وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هَاهُنَا: وَلَيْسَ هَذَا بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَطَفَ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ ابْتِدَائِيًّا انْتَهَى. أَقُولُ: يُرْشِدُ إلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: وَلَوْ قَالَ لِأَحَدِهِمَا نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ نِصْفُهَا وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ وَهَبَ لِأَحَدِهِمَا نِصْفَهَا وَلِلْآخِرِ نِصْفَهَا، إذْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْعَطْفَ عَلَى أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً مُبْتَدَأَةً فَيَجِبُ أَنْ يَقُولَ وَلَوْ وَهَبَ بَدَلَ وَلَوْ قَالَ كَمَا فِي سَائِرِ مَسَائِلِ الْهِبَةِ، وَلَمَّا قَالَ: وَلَوْ قَالَ عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَطْفُ عَلَى مَا فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ التَّفْصِيلِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِوُقُوعِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ فِي الْأُولَى بِطَرِيقِ الْمُفَاضَلَةِ وَفِي الْأُخْرَى بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
(بَابُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ) لَمَّا كَانَ حُكْمُ الْهِبَةِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِلْكًا غَيْرَ لَازِمٍ حَتَّى يَصِحَّ الرُّجُوعُ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ مَوَاضِعِ الرُّجُوعِ وَمَوَانِعِهِ
[ ٩ / ٣٨ ]
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ هِبَةً لِأَجْنَبِيٍّ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا رُجُوعَ فِيهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ» وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ يُضَادُّ التَّمْلِيكَ، وَالْعَقْدُ لَا يَقْتَضِي مَا يُضَادُّهُ، بِخِلَافِ هِبَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ التَّمْلِيكُ؛ لِكَوْنِهِ جُزْءًا لَهُ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» أَيْ مَا لَمْ يُعَوَّضْ؛
وَهَذَا بَابُهُ (قَوْلُهُ: وَإِذَا وَهَبَ هِبَةً لِأَجْنَبِيٍّ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا اللَّفْظُ يَحْتَاجُ إلَى الْقُيُودِ: أَيْ إذَا وَهَبَ هِبَةً لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ لِذِي رَحِمٍ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ أَوْ لِذِي مَحْرَمٍ لَيْسَ بِرَحِمٍ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِوَضِ وَالزِّيَادَةِ وَغَيْرِهَا حَالَةَ عَقْدِ الْهِبَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا إمَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالرِّضَا مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ، وَبَيَّنَ كَوْنَ هَذِهِ الْقُيُودِ مُحْتَاجًا إلَيْهَا بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ هَاهُنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، فَخَرَجَ مِنْهُ مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ وَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ كَبَنِي الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ وَمَنْ كَانَ مَحْرَمًا لَيْسَ بِذِي رَحِمٍ كَالْأَخِ الرَّضَاعِيِّ، وَخَرَجَ بِالتَّذْكِيرِ فِي قَوْلِهِ: " وَهَبَ " وَ" أَجْنَبِيٍّ " الزَّوْجَانِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدِهِمَا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ. وَالثَّانِي وَلَمْ يَقْتَرِنْ مِنْ مَوَانِعِ الرُّجُوعِ شَيْءٌ حَالَ عَقْدِ الْهِبَةِ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُمَا اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ يُفْهَمُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ وَخَرَجَ بِالتَّذْكِيرِ فِي قَوْلِهِ " وَهَبَ " وَ" أَجْنَبِيٍّ " الزَّوْجَانِ خَلَلٌ فَاحِشٌ، إذْ لَوْ قَصَدَ بِالتَّذْكِيرِ فِي قَوْلِهِ وَهَبَ وَأَجْنَبِيٍّ إخْرَاجَ الْمُؤَنَّثِ لَخَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلُّ هِبَةٍ كَانَتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، وَكُلُّ هِبَةٍ كَانَتْ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْهَا الْهِبَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُ ذَلِكَ، بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ التَّذْكِيرَ الْوَاقِعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ الْمُؤَنَّثِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْجَرْيِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي أَمْثَالِهَا مِنْ تَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ كَمَا فِي خِطَابَاتِ الشَّرْعِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَأَنَّ الزَّوْجَيْنِ إنَّمَا يَخْرُجَانِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِثَانِي الْقَيْدَيْنِ اللَّذَيْنِ اعْتَرَفَ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، وَاعْتَذَرَ عَنْ تَرْكِهِمَا بِمَا ذَكَرَ وَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ مِنْ مَوَانِعِ الرُّجُوعِ شَيْءٌ حَالَ عَقْدِ الْهِبَةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْمَوَانِعِ، ثُمَّ أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ انْفِهَامَ الْقَيْدِ الْأَوَّلِ مِنْ ذَيْنِك الْقَيْدَيْنِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَالْعُهْدَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقُدُورِيِّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ مُخْتَصَرِهِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» أَيْ مَا لَمْ يُعَوَّضْ) لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَكُونُ
[ ٩ / ٣٩ ]
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ هُوَ التَّعْوِيضُ لِلْعَادَةِ،
