(وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ وَطَلَبَ الْيَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، مَعْنَاهُ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ
بَابُ الْيَمِينِ)
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا التَّرْتِيبُ مِنْ التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ لِمَا أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْبَيِّنَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمَ الْيَمِينِ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا يَجْرِي عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي رِوَايَةٍ كَمَا سَيَظْهَرُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ، فَلَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ وَجْهًا جَامِعًا لِأَقْوَالِ أَئِمَّتِنَا، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ حَالَ الْبَيِّنَةِ إجْمَالًا ذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا حَالَ الْيَمِينِ إجْمَالًا، فَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الذِّكْرِ الْإِجْمَالِيِّ فِيمَا قَبْلَ هَذَا الْبَابِ، وَأَمَّا تَفَاصِيلُ أَحْكَامِ الْبَيِّنَاتِ فَتُذْكَرُ فِيمَا بَعْدَ هَذَا الْبَابِ كَمَا تُذْكَرُ تَفَاصِيلُ أَحْكَامِ الْيَمِينِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَلَمْ يَظْهَرْ كَوْنُ تَرْتِيبِ الْكِتَابِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ؛ فَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْخَصْمَ إذَا أَنْكَرَ الدَّعْوَى وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبِ الْيَمِينِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْيَمِينِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: أَقُولُ مَا كَانَ يَحْتَاجُ هَاهُنَا إلَى الْفَصْلِ بِالْبَابِ، بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَسُوقَ الْكَلَامَ مُتَوَالِيًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ صِحَّةَ الدَّعْوَى رَتَّبَ عَلَيْهَا الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: قُلْت الَّذِي رَتَّبَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ مَشْرُوعَةً بَعْدَ فَقْدِ الْبَيِّنَةِ تَعَيَّنَ ذِكْرُهَا بَعْدَهَا بِأَحْكَامِهَا وَشَرَائِطِهَا انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ فِي مَعْرِضِ الْجَوَابِ عَمَّا نَقَلَهُ مِنْ الْعَجَائِبِ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَقْبَحَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّمَا هُوَ الْفَصْلُ بِالْبَابِ لَا ذِكْرُ الْيَمِينِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَسُوقَ الْكَلَامَ مُتَوَالِيًا، فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ مِمَّا لَا مِسَاسَ لَهُ بِدَفْعِ مَا اسْتَقْبَحَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ فَكَأَنَّهُ مَا فَهِمَ مَعْنَى صَرِيحِ كَلَامِهِ.
ثُمَّ أَقُولُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ: إنَّ إفْرَادَ بَعْضِ الْمَسَائِلِ مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهَا بِوَضْعِ بَابٍ مُسْتَقِلٍّ لَهَا أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَصْلٍ لِكَثْرَةِ مَبَاحِثِهَا وَأَحْكَامِهَا، أَوْ لِتَعَلُّقِ غَرَضٍ آخَرَ بِاسْتِقْلَالِهَا كَإِفْرَادِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ بِوَضْعِ كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ لَهَا وَغَيْرِهَا مِمَّا لَهُ بَابٌ مُسْتَقِلٌّ أَوْ فَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ شَائِعٌ ذَائِعٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهَذَا الْبَابُ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ، وَلِهَذَا تَرَى الثِّقَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْفَتَاوَى وَغَيْرِهَا جَرَوْا عَلَى إفْرَادِ مَسَائِلِ الْيَمِينِ بِبَابٍ أَوْ فَصْلٍ مُسْتَقِلٍّ فَلَيْسَ مَا صَنَعَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا بِمَحَلِّ اسْتِقْبَاحٍ وَلَا اسْتِبْعَادٍ كَمَا لَا يَخْفَى (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ وَطَلَبَ الْيَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (مَعْنَاهُ حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ: إذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ. وَاحْتُرِزَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَنْ الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ إذَا حَضَرَتْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (فِيمَا سَيَأْتِي) كَمَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي الْمَجْلِسِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ (حَاضِرَةً) عَنْ الْبَيِّنَةِ الْغَائِبَةِ عَنْ الْغَائِبَةِ عَنْ الْمِصْرِ، فَإِنَّهَا إذَا غَابَتْ عَنْ الْمِصْرِ يُسْتَحْلَفُ بِالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ إنَّ الظَّاهِرَ كَانَ أَنْ يَقْرِنَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ (مَعْنَاهُ حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ) بِذِكْرِ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ (إذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ) (وَقَدْ أَخَّرَهُ عَنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ) وَطَلَبَ الْيَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
[ ٨ / ١٧٠ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ، فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ، كَمَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي الْمَجْلِسِ
فَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَقْبَحَ قَطْعَ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ بِكَلَامِ نَفْسِهِ فَانْتَظَرَ أَنْ يَتِمَّ جَوَابُ مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ ثُمَّ فَسَّرَ مُرَادَهُ بِالْحُضُورِ فِي الْمِصْرِ.
وَثَانِيهمَا أَنَّ فَائِدَةَ هَذَا التَّفْسِيرِ الِاحْتِرَازُ عَنْ صُورَةِ الْحُضُورِ فِي الْمَجْلِسِ حَيْثُ كَانَ عَدَمُ الِاسْتِحْلَافِ هُنَاكَ بِالِاتِّفَاقِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِالِاخْتِلَافِ، فَمَا لَمْ يُذْكَرْ الْقَوْلُ الْمُشْعِرُ بِالْخِلَافِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَهُوَ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ: لَمْ يُسْتَحْلَفْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لَمْ تَظْهَرْ فَائِدَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ، فَاقْتَضَى هَذَا السِّرُّ تَأْخِيرَ الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ الْمَزْبُورَ عَنْ ذِكْرِ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ لَمْ يُسْتَحْلَفْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُدَّعِي (بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ) فَسَّرَ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ الْحَدِيثَ الْمَعْرُوفَ بِمَا مَرَّ قُبَيْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَك يَمِينُهُ» وَلَكِنْ قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَمَا فَسَّرَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ بِمَا فَسَّرَ بِهِ سَائِرُ الشُّرَّاحِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَهُ ﷺ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى مَنْ تَتَبَّعَ أَسَالِيبَ تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِهِ هَذَا أَنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيمَا قَبْلُ بِمَا رَوَيْنَا كَمَا يُعَبِّرُ عَنْ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيمَا قَبْلُ بِمَا تَلَوْنَا، وَعَنْ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيمَا قَبْلُ بِمَا ذَكَرْنَا، فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ لَك يَمِينُهُ لَمَا عَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِهِ الْمُقَرَّرِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ كَيْفَ جَرَى عَلَى ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ فِي ذِكْرِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَيْثُ قَالَ: إنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الْيَمِينِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا رَوَيْنَا مُرِيدًا بِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِيمَا قَبْلُ.
فَالْحَقُّ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» أَيْ مَا جَوَّزَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ لَا غَيْرُ. وَيُؤَيِّدُهُ تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يُسْتَحْلَفُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» انْتَهَى. فَإِنْ قُلْت: الَّذِي حَمَلَ الشُّرَّاحَ عَلَى تَفْسِيرِهِمْ الْحَدِيثَ الْمَعْرُوفَ بِمَا ذُكِرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ، فَإِنَّ كَوْنَ الْيَمِينِ حَقَّ الْمُدَّعِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «لَك يَمِينُهُ» حَيْثُ أَضَافَ إلَيْهِ الْيَمِينَ فَاللَّامُ الْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ.
قُلْت: نَعَمْ وَلَكِنْ يُفْهَمُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَإِنَّ كَلِمَةَ عَلَى فِي قَوْلِهِ «عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنْكِرَ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ فَالْمُسْتَحِقُّ لَهُ هُوَ الْمُدَّعِي. نَعَمْ انْفِهَامُهُ مِنْ الْأَوَّلِ أَظْهَرُ، لَكِنْ هَذَا لَا يُوجِبُ حَمْلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ عَلَى خِلَافِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَتُهُ الْمُطَّرِدَةُ (فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ) أَيْ إذَا طَالَبَ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ يُجِيبُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ: أَيْ يَحْكُمُ لَهُ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ يُجِيبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِيَ: أَيْ يَحْلِفُ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الْيَمِينِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ «قَوْلِهِ ﵊ لِلْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ» فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْيَمِينَ بَعْدَمَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ (فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ) أَيْ لَا يَكُونُ الْيَمِينُ حَقَّ الْمُدَّعِي دُونَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ: أَيْ بِغَيْرِ الْعَجْزِ عَنْهَا.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ كَوْنَ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الْيَمِينِ مُرَتَّبًا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا رَوَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْيَمِينُ حَقَّ الْمُدَّعِي دُونَ الْعَجْزِ عَنْهَا إلَّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا، فَكَيْفَ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي مُقَابَلَةِ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (كَمَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْيَمِينِ هُنَاكَ فَكَذَا هَاهُنَا وَالْجَامِعُ الْقُدْرَةُ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
أَقُولُ: لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ
[ ٨ / ١٧١ ]
وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ. قَالَ (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَسَمَ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَجَعَلَ جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ
الصُّورَتَيْنِ بِأَنْ يَقُولَ: إذَا لَمْ تَكُنْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَلِلْمُدَّعِي غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِاسْتِحْلَافِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصُرَ الْمَسَافَةَ وَالْمُؤْنَةَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ فَيَتَوَصَّلَ إلَى حَقِّهِ فِي الْحَالِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْيَمِينِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ هَذَا الْغَرَضَ: أَعْنِي قَصْرَ الْمَسَافَةِ وَالْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ وَالتَّوَصُّلُ إلَى حَقِّهِ فِي الْحَالِ يَحْصُلُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِاسْتِحْلَافِ قَبْلَ إقَامَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْيَمِينِ قَبْلَهَا فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِدْلَال عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَيْضًا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ (وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ) قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَجِيبَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا ذَكَرَهُ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي اسْتِحْلَافَهُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ قَدْ رَوَى عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَحْلِفُ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ عَلَى دَعْوَاهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً، وَلَمْ نَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يُسْتَحْلَفُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِحْلَافِهِ لَهُ ذِكْرُهُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً تَشْهَدُ لَهُ عَلَى دَعْوَاهُ، إلَى هُنَا لَفْظُ الطَّحَاوِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَصْلًا كَمَا تَرَى، وَمَعَ هَذَا كَيْفَ يَدَّعِي صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقُدُورِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ: قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْغَايَةِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ إنْكَارَ صَاحِبِ الْغَايَةِ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي جَعْلِهِ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ وَبَعْدَ أَنْ نَقَلَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ إجْمَالًا.
قُلْت: لَا وَجْهَ لِهَذَا الْإِنْكَارِ لِأَنَّ عَدَمَ وُقُوفِ الطَّحَاوِيِّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُقُوفِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ انْتَهَ ى.
أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ عَجِيبٌ، لِأَنَّ الَّذِي أَنْكَرَ فِيهِ صَاحِبُ الْغَايَةِ عَلَى الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ إسْنَادُ الْمُصَنِّفِ رِوَايَةَ كَوْنِ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى الطَّحَاوِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّحَاوِيَّ قَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِالْكُلِّيَّةِ فِي مُخْتَصَرِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُسْنِدَهَا الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ الَّذِي أَنْكَرَ فِيهِ صَاحِبُ الْغَايَةِ عَلَى الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي أَصْلِهَا، حَتَّى يَتَمَشَّى مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ مِنْ أَنَّ عَدَمَ وُقُوفِ الطَّحَاوِيِّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُقُوفِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَكَوْنُ مَحِلِّ إنْكَارِ صَاحِبِ الْغَايَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا يَتَأَدَّى عَلَيْهِ أَلْفَاظُ تَحْرِيرِهِ فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَى الشَّارِحِ الْعَيْنِيِّ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ») وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (قَسَمَ) أَيْ قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ حَيْثُ جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ التَّمْيِيزِ وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِي التَّمْيِيزَ وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ.
