُذْ الْأَلْفَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ، إذْ لَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْقِيبِ فِي الْوَاوِ بَلْ هِيَ لِلْجَمْعِ مُطْلَقًا فَلَا يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ أَنَّ اللَّازِمَ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ بِثَمَنٍ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ أَوَّلًا، فَخُلَاصَةُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ هَاهُنَا مَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُقَرُّ لَهُ لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَإِلَّا لَا (وَالثَّانِي) أَيْ الْوَجْهُ الثَّانِي (أَيْ يَقُولُ الْمُقَرُّ لَهُ: الْعَبْدُ عَبْدُك) أَيْ الْعَبْدُ الَّذِي عَيَّنْته عَبْدُك (مَا بِعْتُكَهُ وَإِنَّمَا بِعْتُك عَبْدًا غَيْرَ هَذَا)
وَسَلَّمْته إلَيْك (وَفِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْوَجْهِ (الْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْمُقِرِّ لِإِقْرَارِهِ بِهِ) أَيْ بِالْمَالِ (عِنْدَ سَلَامَةِ الْعَبْدِ لَهُ وَقَدْ سُلِّمَ) أَيْ وَقَدْ سُلِّمَ الْعَبْدُ لَهُ حِينَ اعْتَرَفَ الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ (فَلَا يُبَالَى بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ) كَمَا لَوْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ غَصَبْته مِنْك وَقَالَ: لَا بَلْ اسْتَقْرَضْت مِنِّي لِأَنَّ الْأَسْبَابَ مَطْلُوبَةٌ لِأَحْكَامِهَا لَا لِأَعْيَانِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ التَّكَاذُبُ فِي السَّبَبِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُوبِ أَصْلِ الْمَالِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي هَذَا الْوَجْهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ أَوْ فِي يَدِ الْمُقَرِّ لَهُ، كَذَا قَالُوا (وَالثَّالِثُ) أَيْ الْوَجْهُ الثَّالِثُ (أَنْ يَقُولَ) أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ (الْعَبْدُ عَبْدِي) أَيْ الْعَبْدُ الَّذِي
[ ٨ / ٣٦٢ ]
مَا بِعْتُك. وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُقِرَّ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالْمَالِ إلَّا عِوَضًا عَنْ الْعَبْدِ فَلَا يَلْزَمُهُ دُونَهُ، وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ إنَّمَا بِعْتُك غَيْرَهُ يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يَدَّعِي تَسْلِيمَ مَنْ عَيَّنَهُ وَالْآخَرَ يُنْكِرُ وَالْمُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْأَلْفَ بِبَيْعِ غَيْرِهِ وَالْآخَرَ يُنْكِرُهُ، وَإِذَا تَحَالَفَا بَطَلَ الْمَالُ، هَذَا إذَا ذَكَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ (وَإِنْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ مَا قَبَضْت عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ رُجُوعًا إلَى كَلِمَةِ عَلَيَّ، وَإِنْكَارُهُ الْقَبْضَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يُنَافِي الْوُجُوبَ أَصْلًا لِأَنَّ الْجَهَالَةَ مُقَارِنَةً كَانَتْ أَوْ طَارِئَةً بِأَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ نَسِيَاهُ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ بِأَمْثَالِهِ تُوجِبُ هَلَاكَ الْمَبِيعِ
عَيَّنْته عَبْدِي (مَا بِعْتُك وَحُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ هَذَا الْوَجْهِ (أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُقِرَّ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالْمَالِ إلَّا عِوَضًا عَنْ الْعَبْدِ فَلَا يَلْزَمُهُ دُونَهُ) أَيْ فَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ دُونَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْعَبْدَ لَا يُسَلِّمُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بَدَلَهُ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ أَوْ فِي يَدِ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ يَأْخُذُ الْمُقَرُّ لَهُ الْعَبْدَ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، كَذَا قَالُوا.
(وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ وَلَوْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ إنْكَارِ الْعَبْدِ الْمُقَرِّ بِهِ: (إنَّمَا بِعْتُك غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ ذَلِكَ الْعَبْدِ (يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يَدَّعِي تَسْلِيمَ مَنْ عَيَّنَهُ) أَيْ وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ (وَالْآخَرُ يُنْكِرُ وَالْمُقَرُّ لَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُقِرِّ (الْأَلْفَ) أَيْ لُزُومَ الْأَلْفِ (بِبَيْعِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَنْ عَيَّنَهُ (وَالْآخَرُ يُنْكِرُ) فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُنْكِرًا ذَلِكَ وَحُكْمُ ذَلِكَ التَّحَالُفِ (وَإِذَا تَحَالَفَا بَطَلَ الْمَالُ) أَيْ بَطَلَ الْمَالُ عَنْ الْمُقِرِّ وَالْعَبْدُ سَالِمٌ لِمَنْ فِي يَدِهِ (هَذَا) أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوُجُوهِ (إذَا ذَكَرَ) أَيْ الْمُقِرُّ (عَبْدًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ) يَعْنِي إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ (اشْتَرَيْتُهُ) مِنْهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ (وَلَمْ يُعَيِّنْهُ) أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُقِرُّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى (لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي قَوْلِهِ مَا قَبَضْت عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ) أَيْ سَوَاءٌ وَصَلَ قَوْلَهُ مَا قَبَضْت الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى بِكَلَامِهِ السَّابِقِ أَوْ فَصَلَ عَنْهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا قَبَضْت (رُجُوعٌ) عَمَّا أَقَرَّ بِهِ (فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ رُجُوعًا إلَى كَلِمَةِ عَلَيَّ) أَيْ نَظَرًا إلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إذْ هِيَ لِلْإِيجَابِ (وَإِنْكَارُهُ الْقَبْضَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يُنَافِي الْوُجُوبَ أَصْلًا) أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ (لِأَنَّ الْجَهَالَةَ) أَيْ جَهَالَةَ الْمَبِيعِ (مُقَارِنَةً كَانَتْ) كَالْجَهَالَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ (أَوْ طَارِئَةً بِأَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ نَسِيَاهُ) أَيْ نَسِيَ الْمُتَعَاقِدَانِ ذَلِكَ الْعَبْدَ (عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ بِأَمْثَالِهِ تُوجِبُ هَلَاكَ الْمَبِيعِ) خَبَرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ: يَعْنِي أَنَّ الْجَهَالَةَ تُوجِبُ هَلَاكَ
[ ٨ / ٣٦٣ ]
فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ نَقْدِ الثَّمَنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ رُجُوعًا فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ وَصَلَ صُدِّقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُصَدَّقْ إذَا أَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ مَتَاعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ سَبَبًا وَهُوَ الْبَيْعُ، فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ فِي السَّبَبِ وَبِهِ لَا يَتَأَكَّدُ الْوُجُوبُ إلَّا بِالْقَبْضِ،
الْمَبِيعِ: أَيْ تَجْعَلُ الْمَبِيعَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجْهُولِ (فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ نَقْدِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ نَقْدَ الثَّمَنِ لَا يَجِبُ إلَّا بِإِحْضَارِ الْمَبِيعِ وَقَدْ امْتَنَعَ إحْضَارُهُ بِالْجَهَالَةِ فَامْتَنَعَ وُجُوبُ نَقْدِ الثَّمَنِ أَيْضًا (وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ رُجُوعًا) فَإِنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ إقْرَارٌ بِوُجُوبِ الثَّمَنِ وَآخِرَهُ يُوجِبُ سُقُوطَهُ، وَذَلِكَ رُجُوعٌ (فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا) لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بَاطِلٌ مَفْصُولًا كَانَ أَوْ مَوْصُولًا.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُشْكِلُ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَمْ يُلْزِمْ الْمُقِرَّ هُنَاكَ شَيْئًا بِالِاتِّفَاقِ مَعَ جَرَيَانِ خُلَاصَةِ هَذَا التَّعْلِيلِ هُنَاكَ أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ: إنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ إقْرَارٌ بِوُجُوبِ الْمَالِ رُجُوعًا إلَى كَلِمَةِ عَلَيَّ، وَآخِرَهُ يُنَافِي الْوُجُوبَ أَصْلًا فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ بِقَوْلِهِ قُلْنَا ذَاكَ تَعْلِيقٌ وَهَذَا إبْطَالٌ، وَسَنَذْكُرُ تَتِمَّةَ الْكَلَامِ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ الْمَزْبُورِ كَلَامًا آخَرَ، وَأَجَابَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: فِي تَمَامِ التَّقْرِيبِ كَلَامٌ، فَإِنَّ ارْتِفَاعَ الْجَهَالَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِالْقَبْضِ بَلْ بِاعْتِرَافِ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ هَذَا وَإِحْضَارِ الْبَائِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ هُوَ عَدَمُ الِاعْتِرَافِ فَيَبْقَى عَلَى الْجَهَالَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا الْإِيرَادُ بِشَيْءٍ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُقِرَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ الْعَبْدَ فَصَارَ مَجْهُولًا لَمْ يُكَلَّفْ الْمُقَرُّ لَهُ بِإِحْضَارِ ذَلِكَ أَصْلًا، بَلْ لَمْ يُمْكِنْ لَهُ إحْضَارُهُ لِتَعَذُّرِ إحْضَارِ الْمَجْهُولِ فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ إحْضَارُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ هَاهُنَا حَتَّى يَعْتَرِفَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ هَذَا، وَإِنْ أَحْضَرَ الْمُقَرُّ لَهُ عَبْدًا بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ وَاعْتَرَفَ الْمُقِرُّ بِأَنَّ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ هَذَا الْعَبْدُ فَقَدْ صَارَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ قَبِيلِ مَا إذَا ذَكَرَ الْمُقِرُّ عَبْدًا بِعَيْنِهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ هُوَ عَدَمُ الِاعْتِرَافِ وَقَدْ لَزِمَهُ الْأَلْفُ بِلَا عِوَضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ الْبَائِعُ شَيْئًا، فَهَلْ يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ إعْطَاءَ الْأَلْفِ بِلَا عِوَضٍ عَلَى إعْطَائِهِ بِمُقَابَلَةِ مَا أَحْضَرَهُ الْبَائِعُ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الِاعْتِرَافُ عِنْدَ إحْضَارِهِ بِلَا رِيَبٍ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ وَصَلَ صُدِّقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُصَدَّقْ إذَا أَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ) أَيْ إذَا كَذَّبَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ فِي الْجِهَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَلْفُ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ (وَإِنْ أَقَرَّ) أَيْ إنْ أَقَرَّ الْمُقَرُّ لَهُ (أَنَّهُ) أَيْ الْمُقَرَّ لَهُ (بَاعَهُ) أَيْ بَاعَ الْمُقِرَّ (مَتَاعًا) يَعْنِي إنْ صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ فِي الْجِهَةِ بِأَنْ قَالَ: إنَّهُ بَاعَهُ مَتَاعًا وَهُوَ الْعَبْدُ كَمَا أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ، وَلَكِنْ كَذَّبَهُ فِي إنْكَارِهِ قَبْضَ الْمَبِيعِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ) سَوَاءٌ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ.
وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا عَنْ الْمَبِيعِ بِالْمَتَاعِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ مَتَاعًا وَقَدْ كَانَ وَضَعَ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ فِي الْعَبْدِ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَتَاعِ مُطْلَقًا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْعَبْدِ (وَوَجْهُ ذَلِكَ) أَيْ وَجْهُ مَا قَالَهُ الْإِمَامَانِ (أَنَّهُ) أَيْ الْمُقِرَّ (أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ (وَبَيَّنَ سَبَبًا) لَهُ (وَهُوَ الْبَيْعُ) حَيْثُ قَالَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ (فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ) يَعْنِي الْمُقَرَّ لَهُ (فِي السَّبَبِ) وَهُوَ الْبَيْعُ (وَبِهِ لَا يَتَأَكَّدُ الْوُجُوبُ إلَّا بِالْقَبْضِ) أَيْ وَبِمُجَرَّدِ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ الْبَيْعُ لَا يَتَأَكَّدُ وُجُوبُ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ فِي حَيِّزِ التَّزَلْزُلِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَهْلِكُ الْمَبِيعُ فِي يَدِ
[ ٨ / ٣٦٤ ]
وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي السَّبَبِ كَانَ هَذَا مِنْ الْمُقِرِّ بَيَانًا مُغَيِّرًا لِأَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ لِلْوُجُوبِ مُطْلَقًا وَآخِرُهُ يَحْتَمِلُ انْتِفَاءَهُ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْقَبْضِ وَالْمُغَيِّرُ يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا.
(وَلَوْ قَالَ ابْتَعْتُ مِنْهُ بَيْعًا إلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْبَيْعِ الْقَبْضُ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِ الثَّمَنِ.
الْبَائِعِ فَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ بِالْقَبْضِ وَالْمُقَرُّ لَهُ يَدَّعِي الْقَبْضَ (وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلْمُنْكِرِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ فِي السَّبَبِ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ جَوَابٍ، وَقَوْلُهُ وَبِهِ لَا يَتَأَكَّدُ الْوُجُوبُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَيَكُونُ لِوُجُودِ الْفَاءِ وَلِعَدَمِ الرَّبْطِ، فَإِنَّك لَوْ قَدَّرْت كَلَامَهُ فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ فِي السَّبَبِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ التَّعْلِيلِ وَلَيْسَ فِيهِ إشْعَارٌ بِذَلِكَ وَقَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ جَزَاؤُهُ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ فِي السَّبَبِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ السَّبَبِ لَا يَتَأَكَّدُ لَكِنَّهُ يَتَأَكَّدُ بِالْقَبْضِ كَانَ الطَّالِبُ مُدَّعِيًا لِلْقَبْضِ وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: النَّظَرُ الْمَزْبُورُ سَاقِطٌ جِدًّا، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ صَالِحٌ لَأَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلشَّرْطِ الْمَذْكُورِ قَطْعًا، وَوُجُودُ الْفَاءِ فِيهِ لَيْسَ بِمَانِعٍ عَنْهُ أَصْلًا، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ أَنَّ الْجَزَاءَ إذَا كَانَ مُضَارِعًا مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا بِلَا فَفِيهِ الْوَجْهَانِ: دُخُولُ الْفَاءِ عَلَيْهِ وَعَدَمُ دُخُولِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وَعَدَمُ الرَّبْطِ فِيهِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَبِهِ لَا يَتَأَكَّدُ الْوُجُوبُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُهُ وَقَعَ قَيْدًا لِلشَّرْطِ الْمَزْبُورِ فَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ فِي السَّبَبِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ السَّبَبِ لَا يَتَأَكَّدُ وُجُوبُ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ بِالْقَبْضِ وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُ الْقَبْضَ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ.
وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ قَوْلَهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ مَرْبُوطًا بِالشَّرْطِ الْمَزْبُورِ مُقَيَّدًا بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْبُوطًا بِهِ عَارِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْقَيْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ جَزَاءٍ مَحْذُوفٍ كَمَا تَمَحَّلَهُ ذَلِكَ الشَّارِحُ (وَإِنْ كَذَّبَهُ) أَيْ وَإِنْ كَذَّبَ الطَّالِبُ الْمُقِرَّ (فِي السَّبَبِ كَانَ هَذَا مِنْ الْمُقِرِّ بَيَانًا مُغَيِّرًا لِأَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ) وَهُوَ قَوْلُهُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ (لِلْوُجُوبِ مُطْلَقًا) رُجُوعًا عَنْ كَلِمَةِ عَلَيَّ (وَآخِرُهُ) أَيْ آخِرُ كَلَامِهِ (يَحْتَمِلُ انْتِفَاءَهُ) أَيْ انْتِفَاءَ الْوُجُوبِ (عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْقَبْضِ) فَصَارَ مُغَيِّرًا لِمُقْتَضَى أَوَّلِ كَلَامِهِ (وَالْمُغَيِّرُ يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا) كَالِاسْتِثْنَاءِ.
(وَلَوْ قَالَ ابْتَعْت مِنْهُ بَيْعًا) أَيْ مَبِيعًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَيْنًا (إلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الْمُقِرِّ (بِالْإِجْمَاعِ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ وَقَالَ فِي تَعْلِيلِهَا (لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْبَيْعِ الْقَبْضُ) يَعْنِي أَنَّ الْمُقِرَّ هَاهُنَا إنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعَقْدِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ، إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْبَيْعِ قَبْضُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَجِبَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي (بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِ الثَّمَنِ) فَإِنَّ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْقَبْضَ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: هَذَا
[ ٨ / ٣٦٥ ]
قَالَ (وَكَذَا لَوْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ لِأَنَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَأَوَّلُ كَلَامِهِ لِلْوُجُوبِ (وَقَالَا: إذَا وَصَلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ بَيَّنَ بِآخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ الْإِيجَابَ وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ فِي آخِرِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قُلْنَا: ذَاكَ تَعْلِيقٌ وَهَذَا إبْطَالٌ.
مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ لَوْ وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَوَّلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ انْتَهَى. أَقُولُ: وَهَذَا النَّظَرُ أَيْضًا سَاقِطٌ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا هُوَ الْإِقْرَارُ بِوُجُوبِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ، إذْ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ الْمُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ إنْكَارَ الْقَبْضِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يُنَافِي الْوُجُوبَ أَصْلًا، فَلَا بُدَّ فِي نَفَاذِ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِنْ قَبْضِهِ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْقَبْضُ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَكَذَا لَوْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ) أَيْ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقُدُورِيُّ (إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ تَفْسِيرَهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارِهِ (لِأَنَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا) عَلَى الْمُسْلِمِ (وَأَوَّلُ كَلَامِهِ) وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيَّ الْأَلْفُ (لِلْوُجُوبِ) وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بَاطِلٌ (وَقَالَا) أَيْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (إذَا وَصَلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُقِرَّ (بَيَّنَ بِآخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ) أَيْ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ (الْإِيجَابَ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَنَى إقْرَارَهُ عَلَى عَادَةِ الْفَسَقَةِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ مَالٌ يَجْرِي فِيهِ الشُّحُّ وَالضِّنَةُ وَقَدْ اعْتَادَ الْفَسَقَةُ شِرَاءَهَا وَأَدَاءَ ثَمَنِهَا فَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ بَيَانًا مُغَيِّرًا فَيَصِحُّ مَوْصُولًا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: هَذَا لَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا قَالَ مِنْ ثَمَنِ خِنْزِيرٍ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَبْنِيَ إقْرَارَهُ عَلَى عَادَةِ الْفَسَقَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي صُورَةِ أَنْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، إذْ لَا يَقَعُ مِنْهُمْ شِرَاءُ الْخِنْزِيرِ وَلَا أَدَاءُ ثَمَنِهِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ اعْتِيَادِهِمْ بِذَلِكَ، وَأَمَّا عَادَةُ الْكُفَّارِ فَلَا تَصْلُحُ لَأَنْ تُجْعَلَ مَبْنَى الْكَلَامِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُسْلِمِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مِنْ قَبْلِهِمَا مَسُوقٌ لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ (وَصَارَ) أَيْ صَارَ آخِرُ كَلَامِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (كَمَا إذَا قَالَ فِي آخِرِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ هُنَاكَ إذَا وَصَلَ فَكَذَا هَاهُنَا. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا الْقِيَاسِ بِقَوْلِهِ (قُلْنَا ذَاكَ تَعْلِيقٌ وَهَذَا إبْطَالٌ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَالتَّعْلِيقُ
[ ٨ / ٣٦٦ ]
(وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ أَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ جِيَادٌ لَزِمَهُ الْجِيَادُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: إنْ قَالَ مَوْصُولًا يُصَدَّقُ، وَإِنْ قَالَ مَفْصُولًا لَا يُصَدَّقُ)
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ،
بِالشَّرْطِ مِنْ بَابِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ إبْطَالٌ وَالْإِبْطَالُ لَا يَكُونُ بَيَانًا فَلَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا.
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إمَّا إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَالثَّانِيَ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ، فَأَيَّا مَا كَانَ لَا يَكُونُ هَذَا الْجَوَابُ حُجَّةً عَلَى مَنْ قَالَ مِنْهُمَا يَكُونُ ذَاكَ أَيْضًا إبْطَالًا. وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ هُنَاكَ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: يَعْنِي الْإِبْطَالَ فَقَدْ بَطَلَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: يَعْنِي التَّعْلِيقَ فَكَذَلِكَ، إمَّا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ فَحَصَلَ مِنْهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ تَعْلِيقًا فِي أَصْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ بَلْ هُوَ إبْطَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَكَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُهُ هَاهُنَا ذَاكَ تَعْلِيقٌ وَهَذَا إبْطَالٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ هَاهُنَا مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ إلْزَامِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَالَ مِنْهُمَا يَكُونُ ذَلِكَ إبْطَالًا، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ إلْزَامِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ تَعْلِيقًا حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّهُ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِي قَدْحِ قِيَاسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَسْأَلَةِ مَا إذَا قَالَ فِي آخِرِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ بِتَعْلِيقٍ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى، وَإِنَّمَا هِيَ إبْطَالٌ مَحْضٌ، وَأَمَّا تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ فَتَعْلِيقٌ صُورَةً وَإِنْ كَانَتْ إبْطَالًا مَعْنًى فَافْتَرَقَتَا، تَأَمَّلْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي مُخْتَصَرِهِ خِلَافًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي فَأَخَذَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِيمَا إذَا كَذَّبَهُ الطَّالِبُ، وَأَمَّا إذَا صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِهِ جَمِيعًا لِأَنَّ الثَّابِتَ بِتَصَادُقِهِمَا كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَالَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ، صَرَّحَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ) أَيْ أَلْفُ دِرْهَمٍ (مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ أَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ هِيَ زُيُوفٌ) جَمْعُ زَيْفٍ وَهُوَ مَا يَقْبَلُهُ التُّجَّارُ وَيَرُدُّهُ بَيْتُ الْمَالِ (أَوْ نَبَهْرَجَةٌ) وَهِيَ دُونَ الزُّيُوفِ فَإِنَّهَا مِمَّا يَرُدُّهُ التُّجَّارُ أَيْضًا (وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ جِيَادٌ لَزِمَهُ الْجِيَادُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا) أَيْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (إنْ قَالَا مَوْصُولًا) أَيْ إنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ السَّابِقِ (يُصَدَّقُ، وَإِنْ قَالَ مَفْصُولًا) أَيْ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مَفْصُولًا عَنْهُ (لَا يُصَدَّقُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
أَقُولُ: تَحْرِيرُهَا عَلَى النَّمَطِ الْمَذْكُورِ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ قُصُورٍ، فَإِنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَلْزَمَهُ الْجِيَادُ سَوَاءٌ وَصَلَ قَوْلَهُ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ أَمْ فَصَلَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَيَقْتَضِيهِ بَيَانُ الْخِلَافِ، إلَّا أَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ يَدُلُّ عَلَى الْفَصْلِ كَمَا لَا يَخْفَى فَتُوُهِّمَ اخْتِصَاصُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِصُورَةِ الْفَصْلِ وَلَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ صَاحِبَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَذْكُرَ الْوَاوَ بَدَلَ ثُمَّ كَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ فِي بَابِ الْقَرَارِ بِالزُّيُوفِ: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دَيْنٍ مِنْ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ وَادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ لَمْ يُصَدَّقْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: وَإِنْ وَصَلَ يُصَدَّقْ، وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقْ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَعَلَى هَذَا نَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ هِيَ) أَيْ الْأَلْفُ (سَتُّوقَةٌ) وَهِيَ أَرْدَأُ مِنْ النَّبَهْرَجَةِ (أَوْ رَصَاصٌ) أَيْ أَوْ قَالَ هِيَ رَصَاصٌ فَلَا يُصَدَّقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ وَيُصَدَّقُ عِنْدَهُمَا إنْ وَصَلَ، وَلَكِنْ هَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ لَا يُصَدَّقُ هَاهُنَا وَإِنْ وَصَلَ كَمَا قَالَهُ
[ ٨ / ٣٦٧ ]
وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ إلَّا إنَّهَا زُيُوفٌ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ زُيُوفٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ. لَهُمَا أَنَّهُ بَيَانٌ مُغَيِّرٌ فَيَصِحُّ بِشَرْطِ الْوَصْلِ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ. وَهَذَا لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَحْتَمِلُ الزُّيُوفَ بِحَقِيقَتِهِ وَالسَّتُّوقَةُ بِمَجَازِهِ، إلَّا أَنَّ مُطْلَقَهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْجِيَادِ فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا رُجُوعٌ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي وَصْفَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ، وَالزِّيَافَةُ عَيْبٌ وَدَعْوَى الْعَيْبِ رُجُوعٌ عَنْ بَعْضِ مُوجِبِهِ وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ بِعْتُكَهُ مَعِيبًا وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَنِيهِ سَلِيمًا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا،
أَبُو حَنِيفَةَ.
كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ قَاضِي خَانْ وَالْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ (إذَا قَالَ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ) بِكَلِمَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ زُيُوفٍ) بِالْجَرِّ، وَتَجْرِي الصِّفَةُ عَلَى الْمَجْرُورِ الْمَعْدُودِ دُونَ الْعَدَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. أَقُولُ: فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِ وَصْفِ الْمُفْرَدِ بِالْجَمْعِ فَتَأَمَّلْ (مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ) هَذَا تَتِمَّةُ كَلَامِ الْمُقِرِّ (لَهُمَا) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْخِلَافِيَّةِ (أَنَّهُ) أَيْ مَا قَالَهُ الْمُقِرُّ آخِرًا (بَيَانٌ مُغَيِّرٌ) لِمَا قَالَهُ أَوَّلًا (فَيَصِحُّ مَوْصُولًا) أَيْ بِشَرْطِ الْوَصْلِ (كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ) فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا لِكَوْنِهِ بَيَانَ تَغْيِيرٍ (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ آخِرِ كَلَامِ الْمُقِرِّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَيَانًا مُغَيِّرًا (لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَحْتَمِلُ الزُّيُوفَ بِحَقِيقَتِهِ) فَإِنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ حَتَّى يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِيفَاءُ فِي الصَّرْفِ أَوْ السَّلَمِ وَلَا يَصِيرُ اسْتِبْدَالًا (وَالسَّتُّوقَةَ بِمَجَازِهِ) أَيْ وَيَحْتَمِلُ السَّتُّوقَةَ بِمَجَازِهِ لِأَنَّهَا تُسَمَّى دَرَاهِمَ مَجَازًا فَأَمْكَنَ أَنْ يَتَوَقَّفَ صَدْرُ الْكَلَامِ عَلَى عَجُزِهِ (إلَّا أَنَّ مُطْلَقَهُ) أَيْ مُطْلَقَ اسْمِ الدَّرَاهِمِ (يَنْصَرِفُ إلَى الْجِيَادِ) لِأَنَّ بِيَاعَاتِ النَّاسِ تَكُونُ بِالْجِيَادِ عَادَةً (فَكَانَ) أَيْ فَكَانَ ذِكْرُ الزُّيُوفِ أَوْ السَّتُّوقَةِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ (بَيَانًا مُغَيِّرًا) لِمَا اقْتَضَاهُ أَوَّلُ الْكَلَامِ (مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) أَيْ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ كَانَ بَيَانًا مِنْ جِهَةِ الِاحْتِمَالِ وَمُغَيِّرًا مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الْعَادَةِ فَصَحَّ مَوْصُولًا (وَصَارَ) أَيْ صَارَ حُكْمُ هَذَا (كَمَا إذَا قَالَ إلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ) أَوْ سِتَّةٍ وَنَقْدُ بَلَدِهِمْ وَزْنُ سَبْعَةٍ صُدِّقَ إنْ كَانَ مَوْصُولًا وَلَمْ يُصَدَّقْ إنْ كَانَ مَفْصُولًا.
أَقُولُ: لَوْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ فِي أَثْنَاءِ التَّعْلِيلِ لِذِكْرِ النَّبَهْرَجَةِ أَيْضًا لَكَانَ أَوْجَهَ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ أَيْضًا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ.
فَإِنْ قُلْت: النَّبَهْرَجَةُ كَالزُّيُوفِ فِي كَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى فِي التَّعْلِيلِ بِذِكْرِ حَالِ الزُّيُوفِ. قُلْت: رَدَاءَةُ النَّبَهْرَجَةِ دُونَ رَدَاءَةِ الزُّيُوفِ كَمَا نُبِّهَ عَلَيْهِ هُنَاكَ أَيْضًا، فَكَانَ الْأَوْلَى الِاكْتِفَاءَ بِذِكْرِ حَالِ الْأَدْنَى لِيُعْلَمَ بِهِ حَالُ مَا فَوْقِهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ.
ثُمَّ أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَحْتَمِلُ الزُّيُوفَ بِحَقِيقَتِهِ وَالسَّتُّوقَةَ بِمَجَازِهِ لَا يُسَاعِدُهُ مَا ذُكِرَ فِي مُعْتَبَرَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ كَالصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا دِرْهَمٌ سَتُّوقٌ وَتُسْتُوقٌ: أَيْ زَيْفٌ نَبَهْرَجٌ فَكَيْفَ يَكُونُ اسْمُ الدَّرَاهِمِ حَقِيقَةً فِي الْمُفَسَّرِ مَجَازًا فِي الْمُفَسِّرِ فَتَأَمَّلْ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا) أَيْ مَا قَالَهُ الْمُقِرُّ آخَرُ (رُجُوعٌ) عَمَّا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلًا وَدَعْوَى أَمْرٍ عَارِضٍ فَلَا يُقْبَلُ وَإِنْ وَصَلَ وَذَلِكَ (لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي وَصْفَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ) لِأَنَّ مُوجِبَهُ سَلَامَةُ الْبَدَلِ الْمُسْتَحَقِّ بِهِ عَنْ الْعَيْبِ (وَالزِّيَافَةُ عَيْبٌ) فِي الدَّرَاهِمِ (وَدَعْوَى الْعَيْبِ رُجُوعٌ عَنْ بَعْضِ مُوجِبِهِ) أَيْ عَنْ بَعْضِ مُوجِبِ الْعَقْدِ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ فَقَدْ أَرَادَ إبْطَالَ مَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ فَلَا يُصَدَّقُ، وَإِنْ وَصَلَ (وَصَارَ) حُكْمُ هَذَا (كَمَا إذَا قَالَ) الْبَائِعُ (بِعْتُكَهُ مَعِيبًا وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَنِيهِ سَلِيمًا فَالْقَوْلُ) هُنَاكَ (لِلْمُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنْ الْعَيْبِ، فَكَذَا هَاهُنَا، فَحَاصِلُ اخْتِلَافِهِمْ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ الزُّيُوفَ
[ ٨ / ٣٦٨ ]
وَالسَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْأَثْمَانِ وَالْبَيْعُ يُرَدُّ عَلَى الثَّمَنِ فَكَانَ رُجُوعًا. وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءً لِأَنَّهُ مِقْدَارٌ بِخِلَافِ الْجَوْدَةِ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْوَصْفِ لَا يَجُوزُ كَاسْتِثْنَاءِ الْبِنَاءِ فِي الدَّارِ،
هَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ أَمْ لَا.
فَأَبُو حَنِيفَةَ رَجَّحَ جَانِبَ الْعَيْبِ فِيهَا فَلَمْ يُدْخِلْهَا تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ حَتَّى كَانَ دَعْوَى الزِّيَافَةِ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ أَوَّلًا بِمُطْلَقِ الدَّرَاهِمِ، وَهُمَا أَدْخَلَاهَا تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ، حَتَّى كَانَ دَعْوَى الزِّيَافَةِ بَعْدَ ذِكْرِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ بَيَانَ تَغْيِيرٍ كَمَا فِي الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ (وَالسَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْأَثْمَانِ) أَيْ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ (وَالْبَيْعُ يُرَدُّ عَلَى الثَّمَنِ) فَلَمْ تَكُنْ السَّتُّوقَةُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ الْعَقْدِ (فَكَانَ) أَيْ فَكَانَ قَوْلُهُ الْآخَرُ (رُجُوعًا) عَمَّا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلًا: أَيْ فَكَانَ دَعْوَى السَّتُّوقَةِ بِتَأْوِيلِ الِادِّعَاءِ رُجُوعًا مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ مَفْصُولًا وَلَا مَوْصُولًا (وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءً) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا اسْتَشْهَدَا بِهِ.
تَقْرِيرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً (لِأَنَّهُ مِقْدَارٌ) وَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِ الْمِقْدَارِ صَحِيحٌ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَتَنَاوَلُ الْقَدْرَ فَكَانَ اسْتِثْنَاءُ الْمَلْفُوظِ وَهُوَ صَحِيحٌ بِلَا رَيْبٍ (بِخِلَافِ الْجَوْدَةِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ اسْتِثْنَاءً لِلدَّرَاهِمِ الْجَيِّدَةِ عَنْ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ وَالْجَوْدَةُ وَصْفٌ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهَا (لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْوَصْفِ لَا يَجُوزُ) لِعَدَمِ تَنَاوُلِ صَدْرِ الْكَلَامِ إيَّاهُ قَصْدًا بَلْ تَبَعًا (كَاسْتِثْنَاءِ الْبِنَاءِ فِي الدَّارِ) عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: اسْتِثْنَاءُ الْوَصْفِ لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ صَحَّحَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ اسْتِثْنَاءَ الزِّيَافَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ؟ قُلْنَا: صَحَّحَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَالزِّيَافَةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَيْنٌ لَا وَصْفٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ صَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهَا نَقْدُ بَلَدِ كَذَا وَنَقْدُ ذَلِكَ الْبَلَدِ زُيُوفٌ، وَهُنَاكَ صَحَّ هَذَا الْبَيَانُ مَوْصُولًا بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ فَصَارَ ذَلِكَ نَوْعًا لِلدَّرَاهِمِ لَا وَصْفًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فِي الْحِنْطَةِ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ، إلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْأَسْرَارِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَهَاهُنَا بَحْثٌ، إذْ حِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ
[ ٨ / ٣٦٩ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ نَوْعٌ لَا عَيْبٌ، فَمُطْلَقُ الْعَقْدِ لَا يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنْهَا.
