(وَإِذَا بَاعَ جَارِيَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ) فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ
بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ دَعْوَى الْأَمْوَالِ شَرَعَ فِي بَيَانِ دَعْوَى النَّسَبِ، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ وُقُوعًا فَكَانَ أَهَمَّ ذِكْرًا (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا بَاعَ جَارِيَةً بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ) اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَصَدَ بَيَانَ ضَابِطَةِ جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ فَقَالَ أَخْذًا مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ: اعْلَمْ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا ادَّعَى وَلَدَ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ الْمُشْتَرِي، فَإِمَّا إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ لِمَا بَيْنَ الْمُدَّتَيْنِ. وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا إنْ ادَّعَى الْبَائِعُ وَحْدَهُ أَوْ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ أَوْ ادَّعَيَاهُ مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُرَى فِيهِ اخْتِلَالٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ قَسَّمَ ادِّعَاءَ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي وَلَدَ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ: إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، أَوْ لِمَا بَيْنَ الْمُدَّتَيْنِ. وَقَسَّمَ كُلُّ وَجْهٍ مِنْهَا إلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ وَهِيَ: إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ وَحْدَهُ أَوْ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ أَوْ ادَّعَيَا مَعًا، أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ قُسِّمَ قَسِيمَةً حَيْثُ جُعِلَ ادِّعَاءُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُقَسَّمًا ثُمَّ جَعَلَهُ قِسْمًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالثَّانِي أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِهِ إنَّ الْبَائِعَ إذَا ادَّعَى وَلَدَ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ الْمُشْتَرِي تَأَبَّى دُخُولَ ادِّعَائِهِمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ فِي الْمُقَسَّمِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ هَذَانِ الْوَجْهَانِ دَاخِلَيْنِ فِي أَقْسَامِ أَقْسَامِهِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُقَسَّمَ ادِّعَاءُ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا: أَيْ أَعَمُّ مِنْ ادِّعَاءِ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا وَمِنْ ادِّعَائِهِ مُنْضَمًّا إلَى الْآخَرِ بِالْمَعِيَّةِ أَوْ التَّعَاقُبِ، وَقَسْمُ الْقِسْمِ هُوَ ادِّعَاءُ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ أَوْ ادِّعَاؤُهُمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ، فَيَكُونُ قَسْمُ الْقِسْمِ أَخَصَّ مِنْ الْمُقَسَّمِ لَا عَيْنَهُ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنْ تُحْمَلَ كَلِمَةُ أَوْ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَنْعِ الْخُلُوِّ دُونَ مَنْعِ الْجَمْعِ.
وَالْأَوْلَى عِنْدِي فِي بَيَانِ الضَّابِطَةِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْجَارِيَةَ إذَا بِيعَتْ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ، فَأَمَّا إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ لِمَا بَيْنَ الْمُدَّتَيْنِ، وَكُلُّ وَجْهٍ مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ
[ ٨ / ٢٩٢ ]
فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ بَاعَ فَهُوَ ابْنٌ لِلْبَائِعِ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ (وَفِي الْقِيَاسِ هُوَ قَوْلُ زُفَرٍ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ دَعْوَتُهُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ الْبَيْعَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ فَكَانَ فِي دَعْوَاهُ مُنَاقِضًا وَلَا نَسَبَ بِدُونِ الدَّعْوَى. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ اتِّصَالَ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ شَهَادَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الزِّنَا. وَمَبْنَى النَّسَبِ عَلَى الْخَفَاءِ فَيُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ، وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى اسْتَنَدَتْ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ (وَيُرَدُّ الثَّمَنُ) لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ
عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، أَمَّا إنْ ادَّعَى ذَلِكَ الْوَلَدَ الْبَائِعُ وَحْدَهُ أَوْ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ أَوْ ادَّعَيَاهُ مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ بَاعَ) وَقَدْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَحْدَهُ كَمَا مَرَّ فِي الْكِتَابِ (فَهُوَ) أَيْ الْوَلَدُ (ابْنُ الْبَائِعِ وَأُمُّهُ) أَيْ أُمُّ الْوَلَدِ (أُمُّ وَلَدٍ لَهُ) أَيْ الْبَائِعِ (وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ دَعْوَتُهُ) أَيْ دَعْوَةُ الْبَائِعِ (بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَائِعِ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْوَلَدَ (عَبْدٌ وَكَانَ) أَيْ الْبَائِعُ (فِي دَعْوَاهُ مُنَاقِضًا) وَالتَّنَاقُضُ يُبْطِلُ الدَّعْوَى فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، كَمَا لَوْ قَالَ كُنْت: أَعْتَقْتُهَا أَوْ أَدْبَرْتُهَا قَبْلَ أَنْ أَبِيعَهَا (وَلَا نَسَبَ بِدُونِ الدَّعْوَى) أَيْ وَلَا ثُبُوتَ لِلنَّسَبِ بِدُونِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ) أَيْ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي نَعْمَلُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (أَنَّ اتِّصَالَ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ شَهَادَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُ) يَعْنِي أَنَّا تَيَقَّنَّا بِاتِّصَالِ الْعُلُوقِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ، وَهَذَا شَهَادَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الزِّنَا) فَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْبَيِّنَةِ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ عَنْهَا وَعَنْ وَلَدِهَا (وَمَبْنَى النَّسَبِ عَلَى الْخَفَاءِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ التَّنَاقُضِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَعْلَمُ ابْتِدَاءً بِكَوْنِ الْعُلُوقِ مِنْهُ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مِنْهُ (فَيُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ) أَيْ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى؛ كَمَا أَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِنَفْيِ النَّسَبِ بِاللِّعَانِ يَثْبُتُ مِنْهُ النَّسَبُ وَيَبْطُلُ حُكْمُ الْحَاكِمِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى التَّنَاقُضِ لِمَكَانِ الْخَفَاءِ فِي أَمْرِ الْعُلُوقِ، وَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّنَاقُضُ لِخَفَاءِ الْإِعْتَاقِ حَيْثُ يَنْفَرِدُ الْمَوْلَى بِهِ، وَكَالْمُخْتَلِعَةِ إذَا أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ الْخُلْعِ فَإِنَّ بَيِّنَتَهَا تُقْبَلُ مَعَ التَّنَاقُضِ لِخَفَاءِ الطَّلَاقِ حَيْثُ يَنْفَرِدُ الزَّوْجُ بِهِ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْبَائِعِ الْإِعْتَاقَ أَوْ التَّدْبِيرَ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ فِعْلُ نَفْسِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ، كَذَا حَقَّقُوا (وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى اسْتَنَدَتْ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ فَفُسِخَ الْبَيْعُ لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ، وَيَرُدُّ الثَّمَنَ) أَيْ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا (لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ) فَإِنَّ سَلَامَةَ الثَّمَنِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى سَلَامَةِ الْمَبِيعِ، كَذَا فِي الْكَافِي، وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ وَثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ وَالْمُشْتَرِي يَصِحُّ مِنْهُ التَّحْرِيرُ، فَكَذَا دَعْوَتُهُ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ وَإِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَتَثْبُتُ لَهَا أُمِّيَّةُ الْوَلَدِ بِإِقْرَارِهِ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ مِنْ الْبَائِعِ دَعْوَتُهُ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: صِحَّةُ التَّحْرِيرِ مِنْ الْمُشْتَرِي ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مَمْلُوكَتُهُ فِي الْحَالِ فَيَمْلِكُ إعْتَاقَهَا وَإِعْتَاقَ وَلَدِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا صِحَّةُ دَعْوَتِهِ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ فَمُشْكِلَةٌ بِمَا مَرَّ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ أَنَّا تَيَقَّنَّا بِاتِّصَالِ الْعُلُوقِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ، وَهَذَا شَهَادَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ حَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ كَيْفَ يُفِيدُ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْ الْمُشْتَرِي عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّهَادَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ تَيَقَّنَّا بِاتِّصَالِ الْعُلُوقِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ إنَّمَا يَكُونُ شَهَادَةً ظَاهِرَةً عَلَى كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ إذَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ فَلَا يَجُوزُ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ
[ ٨ / ٢٩٣ ]
(وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مَعَ دَعْوَةِ الْبَائِعِ أَوْ بَعْدَهُ فَدَعْوَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى) لِأَنَّهَا أَسْبَقُ لِاسْتِنَادِهَا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَهَذِهِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اتِّصَالُ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ تَيَقُّنًا وَهُوَ الشَّاهِدُ وَالْحُجَّةُ (إلَّا إذَا صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي) فَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِيلَادِ بِالنِّكَاحِ، وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَلَا يُثْبِتُ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ وَلَا حَقَّهُ، وَهَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ وَغَيْرُ الْمَالِكِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
بِالنِّكَاحِ، فَإِذَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ يُحْمَلْ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ فَصَارَتْ عِلَّةُ صِحَّةِ دَعْوَةِ الْمُشْتَرِي وَثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَاجَةَ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ مَعَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ دَعْوَةِ الْبَائِعِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَكَحَهَا وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا انْتَهَى.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مَعَ دَعْوَةِ الْبَائِعِ أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ دَعْوَةِ الْبَائِعِ ذَكَرَ الضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ الِادِّعَاءِ (فَدَعْوَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَسْبَقُ) أَمَّا إذَا كَانَتْ قَبْلَ دَعْوَةِ الْمُشْتَرِي فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَعْدَ دَعْوَةِ الْمُشْتَرِي فَلِمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (لِاسْتِنَادِهَا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَهَذِهِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ) يَعْنِي أَنَّ دَعْوَةَ الْبَائِعِ مُسْتَنِدَةٌ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ لِأَنَّهَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ، وَدَعْوَةُ الْمُشْتَرِي مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهَا دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ فَكَانَتْ دَعْوَةُ الْبَائِعِ سَابِقَةً مَعْنًى فَكَانَتْ أَوْلَى، ثُمَّ إنَّهُ ضَمَّنَ قَوْلَهُ: وَهَذِهِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادِ الْجَوَابِ عَنْ دَخْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ كَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ وَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ فِي الْحَالِ. وَجْهُ الْجَوَابِ أَنَّ دَعْوَتَهُ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ وَهِيَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى قِيَامِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إلَى زَمَانِ الْمِلْكِ، بِخِلَافِ دَعْوَةِ التَّحْرِيرِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اتِّصَالُ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ تَيَقُّنًا وَهُوَ الشَّاهِدُ وَالْحُجَّةُ) يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ اتِّصَالُ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ تَيَقُّنًا وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هَاهُنَا فَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ (إلَّا إذَا صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي فَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِيلَادِ بِالنِّكَاحِ) حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ، وَقَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى الصِّدْقِ (وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَلَا يُثْبِتُ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ) أَيْ لِلْوَلَدِ (وَلَا حَقَّهُ) أَيْ وَلَا يُثْبِتُ حَقَّ الْعِتْقِ وَهُوَ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ لِلْأُمِّ فَيَبْقَى الْوَلَدُ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي وَلَا تَصِيرُ الْأُمُّ أُمَّ وَلَدِ الْبَائِعِ كَمَا إذَا ادَّعَاهُ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (وَهَذِهِ) أَيْ دَعْوَةُ الْبَائِعِ هَاهُنَا (دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ وَغَيْرُ الْمَالِكِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحْرِيرِ وَالْبَائِعُ لَيْسَ بِمَالِكٍ فَلَا تَصِحُّ دَعْوَةُ التَّحْرِيرِ مِنْهُ.
[ ٨ / ٢٩٤ ]
(وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَةُ الْبَائِعِ فِيهِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي) لِأَنَّهُ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعُلُوقُ فِي مِلْكِهِ فَلَمْ تُوجَدْ الْحُجَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ، وَإِذَا صَدَّقَهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَالْأُمُّ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِتَصَادُقِهِمَا وَاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِي الْمِلْكِ
اعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَةَ نَوْعَانِ: دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ وَدَعْوَةُ تَحْرِيرٍ؛ فَدَعْوَةُ الِاسْتِيلَادِ هِيَ أَنْ يَكُونَ عُلُوقُ الْمُدَّعَى فِي مِلْكِ الْمُدَّعِي وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ تَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَتَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالْوَطْءِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ عَلِقَ حُرًّا، وَدَعْوَةُ التَّحْرِيرِ أَنْ يَكُونَ عُلُوقُ الْمُدَّعَى فِي غَيْرِ مِلْكِ الْمُدَّعِي وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ وَلَا تَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالْوَطْءِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الِاسْتِيلَادِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَقْتَ الْعُلُوقِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ، وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبًا صَحَّ دَعْوَةُ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَةُ الْبَائِعِ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْوَجْهِ (إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعُلُوقُ فِي مِلْكِهِ) أَيْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ (فَلَمْ تُوجَدْ الْحُجَّةُ) وَهِيَ اتِّصَالُ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ تَيَقُّنًا (فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ) أَيْ مِنْ تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ (وَإِذَا صَدَّقَهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ. وَالْأُمُّ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) وَهِيَ إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ بَاعَ (لِتَصَادُقِهِمَا وَاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِي الْمِلْكِ) وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ صَحِيحَةٌ حَالَةَ الِانْفِرَادِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْعُلُوقَ فِي مِلْكِهِ فَفِيمَا يَحْتَمِلُهُ أَوْلَى، وَتَكُونُ دَعْوَتُهُ دَعْوَةَ اسْتِيلَاءٍ حَتَّى يَكُونَ الْوَلَدُ حُرَّ الْأَصْلِ وَلَا يَكُونُ لَهُ وَلَاءٌ عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّ الْعُلُوقَ فِي مِلْكِهِ مُمْكِنٌ، وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبًا فَالْمُشْتَرِي أَوْلَى لِأَنَّ الْبَائِعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ لَهُ إذَا كَانَتْ مُدَّةُ الْوِلَادَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ مَعْلُومَةً. أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ مُدَّةٍ الْحَمْلِ أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَكْثَرِهَا أَوْ لِمَا بَيْنَهُمَا فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا: فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَحْدَهُ لَا تَصِحُّ دَعْوَتُهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي لِعَدَمِ تَيَقُّنِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ كَوْنُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ بِأَنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ دَعْوَةَ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَكُونُ الْوَلَدُ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلِّ الْمُدَّةِ كَانَ النَّسَبُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ أَقَلِّ الْمُدَّةِ كَانَ النَّسَبُ لِلْمُشْتَرِي فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي ثُبُوتِهِ فَلَا يَثْبُتُ.
وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مُتَعَاقِبًا، فَإِنْ سَبَقَ الْمُشْتَرِي صَحَّتْ دَعْوَتُهُ، وَإِنْ سَبَقَ الْبَائِعُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ نَقْلًا عَنْ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَوْ تَنَازَعَا فَالْبَيِّنَةُ لِلْمُشْتَرِي، أَيْ إذَا بَاعَ أُمَّهُ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهَا مِنْك مُنْذُ شَهْرٍ وَالْوَلَدُ مِنِّي وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْتُهَا مِنِّي لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالْوَلَدُ لَيْسَ مِنْك فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي انْتِقَاضَ الْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ، فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ زِيَادَةَ مُدَّةٍ فِي الشِّرَاءِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْبَيِّنَةُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ نَسَبَ
[ ٨ / ٢٩٥ ]
(فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيلَادُ فِي الْأُمِّ) لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْوَلَدِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فَلَا يَتْبَعُهُ اسْتِيلَادُ الْأُمِّ (وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي الْوَلَدِ وَأَخَذَهُ الْبَائِعُ)؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْأَصْلُ فِي النَّسَبِ فَلَا يَضُرُّهُ فَوَاتُ التَّبَعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْوَلَدُ أَصْلًا لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ يُقَالُ أُمُّ الْوَلَدِ، وَتَسْتَفِيدُ الْحُرِّيَّةَ مِنْ جِهَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَالثَّابِتُ لَهَا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ وَلَهُ حَقِيقَتُهَا، وَالْأَدْنَى يَتْبَعُ الْأَعْلَى (وَيَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَرُدُّ حِصَّةَ الْوَلَدِ وَلَا يَرُدُّ حِصَّةَ الْأُمِّ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ،
الْوَلَدِ وَاسْتِيلَادَ الْأَمَةِ وَانْتِقَاضَ الْبَيْعِ فَكَانَ أَكْثَرَ إثْبَاتًا انْتَهَى.
(فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيلَادُ فِي الْأُمِّ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّهَا) أَيْ لِأَنَّ الْأُمَّ (تَابِعَةٌ لِلْوَلَدِ) أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ (وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ) أَيْ نَسَبُ الْوَلَدِ (بَعْدَ الْمَوْتِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ) أَيْ لِعَدَمِ حَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى النَّسَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ (فَلَا يَتْبَعُهُ اسْتِيلَادُ الْأُمِّ) لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ بِدُونِ ثُبُوتِهِ فِي الْمَتْبُوعِ (وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي الْوَلَدِ وَأَخَذَهُ الْبَائِعُ) هَذَا أَيْضًا الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْأَصْلُ فِي النَّسَبِ فَلَا يَضُرُّهُ فَوَاتُ التَّبَعِ) يَعْنِي أَنَّ الْوَلَدَ لَمَّا كَانَ هُوَ الْأَصْلَ كَانَ الْمُعْتَبَرُ بَقَاءَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلَا يَضُرُّهُ فَوَاتُ التَّبَعِ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْفَرْعِ لَا يُبْطِلُ الْأَصْلَ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ (وَإِنَّمَا كَانَ الْوَلَدُ أَصْلًا لِأَنَّهَا) أَيْ لِأَنَّ الْأُمَّ (تُضَافُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَلَدِ حَيْثُ (يُقَالُ أُمُّ الْوَلَدِ) وَالْإِضَافَةُ إلَى الشَّيْءِ أَمَارَةُ أَصَالَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ (وَتَسْتَفِيدُ الْحُرِّيَّةَ مِنْ جِهَتِهِ) عَطْفٌ عَلَى تُضَافُ إلَيْهِ: أَيْ وَتَسْتَفِيدُ الْأُمُّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ جِهَةِ الْوَلَدِ «لِقَوْلِهِ ﵊: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا قَالَهُ حِينَ قِيلَ لَهُ وَقَدْ وَلَدَتْ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ إبْرَاهِيمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَا تَعْتِقُهَا؟» (وَالثَّابِتُ لَهَا) أَيْ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ لِلْأُمِّ (حَقُّ الْحُرِّيَّةِ) وَهُوَ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ (وَلَهُ) أَيْ وَالثَّابِتُ لِلْوَلَدِ (حَقِيقَتُهَا) أَيْ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ (وَالْأَدْنَى يَتْبَعُ الْأَعْلَى) دَائِمًا دُونَ الْعَكْسِ، فَحَقُّ الْحُرِّيَّةِ الَّذِي هُوَ الْأَدْنَى يَتْبَعُ الْحُرِّيَّةَ الَّتِي هِيَ الْأَعْلَى دُونَ الْعَكْسِ (وَيَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَرُدُّ حِصَّةَ الْوَلَدِ وَلَا يَرُدُّ حِصَّةَ الْأُمِّ) وَهَذَا مِنْ تَمَامِ لَفْظِ الْقُدُورِيِّ الَّذِي ذُكِرَ فِيمَا مَرَّ آنِفًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ) أَيْ تَبَيَّنَ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ وَبَيْعُهَا بَاطِلٌ
[ ٨ / ٢٩٦ ]
وَمَالِيَّتُهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ فِي الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ فَلَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي، وَعِنْدَهُمَا مُتَقَوِّمَةٌ فَيَضْمَنُهَا.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِذَا حَبِلَتْ الْجَارِيَةُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ وَقَدْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ فَهُوَ ابْنُهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا أَعْتَقَ الْوَلَدَ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْبَابِ الْوَلَدُ، وَالْأُمُّ تَابِعَةٌ لَهُ عَلَى مَا مَرَّ. وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ قَامَ الْمَانِعُ مِنْ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَهُوَ الْعِتْقُ فِي التَّبَعِ وَهُوَ الْأُمُّ فَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْوَلَدُ،
وَمَالِيَّتُهَا) أَيْ وَلَكِنَّ مَالِيَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ (غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (فِي الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ فَلَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي وَعِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (مُتَقَوِّمَةٌ فَيَضْمَنُهَا) أَيْ فَيَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي، فَإِذَا رَدَّ الْوَلَدَ دُونَهَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّ حِصَّةِ مَا سُلِّمَ لَهُ وَهُوَ الْوَلَدُ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ حِصَّةٍ مَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَهِيَ الْأُمُّ. قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ بَعْدَمَا بَيَّنَ الْمَقَامَ بِهَذَا الْمِنْوَالِ: هَكَذَا ذَكَرُوا الْحُكْمَ فِي قَوْلِهِمَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ الْبَائِعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا ثُمَّ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ وَبَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرُ صَحِيحٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الثَّمَنُ وَلَا يَكُونُ لِأَجْزَاءِ الْمَبِيعِ مِنْهُ حِصَّةٌ، بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ رَدُّ مَا قَبَضَهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَبَدَلَهُ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ
(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) ذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إعْلَامًا بِأَنَّ حُكْمَ الْإِعْتَاقِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ حُكْمُ الْمَوْتِ. (وَإِذَا حَبِلَتْ الْجَارِيَةُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ وَقَدْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ فَهُوَ ابْنُهُ) أَيْ فَالْوَلَدُ ابْنُ الْبَائِعِ (يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ) أَيْ يُرَدُّ عَلَى الْبَائِعِ بِحِصَّةِ الْوَلَدِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي كَانَ نَقَدَهُ الْبَائِعُ فَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْعَقْدِ وَعَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، فَمَا أَصَابَ الْأُمَّ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي، وَمَا أَصَابَ الْوَلَدَ سَقَطَ عَنْهُ، وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهَا لِلْمُشْتَرِي مَا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ وَهُوَ الْوَلَاءُ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا أَعْتَقَ الْوَلَدَ فَدَعْوَتُهُ) أَيْ دَعْوَةُ الْبَائِعِ (بَاطِلَةٌ) أَيْ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي فِي دَعْوَاهُ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَوَجْهُ الْفَرْقِ) إنَّمَا ذَكَرَهُ اسْتِظْهَارًا، إذْ قَدْ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ (أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْبَابِ الْوَلَدُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ الْأَصْلَ فِي بَابِ ثُبُوتِ حَقِّ الْعِتْقِ لِلْأُمِّ بِطَرِيقِ الِاسْتِيلَادِ وَهُوَ ثُبُوتُ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ لِلْوَلَدِ بِالنَّسَبِ، وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الرَّكَاكَةِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَالْأَوْجَهُ فِي التَّفْسِيرِ أَنْ يُقَالَ: أَيْ الْأَصْلُ فِي بَابِ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ هُوَ الْوَلَدُ (وَالْأُمُّ تَابِعَةٌ لَهُ عَلَى مَا مَرَّ) فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ آنِفًا (وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ وَقَدْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (قَامَ الْمَانِعُ مِنْ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَهُوَ) أَيْ الْمَانِعُ مِنْهُمَا (الْعِتْقُ فِي التَّبَعِ وَهُوَ الْأُمُّ فَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ) أَيْ ثُبُوتُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ (فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْوَلَدُ) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ لَا يُوجِبُ
[ ٨ / ٢٩٧ ]
وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ. كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ فَإِنَّهُ حُرٌّ وَأُمُّهُ أَمَةٌ لِمَوْلَاهَا، وَكَمَا فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ بِالنِّكَاحِ. وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي قَامَ الْمَانِعُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْوَلَدُ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ فِيهِ وَفِي التَّبَعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِعْتَاقُ مَانِعًا
امْتِنَاعَهُ فِي الْأَصْلِ فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَمْنَعْ ثُبُوتَ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ لِلْبَائِعِ فِي الْوَلَدِ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ لِكَوْنِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا حَبِلَتْ الْجَارِيَةُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، وَمِنْ حُكْمِ ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ صَيْرُورَةُ أُمِّهِ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْبَيْعُ وَإِعْتَاقُ الْمُشْتَرِي.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ) أَيْ وَلَيْسَ ثُبُوتُ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّ الْأُمِّ مِنْ ضَرُورَاتِ ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتِهِ: يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحْكَامِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ لِجَوَازِ انْفِكَاكِهِ عَنْهُ (كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ) وَهُوَ وَلَدُ مَنْ يَطَأُ امْرَأَةً مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ نِكَاحٍ فَتَلِدُ مِنْهُ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَجِيءُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ (فَإِنَّهُ) أَيْ وَلَدَ الْمَغْرُورِ (حُرٌّ) أَيْ حُرُّ الْأَصْلِ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ الْمُسْتَوْلِدِ (وَأُمَّهُ أَمَةٌ لِمَوْلَاهَا) فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُسْتَوْلِدِ بَلْ تَكُونُ رَقِيقَةً حَتَّى تُبَاعَ فِي السُّوقِ (وَكَمَا فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ بِالنِّكَاحِ) يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَ جَارِيَةَ الْغَيْرِ فَوَلَدَتْ لَهُ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ وَلَا تَثْبُتُ أُمِّيَّةُ الْوَلَدِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَيُطَابِقُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَكَمَا فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوْلَدَ أَمَةَ الْغَيْرِ بِنِكَاحٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ انْتَهَى.
وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: كَمَنْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ الْغَيْرِ بِالنِّكَاحِ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِلْحَالِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ اهـ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَكَمَا فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ بِالنِّكَاحِ بِأَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا الْمَعْنَى هَاهُنَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَاهَا قِسْمٌ مِنْ قِسْمَيْ وَلَدِ الْمَغْرُورِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَنَبَّهْت عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا، فَلَا وَجْهَ لَأَنْ يَذْكُرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي مُقَابَلَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ كَمَا لَا يَخْفَى. فَإِنْ قُلْت: إنَّ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ فَسَّرَا وَلَدَ الْمَغْرُورِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِقَوْلِهِمَا: وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ أَمَةً مِنْ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهَا مِلْكُهُ فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ انْتَهَى. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُرَادُ بِوَلَدِ الْمَغْرُورِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَحَدَ قِسْمَيْهِ، وَهُوَ مَا حَصَلَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى مِلْكِ الْيَمِينِ، وَبِالْمَذْكُورِ فِي مُقَابَلَتِهِ قِسْمَةَ الْآخَرِ وَهُوَ مَا حَصَلَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى مِلْكِ النِّكَاحِ فَلَا مَحْذُورَ. قُلْت: ذَلِكَ التَّفْسِيرُ مِنْهُمَا تَقْصِيرٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ تَقْيِيدًا لِلْكَلَامِ الْمُطْلَقِ بِلَا مُقْتَضٍ لَهُ مُؤَدٍّ إلَى تَقْلِيلِ الْأَمْثِلَةِ فِي مَقَامٍ يُطْلَبُ فِيهِ التَّكْثِيرُ فَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْمَحْذُورُ بَلْ يَتَأَكَّدُ (وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي) وَهُوَ مَا إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْوَلَدَ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ (قَامَ الْمَانِعُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْوَلَدُ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ) أَيْ ثُبُوتُ مَا ذَكَرَ مِنْ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْأَصْلِ (وَفِي التَّبَعِ) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي التَّبَعِ أَيْضًا (وَإِنَّمَا كَانَ الْإِعْتَاقُ مَانِعًا). قَالَ مُتَقَدِّمُو الشُّرَّاحِ: أَيْ وَإِنَّمَا كَانَ إعْتَاقُ
[ ٨ / ٢٩٨ ]
لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَحَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَحَقِّ الِاسْتِيلَادِ فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ،
الْمُشْتَرِي الْوَلَدَ مَانِعًا لِدَعْوَةِ الْبَائِعِ إيَّاهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْهُمْ: قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ الْإِعْتَاقُ مَانِعًا بَيَانًا لِمَانِعِيَّةِ عِتْقِ الْوَلَدِ عَنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِدَعْوَةِ الْبَائِعِ انْتَهَى. أَقُولُ: بَلْ هَذَا بَيَانٌ لِمَانِعِيَّةِ عِتْقِ الْأُمِّ عَنْ ثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّهَا بِدَعْوَةِ الْبَائِعِ، وَلِمَانِعِيَّةِ عِتْقِ الْوَلَدِ عَنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ فِي حَقِّهِ بِدَعْوَةِ الْبَائِعِ أَيْضًا.