حُجَّةً. لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ اسْمَ الْهِبَةِ عَلَى الْمَالِ، وَذَا لَا يَكُونُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلِأَنَّهُ ﵊ جَعَلَهُ أَحَقَّ بِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فِيهَا حَقٌّ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَخَلَا قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا عَنْ الْفَائِدَةِ إذْ هُوَ أَحَقُّ وَإِنْ شَرَطَ الْعِوَضِ قَبْلَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا إلَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْجَوَابِ، وَقَدْ أَشَارَ فِي الْكَافِي أَيْضًا إلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» أَيْ لَمْ يُعَوَّضْ، وَالْمُرَادُ حَقُّ الرُّجُوعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ هِبَةً حَقِيقَةً قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَإِضَافَتُهَا إلَى الْوَاهِبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ كَرَجُلٍ يَقُولُ أَكَلْنَا خُبْزَ فُلَانٍ الْخَبَّازِ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَثْبَتَ لِلْوَاهِبِ حَقًّا أَغْلَبَ مِنْ حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْحَقَّانِ، وَحَقُّ الْوَاهِبِ أَغْلَبُ لَا بَعْدَ تَمَامِ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ، إذْ لَا حَقَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلِأَنَّهُ مَدَّ هَذَا الْحَقَّ إلَى وُصُولِ الْعِوَضِ إلَيْهِ، وَذَا فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ بَحْثٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ إطْلَاقِ اسْمِ الْهِبَةِ عَلَى الْمَالِ حَقِيقَةً قَبْلَ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ الْهِبَةِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ تَحَقَّقَ حُكْمُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ فَكَانَ خَارِجًا عَنْ حَقِيقَةِ الْهِبَةِ. وَلَئِنْ سَلِمَ عَدَمُ صِحَّةِ إطْلَاقِ اسْمِ الْهِبَةِ عَلَى الْمَالِ حَقِيقَةً قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَمَا فِي نَحْوِ ﴿أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وَقَدْ جُوِّزَتْ إضَافَتُهَا إلَى الْوَاهِبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ وَهَذَا لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَاكَ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَفْعَلَ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنَى التَّفْضِيلِ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَوْ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ حَالَ كَوْنِهِ عَارِيًّا عَنْ اللَّامِ وَالْإِضَافَةِ وَمِنْ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَلَفْظُ أَحَقُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَارٍ عَنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمَزْبُورَةِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنَى التَّفْضِيلِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى الْوَاهِبُ حَقِيقٌ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا فَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فِيهَا حَقٌّ.
نَعَمْ الظَّاهِرُ الشَّائِعُ أَنْ تَكُونَ صِيغَةُ أَفْعَلَ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَى التَّفْضِيلِ، لَكِنَّ الْمُعْتَرِضَ مَانِعٌ مُسْتَنِدٌ بِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْنَى التَّفْضِيلِ مَقْصُودًا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِمَالَ كَافٍ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ قَادِحٌ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ، عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ مَعْنَى التَّفْضِيلِ مَقْصُودًا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَصَارَ الْمُرَادُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ حَقٌّ أَغْلَبُ مِنْ حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِيهَا لَمَّا كَانَ الرُّجُوعُ عَنْهَا مَكْرُوهًا، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﵊ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ فِي حُكْمِ تَفْضِيلِ الْفَاضِلِ وَتَرْجِيحِ الْغَالِبِ، فَالْوَجْهُ تَجْرِيدُ أَحَقَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ مَعْنَى التَّفْضِيلِ تَطْبِيقًا لِلْمَقَامَيْنِ وَتَوْفِيقًا لِلْكَلَامَيْنِ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَدَحَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَيْضًا مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا يَجُرُّ إلَى الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْغَايَةِ وَقَدْ نَفَاهُ الشَّارِحُ: يَعْنِي صَاحِبَ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: صَرَّحَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي التَّلْوِيحِ فِي بَابِ الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْغَايَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَنْفِيهِ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ هُوَ التَّعْوِيضُ لِلْعَادَةِ)؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُهْدِي إلَى مَنْ فَوْقَهُ لَيَصُونَهُ بِجَاهِهِ، وَإِلَى مَنْ دُونَهُ لِيَخْدُمَهُ
[ ٩ / ٤٠ ]
فَتَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْفَسْخِ عِنْدَ فَوَاتِهِ، إذْ الْعَقْدُ يَقْبَلُهُ، وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ نَفْيُ اسْتِبْدَادٍ وَالرُّجُوعُ وَإِثْبَاتُهُ لِلْوَالِدِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ لِلْحَاجَةِ وَذَلِكَ يُسَمَّى رُجُوعًا. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لِبَيَانِ الْحُكْمِ، أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلَازِمَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» وَهَذَا لِاسْتِقْبَاحِهِ.
