قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْبَيْعِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَمَنًا وَادَّعَى الْبَائِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ اعْتَرَفَ الْبَائِعُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَبِيعِ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْهُ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ قَضَى لَهُ بِهَا) لِأَنَّ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ وَلَا تَعَارُضَ فِي الزِّيَادَةِ (وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى فِي الثَّمَنِ وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَوْلَى فِي الْمَبِيعِ) نَظَرًا إلَى زِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ.
بَابُ التَّحَالُفِ)
لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ يَمِينِ الْوَاحِدِ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ يَمِينِ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ طَبْعًا فَرَاعَاهُ فِي الْوَضْعِ لِيُنَاسِبَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْبَيْعِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمُشْتَرِي (ثَمَنًا) بِأَنْ قَالَ مَثَلًا: اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةٍ (وَادَّعَى الْبَائِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ) بِأَنْ قَالَ: بِعْتُهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ (أَوْ اعْتَرَفَ الْبَائِعُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَبِيعِ) بِأَنْ قَالَ مَثَلًا: الْمَبِيعُ كُرٌّ مِنْ الْحِنْطَةِ (وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْهُ) بِأَنْ قَالَ: هُوَ كُرَّانِ مِنْ الْحِنْطَةِ. وَالْحَاصِلُ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَوْ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ (فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ (لِأَنَّ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُوجِبُ مِنْهُ الْحُكْمَ عَلَى الْقَاضِي وَمُجَرَّدُ الدَّعْوَى لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ) أَيْ وُضِعَتْ فِي الشَّرْعِ لِلْإِثْبَاتِ فَكُلُّ مَا كَانَ أَكْثَرَ إثْبَاتًا كَانَ أَوْلَى (وَلَا تَعَارُضَ فِي الزِّيَادَةِ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُثْبِتَةَ لِلْأَقَلِّ لَا تَتَعَرَّضُ لِلزِّيَادَةِ، فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: الْبَيِّنَةُ الَّتِي تُثْبِتُ الْأَقَلَّ تَنْفِي الزِّيَادَةَ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ أَنَّ كُلَّ الثَّمَنِ هَذَا الْقَدْرُ. قُلْت: الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ تُثْبِتُهَا قَصْدًا وَتِلْكَ لَا تَنْفِيهَا قَصْدًا فَكَانَتْ الْأُولَى أَوْلَى لِمَا قَامَتْ بَيْنَهَا مُعَارَضَةٌ انْتَهَى. أَقُولُ: جَوَابُهُ هَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِظَاهِرِ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ انْتِفَاءُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الزِّيَادَةِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ تَحَقُّقُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا فِي الزِّيَادَةِ مَعَ رُجْحَانِ الْبَيِّنَةِ الْمُثْبِتَةِ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْبَيِّنَةِ النَّافِيَةِ لَهَا فَتَأَمَّلْ (وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا) بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ مَثَلًا: بِعْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْتَنِيهَا وَهَذَا الْعَبْدُ مَعَهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَأَقَامَا بَيِّنَةً (فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى فِي الثَّمَنِ وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَوْلَى فِي الْمَبِيعِ نَظَرًا إلَى زِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ) فَالْجَارِيَةُ وَالْعَبْدُ جَمِيعًا لِلْمُشْتَرِي بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ.
[ ٨ / ٢٠٥ ]
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَرْضَى بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ، وَقِيلَ لِلْبَائِعِ إمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ، وَهَذِهِ جِهَةٌ فِيهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْضَيَانِ بِالْفَسْخِ فَإِذَا عَلِمَا بِهِ يَتَرَاضَيَانِ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا اسْتَحْلَفَ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى الْآخَرِ)
وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ: يَقْضِي لِلْمُشْتَرِي بِمِائَةِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِجَارَاتِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا: أَيْ فِي قَدْرِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةٌ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى قَوْلِهِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِعَبْدِك هَذَا وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهَا مِنْك بِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِالْعَبْدِ وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ دُونَ حَقِّ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي فِي الْجَارِيَةِ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ فَبَيِّنَتُهُ عَلَى حَقِّهِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِبَيِّنَتِهِ الْحَقُّ لِنَفْسِهِ فِي الْعَبْدِ وَالْمُشْتَرِي يَنْفِي ذَلِكَ وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ.
أَقُولُ: فِي التَّعْلِيلِ الثَّانِي بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَبِالْمُعَارَضَةِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ الْحَقَّ لِلْبَائِعِ فِي مِائَةِ دِينَارٍ وَالْبَائِعُ يَنْفِي ذَلِكَ، وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَبِالنَّقْضِ، فَإِنَّهُ لَوْ سَلِمَ هَذَا التَّعْلِيلُ لَأَفَادَ عَدَمَ قَبُولِ بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَيْضًا، إذْ حِينَئِذٍ يَنْفِي الْمُشْتَرِي أَيْضًا بِبَيِّنَتِهِ حَقَّ الْبَائِعِ فِيمَا ادَّعَاهُ، وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ بِهَا قَطْعًا. وَأَمَّا ثَالِثًا فَبِالْمَنْعِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْفِي بِبَيِّنَتِهِ مَا يُثْبِتُهُ الْبَائِعُ بَلْ هُوَ يُثْبِتُ بِهَا مَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ كَوْنُ حَقِّ الْبَائِعِ فِي مِائَةِ دِينَارٍ وَيَسْكُتُ عَمَّا يُثْبِتُهُ الْبَائِعُ وَهُوَ كَوْنُ حَقِّهِ فِي الْعَبْدِ، فَإِنْ حَصَلَ مِمَّا يُثْبِتُهُ الْمُشْتَرِي نَفْيَ مَا يُثْبِتُهُ الْبَائِعُ فَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّبَعِ وَالتَّضَمُّنِ لَا بِالْأَصَالَةِ وَالْقَصْدِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي كَوْنَ وَضْعِ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي) أَيْ يَقُولُ الْحَاكِمُ لِلْمُشْتَرِي: (إمَّا أَنْ تَرْضَى بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ، وَقِيلَ لِلْبَائِعِ) أَيْ وَيَقُولُ لِلْبَائِعِ: (إمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ) أَيْ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِ الْأَسْبَابِ (قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ) وَدَفْعُ الْخُصُومَةِ (وَهَذَا جِهَةٌ فِيهِ) أَيْ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُشْتَرِي جِهَةٌ فِي قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ (لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْضَيَانِ) أَيْ الْمُتَبَايِعَانِ (بِالْفَسْخِ فَإِذَا عَلِمَا بِهِ) أَيْ بِالْفَسْخِ (يَتَرَاضَيَانِ بِهِ) أَيْ بِمُدَّعِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَمَا أَنَّ مَا ذُكِرَ جِهَةٌ فِي قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ كَذَلِكَ عَكْسُ ذَلِكَ جِهَةٌ فِيهِ بِأَنْ يُقَالَ لِلْبَائِعِ: إمَّا أَنْ تَرْضَى بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ، وَأَنْ يُقَالَ لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَقْبَلَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الْبَائِعُ مِنْ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ. وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ قَطْعَ الْمُنَازَعَةِ كَمَا يُمْكِنُ بِأَنْ يُكَلِّفَ مُدَّعِي الْأَقَلِّ بِالرِّضَا بِالْأَكْثَرِ يُمْكِنُ أَيْضًا بِعَكْسِهِ، وَهُوَ أَنْ يُكَلِّفَ مُدَّعِيَ الْأَكْثَرِ بِالرِّضَا بِالْأَقَلِّ، فَمَا الرُّجْحَانُ فِي اخْتِيَارِهِمْ الْجِهَةَ الْمَذْكُورَةَ دُونَ عَكْسِهَا فَتَأَمَّلْ (فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا اسْتَحْلَفَ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى الْآخَرِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ
[ ٨ / ٢٠٦ ]
وَهَذَا التَّحَالُفُ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِيَ يُنْكِرُهُ، وَالْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِمَا نَقَدَ وَالْبَائِعَ يُنْكِرُهُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ؛ فَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا لِأَنَّ الْمَبِيعَ سَالِمٌ لَهُ فَبَقِيَ دَعْوَى الْبَائِعِ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهَا فَيُكْتَفَى بِحَلِفِهِ،
فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا: أَيْ بِأَنْ يُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا يَدَّعِي صَاحِبُهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ، لِأَنَّ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا دُونَ الصُّورَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، إذْ قَدْ مَرَّ فِي الْكِتَابِ أَنَّ صُورَةَ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا ثَمَنًا وَيَدَّعِيَ الْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَأَنَّ صُورَةَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَبِيعِ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا قَدْرًا مِنْ الْمَبِيعِ وَيَدَّعِيَ الْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَلَوْ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مَا يَدَّعِي صَاحِبُهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَزِمَ إعْطَاءُ الثَّمَنَيْنِ مَعًا أَوْ إعْطَاءُ الْمَبِيعَيْنِ مَعًا وَهَذَا خَلَفٌ. وَلَا يُخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا حُكْمٌ عَامٌّ لِلصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ، وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: أَيْ إنْ لَمْ يَتَرَاضَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي: يَعْنِي لَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَبِيعِ وَلَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي بِمَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ يَسْتَحْلِفُ الْقَاضِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا قُصُورٌ، لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا لَا يَجْرِي إلَّا فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ، فَلَا يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا فِي الْحُكْمِ الْعَامِّ لِلصُّوَرِ الثَّلَاثِ كُلِّهَا. وَأَمَّا سَائِرُ الشُّرَّاحِ فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا هَاهُنَا لِلشَّرْحِ وَالْبَيَانِ. فَالْحَقُّ عِنْدِي فِي شَرْحِ الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ: أَيْ إنْ لَمْ يَتَرَاضَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَدَّعِيهِ أَحَدُهُمَا كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَالصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، أَوْ مِمَّا يَدَّعِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ اسْتَحْلَفَ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى الْآخَرِ، فَحِينَئِذٍ يَجْرِي مَعْنَى الْكَلَامِ وَفَحْوَى الْمَقَامِ فِي كُلِّ صُورَةٍ كَمَا تَرَى (وَهَذَا التَّحَالُفُ قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِيَ يُنْكِرُهُ) أَيْ يُنْكِرُ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ (وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِمَا نَقَدَ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ (فَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا لِأَنَّ الْمَبِيعَ سَالِمٌ لَهُ فَبَقِيَ دَعْوَى الْبَائِعِ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهَا فَيُكْتَفَى بِحَلِفِهِ) أَيْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُكْتَفَى بِحَلِفِهِ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا لَمْ يَدَّعِ الْمُشْتَرِي شَيْئًا فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ بَيِّنَتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا أَقَامَهَا، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا قَبْلُ: فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ فَقَضَى لَهُ بِهَا. قُلْت: الْمُرَادُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا ادِّعَاءً مَعْنَوِيًّا فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مُدَّعِيًا ادِّعَاءً صُورِيًّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَبَيِّنَةُ الْمُدَّعِي صُورَةٌ تُسْمَعُ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ كَمَا إذَا ادَّعَى الْمُودِعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا مَرَّ.
لَا يُقَالُ: إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُدَّعِيًا صُورَةً فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ يَكُونُ الْبَائِعُ مُنْكِرًا لِمَا ادَّعَاهُ صُورَةً فَيَصِيرُ التَّحَالُفُ هَاهُنَا أَيْضًا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ. لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَحْلِيفِ الْمُنْكِرِ الصُّورِيِّ، بَلْ إنَّمَا الْيَمِينُ إيذَاءٌ عَلَى الْمُنْكِرِ الْحَقِيقِيِّ، بِخِلَافِ الْمُدَّعِي الصُّورِيِّ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ مِنْهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا. وَلَك أَنْ تَقُولَ فِي الْجَوَابِ عَنْ أَصْلِ السُّؤَالِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبُولُ بَيِّنَتِهِ فِيهِ لِدَفْعِ الْيَمِينِ عَنْهُ لَا لِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا، وَهَذَا أَيْ قَبُولُ الْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي لِدَفْعِ الْيَمِينِ كَثِيرٌ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ يَعْرِفُهُ مَنْ يَتَتَبَّعُ الْكُتُبَ، وَهَذَا الْوَجْهُ مِنْ
[ ٨ / ٢٠٧ ]
لَكِنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا».
(وَيَبْتَدِئُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي) وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَشَدُّهُمَا إنْكَارًا لِأَنَّهُ يُطَالِبُ أَوَّلًا بِالثَّمَنِ
الْجَوَابِ هُوَ الْأَوْفَقُ لِمَا رَأَيْنَاهُ حَقًّا فِي شَرْحِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ مِنْ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الدَّعْوَى فَتَذَكَّرْ. أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِكَلِمَةِ هَذَا فِي قَوْلِهِ وَهَذَا التَّحَالُفُ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ الْإِشَارَةَ إلَى مَا فِي صُورَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ فَقَطْ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَاتِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اخْتِصَاصِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ إلَخْ بِتِلْكَ الصُّورَةِ فَلَا يَخْلُو الْكَلَامُ عَنْ الرَّكَاكَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ أَبْعَدُ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، فَالْإِشَارَةُ إلَى مَا فِيهَا بِلَفْظِ الْقَرِيبِ بَعِيدٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ: أَعْنِي كَوْنَ التَّحَالُفِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ وَبَعْدَهُ عَلَى خِلَافِهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، بَلْ هُوَ جَارٍ أَيْضًا فِي صُورَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَبِيعِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي فِيهَا قَبْلَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ زِيَادَةَ الْمَبِيعِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ، وَالْبَائِعُ يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِمَا اعْتَرَفَ مِنْ الْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ. وَأَمَّا بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ فَلَا يَدَّعِي عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا لِأَنَّ الثَّمَنَ سَالِمٌ لَهُ. بَقِيَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي فِي زِيَادَةِ الْمَبِيعِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ فَيَكْتَفِي بِحَلِفِهِ، وَلَقَدْ أَفْصَحَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ عَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ حَيْثُ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَهَذَا إذَا كَانَ قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فَظَاهِرٌ وَهُوَ قِيَاسٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقَابِضَ مِنْهُمَا لَا يَدَّعِي شَيْئًا عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ مَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ انْتَهَى.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ مَخْصُوصًا بِتِلْكَ الصُّورَةِ لَمْ يَظْهَرْ لِتَخْصِيصِ الْإِشَارَةِ إلَى مَا فِيهَا وَجْهٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْإِشَارَةَ إلَى جِنْسِ التَّحَالُفِ فَلَا يَخْلُو الْمَقَامُ عَنْ الرَّكَاكَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى أَيْضًا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ لَفْظَ هَذَا يَصِيرُ حِينَئِذٍ زَائِدًا، لَا مَوْقِعَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ إلَخْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ أَخَصَّ مِنْ الْمُدَّعِي.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي وَكَثِيرًا مِنْ الثِّقَاتِ تَرَكُوا كَلِمَةَ هَذَا فِي بَيَانِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَيْضًا فِي دَلِيلِ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ بَعْضَ الْقَبْضِ مَا يَخْتَصُّ بِصُورَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ فَقَطْ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْكُلِّ بِعِنَايَةٍ فَتَأَمَّلْ (وَلَكِنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ فَيُكْتَفَى بِحَلِفِهِ. يَعْنِي كَانَ الْقِيَاسُ فِي صُورَةِ الِاخْتِلَافِ بَعْدَ الْقَبْضِ أَنْ يُكْتَفَى بِحَلِفِ الْمُشْتَرِي لَكِنَّا عَرَفْنَا التَّحَالُفَ بِالنَّصِّ (وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا») قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَإِنْ كَانَ فَكَذَلِكَ لِعُمُومِ الْمَشْهُورِ أَوْ يَتَعَارَضَانِ وَلَا تَرْجِيحَ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ عَنْهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ تُرَجَّحُ عَلَى إشَارَةِ النَّصِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ رَاجِحًا عَلَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ عَلَى اسْتِحْلَافِ الْمُدَّعِي أَيْضًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ فَلَا يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْلَافِ الْمُدَّعِي مُطْلَقًا، بَلْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِإِشَارَتِهِ حَيْثُ يُفْهَمُ مِنْ تَقْسِيمِ الْحُجَّتَيْنِ لِلْخَصْمَيْنِ أَوْ مِنْ جَعْلِ جِنْسِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكَرَيْنِ كَمَا بَيَّنَ فِيمَا مَرَّ فَهُوَ إذَنْ مَرْجُوعٌ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَيَبْتَدِئُ) أَيْ الْقَاضِي (بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا سَيَجِيءُ (لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَشَدُّهُمَا إنْكَارًا لِأَنَّهُ يُطَالِبُ أَوَّلًا بِالثَّمَنِ) فَهُوَ الْبَادِئُ بِالْإِنْكَارِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِنْكَارِ دُونَ شِدَّتِهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالشِّدَّةِ التَّقَدُّمَ وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ فِي الْإِنْكَارِ تَقَدَّمَ فِي الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَدَارَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى كَوْنِ الْبَادِي أَظْلَمُ لِكَوْنِهِ مُنْشَأً لِلثَّانِي أَيْضًا فَيَكُونُ أَشَدَّ كَمَا يَكُونُ أَقْدَمَ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَدَارُهُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمَّا كَانَ مُطَالَبًا أَوَّلًا بِالثَّمَنِ كَانَ مُنْكِرًا لِلشَّيْئَيْنِ أَصْلُ
[ ٨ / ٢٠٨ ]
وَلِأَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فَائِدَةَ النُّكُولِ وَهُوَ إلْزَامُ الثَّمَنِ، وَلَوْ بُدِئَ بِيَمِينِ الْبَائِعِ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى زَمَانِ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا: يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ» خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وَأَقَلُّ فَائِدَتِهِ التَّقْدِيمُ.
