قَالَ (الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ. هُوَ يَقُولُ رَضِيَ بِخُصُومَتِهِ وَالْقَبْضُ غَيْرُ الْخُصُومَةِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ انْتَهَى. فَذِكْرُهُ مَرَّةً أُخْرَى سِيَّمَا فِي كِتَابِ الْوِكَالَةِ بَعِيدُ الْمُنَاسَبَةِ.
(بَابُ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ)
أَخَّرَ الْوِكَالَةَ بِالْخُصُومَةِ عَنْ الْوِكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَقَعُ بِاعْتِبَارِ مَا يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ بِمُطَالَبَةِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ، أَوْ لِأَنَّهَا مَهْجُورَةٌ شَرْعًا فَاسْتَحَقَّتْ التَّأْخِيرَ عَمَّا لَيْسَ بِمَهْجُورٍ، وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَذُكِرَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ أَيْضًا. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ وَقَعَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَالصَّحَابَةِ ﵃، وَانْظُرْ إلَى تَفْسِيرِ الْخُصُومَةِ هَلْ فِيهِ مَا يُوجِبُ هَجْرَهَا اهـ. أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ جِدًّا لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْخُصُومَةَ بِحَقِيقَتِهَا وَهِيَ الْمُنَازَعَةُ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ وَإِنَّمَا شُرِعَتْ وَوَقَعَتْ مِنْ الْأَشْرَافِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَجَازًا عَنْ جَوَابِ الْخَصْمِ بِنَعَمْ أَوْ لَا كَمَا سَيَأْتِي بَحْثُهُ عَنْ قَرِيبٍ مُفَصَّلًا وَمَشْرُوحًا، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ هَاهُنَا أَيْضًا فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ مِنْ الشُّرَّاحِ حَيْثُ قَالُوا: لَمَّا كَانَتْ الْخُصُومَةُ مَهْجُورَةً شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ حَتَّى تُرِكَتْ حَقِيقَتُهَا إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ مَجَازًا أَخَّرَ ذِكْرَ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ عَمَّا لَيْسَ بِمَهْجُورٍ شَرْعًا بَلْ هُوَ مُقَرَّرٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ) أَطْلَقَ كَلَامَهُ فِي رِوَايَةٍ لِيَتَنَاوَلَ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمَحْبُوبِيَّ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ (عِنْدَنَا) أَيْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (خِلَافًا لِزُفَرَ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَظْهَرِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَبْضَ كَمَا قُلْنَا (هُوَ) أَيْ زُفَرُ (يَقُولُ) إنَّهُ (رَضِيَ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (بِخُصُومَتِهِ) أَيْ بِخُصُومَةِ الْوَكِيلِ (وَالْقَبْضُ غَيْرُ الْخُصُومَةِ) لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَوْلٌ يُسْتَعْمَلُ فِي إظْهَارِ الْحُقُوقِ وَالْقَبْضُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ (وَلَمْ يَرْضَ بِهِ) أَيْ وَلَمْ يَرْضَ الْمُوَكِّلُ بِالْقَبْضِ إذْ يَخْتَارُ لِلْخُصُومَةِ فِي الْعَادَةِ أَلَحَّ النَّاسِ وَلِلْقَبْضِ آمَنَ النَّاسِ، فَمَنْ يَصْلُحُ
[ ٨ / ١٠٦ ]
وَلَنَا أَنْ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ إتْمَامَهُ وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالْقَبْضِ، وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀ لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ، وَقَدْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ، وَنَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا
لِلْخُصُومَةِ لَا يُرْضَى بِأَمَانَتِهِ عَادَةً.
(وَلَنَا أَنَّ مَنْ مَلَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَلَكَ إتْمَامَهُ وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالْقَبْضِ) يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشَّيْءِ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ يَكُونُ بِالْقَبْضِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ بَاقِيَةٌ مَا لَمْ يَقْبِضْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْمَطْلُ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْمُرَافَعَةِ بِإِثْبَاتِ الْخُصُومَةِ فَلَمَّا وَكَّلَهُ بِفَصْلِهَا وَالْفَصْلُ بِالْقَبْضِ دَخَلَ تَحْتَهُ ضِمْنًا، كَذَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِهِ: وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ وَكِيلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْخُصُومَةِ وَالْخُصُومَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ لِتَوَهُّمِ الْإِنْكَارِ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَعَذُّرِ الْإِثْبَاتِ بِعَارِضٍ مِنْ مَوْتِ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ وَالْمَطْلِ وَالْإِفْلَاسِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ اهـ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ وَكِيلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا أَسْلَفَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَحُكْمُ الْوِكَالَةِ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّ مَنْشَأَهُ الْغَفْلَةُ عَنْ فَائِدَةِ قَوْلِهِ مَا دَامَ وَكِيلًا فِي قَوْلِهِ إنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ وَكِيلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ ثَابِتًا عَلَى وِكَالَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا أُمِرَ بِهِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَغْرِيرُ الْآمِرِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا، وَمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ أَنَّ الْوِكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَحُكْمُهَا جَوَازُ أَنْ يُبَاشِرَ الْوَكِيلُ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ وَأَنْ لَا يُبَاشِرَهُ بِشَرْطِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ إيَّاهُ أَوْ عَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ وَإِعْلَامِهِ الْمُوَكِّلَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ذَلِكَ الْبَعْضُ فِي قَوْلِهِ وَالْخُصُومَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ قَبْضُ الْوَكِيلِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٌ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا يَعُمُّهُ وَقَبَضَ الْمُوَكِّلُ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَطْلُوبُهُ. أَقُولُ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ قَبْضَ الْوَكِيلِ أَوْ الْمُوَكِّلِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَطْلُوبُهُ قَطْعًا بِمُقْتَضَى مُقَدِّمَتِهِ الْقَائِلَةِ: وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الْمُوَكِّلُ الْخُصُومَةَ إلَى الْوَكِيلِ وَالْتَزَمَ الْوَكِيلُ إقَامَتَهَا دَخَلَ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ مَا لَا تَتِمُّ الْخُصُومَةُ إلَّا بِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ فَمَلَكَهُ الْوَكِيلُ قَطْعًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ مَا دَامَ عَلَى وِكَالَتِهِ (وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ، وَقَدْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ) وَمَشَايِخُ بَلْخٍ أَفْتَوْا بِقَوْلِ زُفَرَ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْقَبْضِ غَيْرُ ثَابِتٍ نَصًّا وَلَا دَلَالَةً.
أَمَّا نَصًّا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا دَلَالَةً فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُوَكِّلُ غَيْرَهُ بِالْخُصُومَةِ وَالتَّقَاضِي وَلَا يَرْضَى بِأَمَانَتِهِ وَقَبْضِهِ، وَبِهِ أَفْتَى الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَيْضًا، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ وَقَعَتْ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَنَظِيرُهُ) أَيْ نَظِيرُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ (الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي) فَإِنَّهُ (يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ (لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا) أَيْ لِأَنَّ التَّقَاضِيَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْأَسَاسِ تَقَاضَيْته دَيْنِي وَبِدَيْنِي، وَاقْتَضَيْته دَيْنِي وَاقْتَضَيْت مِنْهُ حَقِّي: أَيْ أَخَذْته. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتَقَاضَاهُ الدَّيْنَ قَبَضَهُ مِنْهُ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ
[ ٨ / ١٠٧ ]
إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ.
فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا بِقَوْلِهِ: أَيْ لِأَنَّ التَّقَاضِيَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: تَقَاضَيْته دَيْنِي وَتَقَاضَيْته بِدَيْنِي وَاسْتَقْضَيْته طَلَبْت قَضَاءَهُ، وَاقْتَضَيْت مِنْهُ حَقِّي أَخَذْته. وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ النَّظَرِ الْمَذْكُورِ عَنْهُ: قُلْت لَمْ أَدْرِ وَجْهَ النَّظَرِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ التَّقَاضِي هُوَ الْقَبْضُ بَلْ قَالَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ.
أَقُولُ: بَلْ لَا وَجْهَ لِمَا قَالَ لِأَنَّ وَجْهَ النَّظَرِ هُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِمَّا فِي الْمُغْرِبِ كَوْنُ التَّقَاضِي فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى طَلَبِ الْقَضَاءِ لَا بِمَعْنَى الْقَبْضِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَا يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ التَّقَاضِي هُوَ الْقَبْضُ بَلْ قَالَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى التَّقَاضِي فِي اللُّغَةِ طَلَبَ الْقَضَاءِ لَا غَيْرُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الِاتِّحَادُ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ قَطْعًا. ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْ النَّظَرِ الْمَذْكُورِ: لَعَلَّ صَاحِبَ الْمُغْرِبِ فَسَّرَ التَّقَاضِي بِطَلَبِ الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ لِلَّفْظِ التَّقَاضِي لِكَوْنِهِ غَالِبًا عَلَى مَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ الْأَصْلِيِّ كَمَا سَتَعْرِفُهُ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ عَامَّةُ ثِقَاتِ أَرْبَابِ اللُّغَةِ فِي كُتُبِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ كَوْنِ مَعْنَى التَّقَاضِي هُوَ الْأَخْذُ وَالْقَبْضُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْوَضْعِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّقَاضِي، فَفَسَّرَ الِاقْتِضَاءَ بِالْأَخْذِ عَلَى أَصْلِهِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعُرْفِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ كَمَا عَرَفْته مِمَّا نَقَلْنَاهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْأَسَاسِ وَصَرَّحَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ حَيْثُ قَالَ: وَاقْتَضَى دَيْنَهُ وَتَقَاضَاهُ بِمَعْنًى فَتَدَبَّرْ (إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ بِخِلَافِهِ) أَيْ بِخِلَافِ الْوَضْعِ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ التَّقَاضِي الْقَبْضَ بَلْ يَفْهَمُونَ مِنْهُ الْمُطَالَبَةَ (وَهُوَ) أَيْ الْعُرْفُ (قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ) أَيْ رَاجِحٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ وَضْعَ الْأَلْفَاظِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَهُمْ لَا يَفْهَمُونَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ بَلْ يَفْهَمُونَ الْمَجَازَ، فَصَارَ الْمَجَازُ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ لِتَسَارُعِ أَفْهَامِ النَّاسِ إلَيْهِ (وَالْفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ) يَعْنِي فَتْوَى الْمَشَايِخِ الْيَوْمَ عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي الْقَبْضَ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ وَالْمَجَازُ مُتَعَارَفٌ وَهِيَ أَوْلَى مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ وَجْهٌ لِأَصْلِ الرِّوَايَةِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ أَوْ عَلَى الْعُرْفِ لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ قَالُوا عَلَى الْعُرْفِ فَلَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: لَا النَّظَرُ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي لَفْظِ التَّقَاضِي غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ بَلْ هِيَ مَهْجُورَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ثِقَاتُ الْمَشَايِخِ كَالْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ وَصَاحِبِ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ: الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالتَّقَاضِي فِي عُرْفِ دِيَارِنَا لَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ، كَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي دِيَارِنَا، وَجُعِلَ التَّقَاضِي مُسْتَعْمَلًا فِي الْمُطَالَبَةِ مَجَازًا لِأَنَّهُ سَبَبَ الِاقْتِضَاءِ وَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ أَصْلٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ قَطُّ، فَلَوْ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ فِي لَفْظِ التَّقَاضِي مُسْتَعْمَلَةً لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَطْعًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَشَايِخِ الْفَتْوَى عَلَى الْعُرْفِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَرْكُ أَصْلِ إمَامِهِمْ الْمُجْتَهِدِ، وَلَيْسَتْ وَظِيفَتُهُمْ إلَّا الْجَرَيَانُ عَلَى أَصْلِهِ الْكُلِّيِّ، وَإِنْ جَازَ لَهُمْ بَعْضٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ
[ ٨ / ١٠٨ ]
قَالَ (فَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ لَا يَقْبِضَانِ إلَّا مَعًا) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الْخُصُومَةِ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُوَكِّلِ أَوْ إبْرَائِهِ تُقْبَلُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَا يَكُونُ خَصْمًا وَهُوَ
فِي الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَدَارُ فَتْوَاهُمْ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ عِنْدَهُمَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَمِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ أَنْ لَا يَقَعَ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ؛ أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ: الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَلَوْ كَانَ لِأَصْلِنَا الْمَذْكُورِ تَأْثِيرٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمْ فِيهَا، عَلَى أَنَّ صَاحِبَ التَّلْوِيحِ قَالَ: وَفِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ إنَّمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُمَا إذَا تَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ بِعُمُومِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ الْحِنْطَةِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا تَمْشِيَةَ لِأَصْلِهِمَا الْمَذْكُورِ هَاهُنَا رَأْسًا، فَلَا مَجَالَ لَأَنْ يُجْعَلَ مَدَارُ الصِّحَّةِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَفَتْوَى الْمَشَايِخِ فَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالتَّقَاضِي كَانَ مُسْتَعْمَلًا عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي الْأَوَائِلِ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، فَكَانَ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الرِّوَايَةِ. وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَمَّا ظَهَرَتْ الْخِيَانَةُ فِي الْوُكَلَاءِ وَجَرَى الْعُرْفُ عَلَى أَنْ جَعَلُوا التَّقَاضِيَ فِي التَّوْكِيلِ بِالتَّقَاضِي مُسْتَعْمَلًا فِي الْمُطَالَبَةِ مَجَازًا وَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً أَفْتَى مَشَايِخُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالتَّقَاضِي لَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ بِالِاتِّفَاقِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَقَامِ غُبَارٌ أَصْلًا.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَإِنْ كَانَا) أَيْ الرَّجُلَانِ (وَكِيلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ لَا يَقْبِضَانِ إلَّا مَعًا) أَيْ لَا يَقْبِضَانِ حَقَّ الْمُوَكِّلِ إلَّا مُجْتَمِعَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ (رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا) وَحْدَهُ (وَاجْتِمَاعُهُمَا مُمْكِنٌ) أَيْ اجْتِمَاعُ الْوَكِيلَيْنِ عَلَى الْقَبْضِ مُمْكِنٌ شَرْعًا فَإِنَّهُمَا يَصِيرَانِ قَابِضَيْنِ بِالتَّخْلِيَةِ بِلَا مَحْذُورٍ (بِخِلَافِ الْخُصُومَةِ) فَإِنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَيْهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا (عَلَى مَا مَرَّ) أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ لِلْإِفْضَاءِ إلَى الشَّغْبِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) قَيَّدَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ. وَهُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ إذَا وَقَعَ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ وَقَعَ بِالْقَبْضِ لَا غَيْرُ، وَإِذَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِالتَّمَلُّكِ كَانَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، كَذَا قَالُوا وَسَيَظْهَرُ حُكْمُ هَذَا الْأَصْلِ فِي دَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ.
وَنَقَلَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى عَنْ مَفْقُودِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ إجْمَاعًا إنْ كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ الْقَاضِي كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ دُيُونِ الْغَائِبِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ ثَمَرَةَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ (حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ (الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُوَكَّلِ) أَيْ عَلَى اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ (أَوْ إبْرَائِهِ) أَيْ أَوْ عَلَى إبْرَاءِ الْمُوَكِّلِ الْمَدْيُونَ عَنْ الدَّيْنِ (تُقْبَلُ عِنْدَهُ) أَيْ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: إذَا جَحَدَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الدَّيْنِ هَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؟ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا تُقْبَلُ (وَقَالَا: لَا يَكُونُ خَصْمًا) أَيْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَكُونُ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ خَصْمًا (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُمَا
[ ٨ / ١٠٩ ]
رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ الْخُصُومَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ يَهْتَدِي فِي الْخُصُومَاتِ فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِالْقَبْضِ رِضًا بِهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، إذْ قَبْضُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِيفَاءَ الْعَيْنِ حَقَّهُ مِنْ وَجْهٍ
رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ وَأَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ الْخُصُومَةِ) فَلَمْ يَكُنْ التَّوْكِيلُ بِالْقَبْضِ تَوْكِيلًا بِالْخُصُومَةِ (وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ يَهْتَدِي فِي الْخُصُومَاتِ فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِالْقَبْضِ رِضًا بِهَا) أَيْ بِالْخُصُومَةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ) أَيْ وَكَّلَ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ بِتَمَلُّكِ الْمَقْبُوضِ بِمُقَابِلَةِ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ قِصَاصًا (لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا) لَا بِأَعْيَانِهَا (إذْ قَبَضَ الدَّيْنَ نَفْسَهُ) أَيْ قَبَضَ نَفْسَ الدَّيْنِ (لَا يُتَصَوَّرُ) لِأَنَّهُ وَصْفٌ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ (إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِيفَاءَ الْعَيْنِ حَقَّهُ مِنْ وَجْهٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا: يَعْنِي أَنَّ الدُّيُونَ وَإِنْ كَانَتْ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، إلَّا أَنَّ قَبْضَ الْمِثْلِ جُعِلَ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ حَقِّ الدَّائِنِ مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا يُجْبَرُ الْمَدْيُونُ عَلَى الْأَدَاءِ، وَلَوْ كَانَ تَمَلُّكًا مَحْضًا لَمَا أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا ظَفَرَ الدَّائِنُ بِجِنْسِ حَقِّهِ حَلَّ لَهُ الْأَخْذُ.
هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ. وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَقَالَ فِي شَرْحِهِ: لَكِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ قَبْضَهُ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ قَضَاءُ دُيُونٍ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهَا، وَالتَّوْكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ تَوْكِيلًا بِالتَّمَلُّكِ كَانَ تَوْكِيلًا بِالِاسْتِقْرَاضِ، إذْ التَّوْكِيلُ بِقَبْضِ مِثْلِ مَالِ الْمُوَكِّلِ لَا عَيْنِ مَالِهِ ثُمَّ يَتَقَاصَّانِ، وَالتَّوْكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ امْتِنَاعَ التَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَجْعَلَ قَبْضَهُ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ لِجَوَازِ تَصْحِيحِ التَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَجْعَلُهُ رِسَالَةً بِالِاسْتِقْرَاضِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَالرِّسَالَةُ بِالِاسْتِقْرَاضِ جَائِزَةٌ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ نَوْعُ إشْكَالٍ، لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ تَوْكِيلٌ بِالِاسْتِقْرَاضِ مَعْنًى، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، فَمَا قَبَضَهُ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَلَهُ عَلَى الْغَرِيمِ مِثْلُهُ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ رِسَالَةٌ بِالِاسْتِقْرَاضِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ بِتَوْكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ إضَافَةِ الْقَبْضِ إلَى مُوَكِّلِهِ بِأَنْ يَقُولَ: إنَّ فُلَانًا وَكَّلَنِي بِقَبْضِ مَالِهِ عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ كَمَا لَا بُدَّ لِلرَّسُولِ فِي الِاسْتِقْرَاضِ مِنْ إضَافَةِ الْمُرْسِلِ بِأَنْ يَقُولَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْك يَقُولُ لَك أَقْرِضْنِي كَذَا، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ فَإِنَّهُ يُضِيفُ إلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ أَقْرَضَنِي فَصَحَّ مَا ادَّعَيْنَاهُ أَنَّهُ رِسَالَةٌ مَعْنًى، وَالرِّسَالَةُ بِالِاسْتِقْرَاضِ جَائِزَةٌ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ مِنْ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ الْمَزْبُورَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا سُؤَالٌ حَسَنٌ، وَالْجَوَابُ غَيْرُ مُخَلِّصٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ رَسُولًا لَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ رَسُولٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَكُونَ خَصْمًا، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ رَسُولٌ
[ ٨ / ١١٠ ]
فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ وَالْقِسْمَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَهَذِهِ أَشْبَهُ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ الْأَخْذِ هُنَالِكَ. وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الشِّرَاءِ
بِالِاسْتِقْرَاضِ بِالنَّظَرِ إلَى قَبْضِ مِثْلِ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً وَوَكِيلٌ بِالتَّمَلُّكِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُقَاصَّةِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَوْنُهُ خَصْمًا حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا غُبَارَ عَلَى الْجَوَابِ (فَأَشْبَهَ) أَيْ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ (الْوَكِيلُ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ أَشْبَهَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ خَصْمًا، فَإِنَّهُ إذَا أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُوَكِّلِ الشُّفْعَةَ تُقْبَلُ (وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى أَخْذِ الشُّفْعَةِ: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلَ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، فَإِنَّهُ إذَا أَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالرُّجُوعِ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ الْوَاهِبَ أَخَذَ الْعِوَضَ تُقْبَلُ (وَالْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّهُ خَصْمٌ يُطَالِبُ بِحُقُوقِ الْعَقْدِ وَلَا يَرَى لِفَصْلِهِ عَمَّا قَبْلَهُ بِإِعَادَةِ لَفْظِ الْوَكِيلِ كَثِيرَ فَائِدَةٍ (وَالْقِسْمَةِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الشِّرَاءِ: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلُ بِالْقِسْمَةِ.
فَإِنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يُقَاسِمَ مَعَ شَرِيكِهِ وَأَقَامَ الشَّرِيكُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ نَصِيبَهُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ (وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الشِّرَاءِ أَيْضًا: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِالْعَيْبِ تُقْبَلُ (وَهَذِهِ) أَيْ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهَذَا: أَيْ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدِّينِ (أَشْبَهَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ) أَيْ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْهَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، كَذَا صَرَّحُوا بِهِ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ شُرَّاحَ الْهِدَايَةِ قَدْ افْتَرَقُوا فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا وَتَبْيِينِ الْمُرَادِ بِالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ هَاهُنَا فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، وَذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا، لَكِنْ بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنْ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِعِبَارَتَيْنِ، فَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَهَذِهِ أَيْ مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْهَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: أَيْ مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِمَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْأُخَرِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا لَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ لَا تَثْبُتُ الْوِكَالَةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ وَقَبْضِ الدَّيْنِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ أَيْضًا، وَلَكِنْ لَمْ يُعَيِّنُوا تِلْكَ الثَّلَاثَ الْأُخَرَ مِنْ بَيْنِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ. ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ بَيَّنَ وَجْهَ الْأَشْبَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ (حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ حَتَّى يَكُونَ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ خَصْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَبْلَ قَبْضِ الدَّيْنِ (كَمَا يَكُونُ) أَيْ كَمَا يَكُونُ الْوَكِيلُ (خَصْمًا قَبْلَ الْأَخْذِ) أَيْ قَبْلَ أَخْذِ الْعَقَارِ (هُنَالِكَ) أَيْ فِي التَّوْكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الشِّرَاءِ) فَافْتَرَقَا.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ، وَهَذِهِ أَشْبَهَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ هُوَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِمَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ لِأَنَّهَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَهَبَ إلَيْهِ فِرْقَةٌ مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ، وَاخْتَرْنَاهُ أَيْضًا فِي شَرْحِنَا هُنَالِكَ بِنَاءً عَلَى هَذَا، وَلَكِنْ بَقِيَتْ شُبْهَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْوَكِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ لِمَا وُكِّلَ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الْبَاقِيَةِ أَيْضًا لَا يَظْهَرُ لِتَخْصِيصِ مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالذِّكْرِ وَجَعْلِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ إيَّاهَا فَقَطْ وَجْهٌ وَإِنْ كَانَ خَصْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ سِيَّمَا فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْقِسْمَةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الشَّرِيكَ الْآخَرَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَسِّمَ الْوَكِيلُ
[ ٨ / ١١١ ]
وَهَذَا لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ تَقْتَضِي حُقُوقًا وَهُوَ أَصِيلٌ فِيهَا فَيَكُونُ خَصْمًا فِيهَا
قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ) بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضٌ، وَالْقَبْضُ لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ (حَتَّى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ عَبْدٍ لَهُ فَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ بَاعَهُ إيَّاهُ وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ فَلَمْ تُعْتَبَرْ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ خَصْمٌ فِي قَصْرِ يَدِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْقَبْضِ فَتَقْصُرُ يَدُهُ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْبَائِعُ تُعَادُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبَيْعِ
بِالْقِسْمَةِ مَا وُكِّلَ بِتَقْسِيمِهِ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ نَصِيبَهُ مِنْهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، لَا يَظْهَرُ لِتَخْصِيصِ أَشْبَهِيَّةِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ وَجْهٌ، إذْ يَصِيرُ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ حِينَئِذٍ أَشْبَهَ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ أَيْضًا مِنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَتَأَمَّلْ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى مَطْلَعِ نُكْتَةِ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ (لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ تَقْتَضِي حُقُوقًا) كَالتَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ الْوَكِيلُ بِالتَّمَلُّكِ (أَصِيلٌ فِيهَا) أَيْ فِي الْحُقُوقِ (فَيَكُونُ خَصْمًا فِيهَا) أَيْ فِي الْحُقُوقِ: يَعْنِي كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَ الْوَكِيلَ بِتَمَلُّكِ مِثْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَدْيُونِ وَذَلِكَ مُبَادَلَةٌ، وَالْمَأْمُورُ بِالْمُبَادَلَةِ يَكُونُ أَصِيلًا فِي حُقُوقِ الْمُبَادَلَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَأَكْثَرِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِمَّا يَتِمُّ بِهِ دَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالتَّمَلُّكِ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ اهـ.
فَعَلَيْك الِاخْتِبَارُ ثُمَّ الِاخْتِيَارُ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنَّفِ هُنَا حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْمُبَادَلَةَ لَمْ تَقَعْ مِنْ الْوَكِيلِ بَلْ مِنْ مُوَكِّلِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْوَكِيلُ أَصِيلًا فِي حُقُوقِهَا. وَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الْمُبَادَلَةُ فِي التَّمَلُّكِ بِأَخْذِ الدَّيْنِ.
قُلْنَا: ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بَعْدٌ فَتَأَمَّلْ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِمُتَوَجِّهٍ، لِأَنَّ تَعَلُّقَ بَعْضِ الْحُقُوقِ بِشَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ حَقَّ الْخُصُومَةِ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الْأَخْذِ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَذِهِ أَشْبَهَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ الْأَخْذِ هُنَالِكَ. ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ مُبَادَلَةً مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الدُّيُونِ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا إلَّا أَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ لِعَيْنِ الْحَقِّ مِنْ وَجْهٍ كَمَا مَرَّ، فَلِشَبَهِهِ بِالْمُبَادَلَةِ تَعَلَّقَ حَقُّ الْخُصُومَةِ بِالْوَكِيلِ، وَلِشَبَهِهِ بِأَخْذِ عَيْنِ الْحَقِّ جَازَتْ الْخُصُومَةُ قَبْلَ وُقُوعِ التَّمَلُّكِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَيُرْشِدُ إلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ: لَا يُقَالُ لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِالْمُبَادَلَةِ وَجَبَ أَنْ تَلْحَقَهُ الْعُهْدَةُ فِي الْمَقْبُوضِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ فِي الْمَقْبُوضِ لِأَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ مُبَادَلَةً مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ اسْتِيفَاءُ عَيْنِ الْحَقِّ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الدُّيُونِ مَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ، فَلِشَبَهِهِ بِالْمُبَادَلَةِ جَعَلْنَاهُ خَصْمًا، وَلِشَبَهِهِ بِأَخْذِ الْعَيْنِ لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ فِي الْمَقْبُوضِ عَمَلًا بِهَا اهـ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ بِالِاتِّفَاقِ) أَيْ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا.
وَلِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا فِي قَبْضِ الدَّيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الْعَيْنِ (أَمِينٌ مَحْضٌ) حَيْثُ لَا مُبَادَلَةَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ يَقْبِض عَيْنِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ (وَالْقَبْضُ) أَيْ قَبْضُ الْعَيْنِ (لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فَأَشْبَهَ الرَّسُولُ، حَتَّى إنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ عَبْدٍ لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ (فَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) أَيْ فَأَقَامَ ذُو الْيَدِ (الْبَيِّنَةَ) عَلَى (أَنَّ الْمُوَكِّلِ بَاعَهُ) أَيْ بَاعَ الْعَبْدَ (إيَّاهُ) أَيْ ذَا الْيَدِ (وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (وَهَذَا) أَيْ وُقُوفُ الْأَمْرِ (اسْتِحْسَانٌ) أَيْ مُقْتَضَى الِاسْتِحْسَانِ (وَالْقِيَاسُ) أَيْ مُقْتَضَاهُ (أَنْ يَدْفَعَ) أَيْ الْعَبْدَ (إلَى الْوَكِيلِ) وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ (لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ (فَلَمْ تُعْتَبَرْ) أَيْ الْبَيِّنَةُ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (خَصْمٌ فِي قَصْرِ يَدِهِ) أَيْ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ نَفْسِهِ عَنْ الْعَبْدِ (لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْقَبْضِ فَتَقْصُرُ يَدُهُ) أَيْ يَدُ الْوَكِيلِ: يَعْنِي يَصِيرُ أَثَرُ الْبَيِّنَةِ مُجَرَّدَ قَصْرِ يَدِهِ لَا إثْبَاتَ الْبَيْعِ (وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْبَيْعُ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ) وَهُوَ الْمُوَكِّلُ (تُعَادُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبَيْعِ) يَعْنِي لَوْ حَضَرَ
[ ٨ / ١١٢ ]
فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ عَزَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ كَذَا هَذَا
. قَالَ (وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ) وَمَعْنَاهُ إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ عَلَى الْعَتَاقِ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ اسْتِحْسَانًا دُونَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
قَالَ (وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ
الْمُوَكِّلُ لَا بُدَّ لِذِي الْيَدِ مِنْ إعَادَةِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْبَيْعِ فِي مَحْضَرِ الْمُوَكِّلِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالْبَيِّنَةِ السَّابِقَةِ فِي إثْبَاتِ الْبَيْعِ لِعَدَمِ كَوْنِ الْوَكِيلِ خَصْمًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ (فَصَارَ) هَذَا (كَمَا إذَا أَقَامَ) أَيْ ذُو الْيَدِ (الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ عَزَلَهُ) أَيْ عَزَلَ الْوَكِيلَ (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ التَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ) أَيْ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ هُنَاكَ (فِي قَصْرِ يَدِهِ) أَيْ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِهِ (كَذَا هَذَا) أَيْ مَا نَحْنُ فِيهِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَالِارْتِهَانِ، فَإِنَّهُ إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الْيَدِ الِارْتِهَانَ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِهِ لَا فِي ثُبُوتِ الِارْتِهَانِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ (إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ) أَيْ وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الْبَيِّنَةَ (عَلَى الْعَتَاقِ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِالْإِقَامَةِ: أَيْ وَإِذَا أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ إلَى الْمُوَكِّلِ يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْوَكِيلُ بِنَقْلِ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا الْمُوَكِّلِ نَقَلَهَا إلَيْهِ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ نَقْلَهُمَا إلَى مَوْلَاهُمَا الْمُوَكِّلِ قَبَضَهُمَا وَنَقَلَهُمَا إلَيْهِ، فَأَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهَا عَلَى أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، وَأَقَامَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمَا عَلَى أَنَّ مَوْلَاهُمَا أَعْتَقَهُمَا (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ) أَيْ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ عَنْهُمْ (حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ) أَيْ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْغَائِبُ (اسْتِحْسَانًا) أَيْ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا قِيَاسًا فَلَا تُقْبَلُ لِقِيَامِهَا لِأَعْلَى خَصْمٍ (دُونَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ لَا قِيَاسًا وَلَا اسْتِحْسَانًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي إثْبَاتِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ خَصْمًا فِي قَصْرِ يَدِهِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ قَصْرِ يَدِهِ الْقَضَاءُ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ عَلَى الْغَائِبِ فَتُقْبَلُ فِي الْقَصْرِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَعَلَى قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ. فَفِي حَقِّ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْمُوَكِّلِ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ، وَفِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ فَتُقْبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِهِ لَا فِي حَقِّ إزَالَةِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي) مُتَعَلِّقٌ بِأَقَرَّ أَيْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي (جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ) أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ وَالْمُوَكِّلَ لِيَتَنَاوَلَ اسْمُ الْمُوَكِّلِ لِلْمُدَّعِي
[ ٨ / ١١٣ ]
وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْوِكَالَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَوَّلًا، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ مُنَازَعَةٌ وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ جَوَازُ إقْرَارِ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوَكِّلُهُ مُدَّعِيًا أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ، سِوَى أَنَّ مَعْنَى الْإِقْرَارِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُوَكِّلِ، فَإِقْرَارُ وَكِيلِ الْمُدَّعِي هُوَ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مُوَكِّلَهُ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ وَإِقْرَارُ وَكِيلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَى مُوَكِّلِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَخُلَاصَةُ هَذَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُوَكِّلُهُ الْمُدَّعِيَ فَأَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مِنْ الْمُدَّعِي فَأَقَرَّ بِالْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ، أَوْ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي) أَيْ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا) وَقَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ جَازَ وَبِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ فَتَأَمَّلْ (إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْوِكَالَةِ) فَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ. وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيُّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَبْطُلُ الْوِكَالَةُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ)
أَيْ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَفِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵏ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَهُوَ الْقِيَاسُ) أَيْ مُقْتَضَاهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ) أَيْ الْخُصُومَةُ (مُنَازَعَةٌ) وَمُشَاجَرَةٌ (وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ) أَيْ يُضَادُّ الْخُصُومَةَ الَّتِي هِيَ مُنَازَعَةٌ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِتَأْوِيلِ مَا أَمَرَ بِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ (مُسَالَمَةٌ) وَمُسَاعَدَةٌ (وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ، وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ عَدَمِ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ (لَا يَمْلِكُ) أَيْ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ (الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ) وَكَذَا لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَافِي وَغَيْرُهُ، فَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَا يُضَادُّ الْخُصُومَةَ (وَيَصِحُّ) أَيْ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ (إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ) بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزٍ الْإِقْرَارُ، أَوْ بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُقِرَّ عَلَيَّ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ، فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ هُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَوْ كَانَ مَجَازًا لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ
[ ٨ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالْخُصُومَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ أَوْ الْإِنْكَارُ لَا كِلَاهُمَا بِالِاتِّفَاقِ. ثُمَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْجَوَابِ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِنْكَارِ لَا يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَيْسَ بِمَجَازٍ لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ أَوْ الْإِنْكَارُ لَا كِلَاهُمَا بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ وَحْدَهُ أَوْ الْإِنْكَارُ وَحْدَهُ لَا مَا يَعُمُّهُمَا بِالِاتِّفَاقِ، فَلَا نُسَلِّمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، إذْ الْمُرَادُ مِنْ الْجَوَابِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَا يَعُمُّ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا وَمَشْرُوحًا سِيَّمَا مِنْ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ لَا مَجْمُوعِهِمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، إذْ لَا يَصِحُّ جَمْعُ الْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ مَعًا فِي جَوَابِ قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ ثُمَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْجَوَابِ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، إذْ اللَّازِمُ فِيهِمَا حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءُ الْجُزْئِيِّ مِنْ الْكُلِّيِّ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَوْلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِنْكَارِ لَا يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا، إذْ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا. ثُمَّ أَقُولُ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ مَا فِي كَلَامِ غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ فِي تَقْرِيرِ الْمَحَلِّ: وَكَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، لِأَنَّ لَفْظَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْإِقْرَارَ، فَلَوْ تَنَاوَلَهُ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ. وَصَحَّ الْإِقْرَارُ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ اهـ. فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَنَّهَا أَمْرٌ جُزْئِيٌّ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ أَصْلًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ فَهُوَ لَا يُنَافِي تَعَدُّدَهَا مِنْ حَيْثُ الْأَفْرَادُ وَصِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ أَفْرَادِهَا مِنْهَا عِنْدَ التَّوْكِيلِ بِهَا كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمُقَامِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَوْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ وَكَمَا لَوْ وُكِّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ الْمَقَامِ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ، وَكَمَا لَوْ وُكِّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ. ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لَمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ انْتَهَى. أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ جِدًّا لِأَنَّ عَدَمَ التَّنَاوُلِ إنَّمَا يُنَافِي صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ شَرْعًا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ. نَعَمْ يَرِدُ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مِمَّنْ يَقُولُ بِجَوَازِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَا يَقُولُ بِكَوْنِ الْإِقْرَارِ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، بَلْ يَقُولُ بِكَوْنِهِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ حُجَّةً عَلَيْهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ الْكَاكِيَّ وَالشَّارِحَ الْعَيْنِيَّ جَعَلَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِمْ: أَيْ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَقَرَّرَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ بِمَا لَا حَاصِلَ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ النَّاظِرِ فِي كَلَامِهِمَا. وَلَمَّا رَأَيْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ إطْنَابًا مُمِلًّا أَعْرَضْنَا عَنْهُ، عَلَى أَنَّ مَآلَ مَا ذَكَرَهُ
[ ٨ / ١١٥ ]
وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابٍ هُوَ خُصُومَةٌ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى.