إذَا فَصَلَ فَتَأَمَّلْ. أَقُولُ: بَحْثُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ هَذَا الْبَيَانَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمَا بَيَانُ نَوْعِ الدَّرَاهِمِ إلَّا أَنَّهُ بَيَانُ تَغْيِيرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ وَالْجَوْدَةَ عُرْفًا، فَكَانَ اسْتِثْنَاءُ نَوْعِ الزُّيُوفِ مِنْ الدَّرَاهِمِ تَغْيِيرًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَكَانَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا مَرَّ، وَبَيَانُ التَّغْيِيرِ لَا يَصِحُّ إلَّا مَوْصُولًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ الْفَاضِلُ فِي الْغَلَطِ مِنْ قَوْلِ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: فَصَارَ ذَلِكَ نَوْعًا لِلدَّرَاهِمِ لَا وَصْفًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فِي الْحِنْطَةِ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ يُقْبَلُ، وَإِنْ فَصَلَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ إلَّا أَنَّ مُرَادَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فِي الْحِنْطَةِ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِهِ نَوْعًا لَا وَصْفًا لَا فِي الِاتِّحَادِ فِي جِهَةِ الْبَيَانِ، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ هَذَا بَيَانُ تَغْيِيرٍ وَذَاكَ بَيَانُ التَّفْسِيرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ؛ لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ نَوْعٌ) أَيْ مُنَوَّعَةٌ (لَا عَيْبٌ) لِأَنَّ الْعَيْبَ مَا يَخْلُو عَنْهُ أَصْلُ الْفِطْرَةِ وَالْحِنْطَةُ قَدْ تَكُونُ رَدِيئَةً فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَكَانَتْ الرَّدِيئَةُ نَوْعًا مِنْهَا وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً مُشَارًا إلَيْهَا فَوَجَدَهَا رَدِيئَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ (فَمُطْلَقُ الْعَقْدِ لَا يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الرَّدَاءَةِ، إذْ لَيْسَ لِمُطْلَقِ الْعَقْدِ مُقْتَضًى فِي نَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ بِالْحِنْطَةِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا جَيِّدَةٌ أَوْ وَسَطٌ أَوْ رَدِيئَةٌ فَلَيْسَ فِي بَيَانِهِ تَغْيِيرُ مُوجَبِ أَوَّلِ كَلَامِهِ فَصَحَّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يُسْتَثْنَى الْوَصْفُ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ؛ لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ ضِدُّ الْجَوْدَةِ فَهُمَا صِفَتَانِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ نَوْعٌ لَا عَيْبٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْجَوْدَةُ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُمَا ضِدَّانِ دَفْعًا لِلتَّحَكُّمِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّدَاءَةَ فِي الْحِنْطَةِ مُنَوَّعَةٌ لَا عَيْبٌ وَفِي الدَّرَاهِمِ عَيْبٌ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُفَادَ الْجَوَابِ الثَّانِي أَنَّ الرَّدَاءَةَ فِي الدَّرَاهِمِ عَيْبٌ وَفِي الْحِنْطَةِ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ لَا أَنَّهَا فِي الدَّرَاهِمِ وَصْفٌ وَفِي الْحِنْطَةِ لَيْسَتْ بِوَصْفٍ، فَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ أَصْلُ السُّؤَالِ لِأَنَّ حَاصِلَهُ نَقْضُ الْقَوْلِ بِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْوَصْفِ لَا يَجُوزُ بِجَوَازِ اسْتِثْنَاءِ وَصْفِ الرَّدَاءَةِ فِي الْحِنْطَةِ. عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ السُّؤَالُ الثَّانِي أَيْضًا لِأَنَّ حَاصِلَهُ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ رَدَاءَةِ الْحِنْطَةِ وَجَوْدَةِ الدَّرَاهِمِ. وَمُفَادُ الْجَوَابِ عَنْهُ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ رَدَاءَةِ الْحِنْطَةِ وَرَدَاءَةِ الدَّرَاهِمِ.
ثُمَّ أَقُولُ: الْبَاعِثُ عَلَى شَرْحِهِ الْمَقَامَ بِالْوَجْهِ الْمَزْبُورِ هُوَ أَنَّهُ حَسِبَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ ﵀: بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِمَا ذَكَرَهُ فِي قُبَيْلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْوَصْفِ لَا يَجُوزُ كَاسْتِثْنَاءِ الْبِنَاءِ فِي الدَّارِ فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ، وَلَكِنْ لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنْ الْعَيْبِ، وَالزِّيَافَةُ عَيْبٌ يُرْشَدُ إلَيْهِ قَطْعًا قَوْلُهُ هَاهُنَا فَمُطْلَقُ الْعَقْدِ لَا يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنْهَا بَعْدَ قَوْلِهِ لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ نَوْعٌ لَا عَيْبٌ. ثُمَّ أَقُولُ: وَأَمَّا السُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ قِيلَ يُسْتَثْنَى الْوَصْفُ كَمَا إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ.
فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ هُنَاكَ اسْتِثْنَاءٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِلْحِنْطَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ فِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، يُرْشِدُ إلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي قَالَ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ كُرُّ بُرٍّ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ قَرْضٍ، ثُمَّ قَالَ هُوَ رَدِيءٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ، لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ فِي الْبُرِّ انْتَهَى حَيْثُ بَدَّلَ قَوْلَهُ إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ بِقَوْلِهِ هُوَ رَدِيءٌ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَطْمَحُ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صِيغَةَ الِاسْتِثْنَاءِ بَلْ إنَّ الرَّدَاءَةَ فِي مِثْلِ الْبُرِّ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ، فَظَهَرَ أَنَّ جَعْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ نَوْعٌ لَا عَيْبٌ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ الْمَزْبُورِ مِنْ ضِيقِ الْعَطَنِ.
فَإِنْ قُلْت: لِلسُّؤَالِ الْمَزْبُورِ جَوَابٌ آخَرُ أَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرْته، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: إلَّا أَنَّهَا رَدِيئَةٌ لَيْسَ لِاسْتِثْنَاءِ الْوَصْفِ وَهُوَ الرَّدَاءَةُ بَلْ لِاسْتِثْنَاءِ الْعَيْنِ وَهُوَ الْحِنْطَةُ الرَّدِيئَةُ، فَالْمُرَادُ اسْتِثْنَاءُ نَوْعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ بِلَا رَيْبٍ فَلِمَ تَرَكْت هَذَا الْجَوَابَ؟ قُلْت: لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَا إذَا قَالَ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ عِنْدَهُ مَعَ
[ ٨ / ٣٧٠ ]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ فِي الْقَرْضِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الزُّيُوفِ إذَا وَصَلَ لِأَنَّ الْقَرْضَ يُوجِبُ رَدَّ مِثْلِ الْمَقْبُوضِ، وَقَدْ يَكُونُ زَيْفًا كَمَا فِي الْغَصْبِ. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ التَّعَامُلَ بِالْجِيَادِ فَانْصَرَفَ مُطْلَقُهُ إلَيْهَا. (وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ زُيُوفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْعَ وَالْقَرْضَ قِيلَ يُصَدَّقُ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُهَا (وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ) لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ يَنْصَرِفُ إلَى الْعُقُودِ لِتَعَيُّنِهَا مَشْرُوعَةً لَا إلَى الِاسْتِهْلَاكِ الْمُحَرَّمِ.
جَرَيَانِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ لِاسْتِثْنَاءِ الْوَصْفِ وَهُوَ الزِّيَافَةُ بَلْ لِاسْتِثْنَاءِ الْعَيْنِ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ الزُّيُوفُ، وَنَحْنُ الْآنَ بِصَدَدِ تَتْمِيمِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا مَجَالَ لِلتَّشَبُّثِ بِذَلِكَ الْجَوَابِ هَاهُنَا فَتَدَبَّرْ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ) الْمُرَادُ بِالْأُصُولِ الْجَامِعَانِ وَالزِّيَادَاتُ وَالْمَبْسُوطُ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ الْأَمَالِي وَالنَّوَادِرِ وَالرُّقَيَّاتِ وَالْهَارُونِيَّاتِ والْكَيْسانِيَّاتِ بِغَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الزُّيُوفِ إذَا وَصَلَ) يَعْنِي فِي الْقَرْضِ، كَذَا وَقَعَ فِي النِّهَايَةِ.
وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهَذَا الْقَيْدِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَنْ قَالَ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ فِي الْقَرْضِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الزُّيُوفِ إذَا وَصَلَ يَعْنِي إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضٌ هِيَ زُيُوفٌ يُصَدَّقُ عِنْدَهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ إذَا وَصَلَ قَوْلُهُ هِيَ زُيُوفٌ بِقَوْلِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضٌ، أَمَّا إذَا قَطَعَ كَلَامَهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ زَمَانٍ هِيَ زُيُوفٌ لَا يُصَدَّقُ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ (لِأَنَّ الْقَرْضَ يُوجِبُ مِثْلَ الْمَقْبُوضِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَقْرَضَ إنَّمَا يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ بِالْقَبْضِ فَالْقَرْضُ يُوجِبُ مِثْلَ الْمَقْبُوضِ (وَقَدْ يَكُونُ) الْمَقْبُوضُ فِي الْقَرْضِ (زَيْفًا كَمَا فِي الْغَصْبِ) فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ الزَّيْفُ لِأَنَّ الْقَرْضَ يُقْضَى بِالْمِثْلِ كَالْغَصْبِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ كَمَا يُصَدَّقُ فِي الْغَصْبِ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ يُصَدَّقَ فِي الزُّيُوفِ فِي الْقَرْضِ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ كَمَا فِي الْغَصْبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي مَعَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي صُورَةِ الْقَرْضِ إذَا فَصَلَ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ (وَوَجْهُ الظَّاهِرِ) أَيْ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (أَنَّ التَّعَامُلَ بِالْجِيَادِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُتَعَارَفَ فِي التَّعَامُلِ هُوَ الْجِيَادُ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ (فَانْصَرَفَ مُطْلَقُهُ) أَيْ مُطْلَقُ الْقَرْضِ (إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْجِيَادِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِيَادُ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ دَعْوَى الزِّيَافَةِ لِأَنَّهَا رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ.
(وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ زُيُوفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْعَ وَالْقَرْضَ) أَيْ وَلَوْ أَرْسَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْجِهَةَ وَادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ (قِيلَ يُصَدَّقُ بِالْإِجْمَاعِ) يَعْنِي إذَا وَصَلَ (لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُهَا) أَيْ يَتَنَاوَلُ الزُّيُوفَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَصْرِفُهَا إلَى الْجِيَادِ (وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ) قَائِلُ هَذَا هُوَ الْكَرْخِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَيْ لَا يُصَدَّقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيُصَدَّقُ إذَا وَصَلَ وَلَا يُصَدَّقُ إذَا فَصَلَ، فَحَصَلَ الْمَعْنَى: وَقِيلَ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ السَّابِقِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ (لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ) بِالدَّيْنِ (يَنْصَرِفُ إلَى الْعُقُودِ) أَيْ إلَى الْإِلْزَامِ بِسَبَبِ الْعُقُودِ (لِتَعَيُّنِهَا مَشْرُوعَةً) أَيْ لِكَوْنِهَا هِيَ الْمَشْرُوعَةَ (لَا إلَى الِاسْتِهْلَاكِ الْمُحَرَّمِ) أَيْ لَا يَنْصَرِفُ إلَى الْإِلْزَامِ بِسَبَبِ الِاسْتِهْلَاكِ الْمُحَرَّمِ، إذْ لَا يَجُوزُ حَمْلُ أَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحَرَامِ مَا أَمْكَنَ، فَصَارَ هَذَا وَمَا بَيْنَ سَبَبِ التِّجَارَةِ سَوَاءٌ.
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: وَلَوْ أَرْسَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْجِهَةَ ثُمَّ قَالَ هِيَ زُيُوفٌ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْأُصُولِ. فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ هُوَ هَذَا الِاخْتِلَافُ،
[ ٨ / ٣٧١ ]
(وَلَوْ قَالَ اغْتَصَبْت مِنْهُ أَلْفًا أَوْ قَالَ أَوْدَعَنِي ثُمَّ قَالَ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ صُدِّقَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَغْصِبُ مَا يَجِدُ وَيُودِعُ مَا يَمْلِكُ فَلَا مُقْتَضَى لَهُ فِي الْجِيَادِ وَلَا تَعَامُلَ فَيَكُونُ بَيَانَ النَّوْعِ فَيَصِحُّ وَإِنْ فَصَلَ،
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَاهُنَا يُصَدَّقُ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْجَوْدَةَ تَجِبُ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ دُونَ الْبَعْضِ فَلَا تَجِبُ مَعَ الِاحْتِمَالِ انْتَهَى.
