قَالَ (وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ عَنْ الْوَكَالَةِ) لِأَنَّ الْوَكَالَةَ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ، إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ بِأَنْ كَانَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ يُطْلَبُ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ
بَابُ عَزْلِ الْوَكِيلِ)
أَخَّرَ بَابَ الْعَزْلِ، إذْ الْعَزْلُ يَقْتَضِي سَبْقَ الثُّبُوتِ فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ آخِرًا (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ عَنْ الْوَكَالَةِ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُوَكِّلِ (فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ) أَيْ فَلِلْمُوَكِّلِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُ (إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ) أَيْ بِالْوَكَالَةِ ذَكَرَ الضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِهَا حَقًّا (حَقُّ الْغَيْرِ) فَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ بِلَا رِضَا ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ (بِأَنْ كَانَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ) أَيْ بِالْتِمَاسٍ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي (لِمَا فِيهِ) أَيْ لِمَا فِي الْعَزْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ) وَهُوَ أَنْ يُحْضِرَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَيُخَاصِمَهُ وَيُثْبِتَ حَقَّهُ عَلَيْهِ، وَإِبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ، قُيِّدَ بِالطَّلَبِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا بِالطَّلَبِ يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَقُيِّدَ بِكَوْنِ الطَّلَبِ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَطْلُوبِ: أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَوَكَّلَ الطَّالِبَ فَلَهُ عَزْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا. ثُمَّ إنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الْعَزْلِ إذَا كَانَ
[ ٨ / ١٣٧ ]
وَصَارَ كَالْوَكَالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَقْدُ الرَّهْنِ.
بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَزْلُ عِنْدَ غَيْبَةِ الطَّالِبِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَ حُضُورِهِ فَيَصِحُّ الْعَزْلُ سَوَاءٌ رَضِيَ بِهِ الطَّالِبُ أَوْ لَا، وَهَذِهِ الْقُيُودُ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ صَرِيحِ مَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَإِذَا عُزِلَ الْوَكِيلُ حَالَ غَيْبَةِ الْخَصْمِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ وَكِيلَ الطَّالِبِ. وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْعَزْلُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ غَائِبًا لِأَنَّ الطَّالِبَ بِالْعَزْلِ يُبْطِلُ حَقَّ نَفْسِهِ، لِأَنَّ خُصُومَةَ الْوَكِيلِ حَقُّ الطَّالِبِ وَإِبْطَالُ الْإِنْسَانِ حَقَّ نَفْسِهِ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى حَضْرَةِ غَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ وَكِيلَ الْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِنْ غَيْرِ الْتِمَاسِ أَحَدٍ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْعَزْلُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ غَائِبًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ بِالْتِمَاسِ أَحَدٍ إمَّا الطَّالِبَ وَإِمَّا الْقَاضِيَ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ غَائِبًا وَقْتَ التَّوْكِيلِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالتَّوْكِيلِ صَحَّ عَزْلُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْوَكَالَةَ غَيْرُ نَافِذَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَاذَ لَهَا قَبْلَ عِلْمِ الْوَكِيلِ فَكَانَ الْعَزْلُ رُجُوعًا وَامْتِنَاعًا فَيَصِحُّ. وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي شَرَطَتْ عِلْمَ الْوَكِيلِ لِصَيْرُورَتِهِ وَكِيلًا. وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ حَاضِرًا وَقْتَ التَّوْكِيلِ أَوْ كَانَ غَائِبًا وَلَكِنْ قَدْ عَلِمَ بِالْوَكَالَةِ وَلَمْ يَرُدَّهَا فَإِنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِالْتِمَاسٍ لَا يَصِحُّ عَزْلُهُ حَالَ غَيْبَةِ الطَّالِبِ وَيَصِحُّ حَالَ حَضْرَتِهِ رَضِيَ بِهِ الطَّالِبُ أَوْ سَخِطَ؛ لِأَنَّ بِالتَّوْكِيلِ ثَبَتَ نَوْعُ حَقٍّ لِلطَّالِبِ قَبْلَ الْوَكِيلِ وَهُوَ حَقُّ أَنْ يُحْضِرَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ فَيُخَاصِمَهُ وَيُثْبِتَ حَقَّهُ عَلَيْهِ. وَبِالْعَزْلِ حَالَ غَيْبَةِ الطَّالِبِ لَوْ صَحَّ الْعَزْلُ يَبْطُلُ هَذَا الْحَقُّ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُصُومَةُ مَعَ الْوَكِيلِ وَالْمَطْلُوبُ رُبَّمَا يَغِيبُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الطَّالِبُ فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُصُومَةُ مَعَهُ أَيْضًا فَيَبْطُلُ حَقُّهُ أَصْلًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الطَّالِبُ حَاضِرًا