الْكَاكِيُّ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ، وَمَآلُ مَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي تَقْرِيرِهِ مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدْ عَرَفْت حَالَهُمَا (وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابٍ هُوَ خُصُومَةٌ) يَعْنِي الْإِنْكَارَ (إذْ الْعَادَةُ) فِي التَّوْكِيلِ (جَرَتْ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا) أَيْ فِي الْخُصُومَةِ (الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى) وَالْإِقْرَارُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الْهِدَايَةِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُبْتَدَأَةٌ خِلَافِيَّةٌ، لَيْسَ إيرَادُهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ: يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا، كَذَا فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ اهـ.
وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنْ النِّهَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَكَانَ هَذَا سَهْوَ الْقَلَمِ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَظَنِّي أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ فَكَذَا فِيمَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ عَلَى وَجْهِ النَّتِيجَةِ: يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ الصُّلْحَ وَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْمُوَكِّلِ الْإِقْرَارَ أَنْتَجَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ لَا بِجَوَابِ هُوَ مُسَالَمَةٌ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَلِأَجْلِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ يَخْتَارُ فِي التَّوْكِيلِ بِخُصُومَةٍ الْأَهْدَى فِي الْخُصُومَةِ فَالْأَهْدَى، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ جَمِيعًا، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْخُصُومَةِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ زُفَرُ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ مُضَادَّةٌ، وَلِهَذَا صَرَّحَ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ، وَقَدْ تَحَيَّرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا لِلِاسْتِشْهَادِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَبِيلِ سَهْوِ الْقَلَمِ عَمَّا ظُنَّ أَنَّهُ مُرَادٌ بِذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ذَلِكَ الْإِمَامُ الَّذِي لَنْ تَسْمَحَ بِمِثْلِهِ الْأَدْوَارُ مَا دَارَ الْفَلَكُ الدُّوَّارُ، فَإِنَّ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ وَمَا ظَنَّهُ مُرَادًا بِذَلِكَ بَوْنًا بَعِيدًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، فَأَنَّى يَتَيَسَّرُ الْحَمْلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَهْوًا عَنْ الْآخَرِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ إمْكَانِ تَصْحِيحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ. قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ. قُلْنَا: إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَضُرُّ بِتَصْحِيحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا كَمَا هُوَ مُرَادُهُ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا أَيْضًا بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ.
قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ جَمِيعًا، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْخُصُومَةِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ زُفَرُ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ مُضَادَّةٌ. قُلْنَا: لِزُفَرَ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا أَنَّ الْأَمْرَ يَنْصَرِفُ إلَى جَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ، إذْ الْعَادَةُ فِي التَّوْكِيلِ جَرَتْ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى، وَالْوِكَالَةُ تَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَصَرَّحَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ فِي الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّفَاقَ جَوَابِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا يَقْتَضِي اتِّحَادَ دَلِيلِهِمَا.
قَوْلُهُ وَلِهَذَا صَرَّحَ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ. قُلْنَا: لَا يَدُلُّ مَا صَرَّحَ بِهِ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ
[ ٨ / ١١٦ ]
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَكِيلَ صَحِيحٌ قَطْعًا وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا وَذَلِكَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا
عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ حَتَّى زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فَلَا يَتِمُّ مَطْلُوبُهُ. وَأَمَّا صِحَّةُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَمِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ فَانْدَفَعَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَاهُنَا بِحَذَافِيرِهِ. ثُمَّ أَقُولُ: الْإِنْصَافُ أَنَّ كَوْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ خِلَافِيَّةٌ غَيْرُ مُورَدَةٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ كَمَا اخْتَارَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِ الْمُصَنِّفِ إذْ هُوَ بِصَدَدِ بَيَانِ أَدِلَّةِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، فَمَا الضَّرُورَةُ فِي شُرُوعِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى أَثْنَاءَ ذِكْرِ أَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا؟ فَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ذُكِرَتْ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ: يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ صَرِيحًا لَا يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ بَلْ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى. فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقُ الْجَوَابِ مَجَازًا.
نَعَمْ مَسْأَلَةُ التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهَا إلْزَامُ الْخَصْمِ. إلَّا أَنَّ ذِكْرَهَا هَاهُنَا مِنْ قَبِيلِ رَدِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ، فَيَصِيرُ اسْتِشْهَادًا تَحْقِيقِيًّا عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلْزَامِيًّا. وَنَظِيرُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَتَدَبَّرْ. (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْكِيلَ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ الْمَعْهُودَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ (صَحِيحٌ قَطْعًا) أَيْ صَحِيحٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالْإِجْمَاعِ (وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا) أَيْ صِحَّةُ هَذَا التَّوْكِيلِ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ قَطْعًا لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ تَصَرُّفٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ أَوْ شِرَائِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِ ضِمْنًا وَحُكْمًا لِتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا قَصْدًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُهُ اللُّوَّمُ وَالْإِثْمُ فِي ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إنَّ لِلْمُسْلِمِ وِلَايَةً فِي جِنْسِ التَّصَرُّفِ لِكَوْنِهِ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ حُكْمُ التَّصَرُّفِ فِيمَا تَصَرَّفَ بِوِلَايَتِهِ. لَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةٌ فِي كُلِّ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَمِنْ شَرْطِ الْوِكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي جَوَابِهِ الثَّانِي بَحْثٌ، لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْضَ اللَّازِمَ هَاهُنَا بِصِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ يُؤَيِّدُهُ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةٌ فِي كُلِّ الْأَفْرَادِ فَجَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ بَيْعُ الْخَمْرِ وَشِرَاؤُهَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ عِنْدَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَيْضًا صِحَّةُ التَّوْكِيلِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَإِنْ اخْتَلَجَ فِي ذِهْنِك صِحَّةُ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ فَتَذَكَّرْ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ اهـ.
أَقُولُ: الَّذِي تَقَدَّمَ فِيهِ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هُوَ قَوْلُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ بِصَدَدِ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ شَرْطِ الْوِكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إنَّ هَذَا الْقَيْدَ وَقَعَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ، وَلَوْ وَكَّلَ بِهِ جَازَ عِنْدَهُ، وَمَنْشَأُ هَذَا التَّوَهُّمِ أَنْ جَعَلَ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِلْعَهْدِ: أَيْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ لِلْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ مَعْنَاهُ يَمْلِكُ جِنْسَ التَّصَرُّفِ احْتِرَازًا عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَيَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَآلَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي جَوَابِهِ الثَّانِي، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْصَ هَاهُنَا بَلْ يُؤَيِّدُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ (مُطْلَقُ الْجَوَابِ) الْمُتَنَاوِلِ لِلْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ جَمِيعًا (دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا) أَيْ دُونَ أَحَدِ
[ ٨ / ١١٧ ]
وَطَرِيقُ الْمَجَازِ مَوْجُودٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيُصْرَفُ إلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ قَطْعًا؛ وَلَوْ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ، فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يَصِحُّ
الْجَوَابَيْنِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ حَرَامًا لِأَنَّ خَصْمَهُ إنْ كَانَ مُحِقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِنْكَارِ فَلَا يُمْلَكُ الْمُعَيَّنُ مِنْهُمَا قَطْعًا فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ قَطْعًا بَلْ يَصِحُّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَحَيْثُ صَحَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عُلِمَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَمْلُوكَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ الدَّاخِلِ تَحْتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَطَرِيقُ الْمَجَازِ) أَيْ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَمُطْلَقِ الْجَوَابِ (مَوْجُودٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) عَلَى مَا سَيَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ بَيَانِ وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (فَيُصْرَفُ إلَيْهِ) أَيْ فَيُصْرَفُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَى التَّوْكِيلِ بِمُطْلَقِ الْجَوَابِ (تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ قَطْعًا) أَيْ تَحَرِّيًا لِصِحَّةِ كَلَامِ الْمُوَكِّلِ قَطْعًا، فَإِنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ يُصَانُ عَنْ الْإِلْغَاءِ.
(وَلَوْ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ) جَوَابٌ عَنْ مُسْتَشْهَدِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ لَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ (لَا يَمْلِكُهُ) أَيْ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَسْتَلْزِمُ بَقَاءَ الْإِنْكَارِ عَيْنًا، وَقَدْ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا، كَذَا ذُكِرَ فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ، أَوْ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ قِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ لَا لِأَنَّهُ مِنْ الْخُصُومَةِ فَيَصِيرُ ثَابِتًا بِالْوِكَالَةِ حُكْمًا لَهَا فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ، فَإِنَّ ذَاكَ الِاسْتِثْنَاءَ بَاطِلٌ كَذَا هَذَا، كَذَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ) يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ
[ ٨ / ١١٨ ]
لِأَنَّ لِلتَّنْصِيصِ زِيَادَةَ دَلَالَةٍ عَلَى مِلْكِهِ إيَّاهُ؛ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَوْلَى. وَعَنْهُ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ وَلَمْ يُصَحِّحْهُ فِي الثَّانِي لِكَوْنِهِ مَجْبُورًا عَلَيْهِ وَيُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِيهِ؛
اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ يَصِحُّ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ (لِأَنَّ لِلتَّنْصِيصِ) أَيْ لِتَنْصِيصِ الْمُوَكِّلِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (زِيَادَةُ دَلَالَةٍ عَلَى مِلْكِهِ إيَّاهُ) أَيْ عَلَى تَمَلُّكِهِ الْإِنْكَارَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْإِنْكَارُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خَصْمُهُ مُحِقًّا، فَإِذَا نَصَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ بِيَقِينٍ أَنَّ خَصْمَهُ مُبْطِلٌ حَمْلًا لِأَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ فَتَعَيَّنَ الْإِنْكَارُ (وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ) أَيْ عِنْدَ إطْلَاقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ (يُحْمَلُ عَلَى الْأَوْلَى) أَيْ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى بِحَالِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ مُحَمَّدٍ (أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ) أَيْ فَصَلَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عِنْدَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فَصَحَّحَ اسْتِثْنَاءَهُ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ الطَّالِبُ (وَلَمْ يُصَحِّحْهُ فِي الثَّانِي) وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (لِكَوْنِهِ) أَيْ لِكَوْنِ الْمَطْلُوبِ (مَجْبُورًا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِقْرَارِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ، أَوْ عَلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ.
وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ: أَوْ يُقَالُ لِكَوْنِ الْمَطْلُوبِ شَخْصًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْخُصُومَةِ (وَيُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِيهِ) أَيْ فِي أَصْلِ الْخُصُومَةِ فَلَهُ تَرْكُ أَحَدِ وَجْهَيْهَا، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ. وَذَكَرَ فِي التَّتِمَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ مِنْ الطَّالِبِ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي صَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَمَّا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ أَدَّى الِاسْتِثْنَاءُ فَائِدَتَهُ فِي حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَثْبُتُ مَا ادَّعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ يَضْطَرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْإِقْرَارِ بِعَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ وَكِيلُهُ، إلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَجْرِي فِي الْأَيْمَانِ فَلَا يُفِيدُ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ فَائِدَتَهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ مُجْمَلًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُدَّعِي قَدْ يَعْجِزُ عَنْ إثْبَاتِ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدْ لَا يَضْطَرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْإِقْرَارِ بِعَرْضِ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مُحِقًّا فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُفِيدًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مَجْبُورٌ عَلَى الْإِقْرَارِ إذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَهُوَ مُبْطِلٌ فَكَانَ مَجْبُورًا فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَكُنْ اسْتِثْنَاؤُهُ مُقَيَّدًا فِيهِ، بِخِلَافِ الطَّالِبِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ مُفِيدًا إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُ الْمَطْلُوبِ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ احْتِمَالًا مَحْضًا مَوْقُوفًا عَلَى كَوْنِهِ مُبْطِلًا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَدَمُ الْفَائِدَةِ فِي اسْتِثْنَائِهِ الْإِقْرَارَ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا احْتِمَالًا مَحْضًا، فَبِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ كَيْفَ يَجُوزُ إسَاءَةُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَإِلْغَاءُ كَلَامِ الْعَاقِلِ مَعَ وُجُوبِ حَمْلِ أَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ وَصِيَانَةِ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ؟ أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّالِبَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ لِأَنَّ إقْرَارَ الطَّالِبِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعٍ، إذَا الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارُ مُتَبَايِنَانِ.
