قَالَ (وَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ أَشْهَدَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عَلِمَ، حَتَّى لَوْ بَلَغَ الشَّفِيعُ الْبَيْعَ وَلَمْ يَطْلُبْ شُفْعَةً بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» وَلَوْ أُخْبِرَ بِكِتَابٍ وَالشُّفْعَةُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ فَقَرَأَ الْكِتَابَ إلَى آخِرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَعَنْهُ أَنَّ لَهُ مَجْلِسَ الْعِلْمِ، وَالرِّوَايَتَانِ فِي النَّوَادِرِ. وَبِالثَّانِيَةِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ التَّمَلُّكِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَمَانِ التَّأَمُّلِ كَمَا فِي الْمُخَيَّرَةِ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَمَا بَلَغَهُ
صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ الْأَخْذِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي أَيْضًا. وَثَانِيهمَا أَنَّ تَسْلِيمَ الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ لَيْسَ بِوَظِيفَةِ الْمُشْتَرِي دَائِمًا، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ فِيمَا مَرَّ آنِفًا بِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِثُبُوتِ الْبَيْعِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ حَتَّى يَأْخُذَهَا الشَّفِيعُ إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي يُكَذِّبُهُ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إنَّمَا يُسَلِّمُهَا الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي فَكَانَ الْأَحَقُّ بِالْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ إذَا سَلَّمَهَا الْخَصْمُ بَدَلَ قَوْلِهِ إذَا سَلَّمَهَا الْمُشْتَرِي لِيَشْمَلَ تَسْلِيمَ الْمُشْتَرِي وَتَسْلِيمَ الْبَائِعِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ تَسْلِيمِ الْمُخَاصِمِ تَبَصَّرْ.
(بَابُ طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا)
لَمَّا لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ بِدُونِ الطَّلَبِ شَرَعَ فِي بَيَانِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَتَقْسِيمِهِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: هَذَا بَيَانٌ مِنْ الشُّرَّاحِ لِوَجْهِ ذِكْرِ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَطْرَيْ عِنْوَانِ الْبَابِ وَهُوَ طَلَبُ الشُّفْعَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِوَجْهِ ذِكْرِ الشَّطْرِ الثَّانِي مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْخُصُومَةُ فِيهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْخُصُومَةِ فِي الشُّفْعَةِ شَأْنٌ مَخْصُوصٌ وَتَفَاصِيلٌ زَائِدَةٌ عَلَى سَائِرِ الْخُصُومَاتِ كَمَا سَتَظْهَرُ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا أَيْضًا أَصَالَةً (قَوْلُهُ اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عَلِمَ، حَتَّى لَوْ بَلَغَهُ الْبَيْعُ وَلَمْ يَطْلُبْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ لِمَا ذَكَرْنَا) قَالَ الشُّرَّاحُ: قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ قَبْلَ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ضَعِيفٌ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ وَالطَّلَبِ لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ رَغْبَتُهُ فِيهِ دُونَ إعْرَاضٍ عَنْهُ.
أَقُولُ: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى لُزُومِ الْإِشْهَادِ فِيهِ حَيْثُ قَالَ: فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ وَالطَّلَبِ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ مِنْهُ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ إنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ هُوَ الَّذِي فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ دُونَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ يُرْشِدُ إلَيْهِ تَقْدِيمُ الْإِشْهَادِ عَلَى الطَّلَبِ فِي قَوْلِهِ فَلَا بُدَّ الْإِشْهَادُ وَالطَّلَبُ، إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْإِشْهَادِ هُنَاكَ هُوَ الْإِشْهَادَ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَكَانَ ذِكْرُ الطَّلَبِ بَعْدَهُ لَغْوًا، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِشْهَادُ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بِدُونِ تَحَقُّقِ نَفْسِ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قُبَيْلَ ذَلِكَ وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ إذْ الشُّفْعَةُ لَا تَسْتَقِرُّ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادِ عَلَى مُقْتَضَى مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ كَلَامَيْ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا») أَقُولُ: فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَوْعُ إشْكَالٍ،
[ ٩ / ٣٨٢ ]
الْبَيْعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " أَوْ قَالَ " سُبْحَانَ اللَّهِ " لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَمْدٌ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ جِوَارِهِ وَالثَّانِيَ تَعَجُّبٌ مِنْهُ لِقَصْدِ إضْرَارِهِ، وَالثَّالِثَ لِافْتِتَاحِ كَلَامِهِ فَلَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَكَذَا إذَا قَالَ مَنْ ابْتَاعَهَا وَبِكَمْ بِيعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَرْغَبُ فِيهَا بِثَمَنٍ دُونَ ثَمَنٍ وَيَرْغَبُ عَنْ مُجَاوَرَةِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ أَشْهَدُ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ، وَالْإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، إنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَجْلِسِ إشَارَةً إلَى مَا اخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ.
وَيَصِحُّ الطَّلَبُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَبْت الشُّفْعَةَ أَوْ أَطْلُبُهَا أَوْ أَنَا طَالِبُهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعْنَى، وَإِذَا بَلَغَ الشَّفِيعُ بَيْعَ الدَّارِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ حَتَّى
لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَدَارُهُ عَلَى نَفْيِ الشُّفْعَةِ عَمَّنْ لَمْ يُوَاثِبْهَا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ حُجَّةً لَنَا؟ وَإِنْ كَانَ مَدَارُهُ عَلَى أَنَّ لَامَ الْجِنْسِ فِي الشُّفْعَةِ وَلَامَ الِاخْتِصَاصِ فِي «لِمَنْ وَاثَبَهَا» تَدُلَّانِ عَلَى اخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِمَنْ وَاثَبَهَا، كَمَا قَالُوا فِي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أَنَّ لَامَيْ الْجِنْسِ وَالِاخْتِصَاصِ دَلَّتَا عَلَى الْحَمْدِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا النَّقْضَ بِقَوْلِهِ ﷺ «الشُّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ» كَمَا ذَكَرَ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَدُلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى نَفْيِ الشُّفْعَةِ عَمَّنْ لَيْسَ بِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ مَعَ أَنَّ الشُّفْعَةَ ثَابِتَةٌ عِنْدَنَا لِغَيْرِ الشَّرِيكِ أَيْضًا كَالْجَارِ الْمُلَاصِقِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ أَشْهَدَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ، طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَالْإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ إنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا شَرْطُ هَذَا الطَّلَبِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْ الشُّفْعَةِ وَغَيْرُ رَاضٍ بِجِوَارِ هَذَا الدَّخِيلِ وَالْإِشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَعَدَّهُ تَحْقِيقًا حَيْثُ قَالَ: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا شَرْطٌ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْ الشُّفْعَةِ وَالْإِشْهَادُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ اهـ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: طَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادِ أَيْضًا لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ بَلْ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْ الشُّفْعَةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ طَلَبُ الْخُصُومَةِ مَعَ أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ لَازِمٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي بَيَانِ طَلَبِ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادِ فِيمَا بَعْدُ، فَكَانَ ذَلِكَ الْوَجْهُ الَّذِي عَدَّهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ تَحْقِيقًا مَنْقُوضًا بِلُزُومِ الْإِشْهَادِ فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ كَمَا تَرَى. فَإِنْ قُلْتَ لُزُومُ الْإِشْهَادِ فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ طَلَبِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا قَبْلَ الْبَابِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي بَيَانِ طَلَبِ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادِ فِي هَذَا الْبَابِ. قُلْتُ: ذَاكَ إنَّمَا يَكُونُ وَجْهًا لِلُزُومِ الْإِشْهَادِ فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ، وَهُوَ لَا يَدْفَعُ انْتِقَاضَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحَانِ الْمَزْبُورَانِ لِعَدَمِ لُزُومِ الْإِشْهَادِ فِي طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بِلُزُومِهِ فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَكَلَامُنَا فِي هَذَا الْوَجْهِ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْضًا كَلَامًا؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ طَلَبِهِ عِنْدَ الْقَاضِي كَأَنْ اعْتَرَفَ بِهِ الْخَصْمُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ فَكَذَا الْحَالُ فِي طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ أَيْضًا، ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يَمْنَعَ لُزُومَ الْإِشْهَادِ فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانَ فِي فَتَاوَاهُ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الثَّانِي طَلَبَ الْإِشْهَادِ لَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ شَرْطٌ بَلْ لِيُمْكِنَهُ إثْبَاتُ الطَّلَبِ عِنْدَ جُحُودِ الْخَصْمِ اهـ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي طَلَبِ التَّقْرِيرِ أَيْضًا لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ إنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ كَمَا فِي طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ، وَبِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ
[ ٩ / ٣٨٣ ]
يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ وَاحِدٌ عَدْلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ إذَا أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا كَانَ أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْخَبَرُ حَقًّا.
وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ وَأَخَوَاتِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُخَيَّرَةِ إذَا أَخْبَرَتْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلْزَامُ حُكْمٍ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَخْبَرَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ وَالْعَدَالَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْخُصُومِ. وَالثَّانِي طَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِشْهَادُ ظَاهِرًا عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى فَوْرِ الْعِلْمِ بِالشِّرَاءِ فَيَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى طَلَبِ الْإِشْهَادِ وَالتَّقْرِيرِ وَبَيَانُهُ مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ (ثُمَّ يَنْهَضُ مِنْهُ) يَعْنِي مِنْ الْمَجْلِسِ (وَيَشْهَدُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) مَعْنَاهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَى الْمُشْتَرِي (أَوْ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ) وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِلْأَوَّلِ الْيَدَ وَلِلثَّانِي الْمِلْكَ، وَكَذَا يَصِحُّ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ لَمْ يَصِحَّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا، إذْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا مِلْكَ
صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَى ظَاهِرِ الطَّلَبِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَوَثُّقِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِنْكَارِ كَمَا فِي الطَّلَبِ الْأَوَّلِ اهـ. فَحِينَئِذٍ كَانَ الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحَانِ الْمَزْبُورَانِ سَالِمًا مِنْ الِانْتِقَاضِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَقَالَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ إذَا أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْخَبَرُ حَقًّا) أَقُولُ: فِي التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ الْخَبَرُ حَقًّا ضَرْبُ إشْكَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا بَلَغَ الشَّفِيعَ بَيْعُ الدَّارِ بِالْإِخْبَارِ، وَفِي ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْخَبَرِ حَقًّا لِسَبَبِ الْوُثُوقِ بِإِخْبَارِ مُخْبِرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَدَارَ الْوُثُوقِ بِإِخْبَارِ مُخْبِرِهِ فِيمَا إذَا كَانَ طَرِيقُ الْعِلْمِ مُنْحَصِرًا فِي الْإِخْبَارِ هُوَ حَالُ الْمُخْبِرِ كَعَدَالَتِهِ وَتَعَدُّدِهِ مِمَّا يُورِثُ الْوُثُوقَ بِإِخْبَارِهِ، وَلِهَذَا اعْتَبَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ شَرْطًا عِنْدَهُمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بَلْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا كَافِيًا فَمَا مَعْنَى تَعْلِيقِ وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى الشَّفِيعِ إذَا أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ مُطْلَقًا بِكَوْنِ الْخَبَرِ حَقًّا وَلَا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِهِ حَقًّا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِوَى إخْبَارِ الْوَاحِدِ.
فَإِنْ أَفَادَ مِثْلُ ذَلِكَ الْإِخْبَارِ الْعِلْمَ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ حَقًّا، وَإِنْ لَمْ يُفِدْهُ فَلَا مَجَالَ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُرَى لِلتَّعْلِيقِ بِكَوْنِهِ حَقًّا وَجْهٌ ظَاهِرٌ فَتَفَكَّرْ
[ ٩ / ٣٨٤ ]
فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَصُورَةُ هَذَا الطَّلَبِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَأَنَا شَفِيعُهَا وَقَدْ كُنْت طَلَبْت الشُّفْعَةَ وَأَطْلُبُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْمَبِيعِ وَتَحْدِيدُهُ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي مَعْلُومٍ. وَالثَّالِثُ طَلَبُ الْخُصُومَةِ وَالتَّمَلُّكِ، وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّتَهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. .
قَالَ (وَلَا تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِتَأْخِيرِ هَذَا الطَّلَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ تَرَكَهَا شَهْرًا بَعْدَ الْإِشْهَادِ بَطَلَتْ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، مَعْنَاهُ: إذَا تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْمُخَاصَمَةَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْقَاضِي تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَضَى مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِهِ وَلَمْ يُخَاصِمْ فِيهِ اخْتِيَارًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إعْرَاضِهِ وَتَسْلِيمِهِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ بِتَأْخِيرِ الْخُصُومَةِ مِنْهُ أَبَدًا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ حَذَارِ نَقْضِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ فَقَدَّرْنَاهُ بِشَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ آجِلٌ وَمَا دُونَهُ عَاجِلٌ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْأَيْمَانِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنَّ الْحَقَّ مَتَى ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِسْقَاطِهِ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلِسَانِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ الضَّرَرِ يَشْكُلُ بِمَا إذَا كَانَ غَائِبًا، وَلَا فَرْقَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِالتَّأْخِيرِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي فَكَانَ عُذْرًا.
. قَالَ (وَإِذَا تَقَدَّمَ الشَّفِيعُ إلَى الْقَاضِي فَادَّعَى الشِّرَاءَ وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِمِلْكِهِ الَّذِي يُشْفَعُ بِهِ وَإِلَّا كَلَّفَهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ)؛ لِأَنَّ الْيَدَ ظَاهِرٌ مُحْتَمِلٌ فَلَا تَكْفِي لِإِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ. قَالَ ﵀: يَسْأَلُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ قَبْلَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ مَوْضِعِ الدَّارِ وَحُدُودِهَا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى حَقًّا فِيهَا فَصَارَ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشْهَادِ هَاهُنَا نَفْسُ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَا الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ الطَّلَبِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَاهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَالْإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ حَيْثُ قَالَ: هَذَا لَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَوَّلِ الْإِشْهَادُ عَلَى الطَّلَبِ، وَمِنْ الثَّانِي طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَطْلُبَ الشُّفْعَةَ اهـ.
وَسَيَأْتِي نَظِيرُ هَذَا فِي الْكِتَابِ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يَبْطُلُ بِهِ الشُّفْعَةُ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ هُنَاكَ وَإِذَا تَرَكَ الشَّفِيعُ الْإِشْهَادَ حِينَ عَلِمَ بِالْبَيْعِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ حَمَلَ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ الْإِشْهَادَ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ عَلَى نَفْسِ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لِئَلَّا يُخَالِفَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَبْلُ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ (قَوْلُهُ وَصُورَةُ هَذَا الطَّلَبِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ أَنَا شَفِيعُهَا وَقَدْ كُنْت طَلَبْتُ الشُّفْعَةَ وَأَطْلُبُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ) أَقُولُ: فِي هَذَا التَّصْوِيرِ نَوْعُ تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا كَانَ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الدَّارِ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذِهِ الدَّارِ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَالْمَذْكُورُ فِيمَا قَبْلُ مَجْمُوعُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لِلْإِشْهَادِ: أَعْنِي الْإِشْهَادَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ التَّمْثِيلِ دُونَ إحَاطَةِ الْأَقْسَامِ، لَكِنَّهُ لَا يَدْفَعُ التَّقْصِيرَ حَقِيقَةً، فَالْأَوْلَى الْجَامِعُ لِلْأَقْسَامِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَصُورَةُ هَذَا الطَّلَبِ أَنْ يَحْضُرَ الشَّفِيعُ عِنْدَ الدَّارِ وَيَقُولُ: إنَّ
[ ٩ / ٣٨٥ ]
كَمَا إذَا ادَّعَى رَقَبَتَهَا، وَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ شُفْعَتِهِ لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا، فَإِنْ قَالَ: أَنَا شَفِيعُهَا بِدَارٍ لِي تُلَاصِقُهَا الْآنَ تَمَّ دَعْوَاهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْخَصَّافُ. وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى تَحْدِيدَ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْكِتَابِ الْمَوْسُومِ بِالتَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ. قَالَ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ اسْتَحْلَفَ الْمُشْتَرِيَ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلَّذِي ذَكَرَهُ مِمَّا يُشْفَعُ بِهِ) مَعْنَاهُ بِطَلَبِ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، ثُمَّ هُوَ اسْتِحْلَافٌ عَلَى مَا فِي يَدِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ (فَإِنْ نَكَلَ أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ ثَبَتَ مِلْكُهُ فِي الدَّارِ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا وَثَبَتَ الْجِوَارُ فَبَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ الْقَاضِي) يَعْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (هَلْ ابْتَاعَ أَمْ لَا، فَإِنْ أَنْكَرَ الِابْتِيَاعَ قِيلَ لِلشَّفِيعِ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ)؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْبَيْعِ وَثُبُوتُهُ بِالْحُجَّةِ. قَالَ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا اسْتَحْلَفَ الْمُشْتَرِيَ بِاَللَّهِ مَا ابْتَاعَ أَوْ بِاَللَّهِ مَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ شُفْعَةً مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ) فَهَذَا عَلَى الْحَاصِلِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى السَّبَبِ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِيهِ
فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَأَنَا شَفِيعُهَا بِالْجِوَارِ بِدَارٍ حُدُودُهَا كَذَا، وَقَدْ كُنْت طَلَبْت الشُّفْعَةَ وَأَنَا أَطْلُبُهَا الْآنَ أَيْضًا فَاشْهَدُوا بِذَلِكَ، أَوْ يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي وَيَقُولُ: هَذَا مُشْتَرٍ مِنْ فُلَانٍ دَارًا الَّتِي حُدُودُهَا كَذَا وَأَنَا شَفِيعُهَا بِالْجِوَارِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا. أَوْ يَحْضُرَ الْبَائِعُ وَيَقُولُ: هَذَا بَاعَ مِنْ فُلَانٍ دَارًا الَّتِي حُدُودُهَا كَذَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ شُفْعَتِهِ لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا، فَإِنْ قَالَ أَنَا شَفِيعُهَا بِدَارٍ لِي تُلَاصِقُهَا تَمَّ دَعْوَاهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قِيلَ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَهُ وَيَقُولُ هَلْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبِضْ لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى عَلَى الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَحْضُرْ الْبَائِعُ، ثُمَّ يَسْأَلُهُ عَنْ السَّبَبِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ مَتَى أُخْبِرْت بِالشِّرَاءِ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُدَّةَ طَالَتْ أَوْ لَا، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا تَطَاوَلَتْ، فَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى دَعْوَاهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ الْمُصَنِّفَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالتَّأْخِيرِ. ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْإِشْهَادِ، فَإِذَا قَالَ طَلَبْتُ حِينَ عَلِمْتُ إذْ أُخْبِرْتُ عَنْ غَيْرِ لُبْثٍ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِقْرَارِ
[ ٩ / ٣٨٦ ]
فِي الدَّعْوَى، وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُحَلِّفُهُ عَلَى الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافُ فِعْلِ نَفْسِهِ وَعَلَى مَا فِي يَدِهِ أَصَالَةً، وَفِي مِثْلِهِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ. .