وَالْمَعْنَى: إنَّمَا كَانَ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ وَالْوَلَدَ مَانِعًا مِنْ دَعْوَةِ الِاسْتِيلَادِ، وَأَمَّا دَعْوَةُ النَّسَبِ فَيَشْمَلُ الْفَصْلَيْنِ مَعَهُ، كَمَا يُنَادِي عَلَيْهِ عِبَارَاتُ الْمُصَنِّفِ فِي أَثْنَاءِ الْبَيَانِ عَلَى مَا تَرَى، وَفِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشُّرَّاحُ تَخْصِيصُ الْبَيَانِ بِالْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ تَقْصِيرٌ فِي حَقِّ الْمَقَامِ وَشَرْحِ الْكَلَامِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ (لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَحَقِّ اسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ وَحَقِّ الِاسْتِيلَادِ) يَعْنِي أَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْ الْمُشْتَرِي كَحَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ مِنْ الْبَائِعِ فِي الْوَلَدِ وَحَقِّ الِاسْتِيلَادِ مِنْ الْبَائِعِ فِي الْأُمِّ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ (فَاسْتَوَيَا) أَيْ اسْتَوَى إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي وَحَقُّ الْبَائِعِ اسْتِلْحَاقًا وَاسْتِيلَادًا (مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ النَّقْضَ فَلَيْسَ لِفِعْلِ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَرُدَّ بِمَا إذَا بَاعَ جَارِيَةً حُبْلَى فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَعْتَقَ الْمُشْتَرِي أَحَدَهُمَا ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ الْآخَرَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمَا جَمِيعًا حَتَّى يَبْطُلَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي وَذَلِكَ نَقْضٌ لِلْعِتْقِ كَمَا تَرَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّوْأَمَيْنِ فِي حُكْمِ وَلَدٍ وَاحِدٍ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْحُكْمِ بِصَيْرُورَتِهِ حُرَّ الْأَصْلِ ثُبُوتُ النَّسَبِ لِلْآخَرِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ فِي أَحَدِهِمَا فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ فِي أَحَدِهِمَا ثُبُوتُهُ فِي الْآخَرِ وَإِلَّا لَزِمَ تَرْجِيحُ الدَّعْوَةِ عَلَى الْعِتْقِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الْعِتْقُ فِي الْآخَرِ لَزِمَهُ ضَمَانُ قِيمَتِهِ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ زَائِدٌ انْتَهَى. أَقُولُ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ وَجَوَابُهُ مِمَّا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْضًا وَلَهُمَا وَجْهٌ وَجِيهٌ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَجَوَابُهُ فَمِنْ مُخْتَرَعَاتِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
أَمَّا السُّؤَالُ فَلِأَنَّ مُرَادَ الْمُجِيبِ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّوْأَمَيْنِ فِي حُكْمِ وَلَدٍ وَاحِدٍ فِي بَابِ النَّسَبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَدَارَ النَّسَبِ عَلَى الْعُلُوقِ وَعُلُوقُهُمَا وَاحِدٌ لِكَوْنِهِمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ نَسَبِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ وَلَدٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ حَتَّى يُتَوَجَّهُ السُّؤَالُ، كَيْفَ وَمَدَارُ الْعِتْقِ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رَقَبَتَيْهِمَا مُتَغَايِرَتَانِ فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إحْدَاهُمَا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْأُخْرَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا الْجَوَابُ فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الْعِتْقُ فِي الْآخَرِ لَزِمَ الْآخَرَ ضَمَانُ قِيمَتِهِ، كَمَا إذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى بَعْضَ عَبْدِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَلْزَمُ الْعَبْدَ عِنْدَهُ ضَمَانُ قِيمَةِ بَعْضِهِ الْآخَرِ: أَيْ السِّعَايَةِ فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَاهُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا زَائِدًا، إذْ الضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ الْعِتْقِ لَا يُعَدُّ ضَرَرًا أَصْلًا، وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَيُعَارَضُ
[ ٨ / ٢٩٩ ]
ثُمَّ الثَّابِتُ مِنْ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةُ الْإِعْتَاقِ وَالثَّابِتُ فِي الْأُمِّ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ، وَفِي الْوَلَدِ لِلْبَائِعِ حَقُّ الدَّعْوَةِ وَالْحَقُّ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ،
بِالنَّسَبِ أَيْضًا قَطْعًا، فَإِنَّهُ إذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فِي الْآخَرِ لَزِمَ الْبَائِعَ ضَمَانُ قِيمَتِهِ: أَيْ رَدُّ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَحَقَّقَ هُنَاكَ أَيْضًا ضَرَرٌ زَائِدٌ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْعِتْقُ فِي الْآخَرِ لَزِمَ الْمُشْتَرِي ضَمَانُ قِيمَتِهِ: أَيْ إتْلَافُ قِيمَتِهِ فَيُعَارَضُ بِالنَّسَبِ أَيْضًا قَطْعًا، فَإِنَّهُ إذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فِي الْآخَرِ لَزِمَ الْبَائِعَ ضَمَانُ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ فِي الْآخَرِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَحَقَّقَ هُنَاكَ أَيْضًا ضَرَرٌ زَائِدٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّرْجِيحُ فِي صُورَةِ التَّوْأَمَيْنِ أَيْضًا وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ. ثُمَّ أَقُولُ: بُدِّلَ السُّؤَالُ الثَّانِي وَجَوَابُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي التَّوْأَمَيْنِ كَذَا كَانَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي مِمَّا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَنَا مِنْ قَوْلِنَا: الْعِتْقُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ قَصْدًا وَاللَّازِمُ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْأَمَيْنِ احْتِمَالُهُ النَّقْضَ ضِمْنًا، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ لَا يَثْبُتُ قَصْدًا وَيَثْبُتُ ضِمْنًا، وَسَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ بَعْدَمَا سَبَقَ مِنْ سُؤَالِهِ الثَّانِي وَجَوَابِهِ: فَإِنْ عُورِضَ بِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا ادَّعَى النَّسَبَ فِي الَّذِي عِنْدَهُ كَانَ ذَلِكَ سَعْيًا فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فَيُعَارَضُ بِأَنَّ الضَّرَرَ الزَّائِدَ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ فِي الْآخَرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ أَيْضًا فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ أَيْضًا فَلَا يَخْلُو الْجَوَابُ عَنْ مُعَارَضَةٍ مَا (ثُمَّ الثَّابِتُ مِنْ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً الْإِعْتَاقُ) يُرِيدُ بَيَانَ رُجْحَانِ مَا فِي جَانِبِ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً الْإِعْتَاقُ (وَالثَّابِتُ فِي الْأُمِّ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ، وَفِي الْوَلَدِ لِلْبَائِعِ حَقُّ الدَّعْوَةِ وَالْحَقُّ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ) لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَقْوَى مِنْ الْحَقِّ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَنُوقِضَ بِالْمَالِكِ الْقَدِيمِ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ وَلِلْمُشْتَرِي حَقِيقَتُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَرْجِيحٍ بَلْ هُوَ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْلَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الرَّاجِحِ وَالْمَرْجُوحِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ فِيهَا شُبْهَةٌ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى تَمَلُّكِ أَهْلِ الْحَرْبِ مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِنَا بِدَرَاهِمَ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَانْحَطَّتْ عَنْ دَرَجَةِ الْحَقَائِقِ، فَقُلْنَا: يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
أَقُولُ: النَّقْضُ مَعَ جَوَابِهِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَتَاجُ الشَّرِيعَةِ وَلَهُمَا وَجْهٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا النَّظَرُ مَعَ جَوَابِهِ فَمِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَلَيْسَا بِصَحِيحَيْنِ، أَمَّا النَّظَرُ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الرَّاجِحِ وَالْمَرْجُوحِ، أَلَا يَرَى أَنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ فِي الْعَمَلِ مَعَ تَقَرُّرِ بَقَاءِ رُجْحَانِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ بِحَالِهِ. وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ الرُّجْحَانِ عِنْدَ تَعَارُضِ الرَّاجِحِ وَالْمَرْجُوحِ بِأَنْ لَا يُمْكِنَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا الْجَوَابُ فَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ بِخِلَافِنَا فِي مَسْأَلَةِ تَمَلُّكِ أَهْلِ الْحَرْبِ مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِنَا بِدَرَاهِمَ هُوَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الزَّمَانِ عَنْ اجْتِهَادِ أَئِمَّتِنَا فَكَيْفَ يُوقِعُ اجْتِهَادُهُ شُبْهَةً فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ حَتَّى تَنْحَطَّ بِهَا هَذِهِ الْحَقِيقَةُ مِنْ دَرَجَةِ الْحَقَائِقِ عِنْدَ
[ ٨ / ٣٠٠ ]
وَالتَّدْبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَقَدْ ثَبَتَ بِهِ بَعْضُ آثَارِ الْحُرِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلُهُمَا وَعِنْدَهُ يُرَدُّ بِكُلِّ الثَّمَنِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي فَصْلِ الْمَوْتِ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وُلِدَ عِنْدَهُ وَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ ابْنُهُ وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ) لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَمَا لَهُ مِنْ حَقِّ
أَئِمَّتِنَا فَيَصِحُّ بِنَاءُ الْجَوَابِ عَلَيْهِ (وَالتَّدْبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا الِاسْتِيلَادُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ فِي صَدْرِ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ (لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَقَدْ ثَبَتَ بِهِ بَعْضُ آثَارِ الْحُرِّيَّةِ) وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ النَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ (وَقَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلُهُمَا) يَعْنِي أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَدْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ فَهُوَ ابْنُهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (وَعِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (يُرَدُّ بِكُلِّ الثَّمَنِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي فَصْلِ الْمَوْتِ) قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْإِمَامُ قَاضِي خَانْ وَالْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يُرَدُّ بِمَا يَخُصُّ الْوَلَدَ مِنْ الثَّمَنِ لَا بِكُلِّ الثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. بِخِلَافِ فَصْلِ الْمَوْتِ.
وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فِي الْإِعْتَاقِ كَذَّبَ الْقَاضِي الْبَائِعَ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ حِينَ جَعَلَهَا مُعْتَقَةَ الْمُشْتَرِي أَوْ مُدَبَّرَتَهُ فَلَمْ يَبْقَ لِزَعْمِهِ عِبْرَةٌ. وَأَمَّا فِي فَصْلِ الْمَوْتِ فَبِمَوْتِهَا لَمْ يَجِدْ الْحُكْمَ بِخِلَافِ مَا زَعَمَ الْبَائِعُ فَبَقِيَ زَعْمُهُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّهِ فَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا قِيمَةَ لَهَا، وَلَكِنْ قَالُوا: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْأُصُولِ، وَكَيْفَ يَسْتَرِدُّ كُلَّ الثَّمَنِ وَالْبَيْعُ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْجَارِيَةِ وَلِهَذَا لَمْ يَبْطُلْ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَلَدِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَلَا حِصَّةَ لِلْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ. قُلْنَا: الْوَلَدُ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَهُوَ حَادِثٌ قَبْلَ الْقَبْضِ لِثُبُوتِ عُلُوقِهِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ وَلِهَذَا كَانَ لِلْبَائِعِ سَبِيلٌ مِنْ فَسْخِ هَذَا الْبَيْعِ بِالدَّعْوَةِ وَإِنْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَلَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا اسْتَهْلَكَهُ الْبَائِعُ وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ هَاهُنَا بِالدَّعْوَةِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وُلِدَ عِنْدَهُ) أَيْ كَانَ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ (وَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي) أَيْ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي (مِنْ آخَرَ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ ابْنُهُ) أَيْ الْوَلَدُ ابْنُ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ (وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ) أَيْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي (لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَمَالَهُ) أَيْ وَمَا لِلْبَائِعِ (مِنْ حَقِّ
[ ٨ / ٣٠١ ]
الدَّعْوَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيُنْقَضُ الْبَيْعُ لِأَجْلِهِ، وَكَذَا إذَا كَاتَبَ الْوَلَدَ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَجَّرَهُ أَوْ كَاتَبَ الْأُمَّ أَوْ رَهَنَهَا أَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ كَانَتْ الدَّعْوَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَيُنْقَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَتَصِحُّ الدَّعْوَةُ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا مَرَّ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْبَائِعِ لِأَنَّ النَّسَبَ الثَّابِتَ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَصَارَ كَإِعْتَاقِهِ.
الدَّعْوَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ (فَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ لِأَجْلِهِ) أَيْ لِأَجْلِ مَا لِلْبَائِعِ مِنْ حَقِّ الدَّعْوَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَذَا) أَيْ وَكَحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ الْحُكْمُ (إذَا كَاتَبَ الْوَلَدَ) أَيْ إذَا كَاتَبَ الْمُشْتَرِي الْوَلَدَ (أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَجَّرَهُ أَوْ كَاتَبَ الْأُمَّ) أَيْ كَاتَبَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ فِيمَا إذَا اشْتَرَاهَا مَعَ وَلَدِهَا (أَوْ رَهَنَهَا أَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ كَانَتْ الدَّعْوَةُ) أَيْ ثُمَّ وُجِدَتْ دَعْوَةُ الْبَائِعِ (لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تَحْتَمِلُ النَّقْضَ) كَالْبَيْعِ (فَيَنْتَقِضُ ذَلِكَ كُلُّهُ) أَيْ فَتَنْتَقِضُ تِلْكَ الْعَوَارِضُ كُلُّهَا ذَكَرَ اسْمَ الْإِشَارَةِ وَالضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ مَا ذَكَرَ (وَتَصِحُّ الدَّعْوَةُ) لِكَوْنِهَا مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَبْسُوطِ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ) فَإِنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ النَّقْضَ (عَلَى مَا مَرَّ) آنِفًا (بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَاهُ) أَيْ الْوَلَدَ (الْمُشْتَرِي أَوْ لَا ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْبَائِعِ لِأَنَّ النَّسَبَ الثَّابِتَ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَصَارَ كَإِعْتَاقِهِ) أَيْ كَإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الثَّابِتُ بِالْإِعْتَاقِ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ وَبِالدَّعْوَةِ حَقُّهَا فَأَنَّى يَتَسَاوَيَانِ. وَأَمَّا الدَّعْوَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَمِنْ الْبَائِعِ فَيَتَسَاوَيَانِ فِي أَنَّ الثَّابِتَ بِهِمَا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَأَيْنَ الْمُرَجِّحُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّسَاوِيَ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالدَّعْوَةِ فِي عَدَمِ احْتِمَالِ النَّقْضِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ أَلْبَتَّةَ، وَتَرْجِيحُ دَعْوَةِ الْمُشْتَرِي عَلَى دَعْوَةِ الْبَائِعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَلَدَ قَدْ اسْتَغْنَى بِالْأُولَى عَنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ فِي وَقْتٍ لَا مُزَاحِمَ لَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الثَّانِيَةِ انْتَهَى.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ فِي السُّؤَالِ الثَّابِتِ بِالْإِعْتَاقِ حَقِيقَةَ الْحُرِّيَّةِ وَبِالدَّعْوَةِ حَقَّهَا بِأَنْ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الثَّابِتَ بِهَا فِي حَقِّ الْوَلَدِ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ أَيْضًا بَلْ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ كَمَا سَيَجِيءُ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا مُنْدَفِعٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالدَّعْوَةِ لِلْوَلَدِ، وَمُرَادُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّ الثَّابِتَ بِالدَّعْوَةِ لِلْبَائِعِ حَقُّهَا؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْكَلَامِ فِي جِنْسِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ، عَلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ هَلْ هُوَ فِي جَانِبِ الْبَائِعِ أَوْ فِي جَانِبِ الْمُشْتَرِي، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّابِتَ بِالدَّعْوَةِ لِلْبَائِعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إنَّمَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ حَقُّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ فِي الْوَلَدِ وَحَقُّ الِاسْتِيلَادِ فِي الْأُمِّ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْكِتَابِ وَتَقَرَّرَ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا بِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ لِتَأَدِّيهِ إلَى الْحُرِّيَّةِ، وَكَذَا الْحَالُ بِالنَّظَرِ إلَى دَعْوَةِ الْمُشْتَرِي فَانْتَظَمَ السُّؤَالُ
[ ٨ / ٣٠٢ ]
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ نَسَبِ الْآخَرِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّوْأَمَيْنِ وَلَدَانِ بَيْنَ وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عُلُوقُ الثَّانِي حَادِثًا لِأَنَّهُ لَا حَبَلَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا كَانَ فِي يَدِهِ غُلَامَانِ تَوْأَمَانِ وُلِدَا عِنْدَهُ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الَّذِي فِي يَدِهِ فَهُمَا ابْنَاهُ وَبَطَلَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ لِمُصَادَفَةِ الْعُلُوقِ وَالدَّعْوَةِ مِلْكَهُ إذْ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيهِ ثَبَتَ بِهِ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فِيهِ فَيَثْبُتُ نَسَبُ الْآخَرِ، وَحُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فِيهِ ضَرُورَةٌ لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ عِتْقَ الْمُشْتَرِي وَشِرَاءَهُ لَاقَى حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ فَبَطَلَ،
وَالْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ فِي تَقْرِيرِهِ نَوْعُ ضِيقٍ وَاضْطِرَابٍ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ) التَّوْأَمُ اسْمٌ لِلْوَلَدِ إذَا كَانَ مَعَهُ آخَرُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، يُقَالُ هُمَا تَوْأَمَانِ كَمَا يُقَالُ هُمَا زَوْجَانِ، وَقَوْلُهُمْ هُمَا تَوْأَمٌ وَهُمَا زَوْجٌ خَطَأٌ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى تَوْأَمَةٌ، وَكَذَا فِي الْمُغْرِبِ. وَلَكِنَّ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيَّ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ ذِكْرَ التَّوْأَمِ مَكَانَ التَّوْأَمَيْنِ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: غُلَامَانِ تَوْأَمٌ، وَغُلَامَانِ تَوْأَمَانِ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا (ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ) أَيْ ثَبَتَ نَسَبُ التَّوْأَمَيْنِ مَعًا مِمَّنْ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِهِمَا (لِأَنَّهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ نَسَبِ الْآخَرِ)، وَهَذَا أَيْ كَوْنُهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ (لِأَنَّ التَّوْأَمَيْنِ وَلَدَانِ بَيْنَ وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عُلُوقُ الثَّانِي حَادِثًا) أَيْ بَعْدَ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ (لِأَنَّهُ لَا حَبَلَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ عُلُوقُ الثَّانِي عَلَى عُلُوقِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا إذَا حَبِلَتْ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِدَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِكَوْنِهِ أَمْرًا مَعْلُومًا فِي غَيْرِ هَذَا الْفَنِّ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: ذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صُورَةِ بَيْعِ أَحَدِهِمَا وَدَعْوَى النَّسَبِ فِي الْآخَرِ بَعْدَ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: إنَّمَا أَعَادَ لَفْظَ الْجَامِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ وُلِدَا عِنْدَهُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى كَوْنِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْمُدَّعِي انْتَهَى (إذَا كَانَ فِي يَدِهِ غُلَامَانِ تَوْأَمَانِ وُلِدَا عِنْدَهُ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الَّذِي فِي يَدِهِ فَهُمَا ابْنَاهُ وَبَطَلَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي) وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ فَالْعِتْقُ بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ وَإِنْ كَانَتْ بِالْفَتْحِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْلِيلِ (لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ لِمُصَادَفَةِ الْعُلُوقِ وَالدَّعْوَةِ مِلْكَهُ إذْ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيهِ) أَيْ فِي أَنْ يُصَادِفَ الْعُلُوقُ وَالدَّعْوَةُ مِلْكَهُ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: وُلِدَا عِنْدَهُ إشَارَةٌ إلَى مُصَادَفَةِ الْعُلُوقِ مِلْكَهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الَّذِي فِي يَدِهِ تَصْرِيحٌ بِمُصَادَفَةِ الدَّعْوَى مِلْكَهُ (ثَبَتَ بِهِ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ) جَوَابٌ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ: أَيْ ثَبَتَ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فِي هَذَا الْوَلَدِ (فَيَثْبُتُ نَسَبُ الْآخَرِ) أَيْ فَيَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ الْآخَرِ الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي (وَحُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فِيهِ) أَيْ وَيَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ أَيْضًا (ضَرُورَةً لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ) وَهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ (فَتَبَيَّنَ أَنَّ عِتْقَ الْمُشْتَرِي وَشِرَاءَهُ لَاقَى حُرَّ الْأَصْلِ فَبَطَلَ) أَيْ فَبَطَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عِتْقِهِ وَشِرَائِهِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَكَانَ هَذَا نَقْضَ الْإِعْتَاقِ بِأَمْرٍ
[ ٨ / ٣٠٣ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ وَاحِدًا لِأَنَّ هُنَاكَ يَبْطُلُ الْعِتْقُ فِيهِ مَقْصُودًا لِحَقِّ دَعْوَةِ الْبَائِعِ وَهُنَا ثَبَتَ تَبَعًا لِحُرِّيَّتِهِ فِيهِ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فَافْتَرَقَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ الَّذِي
فَوْقَهُ وَهِيَ الْحُرِّيَّةُ الثَّابِتَةُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ انْتَهَى (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ الْوَاحِدُ) حَيْثُ لَا يَبْطُلُ فِيهِ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي بِدَعْوَى الْبَائِعِ نِسْبَةً كَمَا مَرَّ (لِأَنَّ هُنَاكَ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ (يَبْطُلُ الْعِتْقُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوَلَدِ (مَقْصُودًا) يَعْنِي لَوْ صَحَّتْ الدَّعْوَةُ مِنْ الْبَائِعِ هُنَاكَ لَبَطَلَ الْعِتْقُ فِي الْوَلَدِ مَقْصُودًا (لِحَقِّ دَعْوَةِ الْبَائِعِ) وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَقَّ الدَّعْوَةِ لَا يُعَارِضُ حَقِيقَةَ الْإِعْتَاقِ (وَهَاهُنَا) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْأَمَيْنِ (يَثْبُتُ تَبَعًا لِحُرِّيَّتِهِ فِيهِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ) أَيْ يَثْبُتُ بُطْلَانُ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَاهُ تَبَعًا لِحُرِّيَّتِهِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ لَا حُرِّيَّةِ التَّحْرِيرِ، فَالضَّمِيرُ فِي حُرِّيَّتِهِ رَاجِعٌ إلَى الْمُشْتَرَى بِالْفَتْحِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَثْبُتُ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمُشْتَرَى كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ لِحُرِّيَّتِهِ، وَإِنَّمَا أَبْدَلَ بِهِ إشَارَةً إلَى سَبْقِهَا لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَالْإِعْتَاقُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَكَانَ خَلِيقًا بِالرَّدِّ وَالْإِبْطَالِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: هَذَا شَرْحٌ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حِينَئِذٍ تَعْقِيدٌ لَفْظِيٌّ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ حَيْثُ كَانَ حَقُّ الْأَدَاءِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُقَالَ: وَهَاهُنَا يَثْبُتُ فِيهِ تَبَعًا لِحُرِّيَّتِهِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَأَنَّ مُتَقَدِّمِي الشُّرَّاحِ هَرَبُوا عَنْهُ حَيْثُ قَالَ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ فِي بَيَانِ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا: أَيْ يَثْبُتُ بُطْلَانُ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِحُرِّيَّةِ الْمُشْتَرَى الَّذِي كَانَتْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: يَعْنِي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَثْبُتُ بُطْلَانُ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي لَا مَقْصُودًا بَلْ لِثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي الَّذِي بَاعَهُ اهـ.
فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِمَّا بَيَّنُوا مِنْ الْمَعْنَى أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ يَثْبُتُ بَلْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ الْكَائِنَةُ أَوْ الثَّابِتَةُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِحُرِّيَّتِهِ فَلَا يَلْزَمُ التَّعْقِيدُ أَقُولُ: لَعَلَّ الْمَحْذُورَ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ بَعْدَ أَنْ تُضَافُ إلَى الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إلَى الْمُشْتَرَى لَا يَبْقَى احْتِمَالُ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: تَثْبُتُ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَنْ لَوْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَهَاهُنَا يَثْبُتُ تَبَعًا لِلْحُرِّيَّةِ فِيهِ بِدُونِ الْإِضَافَةِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَافْتَرَقَا) أَيْ فَافْتَرَقَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَةِ التَّوْأَمَيْنِ، وَمَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ وَاحِدًا حَيْثُ لَزِمَ بُطْلَانُ الْعِتْقِ هُنَاكَ أَصَالَةً وَقَصْدًا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ ضِمْنًا وَتَبَعًا، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا وَلَا يَثْبُتُ أَصَالَةً وَقَصْدًا.
قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: إلَى هَذَا أَشَارَ قَاضِي خَانْ والمرغيناني فِي فَوَائِدِهِ وَالسَّرَخْسِيُّ فِي جَامِعِهِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ: أَوْ نَقُولُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَبْطُلُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي الَّذِي يَثْبُتُ مِنْهُ بَلْ يَظْهَرُ بِدَعْوَةِ الْبَائِعِ لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ أَنَّ إعْتَاقَ الْمُشْتَرِي لَمْ يُلَاقِ مَحَلَّهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، وَتَحْرِيرُ الْحُرِّ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الثَّابِتِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ) يَعْنِي أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ قَبْلُ إذَا كَانَ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْمُدَّعِي وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا (ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ الَّذِي
[ ٨ / ٣٠٤ ]
عِنْدَهُ، وَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَاعَ) لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ لِانْعِدَامِ شَاهِدِ الِاتِّصَالِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ عَبْدِي
عِنْدَهُ) أَيْ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ الَّذِي عِنْدَ الْبَائِعِ بِمُصَادَفَةِ الدَّعْوَةِ مِلْكَهُ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ لِلْوَلَدِ الْآخَرِ أَيْضًا ضَرُورَةً لِأَنَّ التَّوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَكَّانِ نَسَبًا (وَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَاعَ) وَلَا يَبْطُلُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فِيهِ (لِأَنَّ هَذِهِ) أَيْ لِأَنَّ دَعْوَةَ الْبَائِعِ هَاهُنَا (دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ) لَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ (لِانْعِدَامِ شَاهِدِ الِاتِّصَالِ) أَيْ لِانْعِدَامِ شَاهِدِ اتِّصَالِ الْعُلُوقِ بِمِلْكِ الْمُدَّعِي حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ، وَمِنْ شَرْطِ دَعْوَةِ الِاسْتِيلَادِ اتِّصَالُ الْعُلُوقِ بِمِلْكِ الْمُدَّعِي (فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ) أَيْ إذَا كَانَتْ هَذِهِ دَعْوَةَ تَحْرِيرٍ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَةِ الْمُدَّعِي وَصَارَ كَأَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَهُمَا فَيُعْتَقُ مَنْ فِي مِلْكِهِ عَلَيْهِ فَحَسْبُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ حُرِّيَّةِ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ بِعِتْقٍ عَارِضٍ حُرِّيَّةُ الْآخَرِ فَلِهَذَا لَا يُعْتِقُ الَّذِي عِنْدَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَا فِي الْكَافِي.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَصْلُ عُلُوقِهِمَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ كَانَتْ دَعْوَتُهُ دَعْوَةَ تَحْرِيرٍ فَكَانَ قَوْلُهُ: هَذَا ابْنِي مَجَازًا عَنْ قَوْلِهِ: هَذَا حُرٌّ، وَلَوْ قَالَ لِأَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ: هَذَا حُرٌّ كَانَ تَحْرِيرًا مُقْتَصِرًا عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، فَكَذَا دَعْوَةُ التَّحْرِيرِ، أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ فَكَانَ قَوْلُهُ: هَذَا ابْنِي مَجَازًا عَنْ قَوْلِهِ: هَذَا حُرٌّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدٍ مِنْ الْوَالِدَيْنِ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إعْمَالِ الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِثُبُوتِ نَسَبِهِمَا مِنْهُ. وَتَفْصِيلُ الْمَقَامِ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِعَبْدٍ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ: هَذَا ابْنِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِأَنَّ وِلَايَةَ الدَّعْوَةِ بِالْمِلْكِ ثَابِتَةٌ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ مِنْهُ. وَإِذَا ثَبَتَ عَتَقَ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ النَّسَبُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِلتَّعَذُّرِ وَيَعْتِقُ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي مَجَازِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إعْمَالِهِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ قَالَ لِغُلَامٍ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ: هَذَا ابْنِي عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُعْتَقُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. لَهُمْ أَنَّهُ كَلَامٌ مُحَالٌ فَيُرَدُّ وَيَلْغُو.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُحَالٌ بِحَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ بِمَجَازِهِ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ وَهَذَا لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْمَمْلُوكِ سَبَبٌ لِحُرِّيَّتِهِ وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ مُسْتَجَازٌ فِي اللُّغَةِ تَجَوُّزًا، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُلَازِمَةٌ لِلْبُنُوَّةِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمُشَابَهَةِ فِي وَصْفٍ مُلَازِمٍ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْإِلْغَاءِ انْتَهَى.
فَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ فِيمَا إذَا قَالَ لِغُلَامٍ: هَذَا ابْنِي إنَّمَا يَكُونُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ مِمَّنْ وُلِدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَلَا يَكُونُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَلَكِنْ يَجْرِي اللَّفْظُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَأَمَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَيَصِيرُ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلَى مَجَازِهِ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِيهِمَا فَلَمْ تُوجَدْ صُورَةٌ فِيهَا النَّسَبُ وَيَكُونُ اللَّفْظُ مَجَازًا فَلَمْ يَصِحَّ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ قَالَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ (هُوَ) أَيْ الصَّبِيُّ (ابْنُ عَبْدِي
[ ٨ / ٣٠٥ ]
فُلَانٍ الْغَائِبِ ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي لَمْ يَكُنْ ابْنَهُ أَبَدًا وَإِنْ جَحَدَ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَا: إذَا جَحَدَ الْعَبْدُ فَهُوَ ابْنُ الْمَوْلَى) وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ: هُوَ ابْنُ فُلَانٍ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ. لَهُمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ ارْتَدَّ بِرَدِّ الْعَبْدِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ، وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَالْهَزْلُ
فُلَانٍ الْغَائِبِ ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي لَمْ يَكُنْ ابْنَهُ) أَيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الصَّبِيُّ ابْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ (أَبَدًا) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: يَعْنِي سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ الْغَائِبُ أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ تَصْدِيقٌ وَلَا تَكْذِيبٌ. وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: يَعْنِي وَإِنْ جَحَدَ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ابْنَهُ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى اسْتِدْرَاكُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَإِنْ جَحَدَ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ) سِيَّمَا عَلَى مَا قَالَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ تَقْرِيرًا لِكَوْنِ الْمَعْنَى هَذَا لَكِنَّ فِيهِ مَا فِيهِ، وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ إلَى كَوْنِ الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ ابْنَهُ أَبَدًا: أَيْ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا حَالًا وَلَا مُسْتَقْبَلًا حَيْثُ قَالَ فِي تَقْرِيرِ الْمَسْأَلَتَيْنِ: وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُ عَبْدِهِ فُلَانٍ أَوْ ابْنُ فُلَانٍ الْغَائِبِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا حَالًا وَلَا مُسْتَقْبَلًا انْتَهَى.
أَقُولُ: الْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا هَذَا الْمَعْنَى لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا انْدِفَاعُ الِاسْتِدْرَاكِ الْمَذْكُورِ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَثَانِيهَا أَنَّ الْأَبَدَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهُ وَهُوَ عُمُومُ الْأَوْقَاتِ وَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَصِيرُ مَصْرُوفًا عَنْهُ إلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ كَمَا تَرَى. وَثَالِثُهَا أَنَّهُ يَظْهَرُ حِينَئِذٍ فَائِدَةُ تَقْيِيدِ فُلَانٍ بِالْغَائِبِ فِي وَضْعِ مَسْأَلَتِنَا دُونَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ سِيَّانِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ: أَعْنِي التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ وَالسُّكُوتَ عَنْهُمَا، إذْ يُتَصَوَّرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ فِي وَقْتٍ مَا فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِالْغَائِبِ عَلَى إرَادَةِ عُمُومِ الْأَحْوَالِ.
وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى: أَعْنِي الْحَالَ وَالْأَوْقَاتَ الْمُسْتَقْبَلَةَ فَهُمَا: أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ مُتَفَاوِتَانِ حَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ الْجُحُودُ مِنْ الْغَائِبِ فِي حَالٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِ فِيهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِأَنْ يَعْلَمَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْضُرَ، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْجُحُودُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَهُمَا، فَاحْتَمَلَ فِي حَقِّ الْغَائِبِ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِعَدَمِ كَوْنِ الصَّبِيِّ ابْنَ الْمُقِرِّ بِوَقْتٍ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْجُحُودُ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ وَهُوَ الْحَالُ وَلَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ، فَلَوْ أَطْلَقَ فُلَانًا وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْغَائِبِ عَلَى إرَادَةِ عُمُومِ الْأَوْقَاتِ لَتَبَادَرَ إلَى الْفَهْمِ كَوْنُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ كَوْنِ الْمُقَرِّ لَهُ حَاضِرًا فَقَطْ، وَلَمَّا قَيَّدْنَا بِالْغَائِبِ عُلِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ كَوْنِ الْمُقَرِّ لَهُ غَائِبًا عِبَارَةً، وَثُبُوتُهُ عِنْدَ كَوْنِهِ حَاضِرًا أَيْضًا دَلَالَةً؛ فَظَهَرَ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْغَائِبِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِهَذَا الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ فِي يَدِهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَقَعَ اتِّفَاقًا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى إطْلَاقِهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَفِي الْمَبْسُوطِ لَكِنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْ الْمَوْلَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَقَالَا: إذَا جَحَدَ الْعَبْدُ فَهُوَ) أَيْ الصَّبِيُّ (ابْنُ الْمَوْلَى) يَعْنِي ادَّعَى الْمَوْلَى لِنَفْسِهِ بَعْدَ جُحُودِ الْعَبْدِ نِسْبَةً كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ) أَيْ إذَا قَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الصَّبِيُّ: (هُوَ ابْنُ فُلَانٍ وُلِدَ عَلَى فَرَاشِهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ) هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْمَبْسُوطِ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ تَفْرِيعًا، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (لَهُمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ) أَيْ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ وَهُوَ قَوْلُهُ هُوَ ابْنُ عَبْدِي فُلَانٍ الْغَائِبِ (ارْتَدَّ بِرَدِّ الْعَبْدِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ) أَيْ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لِأَحَدٍ وَادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ (وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ) أَيْ وَإِنْ كَانَ النَّسَبُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ (أَلَا يُرَى أَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ (يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَالْهَزْلُ) حَتَّى لَوْ أُكْرِهَ بِبُنُوَّةِ عَبْدٍ فَأَقَرَّ بِهَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَكَذَا لَوْ
[ ٨ / ٣٠٦ ]
فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِإِعْتَاقِ الْمُشْتَرَى فَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ ثُمَّ قَالَ أَنَا أَعْتَقْتُهُ يَتَحَوَّلُ الْوَلَاءُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَدَّقَهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ نَسَبًا ثَابِتًا مِنْ الْغَيْرِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ فَيَصِيرُ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُلَاعِنِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّسَبَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالْإِقْرَارُ بِمِثْلِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَبَقِيَ فَتَمْتَنِعُ دَعْوَتُهُ، كَمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِنَسَبِ صَغِيرٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ، حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ،
أَقَرَّ بِهَا هَازِلًا (فَصَارَ) أَيْ فَصَارَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِإِعْتَاقِ الْمُشْتَرَى) بِفَتْحِ الرَّاءِ (فَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ ثُمَّ قَالَ) أَيْ الْمُشْتَرِي: (أَنَا أَعْتَقْتُهُ يَتَحَوَّلُ الْوَلَاءُ إلَيْهِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ الْوَلَاءُ إلَى الْمُشْتَرِي وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ أَصْلًا (بِخِلَافِ مَا إذَا صَدَّقَهُ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ فِي مَسْأَلَتِنَا حَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ دَعْوَةُ الْمَوْلَى بِالِاتِّفَاقِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُقِرَّ (يَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ تَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُ إيَّاهُ (نَسَبًا ثَابِتًا مِنْ الْغَيْرِ) وَهُوَ لَا يَصِحُّ (وَبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ) بَلْ سَكَتَ عَنْ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ أَيْضًا دَعْوَةُ الْمَوْلَى بِالِاتِّفَاقِ (لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ) أَيْ بِالصَّبِيِّ (حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ) أَيْ عَلَى اعْتِبَارِ احْتِمَالِ تَصْدِيقِهِ (فَيَصِيرُ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُلَاعِنِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) يَعْنِي أَنَّ الِاحْتِمَالَ جَانَبَ التَّصْدِيقَ تَأْثِيرًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
كَمَا أَنَّ الِاحْتِمَالَ جَانَبَ التَّكْذِيبَ تَأْثِيرًا فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّسَبَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ) وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ (وَالْإِقْرَارُ بِمِثْلِهِ) أَيْ بِمِثْلِ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ (لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ) يَعْنِي وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ بِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ: أَيْ لَا يَبْطُلُ بِالتَّكْذِيبِ، كَمَنْ أَقَرَّ بِهِ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِ إنْسَانٍ وَكَذَّبَهُ الْمَوْلَى لَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ وَذَكَرَ فِي الشُّرُوحِ (فَبَقِيَ) أَيْ فَبَقِيَ الْإِقْرَارُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ وَشَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ (فَتَمْتَنِعُ دَعْوَتُهُ) أَيْ فَتَمْتَنِعُ دَعْوَةُ الْمُقِرِّ بَعْدَ الرَّدِّ أَيْضًا (كَمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِنَسَبِ صَغِيرٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةٍ) كَالْعِتْقِ وَالْقَرَابَةِ (ثُمَّ ادَّعَاهُ) أَيْ ثُمَّ ادَّعَاهُ الشَّاهِدُ (لِنَفْسِهِ) حَيْثُ لَا تَصِحُّ دَعْوَتُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِنَسَبِ صَغِيرٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِعُذْرٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ الشَّاهِدُ لَمْ تَصِحَّ انْتَهَى.
فَاقْتَفَى الْمُصَنِّفُ أَثَرَهُ فَأَوْرَدَهَا هَاهُنَا كَذَلِكَ. وَأَمَّا شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهَا أَيْضًا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا شَهِدَ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ فَلَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا انْتَهَى (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَالْإِقْرَارُ بِمِثْلِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ (لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ) أَيْ بِالنَّسَبِ (حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ، حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ،
[ ٨ / ٣٠٧ ]
وَكَذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ. وَمَسْأَلَةُ الْوَلَاءِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَلَوْ سَلِمَ فَالْوَلَاءُ قَدْ يَبْطُلُ بِاعْتِرَاضِ الْأَقْوَى كَجَرِّ الْوَلَاءِ مِنْ جَانِبِ الْأُمِّ إلَى قَوْمِ الْأَبِ.
وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى الْوَلَاءِ الْمَوْقُوفِ مَا هُوَ أَقْوَى وَهُوَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي فَيَبْطُلُ بِهِ، بِخِلَافِ النَّسَبِ عَلَى مَا مَرَّ.
وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَثْبُتَ النَّسَبُ مِنْهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ بَقِيَ لَهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ وَمَعَ بَقَاءِ حَقِّهِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْمُقِرِّ كَمَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ، (وَكَذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ) مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجِهِ إلَى النَّسَبِ (فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ وَحَقِّ الْوَلَدِ.
هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَحَ هَذَا الْمَقَامُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا مَا لَا يُسَاعِدُهُ تَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُطَابِقُهُ تَحْرِيرُهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ (وَمَسْأَلَةُ الْوَلَاءِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ اسْتِشْهَادِهِمَا بِمَسْأَلَةِ الْوَلَاءِ بِأَنَّهَا أَيْضًا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَلَا تَنْتَهِضُ شَاهِدَةً لِمَا قَالَاهُ وَحُجَّةً عَلَى مَا قَالَهُ (وَلَوْ سَلِمَ) أَيْ وَلَوْ سَلِمَ كَوْنُ مَسْأَلَةِ الْوَلَاءِ عَلَى الِاتِّفَاقِ (فَالْوَلَاءُ قَدْ يَبْطُلُ بِاعْتِرَاضِ الْأَقْوَى كَجَرِّ الْوَلَاءِ مِنْ جَانِبِ الْأُمِّ إلَى قَوْمِ الْأَبِ).
صُورَتُهُ: مُعْتَقَةٌ تَزَوَّجَتْ بِعَبْدٍ وَوَلَدَتْ مِنْهُ أَوْلَادًا فَجَنَى الْأَوْلَادُ كَانَ عَقْلُ جِنَايَتِهِمْ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ لِأَنَّ الْأَبَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ فَكَانَ الْوَلَدُ مُلْحَقًا بِقَوْمِ الْأُمِّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ جَرَّ وَلَاءَ الْأَوْلَادِ إلَى نَفْسِهِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁، ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى الْوَلَاءِ الْمَوْقُوفِ) وَهُوَ الْوَلَاءُ مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مَوْقُوفًا لِأَنَّهُ عَلَى عَرْضِيَّةِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ التَّكْذِيبِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا (مَا هُوَ أَقْوَى وَهُوَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي) لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ قَائِمٌ فِي الْحَالِ فَكَانَ دَعْوَى الْوَلَاءِ مُصَادِفًا لِمَحَلِّهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ قِيَامُ الْمِلْكِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَأَكْثَرِ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ كَيْفَ يَقُومُ الْمِلْكُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ مُعْتِقٌ. قَالَ فِي الْكَافِي: إنَّ الْمُشْتَرَى إذَا أَقَرَّ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ أَعْتَقَ مَا بَاعَهُ وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُعْتَقُ عَنْ الْمُقِرِّ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى دَلَالَتُهُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ إلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الْبَعْضِ. أَقُولُ: بَحْثُهُ ظَاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا أَقَرَّ أَوَّلًا بِأَنَّ مَا اشْتَرَاهُ مُعْتَقُ الْبَائِعِ لَا بِأَنَّهُ مُعْتَقُ نَفْسِهِ وَقَدْ كَذَّبَهُ الْبَائِعُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قِيَامَ الْمِلْكِ لَهُ فِي الْحَالِ: أَيْ فِي حَالِ الْإِعْتَاقِ لِنَفْسِهِ ثَانِيًا، وَإِنَّمَا لَا يَقُومُ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْحَالِ لَوْ كَانَ أَقَرَّ ابْتِدَاءً بِأَنَّهُ مُعْتَقُ نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مُعْتَقُ الْبَائِعِ وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ وَلَيْسَ فَلَيْسَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي فَعَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى كَوْنِ مَسْأَلَةِ الْوَلَاءِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا حَيْثُ قَالَ: وَمَسْأَلَةُ الْوَلَاءِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَبْنِيَّ الْكَلَامِ هَاهُنَا عَلَى تَسْلِيمِ كَوْنِ بُطْلَانِ الْإِقْرَارِ وَتَحَوُّلِ الْوَلَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلَاءِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ سَلِمَ إلَخْ، وَحِينَئِذٍ لَا شَكَّ فِي قِيَامِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي إلَى حَالِ دَعْوَى الْإِعْتَاقِ لِنَفْسِهِ فَلَا وَجْهَ لِاشْتِبَاهِ الْمَقَامِ وَخَلْطِ الْكَلَامِ (فَبَطَلَ بِهِ) أَيْ بَطَلَ الْوَلَاءُ الْمَوْقُوفُ بِاعْتِرَاضِ مَا هُوَ الْأَقْوَى الَّذِي هُوَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي (بِخِلَافِ النَّسَبِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِاعْتِرَاضِ شَيْءٍ أَصْلًا (عَلَى مَا مَرَّ) وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ: إنَّ النَّسَبَ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَعَلَيْهِ أَخَذَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ. قَالَ فِي الْكَافِي: بِخِلَافِ النَّسَبِ كَمَا مَرَّ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُلَاعِنِ لِاحْتِمَالِ ثُبُوتِهِ مِنْ الْمُلَاعِنِ انْتَهَى.