بَلْ مُتَضَادَّانِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ خَصْمِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّالِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ، لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ أَنَّ
[ ٨ / ١١٩ ]
فَبَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَإِقْرَارُهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَكَذَا إقْرَارُ نَائِبِهِ. وَهُمَا يَقُولَانِ: إنَّ التَّوْكِيلَ يَتَنَاوَلُ جَوَابَ يُسَمَّى خُصُومَةً حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَالْإِقْرَارُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا، إمَّا لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الْخُصُومَةِ
الطَّالِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَالِبٌ: أَيْ مُدَّعٍ يَصِحُّ مِنْهُ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ مُخَيَّرٌ، بِخِلَافِ الْمَطْلُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَطْلُوبٌ: أَيْ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَجْبُورًا عَلَيْهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الطَّالِبُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَالِبٌ لَمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ الْإِقْرَارُ قَطُّ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ هُنَاكَ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ صِحَّتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْجَوَابَ مِنْ صُورَةِ الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صُلْحُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ دَاعٍ إلَى الصُّلْحِ أَوْ إلَى الْإِبْرَاءِ فَلَمْ يُوجَدْ مُجَوِّزُ الْمَجَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إفْضَاءَهَا إلَى الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ مِنْ إفْضَائِهَا إلَى الْإِقْرَارِ فَهُوَ مِثْلُهُ لَا مَحَالَةَ، وَأَيْضًا الْخُصُومَةُ وَالصُّلْحُ مُتَقَابِلَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ الِاسْتِعَارَةُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَمُطْلَقُ الْجَوَابِ إمَّا بِلَا أَوْ بِنَعَمْ، وَالصُّلْحُ عَقْدٌ آخَرُ يَحْتَاجُ إلَى عِبَارَةٍ أُخْرَى خِلَافُ مَا وُضِعَ جَوَابًا، وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فَنَظَرُهُ الْأَوَّلُ سَاقِطٌ جِدًّا، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إفْضَاءَ الْخُصُومَةِ إلَى الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ أَشَدُّ مِنْ إفْضَائِهَا إلَى الْإِقْرَارِ أَوْ مِثْلِ إفْضَائِهَا إلَيْهِ، كَيْفَ وَالْخَصْمُ قَدْ يُضْطَرُّ إلَى الْإِقْرَارِ عِنْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ فَإِنَّ الْخَصْمَ لَا يُضْطَرُّ إلَيْهِمَا أَصْلًا بَلْ هُوَ مُخْتَارٌ فِيهِمَا مُطْلَقًا، عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَتَحَقَّقَانِ بِاخْتِيَارِ الْخَصْمِ فَقَطْ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ اخْتِيَارِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مَعًا، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ أَشَارَ الْمُجِيبُ وَهُوَ الشَّارِحُ الْأَتْقَانِيُّ فِي تَقْرِيرِ جَوَابِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الصُّلْحِ فَنَقُولُ: إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صُلْحُ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ دَاعٍ إلَى الصُّلْحِ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ ابْتِدَاءً يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمَا اهـ (فَبَعْدَ ذَلِكَ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَأْخَذِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ: أَيْ بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ أَوْ بَعْدَمَا ثَبَتَ جَوَازُ إقْرَارِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ (يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ) فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (إنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ) فَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَمْلِكَ مَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لَهُ (وَإِقْرَارُهُ) أَيْ إقْرَارُ الْمُوَكِّلِ (لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ مَا لَا يَكُونُ مُوجِبًا إلَّا بِانْضِمَامِ الْقَضَاءِ إلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ وَالنُّكُولِ (فَكَذَا إقْرَارُ نَائِبِهِ) أَيْ هُوَ أَيْضًا لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ (وَهُمَا) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (يَقُولَانِ) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (أَنَّ التَّوْكِيلَ) أَيْ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ (يَتَنَاوَلُ جَوَابًا يُسَمَّى خُصُومَةً حَقِيقَةً) وَهُوَ الْإِنْكَارُ (أَوْ مَجَازًا) وَهُوَ الْإِقْرَارُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ، وَمُطْلَقُ الْجَوَابِ مَجَازٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الْحَقِيقَةَ وَهِيَ الْخُصُومَةُ وَالْمَجَازَ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَكُونُ خُصُومَةً مَجَازًا إلَّا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِخُصُومَةٍ لَا حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا مَجَازًا إذْ الْإِقْرَارُ إنَّمَا يَكُونُ خُصُومَةً مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَوَابٌ، وَلَا جَوَابَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلَا إقْرَارَ يَكُونُ خُصُومَةً مَجَازًا فِي غَيْرِهِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْجَوَابُ الْمُوَكَّلِ بِهِ.
، ثُمَّ إنَّ طَرِيقَ كَوْنِ الْإِقْرَارِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَوَابُ خُصُومَةٍ مَجَازًا كَمَا وَعَدَ الْمُصَنِّفُ بَيَانَهُ فِيمَا مَرَّ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ (وَالْإِقْرَارُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا إمَّا لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ (خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الْخُصُومَةِ) جَوَابًا عَنْهَا فَسُمِّيَ بِاسْمِهَا كَمَا سُمِّيَ جَزَاءُ الْعُدْوَانِ عُدْوَانًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَكَمَا سُمِّيَ جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ
[ ٨ / ١٢٠ ]
أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ وَهُوَ الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيَخْتَصُّ بِهِ
وَالْأَسْرَارِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَكَانَ مُجَوِّزُهُ التَّضَادَّ وَهُوَ مُجَوِّزٌ لُغَوِيٌّ لِمَا قَرَّرْنَا فِي التَّقْرِيرِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُجَوِّزًا شَرْعِيًّا. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُجَوِّزَهُ الْمُشَاكَلَةُ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْمُشَاكَلَةِ وَيُتْقِنُ النَّظَرَ فِي مَبَاحِثِهَا أَنَّ الْمُشَاكَلَةَ بِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنَّمَا غَرَّهُ تَمْثِيلُهُمْ مَا نَحْنُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَلَكِنَّ جَوَازَ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا فِي ذَيْنِك الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ النَّظْمِ الشَّرِيفِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، تَأَمَّلْ تَقِفْ (أَوْ لِأَنَّهُ) أَيْ الْخُصُومَةُ عَلَى تَأْوِيلِ التَّخَاصُمِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْ لِأَنَّهَا (سَبَبٌ لَهُ) أَيْ لِإِقْرَارٍ، وَقَدْ سُمِّيَ الْمُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ كَمَا يُقَالُ صَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ مَعَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالسُّنَّةِ، وَكَمَا يُسَمَّى جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ فَكَانَ الْمُجَوِّزُ السَّبَبِيَّةَ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَهُوَ مُجَوِّزٌ شَرْعِيٌّ نَظِيرُ الِاتِّصَالِ الصُّورِيِّ فِي اللُّغَوِيِّ كَمَا عُرِفَ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُهُ) أَيْ إتْيَانُ الْخَصْمِ (بِالْمُسْتَحَقِّ) فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ سَبَبًا لَهُ حَيْثُ أَفْضَى إلَيْهِ ظَاهِرًا، كَذَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَاخْتَارَهُ الْعَيْنِيُّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إلَخْ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ.
وَقِيلَ هُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَالْإِقْرَارُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا بِمُلَاحَظَةِ الْقَصْرِ فِي التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ: يَعْنِي لَا الْإِقْرَارُ فِي غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ اهـ. وَيُشْعِرُ بِهِ تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا اخْتِصَاصُهُ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ إلَخْ فَتَفَكَّرْ (وَهُوَ) أَيْ الْمُسْتَحَقُّ (الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) لَا غَيْرُ (فَيَخْتَصُّ بِهِ) أَيْ فَيَخْتَصُّ جَوَابُ الْخُصُومَةِ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ بَدَلٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَانَ أَوْ فِي تَأْدِيَةٍ لِلْمَقْصُودِ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّمَا لَمْ يَقُلْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إلَخْ لِتَطَرُّقِ الْمَنْعِ عَلَى دَعْوَى الْوُجُوبِ، وَسَنَدُهُ مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ الشَّارِحِ حَيْثُ بَيَّنَ حُكْمَهَا انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى زَعْمِ أَنَّ ضَمِيرَ " عَلَيْهِ " وَ" إتْيَانُهُ " فِي قَوْلِهِ " لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ " رَاجِعٌ إلَى الْوَكِيلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَكِيلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْخَصْمِ وَهُوَ الْمُوَكِّلُ حَقِيقَةً، وَإِنْ عُدَّ الْوَكِيلُ أَيْضًا خَصْمًا لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فَالْوُجُوبُ هَاهُنَا يَصِيرُ حُكْمُ الْخُصُومَةِ لَا حُكْمُ الْوِكَالَةِ، وَوُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْخَصْمِ بِمَا لَا يَقْبَلُ الْمَنْعَ قَطْعًا، وَمَا مَرَّ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ وَهُوَ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْوِكَالَةِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا حُكْمُ الْخُصُومَةِ فَلَا يَكَادُ يَصْلُحُ سَنَدًا لِمَنْعِ ذَلِكَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ كَثِيرٌ مِنْ أَحْكَامِ مَا بَاشَرَهُ
[ ٨ / ١٢١ ]
لَكِنْ إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَخْرُجُ مِنْ الْوِكَالَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُنَاقِضًا وَصَارَ كَالْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ إذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِمَا.
بِالْوِكَالَةِ كَمَا قَالُوا كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا فَحُقُوقُهُ تَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ مَعَ إطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْوِكَالَةِ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ.
فَالتَّوْفِيقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْوُجُوبَ حُكْمُ مَا بَاشَرَهُ، وَالْجَوَازُ حُكْمُ أَصْلِ الْوِكَالَةِ فَلَا تَغْفُلْ (لَكِنْ إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ) أَيْ عَلَى إقْرَارِ الْوَكِيلِ (فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَخْرُجُ مِنْ الْوِكَالَةِ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ جَوَابًا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْوِكَالَةِ، وَمَعْنَاهُ لَكِنْ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي خَرَجَ مِنْ الْوِكَالَةِ (حَتَّى لَا يُؤْمَرَ) أَيْ لَا يُؤْمَرَ الْخَصْمُ (بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَكِيلِ (لِأَنَّهُ صَارَ مُنَاقِضًا) فِي كَلَامِهِ حَيْثُ كَذَّبَ نَفْسَهُ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَالْمُنَاقِضُ لَا دَعْوَى لَهُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: حَتَّى لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى وَكِيلًا بِمُطْلَقِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَارَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُنَاقِضًا فِي كَلَامِهِ، فَلَوْ بَقِيَ وَكِيلًا بَقِيَ وَكِيلًا بِجَوَابٍ مُقَيَّدٍ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَمَا وَكَّلَهُ بِجَوَابٍ مُقَيَّدٍ وَإِنَّمَا وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا انْتَهَى (وَصَارَ) أَيْ صَارَ الْوَكِيلُ الْمُقِرُّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ (كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ إذَا أَقَرَّ) أَيْ أَقَرَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) فَإِنَّهُ (لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ)، بَيَانُ أَنَّ الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ إذَا ادَّعَى شَيْئًا لِلصَّغِيرِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَصَدَّقَهُ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ ثُمَّ جَاءَ يَدَّعِي الْمَالَ فَإِنَّ إقْرَارَهُمَا لَا يَصِحُّ (وَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِمَا) لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْوِصَايَةِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْمَالِ بِسَبَبِ إقْرَارِهِمَا بِمَا قَالَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، كَذَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ، وَالْأَحْسَنُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِفَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ إذَا أَقَرَّا عَلَى الْيَتِيمِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِمَا لِزَعْمِهِمَا بُطْلَانَ حَقِّ الْآخِذِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَرَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى الصَّغِيرِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِنْكَارِ بِالْإِجْمَاعِ وَيَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِقْرَارِ أَيْضًا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. الثَّانِي أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِنْكَارِ، لِأَنَّ بِاسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَكِيلَ مَا يَتَنَاوَلُ نَفْسَ الْجَوَابِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ جَوَابًا مُقَيَّدًا بِالْإِنْكَارِ، هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْأَصْلِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ وِكَالَةِ الْأَصْلِ، وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ مِنْ الطَّالِبِ يَصِحُّ وَمِنْ الْمَطْلُوبِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. الثَّالِثِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِنْكَارِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِقْرَارِ، وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ.
الرَّابِعِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ جَائِزَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ صَحَّ إقْرَارُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِقْرَارِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، وَلَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ مُقِرًّا بِنَفْسِ التَّوْكِيلِ عِنْدَنَا، ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْوِكَالَةِ بِالصُّلْحِ. الْخَامِسِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَلَا رِوَايَةَ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ: بَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَصِحُّ هَذَا التَّوْكِيلُ أَصْلًا لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيلٌ بِجَوَابِ الْخُصُومَةِ، وَجَوَابُ الْخُصُومَةِ إقْرَارٌ وَإِنْكَارٌ، فَإِذَا اسْتَثْنَى كِلَاهُمَا لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ شَيْئًا.
وَحَكَى عَنْ الْقَاضِي الْإِمَامِ صَاعِدٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ
[ ٨ / ١٢٢ ]
قَالَ (وَمَنْ كَفَلَ بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ فَوَكَّلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِقَبْضِهِ عَنْ الْغَرِيمِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي ذَلِكَ أَبَدًا) لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا صَارَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ
قَالَ: يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَصِيرُ الْوَكِيلُ وَكِيلًا بِالسُّكُوتِ مَتَى حَضَرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ حَتَّى يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّ مَا هُوَ مَقْصُودُ الطَّالِبِ وَهُوَ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ بِوَاسِطَةِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَحْصُلُ بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الذَّخِيرَةِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ جُعِلَ تَوْكِيلًا بِالْجَوَابِ مَجَازًا بِالِاجْتِهَادِ فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ فِي إقْرَارِ الْوَكِيلِ فَيُورِثُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ
. (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ كَفَلَ بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ فَوَكَّلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِقَبْضِهِ) أَيْ بِقَبْضِ الْمَالِ (عَنْ الْغَرِيمِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي ذَلِكَ) أَيْ لَمْ يَكُنْ الْكَفِيلُ وَكِيلًا فِي قَبْضِ الْمَالِ عَنْ الْغَرِيمِ (أَبَدًا) أَيْ لَا بَعْدَ بَرَاءَةِ الْكَفِيلِ وَلَا قَبْلَهَا، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَمْ يَهْلِكْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، أَمَّا بَعْدَ الْبَرَاءَةِ فَلِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَصِحَّ حَالَ التَّوْكِيلِ لِمَا سَيَذْكُرُ لَمْ تَنْقَلِبْ صَحِيحَةً كَمَنْ كَفَلَ لِغَائِبٍ فَأَجَازَهَا بَعْدَمَا بَلَغَتْهُ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ ابْتِدَاءً لِعَدَمِ الْقَبُولِ فَلَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً، وَأَمَّا قَبْلَ الْبَرَاءَةِ فَلِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْكَفِيلُ لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ (وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا) أَيْ وَلَوْ صَحَّحْنَا الْوِكَالَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (صَارَ) أَيْ صَارَ الْوَكِيلُ (عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ) لِأَنَّ قَبْضَهُ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُوَكِّلِ وَبِقَبْضِهِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْكَفِيلِ فَكَذَا بِقَبْضِ وَكِيلِهِ (فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ) أَيْ رُكْنُ الْوِكَالَةِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِلْغَيْرِ فَانْعَدَمَ عَقْدُ الْوِكَالَةِ لِانْعِدَامِ رُكْنِهِ وَصَارَ
[ ٨ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هَذَا كَالْمُحْتَالِ إذَا وَكَّلَ الْمُحِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا لِمَا قُلْنَا. فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذَا بِرَبِّ الدَّيْنِ إذَا وُكِّلَ الْمَدْيُونُ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ فِي إبْرَاءِ نَفْسِهِ سَاعِيًا فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ.