قَالَ (وَتَجُوزُ الْمُنَازَعَةُ فِي الشُّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ لَزِمَهُ إحْضَارُ الثَّمَنِ) وَهَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَصْلِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَقْضِي حَتَّى يُحْضِرَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ عَسَاهُ يَكُونُ مُفْلِسًا فَيَتَوَقَّفُ الْقَضَاءُ عَلَى إحْضَارِهِ حَتَّى لَا يَتْوِيَ مَالُ الْمُشْتَرِي. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا ثَمَنَ لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُهُ، فَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُهُ (وَإِذَا قَضَى لَهُ بِالدَّارِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فَيُحْبَسُ فِيهِ، فَلَوْ أَخَّرَ أَدَاءَ الثَّمَنِ بَعْدَ مَا قَالَ لَهُ ادْفَعْ الثَّمَنَ إلَيْهِ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَأَكَّدَتْ بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ الْقَاضِي. قَالَ (وَإِنْ أَحْضَرَ الشَّفِيعُ الْبَائِعَ، وَالْمَبِيعُ فِي يَدِهِ فَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ فِي الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ وَهِيَ يَدٌ مُسْتَحَقَّةٌ) وَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي فَيَفْسَخَ الْبَيْعَ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ وَيَقْضِيَ بِالشُّفْعَةِ
فَإِنْ قَالَ طَلَبْته مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ سَأَلَهُ عَنْ الْمَطْلُوبِ بِحَضْرَتِهِ هَلْ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ قَالَ نَعَمْ فَقَدْ صَحَّحَ دَعْوَاهُ اهـ.
أَقُولُ: الْقَائِلُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَخْذًا مِنْ الذَّخِيرَةِ، وَتَبِعَهُ بَعْضٌ آخَرُ مِنْ الشُّرَّاحِ، وَقَدْ غَيَّرَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عِبَارَتَهُمْ فِي النَّقْلِ وَأَفْسَدَ. فَإِنَّ عِبَارَتَهُمْ كَانَتْ هَكَذَا: ثُمَّ إذَا سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ فَقَالَ طَلَبْتُ حِينَ عَلِمْتُ أَوْ قَالَ حِينَ أُخْبِرْتُ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْإِشْهَادِ هَلْ طَلَبَ الْإِشْهَادَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ وَتَقْصِيرٍ، فَإِنْ قَالَ نَعَمْ سَأَلَهُ إنَّ الَّذِي طَلَبْت بِحَضْرَتِهِ هَلْ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ قَالَ نَعَمْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِشْهَادَ قَدْ صَحَّ، ثُمَّ إذَا تَبَيَّنَ مَا يَصِحُّ عِنْدَهُ الطَّلَبُ فَقَدْ صَحَّحَ دَعْوَاهُ، إلَى هُنَا عِبَارَتُهُمْ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ هِيَ الْمُطَابِقَةُ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ دُونَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي نَقْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بِطَلَبِ الْإِشْهَادِ حَيْثُ قَالَ: وَقِيلَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِقْرَارِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ إطْلَاقَ طَلَبِ الْإِشْهَادِ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ يُخَالِفُ اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ جِدًّا، يَظْهَرُ ذَلِكَ مِمَّا أَحَطْت بِهِ خَيْرًا فِي أَقْسَامِ الطَّلَبِ. وَأَيْضًا قَدْ قِيلَ فِيمَا قَبْلُ سَأَلَهُ مَتَى أُخْبِرْتَ
[ ٩ / ٣٨٧ ]
عَلَى الْبَائِعِ وَيَجْعَلَ الْعُهْدَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي وَالْيَدَ لِلْبَائِعِ، وَالْقَاضِي يَقْضِي بِهِمَا لِلشَّفِيعِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِمَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ قَدْ قُبِضَتْ حَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ حُضُورُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَجْنَبِيًّا إذْ لَا يَبْقَى لَهُ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ. وَقَوْلُهُ فَيَفْسَخُ الْبَيْعَ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ إشَارَةٌ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْبَيْعَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ يَنْفَسِخُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ لِيَقْضِيَ بِالْفَسْخِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَجْهُ هَذَا الْفَسْخِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَنْفَسِخَ فِي حَقِّ الْإِضَافَةِ لِامْتِنَاعِ قَبْضِ الْمُشْتَرِي بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَهُوَ يُوجِبُ الْفَسْخَ، إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى أَصْلُ الْبَيْعِ لِتَعَذُّرِ انْفِسَاخِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ بِنَاءٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ تَتَحَوَّلُ الصَّفْقَةُ إلَيْهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ هُوَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ فَلِهَذَا يَرْجِعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَى الْبَائِعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ
بِالشِّرَاءِ وَكَيْفَ صَنَعْتَ حِينَ أُخْبِرْتَ بِالشِّرَاءِ، وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا فِيمَا قَبْلُ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ هَاهُنَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْإِشْهَادِ وَمُرَادُهُ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ يَصِيرُ الْمَعْنَى: ثُمَّ بَعْدَ السُّؤَالِ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ؛ لِأَنَّ سُؤَالَهُ قَبْلَهُ بِكَيْفَ صَنَعْتَ حِينَ أُخْبِرْتَ سُؤَالٌ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَا مَحَالَةَ فَيَلْزَمُ تَكْرَارُ السُّؤَالِ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ. بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ ثُمَّ إذَا سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْإِشْهَادِ كَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَتِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ شَيْءٌ مِنْ الْمَحْذُورَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، أَمَّا عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ لِاصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَدَمُ لُزُومِ تَكْرَارِ السُّؤَالِ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ فَإِنَّ الْكَلَامَ إذْ ذَاكَ مُلْقًى
[ ٩ / ٣٨٨ ]
حَيْثُ تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ. وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ امْتَنَعَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْفَسْخَ، وَقَدْ طَوَّلْنَا الْكَلَامَ فِيهِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى. .
قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ الْخَصْمُ لِلشَّفِيعِ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ (إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الْمُوَكِّلِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ فَيَكُونُ الْخَصْمُ هُوَ الْمُوَكِّلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ كَالْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ عَلَى مَا عُرِفَ فَتَسْلِيمُهُ إلَيْهِ كَتَسْلِيمِ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي فَتَصِيرُ الْخُصُومَةُ مَعَهُ، إلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فَيَكْتَفِي بِحُضُورِهِ فِي الْخُصُومَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَكِيلَ الْغَائِبِ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ إذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاقِدٌ وَكَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَصِيًّا لِمَيِّتٍ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا. .
قَالَ (وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِلشَّفِيعِ بِالدَّارِ وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا فَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ كَمَا فِي الشِّرَاءِ، وَلَا يَسْقُطُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا بِرُؤْيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ.