وَبِقَوْلِهِ (وَجَعَلَ جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ) إذْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ تُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ
[ ٨ / ١٧٢ ]
وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ
مَعْهُودٌ، وَهَاهُنَا كَذَلِكَ (وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ، فَلَوْ رُدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لَزِمَ الْمُخَالَفَةُ لِهَذَا النَّصِّ فَقَدْ حَصَلَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا تَرَى (وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ) أَيْ فِي عَدَمِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ أَصْلًا وَحَلَّفَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَنَكَلَ يُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ قُضِيَ بِهِ وَإِلَّا لَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صَارَ شَاهِدًا لِلْمُدَّعِي بِنُكُولِهِ فَيُعْتَبَرُ يَمِينُهُ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ شَاهِدٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ قُضِيَ لَهُ بِمَا ادَّعَى، وَإِنْ نَكَلَ لَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، ثُمَّ قَالَ: وَحَدِيثُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ غَرِيبٌ، وَمَا رَوَيْنَاهُ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ حَتَّى صَارَ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ فَلَا يُعَارِضُهُ، عَلَى أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ قَدْ رَدَّهُ انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِذَا نَكَلَ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ قُضِيَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ لَا يُقْضَى لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صَارَ شَاهِدًا لِلْمُدَّعِي بِنُكُولِهِ فَيُعْتَبَرُ يَمِينُهُ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ اُعْتُبِرَ يَمِينُهُ. وَقَالَ أَيْضًا: إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا وَعَجَزَ عَنْ الْآخَرِ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيُقْضَى لَهُ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» وَيُرْوَى «أَنَّهُ ﵊ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ». وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَمَا رَوَاهُ ضَعِيفٌ رَدَّهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ يَرْوِيهِ رَبِيعَةُ عَنْ سَهْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ وَأَنْكَرَهُ سَهْلٌ فَلَا يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَمَا أَنْكَرَهُ الرَّاوِي فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِلْمَشَاهِيرِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ قَضَى تَارَةً بِشَاهِدٍ: يَعْنِي بِجِنْسِهِ وَتَارَةً بِيَمِينٍ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ رَكِبَ زَيْدٌ الْفَرَسَ وَالْبَغْلَةَ، وَالْمُرَادُ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَلَئِنْ سَلَّمَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْجَمْعَ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَمِينُ الْمُدَّعِي، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَا يُعْتَبَرُ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَيَرْجِعُ إلَى يَمِينِ الْمُنْكِرِ عَمَلًا بِالْمَشَاهِيرِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ) أَرَادَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ أَنْ يَدَّعِيَ الْمِلْكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلسَّبَبِ
[ ٨ / ١٧٣ ]
وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى)
بِأَنْ يَقُولَ هَذَا مِلْكِي وَلَا يَقُولُ هَذَا مِلْكِي بِسَبَبِ الشِّرَاءِ أَوْ الْإِرْثِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَا يَتَعَرَّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ، وَقَيَّدَ الْمِلْكَ بِالْمُطْلَقِ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُقَيَّدِ بِدَعْوَى النِّتَاجِ، وَعَنْ الْمُقَيَّدِ بِمَا إذَا ادَّعَيَا تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ وَاحِدٍ وَأَحَدُهُمَا قَابِضٌ، وَبِمَا إذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ اثْنَيْنِ وَأَرَّخَا وَتَارِيخُ ذِي الْيَدِ أَسْبَقُ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ هَذَا، فَإِنْ قِيلَ: أَمَا انْتَقَضَ مُقْتَضَى الْقِسْمَةِ حَيْثُ قُبِلَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؟ قُلْت نَعَمْ؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا مِنْ حَيْثُ مَا ادَّعَى مِنْ زِيَادَةِ النِّتَاجِ وَالْقَبْضِ وَسَبْقِ التَّارِيخِ فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مُدَّعٍ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي. فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْخَارِجِ الْيَمِينُ لِكَوْنِهِ إذْ ذَاكَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؟ قُلْت: لَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ عَجْزِ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَهَاهُنَا لَمْ يَعْجِزْ، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى جَوَابِهِ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُدَّعِيًا لَصَدَقَ تَعْرِيفُهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْخَارِجُ عَلَى الْخُصُومَةِ وَيُجْبَرُ هُوَ عَلَيْهِ.
وَعَلَى جَوَابِهِ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي بِأَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْخَارِجِ الْيَمِينُ عِنْدَ عَجْزِ ذِي الْيَدِ عَنْ الْبَيِّنَةِ وَإِلَّا فَلَا تَمْشِيَةَ لِسُؤَالِهِ أَصْلًا؟ أَقُولُ: إيرَادُهُ الثَّانِي مُتَوَجِّهٌ ظَاهِرٌ، وَقَدْ كُنْت كَتَبْته فِي مُسَوَّدَاتِي قَبْلَ أَنْ أَرَى مَا كَتَبَهُ، وَأَمَّا إيرَادُهُ الْأَوَّلُ فَمُنْدَفِعٌ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعٍ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الصُّوَرِ الْمَزْبُورَةِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِاسْتِحْقَاقِ الْخَارِجِ لِمَا فِي يَدِهِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ وَكَذَا الْخَارِجُ إنَّمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعٍ عَلَى ذِي الْيَدِ اسْتِحْقَاقَهُ لِمَا فِي يَدِهِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهَا. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ دَعْوَى ذِي الْيَدِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ دَعْوَى تَابِعَةٌ لِدَعْوَى الْخَارِجِ حَيْثُ يَقْصِدُ بِهَا ذُو الْيَدِ دَفْعَ دَعْوَى الْخَارِجِ لَا دَعْوَى مُبْتَدَأَةٍ مَقْصُودَةٍ بِالْأَصَالَةِ، فَمَتَى جَرَى الْخَارِجُ عَلَى دَعْوَاهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ ذُو الْيَدِ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَيُجْبَرُ الْخَارِجُ عَلَى الْجَوَابِ عَنْ دَعْوَى ذِي الْيَدِ وَالْخُصُومَةُ مَعَهُ مِنْ حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَ الْخَارِجُ دَعْوَاهُ لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ ذُو الْيَدِ شَيْئًا لِكَوْنِ دَعْوَاهُ تَابِعَةً لِدَعْوَى الْخَارِجِ، وَتَرْكُ الْمَتْبُوعِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ التَّابِعِ فَلَا يُجْبَرُ الْخَارِجُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَعَهُ أَصْلًا، وَلَوْلَا هَذَا التَّحْقِيقُ لَانْتَقَضَ تَعْرِيفُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا قَبْلَ وَتَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ، كَمَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ دَيْنًا مُعَيَّنًا فَادَّعَى الْآخَرُ عَلَيْهِ إيفَاءَ ذَلِكَ الدَّيْنِ إيَّاهُ أَوْ إبْرَاءَهُ عَنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَوْ تَرَكَ الْخُصُومَةَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا مَعَ كَوْنِهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِالْإِيفَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ دَعَاوَى الدَّفْعِ فَالْمُخَلِّصُ فِي الْكُلِّ مَا بَيَّنَّاهُ وَحَقَّقْنَاهُ.
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ لَنَا كَلَامٌ فِي أَثْنَاءِ جَوَابِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّهُ بَيَّنَ الزِّيَادَةَ الَّتِي يَدَّعِيهَا ذُو الْيَدِ فِي الصُّوَرِ الْمَزْبُورَةِ بِالنِّتَاجِ وَالْقَبْضِ وَسَبْقِ التَّارِيخِ، فَالْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ صَحِيحَانِ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِظَاهِرِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا قَابِضًا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي فِي يَدِهِ بِالْفِعْلِ لَا أَنْ يَثْبُتَ قَبْضُهُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ تَفْسِيرُهُ وَبَيَانُهُ فِي الْكِتَابِ، وَشُرُوحِهِ فِي بَابِ مَا يَدَّعِيهِ الرَّجُلَانِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ الْقَابِضِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ أَمْرٌ مُعَايَنٌ لَا يَدَّعِيهِ ذُو الْيَدِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَقَبُولِ بَيِّنَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَظَهَرَ أَنَّ بَيَانَ مَا ادَّعَاهُ ذُو الْيَدِ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ بِالْقَبْضِ لَيْسَ بِتَامٍّ. فَالْحَقُّ أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ وَالْقَبْضُ: وَتَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ فَتَدَبَّرْ (وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى) يَعْنِي أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ وَبَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ إذَا تَعَارَضَتَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ عِنْدَنَا، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ تَهَاتَرَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَيَكُونُ الْمُدَّعِي لِذِي الْيَدِ تَارِكًا فِي يَدِهِ وَهَذَا قَضَاءُ تَرْكٍ.
لَا قَضَاءُ مِلْكٍ، وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فَيُقْضَى بِهَا لِذِي الْيَدِ قَضَاءَ مِلْكٍ بِالْبَيِّنَةِ وَهُوَ الَّذِي
[ ٨ / ١٧٤ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ لِاعْتِضَادِهَا بِالْيَدِ فَيَتَقَوَّى الظُّهُورُ وَصَارَ كَالنِّتَاجِ وَالنِّكَاحِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا أَوْ إظْهَارًا لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَتْهُ الْيَدُ لَا يُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ، إذْ الْيَدُ دَلِيلُ مُطْلَقِ الْمِلْكِ
ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ لِاعْتِضَادِهَا بِالْيَدِ) أَيْ لِتَأَكُّدِ الْبَيِّنَةِ بِالْيَدِ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ (فَيَتَقَوَّى الظُّهُورُ) أَيْ فَيَتَقَوَّى ظُهُورُ الْمُدَّعِي (وَصَارَ) أَيْ صَارَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (كَالنِّتَاجِ) أَيْ كَحُكْمِ مَسْأَلَةِ النِّتَاجِ بِأَنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ أَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ نَتَجَتْ عِنْدَهُ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلِأَحَدِهِمَا يَدٌ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِذِي الْيَدِ (وَالنِّكَاحُ) أَيْ وَكَحُكْمِ مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِأَنْ تَنَازَعَا فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلِأَحَدِهِمَا يَدٌ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى (وَدَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الْإِعْتَاقِ) أَيْ وَكَحُكْمِ مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الْإِعْتَاقِ بِأَنْ يَكُونَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ عَبْدَهُ أَعْتَقَهُ وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهُ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى (أَوْ الِاسْتِيلَادِ) عَطْفٌ عَلَى الْإِعْتَاقِ، فَالْمَعْنَى: أَوْ دَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الِاسْتِيلَادِ بِأَنْ تَكُونَ أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ اسْتَوْلَدَهَا فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى (أَوْ التَّدْبِيرِ) أَيْ أَوْ دَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ التَّدْبِيرِ بِأَنْ يَكُونَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ دَبَّرَهُ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى (وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا) أَيْ فِي عِلْمِ الْقَاضِي (أَوْ إظْهَارًا) أَيْ فِي الْوَاقِعِ فَإِنَّ بَيِّنَتَهُ تُظْهِرُ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْوَاقِعِ (لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَتْهُ الْيَدُ لَا تُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ، إذْ الْيَدُ دَلِيلُ مُطْلَقِ الْمِلْكِ) أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْ رَأَى شَيْئًا فِي يَدِ إنْسَانٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ، فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ غَيْرُ مُثْبِتَةٍ لِلْمِلْكِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالْيَدِ، وَالتَّأْكِيدُ إثْبَاتُ وَصْفٍ لِلْمَوْجُودِ لَا إثْبَاتُ أَصْلِ الْمِلْكِ.
وَأَمَّا بَيِّنَةُ الْخَارِجِ فَمُثْبِتَةٌ لِأَصْلِ الْمِلْكِ، فَصَحَّ قَوْلُنَا إنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ إثْبَاتًا فِي الْبَيِّنَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ لِتَوَفُّرِ مَا شُرِعَتْ الْبَيِّنَاتُ لِأَجْلِهِ فِيهِ. هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الشُّرُوحِ فِي حَلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا.
فَإِنْ قِيلَ: بَيِّنَةُ الْخَارِجِ تُزِيلُ مَا أَثْبَتَهُ الْيَدُ مِنْ الْمِلْكِ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ تُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَيْسَتْ مُوجِبَةً بِنَفْسِهَا حَتَّى تَزِيدَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ مَا ثَبَتَ بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُوجِبَةً عِنْدَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَبْلَهُ يَكُونُ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِثْبَاتُ الثَّابِتِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَا تَكُونُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ مُثْبِتَةً بَلْ مُؤَكِّدَةً لِمِلْكٍ ثَابِتٍ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا وَمِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ أَنَّ لِذِي الْيَدِ أَيْضًا بَيِّنَةً وَأَنَّ مِنْ حَقِّهِ إقَامَتَهَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ بَيِّنَتِهِ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ إثْبَاتًا، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ لِذِي الْيَدِ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَقِّهِ إقَامَتُهَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ أَصْلًا لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ مَحْضٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُ الْيَمِينِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊
[ ٨ / ١٧٥ ]
بِخِلَافِ النِّتَاجِ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ وَعَلَى الْوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا
. قَالَ (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْضَى بِهِ بَلْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ يَقْضِي بِهِ لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَالتَّرَفُّعَ عَنْ الصَّادِقَةِ وَاشْتِبَاهَ الْحَالِ فَلَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا
«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ.
فَالْأَظْهَرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ قَبْلِنَا عَلَى مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّ لَنَا قَوْلَهُ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَإِنَّهُ ﵊ جَعَلَ جَمِيعَ الْبَيِّنَةِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْبَيِّنَةِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ لِعَدَمِ الْعَهْدِ فَلَمْ يَبْقَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ، وَالْمُدَّعِي اسْمٌ لِمَنْ يَدَّعِي الشَّيْءَ وَلَا دَلَالَةَ مَعَهُ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ وَالْخَارِجُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ مَعَهُ عَلَى الْمِلْكِ، بِخِلَافِ ذِي الْيَدِ فَإِنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ انْتَهَى (بِخِلَافِ النِّتَاجِ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ) فَكَانَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ كَبَيِّنَةِ الْخَارِجِ مُثْبِتَةً لَهُ لَا مُؤَكِّدَةً فَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ لِلْإِثْبَاتِ فَتَرَجَّحَتْ إحْدَاهُمَا بِالْيَدِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي النِّكَاحِ، إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهِ إمَّا نِسْيَانًا وَإِمَّا اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ حَالِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي النِّتَاجِ (وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ) أَيْ وَكَذَا الْيَدُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ وَهُمَا الِاسْتِيلَادُ وَالتَّدْبِيرُ، فَاسْتَوَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْإِثْبَاتِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَيْضًا فَتَرَجَّحَتْ إحْدَاهُمَا بِالْيَدِ (وَعَلَى الْوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ: الْإِعْتَاقُ، وَالِاسْتِيلَادُ، وَالتَّدْبِيرُ: يَعْنِي أَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا أَيْضًا فَاسْتَوَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَتَرَجَّحَتْ إحْدَاهُمَا بِالْيَدِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) أَيْ قَضَى الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ (وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ وَأَلْزَمَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِي.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ: وَلَزِمَهُ بَدَلٌ وَأَلْزَمَهُ: أَيْ وَلَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِي (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْضِي بِهِ) أَيْ بِالنُّكُولِ (بَلْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ) الْمُدَّعِي (يَقْضِي بِهِ) أَيْ يَقْضِي لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي أَيْضًا انْقَطَعَتْ الْمُنَازَعَةُ (لِأَنَّ النُّكُولَ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لَا يُقْضَى بِهِ (يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَالتَّرَفُّعَ عَنْ الصَّادِقَةِ) أَيْ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَهَا قَضَاءٌ فَيُقَالُ إنَّ عُثْمَانَ حَلَفَ كَاذِبًا، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ (وَاشْتِبَاهَ الْحَالِ) أَيْ وَيَحْتَمِلُ اشْتِبَاهُ الْحَالِ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَدْرِيَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي إنْكَارِهِ فَيَحْلِفَ أَوْ كَاذِبٌ فِيهِ فَيَمْتَنِعَ (فَلَا يَنْتَصِبُ) أَيْ لَا يَنْتَصِبُ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ) الْمَذْكُورِ (وَيَمِينُ الْمُدَّعِي دَلِيلُ الظُّهُورِ) أَيْ دَلِيلُ ظُهُورِ كَوْنِ الْمُدَّعِي مُحِقًّا (فَيُصَارُ إلَيْهِ) أَيْ فَيَرْجِعُ إلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي (وَلَنَا أَنَّ النُّكُولَ) أَيْ نُكُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا) أَيْ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَاذِلًا إنْ كَانَ النُّكُولُ بَذْلًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (أَوْ مُقِرًّا) أَيْ عَلَى كَوْنِهِ مُقِرًّا إنْ كَانَ النُّكُولُ إقْرَارًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا (وَلَوْلَا ذَلِكَ) أَيْ وَلَوْلَا كَوْنُهُ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا (لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ) وَهُوَ الْيَمِينُ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْوُجُوبِ (وَدَفْعًا
[ ٨ / ١٧٦ ]
لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ
لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ دَفْعًا لِضَرَرِ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ (فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ) وَاعْلَمْ أَنَّ حَلَّ الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ مِنْ دَلِيلِنَا وَرَبْطَهُ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ مَدَاحِضِ هَذَا الْكِتَابِ، وَلِهَذَا لَمْ يَخْلُ كَلَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا عَنْ اخْتِلَالٍ وَاضْطِرَابٍ، فَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ: أَيْ جَانِبُ كَوْنِهِ بَاذِلًا إنْ تَرَفَّعَ أَوْ مُقِرًّا إنْ تَوَرَّعَ؛ لِأَنَّ التَّرَفُّعَ وَالتَّوَرُّعَ إنَّمَا يَحِلُّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ تَوْزِيعَ كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا إلَى التَّوَرُّعِ وَالتَّرَفُّعِ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ النُّكُولَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَذْلٌ لَا غَيْرُ، وَعِنْدَهُمَا إقْرَارٌ لَا غَيْرُ، فَعَلَى التَّوْزِيعِ الْمَزْبُورِ لَا يَثْبُتُ الرُّجْحَانُ فِي هَذَا الْجَانِبِ عَلَى التَّرَفُّعِ وَالتَّوَرُّعِ مَعًا فِي وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ، بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ رُجْحَانُ كَوْنِهِ بَاذِلًا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى التَّرَفُّعِ فَقَطْ، وَرُجْحَانُ كَوْنِهِ مُقِرًّا فِي مَذْهَبِهِمَا عَلَى التَّوَرُّعِ فَقَطْ، وَبِهِ لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّرَفُّعَ وَحْدَهُ أَوْ التَّوَرُّعَ وَحْدَهُ يَحْتَمِلُ وَاحِدًا مِنْ الْمُحْتَمَلَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ، وَبِمُجَرَّدِ رُجْحَانِ هَذَا الْجَانِبِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمُحْتَمَلَاتِ لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مُرَادًا لِلنَّاكِلِ حَتَّى يَتِمَّ الْمَطْلُوبُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي تَقْرِيرِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ خَلْطَ الْمَذْهَبَيْنِ كَمَا تَرَى. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ سِيَّمَا عَنْ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، إنَّمَا يَحِلُّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّوَرُّعَ عَنْهَا وَاجِبٌ فِي كُلِّ حَالٍ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِفْضَاءِ إلَى الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا غَيْرُ وَارِدٍ، فَإِنَّ الْإِفْضَاءَ إلَيْهِ فِي صُورَةِ التَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ ظَاهِرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُنْكِرِ كَاذِبًا فِي يَمِينِهِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْمُدَّعِي حَقٌّ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ، فَحِينَئِذٍ لَوْ تَوَرَّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ بِدُونِ الْبَذْلِ أَوْ الْإِقْرَارِ أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ بِالْمُدَّعِي قَطْعًا لِتَضْيِيعِ حَقِّهِ وَهُوَ مَا ادَّعَاهُ، وَكَذَا الْإِفْضَاءُ إلَيْهِ فِي صُورَةِ التَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّ يَمِينَ
[ ٨ / ١٧٧ ]
وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ الْيَمِينِ
الْمُنْكِرِ حَقُّ الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ ﵊ «لَك يَمِينُهُ» كَمَا مَرَّ، فَلَوْ تَرَفَّعَ عَنْ الْيَمِينِ وَلَوْ عَنْ الصَّادِقَةِ بِدُونِ رِضَا الْمُدَّعِي بِالْبَذْلِ وَنَحْوِهِ أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ بِالْمُدَّعِي بِمَنْعِ حَقِّهِ وَهُوَ يَمِينُ خَصْمِهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ: فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ: أَيْ جَانِبُ كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا عَلَى جَانِبِ التَّوَرُّعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْزَمَهُ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ دُونَ التَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ فَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ فِي نُكُولِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ إنَّمَا أَفَادَ رُجْحَانَ هَذَا الْجَانِبِ: أَيْ جَانِبِ كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا عَلَى التَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ التَّرَفُّعُ عَنْهَا مِمَّا أَلْزَمَهُ الشَّرْعُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَزِمَهُ النَّاكِلُ، وَلَمْ يُفِدْ رُجْحَانُهُ عَلَى التَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمَا عَلَى جَانِبِ التَّوَرُّعِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِجَانِبِ التَّوَرُّعِ الْجَانِبُ الْمُقَابِلُ لِجَانِبِ الْبَذْلِ وَالْإِقْرَارِ لَا التَّوَرُّعُ نَفْسُهُ فَيَكُونُ التَّرَفُّعُ أَيْضًا دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، يَبْقَى أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ إنَّمَا أَفَادَ رُجْحَانَ جَانِبِ كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا عَلَى التَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ فَقَطْ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَاحِدًا مِنْ الْمُحْتَمَلَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي دَلِيلِ الْخَصْمِ، وَبِمُجَرَّدِ الرُّجْحَانِ عَلَيْهِ لَا يَتِمُّ مَطْلُوبُنَا كَمَا مَرَّ آنِفًا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرُ مُنْفَهِمٍ مِنْهُ، فَكَيْفَ يَتِمُّ بِنَاءُ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ عَلَيْهِ، وَالْفَاءُ فِي فَتَرَجَّحَ تَقْتَضِي التَّفْرِيعَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ: أَيْ تَرَجَّحَ جَانِبُ كَوْنِ النَّاكِلِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُحْتَمَلِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُتَوَرِّعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّ النُّكُولَ امْتِنَاعٌ عَنْ الْيَمِينِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَلَوْلَا أَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ لَكَانَ النُّكُولُ امْتِنَاعًا عَنْ الْوَاجِبِ وَظُلْمًا عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْعَاقِلُ الدَّيِّنُ لَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ وَلَا يُقْدِمُ عَلَى الظُّلْمِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّكُولَ إنْ كَانَ امْتِنَاعًا عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ يَكُونُ إقْرَارًا، وَإِنْ كَانَ امْتِنَاعًا عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ يَكُونُ بَذْلًا انْتَهَى. أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَظُلْمًا عَلَى الْمُدَّعِي لَيْسَ بِتَامٍّ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النُّكُولَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَذْلًا أَوْ إقْرَارًا لَكَانَ ظُلْمًا عَلَى الْمُدَّعِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلتَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَتَحَقَّقُ الظُّلْمُ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّ صِدْقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي إنْكَارِهِ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ وَالْكَاذِبُ لَيْسَ بِمَظْلُومٍ بَلْ هُوَ ظَالِمٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّ النُّكُولُ ظُلْمًا عَلَى الْمُدَّعِي فِي صُورَةِ صِدْقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقُّ الْمُدَّعِي بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَنَّ فِي النُّكُولِ عَنْهَا مَنْعَ هَذَا الْحَقِّ فَصَارَ النَّاكِلُ ظَالِمًا عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ فِي التَّوْزِيعِ الْحَاصِلِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّكُولَ إنْ كَانَ امْتِنَاعًا عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ يَكُونُ إقْرَارًا، وَإِنْ كَانَ امْتِنَاعًا عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ يَكُونُ بَذْلًا خَلَلًا حَيْثُ لَا يَكُونُ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى خَلْطِهِمَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي بَحْثِنَا الْأَوَّلِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ، فَالصَّوَابُ عِنْدِي فِي حَلِّ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ: أَيْ جَانِبُ كَوْنِ النَّاكِلِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا عَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى مُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَاقِلَ الدَّيِّنَ لَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يَتْرُكُ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ. أَمَّا بِالتَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ فَظَاهِرٌ، إذْ هُوَ لَيْسَ بِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ أَصْلًا حَتَّى يَتْرُكَ بِهِ الْوَاجِبَ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ النَّفْسِ، وَأَمَّا بِالتَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَلِأَنَّ الْمُتَوَرِّعَ لَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بَلْ يُعْطِي حَقَّ خَصْمِهِ فَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ عَنْ عُهْدَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّاكِلُ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى الْيَمِينِ انْتَفَى احْتِمَالُ كَوْنِهِ مُتَوَرِّعًا. وَأَمَّا بِاشْتِبَاهِ الْحَالِ فَلِأَنَّ مَنْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ الْحَالُ لَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَيْضًا بَلْ يَتَحَرَّى فَيُقْدِمُ عَلَى إقَامَةِ الْوَاجِبِ أَوْ يُعْطِي حَقَّ خَصْمِهِ فَيَسْقُطُ عَنْ عُهْدَتِهِ الْوَاجِبُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّاكِلُ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى الْيَمِينِ انْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَالُ أَيْضًا.
وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ يَنْدَفِعُ بِهَا الْوُجُوهُ الْمُحْتَمَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ بِأَسْرِهَا فَيَتَرَجَّحُ كَوْنُ النَّاكِلِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا بِالضَّرَرِ (وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ الْيَمِينِ
[ ٨ / ١٧٨ ]
عَلَى الْمُدَّعِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك الْيَمِينَ ثَلَاثًا، فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ) وَهَذَا الْإِنْذَارُ لِإِعْلَامِهِ بِالْحُكْمِ إذْ هُوَ مَوْضِعُ الْخَفَاءِ
. قَالَ (فَإِذَا كَرَّرَ الْعَرْضَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) وَهَذَا التَّكْرَارُ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ ﵀ لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إبْلَاءِ الْعُذْرِ، فَأَمَّا الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَوْ قُضِيَ بِالنُّكُولِ بَعْدَ الْعَرْضِ مَرَّةً جَازَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى
عَلَى الْمُدَّعِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ) أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْلِهِ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» إلَخْ، وَنَحْنُ أَيْضًا قَدَّمْنَا وَاسْتَوْفَيْنَا هُنَاكَ دَلِيلَ الشَّافِعِيِّ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَجْوِبَتَنَا عَنْهُ نَقْلًا عَنْ الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَتَذَكَّرْ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك الْيَمِينَ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (فَإِنْ حَلَفْت) أَيْ إنْ حَلَفْت خَلَصْتَ أَوْ تَرَكْتُك (وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ) أَيْ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا الْإِنْذَارُ) أَيْ قَوْلُ الْقَاضِي وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ (لِإِعْلَامِهِ بِالْحُكْمِ) أَيْ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ (إذْ هُوَ مَوْضِعُ الْخَفَاءِ) لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، فَإِنَّ لِلشَّافِعِيِّ خِلَافًا فِيهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ بِالنُّكُولِ فَوَجَبَ أَنْ يُعَرِّفَهُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَنْكُلَ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (فَإِذَا كَرَّرَ الْعَرْضَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا التَّكْرَارُ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إبْلَاءِ الْأَعْذَارِ) أَيْ فِي إظْهَارِهَا: يَعْنِي أَنَّ هَذَا التَّكْرَارَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، وَنَظِيرُهُ إمْهَالُ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ؛ وَأَوْضَحَ هَذَا بِقَوْلِهِ (فَأَمَّا الْمَذْهَبُ فَإِنَّهُ لَوْ قُضِيَ بِالنُّكُولِ بَعْدَ الْعَرْضِ مَرَّةً جَازَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ) مِنْ أَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ وَلَيْسَ التَّكْرَارُ بِشَرْطٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهُ لَوْ قَضَى بِالنُّكُولِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يَنْفُذُ، كَذَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْكَافِي وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثِ فِي عَرْضِ الْيَمِينِ لَازِمٌ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ، حَتَّى لَوْ قَضَى بِالنُّكُولِ مَرَّةً نَفَذَ قَضَاؤُهُ فِي الصَّحِيحِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْخَصَّافِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّكْرَارُ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ بَعْدَمَا صَرَّحَ بِأَنَّ الْخَصَّافَ ذَكَرَ التَّكْرَارَ لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إبْلَاءِ الْأَعْذَارِ كَيْفَ يَزْعُمُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ التَّكْرَارَ فَيُحْتَرَزُ عَنْ قَوْلِهِ (وَالْأَوَّلُ أَوْلَى) أَيْ الْعَرْضُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْلَى: يَعْنِي أَنَّ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ بَعْدَ الْعَرْضِ مَرَّةً جَائِزٌ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى هُوَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ بَعْدَ الْعَرْضِ ثَلَاثَ
[ ٨ / ١٧٩ ]
ثُمَّ النُّكُولُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا كَقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا بِأَنْ يَسْكُتَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا آفَةَ بِهِ مِنْ طَرَشٍ أَوْ خَرَسٍ هُوَ الصَّحِيحُ
مَرَّاتٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: رَجُلٌ قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي فَادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا أَوْ ضَيْعَةً فِي يَدِهِ أَوْ حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ فَأَنْكَرَ فَاسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك الْيَمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا أَلْزَمْتُك الْمُدَّعَى، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي: احْلِفْ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْك هَذَا الْمَالُ الَّذِي يَدَّعِي وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى يَقُولُ لَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ يَقُولُ لَهُ بَقِيَتْ الثَّالِثَةُ ثُمَّ أَقْضِي عَلَيْك إنْ لَمْ تَحْلِفْ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ ثَالِثًا احْلِفْ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْك هَذَا الْمَالُ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِالنُّكُولِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى نَفَذَ قَضَاؤُهُ انْتَهَى.
قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النُّكُولُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ عَلَى فَوْرِ النُّكُولِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ النُّكُولُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ يَمِينٌ قَاطِعٌ لِلْخُصُومَةِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْيَمِينِ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي حَقِّ الْخُصُومَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ عَلَى فَوْرِ النُّكُولِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ. ثُمَّ إذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِيَمِينِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ، فَإِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً أَقَامَهَا عَلَيْهِ وَقَضَى لَهُ بِهَا، وَبَعْضُ الْقُضَاةِ مِنْ السَّلَفِ كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحَلِفِ وَيَقُولُونَ تَرَجَّحَ جَانِبُ صِدْقِهِ بِالْيَمِينِ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا تَرَجَّحَ جَانِبُ صِدْقِ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ يَمِينُ الْمُنْكِرِ مَعَهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مَهْجُورٌ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلًا لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُدَّعِي بَعْدَ يَمِينِ الْمُنْكِرِ.
وَكَانَ شُرَيْحٌ ﵀ يَقُولُ: الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ أَحَقُّ أَنْ تُرَدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَهَلْ يَظْهَرُ كَذِبُ الْمُنْكِرِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؟ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ حَتَّى لَا يُعَاقَبَ عُقُوبَةَ شَاهِدِ الزُّورِ وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ: إنْ كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ فَحَلَفَ ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَظْهَرُ، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ (ثُمَّ النُّكُولُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا كَقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا بِأَنْ يَسْكُتَ، وَحُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْحُكْمِيُّ (حُكْمُ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْحَقِيقِيُّ (إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا آفَةَ بِهِ) أَيْ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْ طَرَشٍ) الطَّرَشُ بِفَتْحَتَيْنِ أَهْوَنُ الصَّمَمِ يُقَالُ هُوَ مُوَلَّدٌ (أَوْ خَرَسٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا: آفَةٌ بِاللِّسَانِ تَمْنَعُ الْكَلَامَ أَصْلًا (هُوَ الصَّحِيحُ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيمَا إذَا سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ لَا أَحْلِفُ.
فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا سَكَتَ سَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُ هَلْ بِهِ خَرَسٌ أَوْ طَرَشٌ، فَإِنْ قَالُوا لَا جَعَلَهُ نَاكِلًا وَقَضَى عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجْلِسُ حَتَّى يُجِيبَ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ كَذَا فِي
[ ٨ / ١٨٠ ]
قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى نِكَاحًا لَمْ يُسْتَحْلَفْ الْمُنْكِرُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْحُدُودِ وَاللِّعَانِ. وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ
غَايَةِ الْبَيَانِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْأَقْطَعِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى نِكَاحًا لَمْ يُسْتَحْلَفْ الْمُنْكِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ) يُرِيدُ بِهِ التَّعْمِيمَ بَعْدَ تَخْصِيصِ النِّكَاحِ بِالذِّكْرِ (فِي النِّكَاحِ) أَيْ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ (وَالرَّجْعَةِ) أَيْ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ فِي دَعْوَى الرَّجْعَةِ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَى بَعْدَ الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَأَنْكَرَتْ أَوْ بِالْعَكْسِ (وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ) أَيْ فِي دَعْوَى الْفَيْءِ بِالْإِيلَاءِ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَى بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ كَانَ فَاءَ إلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ وَأَنْكَرَتْ أَوْ بِالْعَكْسِ (وَالرِّقِّ) أَيْ وَفِي دَعْوَى الرِّقِّ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولِ النَّسَبِ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَأَنْكَرَ الْمَجْهُولُ أَوْ بِالْعَكْسِ (وَالِاسْتِيلَادِ) أَيْ وَفِي دَعْوَى الِاسْتِيلَادِ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَتْ أَمَةٌ عَلَى مَوْلَاهَا أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْعَكْسُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (وَالنَّسَبِ) أَيْ وَفِي دَعْوَى النَّسَبِ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولٍ أَنَّهُ وَلَدُهُ أَوْ وَالِدُهُ وَأَنْكَرَ الْمَجْهُولُ أَوْ بِالْعَكْسِ.
(وَالْوَلَاءِ) أَيْ وَفِي دَعْوَى الْوَلَاءِ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولِ النَّسَبِ أَنَّهُ مُعْتِقُهُ وَمَوْلَاهُ وَأَنْكَرَ الْمَجْهُولُ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ، إذْ الْوَلَاءُ يَشْمَلُ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءَ الْمُوَالَاةِ (وَالْحُدُودِ) أَيْ وَفِي دَعْوَى الْحُدُودِ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَا يُوجِبُ حَدًّا مِنْ الْحُدُودِ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ (وَاللِّعَانِ) أَيْ وَفِي دَعْوَى اللِّعَانِ أَيْضًا بِأَنْ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِمَا يُوجِبُ اللِّعَانَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ هَاهُنَا، إلَّا اللِّعَانَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ وَلَكِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ) فَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَشْيَاءِ السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ.
وَفِي الْكَافِي قَالَ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَقِيلَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ رَآهُ مُتَعَنِّتًا يُحَلِّفُهُ وَيَأْخُذُهُ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا لَا يُحَلِّفُهُ أَخْذًا بِقَوْلِهِ انْتَهَى. وَفِي النِّهَايَةِ: هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ مَالًا، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ دَعْوَى مَالٍ بِأَنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَأَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ فِي قَوْلِهِمْ، فَإِنْ نَكَلَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ بِنِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى مَا يَجِيءُ بَعْدَ هَذَا فِي الْكِتَابِ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْوَاحِدِ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ تَعْلَمُ بِالنِّكَاحِ وَلَا تَجِدُ بَيِّنَةً تُقِيمُهَا لِإِثْبَاتِ النِّكَاحِ وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ مَاذَا يَصْنَعُ الْقَاضِي حَتَّى لَا تَبْقَى هَذِهِ الْمَرْأَةُ مُعَلَّقَةً أَبَدَ الدَّهْرِ؟ قَالَ يَسْتَحْلِفُهُ الْقَاضِي إنْ كَانَتْ هَذِهِ امْرَأَةً لَك فَهِيَ طَالِقٌ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ إنْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ فَتَتَخَلَّصُ مِنْهُ وَتَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ.
وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي فِي بَابِ الْيَمِينِ أَنَّ الْفَقِيهَ أَبَا اللَّيْثِ أَخَذَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهَكَذَا
[ ٨ / ١٨١ ]
وَصُورَةُ الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَقُولَ الْجَارِيَةُ أَنَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَوْلَايَ وَهَذَا ابْنِي مِنْهُ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى، لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْمَوْلَى ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهَا. لَهُمَا أَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ فَكَانَ إقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ، وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَكِنَّهُ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ
فِي الْوَاقِعَاتِ أَيْضًا. وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِحْلَافِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْحَاصِلِ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ بِاَللَّهِ مَا هَذِهِ امْرَأَتُك بِهَذَا النِّكَاحِ الَّذِي ادَّعَتْهُ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي تَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا زَوْجُك عَلَى مَا ادَّعَى. وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ رَآهُ مُتَعَنِّتًا يُحَلِّفُهُ وَيَأْخُذُ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ رَآهُ مَظْلُومًا لَا يُحَلِّفُهُ أَخْذًا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ كَمَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ عَلِمَ بِالْمُدَّعِي التَّعَنُّتَ فِي إبَاءِ التَّوْكِيلِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْبَلُ التَّوْكِيلَ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ، وَإِنْ عَلِمَ بِالْمُوَكِّلِ الْقَصْدَ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُدَّعِي فِي التَّوْكِيلِ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ حَتَّى يَكُونَ دَافِعًا لِلضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَالْمَحْبُوبِيِّ.
وَفِي الْحُدُودِ: لَا يُسْتَحْلَفُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ حَقًّا بِأَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِالزِّنَا وَقَالَ إنْ زَنَيْت فَأَنْتَ حُرٌّ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ يُسْتَحْلَفُ الْمَوْلَى، حَتَّى إذَا نَكَلَ ثَبَتَ الْعِتْقُ دُونَ الزِّنَا، كَذَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي، إلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ (وَصُورَةُ الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَقُولَ الْجَارِيَةُ أَنَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَوْلَايَ وَهَذَا ابْنِي مِنْهُ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْمَوْلَى يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهَا) وَإِنَّمَا خَصَّ صُورَةَ الِاسْتِيلَادِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا مَسَاغَ لِلدَّعْوَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ أَخَوَاتِهِ الْخِلَافِيَّةِ فَإِنَّ لِلدَّعْوَى فِيهَا مَسَاغًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا صَوَّرْنَاهُ فِيمَا مَرَّ (لَهُمَا) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (أَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ) أَيْ فِي إنْكَارِهِ السَّابِقِ (عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَفِيهَا تَحْصِيلُ الثَّوَابِ بِإِجْرَاءِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَدَفْعُ تُهْمَةِ الْكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِبْقَاءُ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْلَا هُوَ كَاذِبٌ فِي يَمِينِهِ لَمَا تَرَكَ هَذِهِ الْفَوَائِدَ الثَّلَاثَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا (فَكَانَ) أَيْ النُّكُولُ (إقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ) بِفَتْحِ الدَّالِ: أَيْ خَلَفًا عَنْ الْإِقْرَارِ: يَعْنِي أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِقْرَارِ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ رَكَاكَةُ تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا، عَيَّنَ أَوَّلًا كَوْنَ النُّكُولِ إقْرَارًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى دَلِيلِهِ كَوْنَهُ إقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ بِالتَّرْدِيدِ، وَلَا يَدْفَعُهَا مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ مِنْ أَنَّهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّرْدِيدُ لِدَفْعِ بَعْضِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهِمَا فِي الْقَوْلِ بِالْإِقْرَارِ انْتَهَى. إذْ كَانَ يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ بِذِكْرِ التَّرْدِيدِ أَوَّلًا أَيْضًا أَوْ بِالِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ كَوْنِهِ بَدَلًا عَنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعًا، بَلْ كَانَ هَذَا: أَيْ الِاكْتِفَاءُ بِهِ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ (وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ) هَذَا كُبْرَى دَلِيلِهِمَا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ، تَقْرِيرُهُ أَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَنْتُجُ أَنَّ النُّكُولَ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِذَا جَرَى النُّكُولُ فِيهَا جَرَى الِاسْتِحْلَافُ فِيهَا أَيْضًا لِحُصُولِ فَائِدَةِ الِاسْتِحْلَافِ وَهِيَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ كَمَا فِي سَائِرِ مَوَاضِعِ الِاسْتِحْلَافِ (لَكِنَّهُ) أَيْ لَكِنَّ النُّكُولَ (إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ) لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ سُكُوتٌ (وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ) فَلَا يَجْرِي النُّكُولُ فِيهَا (وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ) لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، حَتَّى أَنَّ كُلَّ قَذْفٍ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إذَا قَذَفَ الْأَجْنَبِيَّاتِ فَكَذَلِكَ يُوجِبُ اللِّعَانَ عَلَى الزَّوْجِ، وَقَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَمَا تَقَرَّرَ
[ ٨ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي بَابِ اللِّعَانِ فَلَا يَجْرِي النُّكُولُ فِيهِ أَيْضًا. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَعَلَيْهِ نُقَوِّضُ إجْمَالِيَّةً: الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ: رَجُلٌ اشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَهُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَرُدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ خَاصَمَهُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي فَأَنْكَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَيُسْتَحْلَفُ، وَلَوْ كَانَ النُّكُولُ إقْرَارًا لَزِمَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ بِنُكُولِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى كَمَا لَوْ أَقَرَّ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ. وَالثَّانِي الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ وَاسْتُحْلِفَ فَنَكَلَ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ، وَلَوْ كَانَ إقْرَارًا لَزِمَ الْوَكِيلَ.
الثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ تَكَفَّلْت لَك بِمَا يُقِرُّ لَك بِهِ فُلَانٌ فَادَّعَى الْمَكْفُولُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مَالًا فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْكَفِيلِ، وَلَوْ كَانَ النُّكُولُ إقْرَارًا لَقَضَى بِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ النُّكُولَ إمَّا إقْرَارٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. فَوَجْهُ الْإِقْرَارِ مَا تَقَدَّمَ، وَوَجْهُ كَوْنِهِ بَدَلًا أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَسْتَحِقُّ بِدَعْوَاهُ جَوَابًا يَفْصِلُ الْخُصُومَةَ وَذَكَرَ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، فَإِنْ أَقَرَّ فَقَدْ انْقَطَعَتْ، وَإِنْ أَنْكَرَ لَمْ تَنْقَطِعْ إلَّا بِيَمِينٍ، فَإِذَا نَكَلَ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِقَطْعِ الْخُصُومَةِ. فَالنُّقُوضُ الْمَذْكُورَةُ إنْ وَرَدَتْ عَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِهِ إقْرَارًا لَا تُرَدُّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِنْهُ، وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى فِي عِلْمِ النَّظَرِ تَغْيِيرَ الْمُدَّعِي، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَابِ مَنْظُورٌ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ فَوَجْهُ الْإِقْرَارِ مَا تَقَدَّمَ، وَوَجْهُ كَوْنِهِ بَدَلًا كَيْتَ وَكَيْتَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا يَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ وَجْهَ الْإِقْرَارِ لَا لَأَنْ يَكُونَ وَجْهَ كَوْنِهِ بَدَلًا مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ صَالِحٌ لَهُمَا، وَلِهَذَا فَرَّعَهُمَا الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: فَكَانَ إقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ. الثَّانِي أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ بَدَلًا مِنْهُ غَيْرُ تَامٍّ، إذْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَنْعُ قَوْلِهِ فَإِذَا نَكَلَ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِقَطْعِ الْخُصُومَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَذْلًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا بَدَلًا عَنْ الْإِقْرَارِ، وَقَطْعُهُ الْخُصُومَةَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ بَدَلًا عَنْهُ لِتَحَقُّقِ الْقَطْعِ الْمَزْبُورِ بِكَوْنِهِ بَذْلًا أَيْضًا، وَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْإِقْرَارِ بَدَلًا عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ أَيْضًا لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. الثَّالِثُ أَنَّ الْإِقْرَارَ إذَا كَانَ مُخَالِفًا فِي الْأَحْكَامِ لِمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهُ كَمَا هُوَ فِي صُورَةِ النُّقُوضِ الْمَذْكُورَةِ فَمِنْ أَيْنَ يُعْرَفُ جَرَيَانُ بَدَلِ الْإِقْرَارِ أَيْضًا فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى يَتِمَّ دَلِيلُهُمَا الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ.
الرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَهُ وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى فِي عِلْمِ النَّظَرِ تَغْيِيرَ الْمُدَّعِي إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ فِي دَلِيلِهِمَا الْمَسْفُورِ كَوْنَ النُّكُولِ إقْرَارًا فَقَطْ. وَلَمَّا كَانَ الْمَذْكُورُ فِيهِ كَوْنُهُ إقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ بِالتَّرْدِيدِ كَمَا تَرَى لَمْ يَحْتَجَّ فِي دَفْعِ النُّقُوضِ الْمَزْبُورَةِ بِمَا ذُكِرَ إلَى تَغْيِيرِ شَيْءٍ أَصْلًا فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُهُ الْمَذْكُورُ. ثُمَّ إنَّ لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ كَلَامَيْنِ فِي تَحْرِيرِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا: أَحَدُهُمَا فِي جَانِبِ السُّؤَالِ وَالْآخَرُ فِي جَانِبِ الْجَوَابِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي قَوْلِهِ وَعَلَيْهِ نُقُوضٌ إجْمَالِيَّةٌ حَيْثُ قَالَ: بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْئِلَةَ الثَّلَاثَةَ مُعَارَضَاتٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ وَدِرَايَةٍ انْتَهَى. وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي قَوْلِهِ وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى فِي عِلْمِ النَّظَرِ تَغْيِيرَ الْمُدَّعِي حَيْثُ قَالَ: بَلْ هُوَ تَغْيِيرُ الدَّلِيلِ وَالْمُدَّعِي جَوَازَ الِاسْتِحْلَافِ انْتَهَى. أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَاقِطٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ كَوْنَ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ مُعَارَضَاتٌ مِمَّا لَا يَكَادُ يَحْسُنُ لِأَنَّ حَاصِلَ كُلِّ وَاحِدٍ
[ ٨ / ١٨٣ ]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ بَذْلٌ لِأَنَّ مَعَهُ لَا تَبْقَى الْيَمِينُ وَاجِبَةً لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَإِنْزَالُهُ بَاذِلًا أَوْلَى كَيْ لَا يَصِيرَ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ
مِنْهَا بَيَانُ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ وَهُوَ كَوْنُ النُّكُولِ إقْرَارًا فِي صُورَةٍ جُزْئِيَّةٍ عَنْ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامَيْنِ، وَهُوَ صَرِيحُ نَقْضٍ إجْمَالِيٍّ، وَلَا لُطْفَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمُعَارَضَةِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ هَاهُنَا وَهُوَ كَوْنُ النُّكُولِ إقْرَارًا كُلِّيًّا، وَمَا ذُكِرَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا صُورَةٌ جُزْئِيَّةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الْمُدَّعِي بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا غَرَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ قَوْلُ السَّائِلِ فِي ذَيْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ، وَلَوْ كَانَ النُّكُولُ إقْرَارًا لَكَانَ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ خِلَافَ مَا ذُكِرَ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمُرَادَ مُجَرَّدُ بَيَانِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ الدَّلِيلِ لَا إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِ الْمُدَّعِي كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِالْمُدَّعِي هَاهُنَا قَوْلُهُمَا إنَّ النُّكُولَ إقْرَارُ الْمُسْتَدِلِّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِذَا صَيَّرَ فِي الْجَوَابِ عَنْ النُّقُوضِ الْمَذْكُورَةِ إلَى كَوْنِ النُّكُولِ بَدَلًا عَنْ الْإِقْرَارِ لَا نَفْسَ الْإِقْرَارِ فَقَدْ غَيَّرَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي قَطْعًا، وَكَوْنُ قَوْلِهِمَا إنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ مُقَدِّمَةَ الدَّلِيلِ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ جَوَازُ الِاسْتِحْلَافِ عِنْدَهُمَا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مُدَّعِي بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الْمُسْتَقِلِّ. وَالْعَجَبُ مِنْ ذَلِكَ الْقَائِلِ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَسْئِلَةَ الْمَذْكُورَةَ مُعَارَضَاتٍ وَالْمُعَارَضَةُ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِ مُدَّعِي الْخَصْمِ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي هَاهُنَا قَوْلُهُمَا إنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ، إذَا لَا مِسَاسَ لِتِلْكَ الْأَسْئِلَةِ بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ) أَيْ النُّكُولَ (بَذْلٌ) وَتَفْسِيرُ الْبَذْلِ عِنْدَهُ تَرْكُ الْمُنَازَعَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا لَا الْهِبَةُ وَالتَّمْلِيكُ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الرَّجُلَ إذَا ادَّعَى نِصْفَ الدَّارِ شَائِعًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَقْضِي فِيهِ بِالنُّكُولِ، وَهِبَةُ نِصْفِ الدَّارِ شَائِعًا لَا تَصِحُّ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (لِأَنَّ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْبَذْلِ (لَا تَبْقَى الْيَمِينُ وَاجِبَةً لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ) أَيْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْيَمِينِ وَهُوَ قَطْعُ الْخُصُومَةِ بِالْبَذْلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا عَلَى تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْيَمِينِ، هَذَا هُوَ الْعِلَّةُ الْمُجَوِّزَةُ لِكَوْنِ النُّكُولِ بَذْلًا، وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُرَجِّحَةُ لِكَوْنِهِ بَذْلًا عَلَى كَوْنِهِ إقْرَارًا فَهِيَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْزَالُهُ بَاذِلًا أَوْلَى) أَيْ مِنْ إنْزَالِهِ مُقِرًّا (كَيْ لَا يَصِيرُ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ) أَيْ فِي إنْكَارِهِ السَّابِقِ: يَعْنِي لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِقْرَارِ لَكَذَّبْنَاهُ فِي إنْكَارِهِ السَّابِقِ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ بَذْلًا لَقَطَعْنَا الْخُصُومَةَ بِلَا تَكْذِيبٍ، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى صِيَانَةً لِلْمُسْلِمِ عَنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ الْكَذِبُ.
قِيلَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ النُّكُولُ بَذْلًا لَمَا ضَمِنَ شَيْئًا آخَرَ إذَا اسْتَحَقَّ مَا أَدَّى بِقَضَاءٍ، كَمَا لَوْ صَالَحَ عَنْ إنْكَارٍ وَاسْتَحَقَّ بَدَلَ الصُّلْحِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَلَكِنَّ الْمُدَّعِيَ يَرْجِعُ إلَى الدَّعْوَى. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ بَذْلَ الصُّلْحِ وَجَبَ بِالْعَقْدِ، فَإِذَا اُسْتُحِقَّ بَطَلَ الْعَقْدُ فَعَادَ الْحُكْمُ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الدَّعْوَى، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمُدَّعِي يَقُولُ أَنَا آخُذُ هَذَا بِإِزَاءِ مَا وَجَبَ لِي فِي ذِمَّتِهِ بِالْقَضَاءِ، فَإِذَا اُسْتُحِقَّ رَجَعْت بِمَا فِي الذِّمَّةِ. وَقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ الْحُكْمَ وَاجِبٌ عَلَى الْحَاكِمِ بِالنُّكُولِ، وَالْبَذْلُ لَا يَجِبُ بِهِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ النُّكُولُ بَذْلًا. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجِبُ بِالْبَذْلِ الصَّرِيحِ. وَأَمَّا مَا كَانَ بَذْلًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَالنُّكُولِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لَهُ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ. وَقِيلَ عَلَيْهِ يَقْضِي بِالْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ بِالنُّكُولِ، وَلَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا قَضَى بِهِ لِأَنَّ الْبَذْلَ لَا يَعْمَلُ فِيهَا.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَذْلَ فِيهَا غَيْرُ عَامِلٍ بَلْ هُوَ عَامِلٌ إذَا كَانَ مُفِيدًا نَحْوُ أَنْ يَقُولَ اقْطَعْ يَدَيَّ وَبِهَا أَكَلَةٌ حَيْثُ لَمْ يَأْثَمْ بِقَطْعِهَا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ النُّكُولُ مُفِيدٌ لِأَنَّهُ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْيَمِينِ وَلَهُ وِلَايَةُ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْيَمِينِ
[ ٨ / ١٨٤ ]
وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَفَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ، إلَّا أَنَّ هَذَا بَذْلٌ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ فَيَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ بِمَنْزِلَةِ الضِّيَافَةِ الْيَسِيرَةِ،
هَذِهِ خُلَاصَةُ مَا فِي الشُّرُوحِ هَاهُنَا مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ (وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ) فَإِنَّهُ لَوْ قَالَتْ مَثَلًا لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَلَكِنِّي بَذَلْت لَك نَفْسِي لَمْ يَصِحَّ بَذْلُهَا؛ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ وَلَكِنْ هَذَا يُؤْذِينِي بِالدَّعْوَى فَبَذَلْت لَهُ نَفْسِي لِيَسْتَرِقَّنِي، أَوْ قَالَ أَنَا ابْنُ فُلَانٍ وَلَكِنَّ هَذَا يُؤْذِينِي بِالدَّعْوَى فَأَبَحْت لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبِي لَمْ يَصِحَّ بَذْلُهُ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا الْمَالُ لَيْسَ لَهُ وَلَكِنِّي أَبَحْته وَبَذَلْته لَهُ لِأَتَخَلَّصَ مِنْ خُصُومَتِهِ صَحَّ بَذْلُهُ (وَفَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ) وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ الْبَذْلُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ الَّذِي هُوَ الْبَذْلُ (فَلَا يُسْتَحْلَفُ) فِيهَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا التَّعْلِيلُ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قُلْنَا: خَصَّ مِنْهُ الْحُدُودَ وَاللِّعَانَ، فَجَازَ تَخْصِيصُ هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْقِيَاسِ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَا يُقَالُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ تَرَكَ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» بِالرَّأْيِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَمْ يَنْفِ وُجُوبَ الْيَمِينِ فِيهَا، لَكِنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا لَمْ تُفِدْ الْيَمِينُ فَائِدَتَهَا وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ لِكَوْنِهِ بَذْلًا لَا يَجْرِي فِيهَا سَقَطَتْ كَسُقُوطِ الْوُجُوبِ عَنْ مَعْذُورٍ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَأَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْكَاكِيُّ بِأَنَّهُ خَصَّ مِنْ الْحَدِيثِ الْحُدُودَ بِالْإِجْمَاعِ، فَجَازَ تَخْصِيصُ هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْقِيَاسِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ: يَعْنِي الْعِنَايَةَ لِأَنَّ الْمُخَصِّصَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى. أَقُولُ: مَدَارُ كَلَامِهِ عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْعَلَّامَةِ الْكَاكِيِّ أَنَّ تَخْصِيصَ الْحُدُودِ مِنْ الْحَدِيثِ هُوَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ الْأَئِمَّةِ، فَالْمَعْنَى كَوْنُ الْحَدِيثِ مِمَّا خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ وَهُوَ الْحُدُودُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ الْمُخَصِّصِ نَصًّا وَمُقَارِنًا، عَلَى أَنَّ قَاعِدَةَ الْأُصُولِ هِيَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُقَارَنَةُ وَعَدَمُهَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فَيَتِمُّ الْمَطْلُوبُ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ مُرَادِهِ بِالْإِجْمَاعِ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ فِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مَخْصُوصًا أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرَهُ وَقَعَ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَيْدِ الْإِجْمَاعِ فَتَأَمَّلْ (إلَّا أَنَّ هَذَا بَذْلٌ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ فَيَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ بِمَنْزِلَةِ الضِّيَافَةِ الْيَسِيرَةِ) هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ
[ ٨ / ١٨٥ ]
وَصِحَّتُهُ فِي الدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ الْمُدَّعِي وَهُوَ مَا يَقْبِضُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ، وَالْبَذْلُ مَعْنَاهُ هَاهُنَا تَرْكُ الْمَنْعِ وَأَمْرُ الْمَالِ هَيِّنٌ
قَالَ (وَيُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ
مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنَّ النُّكُولَ لَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا مَلَكَهُ الْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لِمَا أَنَّ فِي الْبَذْلِ مَعْنَى التَّبَرُّعِ وَهُمَا لَا يَمْلِكَانِهِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التِّجَارَةِ كَمَا فِي الضِّيَافَةِ الْيَسِيرَةِ، وَبَذْلُهُمَا بِالنُّكُولِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ بَذْلِهِمَا مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ إذْ الْخُصُومَةُ تَنْدَفِعُ بِدُونِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ بِأَنْ أَقْدَمَا عَلَى الْيَمِينِ إنْ كَانَا صَادِقَيْنِ فِي إنْكَارِهِمَا، وَبِأَنْ أَقَرَّا إنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الصَّادِقُ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَصِحَّتُهُ) أَيْ حِصَّةِ الْبَذْلِ (فِي الدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ الْمُدَّعِي وَهُوَ مَا يَقْبِضُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ، وَالْبَذْلُ مَعْنَاهُ هَاهُنَا تَرْكُ الْمَنْعِ وَأَمْرُ الْمَالِ هَيِّنٌ) هَذَا أَيْضًا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنَّ النُّكُولَ لَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا جَرَى فِي الدَّيْنِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْأَعْيَانُ لَا الدُّيُونُ، إذْ الدَّيْنُ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ وَالْبَذْلُ وَالْإِعْطَاءُ لَا يَجْرِيَانِ فِي الْأَوْصَافِ. فَأَجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى الْبَذْلِ هَاهُنَا تَرْكُ الْمَنْعِ، فَكَانَ الْمُدَّعِي يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ أَنَّهُ يَأْخُذُ حَقَّ نَفْسِهِ وَلَا مَانِعَ لَهُ، وَتَرْكُ الْمَنْعِ جَائِزٌ فِي الْأَمْوَالِ لِأَنَّ أَمْرَ الْمَالِ هَيِّنٌ حَيْثُ تَجْرِي فِيهِ الْإِبَاحَةُ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ لَا تَجْرِي فِيهَا الْإِبَاحَةُ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، حَتَّى أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي أَتَى بِصَرِيحِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ بَذْلًا لَمَا جَرَى فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْأَعْيَانُ لَا الدُّيُونُ، إذْ الْبَذْلُ وَالْإِعْطَاءُ لَا يَجْرِيَانِ فِي الْأَوْصَافِ وَالدَّيْنُ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ.
قُلْنَا: الْبَذْلُ هَاهُنَا تَرْكُ الْمَنْعِ كَأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ أَنَّهُ يَأْخُذُ حَقَّ نَفْسِهِ وَلَا مَانِعَ لَهُ، وَأَمْرُ الْمَالِ هَيِّنٌ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ بَعْدَ التَّأَمُّلِ الصَّادِقِ أَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ الْمَزْبُورَ وَإِنْ تَلَقَّتْهُ الثِّقَاتُ بِالْقَبُولِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا كَانَ وَصْفًا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ غَيْرَ مُنْتَقِلٍ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، وَأَنَّ تَرْكَ الْمَنْعِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُتَحَقِّقَةِ فِي الْأَعْيَانِ لَا فِي الْأَوْصَافِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَمِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمَنْعِ فَرْعُ جَوَازِ الْأَخْذِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلْأَخْذِ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ تَرْكُ الْمَنْعِ، فَلَمْ يَكُنْ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ أَنَّهُ حَقُّ نَفْسِهِ الدَّيْنَ بَلْ كَانَ الْعَيْنَ، وَكَذَا لَمْ يَكُنْ الَّذِي تَرَكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْعَهُ أَخْذَ الدَّيْنِ بَلْ كَانَ أَخْذَ الْعَيْنِ وَالسُّؤَالُ بِالدَّيْنِ لَا بِالْعَيْنِ، فَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ لَا يَدْفَعُهُ.
وَالْحَقُّ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى الْبَذْلِ فِي الدَّيْنِ إحْدَاثُ مِثْلِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعِي بِإِعْطَاءِ عَيْنٍ يُمَاثِلُ مِعْيَارُهُ مِعْيَارَ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى وَحُصُولُ الْمُقَاصَّةِ بِهِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، كَمَا أَنَّ مَعْنَى قَضَاءِ الدَّيْنِ هَذَا وَلِهَذَا قَالُوا: الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا عَلَى مَا حُقِّقَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي مَثَلًا لِي عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ كَانَ مَعْنَاهُ حَصَلَ لِي فِي ذِمَّتِهِ وَصْفٌ مِعْيَارُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ نُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ إعْطَاءُ عَيْنٍ يُمَاثِلُ مِعْيَارُهُ مِعْيَارَ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَالْمَبْذُولُ حَقِيقَةً هُوَ الْعَيْنُ الَّذِي يُعْطَى لَا الدَّيْنُ نَفْسُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَيُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ) يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَخْذَ الْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ
[ ٨ / ١٨٦ ]
فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ الْمَنُوطَ بِفِعْلِهِ شَيْئَانِ: الضَّمَانُ وَيَعْمَلُ فِيهِ النُّكُولُ. وَالْقَطْعُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ
. قَالَ (وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اُسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ نِصْفَ الْمَهْرِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَجْرِي فِي الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْمَالُ،
يُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْك هَذَا الْمَالُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالنُّكُولِ الَّذِي هُوَ بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ لَا تُقَامُ بِحُجَّةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ فَكَذَلِكَ لَا تُقَامُ بِالنُّكُولِ، فَلِهَذَا لَا يَجْرِي الْيَمِينُ فِي الْحُدُودِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: الْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي مَاذَا تُرِيدُ؟ فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ الْقَطْعَ، فَالْقَاضِي يَقُولُ لَهُ: إنَّ الْحُدُودَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا فَلَيْسَتْ لَك يَمِينٌ، وَإِنْ قَالَ أُرِيدُ الْمَالَ، فَالْقَاضِي يَقُولُ لَهُ: دَعْ دَعْوَى السَّرِقَةِ وَانْبَعِثْ عَلَى دَعْوَى الْمَالِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَالْمَحْبُوبِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّ الْمَنُوطَ بِفِعْلِهِ) أَيْ بِفِعْلِ السَّارِقِ وَهُوَ السَّرِقَةُ (شَيْئَانِ: الضَّمَانُ) أَيْ أَحَدُهُمَا ضَمَانُ الْمَالِ (وَيَعْمَلُ فِيهِ النُّكُولُ. وَالْقَطْعُ) أَيْ وَثَانِيهمَا قَطْعُ الْيَدِ (وَلَا يَثْبُتُ بِهِ) أَيْ لَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ بِالنُّكُولِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ بِفِعْلِهِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَنُوطَ بِفِعْلِهِ شَيْئَانِ: النُّكُولُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ فِعْلُ السَّرِقَةِ.
أَقُولُ: الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْأَوَّلُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ فَحِينَئِذٍ لَا يُنَاطُ الْقَطْعُ بِالنُّكُولِ قَطْعًا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْفِعْلُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَنُوطَ بِفِعْلِهِ شَيْئَانِ عَلَى النُّكُولِ وَأَحَدُ الشَّيْئَيْنِ هُوَ الْقَطْعُ.
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَنُوطَ بِفِعْلِهِ شَيْئَانِ إلَى آخِرِهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ لَمِّيَّةِ الْمُدَّعِي هَاهُنَا، بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ تَفْصِيلٍ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ الضَّمَانُ وَيَعْمَلُ فِيهِ النُّكُولُ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ إلَى عِلَّةِ كَوْنِ النُّكُولِ عَامِلًا فِيهِ، وَقَوْلُهُ وَالْقَطْعُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ إلَى عِلَّةِ عَدَمِ ثُبُوتِ الْقَطْعِ بِهِ فَبَقِيَ الْمُدَّعَى غَيْرَ مَعْلُومِ اللِّمِّيَّةِ. وَالْأَوْجَهُ فِي التَّعْلِيلِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ مُوجِبَ فِعْلِهِ شَيْئَانِ الضَّمَانُ، وَهُوَ يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ فَيَجِبُ بِالنُّكُولِ، وَالْقَطْعُ وَهُوَ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ فَلَا يَجِبُ بِالنُّكُولِ انْتَهَى.
وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ فِي السَّرِقَةِ يَدَّعِي الْمَالَ وَالْحَدُّ وَإِيجَابُ الْحَدِّ لَا تُجَامِعُهُ الشُّبْهَةُ، وَإِيجَابُ الْمَالِ يُجَامِعُهُ الشُّبْهَةُ فَيَثْبُتُ بِهِ انْتَهَى، تُبْصِرُ تَقِفُ (فَصَارَ) أَيْ صَارَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السَّرِقَةِ (رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) فَإِنَّهُ يَثْبُتُ هُنَاكَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ، فَكَذَا هَاهُنَا وَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ الْحَدُّ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَيَثْبُتُ الْمَالُ بِالْإِقْرَارِ وَلَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اُسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ نِصْفَ الْمَهْرِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَجْرِي فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْمَالُ) وَفَائِدَةُ تَعْيِينِ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ هِيَ تَعْلِيمُ
[ ٨ / ١٨٧ ]
وَكَذَا فِي النِّكَاحِ إذَا ادَّعَتْ هِيَ الصَّدَاقَ لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى الْمَالِ، ثُمَّ يَثْبُتُ الْمَالُ بِنُكُولِهِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ، وَكَذَا فِي النَّسَبِ إذَا ادَّعَى حَقًّا كَالْإِرْثِ وَالْحِجْرِ فِي اللَّقِيطِ
أَنَّ دَعْوَى الْمَهْرِ لَا تَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى فِي كُلِّ الْمَهْرِ أَوْ نِصْفِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَوَهُّمُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَجَابَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ لِرُبَّمَا ذَهَبَ الْوَهْمُ إلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ لِغَلَبَتِهِ فَقُيِّدَ بِهِ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ، فَإِنَّهُ إذَا اُسْتُحْلِفَ قَبْلَ تَأَكُّدِ الْمَهْرِ فَبَعْدَهُ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَذَا فِي النِّكَاحِ إذَا ادَّعَتْ هِيَ الصَّدَاقَ) أَيْ وَكَذَا يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ النِّكَاحِ الصَّدَاقَ (لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى الْمَالِ) أَيْ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ دَعْوَى الْمَالِ (ثُمَّ يَثْبُتُ الْمَالُ بِنُكُولِهِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ) يَعْنِي يَثْبُتُ الْمَالُ بِنُكُولِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمَالَ يَجْرِي فِيهِ الْإِقْرَارُ وَالْبَذْلُ، وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجْرِي فِيهِ الْبَذْلُ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمَلْزُومُ بِدُونِ اللَّازِمِ. قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْمَهْرِ بِالنُّكُولِ لَا مُطْلَقًا، عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ يَسْتَلْزِمُ النِّكَاحَ الْقَائِمَ لِبَقَائِهِ حَالَ الْفُرْقَةِ وَالطَّلَاقِ انْتَهَى. أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْلِ جَوَابِهِ وَعِلَاوَتِهِ مُخْتَلٌّ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْمَهْرِ بِالنُّكُولِ لَجَازَ الْبَذْلُ فِي النِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ: أَيْ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ صَاحِبُ مَذْهَبٍ قَطُّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَهْرَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ قِيَامَ النِّكَاحِ فِي الْبَقَاءِ وَلَكِنْ يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ النِّكَاحِ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ لَا فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا فِي الْبَقَاءِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْبَذْلِ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَمْ يَنْدَفِعْ السُّؤَالُ. ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِهِ: إنَّ ثُبُوتَ الْمَهْرِ فِي الْوَاقِعِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ النِّكَاحِ فِيهِ، وَأَمَّا ثُبُوتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي فَلَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ النِّكَاحِ عِنْدَهُ لِأَنَّ مَعْنَى ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ ظُهُورُهُ لَهُ، إذْ قَدْ مَرَّ أَنَّ الْحُجَجَ الشَّرْعِيَّةَ مُثْبَتَةٌ فِي عِلْمِ الْقَاضِي مُظْهَرَةٌ فِي الْوَاقِعِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ظُهُورُ الْمَلْزُومِ ظُهُورَ اللَّازِمِ لِجَوَازِ أَنْ تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
فَاَلَّذِي يَلْزَمُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ ثُبُوتُ الْمَهْرِ عِنْدَ الْقَاضِي بِدُونِ ثُبُوتِ النِّكَاحِ عِنْدَهُ، وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ لِعَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ كَمَا عَرَفْت، وَقِسْ عَلَى هَذَا أَحْوَالَ نَظَائِرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُخَلِّصٌ فِي الْجَمِيعِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَذَا فِي النَّسَبِ) أَيْ وَكَذَا يُسْتَحْلَفُ فِي النَّسَبِ بِالْإِجْمَاعِ (إذَا ادَّعَى حَقًّا) أَيْ إذَا ادَّعَى مَعَ النَّسَبِ حَقًّا آخَرَ (كَالْإِرْثِ) بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخٌ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَاتَ أَبُوهُمَا وَتَرَكَ مَالًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ يُقْضَى بِالْمَالِ دُونَ النَّسَبِ (وَالْحِجْرِ فِي اللَّقِيطِ) بِأَنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ حُرَّةُ الْأَصْلِ صَبِيًّا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ الْتَقَطَهُ أَنَّهُ أَخُوهَا وَأَنَّهَا أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ لَهَا حَقُّ نَقْلِ
[ ٨ / ١٨٨ ]
وَالنَّفَقَةِ وَامْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هَذِهِ الْحُقُوقُ
الصَّبِيِّ إلَى حِجْرِهَا دُونَ النَّسَبِ (وَالنَّفَقَةِ) بِأَنْ ادَّعَى زَمِنٌ عَلَى مُوسِرٍ أَنَّهُ أَخُوهُ وَأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأُخُوَّةَ يُسْتَحْلَفُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ نَكَلَ يُقْضَى بِالنَّفَقَةِ دُونَ النَّسَبِ (وَامْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ) بِأَنْ أَرَادَ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْتَ أَخِي يُرِيدُ بِذَلِكَ إبْطَالَ حَقِّ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ دُونَ النَّسَبِ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هَذِهِ الْحُقُوقُ) دَلِيلٌ لِلْمَجْمُوعِ: يَعْنِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّعْوَى فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ هَذِهِ الْحُقُوقُ: أَيْ دُونَ النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ بَعْدَمَا فَسَّرَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هَذِهِ الْحُقُوقُ بِقَوْلِهِ: أَيْ دُونَ النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ قَالَ فِي تَعْلِيلِهِ فَإِنَّ فِيهِ تَحْمِيلَهُ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ لَا يَلْزَمُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ مُطْلَقًا بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ فِيمَا إذَا كَانَ النَّسَبُ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ كَالْأُخُوَّةِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا فِيمَا إذَا كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ فَلَا، وَالْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ تَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ مَعًا، أَلَا يَرَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ فِي صُورَةِ النَّفَقَةِ إذَا قَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْتَ أَبِي فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ بِحَالِهَا وَكَذَا الْحَالُ فِي صُورَةِ امْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَكَذَا الْمُدَّعِيَةُ فِي صُورَةِ الْحِجْرِ فِي اللَّقِيطِ إذَا قَالَتْ إنَّ الصَّبِيَّ ابْنُهَا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ بِحَالِهَا أَيْضًا وَكَانَ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ قَاصِرًا عَنْ إفَادَةِ كُلِّيَّةِ الْمُدَّعِي. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَدَلَ التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ: فَإِنَّ الْبَذْلَ لَا يَجْرِي فِيهِ كَمَا قَالَ آنِفًا فِي صُورَةِ دَعْوَى النِّكَاحِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُعَلَّلَ هَاهُنَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَى فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ النَّسَبَ الْمُجَرَّدَ، وَعَدَمُ جَرَيَانِ الْبَذْلِ فِي النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ لَا يُفِيدُهُ لِأَنَّ الْحُجَجَ عَلَى الدَّعْوَى غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي النُّكُولِ، بَلْ مِنْهَا أَيْضًا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَإِقْرَارُ الْخَصْمِ، وَالْبَذْلُ إنَّمَا هُوَ لِلنُّكُولِ مِنْ بَيْنِهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَرَيَانِهِ فِي النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ عَدَمُ جَرَيَانِ سَائِرِ الْحُجَجِ فِيهِ حَتَّى لَا يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالدَّعْوَى فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، بِخِلَافِ مَا قَالَهُ فِي صُورَةِ دَعْوَى النِّكَاحِ فَإِنَّ الْمُعَلَّلَ هُنَاكَ عَدَمُ ثُبُوتِ النِّكَاحِ بِالنُّكُولِ، وَعَدَمُ جَرَيَانِ الْبَذْلِ فِي النِّكَاحِ يُفِيدُهُ قَطْعًا. لَا يُقَالُ: التَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ هُنَا أَنْ يُقَالَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَى فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ النَّسَبُ الْمُجَرَّدُ لَمَّا ادَّعَى الْمُدَّعِي فِيهَا مَعَ النَّسَبِ حَقًّا آخَرَ وَالْمَفْرُوضُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ ادِّعَاءُ الْمُدَّعِي مَعَهُ حَقًّا آخَرَ كَمَا يُنَادِي عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا فِي النَّسَبِ إذَا ادَّعَى حَقًّا كَالْإِرْثِ إلَخْ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا كَانَ النَّسَبُ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ كَالْبُنُوَّةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ دَعْوَى النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ تُسْمَعُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، فَلَوْ كَانَ مَقْصُودُ الْمُدَّعِي فِيهَا دَعْوَى النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ لَمَّا ادَّعَى مَعَهُ حَقًّا آخَرَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّسَبُ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ كَالْأُخُوَّةِ وَنَحْوِهَا فَلَا؛ لِأَنَّ دَعْوَى النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ لَا تُسْمَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ فِيهَا اسْتِمَاعُ الدَّعْوَى وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي مَعَ النَّسَبِ حَقًّا آخَرَ لِنَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ النَّسَبَ الْمُجَرَّدَ وَيَدَّعِيَ مَعَ النَّسَبِ حَقًّا آخَرَ لِمُجَرَّدِ التَّوَسُّلِ بِهِ إلَى مَقْصُودِهِ وَهُوَ النَّسَبُ الْمُجَرَّدُ، وَالْمَسَائِلُ
[ ٨ / ١٨٩ ]
وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْأَبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، لِأَنَّ فِي دَعْوَاهَا الِابْنَ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَالْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي حَقِّهِمَا.
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَهُ اُسْتُحْلِفَ) بِالْإِجْمَاعِ (ثُمَّ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ نَكَلَ فِي النَّفْسِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَزِمَهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُمَا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ وَيَجِبُ بِهِ الْمَالُ، خُصُوصًا إذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ
الْمَذْكُورَةُ تَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ مَعًا كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، فَكَانَ هَذَا التَّعْلِيلُ أَيْضًا قَاصِرًا عَلَى إفَادَةِ كُلِّيَّةِ الْمُدَّعِي.
وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَظْهَرْ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هَذِهِ الْحُقُوقُ) عِلَّةٌ وَاضِحَةٌ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ صُوَرِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْعَامَّةِ فَكَانَ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هَذَا أَصْلًا مَعَ أَنَّ عَادَتَهُ اقْتِفَاءُ أَثَرِ الْمُصَنِّفِ فِي أَمْثَالِهِ، وَأَنَّ أَكْثَرَ الشُّرَّاحِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِشَرْحِهِ وَبَيَانِهِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْمُجَرَّدِ) قَيَّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَمَّا هُوَ مَقْرُونٌ بِدَعْوَى حَقٍّ آخَرَ كَمَا مَرَّ آنِفًا (عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (إذَا كَانَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ) أَيْ إذَا كَانَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّ النُّكُولَ عِنْدَهُمَا إقْرَارٌ فَكُلُّ نَسُبَّ لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَبَتَ يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ أَيْضًا (كَالْأَبِ وَالِابْنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ) فَإِنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْأَبِ وَالِابْنِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ (وَالْأَبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ) فَإِنَّهَا إذَا أَقَرَّتْ بِالْأَبِ يَصِحُّ إقْرَارُهَا وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهَا، وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّتْ بِالِابْنِ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهَا وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا (لِأَنَّ فِي دَعْوَاهَا الِابْنَ) أَيْ فِي ادِّعَائِهَا الِابْنَ: أَيْ فِي إقْرَارِهَا بِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ تَأَمَّلْ (تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ) وَهُوَ لَا يَجُوزُ (وَالْمَوْلَى) أَيْ وَكَالْوَلِيِّ: يَعْنِي السَّيِّدَ (وَالزَّوْجِ فِي حَقِّهِمَا) أَيْ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَهَذَا الْقَيْدُ: أَعْنِي قَوْلَهُ فِي حَقِّهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمَوْلَى وَالزَّوْجِ جَمِيعًا، فَإِنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْمَوْلَى وَالزَّوْجِ يَصِحُّ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ يَصِحُّ بِأَرْبَعَةٍ: بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْمَوْلَى وَالزَّوْجَةِ، وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ يَصِحُّ بِثَلَاثَةٍ: بِالْأَبِ وَالْمَوْلَى وَالزَّوْجِ، وَلَا يَصِحُّ بِالْوَلَدِ لِأَنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ. وَكَانَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي مَحَلِّهَا أَنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ يَصِحُّ بِخَمْسَةٍ: بِالْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَوْلَى. وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ يَصِحُّ بِأَرْبَعَةٍ: بِالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى، وَلَا يَصِحُّ بِالْوَلَدِ لِمَا مَرَّ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَبِ عَنْ ذِكْرِ الْأُمِّ لِظُهُورِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ: الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُدَّعَى قِبَلَهُ النَّسَبُ إذَا أَنْكَرَ هَلْ يُسْتَحْلَفُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُفِيدُ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْيَمِينِ النُّكُولُ حَتَّى يُجْعَلَ النُّكُولُ بَذْلًا أَوْ إقْرَارًا فَيُقْضَى عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى قِبَلَهُ بِحَيْثُ لَوْ أَقَرَّ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، فَإِذَا أَنْكَرَ هَلْ يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُسْتَحْلَفُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُسْتَحْلَفُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ الدَّعْوَى، فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُخَرَّجُ مَسَائِلُ الْبَابِ انْتَهَى.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَهُ) وَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ (اُسْتُحْلِفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِالْإِجْمَاعِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي النَّفْسِ بِهَا أَوْ فِيمَا دُونَهَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ (ثُمَّ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ نَكَلَ فِي النَّفْسِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَهَذَا) أَيْ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَزِمَهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا) أَيْ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا (لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ تَوَرُّعًا عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بَلْ يَكُونُ بَذْلًا، كَذَا فِي الْكَافِي (فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ وَيَجِبُ بِهِ الْمَالُ خُصُوصًا) أَيْ خَاصَّةً (إذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَقَيَّدَ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى
[ ٨ / ١٩٠ ]
كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْخَطَأِ وَالْوَلِيُّ يَدَّعِي الْعَمْدَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ، بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَهَذَا إعْمَالٌ لِلْبَذْلِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَهَذَا الْبَذْلُ مُفِيدٌ لِانْدِفَاعِ الْخُصُومَةِ بِهِ فَصَارَ كَقَطْعِ الْيَدِ لِلْآكِلَةِ وَقَلْعِ السِّنِّ لِلْوَجَعِ
مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الْمَالُ أَيْضًا، كَمَا إذَا أَقَامَ مُدَّعِي الْقِصَاصِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ حَيْثُ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَامَتْ بِالْقِصَاصِ وَلَكِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ كَذَا فِي الشُّرُوحِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْخَطَإِ وَالْوَلِيُّ يَدَّعِي الْعَمْدَ) فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْمَالُ وَبِالْعَكْسِ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ) لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلنَّفْسِ كَالْأَمْوَالِ (فَيَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ) كَمَا يَجْرِي فِي الْأَمْوَالِ (بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ) حَيْثُ لَا يَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ (فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدِي) أَيْ لَوْ قَالَ الْآخَرُ اقْطَعْ يَدَيَّ (فَقَطَعَهَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ) أَيْ عَلَى الْقَاطِعِ (وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ وُجُودِ الضَّمَانِ (إعْمَالٌ لِلْبَذْلِ) فِي الْأَطْرَافِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي رِوَايَةٍ وَالدِّيَةُ فِي أُخْرَى، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَرَيَانِ الْبَذْلِ فِي الْأَنْفُسِ.
وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَتْ الْأَطْرَافُ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاحَ قَطْعُ يَدِهِ إذَا قَالَ اقْطَعْ يَدِي كَمَا يُبَاحُ أَخْذُ مَالِهِ إذَا قَالَ خُذْ مَالِي، أَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ) أَيْ لَا يُبَاحُ الْقَطْعُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ كَمَا أَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ لَا يُبَاحُ عِنْدَ عَدَمِ الْفَائِدَةِ بِأَنْ قَالَ أَلْقِ مَالِي فِي الْبَحْرِ أَوْ أَحْرِقْهُ بِالنَّارِ (وَهَذَا الْبَذْلُ) أَيْ الَّذِي بِالنُّكُولِ (مُفِيدٌ لِانْدِفَاعِ الْخُصُومَةِ بِهِ فَصَارَ كَقَطْعِ الْيَدِ لِلْآكِلَةِ وَقَطْعِ السِّنِّ لِلْوَجَعِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِمَا قَالَ فِي السَّرِقَةِ إنَّ الْقَطْعَ
[ ٨ / ١٩١ ]
وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْيَمِينُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ يُحْبَسُ بِهِ كَمَا فِي الْقَسَامَةِ
. قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ قِيلَ
لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْخُصُومَةَ تَنْدَفِعُ بِالْأَرْشِ وَهُوَ أَهْوَنُ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ أَوْلَى. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّهُمْ الْمُحْتَاجُونَ إلَيْهَا فَتَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْأَمْوَالِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ دَفْعَ الْخُصُومَةِ بِالْأَرْشِ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ بَعْدَ تَعَذُّرِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ انْتَهَى.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ فِي جَوَابِ الْبَحْثِ الْأَوَّلِ وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ الْمُرَادَ حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي أَنَّ فِي كَوْنِ النُّكُولِ بَذْلًا شُبْهَةً لَكِنْ فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْبَذْلِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ أَيْضًا، فَالْأَوْلَى طَرْحُ الشُّبْهَةِ مِنْ الْبَيِّنِ وَالِاكْتِفَاءُ بِعَدَمِ تَأَتِّي الْبَذْلِ فِيهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: مَدَارُ بَحْثِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا بَيَّنَهُ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ فِي كَوْنِ الْأَطْرَافِ مِمَّا يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ شُبْهَةً لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا فِي حُكْمِ الْأَنْفُسِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَبَنَى عَلَيْهِ تَجْوِيزَهُ الْقِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَبَيْنَ الْعَبْدَيْنِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ، فَمَعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لَا يَتَأَتَّى الْبَذْلُ فِي قَطْعِ الْأَطْرَافِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعَبْدِ فَيَتِمُّ الْجَوَابُ.
ثُمَّ إنَّ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ إيمَاءً إلَى سَبَبِ عَدَمِ تَأَتِّي الْبَذْلِ فِيهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ ذِكْرُهَا أَوْلَى مِنْ طَرْحِهَا وَالِاكْتِفَاءُ بِعَدَمِ تَأَتِّي الْبَذْلِ فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) أَيْ بِالنُّكُولِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْبَذْلِ فِيهَا كَمَا مَرَّ (وَالْيَمِينُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ (يُحْبَسُ بِهِ) أَيْ يُحْبَسُ النَّاكِلُ بِذَلِكَ الْحَقِّ (كَمَا فِي الْقَسَامَةِ) فَإِنَّهُمْ إذَا نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ يُحْبَسُونَ حَتَّى يُقِرُّوا أَوْ يَحْلِفُوا
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ قِيلَ
[ ٨ / ١٩٢ ]
لِخَصْمِهِ أَعْطِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِك ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) كَيْ لَا يَغِيبَ نَفْسُهُ فَيَضِيعَ حَقُّهُ وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَأَخْذُ الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى اسْتِحْسَانٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْمُدَّعِي وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْحُضُورَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى يُعَدَّى عَلَيْهِ وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ فَصَحَّ التَّكْفِيلُ بِإِحْضَارِهِ وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا فَرْقَ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَ الْخَامِلِ وَالْوَجِيهِ
لِخَصْمِهِ أَعْطِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِك ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَيْ لَا يَغِيبَ نَفْسُهُ) أَيْ كَيْ لَا يَغِيبَ خَصْمُهُ نَفْسُهُ (فَيَضِيعَ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَفِيلُ ثِقَةً مَعْرُوفَ الدَّارِ حَتَّى تَحْصُلَ فَائِدَةُ التَّكْفِيلِ وَهِيَ الِاسْتِيثَاقُ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) أَيْ وَقَدْ مَرَّ جَوَازُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ مِنْ قَبْلُ: أَيْ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْكَفَالَةِ (وَأَخْذُ الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى اسْتِحْسَانٌ عِنْدَنَا.)
اعْلَمْ أَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَخَذَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْطَاءُ الْكَفِيلِ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ فِيهِ) أَيْ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ (نَظَرًا لِلْمُدَّعِي) إذْ لَا يَغِيبُ حِينَئِذٍ خَصْمُهُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ (وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحُضُورَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى يُعَدَّى عَلَيْهِ) مِنْ الْإِعْدَاءِ عَلَى لَفْظِ الْمَجْهُولِ.
يُقَالُ اسْتَعْدَى فُلَانٌ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ: أَيْ اسْتَعَانَ بِهِ فَأَعْدَاهُ الْأَمِيرُ عَلَيْهِ: أَيْ أَعَانَهُ الْأَمِيرُ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَنَسْتَعْدِي الْأَمِيرَ إذَا ظُلِمْنَا … وَمَنْ يُعْدِي إذَا ظَلَمَ الْأَمِيرُ
كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ) مِنْ الْحَيْلُولَةِ عَلَى لَفْظِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا (فَيَصِحُّ التَّكْفِيلُ بِإِحْضَارِهِ) بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى (وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ إلَى الْمَجْلِسِ الثَّانِي (وَلَا فَرْقَ فِي الظَّاهِرِ) أَيْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (بَيْنَ الْخَامِلِ وَالْوَجِيهِ) يُقَالُ خَمَلَ الرَّجُلُ خُمُولًا: إذَا كَانَ سَاقِطَ
[ ٨ / ١٩٣ ]
وَالْحَقِيرِ مِنْ الْمَالِ وَالْخَطِيرِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ وَمَعْنَاهُ فِي الْمِصْرِ، حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ لَا يُكْفَلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ. قَالَ (فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِ) كَيْ لَا يَذْهَبَ حَقُّهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا فَيُلَازِمَ مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي) وَكَذَا لَا يُكْفَلُ إلَّا إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِمَا لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ وَالْمُلَازَمَةِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إضْرَارًا بِهِ بِمَنْعِهِ عَنْ السَّفَرِ وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ ظَاهِرًا، وَكَيْفِيَّةُ الْمُلَازَمَةِ نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْقَدْرِ (وَالْحَقِيرِ مِنْ الْمَالِ وَالْخَطِيرِ) أَيْ وَبَيْنَ الْحَقِيرِ مِنْ الْمَالِ وَالْخَطِيرِ: أَيْ الشَّرِيفِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا أَوْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَخْفَى نَفْسُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي حَقِيرًا لَا يَخْفَى الْمَرْءُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ (ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ وَمَعْنَاهُ فِي الْمِصْرِ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِهِ حَاضِرَةٌ: حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ (حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ) بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفَةِ الْيَاءِ أَوْ بِضَمِّ الْغَيْنِ مُشَدَّدَةِ الْيَاءِ (لَا يُكْفَلُ) أَيْ لَا يُكْفَلُ خَصْمُهُ (لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ) لِأَنَّ الْفَائِدَةَ هِيَ الْحُضُورُ عِنْدَ حُضُورِ الشُّهُودِ وَذَلِكَ فِي الْهَالِكِ مُحَالٌ، وَالْغَائِبُ كَالْهَالِكِ مِنْ وَجْهٍ، إذْ لَيْسَ كُلُّ غَائِبٍ يَئُوبُ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ فَإِنْ أَعْطَى خَصْمُهُ الْكَفِيلَ فِيهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْطِ (أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِ) أَيْ أُمِرَ الْمُدَّعِي بِمُلَازَمَةِ خَصْمِهِ (كَيْ لَا يَذْهَبَ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُدَّعِي (إلَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَرِيبًا (عَلَى الطَّرِيقِ) أَيْ مُسَافِرًا (فَيُلَازَمُ) أَيْ فَيُلَازِمُ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَكَذَا لَا يُكْفَلُ إلَّا إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ) أَيْ وَكَذَا لَا يُكْفَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُسَافِرًا إلَّا إلَى آخِرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي (فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِمَا) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا مُنْصَرِفٌ إلَى التَّكْفِيلِ وَالْمُلَازَمَةِ جَمِيعًا (لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ وَالْمُلَازَمَةِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى مِقْدَارِ مَجْلِسِ الْقَاضِي (إضْرَارًا بِهِ) أَيْ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِمَنْعِهِ عَنْ السَّفَرِ، وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ) أَيْ فِي مِقْدَارِ مَجْلِسِ الْقَاضِي (ظَاهِرًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْ الرُّفْقَةِ.
فَإِذَا جَاءَ أَوَانُ قِيَامِ الْقَاضِي عَنْ مَجْلِسِهِ وَلَمْ يُحْضِرْ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ لِيَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ أَنَا مُسَافِرٌ وَقَالَ الطَّالِبُ إنَّهُ لَا يُرِيدُ السَّفَرَ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِأَقْوَالٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ عَارِضٌ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَاضِي يَسْأَلُهُ مَعَ مَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ؟ فَإِنْ أَخْبَرَهُ مَعَ فُلَانٍ وَالْقَاضِي يَبْعَثُ إلَى الرُّفْقَةِ أَمِينًا مِنْ أُمَنَائِهِ يَسْأَلُ إنَّ فُلَانًا هَلْ اسْتَعَدَّ لِلْخُرُوجِ مَعَكُمْ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ السَّفَرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ قَدْ اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ انْضَمَّ قَوْلُهُمْ إلَى قَوْلِهِ فَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ فَيُمْهِلُهُ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَإِلَّا خُلِّيَ سَبِيلُ الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ حَالِهِ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْقَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَجْلِ الِاسْتِعْدَادِ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَيْفِيَّةُ الْمُلَازَمَةِ نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَاَلَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ هُوَ أَنَّهُ يَدُورُ مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ وَلَا يُجْلِسُهُ فِي مَوْضِعٍ لِأَنَّهُ حَبْسَ، وَلَوْ دَخَلَ دَارِهِ لَا يَتْبَعُهُ بَلْ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعُ خَلْوَةٍ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: وَتَفْسِيرُ الْمُلَازَمَةِ أَنْ يَدُورَ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ وَيَبْعَثَ أَمِينًا حَتَّى يَدُورَ مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ، لَكِنْ لَا يُجْلِسُهُ فِي مَوْضِعٍ لِأَنَّ ذَلِكَ حَبْسٌ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الدَّعْوَى وَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ بَلْ هُوَ يَتَصَرَّفُ وَالْمُدَّعِي يَدُورُ مَعَهُ، وَإِذَا انْتَهَى الْمَطْلُوبُ إلَى دَارِهِ فَإِنَّ الطَّالِبَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ، بَلْ يَدْخُلُ الْمَطْلُوبُ عَلَى أَهْلِهِ وَالطَّالِبُ الْمُلَازِمُ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ.
ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت فِي الزِّيَادَاتِ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَالْأَرْبَعِينَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَإِمَّا أَنْ يَأْذَنَ الْمُدَّعِيَ بِالدُّخُولِ مَعَهُ أَوْ يَجْلِسَ مَعَهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ حَتَّى دَخَلَ الدَّارَ وَحْدَهُ فَرُبَّمَا يَهْرُبُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ فَيَفُوتُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُلَازَمَةِ انْتَهَى.
[ ٨ / ١٩٤ ]