قَالَ (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةَ خَطَإٍ
إذَا كَانَ عَبْدًا: يَعْنِي وَنَخَسَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاكِبِ فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَتِهِ يُدْفَعُ بِهَا أَوْ يَفْدِي اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ التَّلَفُ بِالْوَطْءِ فِي فَوْرِ النَّخْسَةِ فَعَلَى عَاقِلَةِ الرَّاكِبِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي عُنُقِ الْعَبْدِ نِصْفُ الدِّيَةِ يَدْفَعُ مَوْلَاهُ أَوْ يَفْدِيهِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ إذَا كَانَ النَّخْسُ بِإِذْنِ الرَّاكِبِ اهـ.
أَقُولُ: بَحْثُهُ سَاقِطٌ، فَإِنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا نَخَسَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاكِبِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الضَّمَانِ فِي رَقَبَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ إلَّا إذَا كَانَ نَخَسَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاكِبِ، لَا أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ حَتَّى يُتَّجَهَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي صُورَةِ التَّلَفِ بِالْوَطْءِ فِي فَوْرِ النَّخْسِ يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّاكِبِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ نِصْفُهَا إذَا كَانَ النَّخْسُ بِإِذْنِ الرَّاكِبِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَيُرْشِدُ إلَى كَوْنِ مُرَادِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ وَغَيْرَهُ قَالُوا فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالنَّاخِسُ إذَا كَانَ عَبْدًا فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَتِهِ، هَذَا إذَا نَخَسَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاكِبِ، وَأَمَّا إذَا نَخَسَهُ بِإِذْنِ الرَّاكِبِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ مِنْ الدَّابَّةِ نَفْحَةٌ أَوْ وَطْءٌ فَقَدْ ذُكِرَ حُكْمُهَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَقَالَ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ فَأَمَرَ عَبْدَ الْغَيْرِ فَنَخَسَ دَابَّتَهُ فَنَفَحَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ كَفِعْلِ الْآمِرِ عَبْدًا كَانَ الْمَأْمُورُ أَوْ حُرًّا، وَإِنْ وَطِئَتْ فِي فَوْرِهَا ذَلِكَ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الرَّاكِبِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي عُنُقِ الْعَبْدِ نِصْفُ الدِّيَةِ يَدْفَعُهُ مَوْلَاهُ أَوْ يَفْدِيهِ بِمَنْزِلَةِ السَّائِقِ مَعَ الرَّاكِبِ، إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا لِلْعَبْدِ بِاسْتِعْمَالِهِ إيَّاهُ فِي نَخْسِ الدَّابَّةِ، فَإِذَا لَحِقَهُ ضَمَانٌ بِذَلِكَ السَّبَبِ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعْمِلِ لَهُ. اهـ تَأَمَّلَ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْحُرُّ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ وَهُوَ الْعَبْدُ، وَأَخَّرَهُ لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ الْعَبْدِ عَنْ رُتْبَةِ الْحُرِّ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا وَقَعَ الْفَرَاغُ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْحُرِّ مُطْلَقًا بَلْ بَقِيَ مِنْهُ بَيَانُ حُكْمِ جِنَايَةِ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَذَا مَا وَقَعَ الْفَرَاغُ مِنْ بَيَانِ
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
قِيلَ لِمَوْلَاهُ: إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ بِهَا أَوْ تَفْدِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى الْأَرْشَ، وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ فِي اتِّبَاعِ الْجَانِي بَعْدَ الْعِتْقِ. وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. لَهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي مُوجِبِ الْجِنَايَةِ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُتْلِفِ لِأَنَّهُ هُوَ الْجَانِي، إلَّا أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ، وَلَا عَاقِلَةَ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَقْلَ عِنْدِي بِالْقَرَابَةِ وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَوْلَاهُ فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا فِي الدَّيْنِ. وَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ كَمَا فِي الْجِنَايَةِ
أَحْكَامِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ مُطْلَقًا بَلْ بَقِيَ مِنْهُ بَيَانُ حُكْمِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْحُرِّ، وَهُوَ أَيْضًا إنَّمَا يَتَبَيَّنُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ جِنَايَةِ الْحُرِّ عَلَى الْحُرِّ شَرَعَ فِي بَيَانِ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ فِيهِ تَعَلُّقٌ بِالْمَمْلُوكِ أَلْبَتَّةَ مِنْ جَانِبٍ أَخَّرَهُ لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ الْمَمْلُوكِ عَنْ الْمَالِكِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَا يُقَالُ: الْعَبْدُ لَا يَكُونُ أَدْنَى مَنْزِلَةً مِنْ الْبَهِيمَةِ فَكَيْفَ أَخَّرَ بَابَ جِنَايَتِهِ عَنْ بَابِ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ، لِأَنَّ جِنَايَةَ الْبَهِيمَةِ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ الرَّاكِبِ أَوْ السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ وَهُوَ مَالِكٌ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ، إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَرَادَ أَنَّ جِنَايَةَ الْبَهِيمَةِ كَانَتْ أَلْبَتَّةَ بِاعْتِبَارِ الرَّاكِبِ أَوْ السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ جِنَايَتَهَا بِطَرِيقِ النَّفْحَةِ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا وَهِيَ تَسِيرُ لَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الضَّمَانُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عُرِفَ فِي بَابِهَا. وَكَذَا الْحَالُ فِيمَا إذَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا حَصَاةً أَوْ نَوَاةً أَوْ أَثَارَتْ غُبَارًا أَوْ حَجَرًا صَغِيرًا فَفَقَأَ عَيْنَ إنْسَانٍ أَوْ أَفْسَدَ ثَوْبَهُ. وَكَذَا إذَا انْفَلَتَتْ فَأَصَابَ مَالًا أَوْ آدَمِيًّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا كَمَا عُرِفَ كُلُّ ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ جِنَايَتَهَا قَدْ تَكُونُ بِاعْتِبَارِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ بِهِ تَمَامُ التَّقْرِيبِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الصُّوَرُ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا مِنْ فِعْلِ الْبَهِيمَةِ ضَمَانٌ عَلَى أَحَدٍ بَلْ يَكُونُ فِعْلُهَا هَدَرًا مِمَّا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْجِنَايَةِ فِي الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي بَابِهَا اسْتِطْرَادًا. وَبِنَاءُ الْكَلَامِ هُنَا عَلَى مَالَهُ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
(قَوْلُهُ وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّاحِبَةِ ﵃) قَالَ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ: فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِثْلُ مَذْهَبِنَا، وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ مِثْلُ مَذْهَبِهِ. وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا. وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا، فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَبِيدُ النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ، وَجِنَايَتُهُمْ فِي قِيمَتِهِمْ: أَيْ أَثْمَانِهِمْ. وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: رَوَى أَصْحَابُنَا كَالْقُدُورِيِّ وَغَيْرِهِ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إذَا جَنَى الْعَبْدُ إنْ شَاءَ دَفَعَهُ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: عَبِيدُ النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ، وَجِنَايَتُهُمْ فِي قِيمَتِهِمْ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُهُ. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: عَبِيدُ النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ جَزَاءُ جِنَايَتِهِمْ فِي رِقَابِ النَّاسِ كَمَذْهَبِنَا، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵃. وَرُوِيَ
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
عَلَى الْمَالِ.
وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ حَالَةَ الْخَطَإِ أَنْ تَتَبَاعَدَ عَنْ الْجَانِي تَحَرُّزًا عَنْ اسْتِئْصَالِهِ وَالْإِجْحَافِ بِهِ، إذْ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْجِنَايَةَ، وَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي إذَا كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ،
عَنْ عُمَرَ ﵁ مِثْلُ مَذْهَبِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: عَبِيدُ النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ جَزَاءَ جِنَايَتِهِمْ فِي قِيمَتِهِمْ: أَيْ فِي أَثْمَانِهِمْ، لِأَنَّ الثَّمَنَ قِيمَةُ الْعَبْدِ اهـ.
أَقُولُ: قَدْ اضْطَرَبَتْ كَلِمَاتُهُمْ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، فَبَعْضُهُمْ نَقَلَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ مِثْلَ مَذْهَبِ الْخَصْمِ وَبَعْضُهُمْ نَقَلَهَا عَنْهُ مِثْلَ مَذْهَبِنَا كَمَا تَرَى. ثُمَّ أَقُولُ: قَدْ خَالَفَ الْكُلَّ هُنَا صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ مَذْهَبِنَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَمْ يُنْقَلْ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْهُمْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَ الْعَامَّةِ وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي حَالَةِ الْخَطَإِ أَنْ تَتَبَاعَدَ عَنْ الْجَانِي إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّ حُكْمَهَا عِنْدَنَا الْوُجُوبُ عَلَى الْمَوْلَى وَعِنْدَهُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ كَمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ بَنَاهُ عَلَى أَصْلٍ وَنَحْنُ عَلَى أَصْلٍ فَمِنْ أَيْنَ يَقُومُ لِأَحَدِنَا حُجَّةٌ عَلَى الْآخَرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ وُجُوبَ مُوجِبِ جِنَايَتِهِ فِي ذِمَّتِهِ كَوُجُوبِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَكَوُجُوبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ، فَنَحْنُ إذْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَقِيَ أَصْلُهُ بِلَا أَصْلٍ فَبَطَلَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ. وَقَوْلُهُ وَبِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ فَيَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا أَصْلُنَا فَهُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ مُسْتَنِدًا إلَى النَّصِّ الَّذِي لَا يُعْقَلُ إبْطَالُهُ لَيْسَ بِمَقِيسٍ عَلَى مَا يَبْطُلُ بِإِبْدَاءِ الْفَارِقِ، إلَى هُنَا كَلَامًا. أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِتَامٍّ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ مَدَارَ دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ عَلَى قِيَاسِ وُجُوبِ مُوجِبِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى وُجُوبِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَوُجُوبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَلْزَمُ مِنْ بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ أَنْ يَبْقَى مَذْهَبُهُ بِلَا أَصْلٍ، بَلْ مَدَارُ دَلِيلِهِ عَلَى أَنْ لَا عَاقِلَةَ لِلْعَبْدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ عِنْدَهُ بِالْقَرَابَةِ لَا غَيْرُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ وُجُوبَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَوُجُوبَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِ فِي ذَيْلِ دَلِيلِهِ لِمُجَرَّدِ التَّنْظِيرِ كَمَا يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ تَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ التَّنْظِيرِ بَقَاءُ أَصْلِهِ بِلَا أَصْلٍ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ: أَصْلُنَا مُسْتَنِدٌ إلَى النَّصِّ كَمَا أَنَّ أَصْلَكُمْ مُسْتَنِدٌ إلَى النَّصِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ لَيْسَ بِمَقِيسٍ عَلَى مَا يَبْطُلُ بِإِبْدَاءِ الْفَرْقِ. ثُمَّ أَقُولُ: الْحَقُّ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَبِيلِ رَدِّ الْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ وَهُوَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ مَنْ هِيَ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ أَهْلُ الْعَشِيرَةِ، وَقُلْنَا: هِيَ أَهْلُ النُّصْرَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْمَعَاقِلِ مُدَلَّلًا
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
وَالْمَوْلَى عَاقِلَتُهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَنْصِرُ بِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا النُّصْرَةُ حَتَّى تَجِبَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ. بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا عَاقِلَةَ فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ، وَبِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ، إلَّا أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَفِي إثْبَاتِ الْخِيرَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ فِي حَقِّهِ كَيْ لَا يُسْتَأْصَلَ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْمُوجِبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْلِ إلَى الْفِدَاءِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ، بِخِلَافِ مَوْتِ الْجَانِي الْحُرِّ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّ اسْتِيفَاءً فَصَارَ كَالْعَبْدِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ. قَالَ (فَإِنْ دَفَعَهُ مَلَكَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِأَرْشِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُ حَالًّا) أَمَّا الدَّفْعُ فَلِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ وَعِنْدَ اخْتِيَارِهِ الْوَاجِبَ عُيِّنَ.