[ ٨ / ٣٠٨ ]
وَهَذَا يَصْلُحُ مَخْرَجًا عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنْ يَبِيعُ الْوَلَدَ وَيَخَافُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ دَعْوَاهُ إقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ لِغَيْرِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: هُوَ ابْنِي وَقَالَ الْمُسْلِمُ هُوَ عَبْدِي فَهُوَ ابْنُ النَّصْرَانِيِّ وَهُوَ حُرٌّ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُرَجِّحٌ فَيَسْتَدْعِي تَعَارُضًا، وَلَا تَعَارُضَ لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ لِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ حَالًا وَشَرَفَ الْإِسْلَامِ مَآلًا، إذْ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي عَكْسِهِ الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا وَحِرْمَانُهُ عَنْ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ اكْتِسَابُهَا
وَحَمَلَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّسَبَ أَلْزَمُ مِنْ الْوَلَاءِ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَقْبَلُ الْبُطْلَانَ فِي الْجُمْلَةِ وَالنَّسَبَ لَا يَقْبَلُهُ أَصْلًا فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ النَّسَبِ عَلَى الْوَلَاءِ (وَهَذَا) أَيْ إقْرَارُ الْبَائِعِ بِنَسَبِ مَا بَاعَهُ لِغَيْرِهِ (يَصْلُحُ مَخْرَجًا) أَيْ حِيلَةً (عَلَى أَصْلِهِ) أَيْ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (فِيمَنْ يَبِيعُ الْوَلَدَ وَيَخَافُ عَلَيْهِ) أَيْ يَخَافُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَلَدِ (الدَّعْوَةَ بَعْدَ ذَلِكَ) مِنْ الْبَائِعِ (فَيَقْطَعُ دَعْوَاهُ) أَيْ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ دَعْوَى الْبَائِعِ (بِإِقْرَارِهِ بِالنَّسَبِ لِغَيْرِهِ) قَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ: صُورَتُهُ رَجُلٌ فِي يَدِهِ صَبِيٌّ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ يَبِيعُهُ وَلَا يَأْمَنُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَدَّعِيَهُ الْبَائِعُ يَوْمًا فَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ فَيُقِرُّ الْبَائِعُ بِكَوْنِ الصَّبِيِّ ابْنَ عَبْدِهِ الْغَائِبِ حَتَّى يَأْمَنَ الْمُشْتَرِي مِنْ انْتِقَاضِ الْبَيْعِ بِالدَّعْوَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ حِيلَةً عِنْدَهُ.
وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ: الْحِيلَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ يُقِرَّ الْبَائِعُ أَنَّ هَذَا ابْنُ عَبْدِهِ الْمَيِّتِ حَتَّى لَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَكْذِيبٌ فَيَكُونُ مُخْرَجًا عَنْ قَوْلِ الْكُلِّ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: هُوَ ابْنِي وَقَالَ الْمُسْلِمُ: هُوَ عَبْدِي فَهُوَ ابْنُ النَّصْرَانِيِّ وَهُوَ حُرٌّ) وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا: هُوَ ابْنُ النَّصْرَانِيِّ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَتَانِ مَعًا، فَكَانَ قَوْلُهُ مَعًا إشَارَةً إلَى أَنَّ دَعْوَى الْمُسْلِمِ لَوْ سَبَقَتْ عَلَى دَعْوَى النَّصْرَانِيِّ يَكُونُ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: (لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُرَجِّحٌ) بِكَسْرِ الْجِيمِ (فَيَسْتَدْعِي تَعَارُضًا) يَعْنِي أَنَّ الْإِسْلَامَ مُرَجِّحٌ أَيْنَمَا كَانَ وَالتَّرْجِيحُ يَسْتَدْعِي تَعَارُضًا (وَلَا تَعَارُضَ) أَيْ لَا تَعَارُضَ هَاهُنَا لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُسَاوَاةِ وَلَا مُسَاوَاةَ هَاهُنَا (لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ) يَعْنِي أَنَّ النَّظَرَ لِلصَّبِيِّ وَاجِبٌ وَنَظَرَهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْفَرُ (لِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ حَالًا وَشَرَفَ الْإِسْلَامِ مَآلًا إذْ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي عَكْسِهِ) أَيْ وَفِي عَكْسِ مَا ذَكَرْنَاهُ (الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا) أَيْ يَنَالُ الْحُكْمَ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا (وَحِرْمَانُهُ عَنْ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ اكْتِسَابُهَا) أَيْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الصَّبِيِّ اكْتِسَابُ الْحُرِّيَّةِ فَانْتَفَى الْمُسَاوَاةُ، كَذَا رَأَى أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ فِي حَلِّ هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ الْحَقِيقُ عِنْدِي أَيْضًا بِأَنَّ
[ ٨ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُرَادُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ شَرْحِ الْمَقَامِ بِهَذَا الْمِنْوَالِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ وَدَلَائِلُ التَّوْحِيدِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً لَكِنَّ الْإِلْفَ بِالدِّينِ مَانِعٌ قَوِيٌّ؛ أَلَا يَرَى إلَى كُفْرِ آبَائِهِ مَعَ ظُهُورِ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَضَانَةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ أَوْ يُخَافُ أَنْ يَأْلَفَ الْكُفْرَ لِلنَّظَرِ قَبْلَ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُ الضَّرَرِ بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ بِأَنْ قَالَ فِيهِ بَحْثٌ. لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ خَيْرًا مِنْ الْإِشْرَاكِ حَتَّى يُخَالَفَ، بَلْ نَقُولُ: كَمَا أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ كَذَلِكَ شَرَفُ الْحُرِّيَّةِ خَيْرٌ مِنْ ذُلِّ الرِّقِّيَّةِ، وَكَسْبُ الْإِسْلَامِ فِي وُسْعِهِ دُونَ كَسْبِ الْحُرِّيَّةِ، فَالنَّظَرُ لِلصَّبِيِّ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِحُرِّيَّتِهِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ مُرَادُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ بِمُجَرَّدِ دَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ خَيْرٌ مِنْ صِفَةِ الْإِشْرَاكِ حَتَّى يُفِيدَ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا خَيْرٌ مِنْ الْمُشْرِكِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا.
أَمَّا عَلَى كَوْنِ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ مَحْمُولَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا: أَعْنِي الرَّقِيقَ وَالرَّقِيقَةَ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ بَعْضِ كِبَارِ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ الْمَقَامِ مِنْ النَّظْمِ الشَّرِيفِ: يَعْنِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ خَسَاسَةُ الرِّقِّ خَيْرٌ مِنْ الْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ شَرَفُ الْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّ شَرَفَهَا لَا يُجْدِي نَفْعًا مَعَ الْكُفْرِ، وَدَنَاءَةُ الرِّقِّ لَا تَضُرُّ مَعَ شَرَفِ الْإِيمَانِ انْتَهَى، فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عَلَى كَوْنِ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِيهِمَا بِمَعْنَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَمَتِهِ عَامَّيْنِ لِلْحُرِّ وَالْحُرَّةِ أَيْضًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَأَضْرَا بِهِ حَيْثُ قَالُوا فِي تَفْسِيرِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ: أَيْ وَلَا امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ مَمْلُوكَةً، وَكَذَلِكَ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَإِمَاؤُهُ انْتَهَى، فَلِأَنَّ الرَّقِيقَ الْمُؤْمِنَ يَنْدَرِجُ حِينَئِذٍ فِي عَبْدٍ مُؤْمِنٍ قَطْعًا فَيَكُونُ خَيْرًا مِنْ مُشْرِكٍ وَإِنْ كَانَ حُرًّا، وَدَلَالَةُ ظَاهِرِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ النَّائِلَ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ مَعَ كَوْنِ كَسْبِ الْإِيمَانِ فِي وُسْعِهِ خَيْرٌ مِنْ الرَّقِيقِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا مَعَ حِرْمَانِهِ عَنْ الْحُرِّيَّةِ فَتُفْهَمُ الْمُخَالَفَةُ لِلْكِتَابِ، وَهَذَا تَوْجِيهُ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَلَى وَفْقِ مَرَامِهِ فَلَا يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ الْمَذْكُورُ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ يُوجِبُ دَعْوَةَ الْأَوْلَادِ لِآبَائِهِمْ، وَمُدَّعِي النَّسَبِ أَبٌ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَتَعَارَضَتْ الْآيَتَانِ.
وَفِي الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَرْحَمَةِ بِالصِّبْيَانِ نَظَرًا لَهَا كَثْرَةٌ فَكَانَتْ أَقْوَى مِنْ الْمَانِعِ، وَكُفْرُ الْآبَاءِ جُحُودٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ؛ أَلَا يَرَى إلَى انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ فِي الْآفَاقِ، وَبِتَرْكِ الْحَضَانَةِ لَا يَلْزَمُ رِقٌّ فَيُقْلَعُ مِنْهَا، بِخِلَافِ تَرْكِ النَّسَبِ هَاهُنَا فَإِنَّ الْمَصِيرَ بَعْدَهُ إلَى الرِّقِّ وَهُوَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ كَوْنَ مُدَّعِي النَّسَبِ أَبًا أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ فَذِكْرُهُ هَاهُنَا مُؤَدٍّ إلَى الْمُصَادَرَةِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ دَعْوَتَهُ لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ دَعْوَتَهُ إنَّمَا لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَقْبُولَةً بِحَسَبِ الشَّرْعِ رَاجِحَةً عَلَى دَعْوَى الْمُسْلِمِ وَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: وَفِي الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَرْحَمَةِ بِالصِّبْيَانِ نَظَرٌ لَهَا كَثْرَةٌ فَكَانَتْ أَقْوَى مِنْ الْمَانِعِ كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَرْحَمَةِ بِالصِّبْيَانِ وَالنَّظَرِ لَهُمْ مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّ مَا يُؤَدِّي إلَى الْإِلْفِ بِالْكُفْرِ الْمَانِعِ عَنْ الْإِسْلَامِ مُنَافٍ لِلْمَرْحَمَةِ بِهِمْ وَلِلنَّظَرِ لَهُمْ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَكَانَتْ أَقْوَى مِنْ الْمَانِعِ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْكِفَايَةِ وَتَاجَ الشَّرِيعَةِ قَالَا فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا تَعَارُضَ: أَيْ بَيْنَ دَعْوَى الرِّقِّ وَدَعْوَى النَّسَبِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِوَاحِدٍ وَابْنًا لِآخَرَ انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُمَا أَخَذَا هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: هُوَ ابْنِي وَقَالَ الْمُسْلِمُ هُوَ عَبْدِي فَهُوَ حُرٌّ ابْنُ النَّصْرَانِيِّ إذَا ادَّعَيَا مَعًا، وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمَا الْبُنُوَّةَ فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى. وَالْفَرْقُ أَنَّهُمَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ اسْتَوَيَا فَتَرَجَّحَ الْمُسْلِمُ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالنَّسَبِ مِنْ الْمُسْلِمِ قَضَاءٌ بِإِسْلَامِهِ، وَفِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ: أَيْ دَعْوَى الرِّقِّ وَدَعْوَى النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِوَاحِدٍ وَابْنًا لِآخَرَ حَتَّى يَثْبُتَ التَّرْجِيحُ بِالْإِسْلَامِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الَّذِي يَدَّعِيهِ النَّصْرَانِيُّ فِي مَسْأَلَتِنَا هُوَ بُنُوَّةُ الصَّبِيِّ لَهُ حُرًّا لَا مُطْلَقَ بُنُوَّتِهِ لَهُ، وَأَنَّ الَّذِي يُحْكَمُ بِهِ لَهُ هُوَ ثُبُوتُ نَسَبِ الصَّبِيِّ
[ ٨ / ٣١٠ ]
(وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمَا دَعْوَةَ الْبُنُوَّةِ فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى) تَرْجِيحًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْفَرُ النَّظَرَيْنِ.