الْوُجُوبِ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ فَكَانَ أَشَدَّ إنْكَارًا، وَعِنْدَ هَذَيْنِ الْمَحْمَلَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ لِإِجْرَاءِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الْأَشَدِّ عَلَى الْأَقْدَمِ تَجَوُّزًا مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا (وَلِأَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فَائِدَةَ النُّكُولِ) أَيْ بِالِابْتِدَاءِ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي (وَهُوَ) أَيْ فَائِدَةُ النُّكُولِ إلْزَامُ الثَّمَنِ ذَكَرَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إلَى الْفَائِدَةِ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ وَهُوَ (إلْزَامُ الثَّمَنِ) أَوْ بِتَأْوِيلِ الْفَائِدَةِ بِالنَّفْعِ (وَلَوْ بُدِئَ بِيَمِينِ الْبَائِعِ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى زَمَانِ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ يُؤَخَّرُ إلَى زَمَانِ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: امْسِكْ الْمَبِيعَ إلَى أَنْ تَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ فَكَانَ تَقْدِيمُ مَا تَتَعَجَّلُ فَائِدَتُهُ أَوْلَى، كَذَا فِي الْكَافِي (وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ أَوَّلًا: يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ) وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى وَفِي جَامِعِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا (لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ») وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﵊ (خَصَّهُ بِالذِّكْرِ) أَيْ خَصَّ الْبَائِعَ بِالذِّكْرِ حَيْثُ قَالَ: فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ (وَأَقَلُّ فَائِدَتِهِ) أَيْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ (التَّقْدِيمُ) يَعْنِي أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْبَائِعِ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِيَمِينِهِ، فَإِذَا كَانَ لَا يُكْتَفَى بِيَمِينِهِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِهِ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ جَوَابًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّمَا خَصَّ الْبَائِعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ يَمِينَ الْمُشْتَرِي مَعْلُومَةٌ لَا تُشْكِلُ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَسَكَتَ ﷺ عَمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَبَيْنَ مَا يُشْكِلُ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ بَيَانُهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» كَمَا أَنَّهُ دَلِيلٌ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي دَلِيلٌ أَيْضًا فِي حَقِّ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ قَدْ مَرَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْكِرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَفِيمَا إذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ الْقَبْضِ. فَفِي صُورَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ الْمُنْكِرُ هُوَ الْمُشْتَرِي، وَفِي صُورَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ الْمُنْكِرُ هُوَ الْبَائِعُ، فَاسْتَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الِانْدِرَاجِ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵊ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ وَعَدَمِ الِانْدِرَاجِ تَحْتَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي إشْكَالِ الْيَمِينِ وَعَدَمِ إشْكَالِهَا، وَتَقَدُّمُ الْبَيَانِ وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ فَلَمْ يَتِمَّ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ لُزُومِ الِابْتِدَاءِ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، أَوْ بِيَمِينِ الْبَائِعِ عَلَى الْقَوْلِ
[ ٨ / ٢٠٩ ]
(وَإِنْ كَانَ بَيْعُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ أَوْ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ بَدَأَ الْقَاضِي بِيَمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ) لِاسْتِوَائِهِمَا
(وَصِفَةُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَيَحْلِفَ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ) وَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَلَقَدْ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ وَلَقَدْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ يَضْمَنُ الْإِثْبَاتُ إلَى النَّفْيِ تَأْكِيدًا، وَالْأَصَحُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى ذَلِكَ وُضِعَتْ، دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْقَسَامَةِ «بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا عَلِمْتُمْ لَهُ قَاتِلًا». قَالَ (فَإِنْ حَلَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَبْقَى بَيْعُ مَجْهُولٍ فَيَفْسَخُهُ الْقَاضِي قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ. أَوْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْبَدَلُ يَبْقَى بَيْعًا بِلَا بَدَلٍ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. قَالَ: (وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى الْآخَرِ) لِأَنَّهُ جُعِلَ بَاذِلًا فَلَمْ يَبْقَ دَعْوَاهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْآخَرِ فَلَزِمَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهِ. .
الْآخَرِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ بَيْعَ عَيْنٍ بِثَمَنٍ (وَإِنْ كَانَ بَيْعَ عَيْنٍ بِعَيْنٍ) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُقَايَضَةِ (أَوْ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ) أَيْ بَيْعَ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالصَّرْفِ (بَدَأَ الْقَاضِي بِيَمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ) مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (لِاسْتِوَائِهِمَا) أَيْ فِي الْإِنْكَارِ وَفِي فَائِدَةِ النُّكُولِ.
(وَصِفَةُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَيَحْلِفَ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ (وَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: يَحْلِفُ) أَيْ الْبَائِعُ (بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَلَقَدْ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ وَلَقَدْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ يَضُمُّ الْإِثْبَاتَ إلَى النَّفْيِ تَأْكِيدًا) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَصَحُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى ذَلِكَ وُضِعَتْ) أَيْ عَلَى النَّفْيِ وُضِعَتْ لَا عَلَى الْإِثْبَاتِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْقَسَامَةِ «بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا عَلِمْتُمْ لَهُ قَاتِلًا») وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّأْكِيدَ انْتَهَى.
أَقُولُ: بَلْ يُنَافِيهِ، لِأَنَّ وَضْعَ الْأَيْمَانِ لَمَّا كَانَ مَقْصُورًا عَلَى النَّفْيِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ تَفْسِيرُنَا الْمَنْقُولُ عَنْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: عَلَى ذَلِكَ وُضِعَتْ، بِتَقْدِيمِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى وُضِعَتْ دُونَ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ عَلَى مَا هُوَ حَقُّهُ إفَادَةً لِقَصْرِ وَضْعِهَا عَلَى النَّفْيِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إدْرَاجُ الْيَمِينِ وَلَوْ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الظُّلْمُ لِلْمُنْكِرِ بِإِلْزَامِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا وَيَكُونُ حَقًّا لِلْمُدَّعِي إنَّمَا هُوَ الْإِتْيَانُ بِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْيَمِينُ دُونَ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ زَائِدٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِثْبَاتُ، فَلَا بُدَّ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى النَّفْيِ كَمَا ذُكِرَ. وَلِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَنْ النَّظَرِ الْمَزْبُورِ كَلِمَاتٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ، جُلُّهَا بَلْ كُلُّهَا مَدْخُولٌ وَمَجْرُوحٌ، تَرَكْنَا ذِكْرَهَا وَرَدَّهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ بِلَا طَائِلٍ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (فَإِنْ حَلَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ إنْ طَلَبَا أَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا، كَذَا فِي الْكَافِي وَالشُّرُوحِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ (يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعُ (لَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ) وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَبِهِ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْلَافِ لِأَبِي حَازِمٍ الْقَاضِي حَيْثُ قَالَ: إذَا تَحَالَفَا فَسَخَ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالتَّحَالُفِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَقِيلَ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ انْتَهَى (لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَبَقِيَ بَيْعٌ مَجْهُولٌ) أَيْ بَقِيَ بَيْعًا بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، كَذَا فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ.
أَقُولُ: هَذَا لَا يَتِمُّ فِي صُورَةِ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ: أَيْ بَقِيَ بَيْعُ الْمَجْهُولِ إمَّا بِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَبِيعِ، وَإِمَّا بِجَهَالَةِ الثَّمَنِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، وَإِمَّا بِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مَعًا فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِيهِمَا (فَيَفْسَخُهُ الْقَاضِي قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ) بَيْنَهُمَا (أَوْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْبَدَلُ) لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا (يَبْقَى بَيْعًا بِلَا بَدَلٍ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ فِي فَاسِدِ الْبَيْعِ) أَيْ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَهُمَا لَمْ يَفْسَخَاهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ الْقَاضِي مَقَامَهُمَا. وَفِي الْمَبْسُوطِ: حَلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ إذَا كَانَتْ الْمَبِيعَةَ، فَلَوْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِالتَّحَالُفِ لَمَا حَلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ) أَيْ النَّاكِلُ (جُعِلَ بَاذِلًا) لِصِحَّةِ الْبَذْلِ فِي الْأَعْوَاضِ (فَلَمْ يَبْقَ دَعْوَاهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْآخَرِ فَلَزِمَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهِ) أَيْ بِثُبُوتِ مَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ لِعَدَمِ الْمُعَارَضَةِ.
أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ سَاقَ الدَّلِيلَ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
[ ٨ / ٢١٠ ]
قَالَ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ أَوْ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودِ بِهِ،
فَقَطْ حَيْثُ قَالَ: وَجُعِلَ بَاذِلًا، وَالنُّكُولُ عِنْدَهُمَا إقْرَارٌ لَا بَذْلٌ كَمَا مَرَّ، فَلَا يَتَمَشَّى مَا ذَكَرَهُ عَلَى أَصْلِهِمَا مَعَ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا هَذِهِ اتِّفَاقِيَّةٌ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا، فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ صَارَ مُقِرًّا بِمَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ أَوْ بَاذِلًا كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَالْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ زَادَ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْكَنْزِ قَيْدًا آخَرَ حَيْثُ قَالَ فَلَزِمَهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَضَاءُ. وَقَالَ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَزِمَهُ دَعْوَى الْآخَرِ، لِأَنَّهُ بِدُونِ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا، أَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْبَذْلِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ إقْرَارٌ فَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْبَذْلِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا بِانْفِرَادِهِ انْتَهَى.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ) أَيْ فِي أَصْلِهِ أَوْ قَدْرِهِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (أَوْ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ) أَيْ فِي أَصْلِهِ أَوْ قَدْرِهِ أَيْضًا. كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ (أَوْ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ) وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي اسْتِيفَاءِ كُلِّ الثَّمَنِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَفْرُوغٌ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الدَّعَاوَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا) عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: يَتَحَالَفَانِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْبَيْعِ لَمْ يَتَحَالَفَا بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. ثُمَّ إنَّ الْقَوْلَ فِي مَسَائِلِ الْكِتَابِ لِمُنْكِرِ الْأَجَلِ وَلِمُنْكِرِ شَرْطِ الْخِيَارِ وَلِمُنْكِرِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَبِيعِ لِمُنْكِرِ الْعَقْدِ ذَكَرَ كُلَّهَا هَاهُنَا فِي الْكَافِي وَسَيَجِيءُ بَعْضُهَا فِي الْكِتَابِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ فِي أَصْلِهِ أَوْ فِي قَدْرِهِ أَوْ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ مُنْكِرًا كَمَا إذَا كَانَ مُدَّعِي الْخِيَارِ هُوَ الْبَائِعُ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ سَلَكَ هَاهُنَا مَسْلَكَ التَّغْلِيبِ اعْتِمَادًا عَلَى ظُهُورِ هَذِهِ الصُّورَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ (لِأَنَّ هَذَا) أَيْ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَجَلِ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ (اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمَبِيعُ (وَالْمَعْقُودُ بِهِ) وَهُوَ الثَّمَنُ وَالِاخْتِلَافُ
[ ٨ / ٢١١ ]
فَأَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَطِّ وَالْإِبْرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِانْعِدَامِهِ لَا يَخْتَلُّ مَا بِهِ قِوَامُ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ وَجِنْسِهِ حَيْثُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْرِ فِي جَرَيَانِ التَّحَالُفِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الثَّمَنِ فَإِنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ وَهُوَ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، وَلَا كَذَلِكَ الْأَجَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَنَ مَوْجُودٌ بَعْدَ مُضِيِّهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الْخِيَارَ وَالْأَجَلَ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ بِعَارِضِ الشَّرْطِ وَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الْعَوَارِضِ.
فِي غَيْرِهِمَا لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ لِأَنَّ التَّحَالُفَ عُرِفَ بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ إنَّمَا وَرَدَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ، إذْ قَدْ عَلَّقَ فِيهِ وُجُوبَ التَّحَالُفِ بِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعِينَ، وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَيْعِ فَيَتَعَلَّقُ وُجُوبُ التَّحَالُفِ بِاخْتِلَافِهِمَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْبَيْعُ، وَالْبَيْعُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ لَا بِالْأَجَلِ وَشَرَطَ الْخِيَارَ وَاسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْمَبِيعِ أَوْ فِي الثَّمَنِ تَحَالَفَا، فَالِاخْتِلَافُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَجَلِ وَشَرْطُ الْخِيَارِ وَاسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الشُّرُوحِ وَالْكَافِي هَاهُنَا (فَأَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَطِّ) أَيْ فِي الْحَطِّ مِنْ الثَّمَنِ (وَالْإِبْرَاءِ) أَيْ الْإِبْرَاءُ عَنْ الثَّمَنِ، وَلَا تَحَالُفَ فِي الِاخْتِلَافِ فِيهِمَا، بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ مَعَ يَمِينِهِ فَكَذَا فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ اخْتِلَافًا فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودِ بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُشَارَ بِهِ إلَى الْأَقْرَبِ: أَيْ شِبْهُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْحَطِّ وَالْإِبْرَاءِ (لِأَنَّ بِانْعِدَامِهِ) أَيْ بِانْعِدَامِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَجَلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ وَاسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ (لَا يَخْتَلُّ مَا بِهِ قِوَامُ الْعَقْدِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ بِلَا شَرْطٍ وَأَجَلٍ جَائِزٌ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الشَّرْطِ أَوْ فِي الْأَجَلِ وَحَالَفَا بَقِيَ الْعَقْدُ بِلَا شَرْطٍ وَأَجَلٍ، وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْفَسَادَ. وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ فِي الْمُثَمَّنِ أَوْ الثَّمَنِ وَحَالَفَا لَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا فَيَبْقَى الثَّمَنُ أَوْ الْمُثَمَّنُ مَجْهُولًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْفَسَادَ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِي الْعَقْدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْأَخِيرُ بِالدَّنَانِيرِ لَا يُقْبَلُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَقْدِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُنْكِرًا.
أَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الشَّرْطِ وَالْأَجَلِ فَلَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِي الْعَقْدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفٍ يَقْضِي بِالْعَقْدِ بِأَلْفٍ حَالَّةٍ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ جَازَتْ الشَّهَادَةُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ جَامِعِ الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ (بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ) كَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ (أَوْ جِنْسِهِ) كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (حَيْثُ يَكُونُ) الِاخْتِلَافُ فِيهِمَا (بِمَنْزِلَةِ الْخِلَافِ فِي الْقَدْرِ) أَيْ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ (فِي جَرَيَانِ التَّحَالُفِ لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الِاخْتِلَافَ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ (يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الثَّمَنِ) أَيْ الِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ الثَّمَنِ (فَإِنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ وَهُوَ) أَيْ الدَّيْنُ (يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ) فَلَمَّا اخْتَلَفَا فِي الْوَصْفِ وَهُوَ مُعَرَّفٌ صَارَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْمُعَرَّفِ وَهُوَ الثَّمَنُ (وَلَا كَذَلِكَ الْأَجَلُ) أَيْ لَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَجَلَ (لَيْسَ بِوَصْفٍ) بَلْ هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ يَثْبُتُ بِوَاسِطَةِ الشَّرْطِ، وَنَوَّرَ هَذَا بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَنَ مَوْجُودٌ بَعْدَ مُضِيِّهِ) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ وَلَوْ كَانَ وَصْفًا لِتَبَعِهِ كَذَا فِي الْكَافِي.
قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ انْتَهَى (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الْخِيَارَ وَالْأَجَلَ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْخِيَارُ وَالْأَجَلُ (يَثْبُتَانِ بِعَارِضِ الشَّرْطِ) أَيْ بِشَرْطٍ عَارِضٍ عَلَى أَصْلِ الْعَقْدِ (وَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الْعَوَارِضِ) وَالْحُكْمُ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ كَذَلِكَ،
[ ٨ / ٢١٢ ]
قَالَ: (فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ ثُمَّ اخْتَلَفَا لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَعَلَى هَذَا إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِالْعَيْبِ. لَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي غَيْرَ الْعَقْدِ الَّذِي يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ وَأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ
لِأَنَّ بِانْعِدَامِهِ لَا يَخْتَلُّ مَا بِهِ قِوَامُ الْعَقْدِ لِبَقَاءِ مَا يَحْصُلُ ثَمَنًا، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ ثُمَّ اخْتَلَفَا) أَيْ فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ، وَعَزَاهُ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْمَبْسُوطِ (لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) أَيْ مَعَ يَمِينِهِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ (إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ مِلْكُ الْمُشْتَرِي (أَوْ صَارَ) أَيْ الْمَبِيعُ (بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (عَلَى رَدِّهِ بِالْعَيْبِ) بِحُدُوثِ عَيْبٍ فِي يَدِهِ (لَهُمَا) أَيْ لِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (يَدَّعِي غَيْرَ الْعَقْدِ الَّذِي يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ) فَإِنَّ الْبَيْعَ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ شَاهِدَيْ الْبَيْعِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (وَأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ) اعْلَمْ أَنَّ حَلَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ وَرَبْطَهَا بِالْمَقَامِ مِنْ مُشْكِلَاتِ هَذَا الْكِتَابِ، وَلِهَذَا كَانَ لِلشُّرَّاحِ هَاهُنَا طَرَائِقُ قِدَدٌ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا يَشْفِي الْغَلِيلَ.
فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ وَأَنَّ التَّحَالُفَ يُفِيدُ إعْطَاءَ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ عَلَى تَقْدِيرِ نُكُولِ الْمُشْتَرِي عَنْ الْحَلِفِ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْيَمِينِ النُّكُولُ، وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا فَائِدَةُ التَّحْلِيفِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ الْهَلَاكِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فَإِنَّ حُكْمَ التَّحَالُفِ التَّرَادُّ وَامْتَنَعَ التَّرَادُّ بِالْهَلَاكِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّحَالُفِ. فَأَجَابَ عَنْهُ وَقَالَ: بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ دَفْعُ الْمُشْتَرِي الزِّيَادَةَ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ عَلَى تَقْدِيرِ نُكُولِ الْمُشْتَرِي فَلِذَلِكَ يَتَحَالَفَانِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَحْصُلُ بِتَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ فَمَا
[ ٨ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَائِدَةُ تَحْلِيفِ الْبَائِعِ؟ قُلْنَا: لَمْ يَحْصُلْ تَمَامُ الْفَائِدَةِ بِتَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا نَكَلَ يَجِبُ الثَّمَنُ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، وَالْبَائِعُ إذَا نَكَلَ يَنْدَفِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ فَيَتَحَالَفَانِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَحَالِّ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَمَّا فَسَّرَ الدَّفْعَ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْإِعْطَاءِ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَكُونَ مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ لَا مَنْ دَفَعَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: أَيْ وَإِنَّ التَّحَالُفَ يُفِيدُ إعْطَاءَ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ عَلَى تَقْدِيرِ نُكُولِ الْمُشْتَرِي عَنْ الْحَلِفِ وَجُعِلَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ فَائِدَةَ التَّحَالُفِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ إعْطَاءُ الْمُشْتَرِي الزِّيَادَةَ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ عَلَى تَقْدِيرِ نُكُولِ الْمُشْتَرِي اتَّجَهَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ قِيلَ بِالضَّرُورَةِ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ مَا ذَكَرَهُ جَوَابًا عَنْهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ لَا تَحْصُلَ تَمَامُ الْفَائِدَةِ الَّتِي حُمِلَ عَلَيْهِ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا بِتَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ وَنَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْطَاؤُهُ زِيَادَةَ الثَّمَنِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ تَمَامُ الْفَائِدَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِتَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ لِأَنَّ مَوْرِدَهُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَوَابِ وَالْبَائِعُ إذَا نَكَلَ إلَخْ أَنَّهُ إذَا نَكَلَ بَعْدَ نُكُولِ الْمُشْتَرِي يَنْدَفِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ الزِّيَادَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ إذَا نَكَلَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى الْآخَرِ، فَبَعْدَ نُكُولِ الْمُشْتَرِي يَلْزَمُهُ دَعْوَى الْبَائِعِ فَلَا يَجُوزُ تَحْلِيفُهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نُكُولُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إذَا نَكَلَ بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي يَنْدَفِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ الزِّيَادَةِ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَنْدَفِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ بِحَلِفِهِ السَّابِقِ فَلَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِنُكُولِ الْبَائِعِ.
وَأَيْضًا يَتَّجِهُ عَلَى مَجْمُوعِ الْجَوَابِ أَنَّ الْأَمْرَ الثَّانِيَ وَهُوَ انْدِفَاعُ الزِّيَادَةِ عَنْ الْمُشْتَرِي يَحْصُلُ بِتَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي إنْ حَلَفَ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ هُوَ وُجُوبُ إعْطَاءِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي يَحْلِفُ بِتَحْلِيفِهِ إنْ نَكَلَ، فَتَمَامُ الْفَائِدَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ يَحْصُلُ بِتَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَلَمْ تَظْهَرْ فَائِدَةُ تَحْلِيفِ الْبَائِعِ قَطُّ. وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَتَاجِ الشَّرِيعَةِ: يَعْنِي أَنَّ التَّحَالُفَ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي عِنْدَ نُكُولِ الْبَائِعِ فَكَانَ التَّحَالُفُ مُفِيدًا انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ، لِأَنَّهُمَا حَمَلَا الدَّفْعَ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَعْنَى الْمَنْعِ حَيْثُ جَعَلَاهُ مَنْ دَفَعَ عَنْهُ كَمَا تَرَى، وَاعْتَبَرَا ظُهُورَ الْفَائِدَةِ عِنْدَ نُكُولِ الْبَائِعِ، فَيَتَّجِهُ عَلَى مَا ذَهَبَا إلَيْهِ أَنَّ نُكُولَ الْبَائِعِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي لَا بَعْدَ نُكُولِهِ لِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا، وَعِنْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي قَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ: أَعْنِي دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَحْلِيفِ الْبَائِعِ وَنُكُولِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَإِنَّهُ يَعْنِي التَّحَالُفَ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ: يَعْنِي أَنَّ التَّحَالُفَ يَدْفَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَإِذَا حَلَفَ الْبَائِعُ انْدَفَعَتْ الزِّيَادَةُ الْمُدَّعَاةُ فَكَانَ مُفِيدًا انْتَهَى. أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّفْعَ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ دَفَعَ عَنْهُ كَمَا تَرَى، فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِالنُّكُولِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَدْفَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَأَنَّ مُرَادَهُ بِالنُّكُولِ نُكُولُ الْبَائِعِ دُونَ نُكُولِ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الَّذِي يَقْتَضِي دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ نُكُولُ الْبَائِعِ، وَأَمَّا نُكُولُ الْمُشْتَرِي فَيَقْتَضِي دَفْعُهُ زِيَادَةَ الثَّمَنِ بِمَعْنَى إعْطَائِهِ إيَّاهَا فَإِذًا يَئُولُ قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ التَّحَالُفَ يَدْفَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ إلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَتَاجُ الشَّرِيعَةِ كَمَا مَرَّ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ وَيَزْدَادُ إشْكَالُ قَوْلِهِ وَإِذَا حَلَفَ الْبَائِعُ انْدَفَعَتْ الزِّيَادَةُ الْمُدَّعَاةُ، لِأَنَّ مَدْلُولَهُ أَنْ يَكُونَ انْدِفَاعُ الزِّيَادَةِ الْمُدَّعَاةِ بِحَلِفِ الْبَائِعِ، وَمَدْلُولُهُ قَوْلُهُ السَّابِقُ أَنْ يَكُونَ انْدِفَاعُهَا بِنُكُولِ الْبَائِعِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَّحِدَ حَلِفُ الْبَائِعِ وَنُكُولُهُ حُكْمًا وَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
فَإِنْ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ اللَّاحِقِ وَإِذَا حَلَفَ الْبَائِعُ بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي انْدَفَعَتْ الزِّيَادَةُ الْمُدَّعَاةُ بِأَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ السَّابِقِ إذَا نَكَلَ الْبَائِعُ تَنْدَفِعُ الزِّيَادَةُ الْمُدَّعَاةُ عَنْ الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقْضِيَ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ أَقَلُّ الثَّمَنَيْنِ لَا بِأَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ، فَاخْتَلَفَ حُكْمُ حَلِفِ الْبَائِعِ وَحُكْمُ نُكُولِهِ بِهَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ وَهُوَ كَافٍ. قُلْت: لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ قِيمَةُ الْهَالِكِ أَنْقَصَ مِمَّا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لَهُ بَلْ أَزِيدَ مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ انْدِفَاعُ
[ ٨ / ٢١٤ ]
فَيَتَحَالَفَانِ؛ كَمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ سَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي مَا يَدَّعِيهِ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ،
الزِّيَادَةِ الْمُدَّعَاةِ، فَلَا يَتِمُّ حَمْلُ مَعْنَى قَوْلِهِ اللَّاحِقِ عَلَى مَا ذُكِرَ. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ حَلَفَ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا حَلَفَ الْبَائِعُ إلَخْ عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إذَا حَلَفَ الْبَائِعُ انْدَفَعَتْ الزِّيَادَةُ الْمُدَّعَاةُ: أَيْ بِنُكُولِ الْبَائِعِ لَا بِحَلِفِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ اتِّحَادُ حُكْمِ حَلِفِ الْبَائِعِ وَنُكُولِهِ.
قُلْنَا: فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ اسْتِدْرَاكُ قَوْلِهِ اللَّاحِقِ لِحُصُولِ هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ كَمَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَصَدَ حَلَّ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا فَقَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ بِالنُّكُولِ: أَيْ بِنُكُولِ الْمُشْتَرِي، وَقَالَ: وَقَوْلُهُ بِالنُّكُولِ مُتَعَلِّقٌ بِزِيَادَةٍ فِي قَوْلِهِ يَدْفَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ وَإِذَا حَلَفَ الْبَائِعُ: يَعْنِي بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي، وَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: دَافِعُ زِيَادَةِ الثَّمَنِ الْمُدَّعَاةِ حَلِفُ الْمُشْتَرِي لَيْسَ إلَّا. قُلْنَا: إذَا حَلَفَ الْبَائِعُ بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي يُفْسَخُ عَلَى الْقِيمَةِ وَتَنْدَفِعُ الزِّيَادَةُ الْمُدَّعَاةُ انْتَهَى.
أَقُولُ: جُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، أَمَّا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ بِالنُّكُولِ بِنُكُولِ الْمُشْتَرِي وَجُعِلَ قَوْلُهُ بِالنُّكُولِ مُتَعَلِّقًا بِزِيَادَةٍ فِي قَوْلِهِ يَدْفَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ فَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْكَلَامِ حِينَئِذٍ مَعْنًى مَعْقُولٍ أَصْلًا، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَعْنَى يَدْفَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ الْكَائِنَةِ: أَيْ الثَّابِتَةُ فِي الْوَاقِعِ بِنُكُولِ الْمُشْتَرِي فَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ زِيَادَةَ الثَّمَنِ إنْ ثَبَتَتْ فِي الْوَاقِعِ ثَبَتَتْ بِالْعَقْدِ لَا غَيْرُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى يَدْفَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ الثَّابِتِ فِي عِلْمِ الْقَاضِي بِنُكُولِ الْمُشْتَرِي فَلَا صِحَّةَ لَهُ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الثَّمَنِ إذًا ثَبَتَتْ فِي عِلْمِ الْقَاضِي بِنُكُولِ الْمُشْتَرِي يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَكَيْفَ يَدْفَعُهَا التَّحَالُفُ عَنْهُ، بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّحَالُفُ عِنْدَ نُكُولِ الْمُشْتَرِي أَصْلًا عَلَى مَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ يَعْنِي بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي فَلِوُرُودِ السُّؤَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ قِيلَ إلَخْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا جَوَابُهُ عَنْ السُّؤَالِ فَلِسُقُوطِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ عَلَى الْقِيمَةِ انْدِفَاعُ الزِّيَادَةِ الْمُدَّعَاةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ الْمُسَاوِيَةُ لِلزِّيَادَةِ الْمُدَّعَاةِ بَلْ أَزْيَدَ مِنْهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَوْلُهُ وَإِنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ: أَيْ إنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي يُفِيدُ ذَلِكَ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِتَأْوِيلِ الِادِّعَاءِ انْتَهَى. أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ، لِأَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي لَا تُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِالدَّفْعِ مَعْنَى الْإِعْطَاءِ أَوْ مَعْنَى الْمَنْعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُفِيدُ دَفْعَهَا بِنِيَّةِ الْمُشْتَرِي أَوْ حَلِفِهِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالدَّفْعِ مَعْنَى الْمَنْعِ، وَنُكُولُهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَعْنَى الْإِعْطَاءِ، عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ بَيَانُ فَائِدَةِ التَّحَالُفِ لَا بَيَانُ فَائِدَةِ دَعْوَى الْمُشْتَرِي وَلَا بَيَانُ فَائِدَةِ تَحْلِيفِهِ فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مَا ذَكَرَهُ فَاتَ مُقْتَضَى الْمَقَامِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَفْهَامِ (فَيَتَحَالَفَانِ) هَذَا نَتِيجَةُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ (كَمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ) بِأَنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْعَقْدَ بِالدَّرَاهِمِ وَالْآخَرُ بِالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي رَدَّ الْقِيمَةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِمَا أَنَّهُ سَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي مَا يَدَّعِيهِ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ) أَيْ التَّحَالُفُ (فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ) وَهُوَ قَوْلُهُ
[ ٨ / ٢١٥ ]
وَالتَّحَالُفُ فِيهِ يُفْضِي إلَى الْفَسْخِ، وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِهَا لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِالِاخْتِلَافِ فِي السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِنْ الْفَائِدَةِ مَا يُوجِبُهُ الْعَقْدُ، وَفَائِدَةُ دَفْعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ لَيْسَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ
- ﷺ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَلَا يَتَعَدَّى إلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلْيَكُنْ حَالُ هَلَاكِ السِّلْعَةِ مُلْحَقًا بِحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ بِالدَّلَالَةِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالتَّحَالُفُ فِيهِ) أَيْ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ (يُفْضِي إلَى الْفَسْخِ) فَيَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِرَدِّ رَأْسِ مَالِهِ بِعَيْنِهِ إلَيْهِ (وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِهَا) أَيْ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ (لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ) أَيْ بِالْهَلَاكِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ بِالْإِقَالَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ فَكَذَا بِالتَّحَالُفِ إذْ الْفَسْخُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ وَقْتَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ فِي مَعْنَى وَقْتِ قِيَامِ السِّلْعَةِ فَبَطَلَ الْإِلْحَاقُ أَيْضًا (وَلِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِالِاخْتِلَافِ فِي السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي غَيْرَ الْعَقْدِ الَّذِي يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ: أَيْ لَا يُبَالِي بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي حَيْثُ سَلِمَ لَهُ وَهَلَكَ عَلَى مِلْكِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا زَعَمَ هُوَ أَوْ الْبَائِعُ، فَلَغَا ذِكْرُ السَّبَبِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي أَلْفٍ وَأَلْفَيْنِ بِلَا سَبَبٍ فَيَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى مُنْكِرِ الْأَلْفِ الزَّائِدِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي الدَّنَانِيرَ وَالْمُشْتَرِيَ يُنْكِرُ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي الشِّرَاءَ بِالدَّرَاهِمِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ، وَإِنْكَارُهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَا يُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا بِثَمَنٍ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ثَمَنٍ وَهُنَا اتَّفَقَا عَلَى الْأَلْفِ وَهُوَ يَكْفِي لِلصِّحَّةِ، كَذَا قَرَّرَ الْمَقَامُ فِي الْكِفَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَخْذًا مِنْ الْكَافِي.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِهِ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ لَا يُبَالِي إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي غَيْرَ الْعَقْدِ الَّذِي يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَهُوَ قَوْلٌ بِمُوجَبِ الْعِلْمِ: أَيْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَضُرُّنَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا أَفْضَى إلَى التَّنَاكُرِ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُشْتَرِي وَهُوَ تَمَلُّكُ الْمَبِيعِ قَدْ حَصَلَ بِقَبْضِهِ وَتَمَّ بِهَلَاكِهِ وَلَيْسَ يَدَّعِي عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا يُنْكِرُهُ لِيَجِبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ. ثُمَّ قَالَ: وَنُوقِضَ بِحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ وَبِمَا إذَا اخْتَلَفَا بَيْعًا وَهِبَةً، فَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ وَالتَّحَالُفَ مَوْجُودٌ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى (وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِنْ الْفَائِدَةِ مَا يُوجِبُهُ الْعَقْدُ، وَفَائِدَةُ دَفْعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ لَيْسَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ) هَذَا أَيْضًا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ: يَعْنِي أَنَّ الْمُرَاعَى مِنْ الْفَائِدَةِ مَا يَكُونُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ، وَفَائِدَةُ دَفْعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ لَيْسَتْ مِنْهَا بَلْ مِنْ مُوجِبَاتِ النُّكُولِ،
[ ٨ / ٢١٦ ]
وَهَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ قَائِمٌ فَتُوَفَّرُ فَائِدَةُ الْفَسْخِ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَ الْهَالِكِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ. .