وَمُفَصَّلًا، وَقَدْ قَامَتْ لَنَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ هُنَاكَ فَاكْتَفَيْنَا هُنَا بِجَعْلِ ذَلِكَ الْمُخْتَلِفِ أَصْلًا لِهَذَا الْمُخْتَلِفِ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ وَالْمَوْلَى عَاقِلَتُهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَنْصِرُ بِهِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَيْسَ يُخَالِفُ هَذَا حَدِيثَ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا» اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ: يُشْكِلُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَنَى عَلَى الْحُرِّ لَا يَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ عِنْدَهُ فَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى مَذْهَبِهِ اهـ.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ لِلْوِقَايَةِ أَخْذًا مِنْ التَّسْهِيلِ كَمَا هُوَ حَالُهُ فِي أَكْثَرِ إيرَادَاتِهِ فِي تِلْكَ الْحَاشِيَةِ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَهُ كُلُّهُمْ هُنَا أَنَّ لَفْظَةَ الْعَاقِلَةِ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْجَمَاعَةِ لَا عَلَى الْوَاحِدِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ وَكَلِمَاتُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا: الْعَاقِلَةُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ: أَيْ يُؤَدُّونَ الْعَقْلَ وَهُوَ الدِّيَةُ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْعَاقِلَةُ هِيَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَغْرَمُ الدِّيَةَ، وَهُمْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ أَوْ أَهْلُ دِيوَانِهِ: أَيْ الَّذِينَ يَرْتَزِقُونَ مِنْ دِيوَانٍ عَلَى حِدَةٍ اهـ.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَعَاقِلَةُ الرَّجُلِ عُصْبَتُهُ، وَهُمْ الْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ الَّذِينَ يُعْطُونَ دِيَةَ مَنْ قَتَلَهُ خَطَأً. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: هُمْ أَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ
اهـ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَوَاقِلَ
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ بَدَلًا عَنْ الْعَبْدِ فِي الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا بِالْمُتْلَفِ وَلِهَذَا سُمِّيَ فِدَاءً فَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ فَلِهَذَا وَجَبَ حَالًّا كَالْمُبْدَلِ (وَأَيُّهُمَا اخْتَارَهُ وَفَعَلَهُ لَا شَيْءَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ غَيْرَهُ) أَمَّا الدَّفْعُ فَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّقَبَةِ سَقَطَ. وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا الْأَرْشُ، فَإِذَا أَوْفَاهُ حَقَّهُ سَلَّمَ الْعَبْدَ لَهُ،
الَّتِي هِيَ الْجَمَاعَاتُ لَا تَعْقِلُ عَبْدًا كَمَا تَعْقِلُ حُرًّا، وَأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَنَى عَلَى الْحُرِّ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ: أَيْ الْجَمَاعَةُ بَلْ يَغْرَمُ مَوْلَاهُ جِنَايَتَهُ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ هُنَا وَالْمَوْلَى عَاقِلَتُهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ. وَمَعْنَاهُ وَالْمَوْلَى كَعَاقِلَتِهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَنْصِرُ بِهِ كَمَا يَسْتَنْصِرُ الْحُرُّ بِعَاقِلَتِهِ يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ: لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى حُرٍّ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى فِي كَوْنِهِ مُخَاطَبًا بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِلَةِ وَلَا يَتَحَمَّلُ عَنْ الْعَاقِلَةِ عَوَاقِلَهُمْ فَكَذَا لَا يَتَحَمَّلُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ عَاقِلَةُ مَوْلَاهُ اهـ.
فَلَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوا هُنَا حَدِيثَ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا» وَلَا يُشْكِلُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَنَى عَلَى الْحُرِّ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ فَتَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ جُعِلَ بَدَلًا عَنْ الْعَبْدِ فِي الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا بِالْمُتْلَفِ وَلِهَذَا سُمِّيَ فِدَاءً فَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ فَلِهَذَا وَجَبَ حَالًّا كَالْمُبْدَلِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ قِيلَ: كَوْنُ الشَّيْءِ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْمَالَ قَدْ يَقَعُ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ وَلَمْ يَتَّحِدْ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ وَإِذَا صَارَ مَالًا تَعَلَّقَ بِهِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَالنِّيَّةُ مِنْ شَرْطِهِ دُونَ الْأَصْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأُجِيبَ أَنَّ الْفِدَاءَ لَمَّا وَجَبَ بِمُقَابَلَةِ الْجِنَايَةِ فِي النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ أَشْبَهَ الدِّيَةَ وَالْأَرْشَ وَهُمَا يَثْبُتَانِ مُؤَجَّلًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْفِدَاءِ كَذَلِكَ، وَلَمَّا اخْتَارَهُ الْمَوْلَى كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَسَائِرِ الدُّيُونِ حَالًّا، لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الدُّيُونِ عَارِضٍ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَتَعَارَضَ جَانِبُ الْحُلُولِ وَالْأَجَلَ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْحُلُولِ بِكَوْنِهِ فَرْعَ أَصْلٍ حَالٍّ مُوَافَقَةً بَيْنَ الْأَصْلِ وَفَرْعِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشْعِرُ بِهِ اهـ.
أَقُولُ: بَلْ هُوَ كَلَامٌ قَبِيحٌ، لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَفَرْعِهِ إنْ كَانَتْ أَمْرًا لَازِمًا أَوْ رَاجِحًا يَرْتَفِعُ السُّؤَالُ عَنْ أَصْلِهِ، وَيَكْفِي ذِكْرُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ، وَيَصِيرُ بَاقِي الْمُقَدِّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ مُسْتَدْرَكًا جِدًّا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَمْرًا لَازِمًا وَلَا رَاجِحًا فَكَيْفَ يَتِمُّ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْحُلُولِ بِكَوْنِهِ فَرْعَ أَصْلٍ حَالٍّ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ أَنْ لَا يُفَارِقَ الْفَرْعُ الْأَصْلَ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَا تَتَغَيَّرُ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَالْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ تَغَيَّرَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ صَالِحٍ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَالِ فَلَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهِ، وَالتُّرَابُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ بِطَبْعِهِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إلْحَاقِ النِّيَّةِ بِهِ لِيَكُونَ مُطَهِّرًا شَرْعًا، بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ يَمْنَعُهُ عَنْ الْحُلُولِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ أَصْلِهِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِهِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ كَانَ حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُفَارِقَ الْفَرْعُ الْأَصْلَ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، هُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ فِي الْحُكْمِ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَا تَتَغَيَّرُ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْأَصْلِ عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَا تَتَغَيَّرُ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ هُوَ كَوْنُهُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةً عَنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَا تَتَغَيَّرُ نَفْسُهَا إلَّا بِالضَّرُورَةِ، لَا كَوْنُهُ عِبَارَةً عَنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهَا بَعْدَ أَنْ تَغَيَّرَتْ نَفْسُهَا إلَّا بِالضَّرُورَةِ، وَالْمَطْلُوبُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فَتَأَمَّلْ تَفْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا الْأَرْشُ) أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ سِيَّمَا فِي الْحَصْرِ،
[ ١٠ / ٣٤١ ]
فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ بَطَلَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ حَقِّهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ لَمْ يَبْرَأْ لِتَحَوُّلِ الْحَقِّ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَى ذِمَّةِ الْمَوْلَى.
قَالَ (فَإِنْ عَادَ فَجَنَى كَانَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ كَحُكْمِ الْجِنَايَةِ الْأُولَى) مَعْنَاهُ بَعْدَ الْفِدَاءِ لِأَنَّهُ لَمَّا طَهُرَ عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ جُعِلَ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ جِنَايَةٍ. قَالَ (وَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ قِيلَ لِلْمَوْلَى إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ يَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا وَإِمَّا أَنْ تَفْدِيهِ بِأَرْشِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْأُولَى بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الثَّانِيَةِ بِهَا كَالدُّيُونِ الْمُتَلَاحِقَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَمْ يَمْنَعْ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ فَحَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا عَلَى قَدْرِ أَرْشِ جِنَايَتِهِمَا (وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً يَقْتَسِمُونَ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِجَمِيعِ أُرُوشِهِمْ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدًا وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ) يَقْتَسِمَانِهِ أَثْلَاثًا (لِأَنَّ أَرْشَ الْعَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَرْشِ النَّفْسِ)، وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الشَّجَّاتِ (وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَفْدِيَ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيَدْفَعَ إلَى بَعْضِهِمْ مِقْدَارَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ مِنْ الْعَبْدِ) لِأَنَّ الْحُقُوقَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا وَهِيَ الْجِنَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ، بِخِلَافِ مَقْتُولِ الْعَبْدِ إذَا كَانَ لَهُ وَلِيَّانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَدْفَعَ إلَى الْآخَرِ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَّحِدٌ لِاتِّحَادِ سَبَبِهِ وَهِيَ الْجِنَايَةُ الْمُتَّحِدَةُ، وَالْحَقُّ يَجِبُ لِلْمَقْتُولِ ثُمَّ لِلْوَارِثِ خِلَافَةً عَنْهُ فَلَا
إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا قَبْلُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْمُوجِبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْلَى حَقُّ النَّقْلِ إلَى الْفِدَاءِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ، فَإِذَنْ كَانَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مُنْحَصِرًا فِي الدَّفْعِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرْ فِيهِ فَمَا مَعْنَى حَصْرِهِ فِي الْأَرْشِ بِقَوْلِهِ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا الْأَرْشُ، وَهَذَا يَكُونُ مُنَاقِضًا
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ فِي مُوجَبِهَا.