قُلْنَا: ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَدْيُونَ لَا يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ الطَّالِبِ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ فَكَانَ لِلْمَنْعِ فِيهِ مَجَالٌ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا نَقْضًا لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي التَّوْكِيلِ لَا فِي التَّمْلِيكِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَأَكْثَرِ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، أَمَّا فِي الْمَنْعِيِّ فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَيْفَ يَصْلُحُ لِلْمُعَارَضَةِ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ حَتَّى يَكُونَ لِلْمَنْعِ فِيهِ مَجَالٌ، وَأَمَّا فِي التَّسْلِيمِيِّ فَلِأَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ بِنَفْسِ الْإِبْرَاءِ بَلْ بِالتَّوْكِيلِ بِالْإِبْرَاءِ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ كَلَامَنَا فِي التَّوْكِيلِ لَا فِي التَّمْلِيكِ عَلَى أَنَّ الْمَنْقُوضَ هَاهُنَا لَيْسَ نَفْسَ الْمَسْأَلَةِ بَلْ دَلِيلَهَا الْمَذْكُورَ فَإِنَّهُ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي صُورَةِ تَوْكِيلِ الْمَدْيُونِ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ هُنَاكَ فَلَا فَائِدَةَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُمْ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِبْرَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ تَمْلِيكٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ تَوْكِيلًا صُورَةً، وَكَلَامُنَا فِي التَّوْكِيلِ الْحَقِيقِيِّ لَا فِيمَا هُوَ تَوْكِيلٌ صُورَةً تَمْلِيكٌ حَقِيقَةً، وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا إنَّمَا يَجْرِي فِي التَّوْكِيلِ الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّ كَوْنَ الْوَكِيلِ عَامِلًا لِغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي ذَلِكَ، وَيَمِيلُ إلَى هَذَا التَّوْجِيهِ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الدَّائِنُ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونُ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَنْ الدَّيْنِ يَصِحُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ فِي إبْرَاءِ نَفْسِهِ سَاعِيًا فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَصِحُّ ثَمَّةَ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَا لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ كَمَا قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك انْتَهَى فَتَأَمَّلْ. قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ عَنْ الْكَافِي: قُلْت لَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَا يَقْتَصِرُ اهـ. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضَ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا لَمَا ارْتَدَّ بِالرَّدِّ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ حَيْثُ قِيلَ: إنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ ذَكَرَ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ وَجَوَابَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ عَلَى نَهْجِ مَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي بِنَوْعِ تَغْيِيرِ عِبَارَةٍ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ الدَّائِنُ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونَ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَنْ الدَّيْنِ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ سَاعِيًا فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. قُلْنَا ذَلِكَ تَمْلِيكٌ وَلَيْسَ بِتَوْكِيلٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك اهـ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلدَّيْنِ فَمَمْنُوعٌ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْإِبْرَاءِ كَمَا فِي طَلِّقِي نَفْسَك فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ، فَالتَّوْكِيلُ أَيْضًا تَمْلِيكٌ لِلتَّصَرُّفِ الْمُوَكَّلِ بِهِ كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ الدَّرْسِ السَّابِقِ أَيْضًا اهـ. أَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ شِقَّيْ تَرْدِيدِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِسُقُوطِ مَنْعِ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا لِلدَّيْنِ بَلْ كَانَ إسْقَاطُهُ لَهُ لَمَّا ارْتَدَّ بِالرَّدِّ، فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ يَتَلَاشَى لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ عَلَى مَا عُرِفَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الشُّرَّاحُ بِقَوْلِهِمْ: الْإِبْرَاءُ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِسُقُوطِ نَقْضِ ذَلِكَ بِالتَّوْكِيلِ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى مَا مَرَّ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ إقَامَةُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ إنَابَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَمْلِيكُ شَيْءٍ أَصْلًا. فَقَوْلُهُ فَالتَّوْكِيلُ أَيْضًا تَمْلِيكٌ لِلتَّصَرُّفِ الْمُوَكَّلِ بِهِ كَمَا عُلِمَ فِي الدَّرْسِ السَّابِقِ أَيْضًا سَاقِطٌ جِدًّا، إذْ لَمْ يُعْلَمْ قَطُّ لَا فِي الدَّرْسِ السَّابِقِ وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ التَّوْكِيلَ تَمْلِيكُ شَيْءٍ، بَلْ هُمْ مُصَرِّحُونَ بِكَوْنِهِ مُقَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى سِيَّمَا فِي بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ. ثُمَّ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ وِكَالَةُ الْكَفِيلِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِرَبِّ الدِّينِ قَصْدًا، وَعَمَلُهُ لِنَفْسِهِ كَانَ وَاقِعًا فِي ضِمْنِ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ، وَالضِّمْنِيَّاتُ قَدْ لَا تُعْتَبَرُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ الْعَمَلُ لِنَفْسِهِ أَصْلٌ، إذْ الْأَصْلُ أَنْ يَقَعَ تَصَرُّفُ كُلِّ عَامِلٍ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ.
وَقِيلَ لَمَّا اسْتَوَيَا فِي جِهَةِ الْأَصَالَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ الْكَفَالَةُ بِالْوِكَالَةِ؛ لِأَنَّ الْوِكَالَةَ كَانَتْ طَارِئَةً عَلَى الْكَفَالَةِ فَكَانَتْ نَاسِخَةً لِلْكَفَالَةِ، كَمَا إذَا تَأَخَّرَتْ الْكَفَالَةُ عَنْ الْوِكَالَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ نَاسِخَةً لِلْوِكَالَةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمَحْبُوبِيَّ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا ضَمِنَ الْمَالَ لِلْمُوَكِّلِ يَصِحُّ الضَّمَانُ وَتَبْطُلُ الْوِكَالَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَصْلُحُ نَاسِخَةً لِلْوِكَالَةِ وَمُبْطِلَةً لَهَا لَا عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ لَا بِمَا هُوَ دُونَهُ، وَالْوِكَالَةُ دُونَ
[ ٨ / ١٢٤ ]
وَلِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ مُلَازِمٌ لِلْوِكَالَةِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا لَا يُقْبَلُ لِكَوْنِهِ مُبَرِّئًا نَفْسَهُ فَيَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ عَبْدٍ مَدْيُونٍ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ حَتَّى ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ وَيُطَالَبُ الْعَبْدُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ الطَّالِبُ بِقَبْضِ الْمَالِ عَنْ الْعَبْدِ كَانَ بَاطِلًا لِمَا بَيَّنَّاهُ
. قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ أُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ خَالِصُ مَالِهِ (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ
الْكَفَالَةِ فِي الرُّتْبَةِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَتَمَكَّنُ الْكَفِيلُ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْوِكَالَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْوِكَالَةُ نَاسِخَةً لِلْكَفَالَةِ وَإِنْ جَازَ عَكْسُهُ (وَلِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ) أَيْ قَبُولَ قَوْلِ الْوَكِيلِ (مُلَازِمٌ لِلْوِكَالَةِ) هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوِكَالَةَ تَسْتَلْزِمُ قَبُولَ قَوْلِ الْوَكِيلِ (لِكَوْنِهِ أَمِينًا، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا) أَيْ لَوْ صَحَّحْنَا الْوِكَالَةَ هَاهُنَا (لَا يُقْبَلُ) أَيْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ (لِكَوْنِهِ مُبَرِّئًا نَفْسَهُ) عَمَّا لَزِمَهُ بِحُكْمِ كَفَالَتِهِ فَانْتَفَى اللَّازِمُ وَهُوَ قَبُولُ قَوْلِهِ (فَيَنْعَدِمُ) أَيْ التَّوْكِيلُ الَّذِي هُوَ الْمَلْزُومُ (بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ) الَّذِي هُوَ قَبُولُ قَوْلِهِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ فَيَلْزَمُ عَدَمُهُ حَالَ فَرْضِ وُجُودِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَعْدُومٌ (وَهُوَ نَظِيرُ عَبْدٍ مَدْيُونٍ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ مَسْأَلَتِنَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ عَبْدٍ مَدْيُونٍ أَوْ بُطْلَانُ الْوِكَالَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ بُطْلَانِهَا فِي عَبْدٍ مَدْيُونٍ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَنَظِيرُهُ عَبْدٌ مَدْيُونٌ (أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ حَتَّى ضَمِنَ قِيمَتَهُ) أَيْ ضَمِنَ الْمَوْلَى قَدْرَ قِيمَةِ الْعَبْدِ سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا (لِلْغُرَمَاءِ وَيُطَالَبُ الْعَبْدُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ الطَّالِبُ) أَيْ فَلَوْ وَكَّلَ الْمَوْلَى الطَّالِبُ وَهُوَ رَبُّ الدَّيْنِ (بِقَبْضِ الْمَالِ عَنْ الْعَبْدِ كَانَ بَاطِلًا) أَيْ كَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا (لِمَا بَيَّنَّاهُ) مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَهَاهُنَا لَمَّا كَانَ الْمَوْلَى ضَامِنًا لِقِيمَةِ الْعَبْدِ كَانَ فِي مِقْدَارِهَا عَامِلًا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يُبَرِّئُ بِهِ نَفْسَهُ فَكَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ) أَيْ وَكِيلُ فُلَانٍ الْغَائِبِ (فِي قَبْضِ دَيْنِهِ فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ) أَيْ الْمَدْيُونُ (أُمِرَ) أَيْ الْغَرِيمُ (بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَسْلِيمِ الْمَالِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مُدَّعِي الْوِكَالَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ تَصْدِيقَ الْغَرِيمِ إيَّاهُ (إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ خَالِصُ مَالِهِ) أَيْ لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْمَدْيُونُ خَالِصُ مَالِ الْمَدْيُونِ، إذْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَتَقَرَّرَ، فَمَا أَدَّاهُ الْمَدْيُونُ مِثْلَ مَالِ رَبِّ الدَّيْنِ لَا عَيْنَهُ، فَكَانَ تَصْدِيقُهُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ أُمِرَ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمَقَرِّ لَهُ (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ) أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ
[ ٨ / ١٢٥ ]
فَصَدَّقَهُ وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ حَيْثُ أَنْكَرَ الْوِكَالَةَ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَيَفْسُدُ الْأَدَاءُ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الدَّفْعِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَحْصُلْ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضُهُ (وَإِنْ كَانَ) ضَاعَ (فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ، وَالْمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ
(فَصَدَّقَهُ) أَيْ صَدَّقَ الْوَكِيلُ فِيهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ (دَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ (الْغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ) أَيْ اسْتِيفَاءُ رَبِّ الدَّيْنِ حَقَّهُ (حَيْثُ أَنْكَرَ الْوِكَالَةَ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ) أَيْ الْقَوْلُ فِي إنْكَارِ الْوِكَالَةِ قَوْلُ رَبِّ الدَّيْنِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ ثَابِتًا وَالْمَدْيُونُ يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا وَهُوَ سُقُوطُ الدَّيْنِ بِأَدَائِهِ إلَى الْوَكِيلِ وَرَبُّ الدَّيْنِ يُنْكِرُ الْوِكَالَةَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ (فَيَفْسُدُ الْأَدَاءُ) أَيْ يَفْسُدُ الْأَدَاءُ إلَى مُدَّعِي الْوِكَالَةِ، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْمَدْيُونِ فَيَجِبُ الدَّفْعُ ثَانِيًا إلَى رَبِّ الدَّيْنِ (وَيَرْجِعُ بِهِ) أَيْ وَيَرْجِعُ الْمَدْيُونُ بِمَا دَفَعَهُ أَوَّلًا (عَلَى الْوَكِيلِ) أَيْ عَلَى مُدَّعِي الْوِكَالَةِ (إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) أَيْ إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ بَاقِيًا فِي يَدِهِ (لِأَنَّ غَرَضَهُ) أَيْ غَرَضَ الْمَدْيُونِ (مِنْ الدَّفْعِ) أَيْ مِنْ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ (بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ) مِنْ الدَّيْنِ (وَلَمْ تَحْصُلْ) أَيْ لَمْ تَحْصُلْ الْبَرَاءَةُ (فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضَهُ) أَيْ فَلِلْمَدْيُونِ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضَ الْوَكِيلِ (وَإِنْ كَانَ ضَاعَ) أَيْ إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ ضَاعَ (فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ) أَيْ الْمَدْيُونُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَدْيُونَ (بِتَصْدِيقٍ) أَيْ بِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ (اعْتَرَفَ أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ) وَالْمُحِقُّ فِي الْقَبْضِ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَدْيُونُ (مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ) أَيْ فِي الْأَخْذِ الثَّانِي، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ " وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ " مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ " أَنَّ " فِي قَوْلِهِ " اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ " فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَدْيُونَ بِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ اعْتَرَفَ أَيْضًا أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ الثَّانِي (وَالْمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ) فَلَا يَأْخُذُ الْمَدْيُونُ مِنْ الْوَكِيلِ بَعْدَ الْإِهْلَاكِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ بَاقِيَةً أَيْضًا. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً أَمْكَنَ نَقْضُ الْقَبْضِ فَيَرْجِعُ بِنَقْضِهِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهُ مِنْ التَّسْلِيمِ، وَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ فَلَمْ يُمْكِنْ نَقْضُهُ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ انْتَهَى. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمُحِقَّ فِي الْقَبْضِ كَمَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً لَا يَتَيَسَّرُ نَقْضُ قَبْضِهِ أَيْضًا بِلَا رِضَاهُ فَكَيْفَ يَرْجِعُ بِنَقْضِهِ وَإِنَّ الْمَظْلُومَ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ ابْتِدَاءً كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِوَسِيلَةٍ كَنَقْضِ الْقَبْضِ هَاهُنَا فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ. فَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ أَنَّ الْوَكِيلَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا فِي الْقَبْضِ عَلَى زَعْمِ الْمَدْيُونِ إلَّا أَنَّ قَبْضَهُ لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ أَصَالَةً، بَلْ كَانَ لِأَجْلِ الْإِيصَالِ إلَى مُوَكِّلِهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَا قَبَضَهُ مِلْكَ نَفْسِهِ، فَإِذَا أَخَذَ الدَّائِنُ مِنْ الْمَدْيُونِ ثَانِيًا وَلَوْ كَانَ ظُلْمًا فِي زَعْمِ الْمَدْيُونِ لَمْ يَبْقَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ إيصَالِ مَا قَبَضَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لِوُصُولِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ إلَى نَفْسِهِ مِنْ الْغَرِيمِ، فَإِنْ كَانَ عَيْنُ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ بَاقِيًا فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُ الْمَدْيُونِ عَلَيْهِ ظُلْمًا لَهُ أَصْلًا لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ نَفْسِهِ بَلْ كَانَ مَقْبُوضًا لِأَجْلِ الْإِيصَالِ إلَى مُوَكِّلِهِ؛ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقُّ الْإِيصَالِ إلَى الْمُوَكِّلِ فَلِلْمَدْيُونِ نَقْضُ قَبْضِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ حُصُولِ غَرَضِهِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَيْنُ مَا قَبَضَهُ هَالِكًا، فَإِنَّ مَا قَبَضَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ يَدَهُ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ عَلَى زَعْمِ الْمَدْيُونِ حَيْثُ صَدَّقَهُ فِي الْوِكَالَةِ، وَتَضْمِينُ الْأَمِينِ ظُلْمٌ لَا يَخْفَى.
ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَيَرِدُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا وَلَهُ أَلْفٌ آخَرُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ فَاقْتَسَمَا
[ ٨ / ١٢٦ ]
قَالَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ ثَانِيًا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي زَعْمِهِمَا، وَهَذِهِ كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إلَى حَالَةِ الْقَبْضِ فَتَصِحُّ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوِكَالَةِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى ادِّعَائِهِ، فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْغَرِيمِ رَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوِكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ
الْأَلْفَ الْعَيْنَ نِصْفَيْنِ فَادَّعَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنَّ الْمَيِّتَ اسْتَوْفَى مِنْهُ الْأَلْفَ مِنْ حَيَاتِهِ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ فَالْمُكَذِّبُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخَمْسِمِائَةِ وَيَرْجِعُ بِهَا الْغَرِيمُ عَلَى الْمُصَدِّقِ وَهُوَ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمُكَذِّبَ ظَلَمَهُ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ فَظَلَمَ هُوَ الْمُصَدِّقَ بِالرُّجُوعِ بِمَا أَخَذَ الْمُكَذِّبُ.