(وَلَوْ قَالَ اغْتَصَبْت مِنْهُ أَلْفًا أَوْ قَالَ أَوْدَعَنِي) أَيْ أَوْدَعَنِي أَلْفًا (ثُمَّ قَالَ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ صُدِّقَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ) هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهَا (لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَغْصِبُ مَا يَجِدُ وَيُودِعُ مَا يَمْلِكُ فَلَا مُقْتَضَى لَهُ) أَيْ لِوَاحِدٍ مِنْ الْغَصْبِ وَالْإِيدَاعِ (وَلَا تَعَامُلَ) بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَقْتَضِيهَا فِي الْجِيَادِ: أَيْ وَلَا تَعَامُلَ فِي غَصْبِ الْجِيَادِ وَلَا فِي إيدَاعِهَا، بِخِلَافِ الْقَرْضِ فَإِنَّ التَّعَامُلَ فِيهِ بِالْجِيَادِ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ هِيَ زُيُوفٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِغَصْبِ الْأَلْفِ أَوْ إيدَاعِهَا تَغْيِيرًا لِأَوَّلِ كَلَامِهِ (فَيَكُونُ بَيَانَ النَّوْعِ فَيَصِحُّ وَإِنْ فَصَلَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الزِّيَافَةَ فِي الدَّرَاهِمِ عَيْبٌ فَيَكُونُ ذِكْرُ الزَّيْفِ رُجُوعًا فَلَا يُقْبَلُ أَصْلًا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا مُغَيِّرًا فَلَا يُقْبَلُ مَفْصُولًا انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الزِّيَافَةِ عَيْبًا فِي الدَّرَاهِمِ كَوْنُ ذِكْرِ الزُّيُوفِ رُجُوعًا أَوْ بَيَانًا مُغَيِّرًا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ أَوَّلُ كَلَامِ الْمُقِرِّ الْمَعْيُوبَ وَغَيْرَ الْمَعْيُوبِ عَلَى السَّوَاءِ، بَلْ كَانَ مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الْمَعْيُوبِ وَهُوَ الْجِيَادُ، أَمَّا مِنْ جِهَةِ تَحَقُّقِ الْمُقْتَضَى كَمَا فِي الْبَيْعِ أَوْ التَّعَامُلِ كَمَا فِي الْقَرْضِ. وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ فِي التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ عَدَمُ تَحَقُّقِ مُقْتَضَى الْجِيَادِ وَلَا التَّعَامُلُ بِهَا فِي الْغَصْبِ وَالْإِيدَاعِ تَعَيَّنَ تَنَاوُلُ أَوَّلِ كَلَامِ الْمُقِرِّ الْجِيَادَ وَالزُّيُوفَ عَلَى السَّوَاءِ فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُ الزُّيُوفِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ أَصْلًا وَلَا بَيَانًا مُغَيِّرًا فِي شَيْءٍ بَلْ كَانَ بَيَانَ النَّوْعِ قَطْعًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا صِفَةٌ وَالْمَوْصُوفُ بِهَا قَدْ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِهَا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ فَيَكُونُ مُنَوَّعًا لَيْسَ إلَّا كَمَا فِي الْحِنْطَةِ وَقَدْ لَا يَكُونُ، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَوَّعًا وَعَيْبًا. وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ فِي الْجِهَةِ الْمُوجِبَةِ لَهَا، فَإِنْ اقْتَضَتْ السَّلَامَةَ كَانَتْ الزِّيَافَةُ عَيْبًا وَإِلَّا كَانَتْ نَوْعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمَّا اقْتَضَتْهَا تَقَيَّدَتْ بِهَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَافَةُ نَوْعًا مِنْهَا لِتَبَايُنِهَا لَكِنَّهَا تُنَافِيهَا تَنَافِيَ التَّضَادِّ فَكَانَتْ عَيْبًا، لِأَنَّ ضِدَّ السَّلَامَةِ عَيْبٌ.
وَإِذَا لَمْ تَقْتَضِهَا كَانَتَا نَوْعَيْنِ لِمُطْلَقِ الدَّرَاهِمِ لِاحْتِمَالِهِ إيَّاهُمَا لِاحْتِمَالِ الْجِنْسِ الْأَنْوَاعَ هَذَا، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الزِّيَافَةَ فِي الدَّرَاهِمِ مِمَّا لَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ بِهَا مُتَّصِفًا بِهَا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ أَصْلًا إذْ هِيَ أَمْرٌ عَارِضٌ لِلدَّرَاهِمِ تَخْلُو عَنْهَا الدَّرَاهِمُ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهَا، وَإِنَّمَا الَّتِي قَدْ يَكُونُ الْمَوْصُوفُ بِهَا مُتَّصِفًا بِهَا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ هِيَ الرَّدَاءَةُ فِي الْحِنْطَةِ كَمَا مَرَّ وَهِيَ بِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ وَلَا مَعْنَى لِخَلْطِ ذَلِكَ هَاهُنَا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الضَّابِطِ مِنْ أَنَّ الْجِهَةَ الْمُوجِبَةَ لِلدَّرَاهِمِ إنْ اقْتَضَتْ السَّلَامَةَ كَانَتْ الزِّيَافَةُ عَيْبًا، وَإِلَّا كَانَتْ نَوْعًا بِمَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كَوْنَ الزِّيَافَةِ فِي الدَّرَاهِمِ عَيْبًا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ غَيْرُ
[ ٨ / ٣٧٢ ]
وَلِهَذَا لَوْ جَاءَ رَادُّ الْمَغْصُوبِ الْوَدِيعَةِ بِالْمَعِيبِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ مَفْصُولًا اعْتِبَارًا بِالْقَرْضِ إذْ الْقَبْضُ فِيهِمَا هُوَ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ. وَلَوْ قَالَ هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِالْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَوَصَلَ صُدِّقَ، وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّ السَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ لَكِنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهَا مَجَازًا فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْوَصْلِ (وَإِنْ قَالَ فِي هَذَا كُلِّهِ أَلْفًا ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّهُ يَنْقُصُ كَذَا لَمْ يُصَدَّقْ وَإِنْ وَصَلَ صُدِّقَ)
تَابِعٍ لِاقْتِضَاءِ الْجِهَةِ الْمُوجِبَةِ لَهَا السَّلَامَةَ، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ اقْتِضَائِهَا السَّلَامَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ الْمَوْصُوفَةِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ عَنْ مُطْلَقِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ الْمَذْكُورَةِ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ لَا فِي جَعْلِهَا مَعْيُوبَةً، وَكَذَلِكَ فِي كَوْنِ الزِّيَافَةِ نَوْعًا: أَيْ مُنَوَّعَةً لَيْسَ بِتَابِعٍ لِعَدَمِ اقْتِضَاءِ الْجِهَةِ السَّلَامَةَ، بَلْ الزِّيَافَةُ كَالْجَوْدَةِ مُنَوَّعَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّ الْجِيَادَ وَالزُّيُوفَ نَوْعَانِ مِنْ مُطْلَقِ الدَّرَاهِمِ قَطْعًا سَوَاءٌ اقْتَضَتْ الْجِهَةُ السَّلَامَةَ أَمْ لَا، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا لَمْ تَقْتَضِهَا كَانَتَا نَوْعَيْنِ لِمُطْلَقِ الدَّرَاهِمِ أَنَّهُمَا حِينَئِذٍ كَانَتَا نَوْعَيْنِ لِمُطْلَقِ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ تَكُنْ الزِّيَافَةُ عَيْبًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ الزِّيَافَةُ عَيْبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَوْنُهَا نَوْعًا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا عَيْبًا، فَإِنَّ كَوْنَ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ مَعْيُوبًا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْآخَرِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ، وَإِنَّمَا لَا تَكُونُ عَيْبًا لَوْ كَانَتْ فِي أَصْلِ خِلْقَةِ الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا حِينَئِذٍ كَانَتَا نَوْعَيْنِ لِمُطْلَقِ الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَافَةُ عَيْبًا أَيْضًا فَلَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ النَّظَرِ الْمَذْكُورِ بِمَا ذَكَرَهُ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ أَنْ لَا مُقْتَضَى لَهُ فِي الْجِيَادِ وَلَا تَعَامُلَ (لَوْ جَاءَ رَادُّ الْمَغْصُوبِ) وَهُوَ الْغَاصِبُ (الْوَدِيعَةِ) أَيْ وَرَادُّ الْوَدِيعَةِ وَهُوَ الْمُودِعُ (بِالْمَعِيبِ) مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَ: أَيْ لَوْ جَاءَ رَادُّهُمَا بِالْمَعِيبِ (كَانَ الْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلرَّادِّ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ مَتَى وَقَعَ فِي صِفَةِ الْمَقْبُوضِ كَانَ الْقَوْلُ لِلْقَابِضِ ضَمِينًا كَانَ أَوْ أَمِينًا (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ) أَيْ فِي الْغَصْبِ لَا فِي الْوَدِيعَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ (مَفْصُولًا) أَيْ إذَا ادَّعَى الزِّيَافَةَ مَفْصُولًا (اعْتِبَارًا بِالْقَرْضِ) أَيْ قِيَاسًا عَلَيْهِ (إذْ الْقَبْضُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْغَصْبِ وَالْقَرْضِ (هُوَ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ) يَعْنِي أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا كَوْنُ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ هُوَ الْقَبْضَ، وَجَوَابُهُ يُفْهَمُ مِمَّا تَقَرَّرَ تَدَبَّرْ (وَلَوْ قَالَ: هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِالْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَوَصَلَ صُدِّقَ وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُصَدَّقْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ.
قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ: وَإِنْ قَالَ هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ صُدِّقَ إنْ وَصَلَ وَلَمْ يُصَدَّقْ إذَا فَصَلَ: يَعْنِي فِي الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا صُورَةً، فَصَارَ إرَادَتُهَا بِاسْمِ الدَّرَاهِمِ كَإِرَادَةِ الْمَجَازِ بِاسْمِ الْحَقِيقَةِ، وَإِذَا بَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَجَازَ مَوْصُولًا قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
وَعَلَّلَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا عَلَّلَ بِهِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فَقَالَ (لِأَنَّ السَّتُّوقَةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ) أَيْ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّجَوُّزُ بِهَا فِي بَابِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ (لَكِنَّ الِاسْمَ) أَيْ اسْمَ الدَّرَاهِمِ (يَتَنَاوَلُهَا) أَيْ يَتَنَاوَلُ السَّتُّوقَةَ (مَجَازًا) لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ السَّتُّوقَةِ وَالدَّرَاهِمِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ (فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا) لِمَا اقْتَضَاهُ أَوَّلُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَتَنَاوَلُ الدَّرَاهِمَ صُورَةً وَحَقِيقَةً، وَبِآخِرِ كَلَامِهِ بَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ الدَّرَاهِمُ صُورَةً لَا حَقِيقَةً (فَلَا بُدَّ مِنْ الْوَصْلِ) لِأَنَّ بَيَانَ التَّغْيِيرِ يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ لِأَنَّ الزُّيُوفَ وَالنَّبَهْرَجَةَ دَرَاهِمُ صُورَةً وَحَقِيقَةً فَلَيْسَ فِي بَيَانِهِ تَغْيِيرٌ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ فَصَحَّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا (وَإِنْ قَالَ فِي هَذَا كُلِّهِ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ وَالْإِيدَاعِ (أَلْفًا ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنَّهُ يَنْقُصُ كَذَا لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ وَصَلَ صُدِّقَ) هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ
[ ٨ / ٣٧٣ ]
لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءُ الْمِقْدَارِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَصِحُّ مَوْصُولًا، بِخِلَافِ الزِّيَافَةِ لِأَنَّهَا وَصْفٌ وَاسْتِثْنَاءُ الْأَوْصَافِ لَا يَصِحُّ، وَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ الْمِقْدَارَ دُونَ الْوَصْفِ وَهُوَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ ضَرُورَةَ انْقِطَاعِ الْكَلَامِ فَهُوَ وَاصِلٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ.