فَحَقُّهُ لَا يَبْطُلُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْخُصُومَةُ مَعَ الْوَكِيلِ يُمْكِنُهُ مَعَ الْمَطْلُوبِ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُطَالِبَ مِنْ الْمَطْلُوبِ أَنْ يَنْصِبَ وَكِيلًا آخَرَ إلَى هُنَا لَفْظُ الذَّخِيرَةِ، قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَكِيلَ إنْ كَانَ لِلطَّالِبِ فَعَزْلُهُ صَحِيحٌ حَضَرَ الْمَطْلُوبُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ بِالْعَزْلِ يَبْطُلُ حَقُّهُ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا. وَإِنْ كَانَ لِلْمَطْلُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِثْلُ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فَأَمَّا إنْ عَلِمَ الْوَكِيلُ بِالْوَكَالَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَاذَ لِلْوَكَالَةِ قَبْلَ عِلْمِ الْوَكِيلِ فَكَانَ الْعَزْلُ امْتِنَاعًا وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَرُدَّهَا لَمْ يَصِحَّ فِي غَيْبَةِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ بِالتَّوْكِيلِ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ إحْضَارِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَإِثْبَاتُ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَبِالْعَزْلِ حَالَ غَيْبَتِهِ يَبْطُلُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ مُسْتَثْنًى، وَصَحَّ بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْخُصُومَةُ مَعَ الْوَكِيلِ يُمْكِنُهُ الْخُصُومَةُ مَعَ الْمُوَكِّلِ وَيُمْكِنُهُ طَلَبُ نَصْبِ وَكِيلٍ آخَرَ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ يَلُوحُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ وَهَاهُنَا لَا إبْطَالَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ اهـ. كَلَامُهُ.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، وَأَجَابَ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا يَعُمُّهُ، وَعَزْلُ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَثَلًا لِعُمُومِ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ: وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَصْرَ إضَافِيٌّ: أَيْ لَا عَزْلَ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ اهـ.
أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِتَامٍّ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ عَنْ الْوَكَالَةِ يَعُمُّ عَزْلَ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ أَيْضًا سِيَّمَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا يَتِمُّ التَّوْجِيهُ بِحَمْلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِضَافِيِّ بِمَعْنَى لَا عَزْلَ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ.
ثُمَّ أَقُولُ: الْحَقُّ الصَّرِيحُ أَنَّ كَلَامَ الْقُدُورِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا أَوَّلًا، وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ عَنْ الْوَكَالَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِطَرِيقِ التَّقْسِيمِ وَالتَّفْصِيلِ، وَقَدْ اسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ مِنْ ذَلِكَ صُورَةً وَاحِدَةً وَهِيَ عَزْلُ مَنْ كَانَ وَكِيلًا لِلْمَطْلُوبِ بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهَا مِنْ الصُّوَرِ تَحْتَ عُمُومِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِلَا رَيْبٍ، وَيَمْشِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ، فَمَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ مِنْ كَوْنِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا مَقْصُورًا عَلَى صُورَةِ عَزْلِ وَكِيلِ الطَّالِبِ، وَكَوْنِ بَعْضِ صُوَرِ عَزْلِ الْوَكِيلِ الْمَطْلُوبِ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي الْكِتَابِ أَصْلًا سَهْوٌ بَيِّنٌ (وَصَارَ) أَيْ صَارَ التَّوْكِيلُ الَّذِي كَانَ بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ (كَالْوَكَالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَقْدُ الرَّهْنِ) أَيْ كَالْوَكَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ بِأَنْ وَضَعَ
[ ٨ / ١٣٨ ]
قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ حَتَّى يَعْلَمَ) لِأَنَّ فِي الْعَزْلِ إضْرَارًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إبْطَالُ وِلَايَتِهِ أَوْ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الْحُقُوقِ إلَيْهِ فَيَنْقُدُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ
الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَشَرْطٌ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ عَنْ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَارَ حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ، وَبِالْعَزْلِ يَبْطُلُ هَذَا الْحَقُّ كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، وَكَذَا إذَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَكِيلِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمُوَكِّلِ لَا يَمْلِكُ إخْرَاجَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ نَحْوُ إنْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ.