قَالَ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ) لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ فَوْتُ حَقِّهِ فَيَضْمَنُهُ وَحَقُّهُ فِي أَقَلِّهِمَا، وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ بِدُونِ الْعِلْمِ، وَفِي الثَّانِي صَارَ مُخْتَارًا لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَمْنَعُهُ مِنْ الدَّفْعِ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْآخَرِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الدَّفْعَ لِزَوَالِ الْمِلْكِ بِهِ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ الْمُقَرُّ لَهُ يُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِيهِ نَقْلُ الْمِلْكِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ الْمُقِرُّ وَأَلْحَقَهُ الْكَرْخِيُّ بِالْبَيْعِ وَأَخَوَاتِهِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ فَيَسْتَحِقُّهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِإِقْرَارِهِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَنْتَظِمُ النَّفْسَ وَمَا دُونَهَا، وَكَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ وَإِطْلَاقُ الْبَيْعِ يَنْتَظِمُ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَنَقْضِهِ، وَبِخِلَافِ الْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَا زَالَ، وَلَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا حَتَّى يُسَلِّمَهُ لِأَنَّ الزَّوَالَ بِهِ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ لِأَنَّ مُوجَبَهُ يَثْبُتُ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلِ فَيَصِيرُ بِنَفْسِهِ مُخْتَارًا، وَلَوْ بَاعَهُ مَوْلَاهُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَهُوَ مُخْتَارٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ، وَإِعْتَاقُ
لِمَا ذَكَرَهُ قُبَيْلَهُ بِقَوْلِهِ أَمَّا الدَّفْعُ فَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ
(قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَنْتَظِمُ النَّفْسَ وَمَا دُونَهَا) يُرِيدُ قَوْلَهُ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا، وَقِيلَ: يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةَ خَطَإٍ فَإِنَّهُ يَنْتَظِمُ النَّفْسَ وَمَا دُونَهَا، كَذَا
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ إعْتَاقِ الْمَوْلَى فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مُضَافٌ إلَيْهِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ فَنَقَصَهُ فَهُوَ مُخْتَارٌ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ حَبَسَ جُزْءًا مِنْهُ وَكَذَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَوَطِئَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ، وَبِخِلَافِ وَطْءِ الثَّيِّبِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ غَيْرِ إعْلَاقٍ، وَبِخِلَافِ الِاسْتِخْدَامِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا بِالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فِي الْأَظْهَرِ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَكَذَا بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ وَإِنْ رَكِبَهُ دَيْنٌ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يُفَوِّتُ الدَّفْعَ وَلَا يُنْقِصُ الرَّقَبَةَ، إلَّا أَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى فَلَزِمَ الْمَوْلَى قِيمَتُهُ.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ
فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّهُ لَا سَدَادَ لِمَا ذَكَرَ ثَانِيًا، لِأَنَّ تَأْخِيرَ التَّعَرُّضِ لِإِطْلَاقِ مَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ إلَى هُنَا مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدًا عَنْ نَهْجِ السَّدَادِ فِي نَفْسِهِ يَمْنَعُ عَنْ الْحَمْلِ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ، لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ هُنَاكَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا فِي الْجَوَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ فَالْمُرَادُ هُوَ الْأَوَّلُ لَا غَيْرُ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ وَإِنْ رَكِبَهُ دَيْنٌ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يُفَوِّتُ الدَّفْعَ وَلَا يُنْقِصُ الرَّقَبَةَ) أَقُولُ: فِي التَّعْلِيلِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ وَإِنْ رَكِبَهُ دَيْنٌ لَا يَفُوتُ الدَّفْعُ
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
لِعَبْدِهِ إنْ قَتَلْت فُلَانًا أَوْ رَمَيْته أَوْ شَجَجْته فَأَنْتَ حُرٌّ) فَهُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ (وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِأَنَّ وَقْتَ تَكَلُّمِهِ لَا جِنَايَةَ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِوُجُودِهِ، وَبَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ مُخْتَارًا)؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ بِالشَّرْطِ ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ أَوْ لَا يُعْتِقَ وُجِدَ الشَّرْطُ وَثَبَتَ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ تِلْكَ، كَذَا هَذَا.
وَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْإِعْتَاقَ بِالْجِنَايَةِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ يُنَزَّلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك يَصِيرُ ابْتِدَاءُ الْإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ، وَكَذَا إذَا قَالَ لَهَا إذَا مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَرِضَ حَتَّى طَلُقَتْ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ يَصِيرُ فَارًّا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُطَلِّقًا بَعْدَ وُجُودِ الْمَرَضِ، بِخِلَافِ مَا أَوْرَدَ لِأَنَّ غَرَضَهُ طَلَاقٌ أَوْ عِتْقٌ يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، إذْ الْيَمِينُ لِلْمَنْعِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ حَرَّضَهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ بِتَعْلِيقِ أَقْوَى الدَّوَاعِي إلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ، فَهَذَا دَلَالَةُ الِاخْتِيَارِ.
قَالَ (وَإِذَا قَطَعَ الْعَبْدُ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَدُفِعَ إلَيْهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ فَالْعَبْدُ صُلْحٌ بِالْجِنَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ رُدَّ عَلَى الْمَوْلَى وَقِيلَ لِلْأَوْلِيَاءِ اُقْتُلُوهُ أَوْ اُعْفُوا عَنْهُ) وَوَجْهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بَاطِلًا لِأَنَّ الصُّلْحَ كَانَ
بِغَيْرِ رِضَا وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ مُتَّصِلًا بِهِ إلَّا أَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ يَفُوتُ الدَّفْعُ بِغَيْرِ رِضَاهُ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ الدَّفْعُ بِرِضَا وَلَيِّ الْجِنَايَةِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يُنْتَقَضَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِمَا لَوْ ضَرَبَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْجَانِيَ فَنَقَصَهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ هُنَاكَ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، مَعَ أَنَّهُ يَجْرِي أَنْ يُقَالَ هُنَاكَ أَيْضًا: إنَّ الضَّرْبَ وَإِذَا نَقَصَهُ لَا يَفُوتُ الدَّفْعُ بِرِضَا وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ إذَا رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَهُ نَاقِصًا وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَوْلَى جَازَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يَنْقُصُ الرَّقَبَةَ مِنْ تَمَامِ التَّعْلِيلِ، فَفِي صُورَةِ مَا إذَا ضَرَبَهُ فَنَقَصَهُ إنْ لَمْ يَفُتْ الدَّفْعُ بِرِضَا وَلِيِّ الْجِنَايَةِ نَقَصَتْ الرَّقَبَةُ، فَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ هُنَا لَمْ يَجُزْ بِتَمَامِهِ هُنَاكَ فَلَمْ يُنْتَقَضْ بِذَلِكَ. نَعَمْ فِي تَمَامِ قَوْلِهِ وَلَا يَنْقُصُ الرَّقَبَةَ فِيمَا إذَا رَكِبَهُ دَيْنُ كَلَامٍ، لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ نُقْصَانٌ لَهُ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ يَتْبَعُونَ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ إذَا دَفَعَ الْعَبْدُ إلَيْهِ فَيَتْبَعُونَهُ بِدُيُونِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى. وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَلَكِنَّ الرَّقَبَةَ قَدْ اُنْتُقِصَتْ عِنْدَ لُحُوقِ الدَّيْنِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى وَهُوَ الْإِذْنُ فَكَانَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِ نَاقِصًا فَيَلْزَمُ الْمَوْلَى قِيمَتُهُ اهـ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بَاطِلًا)
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَ الْعَبْدِ لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَطْرَافِ الْحُرِّ فَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ هُوَ الْقَوَدُ فَكَانَ الصُّلْحُ وَاقِعًا بِغَيْرِ بَدَلٍ فَبَطَلَ وَالْبَاطِلُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ، كَمَا إذَا وَطِئَ الْمُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ فِي عِدَّتِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَصْحِيحَ الصُّلْحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى تَصَرُّفٍ يَقْصِدُ تَصْحِيحَهُ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا وَأَنْ يُجْعَلَ صُلْحًا عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا وَلِهَذَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ وَرَضِيَ الْمَوْلَى بِهِ يَصِحُّ وَقَدْ رَضِيَ الْمَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِكَوْنِ الْعَبْدِ عِوَضًا عَنْ الْقَلِيلِ يَكُونُ أَرْضَى بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْ الْكَثِيرِ فَإِذَا أُعْتِقَ يَصِحُّ الصُّلْحُ فِي ضِمْنِ الْإِعْتَاقِ ابْتِدَاءً وَإِذَا لَمْ يُعْتِقْ لَمْ يُوجَدْ الصُّلْحُ ابْتِدَاءً وَالصُّلْحُ الْأَوَّلُ وَقَعَ بَاطِلًا فَيُرَدُّ الْعَبْدُ إلَى الْمَوْلَى وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى خِيرَتِهِمْ فِي الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: رَجُلٌ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَصَالَحَ الْقَاطِعُ الْمَقْطُوعَةَ يَدَهُ عَلَى عَبْدٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: يُرِيدُ بَيَانَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا أَعْتَقَ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُعْتِقْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ: أَيْ الدَّفْعَ وَقَعَ بَاطِلًا وَسَمَّاهُ صُلْحًا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْفِدَاءُ فَكَانَ الدَّفْعُ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ لِسُقُوطِ مُوجَبِ الْجِنَايَةِ بِهِ اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّ الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ وَقَالَ: وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْمُوجَبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ فَكَيْفَ يَتِمُّ تَسْمِيَةُ الدَّفْعِ هُنَا صُلْحًا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى خِلَافِ مَا اخْتَارَهُ وَصَحَّحَهُ نَفْسُهُ فِيمَا قَبْلُ، وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا، حَتَّى أَنَّ صَاحِبَ الْأَسْرَارِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْأَرْشُ قَالَ: وَالرِّوَايَةُ بِخِلَافِ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْعَبْدُ انْتَهَى. ثُمَّ أَقُولُ: الْحَقُّ عِنْدِي أَنْ يُحْمَلَ تَسْمِيَةُ الدَّفْعِ هُنَا صُلْحًا عَلَى الْمُشَاكَلَةِ بِأَنْ عَبَّرَ عَنْ الدَّفْعِ بِالصُّلْحِ لِوُقُوعِ ذِكْرِهِ فِي صُحْبَةِ مَا هُوَ صُلْحٌ وَمَا هُوَ إذَا أَعْتَقَهُ تَدَبَّرْ تَرْشُدْ.