(وَمَنْ أَقَرَّ بِغَصْبِ ثَوْبٍ ثُمَّ جَاءَ بِثَوْبٍ مَعِيبٍ فَالْقَوْلُ لَهُ) لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّلِيمِ.
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَهَلَكَتْ فَقَالَ لَا بَلْ أَخَذْتهَا غَصْبًا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ قَالَ أَعْطَيْتَنِيهَا وَدِيعَةً فَقَالَ لَا بَلْ غَصَبْتَنِيهَا لَمْ يَضْمَنْ) وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ الْأَخْذُ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبْرِئُهُ وَهُوَ الْإِذْنُ وَالْآخَرُ
فِي تَعْلِيلِهَا (لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءُ الْمِقْدَارِ) أَيْ اسْتِثْنَاءٌ لِبَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمِقْدَارِ (وَالِاسْتِثْنَاءُ يَصِحُّ مَوْصُولًا) لَا مَفْصُولًا فَيَصِيرُ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى (بِخِلَافِ الزِّيَافَةِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ) أَيْ لِأَنَّ الزِّيَافَةَ وَصْفٌ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ (وَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ الْمِقْدَارَ دُونَ الْوَصْفِ، وَهُوَ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ (تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ كَمَا بَيَّنَّا) فِيمَا مَرَّ فَيَصِحُّ فِي مُتَنَاوَلِ اللَّفْظِ دُونَ غَيْرِهِ (وَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ ضَرُورَةَ انْقِطَاعِ الْكَلَامِ) أَيْ لِضَرُورَةِ انْقِطَاعِ الْكَلَامِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ النَّفَسِ أَوْ أَخْذِ السُّعَالِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (فَهُوَ وَاصِلٌ) أَيْ هُوَ فِي حُكْمِ الْوَاصِلِ حَتَّى يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ (لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ وَيَذْكُرُ الِاسْتِثْنَاءَ فِي آخِرِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ فَكَانَ عَفْوًا.
قَالَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا يَفْصِلُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ انْقَطَعَ عَنْهُ الْكَلَامُ ثُمَّ وَصَلَ، فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ فَجُعِلَ ذَلِكَ عَفْوًا، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ الْكَاكِيُّ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ؛ يَعْنِي مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَمَنْ أَقَرَّ بِغَصْبِ ثَوْبٍ ثُمَّ جَاءَ بِثَوْبٍ مَعِيبٍ فَالْقَوْلُ لَهُ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ (لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّلِيمِ) فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَغْصِبُ مَا يَجِدُ مِنْ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ وَالْجَيِّدِ وَالزَّيْفِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا غَصَبَ سَوَاءٌ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ.
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَهَلَكَتْ فَقَالَ) أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ (بَلْ أَخَذْتهَا غَصْبًا فَهُوَ) أَيْ الْمُقِرُّ (ضَامِنٌ) يَعْنِي كَانَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَ الْمُقَرِّ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ فَالْمُقِرُّ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ يَنْكُلَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ الْيَمِينِ (وَإِنْ قَالَ: أَعْطَيْتنِيهَا وَدِيعَةً فَقَالَ) أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ (لَا بَلْ غَصَبْتنِيهَا لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ لَمْ يَضْمَنْ الْمُقِرُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَلْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ
(وَالْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا (أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً (أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ الْأَخْذُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَهَذَا يَتَنَاوَلُ رَدَّ الْعَيْنِ حَالَ بَقَائِهَا وَرَدَّ الْمِثْلِ حَالَ زَوَالِهَا لِكَوْنِ الْمِثْلِ قَائِمًا مَقَامَ الْأَصْلِ (ثُمَّ ادَّعَى) أَيْ ثُمَّ ادَّعَى الْمُقِرُّ بِقَوْلِهِ وَدِيعَةً (مَا يُبْرِئُهُ) عَنْ الضَّمَانِ (وَهُوَ الْإِذْنُ) بِالْأَخْذِ (وَالْآخَرُ) وَهُوَ الْمُقَرُّ
[ ٨ / ٣٧٤ ]
يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ. وَفِي الثَّانِي أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى غَيْرِهِ وَذَاكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ الْغَصْبُ فَكَانَ الْقَوْلُ لِمُنْكِرِهِ مَعَ الْيَمِينِ وَالْقَبْضُ فِي هَذَا كَالْأَخْذِ وَالدَّفْعُ كَالْإِعْطَاءِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إعْطَاؤُهُ وَالدَّفْعُ إلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَبْضِهِ، فَنَقُولُ: قَدْ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَوْ اقْتَضَى ذَلِكَ فَالْمُقْتَضَى ثَابِتٌ ضَرُورَةً فَلَا يَظْهَرُ فِي انْعِقَادِهِ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَخَذْتُهَا مِنْك وَدِيعَةً وَقَالَ الْآخَرُ لَا بَلْ قَرْضًا حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا هُنَالِكَ عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ كَانَ بِالْإِذْنِ إلَّا أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ الْقَرْضُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ
لَهُ (يُنْكِرُهُ) أَيْ يُنْكِرُ الْإِذْنَ (فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ) هَذَا مَا قَالُوا. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا أَنَّ الْأَخْذَ مُطْلَقًا سَبَبُ الضَّمَانِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ الْأَخْذُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ كَأَخْذِ الْوَدِيعَةِ بِإِذْنِ الْمُودِعِ فَلَيْسَ بِسَبَبِ الضَّمَانِ قَطْعًا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» كَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ. عَلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ إذَا هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ، فَيَكُونُ مَا أَخَذَتْهُ الْيَدُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مَخْصُوصًا عَنْ قَوْلِهِ ﵊ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْأَخْذَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ سَبَبُ الضَّمَانِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ بِغَيْرِ إذْنٍ، بَلْ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ الْمُقَيَّدِ بِكَوْنِهِ وَدِيعَةً وَهُوَ الْأَخْذُ بِالْإِذْنِ فَتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ. قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ الْمُقِرُّ وَيُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَدِيعَةً بَيَانُ تَغْيِيرٍ كَمَا لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِيعَةٌ. قُلْنَا: صَدْرُ الْكَلَامِ هُنَا مُوجِبُهُ الْغَصْبُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْوَدِيعَةَ، فَقَوْلُهُ: وَدِيعَةً يَكُونُ دَعْوَى مُبْتَدَأَةً لَا بَيَانَ مَا احْتَمَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ يَحْتَمِلُ الْوَدِيعَةَ: يَعْنِي عَلَى حِفْظِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَدِيعَةٌ بَيَانَ تَغْيِيرٍ فَيُصَدَّقُ مَوْصُولًا انْتَهَى. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ هُنَا مُوجِبُهُ الْغَصْبُ، كَيْفَ وَسَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ أَنَّ الْغَصْبَ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ؟ وَفِي الشَّرِيعَةِ: أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ هَاهُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْ الْغَصْبِ، وَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْخَاصِّ بِإِحْدَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ، فَأَنَّى يَكُونُ مُوجِبُهُ الْغَصْبَ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ تَنَبَّهَ لِمَا قُلْنَا حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِي الْكِفَايَةِ مِنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ.
كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ (وَفِي الثَّانِي) أَيْ وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ أَعْطَيْتنِيهَا وَدِيعَةً (أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى غَيْرِهِ) وَهُوَ الْمُقَرُّ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِسَبَبِ الضَّمَانِ (وَذَاكَ) أَيْ ذَاكَ الْغَيْرُ (يَدَّعِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُقِرِّ (سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ الْغَصْبُ) وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُهُ (فَكَانَ الْقَوْلُ لِمُنْكِرِهِ مَعَ الْيَمِينِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْقَبْضُ فِي هَذَا) أَيْ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (كَالْأَخْذِ) يَعْنِي لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: قَبَضْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ غَصَبْتنِيهَا كَانَ ضَامِنًا، كَمَا لَوْ قَالَ أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً (وَالدَّفْعُ كَالْإِعْطَاءِ) يَعْنِي لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ دَفَعْت إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ غَصَبْتنِيهَا لَمْ يَضْمَنْ كَمَا لَوْ قَالَ أَعْطَيْتنِيهَا (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الْإِعْطَاءُ وَالدَّفْعُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُقِرِّ (لَا يَكُونُ إلَّا بِقَبْضِهِ) فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِالْإِعْطَاءِ وَالدَّفْعِ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِالْقَبْضِ يَضْمَنُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ إذَا أَقَرَّ بِالْإِعْطَاءِ وَالدَّفْعِ أَيْضًا (فَنَقُولُ) فِي الْجَوَابِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالدَّفْعَ إلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَبْضِهِ بَلْ (قَدْ يَكُونُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِعْطَاءِ وَالدَّفْعِ (بِالتَّخْلِيَةِ وَالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ) بِدُونِ قَبْضِهِ فَلَمْ يَقْتَضِ الْإِقْرَارُ بِهِمَا الْإِقْرَارَ بِالْقَبْضِ (وَلَوْ اقْتَضَى ذَلِكَ) أَيْ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ اقْتَضَى ذَلِكَ (فَالْمُقْتَضَى ثَابِتٌ ضَرُورَةً) وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَثْبُتُ بِأَدْنَى مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ (فَلَا يَظْهَرُ فِي انْعِقَادِ سَبَبِ الضَّمَانِ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهَذَا) أَيْ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ ضَمَانِ الْمُقِرِّ بِالْأَخْذِ وَدِيعَةً إذَا قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ أَخَذْتَهَا غَصْبًا (بِخِلَافِ مَا) أَيْ مُلَابِسٍ، بِخِلَافِ مَا (إذَا قَالَ) أَيْ الْمُقِرُّ (أَخَذْتُهَا مِنْك وَدِيعَةً وَقَالَ الْآخَرُ لَا بَلْ قَرْضًا حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا هُنَالِكَ) أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ أَخَذْتَهَا قَرْضًا (عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ كَانَ بِالْإِذْنِ) لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْقَرْضِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِذْنِ كَالْأَخْذِ بِالْوَدِيعَةِ. (إِلَّا أَنَّ الْمُقِرَّ لَهُ يَدَّعِي سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ الْقَرْضُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ) ذَلِكَ
[ ٨ / ٣٧٥ ]
فَافْتَرَقَا (وَإِنْ قَالَ هَذِهِ الْأَلْفُ كَانَتْ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ فُلَانٍ فَأَخَذْتُهَا فَقَالَ فُلَانٌ هِيَ لِي فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْيَدِ لَهُ وَادَّعَى اسْتِحْقَاقَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ.
(وَلَوْ قَالَ: آجَرْتُ دَابَّتِي هَذِهِ فُلَانًا فَرَكِبَهَا وَرَدَّهَا، أَوْ قَالَ: آجَرْتُ ثَوْبِي هَذَا فُلَانًا فَلَبِسَهُ وَرَدَّهُ وَقَالَ فُلَانٌ: كَذَبْتَ وَهُمَا لِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ) وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِعَارَةُ وَالْإِسْكَانُ.
(وَلَوْ قَالَ خَاطَ فُلَانٌ ثَوْبِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضْتُهُ وَقَالَ فُلَانٌ: الثَّوْبُ ثَوْبِي فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ) وَجْهُ الْقِيَاسِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْوَدِيعَةِ.
فَكَانَ الْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (فَافْتَرَقَا)، أَيْ: فَافْتَرَقَ مَا إِذَا قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: أَخَذْتَهَا غَصْبًا وَمَا إِذَا قَالَ: أَخَذْتَهَا قَرْضًا.