فِي صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ فَقَدَّمَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ إذَا سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرُوا فِيمَا قَبْلَ السُّؤَالِ بِكَيْفَ صَنَعْتَ حِينَ أُخْبِرْتَ وَلَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ جَدِيدٌ حَتَّى يَلْزَمَ التَّكْرَارُ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ
(قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ الْخَصْمُ لِلشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ) أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَجْرِي بِعَيْنِهِ فِيمَا إذَا سَلَّمَهَا الْمُوَكِّلُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ هُنَاكَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ قَيْدٌ فَارِقٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ بِأَنْ يُقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَلَهُ يَدٌ فِي الدَّارِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ الْقَيْدِ اعْتِمَادًا عَلَى انْفِهَامِهِ مِنْ تَعْلِيلِ صُورَةِ التَّسْلِيمِ.
[ ٩ / ٣٨٩ ]
فَصْلٌ فِي الِاخْتِلَافِ
قَالَ (وَإِنْ اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي)؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ عَلَيْهِ عِنْدَ نَقْدِ الْأَقَلِّ وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ فَالْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا لِتَخَيُّرِهِ بَيْنَ التَّرْكِ وَالْأَخْذِ وَلَا نَصَّ هَاهُنَا، فَلَا يَتَحَالَفَانِ.
(فَصْلٌ فِي الِاخْتِلَافِ)
لَمَّا ذَكَرَ مَسَائِلَ الِاتِّفَاقِ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي شَرَعَ فِي مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الِاتِّفَاقُ (قَوْلُهُ وَلَا نَصَّ هَاهُنَا فَلَا يَتَحَالَفَانِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمُقَامِ: إنَّمَا النَّصُّ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مَعَ وُجُودِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ هُنَاكَ فَوَجَبَ الْيَمِينُ لِذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْإِنْكَارُ هُنَا فِي طَرَفِ الشَّفِيعِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ التَّحَالُفُ هُنَا اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَتَحْرِيرُ صَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ بَعْدَمَا بَيَّنَ عَدَمَ وُجُوبِ التَّحَالُفِ هُنَا عَلَى نَهْجِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَبْلُ قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمَا فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَهُوَ قَوْلُ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَلَا جَرَمَ لَمْ يَجِبْ التَّحَالُفُ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَرْحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَعْنَى الْإِنْكَارِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَمَعْنَى الْإِنْكَارِ هُنَاكَ أَيْضًا إنَّمَا يُوجَدُ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، فَكَانَ التَّحَالُفُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، وَلَكِنَّا عَرَّفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَوْفِيًا فِي بَابِ التَّحَالُفِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى، فَلَوْ كَانَ الْوَجْهُ فِي عَدَمِ كَوْنِ مَا نَحْنُ فِيهِ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ أَنْ لَا يُوجَدَ مَعْنَى الْإِنْكَارِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَانْتَقَضَ ذَلِكَ قَطْعًا بِصُورَةِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ وَجْهَ عَدَمِ كَوْنِ مَا نَحْنُ فِيهِ مَعْنَى مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ هُوَ أَنَّ الشَّفِيعَ مَعَ الْمُشْتَرِي لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْبَيْعِ وَهُوَ التَّرَاضِي فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا فِي حُكْمِ التَّحَالُفِ.
وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ بِالتَّحَالُفِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ وَإِنْ وُجِدَ لَكِنْ بِالنَّظَرِ إلَى فَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ الرِّضَا لَمْ يُوجَدْ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ اهـ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْكَنْزِ: وَلَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ عُرِفَ بِالنَّصِّ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْإِنْكَارَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالدَّعْوَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ، الْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي عَلَى الشَّفِيعِ شَيْئًا فَلَا يَكُونُ الشَّفِيعُ مُنْكِرًا فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ النَّصُّ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ اهـ.
أَقُولُ: الْخَلَلُ فِي كَلَامِهِ أَشَدُّ وَأَظْهَرُ. فَإِنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: لِأَنَّ التَّحَالُفَ عُرِفَ بِالنَّصِّ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْإِنْكَارُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالدَّعْوَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالنَّصِّ أَيْضًا فِيمَا لَا إنْكَارَ
[ ٩ / ٣٩٠ ]
قَالَ (وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ لِلشَّفِيعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا) فَصَارَ كَبَيِّنَةِ الْبَائِعِ وَالْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْمَوْجُودَ بَيْعَانِ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَالَى بَيْنَهُمَا عَقْدَانِ إلَّا بِانْفِسَاخِ الْأَوَّلِ وَهَاهُنَا الْفَسْخُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ وَهُوَ التَّخْرِيجُ لِبَيِّنَةِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَائِعِ وَالْمُوَكِّلِ كَالْمُشْتَرِي مِنْهُ، كَيْفَ وَأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ،
وَلَا دَعْوَى إلَّا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً حَتَّى نَفْسَهُ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، بَلْ الَّذِي عُرِفَ بِالنَّصِّ هَذِهِ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْإِنْكَارُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالدَّعْوَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثَابِتٌ بِالْقِيَاسِ بِدُونِ ذَلِكَ النَّصِّ.
وَقَالَ آخِرًا فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ امْتِنَاعَ الْقِيَاسِ لَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْإِلْحَاقِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ لَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ وَيَصِحُّ إثْبَاتُهُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَبِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ هَاهُنَا لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ، فَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ لِيَعُمَّ الْقِيَاسَ وَالدَّلَالَةَ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُسْمَعُ مِنْ الْمُدَّعِي، وَالْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي عَلَى الشَّفِيعِ شَيْئًا وَلِهَذَا لَا يَتَحَالَفَانِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، فَلَزِمَ أَنْ لَا تَصِحَّ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ تُرَجَّحَ عَلَى بَيِّنَةِ الشَّفِيعِ كَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ.
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ لَا مُدَّعِيًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّهُ مُدَّعٍ صُورَةً حَيْثُ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ، وَمَنْ كَانَ مُدَّعِيًا صُورَةً تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إذَا أَقَامَهَا، كَمَا فِي الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحِلِّهِ.
وَأَمَّا الْحَلِفُ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ صُورَةً؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْمُودَعَ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَلِفُ عَلَى الْمُودَعِ لِكَوْنِهِ مُنْكِرَ الضَّمَانِ حَقِيقَةً، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُودِعِ مَعَ كَوْنِهِ فِي صُورَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَيْهِ فَكَانَ لِلْمُشْتَرِي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَجَالُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَى خَصْمِهِ الْحَلِفُ أَصْلًا فَرَجَّحَ أَبُو يُوسُفَ بَيِّنَتَهُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهَا أَكْثَرَ إثْبَاتًا، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فِي هَذَا الْمُقَامِ وَحُجَّتُهُمَا مَا ذَكَرْنَا مُؤَيِّدًا بِهِ مَا ذَكَرَهُ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ عِنْدَ نَقْدِ الْأَقَلِّ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ.
وَعَنْ هَذَا لَمْ يُحْكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ جِدًّا، وَإِنَّمَا حُكِيَ عَنْهُ الطَّرِيقَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِي إلَخْ، وَبِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ مُلْزِمَةٌ إلَخْ، حَكَى أُولَاهُمَا مُحَمَّدٌ وَأَخَذَ بِهَا، وَحَكَى ثَانِيَتَهُمَا أَبُو يُوسُفَ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَا كَمَا ذَكَرُوا فِي الشُّرُوحِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ التَّخْرِيجُ لِبَيِّنَةِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَائِعِ وَالْمُوَكِّلُ كَالْمُشْتَرِي مِنْهُ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ أَنَّ الْوَكِيلَ كَالْبَائِعِ وَالْمُوَكِّلَ كَالْمُشْتَرِي مِنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِظُهُورِ الِاخْتِلَافِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْوَكِيلَ
[ ٩ / ٣٩١ ]
وَأَمَّا الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَقُلْنَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ. فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ (وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: لَا يَصِحُّ الثَّانِي هُنَالِكَ إلَّا بِفَسْخِ الْأَوَّلِ، أَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ)، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ مُلْزِمَةٌ وَبَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُلْزِمَةٍ وَالْبَيِّنَاتُ لِلْإِلْزَامِ. .