(قَوْلُهُ وَالْبَاطِلُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ كَمَا إذَا وَطِئَ الْمُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ فِي عِدَّتِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ) أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ فِيمَا إذَا عَلِمَ بُطْلَانَهُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي تَنْظِيرِهِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يُجْدِي نَفْعًا هُنَا لِأَنَّ الدَّافِعَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْقَطْعَ يَسْرِي فَيَكُونُ مُوجَبَهُ الْقَوَدُ، بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْرِي وَكَانَ مُوجَبَهُ الْمَالُ، وَإِنْ أَرَادَ الْبَاطِلَ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بُطْلَانَهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ إذَا وَطِئَ الْمُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ بَلْ ظَنَّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ فَإِنَّهُ
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
فَأَعْتَقَهُ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالْعَبْدُ صُلْحٌ بِالْجِنَايَةِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ. وَهَذَا الْوَضْعُ يَرِدُ إشْكَالًا فِيمَا إذَا عَفَا عَنْ الْيَدِ ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ وَمَاتَ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ هُنَالِكَ، وَهَاهُنَا قَالَ يَجِبُ. قِيلَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا جَوَابُ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ الْوَضْعَانِ جَمِيعًا عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ. وَقِيلَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ صَحَّ ظَاهِرًا لِأَنَّ الْحَقَّ كَانَ لَهُ فِي الْيَدِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَيَصِحُّ الْعَفْوُ ظَاهِرًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ بَطَلَ حُكْمًا يَبْقَى مَوْجُودًا حَقِيقَةً فَكَفَى ذَلِكَ لِمَنْعِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ.
أَمَّا هَاهُنَا الصُّلْحُ لَا يُبْطِلُ الْجِنَايَةَ بَلْ يُقَرِّرُهَا حَيْثُ صَالَحَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ، فَإِذَا لَمْ يُبْطِلْ الْجِنَايَةَ لَمْ تَمْتَنِعْ الْعُقُوبَةُ، هَذَا إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ، أَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ فَالتَّخْرِيجُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ جِنَايَةً وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ: قِيمَةٌ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقِيمَةٌ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَقَّيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ بِكُلِّ الْقِيمَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ: الدَّفْعُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَالْبَيْعُ لِلْغُرَمَاءِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ إيفَاءً مِنْ الرَّقَبَةِ الْوَاحِدَةِ بِأَنْ
يُورِثُ الشُّبْهَةَ فَيَدْرَأُ الْحَدَّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَفُهِمَ أَيْضًا هَاهُنَا مِنْ قَوْلِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ أَمَّا هَاهُنَا الصُّلْحُ لَا يُبْطِلُ الْجِنَايَةَ بَلْ يُقَرِّرُهَا حَيْثُ صَالَحَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ، فَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ الْجِنَايَةُ لَمْ تَمْتَنِعْ الْعُقُوبَةُ) أَقُولُ: يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِمْ الصُّلْحُ لَا يُبْطِلُ الْجِنَايَةَ بَلْ يُقَرِّرُهَا أَنَّ الصُّلْحَ لَا يُسْقِطُ مُوجَبَ الْجِنَايَةِ بَلْ يُبْقِيهِ عَلَى حَالِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا فِي صَدْرِ
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
يُدْفَعَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يُبَاعَ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضْمَنُهُمَا بِالْإِتْلَافِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْمَوْلَى وَيَدْفَعُهَا الْمَوْلَى إلَى الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إنَّمَا يَضْمَنُ لِلْمَوْلَى بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَلَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الْحَقُّ لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَهَاهُنَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِتْلَافِ الْحَقِّ فَلَا تَرْجِيحَ فَيَظْهَرَانِ فَيَضْمَنُهُمَا.
قَالَ (وَإِذَا اسْتَدَانَتْ الْأَمَةُ الْمَأْذُونُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ثُمَّ وَلَدَتْ فَإِنَّهُ يُبَاعُ الْوَلَدُ مَعَهَا فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ جَنَتْ جِنَايَةً لَمْ يُدْفَعْ الْوَلَدُ مَعَهَا) وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ فِيهَا وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهَا اسْتِيفَاءً فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَوَلَدِ الْمَرْهُونَةِ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى لَا فِي ذِمَّتِهَا، وَإِنَّمَا يُلَاقِيهَا أَثَرُ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الدَّفْعُ وَالسِّرَايَةُ فِي الْأَوْصَافِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ.
كِتَابِ الْجِنَايَاتِ بِأَنَّ مُوجَبَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ أَوْ يُصَالِحُوا، فَقَدْ جَعَلُوا الصُّلْحَ كَالْعَفْوِ فِي إسْقَاطِ مُوجَبِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الصُّلْحَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ مُوجَبِ الْجِنَايَةِ فِي الْأَصْلِ بَلْ يُقَرِّرُ ذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْهُ عَلَى مَالٍ، وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الصُّلْحِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَتِمُّ حِينَئِذٍ قَوْلُهُمْ فَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ الْجِنَايَةُ لَمْ تَمْتَنِعْ الْعُقُوبَةُ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ الْجِنَايَةِ
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ زَعَمَ رَجُلٌ آخَرُ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ فَقَتَلَ الْعَبْدُ وَلِيًّا لِذَلِكَ الرَّجُلِ الزَّاعِمِ خَطَأً فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا زَعَمَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ فَقَدْ ادَّعَى الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَأَبْرَأَ الْعَبْدَ وَالْمَوْلَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
قَالَ (وَإِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ فَقَالَ لِرَجُلٍ قَتَلْتُ أَخَاك خَطَأً وَأَنَا عَبْدٌ وَقَالَ الْآخَرُ قَتَلْته وَأَنْتَ حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلضَّمَانِ لَمَّا أَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، إذْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا عُرِفَ رِقُّهُ، وَالْوُجُوبُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَوْلَى دَفْعًا أَوْ فِدَاءً، وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ طَلَّقْت امْرَأَتِي وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ بِعْت دَارِي وَأَنَا صَبِيٌّ، أَوْ قَالَ طَلَّقْت امْرَأَتِي وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ بِعْت دَارِي وَأَنَا مَجْنُونٌ وَقَدْ كَانَ جُنُونُهُ مَعْرُوفًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ (وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا قَطَعْتُ يَدَك وَأَنْتِ أَمَتِي وَقَالَتْ قَطَعْتَهَا وَأَنَا حُرَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْهَا إلَّا الْجِمَاعَ وَالْغَلَّةَ اسْتِحْسَانًا،
بِمَعْنَى ثُبُوتِهَا فِي الْأَصْلِ عَدَمُ امْتِنَاعِ الْعُقُوبَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الصُّلْحِ عَنْهَا كَمَا هُوَ الْحَالُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، بَلْ لَا يَتِمُّ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ رَأْسًا بَيْنَ صُورَتَيْ الْعَفْوِ وَالصُّلْحِ، إذْ الْعَفْوُ أَيْضًا لَا يُنَافِي ثُبُوتَ مُوجَبِ الْجِنَايَةِ فِي الْأَصْلِ قَبْلَ الْعَفْوِ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا قَطَعْتُ يَدِك وَأَنْتِ أَمَتِي وَقَالَتْ بَلْ قَطَعْتَهَا وَأَنَا حُرَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا مَبْنَاهَا عَلَى إسْنَادِ الْإِقْرَارِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ مَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَوَابُهَا كَوْنُ الْقَوْلِ قَوْلُهَا لَيْسَ عَلَى
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ إلَّا شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وُجُوبَ الضَّمَانِ لِإِسْنَادِهِ الْفِعْلَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَكَمَا فِي الْوَطْءِ وَالْغَلَّةِ. وَفِي الشَّيْءِ الْقَائِمِ أَقَرَّ بِيَدِهَا حَيْثُ اعْتَرَفَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا ثُمَّ ادَّعَى التَّمَلُّكَ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْكِرَةٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ فَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَيْهَا، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ فَقَأْت عَيْنَكَ الْيُمْنَى وَعَيْنِي الْيُمْنَى صَحِيحَةٌ ثُمَّ فُقِئَتْ وَقَالَ الْمُقِرُّ لَهُ: لَا بَلْ فَقَأْتَهَا وَعَيْنُك الْيُمْنَى مَفْقُوءَةٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ يَدَهَا لَوْ قَطَعَهَا وَهِيَ مَدْيُونَةٌ، وَكَذَا يَضْمَنُ مَالَ الْحَرْبِيِّ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ وَالْغَلَّةِ لِأَنَّ وَطْءَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ الْمَدْيُونَةَ لَا يُوجِبُ الْعُقْرَ، وَكَذَا أَخْذُهُ مِنْ
إسْنَادِ الْإِقْرَارِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَإِلَّا لَمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا مَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِي تَعْلِيلِ جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. نَعَمْ مَبْنَاهَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إسْنَادُ الْإِقْرَارِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِجَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ هُنَا بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ لَا الْأَصَالَةِ فَمَا مَعْنَى بِنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي كَانَ جَوَابُهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكِتَابِ عَلَى أَصْلِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا.
(قَوْلُهُ وَكَذَا يَضْمَنُ مَالَ الْحَرْبِيِّ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَطْعِ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ بَيَانًا لِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى. صُورَتُهَا: مُسْلِمٌ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَخَذَ مَالَ حَرْبِيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ خَرَجَا إلَيْنَا فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: أَخَذْتُ مِنْك مَالًا وَأَنْتَ حَرْبِيٌّ فَقَالَ بَلْ أَخَذْتَ مِنِّي وَأَنَا مُسْلِمٌ فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافٍ، كَذَا قِيلَ. فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَسْنَدَ إقْرَارَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ قَدْ يُضْمَنُ إذَا أَخَذَهُ دَيْنًا فَكَانَ قَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يُسْمَعُ إلَّا بِحُجَّةٍ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نُبَذٌ مِنْ الِاخْتِلَالِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَطْعِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي مَسْأَلَةِ الْقَطْعِ نَفْسِهَا إلَّا أَنَّهُ نَظِيرٌ لَهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِلَّةِ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إسْنَادُ الْإِقْرَارِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ عِنْدَهُمَا: وَكَوْنُهُ نَظِيرًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ تَعَلُّقٌ مَحْضٌ بِهِ، فَإِنَّ التَّنْظِيرَ كَثِيرُ الْوُقُوعِ فِي اسْتِدْلَالَاتهمْ شَائِعٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ. فَصَارَ قَوْلُهُ هُنَا وَكَذَا يَضْمَنُ مَالَ الْحَرْبِيِّ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ فَقَأْتُ عَيْنَك الْيُمْنَى وَعَيْنِي الْيُمْنَى صَحِيحَةٌ إلَخْ. وَأَمَّا ثَانِيًا
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
غَلَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَدْيُونَةً لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فَحَصَلَ الْإِسْنَادُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ.