وَإِلَى مَنْ يُسَاوِيهِ لِيُعَوِّضَهُ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ خِلَافُ الْمُدَّعَى حَيْثُ خَصَّ التَّعْوِيضَ بِالْمُتَسَاوِيَيْنِ وَالْمُدَّعَى كَانَ أَعَمَّ انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا الدَّخْلِ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: قُلْت: فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا فِي الثَّالِثِ، وَمَعَ هَذَا لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْكُلِّ مَا لَمْ يُعَوَّضْ انْتَهَى. أَقُولُ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ مَا ذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْوِيضِ فِي قَوْلِهِ وَإِلَى مَنْ يُسَاوِيهِ لِيُعَوِّضَهُ هُوَ التَّعْوِيضُ الْمَالِيُّ، وَبِالتَّعْوِيضِ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ هُوَ التَّعْوِيضُ مَا يَعُمُّ التَّعْوِيضَ بِالصِّيَانَةِ وَبِالْخِدْمَةِ وَبِالْمَالِ، فَالْمَخْصُوصُ بِالْمُتَسَاوِيَيْنِ هُوَ التَّعْوِيضُ الْمَالِيُّ، وَأَمَّا التَّعْوِيضُ الْمُطْلَقُ فَيُوجَدُ فِي الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَالْمُسَاوِي، وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ يَشْمَلُ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ فَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُ الْمُدَّعَى أَعَمَّ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْكُلِّ مَا لَمْ يُعَوَّضْ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ لَيْسَ بِمُنْفَرِدٍ فِي ذَلِكَ التَّقْرِيرِ بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَغَيْرُهُ فَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الْهِبَةِ لِلْأَجَانِبِ الْعِوَضُ وَالْمُكَافَأَةُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُهْدِي إلَى مَنْ فَوْقَهُ لِيَصُونَهُ بِجَاهِهِ وَإِلَى مَنْ دُونَهُ لِيَخْدُمَهُ وَإِلَى مَنْ يُسَاوِيهِ لِيُعَوِّضَهُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْأَيَادِي قُرُوضٌ انْتَهَى. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ التَّسْهِيلِ اعْتَرَضَ عَلَى أَصْلِ هَذَا الدَّلِيلِ حَيْثُ قَالَ: أَقُولُ: عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَوْ قُيِّدَ بِنَفْيِ الْعِوَضِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْعِوَضَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ ﵊ " مَا لَمْ يُعَوَّضْ " يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ وَإِنْ قُيِّدَ بِنَفْيِ الْعِوَضِ. انْتَهَى.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِإِنَّا لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَ أَنَّ الْعِوَضَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ عِنْدَ التَّقْيِيدِ بِنَفْيِ الْعِوَضِ، فَإِنَّ التَّعْوِيضَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَيْسَ بِإِيجَابِ الْوَاهِبِ إيَّاهُ وَإِلْغَائِهِ بَلْ بِحَسَبِ مُرُوءَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَجَرْيِ الْعَادَةِ عَلَى التَّعْوِيضِ، وَبِنَفْيِ الْوَاهِبِ التَّعْوِيضَ لَا يَفُوتُ ذَلِكَ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ نَفْيُهُ إيَّاهُ سَبَبًا لِهَيَجَانِ مُرُوءَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ الْوَاهِبُ بِنَفْيِهِ إيَّاهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ظُهُورَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ عِلَّةٌ نَوْعِيَّةٌ لِإِثْبَاتِ نَوْعِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاطِّرَادَ فِي كُلِّ صُورَةٍ كَمَا قَالُوا مِثْلَ هَذَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْ عَدَمِ جَوَازِ هِبَةِ الْمُشَاعِ فِيمَا يُقَسَّمُ فِيمَا مَرَّ فَتَذَكَّرْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ لِلْحَاجَةِ وَذَلِكَ يُسَمَّى رُجُوعًا) أَيْ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا فِي الْحُكْمِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: بَلْ شِرَاءً إضْرَابًا عَنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا فِي الْحُكْمِ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَمَلُّكِ الْوَالِدِ هَاهُنَا تَمَلُّكُهُ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ لَا بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مِمَّا لَا مِسَاسَ لَهُ بِالْهِبَةِ فَلَا يُنَاسِبُ تَأْوِيلَ الْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ قَطْعًا؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُمْ لِلْحَاجَةِ يُعَيِّنُ الْأَوَّلَ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْحَاجَةِ فِي تَمَلُّكِهِ بِالشِّرَاءِ، عَلَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِالْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْوَلَدِ وَلَا قَضَاءِ الْقَاضِي إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ مِنْ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالرُّجُوعِ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إلَى ذَلِكَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ انْتَهَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ، أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلَازِمَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» وَهَذَا لِاسْتِقْبَاحِهِ) قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ: قِيلَ قَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى كَرَاهَةِ الرُّجُوعِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ثُمَّ يَشْتَرِطُونَ
[ ٩ / ٤١ ]
ثُمَّ لِلرُّجُوعِ مَوَانِعُ ذَكَرَ بَعْضَهَا فَقَالَ (إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (أَوْ تَزِيدَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى الرُّجُوعِ فِيهَا دُونَ الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَلَا مَعَ الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ دُخُولِهَا تَحْتَ الْعَقْدِ.
