قَالَ: (وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ فَأَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَتْلِ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْبَيِّنَةَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
قَالَ: اقْطَعْ يَدِي فَفَعَلَ فَسَرَى إلَى النَّفْسِ فَمَاتَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ عَقْدًا كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْبَزَّاغِ وَالْحَجَّامِ مِنْهَا دُونَ الْمَأْمُورِ بِالْقَطْعِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَيْضًا، وَلَا يُجْدِي التَّشَبُّثُ بِالتَّغْلِيبِ نَفْعًا هُنَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ وَالْوَاجِبَاتُ لَا تَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ لَا يَتَمَشَّى فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِالْقَطْعِ الْقَطْعُ بَلْ هُوَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ قَاصِرًا عَنْ إفَادَةِ الْفَرْقِ فِي حَقِّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَرَى.
نَعَمْ يُمْكِنُ الْفَرْقُ فِي حَقِّهَا أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ لَمَّا فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِالْقَطْعِ بِإِذْنِ الْآمِرِ انْتَقَلَ حُكْمُ الْفِعْلِ إلَى الْآمِرِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ نَفْسِهِ وَفِي ذَلِكَ لَا ضَمَانَ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي قُصُورِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْمَرَامِ وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ.
(بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ)
لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي الْقَتْلِ أَمْرًا مُتَعَلِّقًا بِالْقَتْلِ أَوْرَدَهَا بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْقَتْلِ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ كَانَ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْ نَفْسِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (قَوْلُهُ وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ فَأَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَتْلِ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
وَقَالَا: لَا يُعِيدُ (وَإِنْ كَانَ خَطَأً لَمْ يُعِدْهَا بِالْإِجْمَاعِ) وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ يَكُونُ لِأَبِيهِمَا عَلَى آخَرَ. لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الْقِصَاصَ طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْوِرَاثَةِ كَالدَّيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ الْمِلْكُ فِيهِ لِمَنْ لَهُ الْمِلْكُ فِي الْمُعَوَّضِ كَمَا فِي الدِّيَةِ، وَلِهَذَا لَوْ انْقَلَبَ مَالًا يَكُونُ لِلْمَيِّتِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَيَنْتَصِبُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ. وَلَهُ أَنَّ الْقِصَاصَ طَرِيقُهُ الْخِلَافَةُ دُونَ الْوِرَاثَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ
- ﵀ وَقَالَا: لَا يُعِيدُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَالْأَصْلُ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ حَقُّ الْوَارِثِ عِنْدَهُ وَحَقُّ الْمُوَرِّثِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ: وَلَيْسَ لِأَبِي حَنِيفَةَ تَمَسُّكٌ بِصِحَّةِ الْعَفْوِ مِنْ الْوَارِثِ حَالَ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ اسْتِحْسَانًا، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ بِصِحَّةِ الْعَفْوِ مِنْ الْمُوَرَّثِ الْمَجْرُوحِ اسْتِحْسَانًا لِلتَّدَافُعِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ مَا تَمَسَّكَا بِهِ لَا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَا تَمَسَّك بِهِ يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلَيْهِمَا فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ التَّدَافُعُ بَيْنَ ذَيْنِكَ التَّمَسُّكَيْنِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلْوَارِثِ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِهِ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ هَذَا الْحَقُّ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي، وَدَرْكِ الثَّأْرِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ لَكِنَّهُ حَقٌّ لِلْمُوَرِّثِ أَيْضًا عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ انْعِقَادِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الْجِنَايَةُ فِي حَقِّ الْمُوَرِّثِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي كَثِيرِ مِنْ الشُّرُوحِ.
فَأَبُو حَنِيفَةَ رَاعَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ جِهَةَ كَوْنِ الْقِصَاصِ حَقًّا لِلْوَارِثِ فَقَالَ بِاشْتِرَاطِ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَرَاعَى فِي مَسْأَلَةِ الْعَفْوِ مِنْ الْمُوَرِّثِ الْمَجْرُوحِ جِهَةَ كَوْنِهِ حَقًّا لِلْمُوَرِّثِ فَقَالَ بِصِحَّةِ الْعَفْوِ مِنْهُ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ أَيْضًا.