قَالَ (وَإِذَا أَمَرَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ صَبِيًّا حُرًّا بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ حَقِيقَةً، وَعَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ) وَكَذَا إذَا كَانَ الْآمِرُ صَبِيًّا لِأَنَّهُمَا لَا يُؤَاخَذَانِ بِأَقْوَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ وَمَا اُعْتُبِرَ قَوْلُهُمَا، وَلَا رُجُوعَ لِعَاقِلَةِ الصَّبِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ الْآمِرِ أَبَدًا، وَيَرْجِعُونَ عَلَى الْعَبْدِ الْآمِرِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ لَا لِنُقْصَانِ أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ قَاصِرُ الْأَهْلِيَّةِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَ عَبْدًا) مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ عَبْدًا وَالْمَأْمُورُ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا (يُخَاطَبُ مَوْلَى الْقَاتِلِ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ) وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْحَالِ، وَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِأَقَلَّ مِنْ الْفِدَاءِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي دَفْعِ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، وَكَذَا إذَا كَانَ عَمْدًا وَالْعَبْدُ الْقَاتِلُ صَغِيرًا لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ، أَمَّا إذَا كَانَ كَبِيرًا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِجَرَيَانِهِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
قَالَ (وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلَيْنِ عَمْدًا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَدْفَعُ نِصْفَهُ إلَى الْآخَرَيْنِ أَوْ يَفْدِيهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمَ) لِأَنَّهُ لَمَّا عَفَا أَحَدُ وَلِيِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَانْقَلَبَ مَالًا فَصَارَ كَمَا لَوْ وَجَبَ الْمَالُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الرَّقَبَةِ أَوْ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا وَقَدْ سَقَطَ نَصِيبُ الْعَافِيَيْنِ وَهُوَ النِّصْفُ وَبَقِيَ النِّصْفُ (فَإِنْ كَانَ قَتَلَ أَحَدَهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرَ خَطَأً فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ فَإِنْ فَدَاهُ الْمَوْلَى فَدَاهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا خَمْسَةُ آلَافٍ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ مِنْ وَلِيِّي الْعَمْدِ وَعَشَرَةُ آلَافٍ لِوَلِيَّيْ الْخَطَأِ) لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَلَبَ الْعَمْدُ مَالًا كَانَ حَقُّ وَلِيَّيْ الْخَطَإِ فِي كُلِّ الدِّيَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَحَقُّ أَحَدِ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ فِي نِصْفِهَا خَمْسَةَ آلَافٍ، وَلَا تَضَايُقَ فِي الْفِدَاءِ فَيَجِبُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا (وَإِنْ دَفَعَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَثْلَاثًا: ثُلُثَاهُ لِوَلِيَّيْ الْخَطَإِ، وَثُلُثُهُ لِغَيْرِ الْعَافِي مِنْ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَدْفَعُهُ أَرْبَاعًا: ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِوَلِيَّيْ الْخَطَإِ، وَرُبْعُهُ لِوَلِيِّ الْعَمْدِ) فَالْقِسْمَةُ عِنْدَهُمَا بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ،
فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ قَدْ يُضْمَنُ إذَا أَخَذَهُ دَيْنًا لَيْسَ بِشَرْحٍ مُطَابِقٍ لِلْمَشْرُوحِ، وَإِنَّمَا الْمُطَابِقُ لَهُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ قَدْ يُضْمَنُ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ تَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَإِنْ دَفَعَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَثْلَاثًا: ثُلُثَاهُ لِوَلِيَّيْ الْخَطَإِ، وَثُلُثُهُ لِغَيْرِ الْعَافِي مِنْ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: يَدْفَعُهُ أَرْبَاعًا إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَأَصْلُ هَذَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ
[ ١٠ / ٣٥١ ]
فَيُسَلِّمُ النِّصْفَ لِوَلِيَّيْ الْخَطَإِ بِلَا مُنَازَعَةٍ، وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَةُ الْفَرِيقَيْنِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَيَتَنَصَّفُ، فَلِهَذَا يُقَسَّمُ أَرْبَاعًا. وَعِنْدَهُ يُقَسَّمُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ أَثْلَاثًا، لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ أَصْلُهُ التَّرِكَةُ الْمُسْتَغْرَقَةُ بِالدُّيُونِ فَيَضْرِبُ هَذَا بِالْكُلِّ وَذَلِكَ بِالنِّصْفِ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ وَأَضْدَادٌ ذَكَرْنَاهَا فِي الزِّيَادَاتِ.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ) (عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَتَلَ مَوْلًى لَهُمَا) أَيْ قَرِيبًا لَهُمَا (فَعَفَا أَحَدُهُمَا) (بَطَلَ الْجَمِيعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَدْفَعُ الَّذِي عَفَا نِصْفَ نَصِيبِهِ إلَى الْآخَرِ أَوْ يَفْدِيهِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ) وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَتَلَ وَلِيًّا لَهُمَا، وَالْمُرَادُ الْقَرِيبُ أَيْضًا، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ: عَبْدٌ قَتَلَ مَوْلَاهُ وَلَهُ ابْنَانِ فَعَفَا أَحَدُ الِابْنَيْنِ بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ.
أَنَّ قِسْمَةَ الْعَيْنِ إذَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ كَالْغَرِيمَيْنِ فِي التَّرِكَةِ وَنَحْوِهَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ، لِأَنَّهُ لَا تَضَايُقَ فِي الذِّمَّةِ فَيَثْبُتُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَيَضْرِبُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ. أَمَّا إذَا وَجَبَتْ قِسْمَةُ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً لَا بِسَبَبِ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَهِيَ أَنَّ فُضُولِيًّا لَوْ بَاعَ عَبْدَ إنْسَانٍ كُلِّهِ وَفُضُولِيًّا آخَرَ بَاعَ نِصْفَهُ وَأَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَيْنِ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ أَرْبَاعًا وَكَانَتْ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ، لِأَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ فِي الْعَيْنِ ابْتِدَاءً لَا يَثْبُتُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ، لِأَنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ تَضِيقُ عَنْ الْحَقَّيْنِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ.
وَلَمَّا ثَبَتَ هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ:
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
وَلَمْ يَذْكُرْ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ. لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ ثَبَتَ فِي الْعَبْدِ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْقِصَاصِ لَهُ فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا انْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ وَهُوَ النِّصْفُ مَالًا، غَيْرَ أَنَّهُ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ فَيَكُونُ نِصْفُهُ فِي نَصِيبِهِ وَالنِّصْفُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، فَمَا يَكُونُ فِي نَصِيبِهِ سَقَطَ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ مَالًا، وَمَا كَانَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بَقِيَ وَنِصْفُ النِّصْفِ هُوَ الرُّبْعُ فَلِهَذَا يُقَالُ: ادْفَعْ نِصْفَ نَصِيبِك أَوْ افْتَدَاهُ بِرُبْعِ الدِّيَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ يَكُونُ حَقَّ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ بَدَلُ دَمِهِ، وَلِهَذَا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ بِهِ وَصَايَاهُ، ثُمَّ الْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَهُ فِيهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَاجَتِهِ وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا فَلَا تَخْلُفُهُ الْوَرَثَةُ فِيهِ.
ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ لِوَلِيِّ الْخَطَإِ. وَرُبْعُهُ لِلسَّاكِتِ مِنْ وَلِيِّ الْعَمْدِ. لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْعَمْدِ كَانَ فِي جَمِيعِ الرَّقَبَةِ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا بَطَلَ حَقُّهُ وَفَرَغَ النِّصْفُ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّ وَلِيِّ الْخَطَإِ بِهَذَا النِّصْفِ بِلَا مُنَازَعَةٍ، بَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَةُ وَلِيِّ الْخَطَإِ وَالسَّاكِتِ مِنْ وَلِيِّ الْعَمْدِ فِي هَذَا النِّصْفِ فَصَارَ هَذَا النِّصْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ أَرْبَاعًا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْفُضُولِيَّيْنِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ أَصْلَ حَقِّهِمَا لَيْسَ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ بَلْ فِي الْأَرْشِ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْمُتْلَفِ، وَالْقِسْمَةُ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ تَكُونُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْخَطَإِ فِي عَشْرَةٍ وَحَقَّ شَرِيكِ الْعَافِي فِي خَمْسَةٍ فَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحِصَّةٍ، كَرَجُلٍ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَلْفٌ لِرَجُلٍ وَأَلْفَانِ لِآخَرَ مَاتَ الْمَدْيُونُ وَتَرَكَ أَلْفًا كَانَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَ صَاحِبَيْ الدَّيْنِ أَثْلَاثًا بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ ثُلُثَاهَا لِصَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ وَثُلُثُهَا لِصَاحِبِ الْأَلْفِ، فَكَذَا هَاهُنَا بِخِلَافِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، لِأَنَّ
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
(فَصْلٌ).
(وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا تُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ قَضَى لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً، وَفِي الْأَمَةِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ خَمْسَةُ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ بَدَلُ الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا يَجِبُ لِلْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْقَى الْعَقْدُ وَبَقَاؤُهُ بِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ أَصْلًا أَوْ بَدَلًا وَصَارَ كَقَلِيلِ الْقِيمَةِ وَكَالْغَصْبِ.
الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْعَيْنِ ابْتِدَاءً، إلَى هُنَا أَشَارَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ وَالْمَحْبُوبِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ فِي هَذَا الشَّرْحِ وَالْبَيَانِ صَاحِبَا الْعِنَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْبَابِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ هُوَ الدَّفْعُ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْمُوجِبَ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَوْلَى حَقُّ النَّقْلِ إلَى الْفِدَاءِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ فَمَا مَعْنَى بِنَاءِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ أَصْلَ حَقِّهِمَا لَيْسَ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ بَلْ فِي الْأَرْشِ، وَهَلَّا يَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ فِي جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ هُوَ الْفِدَاءُ دُونَ دَفْعِ عَيْنِ الْعَبْدِ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي بَيَانِ طَرِيقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هَاهُنَا لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ يَنْبُو عَمَّا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ. .