قَالَ (وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ
وَلَيْسَتْ الْيَمِينُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ حَتَّى يَكُونَ النُّكُولُ مِنْ مُوجِبَاتِهِ فَلَا يَتْرُكُ بِهَا مَا هُوَ مِنْ مُوجِبَاتِهِ وَهُوَ مِلْكُ الْمَبِيعِ وَقَبْضُهُ.
هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الشُّرُوحِ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ مِلْكَ الْمَبِيعِ وَقَبْضَهُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّحَالُفِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْقِيمَةِ فَلَا يَلْزَمُ تَرْكُ مُوجِبِ الْعَقْدِ بِهِ انْتَهَى. أَقُولُ: مَدَارُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ عَلَى عَدَمِ فَهْمِ مَعْنَى الْمَقَامِ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِلْكِ الْمَبِيعِ وَقَبْضِهِ مِلْكُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ وَقَبْضُهُ إيَّاهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ قَطْعًا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ هُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَقَبْضُهُ إيَّاهُ. وَأَمَّا مِلْكُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ وَقَبْضُهُ إيَّاهُ فَمِنْ مُوجِبَاتِ الْفَسْخِ دُونَ الْعَقْدِ، وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ.
ثُمَّ أَنَّ قَوْلَهُ غَايَتُهُ أَنْ يَمْلِكَهُ بِالْقِيمَةِ إلَخْ كَلَامٌ سَاقِطٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ تَأَمَّلْ تَقِفْ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ بَعْدَ شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّا قَدْ اعْتَبَرْنَا حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ التَّرَادَّ فَائِدَةُ التَّحَالُفِ وَلَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ انْتَهَى. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ بِأَنْ قَالَ فِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَمْ يُعْتَبَرْ التَّرَادُّ فَائِدَةً لِلتَّحَالُفِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، إذْ الرَّدُّ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَكَانَ الْجَوَابُ الْمَزْبُورُ دَافِعًا لِلنَّظَرِ الْمَذْكُورِ. نَعَمْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ أَنَّ لِلتَّحَالُفِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَائِدَةً مَا، فَأَيُّ شَيْءٍ اُعْتُبِرَ فَائِدَةً لِلتَّحَالُفِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّ مُوجِبَ التَّحَالُفِ فَسْخُ الْعَقْدِ وَحُكْمُ الْفَسْخِ يُخَالِفُ حُكْمَ الْعَقْدِ قَطْعًا فَيُنْتَقَضُ بِهِ قَوْلُهُمْ وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِنْ الْفَائِدَةِ مَا يُوجِبُهُ الْعَقْدُ (وَهَذَا) أَيْ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي التَّحَالُفِ عِنْدَ صُورَةِ هَلَاكِ الْمَبِيعِ (إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا) أَيْ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ بِأَنْ كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الْمَكِيلَاتِ أَوْ الْمَوْزُونَاتِ الْمَوْصُوفَةِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ (فَإِنْ كَانَ عَيْنًا) أَيْ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا كَالثَّوْبِ وَالْفَرَسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ الْعَقْدُ مُقَايَضَةً وَهَلَكَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ (يَتَحَالَفَانِ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ (لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ قَائِمٌ) فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ مَبِيعٌ وَثَمَنٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا لِلثَّمَنِيَّةِ بِدُخُولِ الْبَاءِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ (فَتُوَفَّرُ فَائِدَةُ الْفَسْخِ) وَهُوَ التَّرَادُّ فَيَرُدُّ الْقَائِمُ (ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَ الْهَالِكِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ) هَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِ الْبَدَلِ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا إنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا يَتَحَالَفَانِ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ دَيْنًا لَا يَتَحَالَفَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ
[ ٨ / ٢١٧ ]
الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ الْحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِي الْحَيِّ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي
الْعَبْدَيْنِ) أَيْ بَعْدَ قَبْضِهِمَا: كَذَا فِي الشُّرُوحِ (ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ) يَعْنِي إذَا بَاعَ الرَّجُلُ عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَقَبَضَهُمَا الْمُشْتَرِي فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهُمَا مِنْك بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُمَا مِنْك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) أَيْ فِيهِمَا، كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ (مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ الْحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْهَالِكِ) وَإِنَّمَا أَعَادَ ذِكْرَ لَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَمِينَ الْمُشْتَرِي وَلَفْظُ الْقُدُورِيِّ الَّذِي هُوَ لَفْظُ الْمَبْسُوطِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَدَمَ التَّحَالُفِ، لِأَنَّ الْمَذْكُورَ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ هُنَاكَ قَوْلُهُ لَمْ يَتَحَالَفَا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِي الْحَيِّ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَوْلُهُ فِي تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ لَيْسَ بِالصَّحِيحِ عَلَى مَا سَيَأْتِي انْتَهَى.
أَقُولُ: يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ هَاهُنَا يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ لَيْسَ بِمُلَابِسٍ بِالتَّفْسِيرِ الصَّحِيحِ لِلتَّحَالُفِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَهُوَ أَنْ يَتَحَالَفَا عَلَى الْقَائِمِ وَالْهَالِكِ مَعًا لَا أَنْ يَتَحَالَفَا عَلَى الْقَائِمِ فَقَطْ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ قَوْلِهِ هَذَا عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ التَّفْسِيرِ الصَّحِيحِ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ هَاهُنَا يَتَحَالَفَانِ عَلَى الْحَيِّ حَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ عَلَى صِلَةَ التَّحَالُفِ فَيَئُولُ الْمَعْنَى إلَى التَّفْسِيرِ الْغَيْرِ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ: يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ فِي بِمَعْنَى اللَّامِ وَيَصِيرَ الْمَعْنَى يَتَحَالَفَانِ لِأَجْلِ الْحَيِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ «إنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا» عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ.
وَلَا يَخْفَى أَنْ يَكُونَ تَحَالُفُهُمَا لِأَجْلِ الْحَيِّ: أَيْ كَوْنُ الْمَقْصُودِ مِنْ تَحَالُفِهِمَا فَسْخَ الْعَقْدِ فِي الْحَيِّ لَا يُنَافِي أَنْ يَتَحَالَفَا عَلَى الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ مَعًا كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ لِيُفِيدَ التَّحَالُفَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي
[ ٨ / ٢١٨ ]
فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيَرُدُّ الْحَيَّ وَقِيمَةَ الْهَالِكِ) لِأَنَّ هَلَاكَ كُلِّ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّحَالُفِ لِلْهَلَاكِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّحَالُفَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ وَهِيَ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَلَا تَبْقَى السِّلْعَةُ بِفَوَاتِ بَعْضِهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَالُفُ فِي الْقَائِمِ إلَّا عَلَى اعْتِبَارِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقِسْمَةِ وَهِيَ تُعْرَفُ بِالْحَذَرِ وَالظَّنِّ فَيُؤَدِّي إلَى التَّحَالُفِ مَعَ الْجَهْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ
فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ) هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ هَاهُنَا قُصُورٌ، لِأَنَّ قَوْلَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حِصَّةِ الْهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي كَمَا سَيَجِيءُ تَفْصِيلُهُ، لَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهَا لِلْبَائِعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ انْتَهَى. وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْحَيِّ وَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي فِي حِصَّةِ الْهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ مَعَ يَمِينِهِ انْتَهَى (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْحَيِّ وَالْهَالِكِ (وَيَرُدُّ لُحَيُّ وَقِيمَةُ الْهَالِكِ، لِأَنَّ هَلَاكَ كُلِّ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْجَوَابُ أَنَّ هَلَاكَ الْبَعْضِ مُحْوِجٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ بِالْحَزْرِ وَذَلِكَ مُجْهَلٌ فِي الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ انْتَهَى.
وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ الْقِيمَةَ حَتَّى يَلْزَمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّحَالُفِ لِلْهَلَاكِ) أَيْ لِأَجْلِ الْهَالِكِ (فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ) أَيْ يَتَقَدَّرُ امْتِنَاعُ التَّحَالُفِ بِقَدْرِ الْهَالِكِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعِلَّةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّحَالُفَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ) يَعْنِي أَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ الْقَبْضِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ (وَهِيَ) أَيْ السِّلْعَةُ (اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَلَا تَبْقَى السِّلْعَةُ بِفَوَاتِ بَعْضِهَا) لِانْعِدَامِ الْكُلِّ بِانْعِدَامِ جُزْئِهِ، وَمَا يَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ نَفْيُ الْقِيَاسِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ كَمَا لَا يَخْفَى (وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَالُفُ فِي الْقَائِمِ إلَّا عَلَى اعْتِبَارِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقِسْمَةِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَهِيَ) أَيْ الْقِسْمَةُ (تُعْرَفُ بِالْحِرْزِ وَالظَّنِّ فَيُؤَدِّي إلَى التَّحَالُفِ مَعَ الْجَهْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ) فَلَا يُلْحَقُ بِالتَّحَالُفِ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ بِتَمَامِهَا، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ نَفْيُ الدَّلَالَةِ. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا تَرَى. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ فِيمَا إذَا أَقَامَ الْقَصَّارُ بَعْضَ الْعَمَلِ فِي الثَّوْبِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ، فَفِي حِصَّةِ مَا أَقَامَ الْعَمَلَ الْقَوْلُ لِرَبِّ الثَّوْبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَفِي حِصَّةِ مَا بَقِيَ يَتَحَالَفَانِ بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَاسْتِيفَاءُ بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ، وَفِيهِ التَّحَالُفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا دُونَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ.
قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ فِي الْعَبْدَيْنِ عَقْدٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا تَعَذَّرَ فَسْخُهُ فِي الْبَعْضِ فِي الْهَلَاكِ تَعَذَّرَ فِي الْبَاقِي.
[ ٨ / ٢١٩ ]
إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ أَصْلًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الثَّمَنُ كُلُّهُ بِمُقَابِلِ الْقَائِمِ وَيَخْرُجُ الْهَالِكُ عَنْ الْعَقْدِ فَيَتَحَالَفَانِ. هَذَا تَخْرِيجُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَيُصْرَفُ الِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ إلَى التَّحَالُفِ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالُوا: إنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَأْخُذُ الْحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ، مَعْنَاهُ: لَا يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ شَيْئًا أَصْلًا. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَا يَأْخُذُ الزِّيَادَةَ.
وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى يَمِينِ الْمُشْتَرِي لَا إلَى التَّحَالُفِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ الْبَائِعُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي فَقَدْ صَدَّقَهُ فَلَا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي،
وَأَمَّا عَقْدُ الْإِجَارَةِ فَفِي حُكْمِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ تَتَجَدَّدُ بِحَسَبِ مَا يُقِيمُ مِنْ الْعَمَلِ فَبِتَعَذُّرِ فَسْخِهِ فِي الْبَعْضِ لَا يَتَعَذَّرُ فَسْخُهُ فِي الْبَاقِي، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ إجَارَاتِ الْمَبْسُوطِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَتَمَشَّى بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي فَلَا، لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ إلَّا أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُعَيَّنْ فِيهَا لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ مَعْلُومَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقِسْمَةِ وَهِيَ بِالْحِرْزِ وَالظَّنِّ فَيُؤَدِّي إلَى التَّحَالُفِ مَعَ الْجَهْلِ بِعَيْنِ مَا قِيلَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ أَيْضًا (إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ أَصْلًا) أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ (لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَيَكُونُ الثَّمَنُ كُلُّهُ بِمُقَابَلَةِ الْقَائِمِ وَيَخْرُجُ الْهَالِكُ عَنْ الْعَقْدِ فَيَتَحَالَفَانِ) أَيْ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَتَحَالَفَانِ (وَهَذَا) أَيْ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ بِمَا ذُكِرَ (تَخْرِيجُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ) أَيْ عَامَّتُهُمْ (وَيُصْرَفُ الِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ إلَى التَّحَالُفِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكَلَامِ، فَكَانَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا إذَا تَرَكَ الْبَائِعُ حِصَّةَ الْهَالِكِ فَيَتَحَالَفَانِ (كَمَا ذَكَرْنَاهُ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ فَيَتَحَالَفَانِ (وَقَالُوا) أَيْ قَالَ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخُ: (إنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَأْخُذُ الْحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعْنَاهُ: لَا يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ شَيْئًا أَصْلًا) أَقُولُ: كَانَ الظَّاهِرُ فِي التَّحْرِيرِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَتْرُكَ اللَّفْظُ مَعْنَاهُ مِنْ الْبَيِّنِ.
أَوْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَأْخُذُ الْحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ، مَعْنَاهُ: لَا يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ شَيْئًا أَصْلًا، وَوَجْهُ الظُّهُورِ ظَاهِرٌ (وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَا يَأْخُذُ الزِّيَادَةَ، وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى يَمِينِ الْمُشْتَرِي لَا إلَى التَّحَالُفِ) فَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَيَّ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ لَا يَمِينَ عَلَى الْمُشْتَرِي (لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ الْبَائِعُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي فَقَدْ صَدَّقَهُ فَلَا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ أَخْذَ الْحَيِّ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ بَلْ بِطَرِيقِ تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِهِ وَتَرْكِ مَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى لِمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إنَّهُ لَوْ كَانَ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ لَكَانَ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهِمَا انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ: إنَّ أَخْذَ الْحَيِّ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهِمَا أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ الْمُشْتَرِي أَخْذُ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّ أَخْذَ الْحَيِّ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهِمَا أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْكِتَابِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهِمَا أَلْبَتَّةَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَمْ يُعَلِّقْ فِيهِ أَخْذَ الْحَيِّ إلَّا بِمَشِيئَةِ الْبَائِعِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الصُّلْحِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهِمَا أَلْبَتَّةَ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ لَهُ أَصْلًا بَلْ هُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ،
[ ٨ / ٢٢٠ ]
ثُمَّ تَفْسِيرُ التَّحَالُفِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقَائِمِ. وَإِذَا حَلَفَا وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ أَوْ كِلَاهُمَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَيَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُشْتَرِيَ بِرَدِّ الْبَاقِي وَقِيمَةِ الْهَالِكِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُهُمَا بِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ،
فَإِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ أَخْذَ الْحَيِّ لَوْ كَانَ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ لَكَانَ مُعَلَّقًا فِي الْكِتَابِ بِمَشِيئَتِهِمَا كَمَا يَكُونُ فِي الصُّلْحِ مُتَعَلِّقًا بِمَشِيئَتِهِمَا أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ إلَّا بِمَشِيئَةِ الْبَائِعِ (ثُمَّ تَفْسِيرُ التَّحَالُفِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقَائِمِ) أَيْ فِي الْبَيْعِ الْقَائِمِ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَصِفَةُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ إلَخْ، وَإِنَّمَا لَمْ تَخْتَلِفْ صِفَةُ التَّحَالُفِ عِنْدَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّ قِيَامَ السِّلْعَةِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلتَّحَالُفِ (وَإِذَا حَلَفَا وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ) كَانَ الْأَحْسَنُ فِي التَّحْرِيرِ أَنْ يَقُولَ: وَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ وَحَلَفَا بِتَقْدِيمٍ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ عَلَى حَلَفَا فِي الْوَضْعِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ فِي الطَّبْعِ (فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ أَوْ كِلَاهُمَا) أَيْ أَوْ ادَّعَى كِلَاهُمَا (يُفْسَخُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَيَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُشْتَرِي بِرَدِّ الْبَاقِي وَقِيمَةِ الْهَالِكِ) وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةَ قِيمَةٍ وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ) أَيْ فِي تَفْسِيرِ التَّحَالُفِ (عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: لَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ التَّحَالُفِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ عِنْدَهُ هَلَاكُ الْبَعْضِ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ كَهَلَاكِ الْكُلِّ.
أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ هَلَاكَ الْبَعْضِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ مُطْلَقًا بَلْ إنْ رَضِيَ الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ أَصْلًا يَتَحَالَفَانِ عِنْدَهُ أَيْضًا عَلَى تَخْرِيجِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَقَدْ ارْتَضَى الْمُصَنِّفُ هَذَا التَّخْرِيجَ حَيْثُ بَنَى عَلَيْهِ شَرْحَ مَعْنَى الْكِتَابِ أَوَّلًا كَمَا مَرَّ آنِفًا، فَكَانَ لِذِكْرِ تَفْسِيرِ التَّحَالُفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا مَسَاغٌ.
وَعَنْ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِي التَّبْيِينِ تَفْسِيرَ التَّحَالُفِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا رَضِيَ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِأَبِي يُوسُفَ انْتَهَى. وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: لَمَّا كَانَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمَ وُجُوبِ التَّحَالُفِ اسْتَغْنَى عَنْ التَّفْسِيرِ فَفَسَّرَهُ عَلَى قَوْلِهِمَا انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ مِمَّا سَبَقَ، وَلَكِنْ فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ لَا يَخْفَى. فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ جَرَيَانُ التَّحَالُفِ عِنْدَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَخْصُوصًا بِتَخْرِيبِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَبِصُورَةٍ نَادِرَةٍ هِيَ صُورَةُ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ التَّحَالُفِ عِنْدَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ، بَلْ اكْتَفَى بِمَا يُفْهَمُ مِنْ بَيَانِ تَفْسِيرِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُهُمَا بِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ) وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَحَالَفَانِ عَلَى الْقَائِمِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ دُونَ الْهَالِكِ لِأَنَّ التَّحَالُفَ لِلْفَسْخِ وَالْعَقْدُ يَنْفَسِخُ فِي الْقَائِمِ لَا فِي الْهَالِكِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت الْقَائِمَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ كَانَ صَادِقًا، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ الْبَائِعُ
[ ٨ / ٢٢١ ]
فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى الْبَائِعِ، وَإِنْ حَلَفَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بِعْتُهُمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ حَلَفَ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ فِي الْقَائِمِ وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْهَالِكِ وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا فِي الِانْقِسَامِ يَوْمَ الْقَبْضِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ،
بِاَللَّهِ مَا بِعْت الْقَائِمَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي صُدِّقَ فَلَا يُفِيدُ التَّحَالُفَ، فَالصَّحِيحُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ (فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى الْبَائِعِ، وَإِنْ حَلَفَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بِعْتُهُمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ حَلَفَ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ فِي الْقَائِمِ) فَإِنْ قُلْت: أَسْنَدَ فَسْخَ الْعَقْدِ هَاهُنَا إلَيْهِمَا كَمَا تَرَى وَفِيمَا سَبَقَ إلَى الْقَاضِي حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ حَلَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا فَمَا التَّوْفِيقُ؟ قُلْت: مَعْنَى مَا سَبَقَ فَسَخَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَفْسَخَا بِأَنْفُسِهِمَا، يُرْشِدُ إلَيْهِ أَنَّ الشُّرَّاحَ قَالُوا فِي شَرْحِ ذَلِكَ الْمَقَامِ فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا إنْ طَلَبَا أَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا، لِأَنَّ الْفَسْخَ حَقُّهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ الطَّلَبِ انْتَهَى.
إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْفَسْخَ إذَا كَانَ حَقَّهُمَا فَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَى إحْدَاثِهِ بِأَنْفُسِهِمَا. وَمَعْنَى مَا ذُكِرَ هَاهُنَا يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ إنْ أَرَادَا الْفَسْخَ بِأَنْفُسِهِمَا عَلَى نَهْجِ قَوْلِهِ ﵊ «تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَفْسَخَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ يَفْسَخَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ طَلَبَاهُ أَوْ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْقَاضِي، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحَالُفِ بِالْإِقَالَةِ بِتَسَاوِي فَسْخِ الْقَاضِي وَفَسْخِهِمَا بِأَنْفُسِهِمَا (وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ) أَيْ حِصَّةُ الْقَائِمِ (مِنْ الثَّمَنِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ حِصَّةُ الْهَالِكِ) مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ إذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَالْعَقْدُ فِي الْهَالِكِ لَمْ يَنْفَسِخْ عِنْدَهُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا فِي الِانْقِسَامِ يَوْمَ الْقَبْضِ) يَعْنِي يُقْسَمُ الثَّمَنُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَبْدِ الْقَائِمِ وَالْهَالِكِ عَلَى قَدْرِ قِيَمِهِمَا يَوْمَ الْقَبْضِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ قِيمَتَهُمَا يَوْمَ الْقَبْضِ كَانَتْ عَلَى السَّوَاءِ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي وَيَسْقُطُ عَنْهُ نِصْفُ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّ قِيمَتَهُمَا يَوْمَ الْقَبْضِ كَانَتْ عَلَى التَّفَاوُتِ، فَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ قِيمَةَ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ كَانَتْ كَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقَدْرِهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْبَاقِي مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ) فَقَالَ الْمُشْتَرِي كَانَتْ قِيمَةُ الْقَائِمِ يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفًا وَقِيمَةُ الْهَالِكِ خَمْسَمِائَةٍ وَقَالَ الْبَائِعُ عَلَى الْعَكْسِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ) مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِ الثَّمَنِ الَّذِي
[ ٨ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ الْمُشْتَرِي يَدَّعِي سُقُوطَ زِيَادَةٍ مِنْ الثَّمَنِ بِنُقْصَانِ قِيمَةِ الْهَالِكِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا يَوْمَ الْقَبْضِ دُونَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ انْقِسَامِ الْقِيمَةِ وَمَسَائِلُ الزِّيَادَاتِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيمَةُ الْأُمِّ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْعَقْدِ وَقِيمَةُ الزِّيَادَةِ يَوْمَ الزِّيَادَةِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْقَبْضِ، لِأَنَّ الْأُمَّ صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالْعَقْدِ وَالزِّيَادَةُ بِالزِّيَادَةِ وَالْوَلَدُ بِالْقَبْضِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ هَاهُنَا صَارَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِمَا يَوْمَ الْعَقْدِ لَا يَوْمَ الْقَبْضِ. قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ صَاحِبُ الْفَوَائِدِ: هَذَا إشْكَالٌ هَائِلٌ أَوْرَدْتُهُ عَلَى كُلِّ قَرْمٍ نِحْرِيرٍ فَلَمْ يَهْتَدِ أَحَدٌ إلَى جَوَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يُخَايِلُ لِي بَعْدَ طُولِ التَّجَشُّمِ أَنَّ فِيمَا ذُكِرَ عَنْ الْمَسَائِلِ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فِيمَا صَارَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ، وَفِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ تَحَقُّقُ مَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فِيمَا صَارَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ وَهُوَ التَّحَالُفُ، أَمَّا فِي الْحَيِّ مِنْهُمَا فَظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِي الْهَالِكِ لِمَكَانِ الْهَلَاكِ لَمْ يَتَعَذَّرْ اعْتِبَارُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْفَسْخِ فِي الْهَالِكِ وَهُوَ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْهَالِكَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ عَلَى تَقْدِيرِ الْفَسْخِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، حَتَّى قَالَ: يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْهَالِكِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّحَالُفِ عِنْدَهُ فَيَجِبُ إعْمَالُ التَّحَالُفِ فِي اعْتِبَارِ قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا يَوْمَ الْقَبْضِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَأَكْثَرِ الشُّرُوحِ، أَقُولُ: فِي التَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ نَظَرٌ، لِأَنَّ تَحَقُّقَ مَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فِيمَا صَارَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ التَّحَالُفُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ، وَالتَّحَالُفُ إنَّمَا يَجْرِي عِنْدَهُ فِي الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ، وَتَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِي الْهَالِكِ عِنْدَهُ لِامْتِنَاعِ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ فِيهِ لِلْهَلَاكِ لَا لِمُجَرَّدِ الْهَلَاكِ بِدُونِ امْتِنَاعِ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمَّا أَجَازَ التَّحَالُفَ عَلَى الْهَالِكِ أَيْضًا أَجَازَ الْفَسْخَ فِي الْهَالِكِ عَلَى قِيمَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ الْهَلَاكُ مَانِعًا عَنْهُ.
فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّحَالُفُ فِي الْهَالِكِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَتَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهِ أَيْضًا فَمَا الْبَاعِثُ عَلَى اعْتِبَارِ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْفَسْخِ فِيهِ وَمُجَرَّدُ عَدَمِ تَعَذُّرِ اعْتِبَارِهِ لَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ سِيَّمَا عِنْدَ تَحَقُّقِ مَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي تِلْكَ الشُّرُوحِ وَأَقُولُ: الْأَصْلُ فِيمَا هَلَكَ وَكَانَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ أَنْ تُعْتَبَرَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْعَقْدِ؛ إلَّا إذَا وُجِدَ مَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَهُوَ مَقْبُوضٌ عَلَى جِهَةِ الضَّمَانِ تَعَيَّنَ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ، فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمَّا كَانَتْ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً وَانْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي الْقَائِمِ دُونَ الْهَالِكِ صَارَ الْعَقْدُ مَفْسُوخًا فِي الْهَالِكِ نَظَرًا إلَى اتِّخَاذِ الصَّفْقَةِ غَيْرَ مَفْسُوخٍ نَظَرًا إلَى وُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْهَلَاكُ، فَعَمِلْنَا فِيهِ بِالْوَجْهَيْنِ وَقُلْنَا بِلُزُومِ الْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ نَظَرًا إلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ، وَبِانْقِسَامِهِ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ نَظَرًا إلَى الِانْفِسَاخِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمَّا كَانَتْ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً وَانْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي الْقَائِمِ صَارَ الْعَقْدُ مَفْسُوخًا فِي الْهَالِكِ نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ الصَّفْقَةِ غَيْرُ تَامٍّ، لِأَنَّ اتِّحَادَ الصَّفْقَةِ إنَّمَا يَقْتَضِي انْفِسَاخَ الْعَقْدِ فِي الْهَالِكِ بِانْفِسَاخِهِ فِي الْقَائِمِ لَوْ وَقَعَ الْفَسْخُ قَبْلَ قَبْضِهِمَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْفَسْخُ بَعْدَ قَبْضِهِمَا
[ ٨ / ٢٢٣ ]
وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ. وَإِنْ أَقَامَاهَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى)
وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذُكِرَ فِي بُيُوعِ الْأَصْلِ (اشْتَرَى عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِالْعَيْبِ وَهَلَكَ الْآخَرُ عِنْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَا هَلَكَ عِنْدَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُ مَا رَدَّهُ وَيَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهِمَا. فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ) لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَجَبَ بِاتِّفَاقِهِمَا ثُمَّ الْمُشْتَرِي يَدَّعِي زِيَادَةَ السُّقُوطِ بِنُقْصَانِ قِيمَةِ الْهَالِكِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا ظَاهِرًا لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ وَهَذَا لِفِقْهٍ. وَهُوَ أَنَّ فِي الْأَيْمَانِ تُعْتَبَرُ الْحَقِيقَةُ لِأَنَّهَا تَتَوَجَّهُ عَلَى أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ وَهُمَا يَعْرِفَانِ حَقِيقَةَ الْحَالِ فَبُنِيَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ حَقِيقَةً فَلِذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ،
فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّازِمَ حِينَئِذٍ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ بَعْدَ تَمَامِهَا إذْ هِيَ تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَهُوَ جَائِزٌ؛ أَلَا يَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ خِيَارِ الْعَيْبِ مِنْ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَقَبَضَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا فَإِنَّهُ يَفْسَخُ الْعَقْدَ فِي الْعُيُوبِ خَاصَّةً عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ بَعْدَ تَمَامِهَا بِالْقَبْضِ جَائِزٌ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا هَلَكَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ بَعْدَ قَبْضِهِمَا كَمَا تَبَيَّنَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ (وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ (وَإِنْ أَقَامَاهَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُشْتَرِي يَدَّعِي زِيَادَةً فِي قِيمَةِ الْقَائِمِ فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَتُهُ لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ. قُلْنَا: إنَّ الَّذِي وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مَقْصُودًا قِيمَةُ الْهَالِكِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي قِيمَةِ الْقَائِمِ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِلِاخْتِلَافِ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ، وَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ قَامَتْ عَلَى مَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مَقْصُودًا فَكَانَتْ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَقَاضِي خَانْ (وَهُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَتَفْرِيعَاتِهِ (قِيَاسُ مَا ذُكِرَ فِي بُيُوعِ الْأَصْلِ) أَيْ الْمَبْسُوطُ (اشْتَرَى عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِالْعَيْبِ وَهَلَكَ الْآخَرُ عِنْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَا هَلَكَ عِنْدَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُ مَا رَدَّهُ وَيَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهِمَا) أَيْ يَوْمَ الْقَبْضِ.
كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْلِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَجَبَ بِاتِّفَاقِهِمَا ثُمَّ الْمُشْتَرِي يَدَّعِي زِيَادَةَ السُّقُوطِ بِنُقْصَانِ قِيمَةِ الْهَالِكِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْلِ (فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا ظَاهِرًا لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ، وَالْبَيِّنَاتُ شُرِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ فَمَا كَانَ أَكْثَرَ إثْبَاتًا كَانَ أَوْلَى، قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا لِفِقْهٍ) أَيْ اعْتِبَارُ بَيِّنَةِ الْبَائِعِ وَيَمِينِهِ لِمَعْنًى فِقْهِيٍّ (وَهُوَ أَنَّ فِي الْأَيْمَانِ تُعْتَبَرُ الْحَقِيقَةُ) أَيْ حَقِيقَةُ الْحَالِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقَسَمِ بِجَهَالَةٍ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْأَيْمَانَ (تَتَوَجَّهُ عَلَى أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ) أَيْ لَا عَلَى الْوَكِيلِ وَالنَّائِبِ (وَهُمَا) أَيْ الْمُتَعَاقِدَانِ (يَعْرِفَانِ حَقِيقَةَ الْحَالِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ فِعْلُ أَنْفُسِهِمَا وَالْإِنْسَانُ أَعْرَفُ بِحَالِ نَفْسِهِ (فَيَبْنِي الْأَمْرَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْحَقِيقَةِ (وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ حَقِيقَةً فَلِذَا كَانَ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ سُقُوطَ الزِّيَادَةِ
[ ٨ / ٢٢٤ ]
وَفِي الْبَيِّنَاتِ يُعْتَبَرُ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَعْلَمَانِ حَقِيقَةَ الْحَالِ فَاعْتُبِرَ الظَّاهِرُ فِي حَقِّهِمَا وَالْبَائِعُ مُدَّعٍ ظَاهِرًا فَلِهَذَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ أَيْضًا وَتَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى مَا مَرَّ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَك مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. .
قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَبَضَهَا ثُمَّ تَقَايَلَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَعُودُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ) وَنَحْنُ مَا أَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ فِيهِ بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَالْإِقَالَةُ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ،
وَفِي الْبَيِّنَاتِ يُعْتَبَرُ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَعْلَمَانِ حَقِيقَةَ الْحَالِ) لِأَنَّهُمَا يُخْبِرَانِ عَنْ فِعْلِ الْغَيْرِ لَا عَنْ فِعْلِ أَنْفُسِهِمَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ فِي الْوَاقِعِ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ عِنْدَهُمَا بِهَزْلٍ أَوْ تَلْجِئَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَاعْتُبِرَ الظَّاهِرُ فِي حَقِّهِمَا وَالْبَائِعُ مُدَّعٍ ظَاهِرًا فَلِهَذَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ أَيْضًا) أَيْ كَمَا اُعْتُبِرَ يَمِينُهُ (وَتَتَرَجَّحُ) أَيْ تَتَرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي (بِالزِّيَادَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى مَا مَرَّ) هُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا ظَاهِرًا (وَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي بُيُوعِ الْأَصْلِ (يُبَيِّنُ لَك مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ) ﵀ فِي التَّحَالُفِ وَتَفْرِيعَاتِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَبَضَهَا) أَيْ وَنَقَدَ ثَمَنَهَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَفِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (ثُمَّ تَقَايَلَا) وَلَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ، وَسَيُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ الْقَبْضِ (ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ) فَقَالَ الْمُشْتَرِي: كَانَ الثَّمَنُ أَلْفًا فَعَلَيْك أَنْ تَرُدَّ الْأَلْفَ وَقَالَ الْبَائِعُ: كَانَ خَمْسَمِائَةٍ فَعَلَيَّ رَدُّ الْخَمْسِمِائَةِ (فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَعُودُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ) حَتَّى يَكُونَ حَقُّ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ وَحَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِقَالَةِ؛ مَعْنَاهُ: يَعُودُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ إذَا فَسَخَ الْقَاضِي أَوْ فَسَخَا بِأَنْفُسِهِمَا الْإِقَالَةَ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ كَالْبَيْعِ لَا تَنْفَسِخُ إلَّا بِالْفَسْخِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ.
وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي حَقِّ التَّحَالُفِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» لَمْ يَتَنَاوَلْ الْإِقَالَةَ، فَمَا وَجْهُ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ فِيهَا؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَنَحْنُ مَا أَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ فِيهِ) أَيْ فِي التَّقَايُلِ (بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ) أَيْ فِي الْبَيْعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَالْإِقَالَةُ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) وَإِنْ كَانَ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا.
فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُ وَالْإِقَالَةُ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّ الْإِقَالَةَ عِنْدَهُ بَيْعٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَيْضًا، وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فَمَا وَجْهُ بِنَاءِ الْوِفَاقِيَّةِ عَلَى الْخِلَافِيَّةِ؟ قُلْت: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَذَلِكَ السُّؤَالُ إنَّمَا
[ ٨ / ٢٢٥ ]
وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْقِيَاسُ يُوَافِقُهُ عَلَى مَا مَرَّ وَلِهَذَا نَقِيسُ الْإِجَارَةَ عَلَى الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْوَارِثَ عَلَى الْعَاقِدِ وَالْقِيمَةَ عَلَى الْعَيْنِ فِيمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ غَيْرُ الْمُشْتَرِي.
قَالَ (وَلَوْ قَبَضَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ فَلَا تَحَالُفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) لِأَنَّهُ يَرَى النَّصَّ مَعْلُولًا بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْضًا.
يَكَادُ يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا لَا يَخْفَى، فَبَنَى الْجَوَابَ أَيْضًا عَلَى أَصْلِهِمَا دُونَ أَصْلِهِ فَتَدَبَّرْ (وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ بِحُكْمِ الْإِقَالَةِ (وَالْقِيَاسُ يُوَافِقُهُ عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْبَابِ (وَلِهَذَا نَقِيسُ الْإِجَارَةَ عَلَى الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ) تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْقِيَاسِ: يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْأُجْرَةِ يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا (وَالْوَارِثُ عَلَى الْعَاقِدِ) أَيْ وَنَقِيسُ الْوَارِثَ عَلَى الْعَاقِدِ: يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ وَارِثُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا (وَالْقِيمَةُ عَلَى الْعَيْنِ) أَيْ نَقِيسُ الْقِيمَةَ عَلَى الْعَيْنِ (فِيمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ غَيْرُ الْمُشْتَرِي) يَعْنِي إذَا اسْتَهْلَكَ غَيْرُ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ قَامَتْ الْقِيمَةُ مَقَامَ الْعَيْنِ الْمُسْتَهْلَكَةِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَاقِدَانِ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ عَلَى جَرَيَانِ التَّحَالُفِ عِنْدَ بَقَاءِ الْعَيْنِ الْمُشْتَرَاةِ لِكَوْنِ النَّصِّ إذْ ذَاكَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَهَذِهِ هِيَ النُّسْخَةُ الْمُقَابَلَةُ بِنُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِيمَا إذَا اسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي، وَفِي بَعْضِهَا فِيمَا إذَا اُسْتُهْلِكَ الْمَبِيعُ. قَالَ الْإِمَامُ حَافِظُ الدِّينِ الْكَبِيرُ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَاشِيَةِ كِتَابِهِ الصَّحِيحِ: اسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي الْمُشْتَرَى انْتَهَى. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: الصَّوَابُ إذَا اسْتَهْلَكَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ غَيْرُ الْمُشْتَرِي، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ قُوبِلَتْ بِنُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ الصَّوَابُ اُسْتُهْلِكَ الْمُشْتَرَى بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى صِيغَةِ بِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَالْمُشْتَرَى عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ انْتَهَى
(وَلَوْ قَبَضَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ فَلَا تَخَالُفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ يَرَى النَّصَّ مَعْلُولًا بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْضًا) يَعْنِي أَنَّ مُحَمَّدًا يَرَى النَّصَّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» مَعْلُولًا بِوُجُودِ الْإِنْكَارِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ لِمَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ مِنْ الْعَقْدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ مَقْبُوضًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَإِنْ قِيلَ: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيَكُونُ مُتَنَاوَلَ النَّصِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ التَّحَالُفُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ أَيْضًا، قُلْنَا: لَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ بَيْعًا لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْبَيْعِ الْمُطَلَّقِ لِلشُّبْهَةِ انْتَهَى. أَقُولُ: جَوَابُهُ سَاقِطٌ جِدًّا، لِأَنَّ التَّحَالُفَ لَيْسَ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ الْإِقَالَةِ بَيْعًا مَانِعًا عِنْدَهُ مِنْ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ فِي حَقِّ حُكْمِ التَّحَالُفِ فَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا عِنْدَهُ عَنْ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ سَائِرِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ أَيْضًا مَعَ أَنَّ أَحْكَامَ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ جَارِيَةً بِأَسْرِهَا فِي الْإِقَالَةِ عِنْدَهُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي بَابِهَا. ثُمَّ أَقُولُ فِي دَفْعِ سُؤَالِهِ: إنَّ أَصْلَ أَبِي يُوسُفَ الْإِقَالَةُ هُوَ أَنَّهَا بَيْعٌ إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهَا بَيْعًا كَالْإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ
[ ٨ / ٢٢٦ ]
قَالَ (وَمَنْ أَسْلَمَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ تَقَايَلَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ وَلَا يَعُودُ السَّلَمُ) لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فَلَا يَعُودُ السَّلَمُ، بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ لَوْ كَانَ عَرَضًا فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ وَهَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ السَّلَمِ لَا يَعُودُ السَّلَمُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ يَعُودُ الْبَيْعُ دَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
قَالَ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْمَهْرِ فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ وَقَالَتْ تَزَوَّجَنِي بِأَلْفَيْنِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ.
فِي الْمَنْقُولِ فَتُجْعَلُ فَسْخًا كَمَا بَيَّنُوا فِي بَابِ الْإِقَالَةِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمَّا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَلَمْ يَثْبُتْ قَوْلُ أَحَدِهِمَا صَارَ الثَّمَنُ مَجْهُولًا فَلَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ بَيْعًا لِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمَجْهُولِ كَعَدَمِ جَوَازِ.
بَيْعِ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ فَلَمْ يَجْرِ التَّحَالُفُ فِيهِ عِنْدَهُ أَيْضًا لَا بِالنَّصِّ وَلَا بِالْقِيَاسِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ أَسْلَمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ تَقَايَلَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ) أَيْ فِي رَأْسِ الْمَالِ فَقَالَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ: كَانَ رَأْسُ الْمَالِ خَمْسَةً وَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ: كَانَ عَشْرَةً (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ) أَيْ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً وَهُوَ يُنْكِرُ (وَلَا يَعُودُ السَّلَمُ) أَيْ لَا يَتَحَالَفَانِ وَلَا يَعُودُ السَّلَمُ (لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ) أَيْ الْفَسْخَ: يَعْنِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّحَالُفِ الْفَسْخُ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ بِقَوْلِهِ ﵊ «تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» وَالْإِقَالَةُ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِقَالَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ ذَكَرَ الضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ التَّقَايُلِ (إسْقَاطٌ) لِلْمُسَلَّمِ فِيهِ وَهُوَ دَيْنٌ وَالدَّيْنُ السَّاقِطُ لَا يَعُودُ (فَلَا يَعُودُ السَّلَمُ، بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ) فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَعُودُ الْمَبِيعُ إلَى الْمُشْتَرِي بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى الْبَائِعِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا قَائِمًا، (وَنَوَّرَ هَذَا بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ لَوْ كَانَ عَرَضًا فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ) أَيْ فَقَضَى الْقَاضِي بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى رَبِّ السَّلَمِ (وَهَلَكَ) أَيْ فِي يَدِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ (قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ السَّلَمِ لَا يَعُودُ السَّلَمُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ يَعُودُ الْبَيْعُ، دَلَّ) أَيْ دَلَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ (عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ السَّلَمِ وَالْبَيْعِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَ إقَالَةِ السَّلَمِ وَبَيْنَ مَا إذَا هَلَكَتْ السِّلْعَةُ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ فِيمَا إذَا هَلَكَتْ السِّلْعَةُ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ فِي إقَالَةِ السَّلَمِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ فَاتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا؟ قُلْنَا: الْإِقَالَةُ فِي السَّلَمِ قِيلَ: قَبْضُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فُسِخَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالتَّحَالُفُ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ يَجْرِي فِي الْبَيْعِ لَا فِي الْفَسْخِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْمَهْرِ فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ وَقَالَتْ: تَزَوَّجَنِي بِأَلْفَيْنِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: أَمَّا قَبُولُ بَيِّنَةِ الْمَرْأَةِ فَظَاهِرٌ
[ ٨ / ٢٢٧ ]
(وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ، مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ) لِأَنَّ أَثَرَ التَّحَالُفِ فِي انْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فِيهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ يُفْسِدُهُ عَلَى مَا مَرَّ فَيُفْسَخُ،
لِأَنَّهَا تَدَّعِي الزِّيَادَةَ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي قَبُولِهِ بَيِّنَةَ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ مُنْكِرُ الزِّيَادَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لَا الْبَيِّنَةُ، وَإِنَّمَا قَبِلَتْ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ فِي الصُّورَةِ وَهِيَ كَافِيَةٌ لِقَبُولِهَا انْتَهَى (فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ) هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ (لِأَنَّهَا) أَيْ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمَرْأَةِ (تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ) وَقَالَ فِي تَوْجِيهِهِ (مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا) أَيْ مَهْرُ مِثْلِ الْمَرْأَةِ (أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ) وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَفْصِيلِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِنْ أَقَامَا فَلَا يَخْلُوا إمَّا أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْبَيِّنَةُ لِلْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْبَيِّنَةُ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْحَطَّ وَبَيِّنَتُهَا لَا تُثْبِتُ شَيْئًا لِثُبُوتِ مَا ادَّعَتْهُ بِشَهَادَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي تَحْرِيرِهِ خَلَلٌ، حَيْثُ حَكَمَ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِكَوْنِ الْبَيِّنَةِ لِلْمَرْأَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْأَوَّلُ أَيْضًا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ مِثْلَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ. وَمِنْ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْبَيِّنَةُ لِلْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَتَتَعَارَضُ بَيِّنَتَاهُمَا حَيْثُ تُثْبِتُ بَيِّنَتُهَا الزِّيَادَةَ وَتُثْبِتُ بَيِّنَتُهُ الْحَطَّ فَيَتَهَاتَرَانِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ حَتَّى الْمُتُونِ فِي بَابِ الْمَهْرِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْبَابِ مِنْ شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ فَلَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ الْخَلَلِ، إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِهِ مُجَرَّدَ الِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَتْهُ لَا التَّعْمِيمَ لِقَسَمِي كَوْنِ مَهْرِ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ، بِخِلَافِ تَحْرِيرِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فَإِنَّ عِبَارَةَ لَا يَخْلُو فِي قَوْلِهِ وَإِنْ أَقَامَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ أَوْ لَا تَقْتَضِي شُمُولَ الْأَقْسَامِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَفْهَامِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ صَاحِبِ الْكَنْزِ: وَإِنْ بَرْهَنَّا فَلِلْمَرْأَةِ، هَذَا إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ يَشْهَدُ لِلزَّوْجِ بِأَنْ كَانَ مِثْلَ مَا يَدَّعِي الزَّوْجُ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِلزَّوْجِ وَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ تُثْبِتُ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَكَانَتْ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ يَشْهَدُ لَهَا بِأَنْ كَانَ مِثْلَ مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ بَيِّنَةُ الزَّوْجِ أَوْلَى لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْحَطَّ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا لَا يَشْهَدُ لَهَا وَلَا لَهُ بِأَنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ وَأَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يَتَهَاتَرَانِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِثْبَاتِ، لِأَنَّ بَيِّنَتَهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَبَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ الْحَطَّ فَلَا تَكُونُ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى انْتَهَى.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ) أَيْ عَجَزَا مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (تَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِأَنَّ أَثَرَ التَّحَالُفِ فِي انْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فِيهِ) أَيْ فِي النِّكَاحِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَسْخِ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ يُفْسِدُهُ) لِبَقَائِهِ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ وَهُوَ فَاسِدٌ (عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، بَلْ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَيُقَالُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْبَدَلُ بَقِيَ بَيْعًا بِلَا بَدَلٍ وَهُوَ فَاسِدٌ (فَيُفْسَخُ) أَيْ الْبَيْعُ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْت: النَّصُّ
[ ٨ / ٢٢٨ ]
(وَلَكِنْ يَحْكُمُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ أَوْ أَقَلَّ قَضَى بِمَا قَالَ الزَّوْجُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ (وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ
بِشَرْعِيَّةِ التَّحَالُفِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَكَيْفَ تَعَدَّى حُكْمُ النَّصِّ مِنْ الْبَيْعِ إلَى النِّكَاحِ، أَوْ نَقُولُ: إنَّ التَّحَالُفَ إنَّمَا شُرِعَ فِي عَقْدٍ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لِمَا أَنَّ الْفَسْخَ مِنْ أَحْكَامِ التَّحَالُفِ وَلَا فَسْخَ فِي النِّكَاحِ بَعْدَ التَّحَالُفِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُشْرَعَ فِيهِ التَّحَالُفُ لِعَدَمِ حُكْمِهِ.
قُلْت: أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ وُرُودُ النَّصِّ فِي الْبَيْعِ فَقُلْنَا: إنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلتَّحَالُفِ هُنَاكَ مَوْجُودٌ هَاهُنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَثْبُتُ التَّحَالُفُ فِي النِّكَاحِ أَيْضًا بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلتَّحَالُفِ هُنَاكَ هُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ لِتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا، فَلِذَلِكَ قُوبِلَتْ بَيِّنَتُهُمَا وَيَمِينُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْكِرُ مَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْفَسْخَ حُكْمُ التَّحَالُفِ وَالْفَسْخُ لَيْسَ بِثَابِتٍ هَاهُنَا وَجَوَابُهُ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ التَّحَالُفَ إنَّمَا أَوْجَبَ الْفَسْخَ فِي التَّحَالُفِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبَبِ يَمِينِ الْآخَرِ لَزِمَ إخْلَاءُ الْعَقْدِ عَنْ الْبَدَلِ، وَالْبَدَلُ إذَا خَلَا فِي الْبَيْعِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ وَالْفَاسِدُ يُفْسَخُ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ إذَا خَلَا الْعِوَضُ عَنْهُ فَلَا يَفْسُدُ كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ التَّسْمِيَةَ، وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ لَا يُفْسَخُ إذْ الْفَسْخُ إنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ الْفَسَادِ فَافْتَرَقَا، إلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ انْتَهَى. وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ فِي هَذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ وَهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَوَابَيْنِ بَحْثٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلتَّحَالُفِ وَهُوَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مُدَّعِيًا وَمُنْكِرًا مَعَ عَدَمِ إمْكَانِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إنَّمَا يُوجَدُ هَاهُنَا قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ بُضْعَهَا إلَى الزَّوْجِ، وَأَمَّا بَعْدَ التَّسْلِيمِ فَلَا يُوجَدُ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَدَّعِي عَلَى الْمَرْأَةِ حِينَئِذٍ شَيْئًا إذْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ سَالِمٌ لَهُ.