فِي جَوَازِهِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءَ، فَإِذَا كَانَ الرُّجُوعُ بِالرِّضَا فَلَا كَلَامَ فِيهِ وَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِالْقَضَاءِ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِلْقَاضِي الْإِعَانَةُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ إعَانَتُهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى مُنْتِجَةٌ لِلْجَوَازِ؟ وَإِذَا كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَضَاءِ غَيْرَ جَائِزٍ فَبَعْدَهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لَا يُحَلِّلُ الْحَرَامَ وَلَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ، وَإِنَّمَا قَضَاءُ الْقَاضِي إعَانَةٌ لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى وُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ، فَإِذَا كَانَ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ لَا يَحِلُّ لَا يَصِيرُ بِالْقَضَاءِ حَلَالًا، وَقَدْ اعْتَرَفَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي أَصْلِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَهَاءً فَكَيْفَ يَسُوغُ لِلْقَاضِي الْإِقْدَامُ عَلَى أَمْرٍ وَاهٍ مَكْرُوهٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: هَذَا الْإِشْكَالُ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْقَضَاءِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَاذَا، فَإِنَّ الَّذِي كَانَ مَكْرُوهًا إنَّمَا هُوَ نَفْسُ الرُّجُوعِ عَنْ الْهِبَةِ لَا جَوَازُ الرُّجُوعِ عَنْهَا، وَاَلَّذِي يَكُونُ مَحَلًّا لِلْقَضَاءِ إنَّمَا هُوَ جَوَازُ الرُّجُوعِ عَنْهَا لَا نَفْسُ الرُّجُوعِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقُولُ لِلْوَاهِبِ فِي حُكْمِهِ لَهُ عِنْدَ التَّرَافُعِ مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ارْجِعْ عَنْ هِبَتِك، بَلْ يَقُولُ لَك الرُّجُوعُ عَنْهَا مَعَ كَرَاهَةٍ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي قَضَائِهِ هَذَا إعَانَةٌ عَلَى أَمْرٍ مَكْرُوهٍ بَلْ فِيهِ إجْرَاءُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى أَصْلِ أَئِمَّتِنَا، وَهُوَ جَوَازُ الرُّجُوعِ عَنْ الْهِبَةِ مَعَ كَرَاهَةٍ فِيهِ، فَإِنْ رَجَعَ الْوَاهِبُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُرْتَكِبًا لِلْمَكْرُوهِ بِطَوْعِ نَفْسِهِ لَا بِإِعَانَةِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ دَفْعِهَا إلَيْهِ يُلْزِمُهُ الْقَاضِي دَفْعَهَا إلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا إلْزَامُ الْمَكْرُوهِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْهِبَةِ إلَى الْوَاهِبِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمَوْهُوبِ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ الْوَاهِبُ عَنْهَا بِلَا مَانِعٍ عَنْ الرُّجُوعِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الرُّجُوعِ مَكْرُوهًا. ثَمَّ إنَّ الْقَاضِيَ لَا يُحَلِّلُ الْحَرَامَ وَلَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ، وَلَكِنْ يَجْعَلُ الضَّعِيفَ قَوِيًّا وَالْمُخْتَلَفَ فِيهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بِتَعَلُّقِ حُكْمِهِ بِذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ. ثُمَّ إنَّ الضَّعِيفَ إذَا كَانَ نَاشِئًا مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْأَلَةٍ لَا يَمْنَعُ الْقَاضِي عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْحُكْمِ بِهَا سِيَّمَا إذَا وَافَقَ مَذْهَبَهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَمَا تَرَى فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ بِحَذَافِيرِهِ، هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ هَذَا الْمَقَامُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَزِيدَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ تُورِثُ زِيَادَةً فِي قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ. اهـ. أَقُولُ: بَلْ مِنْ ذَلِكَ الْقَيْدِ الْآخَرِ بُدٌّ بِقَوْلِهِ أَوْ تَزِيدَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً؛ لِأَنَّ مَا لَا يُورِثُ زِيَادَةً فِي قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ نُقْصَانٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الزِّيَادَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً حَتَّى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ نَفْسُهُ حَيْثُ قَالَ فِيمَا بَعْدُ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً فِي زِيَادَةِ الْقِيمَةِ، فَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ عَادَتْ نُقْصَانًا، فَرُبَّ زِيَادَةِ صُورَةٍ كَانَتْ نُقْصَانًا فِي الْمَعْنَى كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ مَثَلًا. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى قَيْدٍ زَائِدٍ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ
[ ٩ / ٤٢ ]
قَالَ: (أَوْ يَمُوتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ)؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْوَرَثَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا انْتَقَلَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَإِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ فَوَارِثُهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ إذْ هُوَ مَا أَوْجَبَهُ. قَالَ (أَوْ تَخْرُجُ الْهِبَةُ عَنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسْلِيطِهِ فَلَا يَنْقُضُهُ، وَلِأَنَّهُ تَجَدُّدُ الْمِلْكِ بِتَجَدُّدِ سَبَبِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ وَهَبَ لِآخَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ فَأَنْبَتَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا نَخْلًا أَوْ بَنَى بَيْتًا أَوْ دُكَّانًا أَوْ آرِيًّا وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا)؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وَقَوْلُهُ وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِيهَا؛ لِأَنَّ الدُّكَّانَ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا حَقِيرًا لَا يُعَدُّ زِيَادَةً أَصْلًا، وَقَدْ تَكُونُ