قَالَ (وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا أَنَّهُ ابْنُهَا لَمْ تَجُزْ دَعْوَاهَا حَتَّى تَشْهَدَ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ لِأَنَّهَا تَدَّعِي تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ فَلَا تُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ،
مِنْهُ حُرًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ لَا ثُبُوتُ نَسَبِهِ مِنْهُ عَبْدًا لِلْآخَرِ وَإِلَّا لَلَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا وَالْحُكْمُ لَهُمَا مَعًا، بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا رَأْسًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ دَعْوَى الرِّقِّ وَبَيْنَ دَعْوَى النَّسَبِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ تَعَارُضًا بَيِّنًا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. ثُمَّ إنَّ فِي تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ مَانِعًا آخَرَ عَنْ الْحَمْلِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ إلَخْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ وَلَا تَعَارَضَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ مُرَادِهِ بِوَجْهِ عَدَمِ التَّعَارُضِ هَذَا الْمَعْنَى، فَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَنَبَّهَ لِهَذَا حَيْثُ غَيَّرَ تَحْرِيرَ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ عَلَى وَجْهِ التَّنْوِيرِ، أَلَا يَرَى أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْإِسْلَامِ وَاجِبٌ فِي النَّسَبِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ وَنَظَرُ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ إلَخْ. أَمَّا صَاحِبُ الْكِفَايَةِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى شَرْحِهِ الْمَذْكُورِ شَيْئًا آخَرَ فَكَأَنَّهُ غَافِلٌ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَأَمَّا تَاجُ الشَّرِيعَةِ فَقَدْ تَنَبَّهَ لِهَذَا وَتَدَارَكَهُ حَيْثُ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ ابْنُ النَّصْرَانِيِّ لَا دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الْمُعَارَضَةِ، وَقَالَ: كَذَا سَمِعْته مِنْ الْإِمَامِ الْأُسْتَاذِ انْتَهَى. لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ ابْنُ النَّصْرَانِيِّ وَهُوَ حُرٌّ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُرَجِّحٌ فَيَسْتَدْعِي تَعَارُضًا وَلَا تَعَارُضَ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ إلَخْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا لَكَانَ دَلِيلًا ثَانِيًا فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ بِالْوَاوِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الثَّانِي عَلَى تَعْلِيلِ الْمُعَلَّلِ فَتَأَمَّلْ (وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمَا) أَيْ دَعْوَةُ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ (دَعْوَةَ الْبُنُوَّةِ فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى تَرْجِيحًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْفَرُ النَّظَرَيْنِ) أَيْ لِلصَّبِيِّ. وَنُوقِضَ هَذَا بِغُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ بَالِغٍ ادَّعَى عَلَى نَصْرَانِيٍّ وَنَصْرَانِيَّةٍ أَنَّهُ ابْنُهُمَا وَادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَمُسْلِمَةٌ أَنَّهُ ابْنُهُمَا وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بَيِّنَةً فَقَدْ تَسَاوَتْ الدَّعْوَتَانِ مَعَ أَنَّ بَيِّنَةَ الْغُلَامِ أَوْلَى وَلَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ الْإِسْلَامِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ بِفِرَاشِ النِّكَاحِ لَكِنْ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ الْغُلَامِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يُثْبِتُ حَقًّا لِنَفْسِهِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَنْفَعَةِ فِي النَّسَبِ لِلْوَلَدِ دُونَ الْوَالِدَيْنِ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُعَيَّرُ بِعَدَمِ الْأَبِ الْمَعْرُوفِ وَالْوَالِدَانِ لَا يُعَيَّرَانِ بِعَدَمِ الْوَلَدِ، وَبَيِّنَةُ مَنْ يُثْبِتُ حَقًّا لِنَفْسِهِ أَوْلَى، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي التَّرْجِيحِ لَا مَحَالَةَ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَقَوَّى بِقَوْلِهِ ﷺ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْمُدَّعِيَيْنِ لِكَوْنِهِ يَدَّعِي حَقًّا لِنَفْسِهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ تَقَوَّى هَذَا بِذَلِكَ النَّصِّ فَقَدْ تَقَوَّى رُجْحَانُ الْإِسْلَامِ بِأَلْفِ نَصٍّ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا أَنَّهُ ابْنُهَا لَمْ تَجُزْ دَعْوَتُهَا حَتَّى تَشْهَدَ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: اقْتِفَاءُ أَثَرِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فِي تَقْيِيدِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ) وَادَّعَتْ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ هَذَا الزَّوْجِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ذَلِكَ (لِأَنَّهَا تَدَّعِي تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ) وَهُوَ الزَّوْجُ (فَلَا تُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ) يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَقْصِدُ إلْزَامَ النَّسَبِ عَلَى الزَّوْجِ وَالْإِلْزَامُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْحُجَّةِ، وَسَبَبُ لُزُومِ النَّسَبِ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا وَهُوَ النِّكَاحُ لَكِنَّ الْحَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْوِلَادَةِ وَالنِّكَاحِ
[ ٨ / ٣١١ ]
بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ يُحَمِّلُ نَفْسَهُ النَّسَبَ، ثُمَّ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ كَافِيَةٌ فِيهَا لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ.
أَمَّا النَّسَبُ فَيَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَبِلَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ» (وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ تَامَّةٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً قَالُوا: يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهَا بِقَوْلِهَا لِأَنَّ فِيهِ إلْزَامًا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا.
لَا تُوجِبُ الْوِلَادَةَ لَا مَحَالَةَ، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَادَةُ وَتَعْيِينُ الْوَلَدِ إلَّا بِحُجَّةٍ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ حُجَّةٍ.
كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (بِخِلَافِ الرَّجُلِ) أَيْ الزَّوْجِ حَيْثُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَةِ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ أَحَدٍ وَإِنْ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ (لِأَنَّهُ يُحَمِّلُ نَفْسَهُ النَّسَبَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: تَحَمَّلَ عَلَى نَفْسِهِ النَّسَبَ (ثُمَّ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ كَافِيَةٌ فِيهَا) أَيْ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ (لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ) بِأَنَّهُ الَّذِي وَلَدَتْهُ تِلْكَ الْمَرْأَةُ وَشَهَادَةُ الْقَابِلَةِ حُجَّةٌ فِيهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ (أَمَّا النَّسَبُ فَيَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ) يَعْنِي أَمَّا النَّسَبُ فَيَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ فِي الْحَالِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِهِ حَتَّى تَلْزَمَ الْحُجَّةُ التَّامَّةُ (وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ») فَكَانَتْ حُجَّةً فِيهَا (وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ تَامَّةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) يَعْنِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَنْكُوحَةً، أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَكِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً وَادَّعَتْ النَّسَبَ عَلَى الزَّوْجِ احْتَاجَتْ إلَى حُجَّةٍ تَامَّةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهِيَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ حَبَلٌ ظَاهِرٌ أَوْ اعْتِرَافٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، وَقَالَا: يَكْفِي فِي الْجَمِيعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ (وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ) أَيْ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً قَالُوا: يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهَا بِقَوْلِهَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ أَصْلًا (لِأَنَّ فِيهِ إلْزَامًا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا) وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى الْمَسْأَلَةَ عَلَى إطْلَاقِهَا وَقَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَيْثُ جَازَتْ دَعْوَةُ الْوَلَدِ مِنْهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَمْ تَجُزْ مِنْهَا بِدُونِ الْبَيِّنَةِ. وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَنْ ادَّعَى مَعْنًى لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَكُلَّ مَنْ يَدَّعِي مَعْنًى يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ.
وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الدُّخُولَ وَكَذَّبَهَا لَا تُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِإِمْكَانِ إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِحَيْضِهَا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لِمَكَانِ الْعَجْزِ عَنْ الْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ فَفِي مَا نَحْنُ فِيهِ يُمْكِنُ لِلْمَرْأَةِ إثْبَاتُ النَّسَبِ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّ انْفِصَالَ الْوَلَدِ مِنْهَا مِمَّا يُشَاهَدُ وَيُعَايَنُ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ بَيِّنَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْإِعْلَاقِ وَالْإِحْبَالِ لِمَكَانِ الْخَفَاءِ وَالتَّغَيُّبِ عَنْ عُيُونِ النَّاظِرِينَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الرَّجُلَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إثْبَاتُ الْإِعْلَاقِ وَالْإِحْبَالِ إلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُهُ
[ ٨ / ٣١٢ ]
(وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَزَعَمَتْ أَنَّهُ ابْنُهُمَا مِنْهُ وَصَدَّقَهَا فَهُوَ ابْنُهُمَا وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ امْرَأَةٌ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ نَسَبَهُ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ الْحُجَّةِ.
(وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي أَيْدِيهِمَا وَزَعَمَ الزَّوْجُ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ غَيْرِهَا وَزَعَمَتْ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ ابْنُهُمَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُمَا لِقِيَامِ أَيْدِيهِمَا أَوْ لِقِيَامِ الْفِرَاشِ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ صَاحِبِهِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ ثَوْبٍ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ صَاحِبِهِ يَكُونُ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَدْخُلُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، وَهَاهُنَا لَا يَدْخُلُ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَمِلُهَا.
إثْبَاتُ النَّسَبِ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِشَيْءٍ لَمْ يُعَايِنْهُ بِالسَّمَاعِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ: مِنْهَا النَّسَبُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ادِّعَاءِ الرَّجُلِ وَلَدًا أَنَّهُ ابْنُهُ وَثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهُ ثُبُوتُ وُقُوعِ الْإِعْلَاقِ وَالْإِحْبَالِ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِلَّا لَمَا تَيَسَّرَ إثْبَاتُ دَعْوَةِ الْبُنُوَّةِ مِنْ الرَّجُلِ أَصْلًا: أَيْ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مُنَازِعٌ شَرْعِيٌّ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُ الْإِعْلَاقِ وَالْإِحْبَالِ قَطْعًا، مَعَ أَنَّ مَسَائِلَ التَّنَازُعِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي بُنُوَّةِ وَلَدٍ وَإِثْبَاتِهَا شَرْعًا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، فَظَهَرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ادِّعَاءِ الرَّجُلِ بُنُوَّةَ وَلَدٍ ثُبُوتُ نَسَبِهِ مِنْهُ دُونَ ثُبُوتِ وُقُوعِ الْإِعْلَاقِ وَالْإِحْبَالِ مِنْهُ، فَلَمَّا أَمْكَنَهُ إثْبَاتُ نَسَبِهِ مِنْهُ لَزِمَهُ أَيْضًا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ لِلْفَرْقِ الْمَزْبُورِ مِمَّا لَا يُجْدِي فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُدَّعِي مِمَّا يُمْكِنُ لِلْمُدَّعِي إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ إنَّمَا يَقْتَضِي احْتِيَاجَ الْمُدَّعِي إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ إذَا وُجِدَ هُنَاكَ مَنْ يُكَذِّبُهُ وَيُنْكِرُ مَا ادَّعَاهُ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْبَيَانِ وَمَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَإِنْ كَانَ مَا يُمْكِنُهَا إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا بَيَّنَ إلَّا أَنَّهُ مِمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُكَذِّبُهَا بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: لِأَنَّ فِيهِ إلْزَامًا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا انْتَهَى.
فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِاحْتِيَاجِهَا إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَتَدَبَّرْ (وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَزَعَمَتْ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْهُ) أَيْ ادَّعَتْ أَنَّ الْوَلَدَ ابْنُهَا مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجِ (وَصَدَّقَهَا) أَيْ وَصَدَّقَ (الزَّوْجُ) إيَّاهَا (فَهُوَ ابْنُهُمَا وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ امْرَأَةٌ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ: يَعْنِي لَا حَاجَةَ هَاهُنَا إلَى شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الزَّوْجَ (الْتَزَمَ نَسَبَهُ) أَيْ نَسَبَ الْوَلَدِ (فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ الْحُجَّةِ) لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِ الزَّوْجِ بِلَا دَعْوَى امْرَأَةٍ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَمَعَ دَعْوَى امْرَأَةٍ أَوْلَى، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
(وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي أَيْدِيهِمَا) أَيْ فِي أَيْدِي الزَّوْجَيْنِ (فَزَعَمَ الزَّوْجُ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ زَعَمَ الزَّوْجُ أَنَّ الصَّبِيَّ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى لَهُ (وَزَعَمَتْ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ وَزَعَمَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ زَوْجٍ آخَرَ كَانَ لَهَا (فَهُوَ ابْنُهُمَا) أَيْ كَانَ الصَّبِيُّ ابْنَهُمَا مَعًا هَذَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَالْقَوْلُ لَهُ أَيُّهُمَا صَدَّقَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ بِتَصْدِيقِهِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ إلَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْكِتَابِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهَا (لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الَّذِينَ كَانَ الْوَلَدُ فِي أَيْدِيهِمَا (لِقِيَامِ أَيْدِيهِمَا أَوْ لِقِيَامِ الْفِرَاشِ بَيْنَهُمَا) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ الْفِرَاشِ بَيْنَهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ بَعْدَ تَعْيِينِ الْوَلَدِ: أَيْ بَعْدَ ثُبُوتِ وِلَادَتِهِ مِنْ تِلْكَ الزَّوْجَةِ، وَلِهَذَا لَمْ تَجُزْ دَعْوَةُ امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ صَبِيًّا أَنَّهُ ابْنُهَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهَا الزَّوْجُ مَا لَمْ تَشْهَدْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، فَفِي مَسْأَلَتِنَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ (ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَيْنِ (يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ صَاحِبِهِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِهِ: يَعْنِي لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ (وَهُوَ نَظِيرُ ثَوْبٍ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ صَاحِبِهِ) حَيْثُ لَا يُصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي إبْطَالِ حَقِّ صَاحِبِهِ (بَلْ يَكُونُ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا) فَكَذَا هُنَا (إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَدْخُلُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ) أَيْ يَصِيرُ مَا حَصَلَ لِلْمُقِرِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ نِصْفَانِ (لِأَنَّ الْمَحَلَّ) وَهُوَ الثَّوْبُ (يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، وَهُنَا لَا يَدْخُلُ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَمِلُهَا) اعْلَمْ أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ فِي دَعْوَى النَّسَبِ غَيْرُ مَانِعَةٍ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى، حَتَّى أَنَّ
[ ٨ / ٣١٣ ]
قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا عِنْدَهُ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ غَرِمَ الْأَبُ قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ يُخَاصِمُ) لِأَنَّهُ وَلَدُ الْمَغْرُورِ فَإِنَّ الْمَغْرُورَ مَنْ يَطَأُ امْرَأَةً مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ نِكَاحٍ فَتَلِدُ مِنْهُ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃،
الصَّبِيَّ إذَا كَانَ فِي يَدِ امْرَأَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ ابْنِي مِنْكِ مِنْ زِنًا وَقَالَتْ: مِنْ نِكَاحٍ ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: مِنْ نِكَاحٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: هُوَ ابْنِي مِنْ نِكَاحٍ مِنْكِ وَقَالَتْ: هُوَ ابْنُك مِنِّي مِنْ زِنًا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْهُ لِعَدَمِ اتِّفَاقِهِمَا فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ: هُوَ ابْنُك مِنِّي مِنْ نِكَاحٍ يَثْبُتُ لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْمُنَاقَضَةَ لَا تُبْطِلُ دَعْوَى النَّسَبِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ.
وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ دَعْوَى النَّسَبِ إنَّمَا لَا تَبْطُلُ بِالتَّنَاقُضِ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَلَا مُسَاوَاةَ، فَإِنَّ دَعْوَى النَّسَبِ أَقْوَى مِنْ النَّفْيِ.
وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا: إذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزِّنَا مِنْ فُلَانٍ فَالنَّسَبُ ثَابِتٌ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ النَّسَبِ قَائِمٌ وَهُوَ الْفِرَاشُ وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ حَقًّا لِلصَّبِيِّ فَلَا يُقْبَلُ تَصَادُقُهُمَا عَلَى إبْطَالِ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ أَمَةً أَوْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَدْ وُجِدَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. أَقُولُ: الَّذِي نُقِلَ عَنْ الْإِيضَاحِ أَوَّلًا مِنْ تَعْلِيلِ عَدَمِ بُطْلَانِ دَعْوَى النَّسَبِ بِالتَّنَاقُضِ مَحَلُّ نَظَرٍ مَنْعًا وَنَقْضًا فَتَأَمَّلْ.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا عِنْدَهُ) يَعْنِي وَلَدَتْ وَلَدًا مِنْ الْمُشْتَرِي (فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ غَرِمَ الْأَبُ قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ يُخَاصِمُ) وَكَذَا إذَا مَلَكَهَا بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ الشِّرَاءِ أَيِّ سَبَبٍ كَانَ، وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَسَيُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ الْكِتَابِ (لِأَنَّهُ وَلَدُ الْمَغْرُورِ، فَإِنَّ الْمَغْرُورَ مَنْ يَطَأُ امْرَأَةً مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ يَمِينٍ) بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ مِثْلُ الشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا (أَوْ نِكَاحٍ) عَطْفٌ عَلَى يَمِينٍ.
وَالْمَعْنَى أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ نِكَاحٍ (فَتَلِدُ مِنْهُ) أَيْ تَلِدُ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَطَؤُهَا (ثُمَّ تُسْتَحَقُّ) بِأَنْ يَظْهَرَ بِالْبَيِّنَةِ كَوْنُهَا أَمَةً، هُنَا تَمَّ تَفْسِيرُ وَلَدِ الْمَغْرُورِ
(وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃) فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ وَلَدَ الْمَغْرُورِ حُرُّ الْأَصْلِ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ السَّلَفِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَبِ إلَّا أَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يُفَكُّ الْغُلَامُ بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةُ بِالْجَارِيَةِ: يَعْنِي إنْ كَانَ الْوَلَدُ غُلَامًا فَعَلَى الْأَبِ غُلَامٌ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَعَلَيْهِ جَارِيَةٌ مِثْلُهَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: عَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ. وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يُفَكُّ الْغُلَامُ بِقِيمَةِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ اخْتِلَافَ السَّلَفِ فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ، وَقَوْلَ عُمَرَ ﵁ بِضَمَانِ مِثْلِهِ دُونَ قِيمَتِهِ يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ وَلَدَ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ مَا ذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ لَأَنْ يَكُونَ شَرْحًا وَبَيَانًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ؟ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ اخْتِلَافٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ دُونَ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁: يُفَكُّ الْغُلَامُ بِقِيمَةِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ.
فَحَاصِلُ الشَّرْحِ
[ ٨ / ٣١٤ ]
وَلِأَنَّ النَّظَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاجِبٌ فَيُجْعَلُ الْوَلَدُ حُرَّ الْأَصْلِ فِي حَقِّ أَبِيهِ رَقِيقًا فِي حَقِّ مُدَّعِيهِ نَظَرًا لَهُمَا، ثُمَّ الْوَلَدُ حَاصِلٌ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ إلَّا بِالْمَنْعِ كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ، فَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْمَنْعِ (وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ) لِانْعِدَامِ الْمَنْعِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ مَالًا لِأَنَّ الْإِرْثَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْهُ، وَالْمَالُ لِأَبِيهِ لِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ فِي حَقِّهِ فَيَرِثُهُ (وَلَوْ قَتَلَهُ الْأَبُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ) لِوُجُودِ الْمَنْعِ وَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ فَأَخَذَ دِيَتَهُ،
وَالْبَيَانُ هَاهُنَا أَنَّ السَّلَفَ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ إلَّا أَنَّ الْخِلَافَ مُرْتَفِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِتَأْوِيلِ كَلَامِ عُمَرَ ﵁ تَبْيِينُ مَرَامِهِ عَلَى وَفْقِ مَا يَقْتَضِيهِ النَّصُّ الدَّالُ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ (وَلِأَنَّ النَّظَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاجِبٌ) إذْ الْمَغْرُورُ بَنَى أَمْرَهُ عَلَى سَبِيلٍ صَحِيحٍ فِي الشَّرْعِ فَاسْتَوْجَبَ النَّظَرَ، وَالْأَمَةُ مِلْكُ الْمُسْتَحِقِّ وَالْوَلَدُ مُتَفَرِّعٌ عَنْ مِلْكِهِ فَاسْتَوْجَبَ النَّظَرَ أَيْضًا فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ حَقَّيْهِمَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَذَا بِأَنْ يَحْيَى حَقُّ الْمُسْتَحِقِّ فِي مَعْنَى الْمَمْلُوكِ وَيَحْيَى حَقُّ الْمَغْرُورِ فِي صُورَتِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي (فَيُجْعَلُ الْوَلَدُ حُرَّ الْأَصْلِ فِي حَقِّ أَبِيهِ رَقِيقًا فِي حَقِّ مُدَّعِيهِ نَظَرًا لَهُمَا) وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا (ثُمَّ الْوَلَدُ حَاصِلٌ فِي يَدِهِ) أَيْ فِي يَدِ الْمَغْرُورِ (مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (فَلَا يَضْمَنُهُ إلَّا بِالْمَنْعِ كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ) فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عِنْدَنَا لَا يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ إلَّا بِالْمَنْعِ (فَلِهَذَا) أَيْ فَلِأَنَّ الْمَغْرُورَ لَا يَضْمَنُ الْوَلَدَ إلَّا بِالْمَنْعِ (تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْمَنْعِ) وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُعَلَّقُ فِي حَقِّ الْمُسْتَوْلِدِ حُرًّا وَيُعَلَّقُ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ رَقِيقًا فَلَا يَتَحَوَّلُ حَقُّهُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْبَدَلِ إلَّا بِالْقَضَاءِ فَيَعْتَبِرُ قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ الْقَضَاءِ كَذَلِكَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ وَلَدَ الْمَغْرُورِ إنَّمَا يَكُونُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ إذَا كَانَ الْمَغْرُورُ حُرًّا، أَمَّا إذَا كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّزَوُّجِ يَكُونُ وَلَدُهُ عَبْدًا لِلْمُسْتَحِقِّ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَسَيَجِيءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ) يَعْنِي لَوْ مَاتَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ (لَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ) أَيْ لَيْسَ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِنْ قِيمَتِهِ (لِانْعِدَامِ الْمَنْعِ) إذْ الْمَنْعُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الطَّلَبِ، فَإِذَا هَلَكَ قَبْلَ الطَّلَبِ لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ فَلَا يَضْمَنُ، كَمَا لَوْ هَلَكَ وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، كَذَا فِي الْكَافِي (وَكَذَا لَوْ تَرَكَ مَالًا) أَيْ وَكَذَا لَوْ تَرَكَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ مَالًا مِيرَاثًا لِأَبِيهِ فَأَخَذَهُ أَبُوهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَتَحَقَّقْ، لَا عَنْ الْوَلَدِ لِمَا مَرَّ وَلَا عَنْ بَدَلِهِ (لِأَنَّ الْإِرْثَ لَيْسَ بِبَدَلِهِ عَنْهُ) فَلَمْ يَجْعَلْ سَلَامَةَ الْإِرْثِ كَسَلَامَةِ نَفْسِهِ (وَالْمَالُ لِأَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَلَدَ (حُرُّ الْأَصْلِ فِي حَقِّهِ) أَيْ فِي حَقِّ أَبِيهِ كَمَا مَرَّ (فَيَرِثُهُ) فَإِنْ قِيلَ: الْوَلَدُ وَإِنْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ فِي حَقِّ أَبِيهِ إلَّا أَنَّهُ رَقِيقٌ فِي حَقِّ مُدَّعِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ.
قُلْنَا: الْوَلَدُ عَلِقَ حُرَّ الْأَصْلِ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي أَيْضًا، وَلِهَذَا لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ. وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الرِّقَّ فِي حَقِّهِ ضَرُورَةَ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوْضِعَهَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَالْكَافِي. أَقُولُ: يُنَافِي هَذَا الْجَوَابُ ظَاهِرَ مَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا فَلْيَتَأَمَّلْ فِي التَّوْفِيقِ أَوْ التَّرْجِيحِ (وَلَوْ قَتَلَهُ الْأَبُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ) أَيْ يَضْمَنُهَا (لِوُجُودِ الْمَنْعِ) بِالْقَتْلِ (وَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ
[ ٨ / ٣١٥ ]
لِأَنَّ سَلَامَةَ بَدَلِهِ لَهُ كَسَلَامَتِهِ، وَمَنْعَ بَدَلِهِ كَمَنْعِهِ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَمَا إذَا كَانَ حَيًّا (وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى بَائِعِهِ) لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَتَهُ كَمَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ، بِخِلَافِ الْعُقْرِ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فَأَخَذَ دِيَتَهُ) أَيْ فَأَخَذَ الْأَبُ دِيَتَهُ (لِأَنَّ سَلَامَةَ بَدَلِهِ لَهُ) أَيْ لِأَنَّ سَلَامَةَ بَدَلِ الْوَلَدِ وَهُوَ دِيَتُهُ لِلْأَبِ (كَسَلَامَتِهِ) أَيْ كَسَلَامَةِ الْوَلَدِ نَفْسِهِ (وَمَنْعَ بَدَلِهِ كَمَنْعِهِ) أَيْ وَمَنْعَ بَدَلِ الْوَلَدِ كَمَنْعِ الْوَلَدِ نَفْسِهِ (فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَمَا إذَا كَانَ حَيًّا) وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْأَبُ دِيَتَهُ مِنْ الْقَاتِلِ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ الْوَلَدَ أَصْلًا: أَيْ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، نَصَّ عَلَيْهِ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ قَضَى لَهُ بِالدِّيَةِ فَلَمْ يَقْبِضْهَا لَمْ يُؤْخَذْ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيمَا لَمْ يَصِلْ إلَى يَدِهِ مِنْ الْبَدَلِ، فَإِنْ قَبَضَ مِنْ الدِّيَةِ قَدْرَ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ قَضَى عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ لِلْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ تَحَقَّقَ بِوُصُولِ يَدِهِ إلَى الْبَدَلِ فَيَكُونُ مَنْعُهُ قَدْرَ قِيمَةِ الْوَلَدِ كَمَنْعِهِ الْوَلَدَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ (وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى بَائِعِهِ) أَيْ وَيَرْجِعُ الْأَبُ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى بَائِعِهِ لِأَنَّهُ أَيْ بَائِعَهُ (ضَمِنَ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (سَلَامَتَهُ) أَيْ سَلَامَةَ الْمَبِيعِ عَنْ الْعَيْبِ وَلَا عَيْبَ فَوْقَ الِاسْتِحْقَاقِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَيُسَاعِدُهُ تَقْرِيرُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ.
أَقُولُ: يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الشَّرْحِ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الْبَائِعَ ضَامِنٌ لِلْمُشْتَرِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ عَنْ الْعَيْبِ، إلَّا أَنَّ الْمَبِيعَ فِي مَسْأَلَتِنَا هِيَ الْأُمُّ دُونَ الْوَلَدِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، فَكَأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الشُّرَّاحِ قَصَدُوا دَفْعَ هَذَا فَقَالُوا فِي بَيَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَتَهُ: يَعْنِي أَنَّ الْوَلَدَ جُزْءُ الْأُمِّ وَالْبَائِعُ قَدْ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَيَرُدُّ عَلَى هَذَا الشَّرْحِ أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا بِجُزْئِهِ الَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجُزْءِ مَعْدُومٌ حِينَ الْبَيْعِ وَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ الْمَعْدُومِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ ضَمَانِ سَلَامَتِهِ عَنْ الْعَيْبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِمَّنْ حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ. وَالْحَقُّ عِنْدِي فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُطْرَحَ حَدِيثُ الْجُزْئِيَّةِ مِنْ الْبَيِّنِ وَيُقَالُ فِي بَيَانِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ: إنَّ الْبَائِعَ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي سَلَامَةَ الْوَلَدِ بِوَاسِطَةِ ضَمَانِهِ سَلَامَةَ الْمَبِيعِ الَّذِي هُوَ الْأُمُّ عَنْ الْعَيْبِ، فَإِنَّ كَوْنَ وَلَدِ الْجَارِيَةِ غَيْرَ سَالِمٍ عَنْ عَيْبِ الِاسْتِحْقَاقِ عَيْبٌ لِنَفْسِ الْجَارِيَةِ أَيْضًا لِأَنَّ مِنْ مَنَافِعِهَا الِاسْتِيلَادَ وَكَوْنَ وَلَدِهَا مِنْ مَوْلَاهَا حُرَّ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ أَحَدٌ فَكَانَتْ سَلَامَتُهَا عَنْ الْعَيْبِ مُسْتَلْزِمَةً لِسَلَامَةِ وَلَدِهَا فَضَمَانُ الْبَائِعِ سَلَامَتَهَا ضَمَانٌ لِسَلَامَتِهِ (كَمَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: أَيْ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَدَّاهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ فَالضَّمِيرُ لِلْمُشْتَرِي.
وَقِيلَ بِثَمَنِ الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَحَقَّ أَوْ بِثَمَنِ الْوَلَدِ لَوْ تُصُوِّرَ شِرَاؤُهُ وَاسْتَحَقَّهُ أَحَدٌ انْتَهَى. وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الْمَعْنَى الْوَسْطَانِيَّ حَيْثُ قَالَ: كَمَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ: أَيْ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ وَهُوَ الْأُمُّ لِأَنَّ الْغُرُورَ شَمَلَهَا انْتَهَى.
وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْوَجِيهُ هَاهُنَا، وَلَكِنْ فِي تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ هَاهُنَا نَوْعُ عُدُولٍ عَنْ الظَّاهِرِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهَا: وَرَجَعَ بِهَا كَثَمَنِهَا بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ: أَيْ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ كَثَمَنِ الْأُمِّ (بِخِلَافِ الْعُقْرِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَغْرُورَ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِعُقْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْمُسْتَحِقُّ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْعُقْرَ (لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ الْمَغْرُورَ (لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا) أَيْ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْجَارِيَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ: أَيْ مَنَافِعِ بُضْعِهَا (فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ) إذْ لَوْ رَجَعَ بِهِ سَلَّمَ لَهُ الْمُسْتَوْفَى مَجَّانًا، وَالْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ لِلْوَاطِئِ مَجَّانًا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا.
[ ٨ / ٣١٦ ]