وَذَكَرَ فِي الْأَمَالِي أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّ الْغَرِيمَ زَعَمَ أَنَّهُ بَرِئَ عَنْ جَمِيعِ الْأَلْفِ، وَإِلَّا أَنَّ الِابْنَ الْجَاحِدَ ظَلَمَهُ، وَمِنْ ظَلَمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، وَمَا أَخَذَهُ الْجَاحِدُ دَيْنٌ عَلَى الْجَاحِدِ وَدَيْنُ الْوَارِثِ لَا يُقْضَى مِنْ التَّرِكَةِ.
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُصَدِّقَ أَقَرَّ عَلَى أَبِيهِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالِاسْتِيفَاءِ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهِمَا فَإِذَا كَذَّبَهُ الْآخَرُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ لَمْ تَسْلَمْ لَهُ الْبَرَاءَةُ إلَّا عَنْ خَمْسِمِائَةٍ فَبَقِيَتْ خَمْسُمِائَةٍ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ فَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُصَدِّقِ فَيَأْخُذُ مَا أَصَابَهُ بِالْإِرْثِ حَتَّى يُسْتَوْفَى، لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِرْثِ، وَإِلَى هُنَا كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ (قَالَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ فِي الْبِدَايَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ: يَعْنِي إذَا ضَاعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ، وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، فَفِي التَّشْدِيدِ كَانَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي ضَمَّنَهُ مُسْنَدًا إلَى الْمَدْيُونِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ رَاجِعًا إلَى الْوَكِيلِ، وَفِي التَّخْفِيفِ عَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ مَعْنَى التَّشْدِيدِ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمَدْيُونُ الْوَكِيلَ ضَامِنًا عِنْدَ دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْوَكِيلِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ اضْمَنْ لِي مَا دَفَعْته إلَيْك عَنْ الطَّالِبِ، حَتَّى لَوْ أَخَذَ الطَّالِبُ مِنِّي مَالَهُ آخُذُ مِنْك مَا دَفَعْته إلَيْك، وَمَعْنَى التَّخْفِيفِ هُوَ أَنْ يَقُولَ الْوَكِيلُ لِلْمَدْيُونِ أَنَا ضَامِنٌ لَك إنْ أَخَذَ مِنْك الطَّالِبُ ثَانِيًا فَأَنَا أَرُدُّ عَلَيْك مَا قَبَضْته مِنْك.
وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ يَرْجِعُ الْمَدْيُونُ عَلَى الْوَكِيلِ (لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ) مِنْهُ (ثَانِيًا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ (فِي زَعْمِهِمَا) أَيْ فِي زَعْمِ الْوَكِيلِ وَالْمَدْيُونِ، لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ فِي حَقِّهِمَا غَاصِبٌ فِيمَا يَقْبِضُهُ ثَانِيًا (وَهَذِهِ) أَيْ هَذِهِ الْكَفَالَةُ (كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إلَى حَالَةِ الْقَبْضِ) أَيْ إلَى حَالَةِ قَبْضِ رَبِّ الدَّيْنِ ثَانِيًا (فَتَصِحُّ) أَيْ فَتَصِحُّ هَذِهِ الْكَفَالَةُ لِإِضَافَتِهَا إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ قَبْضُ رَبِّ الدَّيْنِ فَصَارَتْ (بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ) أَيْ بِمَا يَذُوبُ: أَيْ يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَاضٍ أُرِيدَ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ، وَقَدْ مَرَّ تَقْدِيرُهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ، فَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَفَالَةً أُضِيفَتْ إلَى حَالِ وُجُوبٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ (وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ لَمْ يُصَدِّقْهُ) أَيْ لَمْ يُصَدِّقْ الْوَكِيلَ (عَلَى الْوِكَالَةِ) يَعْنِي وَلَمْ يَكْذِبْهُ أَيْضًا بَلْ كَانَ سَاكِتًا، لِأَنَّ فَرْعَ التَّكْذِيبِ سَيَأْتِي عَقِيبَ هَذَا (وَدَفَعَهُ إلَيْهِ) أَيْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ (عَلَى ادِّعَائِهِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى مُجَرَّدِ دَعْوَى الْوَكِيلِ (فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْغَرِيمِ رَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْغَرِيمَ (لَمْ يُصَدِّقْهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (عَلَى الْوِكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ) أَيْ عَلَى رَجَاءِ أَنْ يُجِيزَهُ صَاحِبُ الْمَالِ.
(فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ) أَيْ رَجَاءُ الْغَرِيمِ بِرُجُوعِ صَاحِبِ الْمَالِ عَلَيْهِ (رَجَعَ عَلَيْهِ) أَيْ رَجَعَ الْغَرِيمُ أَيْضًا عَلَى الْوَكِيلِ (وَكَذَا إذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ)
[ ٨ / ١٢٧ ]
عَلَى تَكْذِيبِهِ إيَّاهُ فِي الْوِكَالَةِ. وَهَذَا أَظْهَرُ لِمَا قُلْنَا، وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَدْفُوعَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلْغَائِبِ، إمَّا ظَاهِرًا أَوْ مُحْتَمَلًا فَصَارَ كَمَا إذَا دَفَعَهُ إلَى فُضُولِيٍّ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ لَمْ يَمْلِكْ الِاسْتِرْدَادَ لِاحْتِمَالِ الْإِجَازَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ غَرَضِهِ.
أَيْ وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا دَفَعَ الْغَرِيمُ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ (عَلَى تَكْذِيبِهِ) أَيْ عَلَى تَكْذِيبِ الْغَرِيمِ (إيَّاهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (فِي الْوِكَالَةِ) أَيْ فِي دَعْوَى الْوِكَالَةِ (وَهَذَا) أَيْ جَوَازُ رُجُوعِ الْمَدْيُونِ عَلَى الْوَكِيلِ فِي صُورَةِ التَّكْذِيبِ (أَظْهَرُ) أَيْ أَظْهَرُ مِنْ جَوَازِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ وَهُمَا صُورَةُ التَّصْدِيقِ مَعَ التَّضْمِينِ وَصُورَةُ السُّكُوتِ، لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ عَلَيْهِ فِي تِينِك الصُّورَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْهُ فِيهِمَا فَلَأَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَدْ كَذَّبَهُ فِيهَا أَوْلَى بِالطَّرِيقِ لِأَنَّهُ إذَا كَذَّبَهُ صَارَ الْوَكِيلُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ قَطْعًا (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ لَكِنَّهُ دَلِيلُ الرُّجُوعِ لَا دَلِيلُ الْأَظْهَرِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) يَعْنِي الْوُجُوهَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ دَفْعُهُ مَعَ التَّصْدِيقِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ.
وَدَفْعُهُ بِالتَّصْدِيقِ مَعَ التَّضْمِينِ، وَدَفْعُهُ سَاكِتًا مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ وَلَا تَكْذِيبٍ، وَدَفْعُهُ مَعَ التَّكْذِيبِ (لَيْسَ لَهُ) أَيْ لَيْسَ لِلْغَرِيمِ (أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَدْفُوعَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلْغَائِبِ، إمَّا ظَاهِرًا) وَهُوَ فِي حَالَةِ التَّصْدِيقِ (أَوْ مُحْتَمَلًا) وَهُوَ فِي حَالَةِ التَّكْذِيبِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: الْحَقُّ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ أَوْ مُحْتَمَلًا أَنْ يُقَالَ وَهُوَ فِي حَالَةِ التَّكْذِيبِ وَحَالَةِ السُّكُوتِ لِيَتَنَاوَلَ كَلَامُهُ الْوُجُوهَ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا. وَقِيلَ ظَاهِرًا إنْ كَانَ الْوَكِيلُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ، أَوْ مُحْتَمَلًا إنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ (فَصَارَ) أَيْ صَارَ الْحُكْمُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا (كَمَا إذَا دَفَعَهُ) أَيْ كَمَا إذَا دَفَعَ الْغَرِيمُ الْمَالَ (إلَى فُضُولِيٍّ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ) مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّ الدَّافِعَ هُنَاكَ (لَمْ يَمْلِكْ الِاسْتِرْدَادَ لِاحْتِمَالِ الْإِجَازَةِ) فَكَذَا هَاهُنَا (وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلْغَائِبِ (لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ غَرَضِهِ) أَيْ عَنْ حُصُولِ غَرَضِهِ لِأَنَّ سَعْيَ الْإِنْسَانِ فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ مَرْدُودٌ كَمَا إذَا كَانَ الشَّفِيعُ وَكِيلَ الْمُشْتَرِي لَيْسَ لَهُ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الشُّفْعَةُ كَانَ سَعْيًا فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْغَرِيمَ إذَا أَنْكَرَ الْوِكَالَةَ هَلْ يَحْلِفُ أَوْ لَا؟ قَالَ الْخَصَّافُ: لَا يَحْلِفُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَحْلِفُ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَإِذَا أَنْكَرَهُ يَحْلِفُ، لَكِنَّهُ عَلَى الْعِلْمِ لِأَنَّهُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ
[ ٨ / ١٢٨ ]
(وَمَنْ قَالَ إنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ الْمُودِعُ) لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَ الْوَدِيعَةَ مِيرَاثًا لَهُ وَلَا وَارِثَ لَهُ
وَلَهُ أَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَنْبَنِي عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ، وَمَا لَمْ تَثْبُتْ نِيَابَتُهُ عَنْ الْآمِرِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ فَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا أَقَرَّ بِالْوِكَالَةِ وَأَنْكَرَ الدَّيْنَ، وَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ يَسْتَحْلِفُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ عِنْدَهُ، وَقَدْ تَثْبُتُ الْوِكَالَةُ فِي حَقِّهِ بِإِقْرَارِهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ إنْ دَفَعَ الْغَرِيمُ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّ الطَّالِبَ مَا وَكَّلَهُ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ لِكَوْنِهِ سَاعِيًا فِي نَقْضِ مَا أَوْجَبَهُ الْغَائِبُ، فَإِنْ أَقَامَ الْغَرِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الطَّالِبَ جَحَدَ الْوِكَالَةَ وَقَبَضَ الْمَالَ مِنِّي تُقْبَلُ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَاءً عَلَى إثْبَاتِ سَبَبِ انْقِطَاعِ حَقِّ الطَّالِبِ عَنْ الْمَدْفُوعِ وَهُوَ قَبْضُهُ الْمَالَ بِنَفْسِهِ، فَانْتَصَبَ الْحَاضِرُ خَصْمًا مِنْ الْغَائِبِ فِي إثْبَاتِ السَّبَبِ فَيَثْبُتُ قَبْضُ الْمُوَكِّلِ فَيَنْتَقِضُ قَبْضُ الْوَكِيلِ ضَرُورَةً، وَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ الشَّيْءُ ضِمْنًا وَضَرُورَةً وَلَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا اهـ
(وَمَنْ قَالَ إنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، عَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُودَعَ بِفَتْحِ الدَّالِ (أَقَرَّ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (بِمَالِ الْغَيْرِ) وَهُوَ الْمُودِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ، فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِبَقَاءِ الْوَدِيعَةِ عَلَى مِلْكِ الْمُودَعِ، وَالْإِقْرَارُ بِمَالِ الْغَيْرِ بِحَقِّ الْقَبْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ (بِخِلَافِ الدَّيْنِ) حَيْثُ يُؤْمَرُ الْمَدْيُونُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ الَّذِي صَدَّقَهُ فِي وِكَالَتِهِ عَلَى مَا مَرَّ، فَإِنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَكَانَ إقْرَارُ الْمَدْيُونِ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ بِحَقِّ الْمُطَالَبَةِ وَالْقَبْضِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ.
ثُمَّ إنَّ الْوُجُوهَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَارِدَةٌ فِي الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَإِذَا قَبَضَ رَجُلٌ وَدِيعَةَ رَجُلٍ فَقَالَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ مَا وَكَّلْتُك وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَضَمَّنَ مَالَهَا الْمُسْتَوْدَعَ رَجَعَ الْمُسْتَوْدَعُ بِالْمَالِ عَلَى الْقَابِضِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَإِنْ قَالَ هَلَكَ مِنِّي أَوْ دَفَعْته إلَى الْمُوَكِّلِ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا إنْ صَدَّقَهُ الْمُسْتَوْدَعَ فِي الْوِكَالَةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَذَّبَهُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ أَوْ صَدَّقَهُ وَضَمَّنَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ لِمَا قُلْنَا اهـ. وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ، وَمَعَ هَذَا سَلَّمَ ثُمَّ أَرَادَ الِاسْتِرْدَادَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِرْدَادَ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي نَقْضِ مَا أَوْجَبَهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَإِذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى ضَاعَتْ فِي يَدِهِ هَلْ يَضْمَنُ؟ قِيلَ لَا يَضْمَنُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ وَكِيلِ الْمُودِعِ فِي زَعْمِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْعِ مِنْ الْمُودِعِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْمُودِعِ يُوجِبُ الضَّمَانَ فَكَذَا مِنْ وَكِيلِهِ اهـ (وَلَوْ ادَّعَى) أَيْ وَلَوْ ادَّعَى أَحَدٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَلَوْ ادَّعَى ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ (أَنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (مَاتَ أَبُوهُ) أَيْ أَبُو الْمُدَّعِي (وَتَرَكَ الْوَدِيعَةَ مِيرَاثًا لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (وَلَا وَارِثَ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ
[ ٨ / ١٢٩ ]
غَيْرُهُ، وَصَدَّقَهُ الْمُودِعُ أُمِرَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَالُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ
غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُدَّعِي (وَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ أُمِرَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) أَيْ أُمِرَ الْمُودَعُ بِدَفْعِ الْوَدِيعَةِ إلَى ذَلِكَ الْمُدَّعِي. أَقُولُ: مِنْ الْعَجَائِبِ هَاهُنَا أَنَّ الشَّارِحَ الْعَيْنِيَّ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَيْ فَلَوْ ادَّعَى مَنْ قَالَ إنِّي وَكِيلٌ أَنَّهُ أَيْ فُلَانًا مَاتَ أَبُوهُ إلَخْ.
وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَةَ الْوِرَاثَةِ ذُكِرَتْ تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْوِكَالَةِ لِبَيَانِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ لَا مَجَالَ لَأَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي وَلَوْ ادَّعَى أَوْ فَلَوْ ادَّعَى رَاجِعًا إلَى مَنْ قَالَ إنِّي وَكِيلٌ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ لَا يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى مُدَّعِي الْوِكَالَةِ أَصْلًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ هَاتِيك الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ مَالَ الْوَدِيعَةِ (لَا يَبْقَى مَالُهُ) أَيْ لَا يَبْقَى مَالُ الْمُودِعِ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُودِعِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: مَالَهُ بِالنَّصْبِ، وَقَالَ هَكَذَا كَانَ مُعْرَبًا بِإِعْرَابِ شَيْخِي: أَيْ لَا يَبْقَى مَالُ الْوَدِيعَةِ مَالً الْمُودِعِ بَعْدَ مَوْتِهِ: أَيْ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَمَمْلُوكًا لَهُ، فَكَانَ انْتِصَابُهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَالِ كَمَا فِي كَلَّمْته فَاهُ إلَى فِي: أَيْ مُشَافِهًا اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ بِعَيْنِهِ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَوْلُهُ لَا يَبْقَى مَالَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ كَلَّمْته فَاهُ إلَى فِي: يَعْنِي لَا يَبْقَى مَالُ الْوَدِيعَةِ مَالَ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَرَوَى صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ خَطِّ شَيْخِهِ نَصْبَ مَالِهِ وَوَجَّهَهُ بِكَوْنِهِ حَالًا كَمَا فِي كَلَّمْته فَاهُ إلَى فِي: أَيْ مُشَافِهًا، وَمَعْنَاهُ لَا يَبْقَى مَالُ الْوَدِيعَةِ مَالَ الْمُودِعِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَمَمْلُوكًا لَهُ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنْ الشَّارِحِينَ. وَرَأَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْحَالَ مُقَيَّدٌ لِلْعَامِلِ، فَكَلَّمْته يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالْمُشَافَهَةِ: أَيْ كَلَّمْته فِي حَالِ الْمُشَافَهَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَبْقَى مَالُ الْوَدِيعَةِ حَالَ كَوْنِهِ مَالًا مَمْلُوكًا لَهُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ، وَالظَّاهِرُ فِي إعْرَابِهِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ لَا يَبْقَى: أَيْ لِأَنَّ الْمُودِعَ لَا يَبْقَى مَالُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِانْتِقَالِهِ إلَى الْوَارِثِ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي أَمْثَالِ هَذَا التَّرْكِيبِ أَنْ يُعْتَبَرَ الْقَيْدُ أَوَّلًا فَيَئُولَ الْمَعْنَى إلَى نَفْيِ الْقَيْدِ، وَأَنْ يُعْتَبَرَ النَّفْيُ أَوَّلًا فَيَئُولَ الْمَعْنَى إلَى تَقْيِيدِ النَّفْيِ وَيَتَعَيَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاعْتِبَارَيْنِ بِقَرِينَةٍ تَشْهَدُ لَهُ، فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَبْقَى مَالُ الْمُودِعِ حَالَ كَوْنِهِ مَالًا مَمْلُوكًا لَهُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ " أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ عَلَى الِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ فَمَمْنُوعٌ، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ نَفْيَ بَقَاءِ مَمْلُوكِيَّةِ مَالِ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودِعِ وَانْتِسَابِهِ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَعْنًى ظَاهِرٌ مَقْبُولٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ عَلَى الِاعْتِبَارِ الثَّانِي فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ رَفْعِ مَالُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ لَا يَبْقَى يَصِيرُ الْمَعْنَى لَا يَبْقَى عَيْنُ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَعْنًى صَحِيحٍ إذَا الْمَالُ بَاقٍ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنَّمَا الْمُنْتَفَى بَعْدَ مَوْتِهِ مَمْلُوكِيَّتُهُ وَانْتِسَابُهُ إلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِ وَأَحْوَالِهِ يُفْهَمُ مِنْ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ إضَافَةِ الْمَالِ إلَى الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إلَى الْمُودِعِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، فَالظَّاهِرُ فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ هُوَ النَّصْبُ كَمَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَ الْعَيْنِيَّ قَدْ زَادَ فِي الطُّنْبُورِ نَغْمَةً حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمَا الْعِنَايَةِ: وَالصَّوَابُ هُوَ الرَّفْعُ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَكْمَلُ. وَقَدْ فَاتَهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْحَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ وَالْمَالُ لَيْسَ مِنْهَا، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ بِالتَّأْوِيلِ. وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي أَنَّهُ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ إنَّهُ حَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ مُتَمَوَّلًا: أَيْ لَا يَبْقَى الْمَيِّتُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُتَمَوَّلًا
[ ٨ / ١٣٠ ]
فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مَالُ الْوَارِثِ
. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى الْوَدِيعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا فَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا كَانَ إقْرَارًا بِمِلْكِ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فَلَا يُصَدِّقَانِ فِي دَعْوَى الْبَيْعِ عَلَيْهِ.
قَالَ (فَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلًا يَقْبِضُ مَالَهُ فَادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ قَدْ اسْتَوْفَاهُ فَإِنَّهُ
لَكَانَ أَوْجَهَ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ مَا زَادَهُ بِشَيْءٍ، أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مِنْ شَرْطِ الْحَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ فَمَمْنُوعٌ، أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى هَيْئَةٍ صَحَّ أَنْ يَقَعَ حَالًا مِثْلُ هَذَا بُسْرًا أَطْيَبُ مِنْهُ رُطَبًا.
وَلَئِنْ سَلِمَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ النُّحَاةِ فَجَوَازُ كَوْنِ غَيْرِ الْمُشْتَقِّ حَالًا بِالتَّأْوِيلِ بِالْمُشْتَقِّ مِمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ النُّحَاةِ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهِ نَفْسُهُ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ بِالتَّأْوِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ التَّأْوِيلَ هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ مَمْلُوكًا لَهُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الْقَدَحُ فِيهِ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْحَالِ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي أَنَّهُ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ إنَّهُ حَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ مُتَمَوَّلًا: أَيْ لَا يَبْقَى الْمَيِّتُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُتَمَوَّلًا لَكَانَ أَوْجَهَ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ الْعَاقِلُ لِأَنَّ الْمُتَمَوِّلَ إنَّمَا هُوَ الْمَالِكُ لَا الْمَالُ قَطْعًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَأْوِيلُ الْمَالِ بِمَا لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَجَعْلُهُ صِفَةً لَهُ، بَلْ عَلَى تَقْدِيرِ إرْجَاعِ ضَمِيرٍ لَا يَبْقَى إلَى الْمَيِّتِ لَا يَبْقَى لَهُ ارْتِبَاطٌ بِالْمَقَامِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَفْهَامِ (فَقَدْ اتَّفَقَا) أَيْ مُدَّعِي الْوِرَاثَةِ وَالْمُودَعُ. وَقَالَ الْعَيْنِيُّ: أَيْ الَّذِي ادَّعَى الْوِكَالَةَ وَالْمُودَعُ.
أَقُولُ: هَذَا بِنَاءً عَلَى ضَلَالِهِ السَّابِقِ وَقَدْ عَرَفْت (عَلَى أَنَّهُ) مُتَعَلِّقٌ بِاتَّفَقَا: أَيْ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَالَ الْوَدِيعَةِ (مَالُ الْوَارِثِ) فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ: أَقُولُ فِيهِ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ بِالْمَوْتِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْمَرَ بِالدَّفْعِ حَتَّى يَثْبُتَ مَوْتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي انْتَهَى فَتَأَمَّلْ
(وَلَوْ ادَّعَى) أَيْ وَلَوْ ادَّعَى أَحَدٌ (أَنَّهُ اشْتَرَى الْوَدِيعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا فَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ لَمْ يُؤْمَرْ) أَيْ لَمْ يُؤْمَرْ الْمُودَعُ (بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مُدَّعِي الشِّرَاءِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْبِدَايَةِ، وَقَالَ فِي تَعْلِيلِهَا (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ (مَا دَامَ حَيًّا كَانَ إقْرَارًا بِمِلْكِ الْغَيْرِ): أَيْ كَانَ إقْرَارُ الْمُودَعِ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ إقْرَارًا بِمِلْكِ الْغَيْرِ وَهُوَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَيَّ (مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ (فَلَا يُصَدِّقَانِ) أَيْ مُدَّعِي الشِّرَاءِ وَالْمُودَعُ الْمُصَدِّقُ إيَّاهُ (فِي دَعْوَى الْبَيْعِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ تَقَدَّمَ هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ فَكَانَ ذِكْرُهُمَا تَكْرَارًا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُمَا هُنَالِكَ بِاعْتِبَارِ الْقَضَاءِ وَهَاهُنَا بِاعْتِبَارِ الدَّعْوَى، وَلِهَذَا صَدَّرَهُمَا هَاهُنَا بِقَوْلِهِ " وَلَوْ ادَّعَى " وَهُنَاكَ بِقَوْلِهِ " وَمَنْ أَقَرَّ "، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ لِأَنَّ إيرَادَهُمَا فِي بَابِ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ بَعِيدُ الْمُنَاسَبَةِ، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: تَضْعِيفُهُ سَاقِطٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِمَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ ادِّعَاءِ الْوِكَالَةِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ اقْتَضَى ذِكْرَهُمَا عَقِيبَهَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهَا لَمَّا أَوْقَعَ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا أَيْضًا كَالْحُكْمِ فِيهَا أَمْ لَا ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ عَقِيبَهَا فِي بَابِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلَيْهَا إزَالَةً لِلِاشْتِبَاهِ بِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إحْدَاهُمَا وَبَيَانِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ مَعَ الْأُخْرَى فَكَانَ إيرَادُهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ قَرِيبَ الْمُنَاسَبَةِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ مَالِهِ) أَيْ إنْ وَكَّلَ رَجُلٌ وَكِيلًا بِقَبْضِ مَالٍ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ (فَادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ قَدْ اسْتَوْفَاهُ فَإِنَّهُ) أَيْ فَإِنَّ الْغَرِيمَ
[ ٨ / ١٣١ ]
يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ) لِأَنَّ الْوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ وَالِاسْتِيفَاءُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ فَلَا يُؤَخَّرُ الْحَقُّ. قَالَ (وَيَتْبَعُ رَبُّ الْمَالِ فَيَسْتَحْلِفُهُ)
يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ) أَيْ يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْوَكِيلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ (لِأَنَّ الْوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ وَالِاسْتِيفَاءُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ) أَيْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْغَرِيمِ بِلَا حُجَّةٍ (فَلَا يُؤَخَّرُ الْحَقُّ) أَيْ حَقُّ الْقَبْضِ إلَى تَحْلِيفِ رَبِّ الدِّينِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ فَبِأَيِّ دَلِيلٍ ثُبُوتُ الْوِكَالَةِ؟ وَلَوْ قِيلَ بِسَبَبِ ادِّعَاءِ الْمَدْيُونِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ قَدْ اسْتَوْفَاهُ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ ثُبُوتِ الْوِكَالَةِ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْوِكَالَةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إذَا كَانَ مُسْتَوْفًى مِنْ جَانِبِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ كَانَ التَّوْكِيلُ بِالِاسْتِيفَاءِ بَاطِلًا لَا مَحَالَةَ فَكَيْفَ تَثْبُتُ الْوِكَالَةُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى؟ قُلْنَا: لَمَّا ادَّعَى الْغَرِيمُ اسْتِيفَاءَ رَبِّ الدِّينِ دَيْنَهُ كَانَ هُوَ مُعْتَرِفًا بِأَصْلِ الْحَقِّ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ قَضَيْتُكَهَا إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ عِنْدَ دَعْوَى الْمُدَّعِي ذَلِكَ، فَلَمَّا ثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ الْوِكَالَةَ كَانَ لِلْوَكِيلِ وِلَايَةُ الطَّلَبِ فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالْإِيفَاءِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى اسْتِيفَاءَ رَبِّ الدَّيْنِ عِنْدَ دَعْوَاهُ بِنَفْسِهِ كَانَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْإِيفَاءِ، فَكَذَا عِنْدَ دَعْوَى وَكِيلِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ اهـ.
أَقُولُ: جَوَابُهُ مَنْظُورٌ فِيهِ، إذْ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ ادِّعَاءِ الْغَرِيمِ اسْتِيفَاءَ رَبِّ الدِّينِ دَيْنَهُ يَتَضَمَّنُ الِاعْتِرَافَ بِأَصْلِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْوِكَالَةَ بِأَيِّ دَلِيلٍ ثَبَتَتْ، وَمُجَرَّدُ عَدَمِ إنْكَارِ الْوِكَالَةِ لَا يَقْتَضِي الِاعْتِرَافَ بِثُبُوتِهَا، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا يُنَاسَبُ الْحَالَ لَا يُعَدُّ مُقِرًّا لِلْوِكَالَةِ، فَكَيْفَ إذَا تَكَلَّمَ بِمَا يُشْعِرُ بِإِنْكَارِ الْوِكَالَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ بِقَوْلِهِ: بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْوِكَالَةِ إلَى قَوْلِهِ: فَكَيْفَ تَثْبُتُ الْوِكَالَةُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى، فَكَأَنَّ الْغَرِيمَ قَالَ أَنْتَ لَا تَصْلُحُ لِلْوِكَالَةِ أَصْلًا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ حَقَّهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَقَعَ وَكِيلًا عَنْهُ تَدَبَّرْ. وَقَصَدَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ دَفْعَ السُّؤَالِ الْمَزْبُورِ بِوَجْهٍ آخَرُ حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ: ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مَالٌ فَوَكَّلَ وَكِيلًا بِذَلِكَ الْمَالِ وَأَقَامَ الْوَكِيلُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ قَدْ اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ ادْفَعْ الْمَالَ ثُمَّ ادْفَعْ رَبَّ الْمَالِ فَاسْتَحْلِفْهُ.
ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ: يَعْنِي بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ كَذَلِكَ انْتَهَى. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ مَدَارُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بَلْ مَدَارُ نَفْسِ جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى اعْتِبَارِ قَيْدِ إقَامَةِ الْوَكِيلِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوِكَالَةِ فِي وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمَا وَسِعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي بِدَايَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَلِعَامَّةِ الْمَشَايِخِ فِي تَصَانِيفِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ تَرْكُ ذَلِكَ الْقَيْدِ الْمُهِمِّ عِنْدَ تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَّعِيَ كَوْنَ تَرْكِهِمْ إيَّاهُ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ اعْتِبَارِهِ، كَيْفَ وَقَدْ ذَهَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الثِّقَاتِ كَصَاحِبِ النِّهَايَةِ وَصَاحِبِ التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِمَا، حَتَّى ذَهَبُوا إلَى تَوْجِيهٍ آخَرَ فِي دَفْعِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، فَلَوْ كَانَ اعْتِبَارُهُ مِنْ الظُّهُورِ بِحَيْثُ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ لَمَا خَفِيَ عَلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْأَجِلَّاءِ (قَالَ وَيَتْبَعُ) أَيْ يَتْبَعُ الْغَرِيمُ (رَبَّ الْمَالِ فَيَسْتَحْلِفُهُ) أَيْ فَيَسْتَحْلِفُ الْغَرِيمُ رَبَّ الْمَالِ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِيفَاءِ
[ ٨ / ١٣٢ ]
رِعَايَةً لِجَانِبِهِ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْوَكِيلَ لِأَنَّهُ نَائِبٌ
. قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِعَيْبٍ فِي جَارِيَةٍ فَادَّعَى الْبَائِعُ رِضَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُشْتَرِي) بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ هُنَالِكَ بِاسْتِرْدَادِ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ إذَا ظَهَرَ الْخَطَأُ عِنْدَ نُكُولِهِ، وَهَاهُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْفَسْخِ مَاضٍ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ ظَهَرَ الْخَطَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ
رِعَايَةً لِجَانِبِهِ) أَيْ جَانِبِ الْغَرِيمِ. فَإِنْ حَلَفَ مَضَى الْأَدَاءُ، وَإِنْ نَكَلَ يَتْبَعُ الْغَرِيمُ الْقَابِضَ فَيَسْتَرِدُّ مَا قَبَضَهُ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْوَكِيلُ لِأَنَّهُ نَائِبٌ) وَالنِّيَابَةُ: لَا تَجْرِي فِي الْأَيْمَانِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: أَحْلَفَهُ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنْ نَكَلَ خَرَجَ عَنْ الْوِكَالَةِ وَالطَّالِبُ عَلَى حُجَّتِهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَطَلَتْ وِكَالَتُهُ فَجَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْغَرِيمَ يَدَّعِي حَقًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ لَا عَلَى الْوَكِيلِ، فَتَحْلِيفُ الْوَكِيلِ يَكُونُ نِيَابَةً وَهِيَ لَا تَجْرِي فِي الْأَيْمَانِ. بِخِلَافِ الْوَارِثِ حَيْثُ يَحْلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ اسْتِيفَاءَ مُوَرِّثِهِ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ فَالدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْيَمِينُ بِالْأَصَالَةِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ أَخْذًا مِنْ الْإِيضَاحِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِعَيْبٍ فِي جَارِيَةٍ) أَيْ إنْ وَكَّلَهُ بِرَدِّ جَارِيَةٍ بِسَبَبِ عَيْبٍ (فَادَّعَى الْبَائِعُ رِضَا الْمُشْتَرَى) أَيْ رِضَاهُ بِالْعَيْبِ (لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ الْوَكِيلُ عَلَى الْبَائِعِ (حَتَّى يَحْلِفَ الْمُشْتَرِي) يَعْنِي لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالرَّدِّ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي وَيَحْلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْعَيْبِ (بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ) حَيْثُ يُؤْمَرُ الْغَرِيمُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى الْوَكِيلِ قَبْلَ تَحْلِيفِ رَبِّ الدَّيْنِ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى الْوَكِيلِ بِدُونِ تَحْلِيفِ الْوَكِيلِ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِمَعْنَى الْمَقَامِ قَطْعًا، إذْ لَا مَدْخَلَ لِعَدَمِ تَحْلِيفِ الْوَكِيلِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَحْلِفُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا أَصْلًا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ وَمَسْأَلَةِ الْعَيْبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ فِي الدَّيْنِ حَقَّ الطَّالِبِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، إذْ لَيْسَ فِي دَعْوَى الِاسْتِيفَاءِ وَالْإِبْرَاءِ مَا يُنَافِي ثُبُوتَ أَصْلِ حَقِّهِ، لَكِنَّهُ يَدَّعِي الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيلِ الِاسْتِيفَاءُ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُسْقِطُ.