بَقِيَ دَعْوَى الْمَرْأَةِ فِي زِيَادَةِ الْمَهْرِ وَالزَّوْجُ يُنْكِرُهَا عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَرَّرَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ قَبْلَ الْقَبْضِ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ لِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَمَا بَعْدَهُ، بَلْ كَانَتْ مُصَوَّرَةً فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ بِصُورَةٍ تَخُصُّ بِمَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَبَقِيَ السُّؤَالُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَرَى النَّصَّ مَعْلُومًا بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ حَاصِلَهُ بَيَانُ سَبَبِ عَدَمِ ثُبُوتِ الْفَسْخِ فِي النِّكَاحِ، وَهُوَ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِالنِّزَاعِ أَوْ التَّرَدُّدِ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْفَسْخِ فِي النِّكَاحِ، بَلْ حَاصِلُهُ أَنَّ التَّحَالُفَ إنَّمَا شُرِعَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْفَسْخُ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ فِي النِّكَاحِ يَنْبَغِي أَيْ لَا يَجْرِي فِيهِ التَّحَالُفُ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ التَّحَالُفَ لَمْ يَجْرِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْإِقَالَةِ فِي بَابِ السَّلَمِ الْفَسْخَ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فَتَأَمَّلْ (وَلَكِنْ يَحْكُمُ مَهْرُ الْمِثْلِ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ أَيْ لَكِنْ يَحْكُمُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِقَطْعِ النِّزَاعِ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ مَهْرُ الْمِثْلِ (مِثْلَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ أَوْ أَقَلَّ) أَيْ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ (قَضَى بِمَا قَالَ الزَّوْجُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ) أَيْ ظَاهِرَ الْحَالِ (شَاهِدٌ لَهُ) أَمَّا فِي صُورَةِ كَوْنِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِثْلَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ فَظَاهِرٌ لِمُوَافَقَةِ قَوْلِهِ مَهْرَ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا فِي صُورَةِ كَوْنِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ فَلِكَوْنِ قَوْلِهِ أَقْرَبَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ قَوْلِنَا (وَإِنْ كَانَ) أَيْ مَهْرُ الْمِثْلِ (مِثْلَ مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ أَكْثَرَ) أَيْ مِمَّا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ (قَضَى بِمَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ)
[ ٨ / ٢٢٩ ]
أَوْ أَكْثَرَ قَضَى بِمَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ قَضَى لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَحَالَفَا لَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا الْحَطُّ عَنْهُ.
قَالَ ﵀: ذَكَرَ التَّحَالُفَ أَوَّلًا ثُمَّ التَّحْكِيمَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَرْخِيِّ ﵀ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ مَعَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا بِالتَّحَالُفِ وَلِهَذَا يُقَدَّمُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَعْجِيلًا لِفَائِدَةِ النُّكُولِ كَمَا فِي الْمُشْتَرِي، وَتَخْرِيجُ الرَّازِيّ بِخِلَافِهِ
لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَهَا شَاهِدٌ حِينَئِذٍ لِمِثْلِ مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ قَضَى لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَحَالَفَا لَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ) أَيْ بِسَبَبِ حَلِفِ الزَّوْجِ (وَلَا الْحَطِّ عَنْهُ) أَيْ بِسَبَبِ حَلِفِ الْمَرْأَةِ (قَالَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ (ذَكَرَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ (التَّحَالُفَ أَوَّلًا ثُمَّ التَّحْكِيمَ، وَهَذَا) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ (قَوْلُ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ مَعَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ) لِأَنَّهُ مُوجِبُ نِكَاحٍ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ (وَسُقُوطُ اعْتِبَارِهَا بِالتَّحَالُفِ) أَيْ سُقُوطُ اعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا هُوَ بِالتَّحَالُفِ (فَلِهَذَا يُقَدَّمُ) أَيْ التَّحَالُفُ (فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) يَعْنِي فِيمَا إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، أَوْ كَانَ مِثْلَ مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَقَلَّ مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ فَهَذِهِ خَمْسَةُ وُجُوهٍ (وَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَعْجِيلًا لِفَائِدَةِ النُّكُولِ) لِأَنَّ أَوَّلَ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ أَوَّلُ الْيَمِينَيْنِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ (كَمَا فِي الْمُشْتَرِي) أَيْ كَمَا يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ تَعْجِيلًا لِفَائِدَةِ النُّكُولِ كَمَا مَرَّ مِنْ تَخْرِيجِ الرَّازِيّ (بِخِلَافِهِ) أَيْ تَخْرِيجُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّ الرَّازِيَّ يَقُولُ بِتَحْكِيمِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوَّلًا إذَا
[ ٨ / ٢٣٠ ]
وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَاهُ فِي النِّكَاحِ وَذَكَرْنَا خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ فَلَا نُعِيدُهُ
(وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ النِّكَاحَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِيهِ عَلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ فَهُوَ كَالْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إلَّا أَنَّ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ إذَا كَانَتْ مِثْلَ مَهْرِ الْمِثْلِ يَكُونُ لَهَا قِيمَتُهَا دُونَ عَيْنِهَا) لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا لَا يَكُونُ
شَهِدَ مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ بِالتَّحَالُفِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَاهُ) أَيْ تَخْرِيجَ الرَّازِيّ (فِي النِّكَاحِ) أَيْ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ (وَذَكَرْنَا خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ) هُوَ أَنَّ الْقَوْلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَوْلُ الزَّوْجِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مُسْتَنْكَرٍ، وَتَكَلَّمُوا فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ (فَلَا نُعِيدُهُ) أَيْ لَا نُعِيدُ ذِكْرَ خِلَافِهِ هَاهُنَا. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا أَيْ قَوْلُ الرَّازِيّ هُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ تَحْكِيمَ مَهْرِ الْمِثْلِ هَاهُنَا لَيْسَ لِإِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ بَلْ لِمَعْرِفَةِ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الدَّعَاوَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ مَعَ يَمِينِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ وَالْمَحْبُوبِيُّ انْتَهَى، وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَالُوا: إنَّ قَوْلَ الْكَرْخِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا يَثْبُتُ مَعَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ التَّسْمِيَةُ بِالتَّحَالُفِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ كَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَسْمِيَةٌ أَصْلًا فَيُصَارُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ مَهْرُ الْمِثْلِ مَعَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ كَيْفَ يَكُونُ الظَّاهِرُ مَعَ الَّذِي وَافَقَهُ مَهْرَ الْمِثْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: أَقُولُ: إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ غَيْرَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصَحَّ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ غَيْرَهُ فَاسِدٌ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِإِيجَابِهِ، وَأَمَّا لِتَحْكِيمِهِ لِمَعْرِفَةِ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ فَمَمْنُوعٌ انْتَهَى، وَأَنَا أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ غَيْرَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصَحَّ، فَلَا كَلَامَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا مَجَالَ لِإِرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُمْ مَا قَالُوا هُوَ صَحِيحٌ حَتَّى لَا يُنَافِيَ كَوْنَ غَيْرِهِ أَصَحَّ، بَلْ قَالُوا: هُوَ الصَّحِيحُ بِقَصْرِ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَهُوَ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ كَمَا تَرَى، فَإِذَا كَانَتْ صِفَةُ الصِّحَّةِ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّصِفَ غَيْرُهُ بِالْأَصَحِّيَّةِ وَالِاتِّصَافُ بِالْأَصَحِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الِاتِّصَافَ بِأَصْلِ الصِّحَّةِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ الصِّحَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا كَلَامَ فِي الْمُرَادِ لَا فِي الْإِرَادَةِ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا بَالُهُمْ لَا يُحَكِّمُونَ قِيمَةَ الْمَبِيعِ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ لِمَعْرِفَةِ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ كَمَا فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا مَحْظُورَ فِيهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ مَعْلُومٌ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ فَإِنَّهَا تُعْلَمُ بِالْحِرْزِ وَالظَّنِّ فَلَا تُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ فَلَا تُجْعَلُ حُكْمًا انْتَهَى. وَأَقُولُ: فِي جَوَابِهِ تَحْكُمُ، حَيْثُ جَعَلَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَمْرًا مَعْلُومًا ثَابِتًا بِيَقِينٍ، وَالْقِيمَةَ أَمْرًا مَظْنُونًا غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْمَعْرِفَةِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا مُتَفَاوِتَيْنِ فِي الْمَعْرِفَةِ فَمَهْرُ الْمِثْلِ أَخْفَى مِنْ الْقِيمَةِ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْمَهْرِ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ بِقَرَابَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا وَيُعْتَبَرُ فِيهِ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ سِنًّا وَجَمَالًا وَمَالًا وَعَقْلًا وَدِينًا وَبَلَدًا وَعَصْرًا وَبَكَارَةً وَثِيَابَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الشَّرَائِطِ عُسْرٌ جِدًّا، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ إذْ يَكْفِي فِيهَا نَوْعُ خِبْرَةٍ بِأَحْوَالِ الْأَمْتِعَةِ كَمَا لَا يَخْفَى.
فَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَا: قُلْنَا الْقَضَاءُ هُنَاكَ بِمَا يَدَّعِيهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مُطَابِقَةً لِمَا يَدَّعِيهِ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا ثَمَنًا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مَهْرًا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ:
وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ النِّكَاحَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ (وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِيهِ عَلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ فَهُوَ كَالْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ يَحْكُمُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ لَا، فَمَنْ شَهِدَ لَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ تَخْرِيجُ الرَّازِيّ، وَأَمَّا عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ فَيَتَحَالَفَانِ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (إلَّا أَنَّ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ إذَا كَانَتْ مِثْلَ مَهْرِ الْمِثْلِ يَكُونُ لَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (قِيمَتُهَا) أَيْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ (دُونَ عَيْنِهَا لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا لَا يَكُونُ
[ ٨ / ٢٣١ ]
إلَّا بِالتَّرَاضِي وَلَمْ يُوجَدْ فَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا) مَعْنَاهُ اخْتَلَفَا فِي الْبَدَلِ أَوْ فِي الْمُبْدَلِ لِأَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا مَرَّ، وَالْإِجَارَةُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ نَظِيرُ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَكَلَامُنَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ (فَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ
إلَّا بِالتَّرَاضِي وَلَمْ يُوجَدْ) أَيْ التَّرَاضِي (فَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ) أَيْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (مَعْنَاهُ اخْتَلَفَا فِي الْبَدَلِ) أَيْ الْأُجْرَةِ (أَوْ فِي الْمُبْدَلِ) أَيْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَهَذَا احْتِرَازٌ عَنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا فِيهِ. بَلْ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ. كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. ثُمَّ إنَّ الظَّاهِرَ كَانَ أَنْ يَزِيدَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْبَدَلِ أَوْ الْمُبْدَلِ أَوْ فِيهِمَا كَمَا زَادَهُ صَاحِبُ الْكَافِي لِيَتَنَاوَلَ الصُّوَرَ الثَّلَاثَةَ الْآتِيَةَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْبَدَلِ أَوْ الْمُبْدَلِ مَنْعَ الْخُلُوِّ احْتِرَازًا عَمَّا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا لَا مَنْعَ الْجَمْعِ فَيَتَنَاوَلُهُمَا أَيْضًا فَتَدَبَّرْ (لِأَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ فَكَانَ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ (وَالْإِجَارَةُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ نَظِيرُ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةِ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّبَرُّعِ (وَكَلَامُنَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ) لِأَنَّ وَضْعَ مَسْأَلَتِنَا فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَصَارَ الِاخْتِلَافُ فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ فَجَرَى التَّحَالُفُ هَاهُنَا كَمَا جَرَى ثَمَّةَ.
فَإِنْ قِيلَ: قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَرْطُ التَّحَالُفِ وَالْمَنْفَعَةُ مَعْدُومَةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجْرِيَ فِيهَا التَّحَالُفُ. قُلْنَا: فِي مَعْدُومٍ يَجْرِي التَّحَالُفُ كَمَا فِي السَّلَمِ وَأَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَصَارَتْ كَأَنَّهَا قَائِمَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ (فَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ) أَيْ لِوُجُوبِ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِ الْآجِرِ لِتَعْجِيلِ فَائِدَةِ النُّكُولِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ وَاجِبٌ أَوَّلًا عَلَى الْآجِرِ ثُمَّ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَهُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةَ التَّعْجِيلِ فَهُوَ الْأَسْبَقُ إنْكَارًا فَيَبْدَأُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ لَا يُمْتَنَعُ الْآجِرُ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضِ الْأُجْرَةِ فَبَقِيَ إنْكَارُ الْمُسْتَأْجِرِ لِزِيَادَةِ الْآجِرِ فَيَحْلِفُ انْتَهَى.
وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَ الشَّارِحِ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ مِنْ تَسْلِيمِهَا بِمَا اعْتَرَفَ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْهَا فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ إيَّاهَا وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى قَبْضِ الْأُجْرَةِ إلَّا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَيُّنِهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الْمُؤَجِّرُ مُنْكِرًا لِوُجُوبِ تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِمَا عَيَّنَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْإِجَارَةُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ نَظِيرَ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَهَذَا خَلَفٌ. وَالثَّانِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْبَيْعِ دُونَ الثَّمَنِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ هُنَاكَ أَيْضًا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضِ الْمَبِيعِ مَعَ أَنَّهُ يَبْدَأُ فِيهِ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي كَمَا يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ فِي صُورَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ، وَيُعَلِّلُ بِتَعْجِيلِ فَائِدَةِ النُّكُولِ، وَالثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ فَبَقِيَ إنْكَارُ الْمُسْتَأْجِرِ لِزِيَادَةِ الْأُجْرَةِ فَيَحْلِفُ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا إنْكَارَ لِلْمُؤَجِّرِ أَصْلًا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَحْلِفَ أَصْلًا فَيَخْتَلَّ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ وَضْعَهَا
[ ٨ / ٢٣٢ ]
(وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَنْفَعَةِ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَلَوْ أَقَامَاهَا فَبَيِّنَةُ الْمُؤَجِّرِ أَوْلَى إنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَنَافِعِ فَبَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا قُبِلَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْفَضْلِ) نَحْوُ أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا شَهْرًا بِعَشْرَةٍ وَالْمُسْتَأْجِرُ شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةٍ يَقْضِي بِشَهْرَيْنِ بِعَشْرَةٍ.
قَالَ (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَتَحَالَفَا
فِي التَّحَالُفِ لَا فِي حَلِفِ الْوَاحِدِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ لِلْمُؤَجِّرِ أَيْضًا إنْكَارَ الْمُسْتَأْجِرِ مَا يَقْتَضِي الْبَدْءَ بِيَمِينِهِ فَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ. ثُمَّ إنَّ تَاجَ الشَّرِيعَةِ أَجَابَ بَعْدَ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ اُعْتُبِرَتْ بِالْبَيْعِ، وَمِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمَ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ بَلْ يُعَدِّي حُكْمَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا انْتَهَى.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ لِأَنَّ هَذَا مَنْقُوضٌ بِالصُّورَةِ الثَّانِيَةِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ مَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ فَيَلْزَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ يُغَيِّرَ فِيهَا حُكْمَ النَّصِّ، وَأَنْ لَا يُعَدِّيَ حُكْمَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْبَدَلِ وَأَنْ يَقَعَ فِي الْمُبْدَلِ عَلَى مَا مَرَّ. ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ حُكْمَ النَّصِّ مُجَرَّدُ ثُبُوتِ التَّحَالُفِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَلَا يَلْزَمُ تَغْيِيرُ النَّصِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ وَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ (وَإِنْ وَقَعَ) أَيْ الِاخْتِلَافُ (فِي الْمَنْفَعَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِزِيَادَةِ الْمَنْفَعَةِ (وَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّ نُكُولَهُ بَدَلٌ أَوْ إقْرَارُهُ عَلَى مَا مَرَّ (وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ) لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ (وَلَوْ أَقَامَاهَا) أَيْ الْبَيِّنَةَ (فَبَيِّنَةُ الْمُؤَجِّرِ أَوْلَى إنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ حِينَئِذٍ (وَإِنْ كَانَ) أَيْ الِاخْتِلَافُ (فِي الْمَنَافِعِ فَبَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ) أَيْ فَبَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْلَى لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ حِينَئِذٍ (وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا) أَيْ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ وَالْمَنَافِعِ مَعًا (قُبِلَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْفَضْلِ نَحْوُ أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا) أَيْ الْمُؤَجَّرُ (شَهْرًا بِعَشْرَةٍ وَالْمُسْتَأْجِرُ شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةٍ يَقْضِي بِشَهْرَيْنِ بِعَشْرَةٍ) لَا يُقَالُ: كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَدِّمَ ذِكْرَ أَحْوَالِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذِكْرِ أَحْوَالِ الْيَمِينِ وَالنُّكُولِ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَالنُّكُولُ فَرْعُ تَكْلِيفِ الْيَمِينِ.