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ، وَقَدَّمَ الْأَوْلَى تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْفَاعِلِيَّةِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَهُوَ حَقُّ الْأَدَاءِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ: إنَّمَا قَدَّمَ جِنَايَةَ الْعَبِيدِ عَلَى الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْفَاعِلَ قَبْلَ الْمَفْعُولِ وُجُودًا فَكَذَا تَرْتِيبًا، أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ ذَاتَ الْفَاعِلِ قَبْلَ ذَاتِ الْمَفْعُولِ وُجُودًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ ذَاتِ الْمَفْعُولِ قَبْلَ وُجُودِ ذَاتِ الْفَاعِلِ مُدَّةً طَوِيلَةً، مَثَلًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمْرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ سَبْعِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ وَعُمْرُ الْجَانِي عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ فَاعِلِيَّةَ الْفَاعِلِ قَبْلَ مَفْعُولِيَّةِ الْمَفْعُولِ وُجُودًا فَهُوَ أَيْضًا مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمَفْعُولِيَّةَ وَالْفَاعِلِيَّةَ تُوجَدَانِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ آنُ تَعَلُّقِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي بِالْمَفْعُولِ بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِ، إذْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَّصِفُ الْفَاعِلُ بِالْفَاعِلِيَّةِ وَلَا الْمَفْعُولُ بِالْمَفْعُولِيَّةِ، وَكُلُّ
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أَوْجَبَهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ اسْمٌ لِلْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ حَتَّى كَانَ مُكَلَّفًا، وَفِيهِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ، وَالْآدَمِيَّةُ أَعْلَاهُمَا فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِإِهْدَارِ الْأَدْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَضَمَانُ الْغَصْبِ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ، إذْ الْغَصْبُ لَا يُرَدُّ إلَّا عَلَى الْمَالِ، وَبَقَاءُ الْعَقْدِ يَتْبَعُ الْفَائِدَةَ حَتَّى يَبْقَى بَعْدَ قَتْلِهِ عَمْدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقِصَاصُ بَدَلًا عَنْ الْمَالِيَّةِ فَكَذَلِكَ أَمْرُ الدِّيَةِ، وَفِي قَلِيلِ الْقِيمَةِ الْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَا سَمْعَ فِيهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِقِيمَتِهِ رَأْيًا، بِخِلَافِ كَثِيرِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ قِيمَةَ الْحُرِّ
ذَلِكَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى الْفَطِنِ الْعَارِفِ بِالْقَوَاعِدِ.
(قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أَوْجَبَهَا مُطْلَقًا وَهِيَ اسْمٌ لِلْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ) وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الدِّيَةَ مُطْلَقًا فِيمَنْ قَتَلَ خَطَأً حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا. وَالدِّيَةُ اسْمٌ لِلْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِيمَنْ قَتَلَ الْعَبْدَ أَيْضًا خَطَأً هُوَ الدِّيَةُ الَّتِي تَكُونُ وَاجِبَةً بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَفَاوَتَ دِيَاتُ الْعَبِيدِ فِي الْمِقْدَارِ لِتَسَاوِيهِمْ فِي الْآدَمِيَّةِ، كَمَا لَا تَتَفَاوَتُ دِيَاتُ الْأَحْرَارِ فِي الْقِيمَةِ لِتَسَاوِيهِمْ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ بِوُجُوهٍ شَتَّى، مَعَ أَنَّ دِيَاتِ الْعَبِيدِ تَتَفَاوَتُ فِي الْمِقْدَارِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ قِيمَتِهِمْ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ حَتَّى كَانَ مُكَلَّفًا وَفِيهِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ، وَالْآدَمِيَّةُ أَعْلَاهُمَا فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِإِهْدَارِ الْأَدْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ حَتَّى كَانَ مُكَلَّفًا بِلَا خِلَافٍ، وَفِيهِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ حَتَّى وَرَدَ عَلَيْهِ الْمِلْكُ بِلَا خِلَافٍ وَالْآدَمِيَّةُ أَعْلَاهُمَا لَا مَحَالَةَ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِإِهْدَارِ الْأَدْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إذْ الْعَكْسُ يُفْضِي إلَى إهْدَارِهِمَا جَمِيعًا، لِأَنَّ الْآدَمِيَّةَ أَصْلٌ لِقِيَامِ الْمَالِيَّةِ بِهَا، وَفِي إهْدَارِ الْأَصْلِ إهْدَارُ التَّابِعِ، وَإِهْدَارُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ إهْدَارِهِمَا انْتَهَى، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِصُورَةِ الْغَصْبِ فَإِنَّ فِيهَا إهْدَارَ الْأَصْلِ دُونَ التَّابِعِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِوَارِدٍ، فَإِنَّ إهْدَارَ أَحَدِهِمَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا وُجِدَ إتْلَافُهُمَا مَعًا فَاعْتُبِرَ أَحَدُهُمَا وَأُهْدِرَ الْآخَرُ بِأَنْ يُعْطَى لِإِتْلَافِ أَحَدِهِمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ دُونَ إتْلَافِ الْآخَرِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ إتْلَافَ آدَمِيَّةٍ وَمَالِيَّةٍ مَعًا، بِخِلَافِ الْغَصْبِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إتْلَافُ الْآدَمِيَّةِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْحَاصِلُ بِهِ إتْلَافُ الْمَالِيَّةِ بِإِزَالَةِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ عَنْهُ وَإِثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ فِيهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَضَمَانُ الْغَصْبِ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ، إذْ الْغَصْبُ لَا يُرَدُّ إلَّا عَلَى الْمَالِ، فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إتْلَافُ الْآدَمِيَّةِ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ إهْدَارُ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْآدَمِيَّةُ، فَإِنَّ مَعْنَى إهْدَارِهِ أَنْ لَا يُعْطَى لِإِتْلَافِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ إتْلَافُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ إهْدَارُهُ تَفَكَّرْ.
(قَوْلُهُ وَفِي قَلِيلِ الْقِيمَةِ الْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَا سَمْعَ فِيهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِقِيمَتِهِ رَأْيًا) أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَشَاعَ فِي عِلْمِ الْفُرُوعِ أَيْضًا
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
مُقَدَّرَةٌ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَنَقَصْنَا مِنْهَا فِي الْعَبْدِ إظْهَارًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ، وَتَعْيِينُ الْعَشَرَةِ بِأَثَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَالَ (وَفِي يَدِ الْعَبْدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَا يُزَادُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ إلَّا خَمْسَةً) لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ فَتُعْتَبَرُ بِكُلِّهِ، وَيَنْقُصُ هَذَا الْمِقْدَارُ إظْهَارًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ، وَكُلُّ مَا يُقَدَّرُ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ فَهُوَ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْعَبْدِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ إذْ هُوَ بَدَلُ الدَّمِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَإِنْ غَصَبَ أَمَةً قِيمَتُهَا عِشْرُونَ أَلْفًا فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ تَمَامُ قِيمَتِهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْمَالِيَّةِ.
قَالَ (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى الْقَاطِعِ أَرْشُ الْيَدِ، وَمَا نَقَصَهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَعْتِقَهُ وَيَبْطُلُ الْفَضْلُ) وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِاشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ،
أَنَّ الرَّأْيَ وَالْقِيَاسَ لَا يَجْرِيَانِ فِي الْمَقَادِيرِ، بَلْ إنَّمَا تُعْرَفُ الْمَقَادِيرُ بِالسَّمْعِ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّقْدِيرُ بِالْقِيمَةِ هُنَا بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ سَمْعٍ؟ وَأَيْضًا أَنَّ الْعَبِيدَ لَا يَتَفَاوَتُونَ فِي نَفْسِ الْآدَمِيَّةِ لَا مَحَالَةَ، وَعَنْ هَذَا لَا يَتَفَاوَتُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ تَكَالِيفِ الشَّرْعِ الْمُتَوَجِّهَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ الْآدَمِيَّةُ، كَالتَّكْلِيفِ بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ شَرَائِعِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَكَيْفَ يَتِمُّ تَقْدِيرُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِقِيمَتِهِمْ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْقِيَمِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ غَصَبَ أَمَةً قِيمَتُهَا عِشْرُونَ أَلْفًا فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ تَمَامُ قِيمَتِهَا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَرَّةً فِيمَا قَبْلُ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا وَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا وَجْهُ الْإِعَادَةِ هُنَا، وَتَكْرَارُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ الْمُصَنِّفِينَ كَمَا لَا يَخْفَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَ هُنَا فَإِنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْبِدَايَةِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَ فِيمَا قَبْلُ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ فَرْقًا بَيْنَ مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْعَبْدِ خَطَأً وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ غَصْبِهِ فِي الْحُكْمِ، حَيْثُ يَجِبُ فِي الْأُولَى أَقَلُّ مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ، وَيَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ بِالْإِجْمَاعِ وَجَمْعًا لِدَلِيلَيْ تَيْنِكَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْبَيَانِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِاشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ،
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ عِنْدَ الْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْجُرْحِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْجُرْحِ يَكُونُ الْحَقُّ لِلْمَوْلَى، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ فَتَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ وَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ فَلَا يَجِبُ عَلَى وَجْهٍ يُسْتَوْفَى وَفِيهِ الْكَلَامُ، وَاجْتِمَاعُهُمَا لَا يُزِيلُ الِاشْتِبَاهَ لِأَنَّ الْمُلْكَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِرَجُلٍ وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ إذَا قُتِلَ، لِأَنَّ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْحَقِّ ثَابِتٌ مِنْ وَقْتِ الْجُرْحِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا زَالَ الِاشْتِبَاهُ.
وَلِمُحَمَّدٍ فِي الْخِلَافِيَّةِ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ وَرَثَةٌ سِوَى الْمَوْلَى أَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ قَدْ اخْتَلَفَ لِأَنَّهُ الْمِلْكُ عَلَى اعْتِبَارِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَالْوِرَاثَةُ بِالْوَلَاءِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأُخْرَى، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ اخْتِلَافِ الْمُسْتَحَقِّ فِيمَا يُحْتَاطُ فِيهِ
لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ عِنْدَ الْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْجُرْحِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْجُرْحِ يَكُونُ الْحَقُّ لِلْمَوْلَى، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ فَتَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ إلَخْ) وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ مَا مَعْنَى هَذَا التَّرَدُّدِ وَقَدْ صَرَّحُوا فِيمَا لَوْ ضَرَبَ الْأَمَةَ الْحَامِلَةَ فَأَعْتَقَ الْمَوْلَى الْأَمَةَ ثُمَّ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَمَاتَ الْوَلَدُ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الضَّرْبِ حَتَّى تَجِبَ الْقِيمَةُ لَا الدِّيَةُ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، إذْ قَدْ صَرَّحُوا فِي بَيَانِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّا اعْتَبَرْنَا حَالَتَيْ الضَّرْبِ وَالتَّلَفِ مَعًا، فَأَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ دُونَ الدِّيَةِ اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الضَّرْبِ، وَأَوْجَبْنَا قِيمَتَهُ حَيًّا اعْتِبَارًا لِحَالَةِ التَّلَفِ، وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَشُرُوحِهِ مُفَصَّلًا فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ الْجَنِينِ فَكَأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ حَفِظَ بَعْضَ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ وَنَسِيَ بَعْضَهُ فَزَعَمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَاكَ حَالَةُ الضَّرْبِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ الْكَلَامُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْعَبْدِ وَرَثَةٌ سِوَى الْمَوْلَى. وَقَالَ: وَوَصَلَ شَيْخِي بِخَطِّهِ الضَّمِيرَ فِي وَفِيهِ إلَى وَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ لَكِنْ مَآلُ ذَلِكَ إلَى مَا قُلْنَا اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: قَوْلُهُ وَفِيهِ الْكَلَامُ: أَيْ فِي وُجُوبِهِ عَلَى وَجْهٍ يُسْتَوْفَى، وَلَا كَلَامَ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لِإِفَادَةِ الِاسْتِيفَاءِ، فَإِذَا فَاتَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَوْلُهُ وَفِيهِ الْكَلَامُ: أَيْ كَلَامُنَا فِي تَحَقُّقِ اشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ: يَعْنِي أَنَّ تَعَذُّرَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِتَحَقُّقِ اشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ وَقَدْ تَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَيَتَعَذَّرُ الِاسْتِيفَاءُ اهـ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ وَفِيهِ الْكَلَامُ: أَيْ وَفِيمَا إذَا كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُ الْمَوْلَى، وَنَقَلَ سَائِرَ الْأَقْوَالِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ وَقِيلَ وَقِيلَ. أَقُولُ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي تَفْسِيرِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدِي، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَعْدَ أَنْ قَالَ فِيمَا قَبْلُ وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَرِيدًا بِهِ مَا إذَا كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُ الْمَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً كَيْفَ يَحْتَاجُ هُنَا إلَى أَنْ يَقُولَ وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُ الْمَوْلَى، وَهَلَّا يَكُونُ هَذَا لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْغَايَةِ فَلَا يَخْلُو كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الرَّكَاكَةِ، بَلْ عَنْ اللُّغَوِيَّةِ أَيْضًا كَمَا يُدْرِكُهُ الذَّوْقُ الصَّحِيحُ. وَإِنَّمَا الْحَقُّ الصَّرِيحُ هُنَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ، إذْ يَنْتَظِمُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ جِدًّا وَيَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ بِقَرِيبِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ كَمَا تَرَى.