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْقِصَاصُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْمُوَرِّثِ ابْتِدَاءً مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الْوَارِثِ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ،
[ ١٠ / ٢٦١ ]
الْقِصَاصِ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ وَالدِّيَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فِي الْأَمْوَالِ، كَمَا إذَا نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَإِذَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِثْبَاتَ ابْتِدَاءً لَا يَنْتَصِبُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ فَيُعِيدُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ حُضُورِهِ (فَإِنْ كَانَ أَقَامَ الْقَاتِلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْغَائِبَ قَدْ عَفَا فَالشَّاهِدُ خَصْمٌ وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ سُقُوطَ حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ إلَى مَالٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْعَفْوِ مِنْ الْغَائِبِ فَيَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ (وَكَذَلِكَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ قُتِلَ عَمْدًا وَأَحَدُ الرَّجُلَيْنِ غَائِبٌ فَهُوَ عَلَى هَذَا) لِمَا بَيَّنَّاهُ. .
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ ثَلَاثَةً فَشَهِدَ أَثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ قَدْ عَفَا فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ وَهُوَ عَفْوٌ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ بِشَهَادَتِهِمَا إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَهُوَ انْقِلَابُ الْقَوَدِ مَالًا (فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْقَاتِلُ فَالدِّيَةُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا) مَعْنَاهُ: إذَا صَدَّقَهُمَا وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَدَّقَهُمَا فَقَدْ أَقَرَّ بِثُلْثَيْ الدِّيَةِ لَهُمَا فَصَحَّ إقْرَارُهُ، إلَّا أَنَّهُ يَدَّعِي سُقُوطَ حَقِّ الشُّهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَلَا يُصَدَّقُ وَيَغْرَمُ نَصِيبَهُ (وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) وَمَعْنَاهُ: إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ فَقِبَلَ وَادَّعَيَا انْقِلَابَ نَصِيبِهِمَا مَالًا فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَالًا لِأَنَّ دَعْوَاهُمَا الْعَفْوَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَفْوِ مِنْهُمَا فِي حَقِّ
فَيُتَّجَهُ عَلَيْهِمَا الْمُؤَاخَذَةُ لِصِحَّةِ الْعَفْوِ مِنْ الْوَارِثِ حَالَ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ اسْتِحْسَانًا بِالْإِجْمَاعِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ الدِّيَةِ مَعْنَاهُ إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَلَا شَيْءَ أَيْ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، مَعْنَاهُ: إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَذَا لِأَنَّهُ إذَا صَدَّقَهُمَا الْقَاتِلُ عَنْ تَكْذِيبِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ قَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعْنَاهُ: إذَا كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا: أَيْ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ انْتَهَى.
وَعَلَى طَرْزِهِ شَرْحُ صَاحِبِ الْغَايَةِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ النُّسْخَةَ الثَّانِيَةَ أَصْلًا عَلَى عَكْسِ مَا فِي النِّهَايَةِ،
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَوَدِ مُضَافٌ إلَيْهِمَا، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ غَرِمَ الْقَاتِلُ ثُلُثَ الدِّيَةِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِذَلِكَ. .
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إذَا كَانَ عَمْدًا) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالشَّهَادَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً، وَفِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى قَتْلِ الْعَمْدِ تَتَحَقَّقُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّ الْمَوْتَ بِسَبَبِ الضَّرْبِ إنَّمَا يُعْرَفُ إذَا صَارَ بِالضَّرْبِ صَاحِبُ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ، وَتَأْوِيلُهُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِشَيْءٍ جَارِحٍ.
وَقَالَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
أَقُولُ: مَدَارُ مَا ذَكَرَا فِي شَرْحِ الْمَقَامِ عَلَى أَنَّهُمَا فَهِمَا أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ مَعْنَاهُ إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا وَكَذَا بِقَوْلِهِ فِي النُّسْخَةِ الْأُخْرَى مَعْنَاهُ إذَا كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا بَيَانُ الْكَلَامِ الْمُقَدَّرِ فِي عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، فَإِنَّهُمَا جَعَلَا فَاعِلَ كَذَّبَهُمَا فِي قَوْلِهِ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا ضَمِيرًا رَاجِعًا إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلَى نُسْخَةٍ مَعْنَاهُ إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا، وَضَمِيرًا رَاجِعًا إلَى الْقَاتِلِ عَلَى نُسْخَةِ مَعْنَاهُ إذَا كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ فِي النُّسْخَةِ الْأُولَى أَنَّ جُمْلَةَ إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا مُقَدَّرَةٌ فِي عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَتَقْدِيرُهَا وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ أَيْضًا، وَفِي النُّسْخَةِ الْأُخْرَى أَنَّ جُمْلَةَ إذَا كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا مُقَدَّرَةٌ فِيهَا فَتَقْدِيرُهَا وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا إذَا كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا، لَكِنْ لَيْسَ مَا ذَهَبَا إلَيْهِ بِسَدِيدٍ، إذْ يَأْبَاهُ قَطْعًا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ لَا يَكُونُ مَعْنَى الْمَذْكُورِ.
وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بَيَانُ اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ قَيْدٍ أَيْضًا فِي عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هُنَا كَمَا أَنَّهُ بَيَّنَ قَبِيلَهُ اعْتِبَارَ قَيْدٍ وَحْدَهُ فِي عِبَارَتِهِ حَيْثُ قَالَ: مَعْنَاهُ إذَا صَدَّقَهُمَا وَحْدَهُ، فَمُرَادُهُ عَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا إذَا كَذَّبَهُمَا الْقَاتِلُ، أَيْضًا: أَيْ مَعَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْقَاتِلُ إذَا صَدَّقَهُمَا وَحْدَهُ: أَيْ بِدُونِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْقَيْدَانِ مَنْوِيَّانِ بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ، وَمُرَادُهُ عَلَى النُّسْخَةِ الْأُخْرَى مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا إذَا كَذَّبَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَيْ مَعَ الْقَاتِلِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ وَيَتَّضِحُ الْمَرَامُ
(قَوْلُهُ وَتَأْوِيلُهُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِشَيْءٍ جَارِحٍ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَإِنَّمَا أَوَّلَ لِتَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا.
وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ: مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنْ
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ شَاهِدَا الْقَتْلِ فِي الْأَيَّامِ أَوْ فِي الْبَلَدِ أَوْ فِي الَّذِي كَانَ بِهِ الْقَتْلُ فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُعَادُ وَلَا يُكَرَّرُ، وَالْقَتْلُ فِي زَمَانٍ أَوْ فِي مَكَان غَيْرُ الْقَتْلِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان آخَرَ، وَالْقَتْلُ بِالْعَصَا غَيْرُ الْقَتْلِ بِالسِّلَاحِ لِأَنَّ الثَّانِيَ عَمْدٌ وَالْأَوَّلَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَيَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا فَكَانَ عَلَى كُلِّ قَتْلٍ شَهَادَةٌ فَرُدَّ (وَكَذَا إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: قَتَلَهُ بِعَصًا وَقَالَ الْآخَرُ لَا أَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُغَايِرُ الْمُقَيَّدَ. .
قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَهُ وَقَالَا: لَا نَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ فَجُهِلَ الْمَشْهُودُ بِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ وَالْمُطْلَقُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ فَيَجِبُ أَقَلُّ مُوجِبَيْهِ وَهُوَ الدِّيَةُ وَلِأَنَّهُ يُحْمَلُ إجْمَالُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إجْمَالِهِمْ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سِتْرًا عَلَيْهِ.
كَانَ قَوْلُهُمَا فَهُوَ مُجْرَى عَلَى إطْلَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْكُلِّ فَتَأْوِيلُهُ أَنْ تَكُونَ الْآلَةُ جَارِحَةً انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: فَإِنْ قِيلَ: الشُّهُودُ شَهِدُوا عَلَى الضَّرْبِ بِشَيْءٍ جَارِحٍ وَلَكِنَّ الضَّرْبَ بِهِ قَدْ يَكُونُ خَطَأً فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْقَوَدُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ كَانَ مُتَعَمِّدًا؟ قُلْنَا: لَمَّا شَهِدُوا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسِلَاحٍ فَقَدْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَصَدَ ضَرْبَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخْطِئًا لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ ضَرَبَهُ وَإِنَّمَا يَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَصَدَ ضَرْبَ غَيْرِهِ فَأَصَابَهُ. وَقَالُوا: كَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ.
وَأَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ عَمْدًا نَعَمْ يُرَدُّ عَلَى عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلِهَذَا احْتَرَزَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ انْتَهَى.