وَقَدْ عَكَسَ الْمُصَنِّفُ الْأَمْرَ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْعُمْدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ أَمْرِ التَّحَالُفِ وَبَاقِي الْأَقْسَامِ اسْتِطْرَادِيٌّ، فَقَدَّمَ الْأَهَمَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَكَأَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَيْثُ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الْمُصَنِّفِ فَقَدَّمَ ذِكْرَ أَحْوَالِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ) أَيْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ (لَمْ يَتَحَالَفَا
[ ٨ / ٢٣٣ ]
وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ هَلَاكَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْهَلَاكَ إنَّمَا لَا يُمْنَعُ عِنْدَهُ فِي الْمَبِيعِ لِمَا أَنَّ لَهُ قِيمَةً تَقُومُ مَقَامَهُ فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهَا، وَلَوْ جَرَى التَّحَالُفُ هَاهُنَا وَفَسْخُ الْعَقْدِ فَلَا قِيمَةَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالْعَقْدِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَقْدَ. وَإِذَا امْتَنَعَ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ وَكَانَ الْقَوْلُ فِي الْمَاضِي قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَيَصِيرُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا تَعَذَّرَ فِي الْبَعْضِ تَعَذَّرَ فِي الْكُلِّ. .
قَالَ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْمُكَاتَبُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَتَحَالَفَانِ وَتُفْسَخُ الْكِتَابَةُ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَالْجَامِعُ أَنَّ الْمَوْلَى يَدَّعِي بَدَلًا زَائِدًا يُنْكِرُهُ الْعَبْدُ وَالْعَبْدُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ
وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ التَّحَالُفِ هَاهُنَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ هَلَاكَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُمَا) وَقَدْ هَلَكَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هَاهُنَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّهُ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ (وَكَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْهَلَاكَ إنَّمَا لَا يُمْنَعُ عِنْدَهُ فِي الْمَبِيعِ لِمَا أَنَّ لَهُ) أَيْ لِلْمَبِيعِ (قِيمَةً تَقُومُ مَقَامَهُ) لِأَنَّ الْعَيْنَ مُتَقَوِّمَةٌ بِنَفْسِهَا فَكَانَتْ الْقِيمَةُ قَائِمَةً مَقَامَهَا (فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهَا) أَيْ الْمُتَعَاقِدَانِ عِنْدَهُ عَلَى الْقِيمَةِ (وَلَوْ جَرَى التَّحَالُفُ هَاهُنَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَائِدَةَ التَّحَالُفِ هِيَ الْفَسْخُ (فَلَا قِيمَةَ) أَيْ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالْعَقْدِ) أَيْ بَلْ تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ (وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَقْدَ) أَيْ وَتَبَيَّنَ بِحَلِفِهِمَا أَنَّهُ لَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا لِانْفِسَاخِهِ مِنْ الْأَصْلِ، فَظَهَرَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْمَنْفَعَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ قَائِمٍ وَلَا الَّذِي يَقُومُ مَقَامَهُ فَامْتَنَعَ التَّحَالُفُ (وَإِذَا امْتَنَعَ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ) أَيْ وَهُوَ الَّذِي اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ، وَمَتَى وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْكَافِي (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ وَكَانَ الْقَوْلُ فِي الْمَاضِي قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ (لِأَنَّ الْعَقْدَ) أَيْ عَقْدَ الْإِجَارَةِ (يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً) عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنْفَعَةِ (فَيَصِيرُ) أَيْ الْعَقْدُ (فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فَصَارَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَنَافِعِ كَالْمُنْفَرِدِ بِالْعَقْدِ فَكَانَ الِاخْتِلَافُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ التَّحَالُفُ. وَأَمَّا الْمَاضِي فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَاضِيَةَ هَالِكَةٌ، فَكَانَ الِاخْتِلَافُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا تَحَالُفَ فِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا مَرَّ آنِفًا (بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا تَعَذَّرَ فِي الْبَعْضِ تَعَذَّرَ فِي الْكُلِّ) ضَرُورَةً.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْمُكَاتَبُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَالْقَوْلُ لِلْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (وَقَالَا: يَتَحَالَفَانِ وَتُفْسَخُ الْكِتَابَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَالْجَامِعُ أَنَّ الْمَوْلَى يَدَّعِي بَدَلًا زَائِدًا يُنْكِرُهُ الْعَبْدُ وَالْعَبْدُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ)
[ ٨ / ٢٣٤ ]
عِنْدَ أَدَاءِ الْقَدْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُهُ فَيَتَحَالَفَانِ كَمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ فِي حَقِّ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ لِلْحَالِ وَهُوَ سَالِمٌ لِلْعَبْدِ وَإِنَّمَا يَنْقَلِبُ مُقَابَلًا بِالْعِتْقِ عِنْدَ الْأَدَاءِ فَقَبْلَهُ لَا مُقَابَلَةَ فَبَقِيَ اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ لَا غَيْرُ فَلَا يَتَحَالَفَانِ. .
قَالَ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ كَالْعِمَامَةِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ (وَمَا يَصْلُحُ
أَيْ عَلَى الْمَوْلَى (عِنْدَ أَدَاءِ الْقَدْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُهُ فَيَتَحَالَفَانِ كَمَا إذَا اخْتَلَفَا) أَيْ الْمُتَبَايِعَانِ (فِي الثَّمَنِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَدَلَ) أَيْ بَدَلَ الْكِتَابَةِ (مُقَابِلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَقَدْ وَجَبَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْعَبْدِ فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعَبْدِ أَيْضًا شَيْءٌ وَمَا ذَاكَ إلَّا فَكُّ الْحَجْرِ (فِي بَدَلِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ لِلْحَالِ) اللَّامُ فِي الْحَالِ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَابِلٍ أَيْ مُقَابِلٌ لِلْحَالِ.
الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ (سَالِمٌ لِلْعَبْدِ) لِاتِّفَاقِ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى عَلَى ثُبُوتِ الْكِتَابَةِ (وَإِنَّمَا يَنْقَلِبُ) أَيْ الْبَدَلُ (مُقَابِلًا بِالْعِتْقِ عِنْدَ الْأَدَاءِ) أَيْ عِنْدَ أَدَاءِ الْمُكَاتَبِ بَدَلَ الْكِتَابَةِ بِتَمَامِهِ (فَقَبِلَهُ) أَيْ قَبِلَ الْأَدَاءَ (لَا مُقَابَلَةً) أَيْ لَا مُقَابَلَةً بِالْعِتْقِ وَإِلَّا لِعِتْقٍ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَكَانَ هَذَا نَظِيرَ إجَارَةِ الدَّارِ حَيْثُ جَعَلْنَا رَقَبَةَ الدَّارِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فِي الْإِجَارَةِ أَصْلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهَا إلَى الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ الْمَطْلُوبَةُ آخِرًا، فَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ جَعَلْنَا الْفَكَّ فِي حَقِّ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ أَصْلًا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، ثُمَّ عِنْدَ الْأَدَاءِ جَعَلْنَا الْعِتْقَ أَصْلًا وَانْتَقَلَ مِنْ فَكِّ الْحَجْرِ إلَى الْعِتْقِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ (فَبَقِيَ اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ لَا غَيْرُ) يَعْنِي إذَا كَانَ مَا يُقَابِلُ الْبَدَلَ فِي الْحَالِ سَالِمًا لِلْعَبْدِ فَقَدْ بَقِيَ أَمْرُهُمَا اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ لَا غَيْرُ (فَلَا يَتَحَالَفَانِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا عَلَى الْمَوْلَى، بَلْ هُوَ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمَوْلَى مِنْ الزِّيَادَةِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَتَهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِهَا، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى أَوْلَى لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَدَّى قَدْرَ مَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ يُعْتَقُ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْحُرِّيَّةَ لِنَفْسِهِ عِنْدَ أَدَاءِ هَذَا الْقَدْرِ فَوَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَدَّى خَمْسَمِائَةٍ يُعْتَقُ، وَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ بَدَلُ الْكِتَابَةِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ كَمَا اسْتَحَقَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تَرْتَفِعُ بَعْدَ النُّزُولِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ) أَيْ مَعَ الْيَمِينِ، وَكَذَا فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ وَالْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ (كَالْعِمَامَةِ) وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْقَبَاءِ وَالْكُتُبِ وَالْقَوْسِ وَالدِّرْعِ وَالْمِنْطَقَةِ وَنَحْوِهَا (لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ) وَفِي الدَّعَاوَى الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ (وَمَا يَصْلُحُ
[ ٨ / ٢٣٥ ]
لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ كَالْوِقَايَةِ) لِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ لَهَا (وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالْآنِيَةِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ وَالْقَوْلُ فِي الدَّعَاوَى لِصَاحِبِ الْيَدِ، بِخِلَافِ مَا يَخْتَصُّ بِهَا لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ ظَاهِرٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ.
(فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا) لِأَنَّ الْيَدَ لِلْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ كَالْوِقَايَةِ) وَالدِّرْعِ وَالْخِمَارِ وَالْمِلْحَفَةِ وَالْمُلَاءَةِ وَنَحْوِهَا (لِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ لَهَا) قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: إلَّا إذَا كَانَ الرَّجُلُ صَانِعًا وَلَهُ أَسَاوِرُ وَخَوَاتِيمُ النِّسَاءِ وَالْحُلِيُّ وَالْخَلْخَالُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَهَا، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَبِيعُ ثِيَابَ الرِّجَالِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالْآنِيَةِ) وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْعَقَارِ وَنَحْوِهَا (فَهُوَ لِلرِّجَالِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ) لِأَنَّهُ قِوَامٌ عَلَيْهَا وَالسُّكْنَى تُضَافُ إلَيْهِ (وَالْقَوْلُ فِي الدَّعَاوَى لِصَاحِبِ الْيَدِ) أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَذَا هُنَا (بِخِلَافِ مَا يَخْتَصُّ بِهَا) أَيْ بِالنِّسَاءِ (لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ) أَيْ يُعَارِضُ ظَاهِرَ الزَّوْجِ بِالْيَدِ (ظَاهِرٌ أَقْوَى مِنْهُ) وَهُوَ يَدُ الِاخْتِصَاصِ بِالِاسْتِعْمَالِ فَجَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهَا كَالرَّجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَوْبٍ أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِكُمِّهِ فَإِنَّ اللَّابِسَ أَوْلَى، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَيَنْدَفِعُ بِهَذَا مَا إذَا اخْتَلَفَا الْعَطَّارُ وَالْإِسْكَافُ فِي آلَاتِ الْأَسَاكِفَةِ وَالْعَطَّارِينَ وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمَا فَإِنَّهَا تَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا، وَلَمْ يُرَجَّحْ بِالِاخْتِصَاصِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا هُوَ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَلَمْ نُشَاهِدْ اسْتِعْمَالَ الْأَسَاكِفَةِ وَالْعَطَّارِينَ وَشَاهَدْنَا كَوْنَ هَذِهِ الْآلَاتِ فِي أَيْدِيهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَجَعَلْنَاهَا نِصْفَيْنِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْفَرْقِ لُزُومُ اسْتِعْمَالِ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ مُشَاهَدًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي سَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّ مُجَرَّدَ الصَّلَاحِيَّةِ لِأَحَدِهِمَا كَافٍ فِي التَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ نُشَاهِدْ اسْتِعْمَالَهُ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ) أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيمَا مَرَّ مِنْ الْجَوَابِ، ثُمَّ إنَّ مَا ذُكِرَ حُكْمُ الِاخْتِلَافِ قَبْلَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا.
(فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا) أَيُّهُمَا كَانَ (لِأَنَّ الْيَدَ لِلْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ) أَيْ لَا يَدَ لِلْمَيِّتِ (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ (قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ لَيْسَ قَوْلُهُ خَاصَّةً، فَإِنَّ كَوْنَ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا
[ ٨ / ٢٣٦ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْفَعُ إلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا، وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي بِالْجِهَازِ وَهَذَا أَقْوَى فَيَبْطُلُ بِهِ ظَاهِرُ يَدِ الزَّوْجِ، ثُمَّ فِي الْبَاقِي لَا مُعَارِضَ لِظَاهِرٍ فَيُعْتَبَرُ (وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ) لِقِيَامِ الْوَرَثَةِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَا كَانَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ، وَمَا يَكُونُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرَّجُلِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ) لِمَا قُلْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ (وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ) لِقِيَامِ الْوَارِثِ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا فَالْمَتَاعُ لِلْحُرِّ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ) لِأَنَّ يَدَ الْحُرِّ أَقْوَى (وَلِلْحَيِّ بَعْدَ الْمَمَاتِ)
يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْفَعُ إلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْمُشْكِلِ، وَأَمَّا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَقَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مِثْلِهَا، هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ نَوْعُ تَخْلِيطٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا فِيمَا ذُكِرَ قَوْلُهُمَا فِي حَقِّ الْمُشْكِلِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالْآنِيَةِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْفَعُ لِلْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَالْبَاقِي) أَيْ مِنْ الْمُشْكِلِ (لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي بِالْجِهَازِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ يَدْفَعُ إلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا (وَهَذَا أَقْوَى) أَيْ هَذَا الظَّاهِرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي بِالْجِهَازِ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ (فَيَبْطُلُ بِهِ ظَاهِرُ يَدِ الزَّوْجِ) وَهُوَ يَدُهُ (ثُمَّ فِي الْبَاقِي لَا مُعَارِضَ لِظَاهِرِهِ) أَيْ لِظَاهِرِ الزَّوْجِ (فَيُعْتَبَرُ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ فِي الْبَاقِي إلَى هُنَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ (وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (لِقِيَامِ الْوَرَثَةِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ).
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا كَانَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ، وَمَا يَكُونُ لَهُمَا فَهُوَ (لِلرَّجُلِ) أَيْ إنْ كَانَ حَيًّا (أَوْ لِوَرَثَتِهِ) إنْ كَانَ مَيِّتًا (لِمَا قُلْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ) مِنْ الدَّلِيلِ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ وَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيَاةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَمَاتِ فَقَوْلُهُ (وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ لِقِيَامِ الْوَارِثِ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ) وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ: مُحَمَّدٌ يَقُولُ: وَرَثَةُ الزَّوْجِ يَقُومُونَ مَقَامَ الزَّوْجِ لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي مَالِهِ؛ فَكَمَا أَنَّ فِي الْمُشْكِلِ الْقَوْلَ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَمَاتِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَتِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: يَدُ الْبَاقِي مِنْهُمَا إلَى الْمَتَاعِ أَسْبَقُ، لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَثْبُتُ يَدَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، وَكَمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِقُوَّةِ الْيَدِ نَظَرًا إلَى صَلَاحِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَذَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِسَبْقِ الْيَدِ لِأَنَّ يَدَ الْبَاقِي مِنْهُمَا يَدُ نَفْسِهِ وَيَدَ الْوَارِثِ خَلَفٌ عَنْ يَدِ الْمُوَرِّثِ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنْ التَّرْجِيحِ فَكَانَ الْمُشْكِلُ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (مَمْلُوكًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَحْجُورًا أَوْ مَأْذُونًا لَهُ أَوْ مُكَاتَبًا (فَالْمَتَاعُ لِلْحُرِّ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ يَدَ الْحُرِّ أَقْوَى) لِكَوْنِ الْيَدِ يَدَ نَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَدُ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْمَوْلَى وَالْأَقْوَى أَوْلَى، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْحُرَّيْنِ، فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ لِقُوَّةِ يَدِهِ فِيهِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ لِذَلِكَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (وَلِلْحَيِّ بَعْدَ الْمَمَاتِ) أَيْ وَالْمَتَاعُ لِلْحَيِّ
[ ٨ / ٢٣٧ ]
لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِلْمَيِّتِ فَخَلَتْ يَدُ الْحَيِّ عَنْ الْمُعَارِضِ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ) لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي الْخُصُومَاتِ.