قَالَ (وَإِذَا دَفَعَ الْمُضَارِبُ الْمَالَ إِلَى غَيْرِهِ مُضَارَبَةً وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ لَمْ يَضْمَنْ بِالدَّفْعِ وَلَا يَتَصَرَّفُ الْمُضَارِبُ الثَّانِي حَتَّى يَرْبَحَ، فَإِذَا رَبِحَ ضَمِنَ الْأَوَّلُ لِرَبِ الْمَالِ) وَهَذَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا عَمِلَ بِهِ ضَمِنَ رَبِحَ أَوْ لَمْ يَرْبَحْ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَضْمَنُ بِالدَّفْعِ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَهُ الدَّفْعُ عَلَى وَجْهِ الْإِيدَاعِ، وَهَذَا الدَّفْعُ عَلَى وَجْهِ الْمُضَارَبَةِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الدَّفْعَ إِيدَاعٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَتَقَرَّرُ كَوْنُهُ لِلْمُضَارَبَةِ بِالْعَمَلِ فَكَانَ الْحَالُ مُرَاعًى قَبْلَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ
(بَابُ الْمُضَارِبِ يُضَارِبُ)
لَمَّا ذُكِرَ حُكْمُ الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ حِكَمُ الْمُضَارَبَةِ الثَّانِيَةِ؛ إِذِ الثَّانِيَةُ تَتْلُو الْأُولَى أَبَدًا فَكَذَا بَيَانُ حُكْمِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي وَذُكِرَ فِيهِمَا وَجْهٌ آخَرَ أَيْضًا هُوَ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ مُفْرَدَةٌ وَمُضَارِبَةَ الْمَضَارِبِ مُرَكَّبَةٌ وَالْمَرْكَبُ يَتْلُو الْمُفْرَدَ أَبَدًا وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ وَالْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: فِيهِ تَعَسُّفٌ؛ لِأَنَّ مُضَارَبَةَ الْمَضَارِبِ وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ مُضَارَبَةِ رَبِّ الْمَالِ إِلَّا أَنَّهَا مُفْرَدَةٌ أَيْضًا غَيْرَ مُرَكَّبَةٍ مِنَ الْمُضَارِبَتَيْنِ قَطْعًا أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّانِي أَبَدًا يَتْلُو الْأَوَّلَ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ مِنَ الْأَوَّلِ.
[ ٨ / ٤٦١ ]
أَنَّ الدَّفْعَ قَبْلَ الْعَمَلِ إِيدَاعٌ وَبَعْدَهُ إِبْضَاعٌ، وَالْفِعْلَانِ يَمْلِكُهُمَا الْمُضَارِبُ فَلَا يَضْمَنُ بِهِمَا، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا رَبِحَ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ شَرِكَةً فِي الْمَالِ فَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً، فَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً لَا يَضْمَنُهُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ عَمِلَ الثَّانِي لِأَنَّهُ أَجِيرٌ فِيهِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فَلَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّانِيَ. وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الثَّانِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مُودِعِ الْمُودَعِ. وَقِيلَ رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الثَّانِيَ بِالْإِجْمَاعِ
وَمِنْ نَفْسِهِ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا الِاثْنَانِ: نَعَمْ إِنَّ مُضَارَبَةَ الْمَضَارِبِ لَمَّا اقْتَضَتِ الْمُضَارَبَةَ الْأُولَى جَازَ أَنَّ يَحْصُلَ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا أَمْرٌ مُرَكَّبٌ فِي الْعَقْلِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَدَارِ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ.
(قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ إِبْضَاعٌ). قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: تَوْكِيلٌ، كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَلَامَةِ الزَّيْلَعِيِّ، اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ، كَمَا فَهِمَهُ فَإِنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ هَاهُنَا بِأَنَّهُ إِبْضَاعٌ إِنَّمَا هُوَ الدَّفْعُ لَا عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ: وَالَّذِي يُنَافِي الْإِبْضَاعَ وَيُلَائِمُ التَّوْكِيلَ إِنَّمَا هُوَ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ لَا الدَّفْعُ نَفْسُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُلَائِمُ الْإِيدَاعَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَالْإِبْضَاعَ بَعْدَهُ لَا التَّوْكِيلُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ لِأَجْلِ الْمُوَكِّلِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْصُلُ مِنَ الدَّفْعِ نَفْسُهُ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَلَّامَةِ الزَّيْلَعِيِّ فَلَمْ يَحْكُمْ عَلَى الدَّفْعِ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَوَجَّهَ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَقْدَ الْمُجَرَّدَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَلِهَذَا لَا يُضَمِّنُ الْفُضُولِيُّ بِمُجَرَّدِ بَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ وَلَا بِالتَّسْلِيمِ لِأَجْلِ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ إِيدَاعٌ وَهُوَ يُمْلُكُ ذَلِكَ وَلَا بِالتَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهَا أَنَّ الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ نَفْسَهُ تَوْكِيلٌ. وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ بِحَكَمِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، وَأَمَّا أَنَّهُ وَكِيلٌ بِحُكْمِ الدَّفْعِ فَقَطْ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةٌ). قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ: أَيْ: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الرِّبْحِ أَوِ الْعَمَلِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَشَرْحِ الْعَيْنِيِّ، أَيْ: وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ عَلَيْهِمَا بِالرِّبْحِ أَوِ الْعَمَلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِذَا كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً.
أَقُولُ: لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذَا هَاهُنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا، أَيْ: عَلَى الْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، بَلْ كَوْنُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِهِ هُنَا هُوَ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ مُتَعَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ هُوَ ضَمَانٌ الْأَوَّلُ لَا غَيْرَ. وَلَمْ يَمُرْ مِنَ الْمُصَنَّفِ إِلَى الْآنِ شَيْءٌ يُشْعِرُ بِضَمَانِ الثَّانِي أَيْضًا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنَّ يَجْعَلَ كَلِمَةَ هَذَا هَاهُنَا إِشَارَةً إِلَى الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا. وَشَأْنُ اسْمِ الْإِشَارَةِ أَنْ يُشَارَ بِهِ إِلَى الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ أَوْ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ. وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي مِمَّا لَمْ تَشُمُّ رَائِحَتَهُ قَطُّ إِلَى الْآنِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجْعَلَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، عَلَى أَنَّ الْمُصَنَّفَ هَاهُنَا بِصَدَدِ بَيَانِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ضَمَانِ الْأَوَّلِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَأَمَّا أَنَّ الثَّانِي هَلْ يُضَمَّنُ أَيْضًا أَمْ لَا فَيُبَيِّنُهُ بَعْدَ مُفَصَّلًا
[ ٨ / ٤٦٢ ]
وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ وَكَذَا عِنْدَهُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ لَهُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مُودِعِ الْمُودَعِ أَنَّ الْمُودَعَ الثَّانِيَ يَقْبِضُهُ لِمَنْفَعَةِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا، أَمَّا الْمُضَارِبُ الثَّانِي يَعْمَلُ فِيهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا. ثُمَّ إِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ الثَّانِي وَكَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ حِينِ خَالَفَ بِالدَّفْعِ إِلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَضِيَ بِهِ فَصَارَ كَمَا إِذَا دَفَعَ مَالَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْعَقْدِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ كَمَا فِي الْمُودَعِ وَلِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ.
وَتَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا لِأَنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَى الْأَوَّلِ فَكَأَنَّهُ ضَمِنَهُ ابْتِدَاءً، وَيَطِيبُ الرِّبْحُ لِلثَّانِي وَلَا يَطِيبُ لِلْأَعْلَى لِأَنَّ الْأَسْفَلَ يَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلِهِ وَلَا خُبْثَ فِي الْعَمَلِ، وَالْأَعْلَى يَسْتَحِقُّهُ بِمِلْكِهِ الْمُسْتَنِدِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَلَا يُعَرَّى عَنْ نَوْعِ خُبْثٍ.