وَأَنَا أَقُولُ: نَعَمْ لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ السُّؤَالُ بَعْدَمَا قَيَّدَ مَسْأَلَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ عَمْدًا، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لِهَذَا التَّقْيِيدِ هَاهُنَا وَجْهٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ وُجُوبَ الْقَوَدِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِيمَا إذَا صَرَّحَ الشُّهُودُ بِكَوْنِ ضَرَبَهُ عَمْدًا لَا فِيمَا إذَا أَطْلَقُوا ضَرْبَهُ وَلَمْ يُقَيِّدُوا بِكَوْنِهِ عَمْدًا فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَنَقَلَ عَنْهُ شُرَّاحُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَصْرِيحَ الشُّهُودِ بِذِكْرِ الْعَمْدِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ بَلْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ الْمَزْبُورِ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ وَالْقَتْلُ بِالْعَصَا غَيْرُ الْقَتْلِ بِالسِّلَاحِ لِأَنَّ الثَّانِيَ عَمْدٌ وَالْأَوَّلَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَيَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا) أَقُولُ: لَوْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ وَالْقَتْلُ بِآلَةٍ غَيْرُ الْقَتْلِ بِآلَةٍ كَمَا قَالَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لَكَانَ أَجْمَلَ وَأَشْمَلَ.
أَمَّا كَوْنُهُ أَجْمَلَ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا كَوْنُهُ أَشْمَلَ فَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الَّذِي كَانَ بِهِ الْقَتْلُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الِاخْتِلَافِ فِيمَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَحْكَامِ كَالْعَصَا وَالسِّلَاحِ، بَلْ يَعُمُّ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ، فَإِنَّ الْقَتْلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمْدٌ يُوجِبُ الْقَوَدَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ: قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَقَالَ الْآخَرُ: قَتَلَهُ بِرُمْحٍ كَانَتْ شَهَادَتُهَا أَيْضًا بَاطِلَةً، نَصَّ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ اخْتَلَفَا فِي مَكَانِ الْقَتْلِ أَوْ وَقْتِهِ أَوْ مَوَاضِعِ الْجِرَاحَةِ مِنْ بَدَنِهِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يُحْمَلُ إجْمَالَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إجْمَالِهِمْ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سِتْرًا عَلَيْهِ) فِيهِ صَنْعَةُ التَّجْنِيسِ التَّامِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ فَالْإِجْمَالُ الْأَوَّلُ هَاهُنَا
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
وَأَوَّلُوا كَذِبَهُمْ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ بِظَاهِرِ مَا وَرَدَ بِإِطْلَاقِهِ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ،
بِمَعْنَى الْإِبْهَامِ، وَالثَّانِي بِمَعْنَى الصَّنِيعِ وَهُوَ الْإِحْسَانُ.
ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ الشُّرَّاحِ قَالُوا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الشُّهُودُ فِي قَوْلِهِمْ لَا نَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ إمَّا صَادِقُونَ أَوْ كَاذِبُونَ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمْ، لِأَنَّهُمْ إنْ صَدَقُوا امْتَنَعَ الْقَضَاءُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لِاخْتِلَافِ مُوجِبِ السَّيْفِ وَالْعَصَا.
وَإِنْ كَذَبُوا صَارُوا فَسَقَةً وَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ. فَقَالَ فِي جَوَابِهِ: إنَّهُمْ جُعِلُوا عَالَمَيْنِ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ.
لَكِنَّهُمْ بِقَوْلِهِمْ لَا نَدْرِي اخْتَارُوا حِسْبَةَ السِّتْرِ عَلَى الْقَاتِلِ وَأَحْسَنُوا إلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ وَجُعِلَ كَذِبُهُمْ هَذَا مَعْفُوًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ يُصْلِحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ» فَبِتَأْوِيلِهِمْ كَذِبَهُمْ بِهَذَا لَمْ يَكُونُوا فَسَقَةً فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوَّلُوا كَذِبَهُمْ بِظَاهِرِ مَا وَرَدَ بِإِطْلَاقِهِ: أَيْ بِظَاهِرِ مَا وَرَدَ بِتَجْوِيزِ الْكَذِبِ انْتَهَى كَلَامُهُمْ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا وُرُودَ لِمَا ذَكَرُوهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ أَصْلًا حَتَّى يَرْتَكِبَ الْمُصَنِّفُ لِدَفْعِهِ هَذَا الْمَضِيقَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَحْذُورِ فِي صُورَةِ إنْ صَدَقَ الشُّهُودُ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ قَبْلِ. تَوْضِيحُهُ هُوَ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ بِآلَةٍ وَشَهَادَةُ الْآخَرِ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ بِآلَةٍ أُخْرَى حَتَّى يَتَحَقَّقَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْفِعْلِ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، بَلْ كَانَتْ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ وَالْمُطْلَقُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، وَلِهَذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَقَلِّ الْمُتَيَقَّنِ، فَيَجِبُ أَقَلُّ مُوجِبَيْهِ وَهُوَ الدِّيَةُ فَيَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَلَا يُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ صَدَقَ الشُّهُودُ امْتَنَعَ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمْ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، وَأَيْضًا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي ذَيْلِ هَذَا الْكَلَامِ: فَلَا يَثْبُتُ الِاخْتِلَافُ بِالشَّكِّ يَأْبَى كَوْنُ مُرَادِهِ بِكَلَامِهِ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ، إذْ يَكُونُ حَاصِلُ الْجَوَابِ حِينَئِذٍ اخْتِيَارَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ وَمَنْعَ فِسْقِهِمْ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِهِمْ كَذِبَهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَبْقَى الِاحْتِيَاجُ إذْ ذَاكَ إلَى قَوْلِهِ فَلَا يَثْبُتُ الِاخْتِلَافُ بِالشَّكِّ، بَلْ لَا يَكُونُ لَهُ مِسَاسٌ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ.
وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّهُ يُحْمَلُ إجْمَالُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ إلَخْ وَجْهٌ آخَرُ لِلِاسْتِحْسَانِ يَظْهَرُ تَقْرِيرُهُ وَتَطْبِيقُهُ لِلْمَقَامِ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ صَادِقٍ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ لِلْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْكُورٌ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ غَفْلَةٌ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ فَلَا تُقْبَلُ (قَوْلُهُ وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: أَيْ سَتْرُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِجَامِعِ أَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ هَاهُنَا كَمَا أَنَّ الْإِصْلَاحَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ هُنَاكَ فَكَانَ وُرُودُ الْحَدِيثِ هُنَاكَ وُرُودًا هَاهُنَا انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَيْهِ فِي بَابِ الْقَتْلِ إنَّمَا هُوَ عَفْوُ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ دُونَ عَفْوِ الشُّهُودِ. كَيْفَ وَلَوْ كَانَ الْعَفْوُ حَقَّ الشُّهُودِ لَكَانَ الْأَفْضَلُ لَهُمْ أَنْ لَا يَشْهَدُوا رَأْسًا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ كَمَا فِي الْحُدُودِ فَلَزِمَ أَنْ لَا يُوجَدَ الْبَاعِثُ عَلَى ارْتِكَابِهِمْ الْكَذِبَ فِي شَهَادَتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا، بِخِلَافِ إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّف عَلَى ارْتِكَابِ الْكَذِبِ فَيُرَخَّصُ الْكَذِبُ هُنَاكَ. وَقَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ تَوْجِيهَ كَلَامِهِمْ فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعَفْوِ دَرْءَ الْقِصَاصِ. وَإِلَّا فَهُوَ تِلْوُ الْوُجُوبِ، فَحَيْثُ لَا وُجُوبَ لِلْقِصَاصِ لَا عَفْوَ عَنْهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ بِجَامِعِ أَنَّ السِّتْرَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ انْتَهَى. أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَى تَوْجِيهِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ دَرْءُ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَكَانَ
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
فَلَا يَثْبُتُ الِاخْتِلَافُ بِالشَّكِّ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفِعْلِ الْعَمْدُ فَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةُ. .
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا فَقَالَ الْوَلِيُّ: قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا وَشَهِدَ آخَرُونَ عَلَى آخَرَ بِقَتْلِهِ وَقَالَ الْوَلِيُّ: قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِقْرَارَ وَالشَّهَادَةَ يَتَنَاوَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُودَ كُلِّ الْقَتْلِ وَوُجُوبَ الْقِصَاصِ، وَقَدْ حَصَلَ التَّكْذِيبُ فِي الْأُولَى مِنْ الْمُقِرِّ لَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ تَكْذِيبَ الْمُقِرِّ لَهُ الْمُقِرُّ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُبْطِلُ إقْرَارَهُ فِي الْبَاقِي، وَتَكْذِيبُ الْمَشْهُودِ لَهُ الشَّاهِدَ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ يُبْطِلُ شَهَادَتَهُ أَصْلًا، لِأَنَّ التَّكْذِيبَ تَفْسِيقٌ وَفِسْقُ الشَّاهِدِ يَمْنَعُ الْقَبُولَ، أَمَّا فِسْقُ الْمُقِرِّ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ. .