النِّهَايَةِ فِي الْبَيَانِ هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ فِي نَفْسِ الْمَوْهُوبِ بِشَيْءٍ يُورِثُ زِيَادَةً فِي قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ. أَمَّا لَوْ زَادَ الْمَوْهُوبُ فِي نَفْسِهِ لَكِنْ لَا تُورِثُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ زِيَادَةً فِي قِيمَتِهِ فَهُوَ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ حَقِيقَةٍ فَلَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ زِيَادَةَ صُورَةٍ نُقْصَانًا مَعْنًى كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقَالَ: هَكَذَا كُلِّهِ فِي الذَّخِيرَةِ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الزِّيَادَةَ الصُّورِيَّةَ الَّتِي لَا تُورِثُ زِيَادَةً فِي الْقِيمَةِ كَالزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ بِطُولِ الْقَامَةِ وَبِالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرُوا لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ الرُّجُوعُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلرُّجُوعِ فِيهَا دُونَ الزِّيَادَةِ مَدَى الْإِمْكَانِ، وَلَا مَعَ الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ دُخُولِهَا تَحْتَ الْعُقَدِ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْجِيهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ وَهَبَ لِآخَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ فَأَنْبَتَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا نَخْلًا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: هَذَا نَوْعٌ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ فَكَانَ حَقُّهَا التَّقْدِيمَ اهـ. أَقُولُ: وَجْهُ التَّأْخِيرِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَرِهَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي مَسْأَلَةِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ يَذْكُرُ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، فَإِنَّ الْمُسْتَثْنَى مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَكَلَامٍ وَاحِدٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْهُ: إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ سَرْدَ أُصُولِ الْمَوَانِعِ ثُمَّ التَّفْرِيعَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَتَأْخِيرَ التَّعْوِيضِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ التَّفْصِيلِ. اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَوْ قَصَدَ سَرْدَ أُصُولِ الْمَوَانِعِ ثُمَّ التَّفْرِيعَ عَلَى التَّرْتِيبِ لَمَا ذَكَرَ الْقَرَابَةَ الْمَحْرَمِيَّةَ وَالزَّوْجِيَّةَ مِنْ أُصُولِ الْمَوَانِعِ بَيْنَ التَّفْرِيعَاتِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ
[ ٩ / ٤٣ ]
الْأَرْضُ عَظِيمَةً يُعَدُّ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي قِطْعَةٍ مِنْهَا فَلَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِهَا. قَالَ: (فَإِنْ بَاعَ نِصْفَهَا غَيْرَ مَقْسُومٍ رَجَعَ فِي الْبَاقِي)؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ بِقَدْرِ الْمَانِعِ (وَإِنْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْهَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِهَا)؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّهَا فَكَذَا فِي نِصْفِهَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. قَالَ (وَإِنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَلَا رُجُوعَ فِيهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا»؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا صِلَةُ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَ (وَكَذَلِكَ مَا وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الصِّلَةُ كَمَا فِي الْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى هَذَا الْمَقْصُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا وَهَبَ لَهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ أَبَانَهَا بَعْدَمَا وَهَبَ فَلَا رُجُوعَ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ خُذْ هَذَا عِوَضًا عَنْ هِبَتِك أَوْ بَدَلًا عَنْهَا أَوْ فِي مُقَابَلَتِهَا فَقَبَضَهُ الْوَاهِبُ سَقَطَ الرُّجُوعُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تُؤَدِّي مَعْنًى وَاحِدًا (وَإِنْ عَوَّضَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ مُتَبَرِّعًا فَقَبَضَ الْوَاهِبُ الْعِوَضَ بَطَلَ الرُّجُوعُ)؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ لِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فَيَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ كَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ:
فَلَا رُجُوعَ فِيهَا، وَبِقَوْلِهِ وَكَذَلِكَ مَا وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ، تَبَصَّرْ تَقِفْ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَاعَ نِصْفَهَا غَيْرَ مَقْسُومٍ رَجَعَ فِي الْبَاقِي) أَقُولُ: قَيَّدَ النِّصْفَ فِي الْكِتَابِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْسُومٍ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ كَمَا وَقَعَ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، إذْ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا بَاعَ نِصْفَهَا مَقْسُومًا كَذَلِكَ قَطْعًا وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ فِي الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَكَأَنَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ فِي الْكِتَابِ إرَادَةُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْمَقْسُومِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ لَمَّا صَحَّ الرُّجُوعُ فِي الْبَاقِي فِيمَا إذَا بَاعَ نِصْفَهَا غَيْرَ مَقْسُومٍ كَانَ صِحَّةُ الرُّجُوعِ فِي الْبَاقِي فِيمَا إذَا بَاعَ نِصْفَهَا مَقْسُومًا أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَسَيَأْتِي التَّعَرُّضُ مِنْ الشُّرَّاحِ لِنَظِيرِ هَذَا فِي
[ ٩ / ٤٤ ]
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ رَجَعَ بِنِصْفِ الْعِوَضِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا يُقَابِلُ نِصْفَهُ (وَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ لَمْ يَرْجِعْ فِي الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَرْجِعُ) وَقَالَ زُفَرُ: يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ اعْتِبَارًا بِالْعِوَضِ الْآخَرِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَصْلُحُ عِوَضًا لِلْكُلِّ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَبِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا عِوَضَ إلَّا هُوَ، إلَّا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ إلَّا لِيَسْلَمَ لَهُ كُلُّ الْعِوَضِ وَلَمْ يَسْلَمْ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ.