قَالَ (فَإِذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَأَذِنَ لَهُ بِأَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَدَفَعَهُ بِالثُّلُثِ وَقَدْ تَصَرَّفَ الثَّانِي وَرَبِحَ، فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَالَ لَهُ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَلِرَبِ الْمَالِ النِّصْفُ وَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي الثُّلُثُ وَلِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ السُّدُسُ) لِأَنَّ الدَّفْعَ إِلَى الثَّانِي مُضَارَبَةً قَدْ صَحَّ لِوُجُودِ الْأَمْرِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ وَرَبُّ الْمَالِ شَرَطَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ جَمِيعِ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَوَّلِ إِلَّا النِّصْفُ فَيَتَصَرَّفُ تَصَرُّفُهُ إِلَى نَصِيبِهِ وَقَدْ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْجَمِيعِ لِلثَّانِي فَيَكُونُ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا السُّدُسُ، وَيَطِيبُ لَهُمَا ذَلِكَ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي وَاقِعٌ لِلْأَوَّلِ كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ وَاسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ
بِقَوْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّانِي … إِلَخْ. فَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْزِلٍ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ حِينِ خَالَفَ بِالدَّفْعِ إِلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَضِيَ بِهِ فَصَارَ، كَمَا إِذَا دَفَعَ مَالَ نَفْسِهِ).
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّعْلِيلُ إِنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ زُفَرَ؛ لِأَنَّ تُحَقِّقُ الْمُخَالَفَةُ بِالدَّفْعِ إِلَى الْغَيْرِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ زُفَرُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا تَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ بِالدَّفْعِ مَا لَمْ يَعْمَلْ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا تَتَحَقَّقُ بِالدَّفْعِ وَلَا بِالْعَمَلِ مَا لَمْ يَرْبَحْ وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَهَمَّ بِالْبَيَانِ.
[ ٨ / ٤٦٣ ]
دِرْهَمٍ (وَإِنْ كَانَ قَالَ لَهُ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَكَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي الثُّلُثُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْمَالِ نِصْفَانِ) لِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ وَجَعَلَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا رُزِقَ الْأَوَّلُ وَقَدْ رُزِقَ الثُّلُثَيْنِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ جَمِيعِ الرِّبْحِ فَافْتَرَقَا (وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ فَمَا رَبِحْتَ مِنْ شَيْءٍ فَبَيْنِي وَبَيْنِكَ نِصْفَانِ وَقَدْ دَفَعَ إِلَى غَيْرِهِ بِالنِّصْفِ فَلِلثَّانِي النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْمَالِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرَطَ لِلثَّانِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَذَلِكَ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ فَيَسْتَحِقُّهُ.
وَقَدْ جَعَلَ رَبُّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا رَبِحَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَرْبَحْ إِلَّا النِّصْفُ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا (وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَلِي نِصْفُهُ أَوْ قَالَ فَمَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَبَيْنِي وَبَيْنَكَ نِصْفَانِ وَقَدْ دَفَعَ إِلَى آخَرَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَلِرَبِّ الْمَالِ النِّصْفُ وَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي النِّصْفُ وَلَا شَيْءَ لِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ)
لِأَنَّهُ جَعَلَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مُطْلَقِ الْفَضْلِ فَيَنْصَرِفُ شَرْطُ الْأَوَّلِ النِّصْفَ لِلثَّانِي إِلَى جَمِيعِ نَصِيبِهِ فَيَكُونُ لِلثَّانِي بِالشَّرْطِ وَيَخْرُجُ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِيَخِيطَ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ فَاسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ لِيَخِيطَهُ بِمِثْلِهِ (وَإِنْ شَرَطَ لِلْمُضَارِبِ الثَّانِي ثُلُثَيِ الرِّبْحِ فَلِرَبِّ الْمَالِ النِّصْفُ وَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي النِّصْفُ وَيَضْمَنُ الْمُضَارِبُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي سُدُسَ الرِّبْحِ فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ شَرَطَ لِلثَّانِي شَيْئًا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِرَبِّ الْمَالِ فَلَمْ يَنْفُذْ فِي حَقِّهِ لِمَا فِيهِ مِنِ الْإِبْطَالِ، لَكِنَّ التَّسْمِيَةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى مَعْلُومًا فِي عَقْدٍ يَمْلِكُهُ وَقَدْ ضَمِنَ لَهُ السَّلَامَةَ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ غَرَّهُ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ وَهُوَ سَبَبُ الرُّجُوعِ فَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ فَدَفَعَهُ إِلَى مَنْ يَخِيطُهُ بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ.