قَالَ (وَإِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَادَّعَى الْبَائِعُ أَقَلَّ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَهُ الْبَائِعُ وَكَانَ ذَلِكَ حَطًّا عَنْ الْمُشْتَرِي)؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمْرَ إنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ الْبَائِعُ فَقَدْ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ الْمُشْتَرِي فَقَدْ حَطَّ الْبَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ، وَهَذَا الْحَطُّ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِأَنَّ التَّمَلُّكَ عَلَى الْبَائِعِ بِإِيجَابِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ مَا بَقِيَتْ مُطَالَبَتُهُ فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِقَوْلِهِ. قَالَ (وَلَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ الْأَكْثَرَ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ ظَهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ مَا يَقُولُهُ الْآخَرُ فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَلَفَا يَفْسَخُ الْقَاضِي الْبَيْعَ عَلَى مَا عُرِفَ وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ)؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّ الشَّفِيعِ. قَالَ (وَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ أَخَذَ بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِ الْبَائِعِ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا
وَالْمُوَكِّلَ كَالْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الشَّفِيعَ وَالْمُشْتَرِيَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً فَلَا يَتِمُّ الْفَرْقُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ (قَوْلُهُ وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: لَا يَصِحُّ الثَّانِي هُنَالِكَ إلَّا بِفَسْخِ الْأَوَّلِ، أَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ) أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ لَا يَصِحُّ هُنَا أَيْضًا، وَلَا يُفْسَخُ الْأَوَّلُ ضَرُورَةَ عَدَمِ تَصَوُّرِ بَيْعِ شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ إلَّا بِفَسْخِ الْأَوَّلِ، وَيَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْفَسْخِ هُنَا أَيْضًا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ وَهَاهُنَا الْفَسْخُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ حَيْثُ نَفَى ظُهُورَ الْفَسْخِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ الْفَسْخِ فِي نَفْسِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْفَسْخِ فِي قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ الثَّانِي هُنَالِكَ إلَّا بِفَسْخِ الْأَوَّلِ، أَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ هُوَ الْفَسْخُ فِي حَقِّ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ هُنَالِكَ وَالشَّفِيعُ هُنَا لَا الْفَسْخُ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَاَلَّذِي لَزِمَ تَحَقُّقُهُ ضَرُورَةً فِي الْفَصْلَيْنِ مَعًا هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، فَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا
[ ٩ / ٣٩٢ ]
اسْتَوْفَى الثَّمَنَ انْتَهَى حُكْمُ الْعَقْدِ، وَخَرَجَ هُوَ مِنْ الْبَيِّنِ وَصَارَ هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَبَقِيَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. وَلَوْ كَانَ نَقْدُ الثَّمَنِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت الدَّارَ بِأَلْفٍ وَقَبَضْت الثَّمَنَ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ تَعَلَّقَتْ الشُّفْعَةُ بِهِ، فَبِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَبَضْتُ الثَّمَنَ يُرِيدُ إسْقَاطَ حَقِّ الشَّفِيعِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ قَبَضْت الثَّمَنَ وَهُوَ أَلْفٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ خَرَجَ مِنْ الْبَيِّنِ وَسَقَطَ اعْتِبَارُ قَوْلِهِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ
فَصْلٌ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمَشْفُوعُ
قَالَ (وَإِذَا حَطَّ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْ الشَّفِيعِ، وَإِنْ حَطَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الشَّفِيعِ)
أَنَّ الْفَسْخَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الثَّانِي هُنَالِكَ كَمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَمَّا هُنَا فَبِخِلَافِهِ: أَيْ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الثَّالِثِ.
وَثَمَرَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ الثَّالِثَ هُنَالِكَ وَهُوَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ يَأْخُذُ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ الثَّانِي، وَأَمَّا الثَّالِثُ هُنَا وَهُوَ الشَّفِيعُ فَيَأْخُذُ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِأَيِّ الثَّمَنَيْنِ شَاءَ. فَإِنْ قُلْتَ: نَعَمْ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ قَطْعًا، وَلَكِنْ مَا وَجْهُ ظُهُورِ الْفَسْخِ هُنَالِكَ فِي حَقِّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ هُنَا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: حَقُّ الشَّفِيعِ تَعَلَّقَ بِالدَّارِ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَبْدِ الْمَأْسُورِ إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْإِخْرَاجُ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِالْبَيْعِ الثَّانِي فَافْتَرَقَا، وَحَلُّ هَذَا الْمَقَامُ بِهَذَا الْوَجْهِ مِمَّا يُهِمُّ، وَقَدْ أَهْمَلَهُ الشُّرَّاحُ مَعَ الْتِزَامِهِمْ بَيَانَ الظَّوَاهِرِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ.
(فَصْلٌ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمَشْفُوعُ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمَشْفُوعِ وَهُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمَشْفُوعُ وَهُوَ الَّذِي
[ ٩ / ٣٩٣ ]
لِأَنَّ حَطَّ الْبَعْضِ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا بَقِيَ، وَكَذَا إذَا حَطَّ بَعْدَمَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ يَحُطُّ عَنْ الشَّفِيعِ حَتَّى يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، بِخِلَافِ حَطِّ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ بِحَالٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ.
(وَإِنْ زَادَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ لَمْ تَلْزَمْ الزِّيَادَةُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ)؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ ضَرَرًا بِالشَّفِيعِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأَخْذَ بِمَا دُونَهَا. بِخِلَافِ الْحَطِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لَهُ، وَنَظِيرُ الزِّيَادَةِ إذَا جَدَّدَ الْعَقْدَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَلْزَمْ الشَّفِيعَ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ لِمَا بَيَّنَّا كَذَا هَذَا. .
قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِعَرَضٍ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ (وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَخَذَهَا بِمِثْلِهِ)؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. وَهَذَا لِأَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ لِلشَّفِيعِ وِلَايَةَ التَّمَلُّكِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ مَا تَمَلَّكَهُ فَيُرَاعَى بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ كَمَا فِي الْإِتْلَافِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ.
(وَإِنْ بَاعَ عَقَارًا بِعَقَارٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الْآخَرِ)؛ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ. قَالَ (وَإِذَا بَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِثَمَنِ حَالٍّ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ ثُمَّ يَأْخُذُهَا،
يُؤَدِّيهِ الشَّفِيعُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ وَالثَّمَنُ تَابِعٌ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ
(قَوْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ لِلشَّفِيعِ وِلَايَةَ التَّمَلُّكِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ مَا يَمْلِكُهُ) أَقُولُ: كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِ مَا يَمْلِكُ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَتَمَلَّكُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي تَمَلَّكَ بِهِ الْمُشْتَرِي لَا بِمِثْلِ الْبَيْعِ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا إذَا اشْتَرَى دَارًا بِعَرَضٍ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ لَا بِقِيمَةِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ الْبَيْعُ كَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِي الْكَافِي: الْفَارِقُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْبَاءُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا، لَقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا أَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ بِمِثْلِ مَا يَتَمَلَّكُ بِهِ الْمُشْتَرِي وَالْمِثْلُ نَوْعَانِ: كَامِلٌ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَقَاصِرٌ
[ ٩ / ٣٩٤ ]
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي الْحَالِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ) وَقَالَ زُفَرُ: لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُؤَجَّلًا وَصْفٌ فِي الثَّمَنِ كَالزِّيَافَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ بِهِ فَيَأْخُذُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ كَمَا فِي الزُّيُوفِ. وَلَنَا أَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَلَا شَرْطَ فِيمَا بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْبَائِعِ أَوْ الْمُبْتَاعِ، وَلَيْسَ الرِّضَا بِهِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي رِضًا بِهِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْمَلَاءَةِ، وَلَيْسَ الْأَجَلُ وَصْفَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْمُشْتَرِي؛ وَلَوْ كَانَ وَصْفًا لَهُ لَتَبِعَهُ فَيَكُونُ حَقًّا لِلْبَائِعِ كَالثَّمَنِ وَصَارَ كَمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ وَلَّاهُ غَيْرَهُ لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ إلَّا بِالذِّكْرِ كَذَا هَذَا، ثُمَّ إنْ أَخَذَهَا بِثَمَنٍ حَالٍّ مِنْ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْطُلْ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ فَبَقِيَ مُوجِبُهُ فَصَارَ
وَهُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى اهـ
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ الرِّضَا بِهِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي رِضًا بِهِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْمَلَاءَةِ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ تَقْدِيرُهُ لَا بُدَّ فِي الشُّفْعَةِ مِنْ الرِّضَا لِكَوْنِهَا مُبَادَلَةً، وَلَا رِضَا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا بِهِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِرِضًا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْمَلَاءَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ مَصْدَرُ مَلُؤَ الرَّجُلُ. وَقَالَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا كَانَ الرِّضَا شَرْطًا وَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حَقُّ الشُّفْعَةِ لِانْتِفَائِهِ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا، وَحَيْثُ ثَبَتَ بِدُونِهِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ الْأَجَلُ كَذَلِكَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ثُبُوتَهُ بِدُونِهِ ضَرُورِيٌّ. وَلَا ضَرُورَةَ فِي ثُبُوتِ الْأَجَلِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، بَلْ إنَّمَا هُوَ تَتِمَّةُ الدَّلِيلِ السَّابِقِ ذُكِرَ لِدَفْعِ مَا عَسَى يُتَوَهَّمُ أَنْ يُقَالَ شَرْطُ الْأَجَلِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالشَّفِيعِ صَرِيحًا لَكِنْ تَحَقَّقَ بَيْنَهُمَا ضِمْنًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الرِّضَا بِالْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي رِضًا بِهِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ. وَوَجْهُ الدَّفْعِ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْمَلَاءَةِ فَلَا احْتِيَاجَ أَصْلًا إلَى مَا ارْتَكَبَهُ الشَّارِحَانِ الْمَزْبُورَانِ مِنْ تَقْرِيرِ مُقَدَّمَاتٍ لِجَعْلِ ذَلِكَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا، وَإِيرَادُ سُؤَالٍ وَالْتِزَامُ جَوَابٍ بَعِيدٌ عَنْهُ، بَلْ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشُّفْعَةِ مِنْ الرِّضَا عِنْدَ مَنْ أَحَاطَ بِمَسَائِلِ الشُّفْعَةِ خُبْرًا، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى مِنْ كِتَابِ الشُّفْعَةِ، سِيَّمَا عِنْدَ قَوْلِهِمْ وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ الدَّارَ إمَّا بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي حَيْثُ جَعَلُوا قَضَاءَ الْقَاضِي مُقَابِلًا لِلتَّرَاضِي، وَاعْتَبَرُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا لِلْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ إنْ أَخَذَهَا بِثَمَنٍ حَالٍّ مِنْ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ كَمَا كَانَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي
[ ٩ / ٣٩٥ ]
كَمَا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَقَدْ اشْتَرَاهُ مُؤَجَّلًا، وَإِنْ اخْتَارَ الِانْتِظَارَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَلْتَزِمَ زِيَادَةَ الضَّرَرِ مِنْ حَيْثُ النَّقْدِيَّةُ. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ مُرَادُهُ الصَّبْرُ عَنْ الْأَخْذِ، أَمَّا الطَّلَبُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ حَتَّى لَوْ سَكَتَ عَنْهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ، وَالْأَخْذُ يَتَرَاخَى عَنْ الطَّلَبِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ حَالًّا فَيُشْتَرَطُ الطَّلَبُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ. .
بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إلَخْ يُوهِمُ أَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ بِبَيْعٍ جَدِيدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بِطَرِيقِ تَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ، لَكِنْ يَتَحَوَّلُ مَا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَالْأَجَلُ مُقْتَضَى الشَّرْطِ فَبَقِيَ مَعَ مَنْ ثَبَتَ الشَّرْطُ فِي حَقِّهِ اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ أَقُولُ: هَذَا خَبْطٌ فَاحِشٌ مِنْهُمَا، مَدَارُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَأَخَذَهَا الشَّفِيعُ مِنْ يَدِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي، وَإِذَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّ الدَّارَ الْمَشْفُوعَةَ هَلْ تَنْتَقِلُ إلَى الشَّفِيعِ بِطَرِيقِ تَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ أَمْ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا فِيمَا إذَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ أَنْ قَبَضَهَا فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ انْتِقَالَهَا إلَى الشَّفِيعِ هُنَاكَ بِطَرِيقِ تَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ وَلَا مَجَالَ لَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ عَقْدٍ جَدِيدٍ بِالْإِجْمَاعِ وَلَقَدْ نَادَى إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ حَيْثُ تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ مِلْكُهُ بِالْقَبْضِ. وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ امْتَنَعَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يُوجِبُ الْفَسْخَ اهـ.
فَالصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا ثُمَّ إنْ أَخَذَهَا بِثَمَنٍ حَالٍّ مِنْ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي إشَارَةً إلَى صُورَةِ أَخْذِهَا مِنْ يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي. وَقَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْإِضَافَةِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَتَتَحَوَّلُ الصَّفْقَةُ إلَى الشَّفِيعِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ كَمَا كَانَ إشَارَةً إلَى صُورَةِ أَخْذِهَا مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ أَنْ قَبَضَهَا. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْطُلْ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ فَبَقِيَ مُوجِبُهُ فَصَارَ كَمَا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ حَالٍّ، وَقَدْ اشْتَرَاهُ مُؤَجَّلًا، إشَارَةً إلَى أَنَّ تَمَلُّكَ الشَّفِيعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الْمَزْبُورِ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ حَيْثُ تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ مِلْكُهُ بِالْقَبْضِ اهـ.
فَكَانَ كُلٌّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُنَا مُطَابِقًا لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَابِ الْمَزْبُورِ فَلَا غُبَارَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا أَصْلًا (قَوْلُهُ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ حَالًّا فَيُشْتَرَطُ الطَّلَبُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ
[ ٩ / ٣٩٦ ]
قَالَ (وَإِنْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ دَارًا وَشَفِيعُهَا ذِمِّيٌّ أَخَذَهَا بِمِثْلِ الْخَمْرِ وَقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ)؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مَقْضِيٌّ بِالصِّحَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَحَقُّ الشُّفْعَةِ يَعُمُّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ، وَالْخَمْرُ لَهُمْ كَالْخَلِّ لَنَا وَالْخِنْزِيرُ كَالشَّاةِ، فَيَأْخُذُ فِي الْأَوَّلِ بِالْمِثْلِ وَالثَّانِي بِالْقِيمَةِ. قَالَ (وَإِنْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا أَخَذَهَا بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا الْخَمْرُ لِامْتِنَاعِ التَّسَلُّمِ وَالتَّسْلِيمِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَالْتَحَقَ بِغَيْرِ الْمِثْلِيِّ، وَإِنْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا أَخَذَ الْمُسْلِمُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَالذِّمِّيُّ نِصْفَهَا بِنِصْفِ مِثْلِ الْخَمْرِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، فَلَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ أَخَذَهَا بِنِصْفِ
أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ.
وَتَقْرِيرُهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْأَخْذُ، وَلَئِنْ كَانَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَكِّنٍ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ بَلْ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ حَالًّا انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيمَا قَبْلُ لِدَلِيلِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ كَمَا تَرَى، فَالتَّصَدِّي لِلْجَوَابِ عَنْهُ بِمَنْعِ بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ بَعِيدٌ جِدًّا، بَلْ هُوَ خَارِجٌ عَمَّا عَلَيْهِ دَأْبُ الْمُصَنِّفِ فِي نَظَائِرِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ مَنْعَ كَوْنِ الْمَقْصُودِ بِهِ الْأَخْذَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ فِي أَوَّلِ التَّقْرِيرِ مِمَّا لَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الدَّلَالَاتِ فَكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ (وَلَئِنْ كَانَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَكِّنٍ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ بَلْ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ حَالًّا) مِمَّا لَا يَكَادُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ دَلِيلِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ حَتَّى الْعِنَايَةَ نَفْسَهَا أَنَّ الطَّلَبَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِعَيْنِهِ بَلْ لِلْأَخْذِ، وَهُوَ فِي الْحَالِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَطْلُبُهُ وَهُوَ الْأَخْذُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ أَوْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ فِي الْحَالِ، فَسُكُوتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهِ فَائِدَةً لَا لِإِعْرَاضِهِ عَنْ الْأَخْذِ انْتَهَى. وَلَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ مَنْعَ عَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ حَالًّا لَا يُجْدِي طَائِلًا فِي دَفْعِ مَا ذَكَرَ فِي دَلِيلِهِ مِنْ أَنَّهُ فِي الْحَالِّ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَطْلُبُهُ، فَإِنَّ أَدَاءَ الثَّمَنِ حَالًّا لَيْسَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَطْلُبُهُ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ أَلْبَتَّةَ، وَخِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ فِيمَا إذَا لَمْ يَخْتَرْ الشَّفِيعُ أَخْذَهَا بِثَمَنٍ حَالٍّ بَلْ اخْتَارَ الِانْتِظَارَ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ حَالًّا جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ، وَالْحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْمُصَنَّفِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ إلَخْ عَلَى تَتْمِيمِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِأَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا بِحَسْبِ الْمَعْنَى عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ لَهُ بِالْبَيْعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرَّاحِ أَخْذًا مِنْ الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالُوا بَعْدَ ذِكْرِ وَجْهِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخِرِ: وَجْهٌ ظَاهِرٌ
[ ٩ / ٣٩٧ ]
قِيمَةِ الْخَمْرِ لِعَجْزِهِ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَبِالْإِسْلَامِ يَتَأَكَّدُ حَقُّهُ لَا أَنْ يَبْطُلَ، فَصَارَ كَمَا إذَا اشْتَرَاهَا بِكُرٍّ مِنْ رُطَبٍ فَحَضَرَ الشَّفِيعُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ يَأْخُذُ بِقِيمَةِ الرُّطَبِ كَذَا هَذَا.