(قَوْلُهُ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ اخْتِلَافِ الْمُسْتَحِقِّ فِيمَا يُحْتَاطُ فِيهِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِ مَا يُحْتَاطُ فِيهِ: أَيْ الَّذِي
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
كَمَا إذَا قَالَ لِآخَرَ بِعْتنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِكَذَا فَقَالَ الْمَوْلَى زَوَّجْتهَا مِنْك لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ، وَبِانْقِطَاعِهَا يَبْقَى الْجُرْحُ بِلَا سِرَايَةٍ وَالسِّرَايَةُ بِلَا قَطْعٍ فَيَمْتَنِعُ الْقِصَاصُ. وَلَهُمَا أَنَّا تَيَقَّنَّا بِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِلْمَوْلَى فَيَسْتَوْفِيَا
لَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ، وَقَالُوا: فَإِنَّهُ يُحْتَرَزُ بِهَذَا عَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْمَالِ وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْوَالُ مِمَّا يَقَعُ فِيهَا الْبَدَلُ وَالْإِبَاحَةُ فَلَا يُبَالِي بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا عَنْ الشُّرُوحِ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ بِاَلَّذِي لَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ إنَّمَا يَكُونُ عَمَّا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ وَالْأَمْوَالُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ سَاقِطٌ جِدًّا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْوَالَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ؛ أَلَا يَرَى إلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ مِنْ أَنَّ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَتُقْبَلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ مَالًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَالٍ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسِّرَ مَا يُحْتَاطُ فِيهِ بِالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ، فَإِنَّهُ اسْتَشْهَدَ بَعْدَهُ بِحِلِّ الْوَطْءِ وَهُوَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا اسْتَشْهَدَ بَعْدَهُ بِحِلِّ الْوَطْءِ وَإِنَّمَا اسْتَشْهَدَ بِعَدَمِ حِلِّهِ كَمَا تَرَى. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءِ لَيْسَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ قَطْعًا. نَعَمْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ أَوْ بِشُبْهَةِ الْمَحَلِّ، لَكِنْ لَا يَحِلُّ الْوَطْءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ. فَإِنَّ وَجْهَ الْخَلَلِ الْأَوَّلِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ بِأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ بِعَدَمِ حِلِّ الْوَطْءِ يَبْقَى الْخَلَلُ الثَّانِي بِلَا تَحَمُّلِ تَوْجِيهٍ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ فِي نَقْلِ عِبَارَةِ الْعِنَايَةِ: وَهُوَ مَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ بَدَلٌ وَهُوَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ، وَقَالَ لَفْظَةُ " مَا " نَافِيَةٌ. أَقُولُ: نُسَخُ الْعِنَايَةِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا لَا تُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّةِ ذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ عَنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هُنَا، لِأَنَّهُ لَمَّا فَسَّرَ مَا يُحْتَاطُ فِيهِ بِالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ لَزِمَ أَنْ يَحْتَرِزَ بِهِ عَنْ الْأَمْوَالِ بِالضَّرُورَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الدِّمَاءِ وَلَا مِنْ الْفُرُوجِ، فَإِنْ كَانَ عِبَارَةُ الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُ اسْتَشْهَدَ بَعْدَهُ بِحِلِّ الْوَطْءِ وَهُوَ مَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ وَكَانَ لَفْظَةُ مَا نَافِيَةً لَزِمَ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ مِثْلُ النَّظَرِ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَى سَائِرِ الشُّرُوحِ بِأَنْ يُقَالَ: الْأَمْوَالُ أَيْضًا لَا تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ عَلَى زَعْمِك فَصَارَتْ كَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ، فَمَا مَعْنَى الِاحْتِرَازِ عَنْهَا بِتَفْسِيرِ مَا يُحْتَاطُ فِيهِ بِالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا عَدَّهُ أَوْلَى مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ، وَبِانْقِطَاعِهَا يَبْقَى الْجُرْحُ بِلَا سِرَايَةٍ وَالسِّرَايَةُ بِلَا قَطْعٍ فَيَمْتَنِعُ الْقِصَاصُ) هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يُصَيِّرُ النِّهَايَةَ
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ مَعْلُومٌ وَالْحُكْمُ مُتَّحِدٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالِاسْتِيفَاءِ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ مَجْهُولٌ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ هَاهُنَا لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يُغَايِرُ مِلْكَ النِّكَاحِ حُكْمًا، وَالْإِعْتَاقُ لَا يَقْطَعُ السِّرَايَةَ لِذَاتِهِ بَلْ لِاشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَذَلِكَ فِي الْخَطَإِ دُونَ الْعَمْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصْلُحُ مَالِكًا لِلْمَالِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْجُرْحِ يَكُونُ الْحَقُّ لِلْمَوْلَى، وَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْمَوْتِ يَكُونُ لِلْمَيِّتِ لِحُرِّيَّتِهِ فَيُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَيُنَفَّذُ وَصَايَاهُ فَجَاءَ الِاشْتِبَاهُ.
أَمَّا الْعَمْدُ فَمُوجِبُهُ الْقِصَاصُ وَالْعَبْدُ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لَهُ فَالْمَوْلَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ إذْ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ فَلَا اشْتِبَاهَ فِيمَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي الْفَصْلَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ أَرْشُ الْيَدِ، وَمَا نَقَصَهُ مِنْ وَقْتِ الْجُرْحِ إلَى وَقْتِ الْإِعْتَاقِ كَمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ وَيَبْطُلُ الْفَضْلُ، وَعِنْدَهُمَا الْجَوَابُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ
مُخَالِفَةً لِلْبِدَايَةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْ جَرَحَ عَبْدَ إنْسَانٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَلَا الْقِيمَةُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ؛ فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَبِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لِأَنَّ الدَّلِيلَ وَهُوَ مُخَالَفَةُ النِّهَايَةِ لِلْبِدَايَةِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، وَبِانْقِطَاعِهِمَا يَبْقَى الْجُرْحُ بِلَا سِرَايَةٍ وَالسِّرَايَةُ بِلَا قَطْعٍ فَيَمْتَنِعُ الْقِصَاصُ كَأَنَّهُ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ أَرْشُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى لِكَوْنِهِ جُرْحًا بِلَا سِرَايَةٍ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ نَظَرًا إلَى حَقِيقَةِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ، لِأَنَّهُ إذَا سَرَى تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْجِنَايَةَ قَتْلٌ لَا قَطْعٌ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي السُّؤَالِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ أَرْشُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: أَرْشُ الْيَدِ دُونَ أَنْ يَقُولَ أَرْشُ الْجُرْحِ فَلَا وُرُودَ لِلسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا، إذْ يَجِبُ أَرْشُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكِتَابِ، فَلَا مَجَالَ لِلسُّؤَالِ عَلَى دَلِيلِ مُحَمَّدٍ ﵀ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مُقْتَضَاهُ أَنْ يَجِبَ أَرْشُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا هَاهُنَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْوِيرِ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ جَرَحَ عَبْدَ إنْسَانٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ فَلِلسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ وُرُودٌ، وَلَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ مَنْقُوضٌ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ يَجْرِي فِيهَا أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا أَرْشُ الْيَدِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَحَقَّقْتُهُ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَذَلِكَ فِي الْخَطَإِ دُونَ الْعَمْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصْلُحُ مَالِكًا لِلْمَالِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْجُرْحِ يَكُونُ الْحَقُّ لِلْمَوْلَى، وَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْمَوْتِ يَكُونُ لِلْمَيِّتِ لِحُرِّيَّتِهِ فَجَاءَ الِاشْتِبَاهُ) أَقُولُ: فِي هَذَا الْمَقَامِ ضَرْبٌ مِنْ الْإِشْكَالِ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْلَى بِالْوِرَاثَةِ،
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
كَالْجَوَابِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الثَّانِي.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ شُجَّا فَأَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَأَرْشُهُمَا لِلْمَوْلَى) لِأَنَّ الْعِتْقَ غَيْرُ نَازِلٍ فِي الْمُعَيَّنِ وَالشَّجَّةُ تُصَادِفُ الْمُعَيَّنَ فَبَقِيَا مَمْلُوكَيْنِ فِي حَقِّ الشَّجَّةِ (وَلَوْ قَتَلَهُمَا رَجُلٌ تَجِبُ دِيَةُ حُرٍّ وَقِيمَةُ عَبْدٍ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيَانَ إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِظْهَارٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَا عُرِفَ، وَبَعْدَ الشَّجَّةِ بَقِيَ مَحِلًّا لِلْبَيَانِ فَاعْتُبِرَ إنْشَاءً فِي حَقِّهِمَا، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ مَحِلًّا لِلْبَيَانِ فَاعْتَبَرْنَاهُ إظْهَارًا مَحْضًا، وَأَحَدُهُمَا حُرٌّ بِيَقِينٍ فَتَجِبُ قِيمَةُ عَبْدٍ وَدِيَةُ حُرٍّ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةُ الْمَمْلُوكِينَ، لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِقَتْلِ
فَكَانَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الْمَالِ عَلَى كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ هُوَ الْمَوْلَى فَلَا اشْتِبَاهَ؛ أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي صُورَةِ الْعَمْدِ وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِلْعَبْدِ فَالْمَوْلَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ، إذْ لَا وَارِثَ سِوَاهُ فَلَا اشْتِبَاهَ فِيمَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ اخْتِلَافَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً كَافٍ فِي تَحَقُّقِ الِاشْتِبَاهِ الْمُقْتَضِي لِقَطْعِ الْإِعْتَاقِ السِّرَايَةِ وَاتِّحَادِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الِانْتِهَاءِ، وَالْمَالُ غَيْرُ مُفِيدٍ فِي دَفْعِ ذَلِكَ يَتَّجِهُ الْإِشْكَالُ عَلَى صُورَةِ الْعَمْدِ، فَإِنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ فِي هَاتِيكَ الصُّورَةِ لِلْعَبْدِ عَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْجُرْحِ لِكَوْنِ الْعَبْدِ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الْقِصَاصِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَلِلْمَوْلَى عَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الْمَوْتِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ حَقَّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ثَابِتٌ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ كَمَا فِي الدِّيَةِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْقِصَاصِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْفِعْلِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ مِنْ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فِي الْأَمْوَالِ، كَمَا إذَا نَصَبَ شَبَكَةً وَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدًا بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ كُلُّهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ مِنْ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فَيَلْزَمُ اشْتِبَاهُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً فِي صُورَةِ الْعَمْدِ أَيْضًا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ صُورَتَيْ الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ عَلَى أَصْلِهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ عَلَى قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ
(قَوْلُهُ وَبَعْدَ الشَّجَّةِ بَقِيَ مَحَلًّا لِلْبَيَانِ فَاعْتُبِرَ إنْشَاءٌ فِي حَقِّهِمَا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ الْمُطَابِقُ لِوَضْعِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: فَاعْتُبِرَ إنْشَاءُ فِي حَقِّ مَنْ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُهُمَا الْمُتَعَيَّنُ بِالْبَيَانِ
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرًّا وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى ثُبُوتَ الْعِتْقِ فِي الْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً، وَإِنَّمَا صَحَّحْنَاهُ ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ وَأَثْبَتْنَا لَهُ وِلَايَةَ النَّقْلِ مِنْ الْمَجْهُولِ إلَى الْمَعْلُومِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَهِيَ فِي النَّفْسِ دُونَ الْأَطْرَافِ فَبَقِيَ مَمْلُوكًا فِي حَقِّهَا.