قَالَ (وَإِنْ وَهَبَ دَارًا فَعَوَّضَهُ مِنْ نِصْفِهَا) رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يُعَوِّضْ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ خَصَّ النِّصْفَ.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ)؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ،
قَوْلِهِ: وَإِنْ عَوَّضَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ مُتَبَرِّعًا فَتَبَصَّرْ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَرْجِعُ بِنِصْفِ الْعِوَضِ. أَقُولُ: هَذَا سَهْوٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّصْفِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلِ زُفَرَ
[ ٩ / ٤٥ ]
وَفِي أَصْلِهِ وَهَاءٌ وَفِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ خَفَاءٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَصْلِ بِالرِّضَا أَوْ بِالْقَضَاءِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ نَفَذَ، وَلَوْ مَنَعَهُ فَهَلَكَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِقِيَامِ مِلْكُهُ فِيهِ، وَكَذَا إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْقَبْضِ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَهَذَا دَوَامٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ بَعْدَ طَلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ، وَإِذَا رَجَعَ بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالتَّرَاضِي يَكُونُ فَسْخًا مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى لَا يَشْتَرِطُ قَبْضَ الْوَاهِبِ وَيَصِحُّ فِي الشَّائِعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ جَائِزًا مُوجِبًا حَقَّ الْفَسْخِ،
يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ إنَّمَا هُوَ نِصْفُ الْهِبَةِ دُونَ نِصْفِ الْعِوَضِ، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا مِنْ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: وَفِي أَصْلِهِ وَهَاءٌ) أَيْ فِي أَصْلِ الرُّجُوعِ ضَعْفٌ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ: لِأَنَّ الْوَاهِبَ إنْ كَانَ يُطَالِبُ بِحَقِّهِ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَمْنَعُ بِمِلْكِهِ. وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ وَلِهَذَا
[ ٩ / ٤٦ ]
فَكَانَ بِالْفَسْخِ مُسْتَوْفِيًا حَقًّا ثَابِتًا لَهُ فَيَظْهَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ،
يَبْطُلُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَانِعِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِي قَوْلِهِمْ وَلِهَذَا يَبْطُلُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَانِعِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ ثَابِتٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ: أَيْ فِيمَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَانِعُ عَنْهُ، وَفِيمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فِي الْجَمِيعِ، فَلَا يَصِحُّ تَفْرِيعُ بُطْلَانِهِ فِي صُوَرِ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ عَنْهُ عَلَى كَوْنِهِ ثَابِتًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، إذْ لَوْ كَانَ عِلَّةُ الْبُطْلَانِ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَبْطُلَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِعَدَمِ انْفِكَاكِهِ عَنْ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي صُورَةٍ.
فَالصَّوَابُ أَنَّ بُطْلَانَهُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاقِعِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُفَصَّلَةِ فِي مَسَائِلِهَا لَا لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ لِانْتِقَاضِهِ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِانْتِقَاضِهِ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ضَعِيفًا فَمَا الْمَحْذُورُ فِي ذَلِكَ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ثَبَتَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا: كُلُّ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ مِنْ الْأَحْكَامِ يَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصِّ، بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ بِهِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ مَوْقُوفًا عَلَى الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: وَفِي أَصْلِهِ وَهَاءٌ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بِدُونِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ لَهُ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَفِي أَصْلِهِ وَهَاءٌ، وَفِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ خَفَاءٌ، وَلَا تَجْرِي هَذِهِ الْعِلَّةُ بِتَمَامِهَا فِي كُلِّ مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا انْتِقَاضَ بِهِ.
ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ الْمُطَرِّزَيَّ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْوَهَاءُ بِالْمَدِّ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الْوَهْيُ مَصْدَرُ وَهِيَ الْحَبْلُ يَهِي وَهَيَا إذَا ضَعُفَ اهـ. وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِشَيْءٍ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا وَقَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ مَدَّ الْمَقْصُورِ السَّمَاعِيِّ لَيْسَ بِخَطَأٍ وَتَخْطِئَةِ مَا لَيْسَ بِخَطَإٍ خَطَأٌ. اهـ. وَلَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فَطَانَةٍ أَنَّ الْخَطَأَ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْوَهْيَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ: وَإِنَّمَا هُوَ الْوَهْيُ مَقْصُورُ الْوَهَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا بَلْ هُوَ عَلَى وَزْنِ الْفِعْلِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْهَاءِ كَالرَّمْيِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ فِيهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ: مَصْدَرٌ وَهِيَ الْحَبْلُ يَهِي وَهْيًا حَيْثُ قَالَ وَهْيًا، وَلَوْ كَانَ مَقْصُورًا لَقَالَ وَهَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ تَفَطَّنَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ لِهَذَا حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: لِأَنَّ مَدَّ الْمَقْصُورِ السَّمَاعِيِّ لَيْسَ بِخَطَإٍ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ جَوَازَ مَدِّ الْمَقْصُورِ السَّمَاعِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُودِ الْمَقْصُورِ حَتَّى يُمَدَّ، وَالْمَصْدَرُ هَاهُنَا عَلَى وَزْنِ فَعْلٍ بِتَسْكِينِ الْعَيْنِ فَمِنْ أَيْنَ يَتَأَتَّى الْمَدُّ. اهـ.
وَلَكِنَّ خَطَأَ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فَصَاحِبُ الْمُغْرِبِ مُصِيبٌ مِنْ وَجْهٍ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ الْوَهْيُ: يَعْنِي بِتَسْكِينِ الْعَيْنِ، وَمُخْطِئٌ مِنْ وَجْهٍ فِي قَوْلِهِ الْوَهَاءُ بِالْمَدِّ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ كَمَا تَقُولُ فِي قَلَى يَقْلِي قَلْيًا وَقَلَّاءً عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ وَوَهَاءٌ كَذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقَلْيُ الْبُغْضُ، فَإِنْ فَتَحْت الْقَافَ مَدَدْت تَقُولُ قَلَاهُ يَقْلِيهِ قَلْيًا وَقَلَّاءً. اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: أَخْطَأَ هَذَا الشَّارِحُ أَيْضًا فِي تَخْطِئَةِ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْوَهَاءِ عَلَى وَزْنِ بَعْضِ الْمَصَادِرِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُهُ أَيْضًا مَصْدَرًا، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ أَنَّ مَصْدَرَ الثَّلَاثِي سَمَاعِيٌّ لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، فَمَجِيءُ الْقَلَّاءِ مَصْدَرًا مِنْ قَلَى يَقْلِي كَمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوَهَاءُ أَيْضًا مَصْدَرًا مِنْ وَهَى يَهِي، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَسْمُوعٌ دُونَ الثَّانِي.
وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ الْوَهَاءُ بِالْمَدِّ خَطَأٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ فَلَا غُبَارَ فِيهِ عَلَى أَنَّ تَخْطِئَتَهُ إيَّاهُ فِي قَوْلِهِ الْوَهَاءُ بِالْمَدِّ خَطَأٌ يُنَافِي تَصْوِيبَهُ إيَّاهُ فِي قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْوَهْيُ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ هَذَا قَصْرَ مَصْدَرِ وَهَى يَهِي عَلَى الْوَهْيِ بِتَسْكِينِ الْهَاءِ، فَكَوْنُ وَهَاءٍ أَيْضًا مَصْدَرًا مِنْهُ يُنَافِي ذَلِكَ قَطْعًا. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْكَافِي وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُ مِنْ الشُّرَّاحِ كَصَاحِبَيْ الْكِفَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ اسْتَدَلُّوا عَلَى مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكِتَابِ حَيْثُ قَالُوا: وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ فَسْخُ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ وَهُوَ الْقَاضِي أَوْ مِنْهُمَا لِوِلَايَتِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ
[ ٩ / ٤٧ ]
بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ هُنَاكَ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ لَا فِي الْفَسْخِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَإِذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ وَاسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ وَضَمِنَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَاهِبِ بِشَيْءٍ)؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ السَّلَامَةَ، وَهُوَ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ، وَالْغُرُورُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ سَبَبُ الرُّجُوعِ لَا فِي غَيْرِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ اُعْتُبِرَ التَّقَابُضُ فِي الْعِوَضَيْنِ، وَتَبْطُلُ بِالشُّيُوعِ)؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ ابْتِدَاءً (فَإِنْ تَقَابَضَا صَحَّ الْعَقْدُ وَصَارَ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَتُسْتَحَقُّ فِيهِ الشُّفْعَةُ)؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ انْتِهَاءً. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْبَيْعِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ بِعِوَضٍ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي، وَلِهَذَا كَانَ بَيْعُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إعْتَاقًا.
