(وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِالصُّلْحِ عَنْهُ فَصَالَحَ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ مَا صَالَحَ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَهُ،
إِنَّ هَذَا اعْتِيَاضٌ عَنِ الثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ حَقًّا لِلْمَالِكِ مِثْلَ الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ عُدْوَانٍ، فَيَكُونُ مُقَيَّدًا بِالْمِثْلِ. وَالْمِثْلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى؛ وَلِهَذَا كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ فِي غَيْرِ الثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ، نَحْوَ الْمُكَيَّلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَإِيجَابُ الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ فِي الذِّمَّةِ مُمْكِنٌ، كَمَا فِي النِّكَاحِ وَالدِّيَةِ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الْأَخْذِ يُصَارُ إِلَى الْقِيمَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ أَخْذَ الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى غَيْرُ مُمْكِنٍ إِلَّا بِسَابِقَةِ التَّقْوِيمِ، وَالْآخِذُ وَالدَّافِعُ لَا يَعْرِفَانِ ذَلِكَ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنَ التَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِذَلِكَ، فَصَحَّ مَا ادَّعَيْنَا أَنَّ هَذَا اعْتِيَاضٌ عَنِ الثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ، فَيَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، انْتَهَى.
وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّهُ بَعْدَ مَا نَظَرَ إِلَى النِّهَايَةِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبِرَاتِ وَاطَّلَعَ عَلَى مَا فِيهَا كَيْفَ وَقَعَ فِي تِلْكَ الْوَرْطَةِ؟ ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمِثْلِيَّ إِذَا انْقَطَعَ حُكْمُهُ كَالْقِيمِيِّ لَا يُنْتَقَلُ فِيهِ إِلَى الْقِيمَةِ إِلَّا بِالْقَضَاءِ فَقَبِلَهُ إِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْأَكْثَرِ كَانَ اعْتِيَاضًا فَلَا يَكُونُ رِبًا بِخِلَافِ الصُّلْحِ بَعْدَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الْقِيمَةِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: عُذْرُهُ أَقْبَحُ مِنْ ذَنْبِهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ هَاهُنَا لَيْسَ بِصَدَدِ بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تُفِيدَ إِشَارَتُهُ إِلَى اشْتِرَاكِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْحُكْمِ شَيْئًا، بَلْ هُوَ هَاهُنَا فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصُّلْحِ عَنِ الثَّوْبِ الْمُسْتَهْلَكِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُفِدِ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُدَّعِي بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْمُدَّعِي فِي الْقِيمِيِّ، وَكَوْنِ الدَّلِيلِ مَخْصُوصًا بِالْمِثْلِيِّ، كَمَا زَعَمَهُ لَا يُتِمُّ الْمَطْلُوبُ، فَيَخْتَلُّ الْكَلَامُ لِعَدَمِ إِيفَائِهِ حَقَّ الْمَقَامِ، وَلَا تُجْدِي الْإِشَارَةُ إِلَى أَمْرٍ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الصَّدَدِ نَفْعًا، كَمَا لَا يَخْفَى.
(بَابُ التَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ)
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لِمَا كَانَ تَصَرُّفُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ أَصْلًا قَدَّمَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ لِمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَمَلِ لِغَيْرِهِ مُتَبَرِّعٌ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ هَاهُنَا مُجَرَّدَ التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ لَكَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ مُسْتَدْرِكًا لِتَنَاوُلِ التَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ بِمَعْنَى مُجَرَّدِ التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ مَا حَصَلَ بِالتَّوْكِيلِ بِهِ أَيْضًا، فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ هَاهُنَا هُوَ الصُّلْحُ عَنْ آخَرَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَبِالتَّوْكِيلِ بِهِ هُوَ الصُّلْحُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، وَكِلْتَا الصُّورَتَيْنِ مَذْكُورَتَانِ فِي هَذَا الْبَابِ فَيَسْلَمُ مَا ذُكِرَ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ عَنْ الِاسْتِدْرَاكِ. بَقِيَ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالصُّلْحِ فِعْلُ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَتِمُّ وَجْهُ التَّقْدِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِالنَّظَرِ
[ ٨ / ٤٢٢ ]
وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ) وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ أَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ بَعْضِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ فَكَانَ الْوَكِيلُ فِيهِ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ هُوَ مُؤَاخَذٌ بِعَقْدِ الضَّمَانِ لَا بِعَقْدِ الصُّلْحِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إِلَى الْوَكِيلِ فَيَكُونُ الْمُطَالِبُ بِالْمَالِ هُوَ الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ.
إِلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْعُنْوَانِ: وَالتَّوْكِيلِ بِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّوْكِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْعُنْوَانِ مُصْدَرٌ مِنَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التَّوَكُّلِ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ لِلْغَيْرِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ وَالتَّوَكُّلُ بِهِ بَدَلَ قَوْلُهُ: وَالتَّوْكِيلُ بِهِ، حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى الْبَيَانِ بِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. قُلْتُ: فَائِدَةُ التَّعْبِيرِ عَنِ التَّوَكُّلِ بِالتَّوْكِيلِ هِيَ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّوَكُّلَ الْحَاصِلَ بِالتَّوْكِيلِ وَهُوَ التَّوَكُّلُ بِأَمْرِ الْغَيْرِ الَّذِي هُوَ الْمُوَكِّلُ، لَا الْمُبَاشَرَةُ بِنَفْسِهِ بِدُونِ أَمْرِ الْغَيْرِ، وَهُوَ التَّبَرُّعُ بِالصُّلْحِ، فَيَنْدَفِعُ بِهِ تَوَهَّمُ الِاسْتِدْرَاكِ، تَأْمَّلْ؛ فَإِنَّهُ مَعْنًى لَطِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: وَالْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَاللَّامُ فِي لِلْمُوَكِّلِ بِمَعْنَى عَلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أَيْ: فَعَلَيْهَا. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ؛ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ، أَيْ: عَلَى الْمُوَكِّلِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أَيْ: فَعَلَيْهَا، انْتَهَى. ٥٠ أَقُولُ: لَا وَجْهَ لِحَمْلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى مَعْنَى "عَلَى"؛ لِأَنَّ لِلْمُوَكِّلِ مُتَعَلِّقٌ بِلَازِمٍ، وَكَلِمَةُ اللُّزُومِ تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا وَبِالْبَاءِ، يُقَالُ: لَزِمَهُ وَلَزِمَ بِهِ، وَلَا تَتَعَدَّى بِعَلَى، فَلَوْ جَعَلَ اللَّامَ هُنَا بِمَعْنَى عَلَى لَزِمَ تَعْدِيَةُ اللُّزُومِ بِعَلَى، وَلَمْ تُسْمَعْ قَطُّ، فَالصَّحِيحُ أَنْ تَبْقَى اللَّامُ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَلَى حَالِهَا، وَيَكُونُ إِقْحَامُهَا لِتَقْوِيَةِ الْعَمَلِ، فَالْمَعْنَى وَالْمَالُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وَإِدْخَالُ اللَّامِ عَلَى مَعْمُولِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ بِأَنْفُسِهَا لِتَقْوِيَةِ الْعَمَلِ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي " فَلَهَا " هُنَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، كَمَا لَا يَخْفَى، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةً عَلَى صِلَةٍ لَهُ، فَلَا ضَيْرَ فِي أَنْ يَحْمِلَ اللَّامِ هُنَاكَ عَلَى مَعْنَى عَلَى، تَأَمَّلْ تَقَفَّ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ أَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ بَعْضِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ … إِلَخْ). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ لَا يَكْفِي لِتَأْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ فِيهِ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَا يَجِبُ بَدَلَ الصُّلْحِ عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ الصُّلْحِ فِي الْعَقَارِ: وَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ فِي دَارِ رَجُلٍ حَقًّا فَصَالَحَهُ عَنْهُ آخَرُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَلَا يَجِبُ الْمَالُ عَلَى الْمُصَالِحِ إِلَّا أَنْ يُضَمِّنَهُ الَّذِي صَالَحَهُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ مُعَاوَضَةٌ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ بِجُعْلٍ وَالْعَفْوِ عَنِ الْقَصَّاصِ بِمَالٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، كَمَا يَجُوزُ مَعَ الْخَصْمِ، انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَكْفِي لِتَأْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَيْدٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ عَلَى الْإِنْكَارِ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:
[ ٨ / ٤٢٣ ]