فَصْلٌ
قَالَ (وَإِذَا بَنَى الْمُشْتَرِي فِيهَا أَوْ غَرَسَ ثُمَّ قُضِيَ لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَ الْمُشْتَرِيَ قَلْعَهُ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْقَلْعَ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ لَهُ أَنْ يُقْلِعَ وَيُعْطِي قِيمَةَ الْبِنَاءِ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الدَّارَ مِلْكُهُ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْقَلْعِ مِنْ أَحْكَامِ الْعُدْوَانِ وَصَارَ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، وَكَمَا إذَا زَرَعَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْقَلْعَ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي إيجَابِ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ دَفْعَ أَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِتَحَمُّلِ الْأَدْنَى فَيُصَارَ إلَيْهِ وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ بَنَى فِي مَحِلٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ لِلْغَيْرِ
الرِّوَايَةِ أَنَّ حَقَّهُ فِي الشُّفْعَةِ قَدْ ثَبَتَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِثَمَنٍ حَالٍّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَالسُّكُوتُ عَنْ الطَّلَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ مُبْطِلٌ شُفْعَتَهُ. انْتَهَى تَبَصَّرْ.
(فَصْلٌ)
مَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَغَيُّرِ الْمَشْفُوعِ إمَّا بِالزِّيَادَةِ أَوْ بِالنُّقْصَانِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ الْغَيْرِ، فَلَمَّا كَانَ الْمُتَغَيِّرُ فَرْعًا عَلَى غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ كَانَ جَدِيرًا بِالتَّأْخِيرِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ
(قَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ فِي إيجَابِ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ دَفْعَ أَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِتَحَمُّلِ الْأَدْنَى فَيُصَارَ إلَيْهِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا: أَيْ وَهَذَا الْمُدَّعِي الَّذِي قُلْنَا وَهُوَ أَنْ لَا يُكَلَّفَ الْمُشْتَرِي بِقَلْعِ
[ ٩ / ٣٩٨ ]
مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فَيُنْقَضُ كَالرَّاهِنِ إذَا بَنَى فِي الْمَرْهُونِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَهَذَا يَنْقُضُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ وَغَيْرَهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ
الْبِنَاءِ انْتَهَى وَبِذَلِكَ الْمَعْنَى فَسَّرَهُ سَائِرُ الشُّرَّاحِ أَيْضًا وَلَكِنْ بِعِبَارَاتٍ شَتَّى فَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: أَيْ مَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يُكَلَّفُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: أَيْ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْمُشْتَرِي قَلْعَ الْبِنَاءِ وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: أَيْ الْقَوْلُ بِعَدَمِ إيجَابِ الْقَلْعِ وَوُجُوبِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ: أَيْ مَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ إيجَابِ الْقَلْعِ وَوُجُوبِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ تَلَخَّصَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: أَيْ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِكَلِمَةِ هَذَا فِي قَوْلِهِ (وَهَذَا لِأَنَّ فِي إيجَابِ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ إلَخْ) أَصْلُ مُدَّعَى أَبِي يُوسُفَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (لِأَنَّ فِي إيجَابِ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ إلَخْ) دَلِيلًا عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِيَ أَنْ يَقُولَ: وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ إلَخْ عَلَى مَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمَعْهُودَةُ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْأَدِلَّةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِهِ هَذَا أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَمِّيَّةَ مَسْأَلَةٍ بَعْدَ بَيَانِ إنِّيَّتِهَا سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ إيمَاءً إلَى أَنَّ مُفَادَ الدَّلِيلَيْنِ مُخْتَلِفٌ مِنْ حَيْثُ الْإِنِّيَّةُ وَاللَّمِّيَّةُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمُدَّعَى وَاحِدًا وَكَأَنَّهُمَا صَارَا دَلِيلَيْنِ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلِيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّهُ يَنْفَعُك فِي مَوَارِدِهَا وَقَدْ كُنْت نَبَّهْت عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أَيْضًا فَلَا تَغْفُلْ
(قَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ) أَقُولُ: هُنَا كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ قَبْلَ بَابِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِ تَمَلَّكَ بِالْأَخْذِ إذَا سَلَّمَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ حَكَمَ بِهِمَا حَاكِمٌ، لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي قَدْ يَنْتَقِلُ إلَى الشَّفِيعِ إلَّا بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَبَيَّنَ ذَاكَ وَمَا قَالَ هُنَا تَدَافَعَ، فَإِنَّ الْمُتَفَهَّمَ فِيمَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ تَقَدُّمُ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ حَيْثُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ أَوَّلًا لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ يَثْبُتُ مِنْهُ إلَى الشَّفِيعِ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا صَرِيحٌ فِي تَقَدُّمِ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَمَا التَّوْفِيقُ؟. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا تَقَدُّمُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَبِمَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ تَقَدُّمُ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ فِي الْمِلْكِ، وَالتَّمَلُّكُ مُغَايِرٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَمُؤَخَّرٌ عَنْهُ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا قَبْلَ بَابِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ أَنَّ لِلشُّفْعَةِ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً: الِاسْتِحْقَاقُ، وَالِاسْتِقْرَارُ، وَالتَّمَلُّكُ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ يَثْبُتُ بِاتِّصَالِ الْمِلْكِ لِشَرْطِ الْبَيْعِ، وَالثَّانِيَ بِالْإِشْهَادِ، وَالثَّالِثَ بِالْأَخْذِ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَلَا تَدَافُعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَقَامَيْنِ إذْ كَوْنُ الشَّفِيعِ أَقْدَمَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْمُشْتَرِي أَقْدَمَ فِي التَّمَلُّكِ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَبِخِلَافِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، فَإِنَّ فِيهَا تَسْلِيطًا مِنْ جِهَتِهِ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَّلَ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ وَلِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ فِيهِمَا ضَعِيفٌ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ مُتَّصِلًا بِمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ لَمَا صَحَّ تَعْلِيلُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ بِالْوَجْهِ الثَّانِي لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ عِلَّةُ كَوْنِ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ فِيهِمَا ضَعِيفًا وَكَوْنِ التَّسْلِيطِ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ كَانَ رَاجِعًا إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلَا مَعْنَى لِجَعْلِهِ وَجْهًا آخَرَ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِلَّةُ ذَلِكَ كَوْنَ التَّسْلِيطِ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْخِلَافِ الْمُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ وَجْهِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالْمَعْنَى أَنَّ مَضْمُونَ هَذَا الْوَجْهِ مُلَابِسٌ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَبِخِلَافِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ نَاظِرًا إلَى قَوْلِهِ فِي وَجْهِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَيَكُونُ
[ ٩ / ٣٩٩ ]
حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَلِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ فِيهِمَا ضَعِيفٌ وَلِهَذَا لَا يَبْقَى بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَهَذَا الْحَقُّ يَبْقَى فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْقِيمَةِ كَمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالزَّرْعُ يُقْلَعُ قِيَاسًا.
التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ فِيهِمَا ضَعِيفٌ نَاظِرًا إلَى قَوْلِهِ فِيهِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي فَيَتِمُّ التَّعْلِيلَانِ مَعًا بِلَا غُبَارٍ وَقَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: إنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الِاسْتِرْدَادِ وَالْبَائِعِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ إذَا بَنَى الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَاهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ بَعْدَ الْبِنَاءِ كَالشَّفِيعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا جَازَ عِنْدَهُمَا الِاسْتِرْدَادُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ أَيْضًا فَكَيْفَ يَتِمُّ قِيَاسُ أَبِي يُوسُفَ فِي دَلِيلِهِ الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ بِقَوْلِهِ وَصَارَ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، فَإِنَّ جَوَازَ الِاسْتِرْدَادِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ يُنَافِي قِيَاسَ الْمُشْتَرِي فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا فِي أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْقَلْعُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ هُنَا فَإِنْ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا فِي دَلِيلِهِ الْمَذْكُورِ مُجَرَّدُ الِاحْتِجَاجِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِمَذْهَبِهِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا: هَذَا احْتِجَاجٌ مِنْ أَبِي يُوسُفَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قُلْت: ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ عِبَارَةِ الْكِتَابِ جِدًّا لِأَنَّ قِيَاسَهُ الْمَزْبُورُ لَمْ يُذْكَرْ بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ صَاحِبَاهُ، بَلْ ذُكِرَ بِصَدَدِ إثْبَاتِ مُدَّعَاهُ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْخَصْمِ سِيَّمَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَطْ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ ثُمَّ أَقُولُ: الْأَوْجَهُ فِي التَّوْجِيهِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْبِنَاءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلْبَائِعِ حَقَّ اسْتِرْدَادِ الْمَبِيعِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هُنَاكَ عَنْ الْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ آخِرًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ وَكَذَا لِأَبِي يُوسُفَ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْقَلْعُ إلَخْ، وَهَذَا مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَثَانِيهِمَا مِثْلُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ بِأَنْ قَالَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَ الْمُشْتَرِيَ قَلْعَهُ، وَهَذَا رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَرِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ وَبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْهُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلِّهُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَإِذَا قَدْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسُ أَبِي يُوسُفَ بِقَوْلِهِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا، وَيَكُونَ تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ وَبِخِلَافِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ بِقَوْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَحَدِ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ فِيهَا وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ كَمَا عَرَفْت فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَا يَبْقَى بَعْدَ الْبِنَاءِ وَهَذَا الْحَقُّ يَبْقَى) قَالَ صَاحِبُ
[ ٩ / ٤٠٠ ]
وَإِنَّمَا لَا يُقْلَعُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً وَيَبْقَى بِالْأَجْرِ وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ يَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْغَصْبِ (وَلَوْ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، لَا عَلَى الْبَائِعِ إنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ أَخَذَهَا مِنْهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِأَنَّهُ مُتَمَلِّكٌ عَلَيْهِ فَنَزَلَا مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَالْفَرْقُ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَمُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا غُرُورَ وَلَا تَسْلِيطَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ
غَايَةِ الْبَيَانِ: هَذَا إيضَاحٌ لِضَعْفِ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ فِي الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَلَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتِرْدَادَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ إنَّمَا لَا يَبْقَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِهِ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مَذْهَبُك لَا مَذْهَبِي، وَعِنْدِي حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ الْبِنَاءِ بَاقٍ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ اهـ.
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ جِدًّا، لِأَنَّ هَذَا الْإِيضَاحَ مِنْ مُتَفَرِّعَاتِ قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَبِخِلَافِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَقَوْلُهُ ذَلِكَ جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ذَلِكَ النَّاظِرُ وَغَيْرُهُ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ بَقَاءِ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْبَائِعِ بَعْدَ أَنْ بَنَى الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِقِيَاسِهِ الْمَذْكُورِ إثْبَاتَ مُدَّعَاهُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ كَانَ قِيَاسُهُ الْمَذْكُورُ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِرْدَادِ وَهُوَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا مَذْهَبُك لَا مَذْهَبِي، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِقِيَاسِهِ الْمَذْكُورِ مُجَرَّدَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ النَّاظِرُ فِي شَرْحِ ذَاكَ الْمَقَامِ، فَلَا شَكَّ فِي انْدِفَاعِ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ وَالْإِيضَاحِ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ ذَلِكَ النَّاظِرِ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِهِ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَنْ النَّظَرِ الْمَزْبُورِ بِوَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتِرْدَادَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إنَّمَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لَا يَصِحُّ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ لَمْ يُعْتَبَرْ بِخِلَافِهِمَا اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ وَجْهَيْ الْجَوَابِ نَظَرٌ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بِصَدَدِ بَيَانِ وَجْهِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا تَرَى فَلَا مَجَالَ لِحَمْلِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ الصَّدَدِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الدَّلِيلَ الظَّاهِرَ الَّذِي كَانَ عَدَمُ بَقَاءِ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ ثَابِتًا بِهِ إنَّمَا هُوَ حُصُولُ ذَلِكَ الشِّرَاءِ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ الْبَائِعُ كَمَا فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ الْمَذْكُورُ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا دَلِيلًا أَوَّلًا فَكَيْفَ يَبْتَنِي عَلَيْهِ تَمَامُ الدَّلِيلِ الثَّانِي الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ، تَبَصَّرْ تَفْهَمْ
(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَمُسَلَّطٌ عَلَيْهِ، وَلَا تَسْلِيطَ وَلَا غُرُورَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ) أَقُولُ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَلَا غُرُورَ وَلَا تَسْلِيطَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لَا مِنْ الْبَائِعِ وَلَا مِنْ الْمُشْتَرِي. L
[ ٩ / ٤٠١ ]
قَالَ (وَإِذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ أَوْ احْتَرَقَ بِنَاؤُهَا أَوْ جَفَّ شَجَرُ الْبُسْتَانِ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ تَابِعٌ حَتَّى دَخَلَا فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَلَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً بِكُلِّ الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا غَرِقَ نِصْفُ الْأَرْضِ حَيْثُ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ لِأَنَّ الْفَائِتَ بَعْضُ الْأَصْلِ قَالَ.
(وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَمَلُّكِ الدَّارِ بِمَالِهِ قَالَ (وَإِنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ قِيلَ لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْت فَخُذْ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْهَلَاكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ (وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النَّقْضَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَفْصُولًا فَلَمْ يَبْقَ تَبَعًا قَالَ (وَمَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا وَعَلَى نَخْلِهَا ثَمَرٌ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِثَمَرِهَا) وَمَعْنَاهُ إذَا ذُكِرَ الثَّمَرُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَأْخُذُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُتْبَعُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَأَشْبَهَ الْمَتَاعَ فِي الدَّارِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الِاتِّصَالِ صَارَ تَبَعًا لِلْعَقَارِ كَالْبِنَاءِ فِي الدَّارِ، وَمَا كَانَ مُرَكَّبًا فِيهِ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ ابْتَاعَهَا وَلَيْسَ فِي النَّخِيلِ ثَمَرٌ فَأَثْمَرَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي) يَعْنِي يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ تَبَعًا لِأَنَّ الْبَيْعَ سَرَى إلَيْهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي وَلَدِ الْمَبِيعِ قَالَ (فَإِنْ جَدَّهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لَا يَأْخُذُ الثَّمَرَ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَقْتَ الْأَخْذِ حَيْثُ صَارَ مَفْصُولًا عَنْهُ فَلَا يَأْخُذُهُ
لِيَعُمَّ مَا أَخَذَ مِنْ الْبَائِعِ وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُطَابِقُ قَوْلَهُ فِيمَا قَبْلُ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لَا عَلَى الْبَائِعِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ أَخَذَ مِنْهُ وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا غُرُورَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ عَنْ صَاحِبِ الْيَدِ جَبْرًا بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ: وَلَا غُرُورَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لَا مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ وَلَا مِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ عَنْ صَاحِبِ الْيَدِ جَبْرًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ فَلَا يَرْجِعُ اهـ.
وَرَدَّ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ التَّعْلِيلَ بِالْأَخْذِ جَبْرًا حَيْثُ قَالَ: إنَّمَا لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَلَى أَحَدٍ، لَا لِأَنَّهُ أُخِذَ جَبْرًا لِأَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِيمَا أُخِذَ بِالتَّرَاضِي، بَلْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَغْرُورٍ،، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ أَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ قَيْدَ الْجَبْرِ مَأْخُوذٌ فِي تَعْرِيفِ الشُّفْعَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، حَتَّى أَنَّ ذَلِكَ الرَّادَّ نَفْسَهُ أَيْضًا أَخَذَ ذَاكَ الْقَيْدَ فِي تَعْرِيفِهَا حَيْثُ قَالَ فِي مَتْنِهِ: الشُّفْعَةُ تَمَلُّكُ مَبِيعِ عَقَارٍ جَبْرًا بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، وَفَسَّرَ فِي شَرْحِهِ قُيِّدَ جَبْرًا بِمَعْنَى يَعُمُّ صُورَةَ الْأَخْذِ بِالتَّرَاضِي أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي لَا يُعْتَبَرُ اخْتِيَارُهُ لَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَدَمُ اخْتِيَارِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَوْجِيهَهُ هُنَاكَ هُوَ التَّوْجِيهُ هَاهُنَا، وَلَا يُخِلُّ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ وَبَيْنَ الشَّفِيعِ مَعَ خَصْمِهِ لِتَمَامِ ذَلِكَ الْفَرْقِ بِاعْتِبَارِ الِاخْتِيَارِ فِي الْأَوَّلِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي الثَّانِي، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اعْتِبَارِ الِاخْتِيَارِ فِي الْأَوَّلِ وَاعْتِبَارِ عَدَمِهِ فِي الثَّانِي
[ ٩ / ٤٠٢ ]
قَالَ فِي الْكِتَابِ (وَإِنْ جَدّه الْمُشْتَرِي سَقَطَ عَنْ الشَّفِيعِ حِصَّتُهُ) قَالَ ﵁ (وَهَذَا جَوَابُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ مَقْصُودًا فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ (أَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي يَأْخُذُ مَا سِوَى الثَّمَرِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ الثَّمَرَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَكُونُ مَبِيعًا إلَّا تَبَعًا فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