بِفَسْخِ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، إذْ قَدْ مَرَّ فِي فَصْلِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا قَبَضَ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِأَمْرِ الْبَائِعِ وَفِي الْعَقْدِ عِوَضَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مَلَكَ الْبَيْعَ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ.
ثُمَّ إنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهِ فَسْخَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ الْفَسَادُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَلِمَنْ لَهُ الشَّرْطُ إنْ كَانَ بِشَرْطٍ زَائِدٍ فَصَحَّ فَسْخُ الْعَقْدِ هُنَاكَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِدُونِ رِضَا الْآخَرِ وَلَا الْقَضَاءِ بِهِ، فَصَارَ الدَّلِيلُ الْمَزْبُورُ مَنْقُوضًا بِهِ بَلْ هُوَ مَنْقُوضٌ أَيْضًا بِسَائِرِ الْعُقُودِ الْغَيْرِ اللَّازِمَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِهَا بِأَسْرِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُمْ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ إذَا الْحَقُّ هُنَاكَ لِلْمُشْتَرِي فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ لَا فِي الْفَسْخِ، وَالْحَقُّ هَاهُنَا لِلْوَاهِبِ فِي نَفْسِ الْفَسْخِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْوَجْهِ فَلَا يَقْتَضِي عَدَمُ انْفِرَادِ الْمُشْتَرِي هُنَاكَ بِالْفَسْخِ عَدَمَ انْفِرَادِ الْوَاهِبِ هَاهُنَا بِهِ فَلَا يَتِمُّ الْقِيَاسُ وَلَا التَّشْبِيهُ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ هُنَاكَ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ لَا فِي الْفَسْخِ فَافْتَرَقَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِ لَا فِي الْفَسْخِ: لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْعَقْدِ، فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ تَامًّا لَمْ يَقْتَضِ الْفَسْخَ. انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَقْدُ تَامًّا لَمْ يَقْتَضِ ثُبُوتَ الْفَسْخِ بِالْفِعْلِ أَلْبَتَّةَ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي حَقِّ الْفَسْخِ لَا فِي ثُبُوتِ الْفَسْخِ بِالْفِعْلِ أَلْبَتَّةَ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَقْدُ تَامًّا لَمْ يَقْتَضِ ثُبُوتَ حَقِّ الْفَسْخِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ يَتِمُّ بِالْقَبْضِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَمَعَ هَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ حَقِّ الْفَسْخِ عِنْدَنَا بِمُوجِبِ قَوْلِهِ ﵊ «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» وَلِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ عَادَةً عِنْدَ عَدَمِ التَّعْوِيضِ مِنْهَا كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا حَقُّ الْفَسْخِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَيْبِ بِنَاءً عَلَى فَوَاتِ مَقْصُودِهِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ. فَالْأَظْهَرُ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقْتَضِيَ ثُبُوتَ حَقِّ الْفَسْخِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِلُّزُومِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ عَقْدُ
[ ٩ / ٤٨ ]
وَلَنَا أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقَدْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ مِنْ حُكْمِهَا تَأَخُّرُ الْمِلْكِ إلَى الْقَبْضِ، وَقَدْ يَتَرَاخَى عَنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْبَيْعُ مِنْ حُكْمِهِ اللُّزُومُ، وَقَدْ تَنْقَلِبُ الْهِبَةُ لَازِمَةً بِالتَّعْوِيضِ فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ بَيْعِ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْبَيْعِ فِيهِ، إذْ هُوَ لَا يُصْلَحُ مَالِكًا لِنَفْسِهِ.
تَبَرُّعٍ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَا يُنَافِيهِ ثُبُوتُ حَقِّ الْفَسْخِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ وَقَدْ أَمْكَنَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الدَّلِيلِ: وَلَنَا أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْنِ: جِهَةِ الْهِبَةِ لَفْظًا، وَجِهَةِ الْبَيْعِ مَعْنًى وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْنِ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَجَبَ إعْمَالُهُمَا؛ لِأَنَّ إعْمَالَ الشَّبَهَيْنِ وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إعْمَالِ أَحَدِهِمَا انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ مُنَاقَشَةٌ، وَهِيَ أَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ إعْمَالَ الشَّبَهَيْنِ وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إعْمَالِ أَحَدِهِمَا يُفِيدُ أَوْلَوِيَّةَ إعْمَالِ الشَّبَهَيْنِ وَالْمُدَّعَى وُجُوبُ إعْمَالِهِمَا كَمَا تَرَى فَلَا تَقْرِيبَ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهَا بِعِنَايَةٍ فَتَأَمَّلْ.
[ ٩ / ٤٩ ]