قَالَ (وَمَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ، فَإِنْ شَاءَ الْمَوْلَى دَفَعَ عَبْدَهُ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ النُّقْصَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إنْ شَاءَ أَمْسَكَ الْعَبْدَ وَأَخَذَ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ الْعَبْدَ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُضَمِّنُهُ كُلَّ الْقِيمَةِ وَيُمْسِكُ الْجُثَّةَ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الضَّمَانَ مُقَابِلًا بِالْفَائِتِ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا إذَا قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ فَقَأَ إحْدَى عَيْنَيْهِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَالِيَّةَ قَائِمَةٌ فِي الذَّاتِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْأَطْرَافِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا فِي حَقِّ الذَّاتِ قَصْرًا عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً
فَتَأَمَّلْ فِي التَّوْجِيهِ
(قَوْلُهُ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَالِيَّةَ قَائِمَةٌ فِي الذَّاتِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْأَطْرَافِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارَهَا فِي حَقِّ الذَّاتِ قَصْرًا عَلَيْهِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي حِلِّ هَذَا الْمَقَامِ: يَعْنِي أَنَّ الْمَالِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْأَطْرَافِ كَمَا أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الذَّاتِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّاتِ قَصْرًا عَلَيْهِ: أَيْ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمَالِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّاتِ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ سَاقِطٌ بِالْإِجْمَاعِ: يَعْنِي لَمْ يَقْتَصِرْ اعْتِبَارُ الْمَالِيَّةِ عَلَى الذَّاتِ فَحَسْبُ، بَلْ اُعْتُبِرَتْ فِي حَقِّ الذَّاتِ وَالْأَطْرَافِ جَمِيعًا، هَذَا زُبْدَةُ مَا قَالُوا. أَقُولُ: فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُنَافِيًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ فِي صَدْرِ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ فِيهِ: أَيْ فِي الْعَبْدِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ حَتَّى كَانَ مُكَلَّفًا وَفِيهِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ وَالْآدَمِيَّةُ أَعْلَاهُمَا فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِإِهْدَارِ الْأَدْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اهـ.
فَإِنَّ مَدْلُولَ مَا قَالَهُ هُنَاكَ أَنَّ الْمَالِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَدْنَى مِنْ الْآدَمِيَّةِ مُهْدَرَةٌ فِي حَقِّ ذَاتِ الْعَبْدِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآدَمِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِ هِيَ الْآدَمِيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَمَدْلُولُ كَلَامِهِ هُنَا عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمَالِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ ذَاتِ الْعَبْدِ وَأَطْرَافِهِ جَمِيعًا عِنْدَ أَئِمَّتِنَا فَبَيْنَهُمَا تَدَافُعٌ لَا يَخْفَى. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْجُمْهُورِ قَالَ فِي تَقْرِيرِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَالِيَّةَ قَائِمَةٌ فِي الذَّاتِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْأَطْرَافِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا
[ ١٠ / ٣٦١ ]
وَقَدْ وُجِدَ إتْلَافُ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ بِتَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَالضَّمَانُ يَتَقَدَّرُ بِقِيمَةِ الْكُلِّ فَوَجَبَ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْجُثَّةَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَرِعَايَةً لِلْمُمَاثَلَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَقَأَ عَيْنَيْ حُرٍّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ، وَبِخِلَافِ عَيْنَيْ الْمُدَبَّرِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، وَفِي قَطْعِ إحْدَى الْيَدَيْنِ وَفَقْءِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ لَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ لَمَّا كَانَ مُعْتَبَرًا وَجَبَ أَنْ يَتَخَيَّرَ الْمَوْلَى عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَاهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّ مَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ خَرْقًا فَاحِشًا إنْ شَاءَ الْمَالِكُ دَفَعَ الثَّوْبَ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ. وَلَهُ أَنَّ الْمَالِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الذَّاتِ فَالْآدَمِيَّةُ غَيْرُ مُهْدَرَةٍ فِيهِ وَفِي الْأَطْرَافِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدًا لَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ آخَرَ يُؤْمَرُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ وَهَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْآدَمِيَّةِ، لِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ أَنْ تُبَاعَ رَقَبَتُهُ فِيهَا ثُمَّ مِنْ أَحْكَامِ الْأُولَى أَنْ لَا يَنْقَسِمَ عَلَى الْأَجْزَاءِ،
فِي حَقِّ الذَّاتِ: أَيْ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ وَحْدِهِ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ سَاقِطٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَوْجَبَ كَمَالَ الدِّيَةِ بِتَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ بِتَفْوِيتِ الْأَطْرَافِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ زَائِدٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ فَسَّرَ الذَّاتَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ مِنْ الْأَطْرَافِ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: بَدَنُ الْإِنْسَانِ جَسَدُهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قَالُوا: بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ اهـ.
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالذَّاتِ مَا يُقَابِلُ الْأَطْرَافَ وَهُوَ النَّفْسُ وَإِتْلَافُهَا بِإِزَالَةِ الرُّوحِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ عَلَّلَ سُقُوطَ اقْتِصَارِ اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ عَلَى الذَّاتِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَوْجَبَ كَمَالَ الدِّيَةِ بِتَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ بِتَفْوِيتِ الْأَطْرَافِ، وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ لِأَنَّ إيجَابَ الشَّرْعِ كَمَالِ الدِّيَةِ بِتَفْوِيتِ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ فِي حَقِّ الْأَطْرَافِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إيجَابُهُ إيَّاهُ لِلْآدَمِيَّةِ كَمَا فِي الْحُرِّ تَدَبَّرْ. وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي حَلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: يَعْنِي أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَالِيَّةِ فِي الْأَطْرَافِ لَا فِي الذَّاتِ لِأَنَّهَا تَسْلُكُ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ وَلِهَذَا لَا يَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، وَفَسَّرَ الذَّاتَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْمَالِيَّةُ قَائِمَةٌ فِي الذَّاتِ بِالْعَبْدِ حَيْثُ قَالَ: أَيْ فِي الْعَبْدِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا فِي حَقِّ الذَّاتِ قَصْرًا عَلَيْهِ: يَعْنِي أَنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ مُقْتَصَرًا فِي النَّفْسِ لَا فِي الْأَطْرَافِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بَدَلُ الْآدَمِيَّةِ لَا بَدَلَ الْمَالِيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يُجَاوِزُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ بَلْ يَنْقُصُ عَشَرَةً فَتَكُونُ الْمَالِيَّةُ فِي الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ الْأَطْرَافِ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ فِي صَدْرِ الْفَصْلِ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي اسْتِفَادَتِهِ مَنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا تَمَحُّلٌ كَثِيرٌ كَمَا تَرَى، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ مِنْ قِبَلِ أَبِي يُوسُفَ، وَكَلَامُهُ هُنَا مَسُوقٌ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ قِبَلِ أَئِمَّتِنَا جَمِيعًا وَلِهَذَا قَالَ: وَنَحْنُ نَقُولُ: فَلَا بُدَّ أَنْ يُطَابِقَ لِأَصْلِهِمْ جَمِيعًا وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ. وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ﵀ هُنَا لَيْسَ بِخَالٍ عَنْ الِاضْطِرَابِ كَمَا لَا يَذْهَبُ عَلَى الْفَطِنِ، وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَفَطَّنَ لَهُ حَيْثُ تَرَكَ أُسْلُوبَ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَسَلَكَ مَسْلَكًا آخَرَ فِي التَّقْرِيرِ وَالْبَيَانِ مَعَ كَوْنِ عَادَتِهِ أَنْ يَقْتَفِيَ أَثَرَ الْمُصَنِّفِ فِي وَضْعِ الْمَسَائِلِ وَتَقْرِيرِ الدَّلَائِلِ.
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّ الْمَالِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الذَّاتِ فَالْآدَمِيَّةُ غَيْرُ مُهْدَرَةٍ فِيهِ وَفِي الْأَطْرَافِ أَيْضًا)
[ ١٠ / ٣٦٢ ]
وَلَا يَتَمَلَّكَ الْجُثَّةَ، وَمِنْ أَحْكَامِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَنْقَسِمَ وَيَتَمَلَّكَ الْجُثَّةَ فَوَفَّرْنَا عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظَّهُمَا مِنْ الْحُكْمِ.