أَقُولُ: هَا هُنَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُقِرُّ إِنَّمَا هُوَ مَا يُبَرِّئُهُ عَنِ الضَّمَانِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْإِذْنُ الْمُطْلَقُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَحْصُلُ بِالْإِذْنِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَنَظَائِرِهِمَا أَسْبَابٌ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ مُبَرِّئَةً عَنِ الضَّمَانِ، بَلْ إِنَّمَا ذَلِكَ هُوَ الْإِذْنُ الْمَخْصُوصُ الْحَاصِلُ فِي ضِمْنِ الْوَدِيعَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَا يُوَافِقُهُ عَلَى الْأَخْذِ بِهَذَا الْإِذْنِ الْمَخْصُوصِ، وَإِلَّا لَمَا ادَّعَى عَلَيْهِ سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ الْقَرْضُ.
وَأَمَّا تَوَافُقُهُمَا عَلَى مُطْلَقِ الْإِذْنِ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا فِي الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ ادِّعَاءَ الْمُقِرِّ مَا يُبَرِّئُهُ عَنِ الضَّمَانِ وَهُوَ الْإِذْنُ الْمَخْصُوصُ الْحَاصِلُ فِي ضِمْنِ الْوَدِيعَةِ وَإِنْكَارَ الْمُقِرِّ لَهُ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ: لَا بَاقِيَانِ بِعَيْنِهِمَا فِيمَا إِذَا قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ أَخَذْتَهَا قَرْضًا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ أَيْضًا يَدَّعِي سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ الْقَرْضُ وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُهُ.
وَإِذَا تَعَارَضَ دَعْوَاهُمَا وَإِنْكَارُهُمَا بَقِيَ إِقْرَارُ الْمُقِرِّ أَوَّلًا بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ الْأَخْذُ سَالِمًا عَنِ الدَّافِعِ، كَمَا فِيمَا إِذَا قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ أَخَذْتَهَا غَصْبًا فَلَمْ يَفْتَرِقَا افْتِرَاقًا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحَكَمِ، تَأَمَّلْ جِدًّا.
(وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ كَانَتْ لِي وَدِيعَةً عِنْدَ فُلَانٍ فَأَخَذْتُهَا) مِنْهُ. (فَقَالَ فُلَانٌ: هِيَ لِي فَإِنَّهُ)، أَيْ: فَإِنَّ فُلَانًا. (يَأْخُذُهَا) هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِهَا: (لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ الْمُقِرَّ. (أَقَرَّ بِالْيَدِ لَهُ)، أَيْ: لِفُلَانٍ. وَفِي الْكَافِي: وَأَقَرَّ بِالْأَخْذِ مِنْهُ وَالسَّبِيلُ فِي الْأَخْذِ الرَّدُّ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ. (وَادَّعَى اسْتِحْقَاقَهَا عَلَيْهِ)، أَيِ: ادَّعَى اسْتِحْقَاقَهُ الْأَلْفَ عَلَى فُلَانٍ بِقَوْلِهِ: كَانَتْ لِي وَدِيعَةً عِنْدَ فُلَانٍ. (وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ) مَعَ يَمِينِهِ. .
(وَلَوْ قَالَ: آجَرْتُ دَابَّتِي هَذِهِ فَلَانًا فَرَكِبَهَا وَرَدَّهَا) عَلَيَّ. (أَوْ قَالَ: آجَرْتُ ثَوْبِي هَذَا فُلَانًا فَلَبِسَهُ وَرَدَّهُ) عَلَيَّ. (وَقَالَ فُلَانٌ: كَذَبْتَ) بَلِ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ لِي. (فَالْقَوْلُ لَهُ)، أَيْ: لِلْمُقِرِّ. (وَهَذَا)، أَيْ: كَوْنُ الْقَوْلِ قَوْلُ الْمُقِرِّ. (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ) وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ هُنَا اسْتِحْسَانٌ وَقَوْلُهُمَا قِيَاسٌ، كَذَا قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الْقِيَاسُ)، أَيْ: قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُوَ الْقِيَاسُ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِيمَا بَعْدُ: وَجْهُ الْقِيَاسِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا كُلَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الدَّابَّةُ أَوِ الثَّوْبُ مَعْرُوفًا لِلْمُقِرِّ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا لَهُ كَانَ الْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا لِلْمُقِرِّ لَا يَكُونُ مُجَرَّدَ الْيَدِ فِيهِ لِغَيْرِهِ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ، وَذَكَرَ فِي الشُّرُوحِ. (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ)، أَيْ: عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ آنِفًا (الْإِعَارَةُ وَالْإِسْكَانُ) بِأَنْ قَالَ: أَعَرْتُ دَابَّتِي هَذِهِ فُلَانًا فَرَكِبَهَا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيَّ، أَوْ أَعَرْتُ ثَوْبِي هَذَا فُلَانًا فَلَبِسَهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيَّ، وَبِأَنْ قَالَ: أَسْكَنْتُ دَارِي هَذِهِ فُلَانًا ثُمَّ أَخْرَجَتُهُ مِنْهَا، فَقَالَ فُلَانٌ: كَذَبْتَ بَلِ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ وَالدَّارُ لِي.
(وَلَوْ قَالَ: خَاطَ فُلَانٌ ثَوْبِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضْتُهُ، وَقَالَ فُلَانٌ: الثَّوْبُ ثَوْبِي فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ) احْتُرِزَ بِهِ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الْقَوْلَ فِي هَذَا قَوْلُ الْمُقِرِّ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الْأُصُولِ، بَلْ قَالَ عَامَّةَ الْمَشَايِخِ: هُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْضًا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَجْهُ الْقِيَاسِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْوَدِيعَةِ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْيَدِ لَهُ وَادَّعَى
[ ٨ / ٣٧٦ ]
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ الْيَدَ فِي الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ ضَرُورِيَّةٌ تُثْبِتُ ضَرُورَةَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ، فَيَكُونُ عَدَمًا فِيمَا وَرَاءَ الضَّرُورَةِ فَلَا يَكُونُ إِقْرَارًا لَهُ بِالْيَدِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهَا مَقْصُودَةٌ، وَالْإِيدَاعُ إِثْبَاتُ الْيَدِ قَصْدًا فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ بِهِ اعْتِرَافًا بِالْيَدِ لِلْمُودِعِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِسْكَانِ أَقَرَّ بِيَدٍ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَتِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي كَيْفِيَّتِهِ. وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: كَانَتْ وَدِيعَةً، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْدَعْتُهَا
اسْتِحْقَاقَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ. (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْفَرْقُ) بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ (أَنَّ الْيَدَ فِي الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ ضَرُورِيَّةٌ)، يَعْنِي: أَنَّ الْيَدَ فِيهِمَا لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ بَلْ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ (تُثْبِتُ ضَرُورَةَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ فَتَكُونُ عَدَمًا)، أَيْ: فَتَكُونُ الْيَدُ مَعْدُومَةً (فِيمَا وَرَاءَ الضَّرُورَةِ)، فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ مَا يَثْبُتُ بِالضَّرُورَةِ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ، (فَلَا يَكُونُ)، أَيْ: فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ (إِقْرَارًا لَهُ)، أَيْ: لِلْمُقِرِّ لَهُ (بِالْيَدِ مُطْلَقًا)، أَيْ: مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ يَكُونُ إِقْرَارًا لَهُ بِالْيَدِ لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَقَطْ، فَلَا يَكُونُ مُقِرًّا بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ مُدَّعِيًا لِنَفْسِهِ (بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهَا مَقْصُودَةٌ)، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ الْحِفْظُ وَالْحِفْظُ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْيَدِ، (وَالْإِيدَاعُ إِثْبَاتُ الْيَدِ قَصْدًا فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ بِهِ)، أَيْ: بِالْإِيدَاعِ (اعْتِرَافًا بِالْيَدِ لِلْمُودِعِ).
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْإِيدَاعِ يَكُونُ اعْتِرَافًا بِالْيَدِ لِلْمُودِعِ مُطْلَقًا، أَيْ: مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي؛ حَيْثُ قَالَ: فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِالْوَدِيعَةِ إِقْرَارًا بِالْيَدِ لِلْمُقِرِّ لَهُ مُطْلَقًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ إِذِ الْإِيدَاعُ إِثْبَاتُ يَدِ الْمُحَافَظَةِ دُونَ إِثْبَاتِ يَدِ الْمَلِكِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْإِيدَاعِ إِقْرَارًا بِالْيَدِ مُطْلَقًا لِلْمُودِعِ؟ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ يَكُونُ اعْتِرَافًا بِيَدِ الْمُحَافَظَةِ لِلْمُودِعِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ بِهِ التَّقْرِيبُ، كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَوَجْهٌ آخَرُ) لِلِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ الْفَرْقُ (أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِسْكَانِ أَقَرَّ بِيَدٍ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَتِهِ)، أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْمُقِرِّ، (فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي كَيْفِيَّتِهِ)، أَيْ: فِي كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ الْيَدِ لَهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبَدٌ، وَقَالَ: هَذَا عَبْدِي بِعْتُهُ مِنْ فُلَانٍ وَلَمْ أُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ بَعْدُ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا بَلْ كَانَ عَبْدِي لَمْ أَشْتَرِهِ مِنْكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ لِهَذَا الْمَعْنَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ. وَكَمَا لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُ عَبْدِي هَذَا فُلَانًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضِ الثَّمَنَ فَلِي حَقُّ الْحَبْسِ كَانَ الْقَوْلُ لَهُ وَإِنْ زَعْمَ الْآخَرُ خِلَافَهُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَشَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ أَخْذًا مِنَ الْأَسْرَارِ، (وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ الْمُقِرَّ (قَالَ فِيهَا: كَانَتْ وَدِيعَةً، وَقَدْ تَكُونُ)، أَيِ: الْوَدِيعَةُ (مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ) كَاللُّقَطَةِ؛ فَإِنَّهَا وَدِيعَةٌ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ صَاحِبُهَا، وَكَذَا الثَّوْبُ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ فَأَلْقَتْهُ فِي دَارِ إِنْسَانٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَدِيعَةً عِنْدَ صَاحِبِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ صَاحِبُهُ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: هُنَا كَلَامٌ: أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الْإِيدَاعَ إِثْبَاتُ الْيَدِ قَصْدًا؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْيَدِ قَصْدًا يَقْتَضِي الصُّنْعَ. فَإِنْ قُلْتَ: مُرَادُهُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْمُقِرِّ لَا مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْمُودِعِ، وَكَوْنُ الْإِيدَاعِ إِثْبَاتُ الْيَدِ قَصْدًا إِنَّمَا يَقْتَضِي صُنْعَ الْمُودِعِ فَلَا مُنَافَاةَ. قُلْتُ: فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْمِثَالَانِ الْمَزْبُورَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ، وَذَكَرَ الثَّانِي صَاحِبُ الْكَافِي أَيْضًا؛ إِذْ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِي ثُبُوتِ يَدِ الْمُلْتَقِطِ فِي اللُّقَطَةِ وَفِى ثُبُوتِ يَدِ صَاحِبِ الدَّارِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي دَارِهِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ تَمْثِيلَ جُمْهُورِ الشُّرَّاحِ الْوَدِيعَةَ هَاهُنَا بِالْمِثَالَيْنِ الْمَزْبُورَيْنِ يُنَافِي مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، مِنْ أَنَّ الْوَدِيعَةَ هِيَ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْعَقْدِ وَالْقَصْدِ، وَالْأَمَانَةِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَقَصْدٍ، كَمَا إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ فِي ثَوْبِ إِنْسَانٍ فَأَلْقَتْهُ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ، وَوَجْهُ الْمُنَافَاةِ ظَاهِرٌ. (حَتَّى لَوْ قَالَ)، أَيِ: الْمُقِرُّ: (أَوْدَعَتُهَا
[ ٨ / ٣٧٧ ]
كَانَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَلَيْسَ مَدَارُ الْفَرْقِ عَلَى ذِكْرِ الْأَخْذِ فِي طَرَفِ الْوَدِيعَةِ وَعَدَمِهِ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَأُخْتَاهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْأَخْذَ فِي وَضْعِ الطَّرَفِ الْآخَرِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ اقْتَضَيْتُ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ أَوْ أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا ثُمَّ أَخَذْتُهَا مِنْهُ وَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا
كَانَ) جَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. (عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) الْمَذْكُورِ فِي مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِسْكَانِ.
أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَتَّضِحُ لَوْ كَانَتْ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ مَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَ فُلَانٍ بِدُونِ ذِكْرِ لَفْظَةِ لِي، وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَتُ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ كَانَتْ لِي وَدِيعَةً عِنْدَ فُلَانٍ فَيُشْكِلُ ذَلِكَ؛ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ لِي تُفِيدُ ثُبُوتَ الْيَدِ مِنْ جِهَتِهِ فَيَئُولُ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْدَعْتُهَا عِنْدَ فُلَانٍ.
(وَلَيْسَ مَدَارُ الْفَرْقِ عَلَى ذِكْرِ الْأَخْذِ فِي طَرَفِ الْوَدِيعَةِ وَعَدَمِهِ)، أَيْ: عَدَمُ ذِكْرِ الْأَخْذِ (فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَأُخْتَاهُ)، أَيِ: الْإِعَارَةُ وَالْإِسْكَانُ. قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: إِنَّمَا ذَكَرَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إِلَى الْإِجَارَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْعَقْدِ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا قَالَ: "وَأُخْتَاهُ"، وَلَمْ يَقُلْ: "وَأَخَوَاهُ" مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ الْإِسْكَانُ كَانَ مُذَكَّرًا، وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ يَغْلُبُ الْمُذَكَّرُ عَلَى الْمُؤَنَّثِ وَلَا يُعْكَسُ، أَمَّا عَلَى تَأْوِيلِهِمَا بِالصُّورَتَيْنِ أَوْ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا الرَّدُّ عَلَى الْإِمَامِ الْقُمِّيِّ فِيمَا ذَكَرَ مِنَ الْفَرْقِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا وَجَبَ الرَّدُّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: أَخَذْتُهَا مِنْهُ، فَيَجِبُ جَزَاؤُهُ، وَجَزَاءُ الْأَخْذِ الرَّدُّ.
وَقَالَ فِي الْإِجَارَةِ وَأُخْتَيْهَا: "فَرَدَّهَا عَلَيَّ"، فَكَانَ الِافْتِرَاقُ فِي الْحَكَمِ لِلِافْتِرَاقِ فِي الْوَضْعِ. وَقَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: هَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ لَفْظَ الْأَخْذِ فِي الْإِجَارَةِ وَأُخْتَيْهَا أَيْضًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْأَخْذَ فِي وَضْعِ الطَّرَفِ الْآخَرِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَيْضًا). بَقِيَ وَجْهٌ آخَرُ لِلْفَرْقِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَنُقِلَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ لَوْ أَخَذْنَا الْمُؤَجِّرَ وَالْمُعِيِرَ بِإِقْرَارِهِمَا امْتَنَعَ النَّاسُ عَنِ الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ فَلَا يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا اسْتِحْسَانًا كَيْلَا تَنْقَطِعَ الْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ، وَأَمَّا فِي الْوَدِيعَةِ فَمَنْفَعَةُ الْإِيدَاعِ تَعُودُ إِلَى الْمَالِكِ، فَلَوْ أَخَذَنَا الْمَالِكَ بِإِقْرَارِهِ لَا يَنْقَطِعُ الْإِيدَاعُ، انْتَهَى.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: تَعُودُ الْمَنْفَعَةُ فِي الْإِجَارَةِ أَيْضًا إِلَى الْمَالِكِ وَهُوَ الْمُؤَجِّرُ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا عَقْدُ تَبَرُّعٍ، فَتَعُودُ فِيهَا مَنْفَعَةُ الْأُجْرَةِ إِلَى الْمُؤَجِّرِ قَطْعًا، كَمَا يَعُودُ فِي الْإِيدَاعِ مَنْفَعَةُ الْحِفْظِ إِلَى الْمُودِعِ، فَلَمْ يَتِمَّ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ تَمَّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَسْأَلَةِ الْإِعَارَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مَنْفَعَةُ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ عَادَتْ فِي الْإِجَارَةِ إِلَى الْمُؤَجِّرِ لَكِنَّ مَنْفَعَةَ الدَّارِ وَنَحْوِهَا تَعُودُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَا يَقْدِرُ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا مُدَّةَ الْإِجَارَةِ فَيَتَضَرَّرُ بِهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بِخِلَافِ الْإِيدَاعِ؛ فَإِنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ لِلْمُودِعِ، فَافْتَرَقَا فِي الْجُمْلَةِ.
(وَهَذَا)، أَيِ: الَّذِي ذُكِرَ فِي الْإِجَارَةِ وَأُخْتَيْهَا (بِخِلَافٍ مَا إِذَا قَالَ: اقْتَضَيْتُ)، أَيْ: قَبَضَتُ (مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ أَوْ أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا ثُمَّ أَخَذْتُهَا مِنْهُ وَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ؛ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ)، أَيْ: قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ؛ (لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا)، لَا بِأَعْيَانِهَا؛ (وَذَلِكَ)، أَيْ: قَضَاءُ الدُّيُونِ بِأَمْثَالِهَا. (إِنَّمَا
[ ٨ / ٣٧٨ ]
يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ فَقَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ مُقَاصَّةً وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ، أَمَّا هَاهُنَا الْمَقْبُوضُ عَيْنُ مَا ادَّعَى فِيهِ الْإِجَارَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَافْتَرَقَا، لَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا زَرَعَ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ بَنَى هَذِهِ الدَّارَ أَوْ غَرَسَ هَذَا الْكَرْمَ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَادَّعَاهَا فُلَانٌ وَقَالَ الْمُقِرُّ لَا بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِي اسْتَعَنْتُ بِكَ فَفَعَلْتَ أَوْ فَعَلْتَهُ بِأَجْرٍ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِالْيَدِ وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ فِعْلٍ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مِلْكٍ فِي يَدِ الْمُقِرِّ وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ خَاطَ لِي الْخَيَّاطُ قَمِيصِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ قَبَضْتُهُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِالْيَدِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ لِمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مِنْهُ وَقَدْ يَخِيطُ ثَوْبًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ كَذَا هَذَا.
يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ)، أَيْ: بِقَبْضِ مَالٍ مَضْمُونٍ يَصِيرُ دَيْنًا عَلَى الدَّائِنِ ثُمَّ يَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ عَلَى الْمَدْيُونِ، (فَإِذَا أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، ثُمَّ ادَّعَى تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ بِمَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مُقَاصَّةً وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ، أَمَّا هَاهُنَا)، يَعْنِي فِي صُورَةِ الْإِجَارَةِ وَأُخْتَيْهَا (الْمَقْبُوضُ عَيْنُ مَا ادَّعَى فِيهِ الْإِجَارَةَ، وَمَا أَشْبَهَهَا فَافْتَرَقَا).
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَقَامِ: لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ، فَإِذَا أَقَرَّ بِاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ مِثْلَ هَذَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضِ مَالٍ مَضْمُونٍ، وَالْإِقْرَارُ بِقَبْضٍ مَالٍ مَضْمُونٍ إِقْرَارٌ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، ثُمَّ ادَّعَى تَمَلُّكَ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ مُقَاصَّةً وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ، أَمَّا هَاهُنَا، يَعْنِي: فِي صُورَةِ الْإِجَارَةِ وَأُخْتَيْهَا فَالْمَقْبُوضُ عَيْنُ مَا ادَّعَى فِيهِ الْإِجَارَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَافْتَرَقَا.
وَقَالَ: وَعَلَيْكَ بِتَطْبِيقِ مَا ذَكَرْنَا بِمَا فِي الْمَتْنِ لِيَظْهَرَ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِحُسْنِ التَّدَبُّرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَقُولُ: لَا يَظْهَرُ لِذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ بِتَطْبِيقِ مَا ذَكَرَهُ بِمَا فِي الْمَتْنِ وَيَتَدَبَّرُ فِيهِ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ يَظْهَرُ لَهُ نَوْعُ اخْتِلَالٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا أَقَرَّ بِاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ مِثْلِ الدَّيْنِ لَيْسَ عَيْنَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَإِذَا أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ فَقَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ؛ لِاخْتِلَافِ تَالِيهِمَا، فَلَا يَقْتَضِي تَقْدِيمُ ذَاكَ تَقْدِيمَ هَذَا، كَيْفَ وَلَوْ قُدِّمَ هَذَا وَوِضَعَ مَوْضِعَ ذَاكَ، فَقِيلَ: لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، فَإِذَا أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ فَقَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ لَمْ يَتِمَّ التَّفْرِيعُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْفَاءِ فِي فَإِذَا أَقَرَّ، مِثْلُ مَا تَمَّ فِي تَقْدِيمِ ذَاكَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الذَّوْقُ الصَّحِيحُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ عَلَّلَ قَوْلَهُ: فَإِذَا أَقَرَّ بِاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ فَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ مِثْلِ الدَّيْنِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضِ مَالٍ مَضْمُونٍ، وَالْإِقْرَارُ بِقَبْضِ مَالٍ مَضْمُونٍ إِقْرَارٌ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالِاقْتِضَاءِ إِقْرَارٌ بِسَبَبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ إِقْرَارٌ بِقَبْضِ مِثْلِ الدَّيْنِ، كَمَا هُوَ الْمُدَّعَى.
(وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا زَرْعَ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ بَنَى هَذِهِ الدَّارَ أَوْ غَرَسَ هَذَا الْكَرْمَ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ)، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ. (فَادَّعَاهَا)، أَيْ: فَادَّعَى الْأَرْضَ وَالدَّارَ وَالْكَرْمَ؛ (فُلَانٌ) لِنَفْسِهِ، (وَقَالَ الْمُقِرُّ: لَا بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِيَ اسْتَعَنْتُ بِكَ) عَلَى الزِّرَاعَةِ أَوِ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرْسِ، (فَفَعَلْتُ أَوْ فَعَلْتُهُ بِأَجْرٍ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ)، هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْمَبْسُوطِ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ تَفْرِيعًا، وَقَالَ فِي تَعْلِيلِهَا: (لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ الْمُقِرَّ (مَا أَقَرَّ لَهُ)، أَيْ: لِفُلَانٍ (بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ فِعْلٍ مِنْهُ)، أَيْ: مِنْ فُلَانٍ.
(وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ)، أَيِ: الْفِعْلُ مِنَ الْغَيْرِ (فِي يَدِ الْمُقِرِّ)، يَعْنِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِمُجَرَّدِ فِعْلٍ مِنَ الْغَيْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْمُعَيَّنِ وَالْأَجِيرِ وَالْعَيْنُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا. (وَصَارَ)، أَيْ: صَارَ حُكْمُ هَذَا (كَمَا إِذَا قَالَ: خَاطَ لِيَ الْخَيَّاطُ قَمِيصِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ: قَبَضْتُهُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِالْيَدِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ لِمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مِنْهُ)، أَيْ: مِنَ الْخَيَّاطِ. (وَقَدْ يَخِيطُ ثَوْبًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ كَذَا هَذَا)، أَيْ: كَذَا حُكْمُ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَحَصَلَ
[ ٨ / ٣٧٩ ]