(فَصْلٌ)
(وَإِذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ لِرَبِّ الْمَالِ ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ ثُلُثَ الرِّبْحِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ وَلِنَفْسِهِ ثُلُثَ الرِّبْحِ فَهُوَ جَائِزٌ)
وَالتَّعْلِيلُ هَاهُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِكَوْنِهِ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ قَوْلُهُمَا لِكَوْنِهِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَ التَّعْلِيلُ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِقَوْلِ زُفَرَ: فَلْيُتَأَمَّلُ فِي التَّوْجِيهِ.
(فَصْلٌ)
(قَوْلُهُ: وَإِذَا شَرْطَ الْمُضَارِبُ لِرَبِّ الْمَالِ ثُلْثَ الرِّبْحِ وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ ثُلْثَ الرِّبْحِ عَلَى أَنَّ يَعْمَلَ مَعَهُ وَلِنَفْسِهِ ثُلْثَ الرِّبْحِ فَهُوَ جَائِزٌ) هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الشُّرَّاحُ فِي أَمْرِ التَّقْيِيدِ بِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ فِيهَا فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: التَّقْيِيدُ
[ ٨ / ٤٦٤ ]
لِأَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا مُعْتَبَرَةً خُصُوصًا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ وَاشْتِرَاطُ الْعَمَلِ إِذَنْ لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَكُونُ لِلْمَوْلَى وِلَايَةُ أَخْذِ مَا أَوْدَعَهُ الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعِ الْمَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ، بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ يَكُونُ الثُّلُثُ لِلْمُضَارِبِ بِالشَّرْطِ وَالثُّلُثَانِ لِلْمَوْلَى، لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ لِلْمَوْلَى إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهُوَ لِلْغُرَمَاءِ. هَذَا إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ هُوَ الْمَوْلَى، وَلَوْ عَقَدَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ مَعَ أَجْنَبِيٍّ وَشَرَطَ الْعَمَلَ عَلَى الْمَوْلَى لَا يَصِحُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِأَنَّ هَذَا اشْتِرَاطُ الْعَمَلِ عَلَى الْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ صَحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ عِنْدَهُ عَلَى مَا عُرِفَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ لَا لِلشَّرْطِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي عَبْدِ الْمُضَارِبِ كَذَا أَيْضًا، وَنُقِلَ عَنِ الذَّخِيرَةِ وَالْمَعْنَى تَفْصِيلًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: التَّقْيِيدُ بِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ لَا لِلشَّرْطِ، فَإِنَّ حُكْمَ عَبْدِ الْمُضَارِبِ كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ شَرْطَ الْأَجْنَبِيُّ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ الْمُضَارِبِ أَوْ شَهَادَةَ رَبِّ الْمَالِ لَهُ. وَقِيلَ: قَيَّدَ بِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَفِي غَيْرِهِ لَا خِلَافَ. وَجْهُ قَوْلِ الْبَعْضِ: إِنَّ يَدَ الْغُلَامِ كَيْدِ سَيِّدِهِ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ عَمَلِهِ كَاشْتِرَاطِ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ فِيمَا ذَكَرَهُ بِقِيلَ؛ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ: وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ عَمَلِ عَبْدِ الْمُضَارِبِ أَوِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلْثُ، انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يُفْهَمُ لِهَذَا الْبَحْثِ وَجْهُ وُرُودٍ عَلَى ذَلِكَ الْمَنْقُولِ.
[ ٨ / ٤٦٥ ]