دَرْؤُهُ جَائِزًا لِلشُّهُودِ بَعْدَ أَنْ عَايَنُوا الْقَتْلَ بِجَارِحٍ عَمْدًا لَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَشْهَدُوا بِالْقَتْلِ أَصْلًا، فَلَا يُوجَدُ مَا يُسَوِّغُ ارْتِكَابَهُمْ الْكَذِبَ فِي طَرِيقِ شَهَادَتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، ثُمَّ إنَّ وُرُودَ هَذَا عَلَى مَا عَدَّهُ أَظْهَرُ هَاهُنَا أَظْهَرُ، إذْ لَوْ كَانَ سِتْرُ الْقِصَاصِ مَنْدُوبًا إلَيْهِ لَكَانَ الْأَفْضَلُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَسْتُرُوهُ طُرًّا بِأَنْ لَا يَشْهَدُوا بِالْقَتْلِ أَصْلًا كَمَا فِي الْحُدُودِ فَلَا وَجْهَ لِارْتِكَابِهِمْ الْكَذِبَ قَطُّ تَأَمَّلْ تَرْشُدْ (قَوْلُهُ فَلَا يَثْبُتُ الِاخْتِلَافُ بِالشَّكِّ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: يَعْنِي إذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ وَأَجْمَلُوا وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونُوا كَذَلِكَ وَقَعَ الشَّكُّ، وَالِاخْتِلَافُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ انْتَهَى.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَمَا لَا يَثْبُتُ الِاخْتِلَافُ بِالشَّكِّ لَا يَثْبُتُ الِاتِّفَاقُ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَمِنْ شَرَائِطِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الِاتِّفَاقُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْقَبُولُ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ تَكْذِيبَ الْمُقِرِّ لَهُ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُبْطِلُ إقْرَارَهُ فِي الْبَاقِي، وَتَكْذِيبَ الْمَشْهُودِ لَهُ الشَّاهِدَ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ يُبْطِلُ شَهَادَتَهُ أَصْلًا) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ فَقَدْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْإِتْلَافِ لِجَمِيعِ النَّفْسِ وَقَدْ صَدَّقَ الْوَلِيُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِتْلَافِ بَعْضِ النَّفْسِ، وَالْقِصَاصُ يَجِبُ بِإِتْلَافِ الْبَعْضِ كَمَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ الْكُلِّ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا.
وَأَمَّا فِي الشَّهَادَةِ فَلَمَّا كَذَّبَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْكُلِّ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي بَيَانِ صُورَةِ الْإِقْرَارِ: لَمَّا أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ صَدَّقَ الْوَلِيُّ بِقَوْلِهِ قَتَلْتُمَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ الْقَتْلِ وَكَذَّبَهُ فِي النِّصْفِ، وَالتَّكْذِيبُ فِي نِصْفِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُبْطِلُ الْإِقْرَارَ، أَمَّا التَّكْذِيبُ فِي كُلِّ مَا أَقَرَّ بِهِ يُبْطِلُ الْإِقْرَارَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ رَدًّا لِإِقْرَارِهِ.
وَالْإِقْرَارُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ مِنْ ذَيْنِكَ الشَّارِحَيْنِ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ لِمَا مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَجَزَّأُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ إتْلَافُ بَعْضِ النِّصْفِ وَنِصْفُ الْقَتْلِ كَمَا زَعَمَاهُ وَبَنَيَا عَلَيْهِ مَعْنَى الْمَقَامِ، وَأَيْضًا قَدْ مَرَّ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَنَا فِيمَا إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَحْصُلُ التَّمَاثُلُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَمِيعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِإِتْلَافِ بَعْضِ النَّفْسِ وَنِصْفُ الْقَتْلِ كَمَا هُوَ اللَّازِمُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى تَقْرِيرِهِمَا.
وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَى الْمَقَامِ هُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ بِانْفِرَادِهِ، وَقَدْ صَدَّقَ الْوَلِيُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَكَذَّبَهُ فِي بَعْضِهِ الْآخَرَ وَهُوَ انْفِرَادُهُ، فَعَلَى مُقْتَضَى أَنَّ تَكْذِيبَ الْمُقَرِّ لَهُ الْمُقِرَّ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُبْطِلُ إقْرَارَهُ فِي الْبَاقِي يُؤَاخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتُلَهُمَا جَمِيعًا، وَإِنْ رَدَّ انْفِرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ وَيَصِيرُ كَمَا إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا عَمْدًا حَيْثُ يُقْتَصُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ إجْمَاعًا، بِخِلَافِ صُورَةِ الشَّهَادَةِ كَمَا بُيِّنَ فِي الْكِتَابِ.
[ ١٠ / ٢٦٦ ]