وَأَمَّا فِي الْعَيْبِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ وَقْتَ الْعَقْدِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّهِ فِي الرَّدِّ أَصْلًا، فَالْبَائِعُ لَا يَدَّعِي مُسْقِطًا بَلْ يَزْعُمُ أَنَّ حَقَّهُ فِي الرَّدِّ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ وَيَحْلِفُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ إذَا انْفَسَخَ لَا يَعُودُ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا لَهُ حَقَّ الرَّدِّ تَضَرَّرَ بِهِ الْخَصْمُ فِي انْفِسَاخِ عَقْدِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَضَاءُ الدَّيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ فَسْخُ عَقْدِهِ، فَإِذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ يَتَوَصَّلُ الْمَطْلُوبُ إلَى قَضَاءِ حَقِّهِ فَلِهَذَا أُمِرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْفَرْقِ هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ هُنَالِكَ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ (بِاسْتِرْدَادِ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ إذَا ظَهَرَ الْخَطَأُ عِنْدَ نُكُولِهِ) أَيْ نُكُولِ الْمُوَكِّلِ عَنْ الْيَمِينِ، إذْ الْقَضَاءُ لَمْ يَنْفُذْ بَاطِنًا لِأَنَّهُ مَا قَضَى إلَّا بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ فَكَانَ كَالْقَضَاءِ بِالْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ (وَهَاهُنَا) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَفِي الثَّانِيَةِ أَيْ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ (غَيْرُ مُمْكِنٍ) أَيْ التَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ (لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْفَسْخِ مَاضٍ عَلَى الصِّحَّةِ) وَإِنْ ظَهَرَ الْخَطَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عِنْدَهُ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَفِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَيْضًا (وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ مَضَى الْقَضَاءُ بِالْفَسْخِ عَلَى الصِّحَّةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ (لَا يُفِيدُ) فَإِنَّهُ لَمَّا مَضَى الْفَسْخُ وَلَا يُرَدُّ بِالنُّكُولِ
[ ٨ / ١٣٣ ]
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَ الْجَوَابُ عَلَى هَذَا فِي الْفَصْلَيْنِ وَلَا يُؤَخَّرُ، لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ عِنْدَهُمَا لِبُطْلَانِ الْقَضَاءِ
لَمْ يَبْقَ فِي الِاسْتِحْلَافِ فَائِدَةٌ قَطْعًا، قَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ ذَلِكَ: أَيْ بَعْدَ نُكُولِ الْمُوَكِّلِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ: أَقُولُ: هَذَا تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ، إذْ يَصِيرُ مَعْنَى الْمَقَامِ حِينَئِذٍ وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُ بَعْدَ نُكُولِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ اللَّغْوِ مِنْ الْكَلَامِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ بَيِّنَةٌ عَلَى رِضَا الْآمِرِ بِالْعَيْبِ وَرَدَّ الْوَكِيلُ الْجَارِيَةَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ ثُمَّ حَضَرَ الْآمِرُ وَادَّعَى الرِّضَا وَأَرَادَ أَخْذَ الْجَارِيَةِ فَأَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَدْفَعَهَا وَقَالَ نَقَضَ الْقَاضِي الْبَيْعَ فَلَا سَبِيلَ لَك، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْبَائِعِ وَيَرُدُّ الْجَارِيَةَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ مَعَ الْبَائِعِ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْجَارِيَةَ مِلْكُ الْآمِرِ لِأَنَّ الْبَائِعَ ادَّعَى رِضَا الْآمِرِ بِالْعَيْبِ وَلُزُومَ الْجَارِيَةِ إيَّاهُ وَصَدَّقَهُ الْآمِرُ فِي ذَلِكَ فَاسْتَنَدَ التَّصْدِيقُ إلَى وَقْتِ الْإِقْرَارِ، وَيَثْبُتُ بِهَذَا التَّصَادُقِ أَنَّ الْقَاضِيَ أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ بِالرَّدِّ وَأَنَّ قَضَاءَهُ بِالرَّدِّ نَفَذَ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا فَبَقِيَتْ الْجَارِيَةُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْآمِرِ فِي الْبَاطِنِ فَكَانَ لِلْآمِرِ أَنْ يَأْخُذَهَا. بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا سَبِيلَ لِلْآمِرِ عَلَى الْجَارِيَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: هَذَا قَوْلُ الْكُلِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ نَقْضَ الْقَاضِي هَاهُنَا الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلنَّقْضِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِجَهْلِهِ بِالدَّلِيلِ الْمُسْقِطِ لِلرَّدِّ وَهُوَ رِضَا الْآمِرِ بِالْعَيْبِ ثُمَّ ظَهَرَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ بَاطِنًا كَمَا لَوْ قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِاجْتِهَادِهِ وَثَمَّةَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا، وَنَقَلَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ عَنْ تِلْكَ الْكُتُبِ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ وَالْجَوَابُ حَيْثُ قَالَ: وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ إذْ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ ثُمَّ حَضَرَ الْمُشْتَرِي وَادَّعَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ وَاسْتَرَدَّ الْجَارِيَةَ وَقَالَ الْبَائِعُ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَقَضَ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْبَائِعِ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ مَاضِيًا عَلَى الصِّحَّةِ لَمْ تُرَدَّ الْجَارِيَةُ عَلَى الْمُشْتَرَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّدَّ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا سَبِيلَ لِلْآمِرِ عَلَى الْجَارِيَةِ. سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْكُلِّ، لَكِنَّ النَّقْضَ هَاهُنَا لَمْ يُوجِبْهُ دَلِيلٌ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلْجَهْلِ بِالدَّلِيلِ الْمُسْقِطِ لِلرَّدِّ وَهُوَ رِضَا الْآمِرِ بِالْعَيْبِ ثُمَّ ظَهَرَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهِ بِتَصَادُقِهِمَا فِي الْآخِرَةِ عَلَى وُجُودِ الرِّضَا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَفِي مِثْلِهِ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ بَاطِنًا كَمَا لَوْ قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِي حَادِثَةٍ وَثَمَّةَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، قَالُوا: هَذَا أَصَحُّ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَابِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَ بَلْ يُقَوِّيهِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ نَقْضُ الْقَضَاءِ هَاهُنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ تَعَيَّنَ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْفَسْخِ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ مَاضِيًا عَلَى الصِّحَّةِ عِنْدَهُ أَيْضًا فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ (وَأَمَّا عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَ الْجَوَابُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ (فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيْ فِي فَصْلِ الدَّيْنِ وَفِي فَصْلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ (وَلَا يُؤَخَّرُ) أَيْ لَا يُؤَخَّرُ الْقَضَاءُ بِالرَّدِّ إلَى تَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي كَمَا لَا يُؤَخَّرُ الْقَضَاءُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى تَحْلِيفِ رَبِّ الدَّيْنِ (لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ) أَيْ فِي الْفَصْلَيْنِ مَعًا (عِنْدَهُمَا لِبُطْلَانِ الْقَضَاءِ) يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ التَّأْخِيرِ إلَى تَحْلِيفِ رَبِّ الدَّيْنِ فِي فَصْلِ الدَّيْنِ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ عِنْدَ ظُهُورِ الْخَطَإِ فِي الْقَضَاءِ بِاسْتِرْدَادِ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ
[ ٨ / ١٣٤ ]
وَقِيلَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ حَتَّى النَّظَرَ حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الْمُشْتَرِيَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْبَائِعِ فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ.
قَالَ (وَمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةً مِنْ عِنْدِهِ فَالْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ) لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِنْفَاقِ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ قَرَرْنَاهُ فَهَذَا كَذَلِكَ
وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي فَصْلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَيْضًا لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا إنَّمَا يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، فَإِذَا ظَهَرَ خَطَأُ الْقَضَاءِ عِنْدَ نُكُولِ الْمُشْتَرِي رُدَّتْ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَخَّرُ إلَى التَّحْلِيفِ (وَقِيلَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُؤَخَّرَ) أَيْ الْقَضَاءُ (فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ (يَعْتَبِرُ النَّظَرَ) أَيْ النَّظَرَ لِلْبَائِعِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: أَيْ النَّظَرُ لِلْخَصْمِ لِيَكُونَ أَنْسَبَ بِالتَّعْمِيمِ لِلْفَصْلَيْنِ كَمَا سَيَنْكَشِفُ لَك (حَتَّى يَسْتَحْلِفَ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ (الْمُشْتَرِيَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْبَائِعِ) يَعْنِي أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَرُدُّ الْمَبِيعَ عَلَى الْبَائِعِ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا وَأَرَادَ الرَّدَّ مَا لَمْ يُسْتَحْلَفْ بِاَللَّهِ مَا رَضِيت بِهَذَا الْعَيْبِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ، فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي أَوْ رَبُّ الدَّيْنِ غَائِبًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يُرَدَّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُسْتَحْلَفْ صِيَانَةً لِقَضَائِهِ عَنْ الْبُطْلَانِ وَنَظَرًا لِلْبَائِعِ وَالْمَدْيُونِ (فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ) أَيْ فَيَنْتَظِرُ فِي الْفَصْلَيْنِ نَظَرًا لِلْبَائِعِ وَالْمَدْيُونِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ: أَيْ لِلْبَائِعِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَظِرَ فِي الدَّيْنِ نَظَرًا لِلْغَرِيمِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: فَعَلَى هَذَا يَنْتَظِرُ عِنْدَهُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا نَظَرًا لِلْغَرِيمِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ النَّظَرَ لِلْبَائِعِ حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الْمُشْتَرِيَ إنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْبَائِعِ فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ لَهُ إنْ كَانَ غَائِبًا انْتَهَى أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ تَخْصِيصِ مَعْنَى نَفْسِ الْكَلَامِ بِصُورَةٍ مِنْ الْفَصْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ، فَالْوَجْهُ مَا قَرَّرْنَاهُ فَتَبَصَّرْ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ) أَيْ لِيُنْفِقَهَا عَلَيْهِمْ (فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةً مِنْ عِنْدِهِ) أَيْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (فَالْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ) أَيْ فَالْعَشَرَةُ الَّتِي أَنْفَقَهَا الْوَكِيلُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بِمُقَابَلَةِ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ الْمُوَكِّلِ: يَعْنِي لَا يَكُونُ الْوَكِيلُ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَنْفَقَ بَلْ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ. قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: هَذَا إذَا كَانَتْ عَشَرَةُ الدَّفْعِ قَائِمَةً وَقْتَ شِرَائِهِ النَّفَقَةَ وَكَانَ يُضِيفُ الْعَقْدَ إلَيْهَا، أَوْ كَانَ مُطْلَقًا لَكِنْ يَنْوِي تِلْكَ الْعَشَرَةَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَشَرَةُ الدَّافِعِ مُسْتَهْلَكَةً أَوْ كَانَ يَشْتَرِي النَّفَقَةَ بِعَشَرَةِ نَفْسِهِ وَيُضِيفُ الْعَقْدَ إلَيْهَا يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ فِي الْوِكَالَةِ، وَكَذَا لَوْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى غَيْرِهَا، كَذَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَقِيلَ لَا تَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْعَامَّةِ لَكِنْ تَتَعَلَّقُ الْوِكَالَةُ بِبَقَائِهَا، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ حَيْثُ تَتَعَيَّنُ اتِّفَاقًا فِيهِمَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا فِي الْكِتَابِ (لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِنْفَاقِ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ (مَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ رُجُوعِ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِمَا أَدَّى مِنْ الثَّمَنِ (وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ) يَعْنِي فِي بَابِ الْوِكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ (فَهَذَا) أَيْ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْإِنْفَاقِ (كَذَلِكَ) لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَهْلِ قَدْ يُضْطَرُّ إلَى
[ ٨ / ١٣٥ ]
وَقِيلَ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ مُتَبَرِّعًا. وَقِيلَ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ، فَأَمَّا الْإِنْفَاقُ يَتَضَمَّنُ الشِّرَاءَ فَلَا يَدْخُلَانِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
شِرَاءِ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِنَفَقَتِهِمْ وَلَا يَكُونُ مَالُ الْمُوَكِّلِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ ثَمَنَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَكَانَ فِي التَّوْكِيلِ بِذَلِكَ تَجْوِيزُ الِاسْتِبْدَالِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ مَسْأَلَةَ الْإِنْفَاقِ، بَلْ ذَكَرَ فِيهِ مَسْأَلَةَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَقَالَ: وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ ادْفَعْهَا إلَى فُلَانٍ قَضَاءً عَنِّي فَدَفَعَ الْوَكِيلُ غَيْرَهَا وَاحْتَبَسَ الْأَلْفَ عِنْدَهُ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَدْفَعَ الَّتِي حَبَسَهَا إلَى الْمُوَكِّلِ وَيَكُونَ مُتَطَوِّعًا فِي الَّتِي دَفَعَ، وَلَكِنِّي أَدَعُ الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ وَأَسْتَحْسِنُ أَنْ أُجِيزَهُ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَصْلِ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْإِنْفَاقِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِيهِ فَقَالُوا فِي شُرُوحِهِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُوَكِّلِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَيَضْمَنُ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَقِيلَ هَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ مُتَبَرِّعًا) أَيْ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ إنْفَاقُ عَشَرَةِ نَفْسِهِ بِمُقَابَلَةِ عَشَرَةِ الْمُوَكِّلِ، بَلْ إذَا أَنْفَقَ عَشَرَةَ نَفْسِهِ يَصِيرُ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَنْفَقَ وَيَرُدُّ الدَّرَاهِمَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الْمُوَكِّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا ضَمِنَ. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ فِي الْوِكَالَاتِ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْإِنْفَاقِ بَطَلَتْ الْوِكَالَةُ، فَإِذَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَقَدْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ فَيَصِيرُ مُتَبَرِّعًا.
وَأَمَّا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِنْفَاقِ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ إلَخْ، وَقَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا: مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعْنَى الشِّرَاءِ فَوَرَدَ فِيهِ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. أَمَّا الْإِنْفَاقُ فَفِيهِ شِرَاءٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ وَجْهُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، بَلْ صَحَّ ذَلِكَ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا حَتَّى رَجَعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِمَا أَنْفَقَ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَقِيلَ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ) هَذَا وَجْهُ الْقِيَاسِ: يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَكُنْ قَضَاءُ الدَّيْنِ شِرَاءً لَمْ يَكُنْ الْآمِرُ رَاضِيًا بِثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ لِلْوَكِيلِ فَلَوْ لَمْ نَجْعَلْهُ مُتَبَرِّعًا لَأَلْزَمْنَاهُ دَيْنًا لَمْ يَرْضَ بِهِ فَجَعَلْنَاهُ مُتَبَرِّعًا قِيَاسًا. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مَأْمُورٌ بِشِرَاءِ مَا فِي ذِمَّةِ الْآمِرِ بِالدَّرَاهِمِ، وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ سُلِّمَ الْمَقْبُوضُ لَهُ اهـ (فَأَمَّا الْإِنْفَاقُ) فَإِنَّهُ (يَتَضَمَّنُ الشِّرَاءَ) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِنْفَاقِ أَمَرَ بِشِرَاءِ الطَّعَامِ، وَالشِّرَاءُ لَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الدَّرَاهِمِ الْمَدْفُوعَةِ بَلْ بِمِثْلِهَا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْآمِرِ فَكَانَ رَاضِيًا بِثُبُوتِ الدَّيْنِ فَلَمْ يُجْعَلْ مُتَبَرِّعًا قِيَاسًا أَيْضًا (فَلَا يَدْخُلَانِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ فَلَا يَدْخُلُ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْإِنْفَاقِ، بَلْ يَكُونُ فِيهِ حُكْمِ الْقِيَاسِ كَحُكْمِ الِاسْتِحْسَانِ فِي أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ.
[ ٨ / ١٣٦ ]