قَالَ (وَإِنْ صَالَحَ رَجُلٌ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إِنْ صَالَحَ بِمَالٍ وَضَمِنَهُ تَمَّ الصُّلْحُ) لِأَنَّ الْحَاصِلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ إِلَّا الْبَرَاءَةَ وَفِي حَقِّهَا هُوَ وَالْأَجْنَبِيُّ سَوَاءٌ، فَصُلْحٌ أَصِيلًا فِيهِ إِذَا ضَمِنَهُ، كَالْفُضُولِيِّ بِالْخُلْعِ إِذَا ضَمِنَ الْبَدَلَ، وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بِأَمْرِهِ وَلَا يَكُونُ لِهَذَا الْمُصَالِحِ شَيْءٌ مِنَ الْمُدَّعَى، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ لِأَنَّ تَصْحِيحَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ مُقِرًّا أَوْ مُنْكِرًا (وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ صَالَحْتُكَ عَلَى أَلْفَيِّ هَذِهِ أَوْ عَلَى عَبْدِي هَذَا صَحَّ الصُّلْحُ وَلَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهُ إِلَى مَالِ نَفْسِهِ فَقَدِ الْتَزَمَ تَسْلِيمَهُ فَصَحَّ الصُّلْحُ (وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ وَسَلَّمَهَا) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ إِلَيْهِ يُوجِبُ سَلَامَةَ الْعِوَضِ لَهُ فَيَتِمُّ الْعَقْدُ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ (وَلَوْ قَالَ صَالَحْتُكَ عَلَى أَلْفٍ فَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَازَ وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَطَلَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ إِنَّمَا هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْخُصُومَةِ حَاصِلٌ لَهُ، إِلَّا أَنَّ الْفُضُولِيَّ يَصِيرُ أَصِيلًا بِوَاسِطَةِ إِضَافَةِ الضَّمَانِ إِلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا لَمْ يُضِفْهُ بَقِيَ عَاقِدًا مِنْ جِهَةِ الْمَطْلُوبِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ: وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ صَالَحْتُكَ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَهُ لِلتَّسْلِيمِ صَارَ شَارِطًا سَلَامَتَهُ لَهُ فَيَتِمُّ بِقَوْلِهِ. وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْمُصَالِحِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْإِيفَاءَ مِنْ مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا سِوَاهُ، فَإِنْ سَلِمَ الْمَحَلُّ لَهُ تَمَّ الصُّلْحُ، وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ وَضَمِنَهَا وَدَفَعَهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ، أَوْ وَجَدَهَا زُيُوفًا؛ حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَصِيلًا فِي حَقِ الضَّمَانِ؛ وَلِهَذَا يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا سَلَّمَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِبَدَلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
أَمَّا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إِلَى الْوَكِيلِ مِنْ تَتِمَّةِ تَأْوِيلِهِ. وَمَقْصُودُهُ مِنْهُ تَعْمِيمُ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ لِكُلِّ مَا لَمْ يَكُنِ الصُّلْحُ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَا تَرْجِعُ الْحُقُوقُ إِلَى الْوَكِيلِ بَلْ تَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، كَمَا ذَكَرَ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ. وَفَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي ابْتِدَاءِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالصُّلْحُ عَلَى بَعْضِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ لَا بِطْرِيقِ تَخْصِيصِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِجَرَيَانِهِ قَطْعًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، كَالصُّلْحِ عَنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَالصُّلْحُ عَنْ كُلِّ عَقْدٍ يَكُونُ الْوَكِيلُ فِيهِ سَفِيرًا مَحْضًا كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدَ فُهِمَ دُخُولُ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فِي جَوَابِ هَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ؛ إِذْ قَدْ تَحَقَّقَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِمَا فَلَمْ يَكُنِ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ صُلْحًا عَنْ مَالٍ بِمَالٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ مُعَاوَضَةٌ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ بِجُعْلٍ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْقَصَّاصِ بِمَالٍ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ الْوِكَالَةُ مِنْ قِبَلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَتَمَّ الْمَطْلُوبُ بِدُونِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّصْرِيحِ بِقَيْدٍ آخَرَ، تَفَكَّرْ.
[ ٨ / ٤٢٤ ]