قِيلَ: مِنْ أَيْنَ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ بِطَلَبٍ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ الَّذِي تَثْبُتُ وَكَالَتُهُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الرَّهْنِ حَيْثُ يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ فِي الْأَوَّلِ عَزْلَ الْوَكِيلِ حَالَ حَضْرَةِ الْخَصْمِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْخَصْمُ وَلَا يَمْلِكُ فِي الثَّانِي عَزْلَهُ حَالَ حَضْرَةِ الْمُرْتَهِنِ إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ مَعَ أَنَّهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِوَكَالَةِ الْوَكِيلِ، وَمَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ كَيْفَ شَبَّهَ هَذَا بِذَاكَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَزْلَ لَوْ صَحَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ حَالَ حَضْرَةِ الطَّالِبِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الطَّالِبِ أَصْلًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمَطْلُوبَ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ، فَلَوْ صَحَّ الْعَزْلُ حَالَ حَضْرَةِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ حَقُّهُ فِي الْبَيْعِ إذْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَالِبَ الرَّاهِنَ بِالْبَيْعِ. وَأَمَّا وَجْهُ التَّشْبِيهِ فَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِوَكَالَةِ الْوَكِيلِ وَبُطْلَانُ حَقِّ ذَلِكَ الْغَيْرِ عِنْدَ صِحَّةِ الْعَزْلِ فِي غَيْبَتِهِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْوَكِيلَ خَبَرُ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ إيَّاهُ (فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ حَتَّى يَعْلَمَ) أَيْ حَتَّى يَعْلَمَ الْوَكِيلُ عَزْلَهُ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ: يَنْعَزِلُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ نُفُوذَ الْوَكَالَةِ لِحَقِّ الْمُوَكِّلِ لَهُ فَهُوَ بِالْعَزْلِ يُسْقِطُ حَقَّ نَفْسِهِ، وَالْمَرْءُ يَنْفَرِدُ بِإِسْقَاطِ حَقِّ نَفْسِهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ وَيُعْتِقُ عَبْدَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ لِلْمُوَكِّلِ لَا عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَنْفَرِدْ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِهِ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْعَزْلُ خِطَابٌ مُلْزِمٌ لِلْوَكِيلِ بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَحُكْمُ الْخِطَابِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَخِطَابِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا يُصَلُّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَجَوَّزَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ لَمْ يَعْلَمُوا، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ شَرِبُوا الْخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ وَهَذَا لِأَنَّ الْخِطَابَ مَقْصُودٌ لِلْعَمَلِ، وَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ إنَّ الْفِقْهَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ فِي الْعَزْلِ) أَيْ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ (إضْرَارًا بِهِ) أَيْ بِالْوَكِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مِنْ حَيْثُ إبْطَالُ وِلَايَتِهِ) فَإِنَّ فِي إبْطَالِ وِلَايَتِهِ تَكْذِيبًا لَهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ لِمُوَكِّلِهِ عَلَى ادِّعَاءِ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ ذَلِكَ بِالْوَكَالَةِ، وَفِي عَزْلِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ تَكْذِيبٌ لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ لِبُطْلَانِ وِلَايَتِهِ بِالْعَزْلِ، وَتَكْذِيبُ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَقُولُ ضَرَرٌ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ.
وَالثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الْحُقُوقِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهَا إلَيْهِ (فَيَنْقُدُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ) إنْ كَانَ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ (وَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ) إنْ كَانَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ، فَلَوْ كَانَ مَعْزُولًا قَبْلَ الْعِلْمِ كَانَ التَّصَرُّفُ
[ ٨ / ١٣٩ ]
فَيَضْمَنُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَيَسْتَوِي الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرُهُ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ فِي الْمُخْبِرِ فَلَا نُعِيدُهُ
. قَالَ (وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا وَلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا)
وَاقِعًا لَهُ (فَيَضْمَنُهُ) أَيْ فَيَضْمَنُ مَا نَقَدَهُ وَمَا سَلَّمَهُ (فَيَتَضَرَّرُ بِهِ) وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ شَرْعًا. ثُمَّ إنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ عَامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَمُخْتَصٌّ بِالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَرْجِعُ فِيهَا الْحُقُوقُ إلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا. وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَسْتَوِي الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ سِيَّانِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ عَدَمُ انْعِزَالِ الْوَكِيلِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ نَظَرًا إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ لَا يَصِحُّ عَزْلُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي سَائِرِ مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى. قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ: وَإِذَا جَحَدَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ وَقَالَ لَمْ أُوَكِّلْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَزْلًا، هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْأَجْنَاسِ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ، وَفِي مَسَائِلِ الْغَصْبِ مِنْ الْأَجْنَاسِ أَيْضًا: إذَا قَالَ اشْهَدُوا أَنِّي لَمْ أُوَكِّلْ فُلَانًا فَهَذَا كَذِبٌ وَهُوَ وَكِيلٌ لَا يَنْعَزِلُ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا ذَكَرُوا فِي شُرُوحِهِمْ أَنَّ جُحُودَ الْمُوَكِّلِ الْوَكَالَةَ عَزْلٌ لِلْوَكِيلِ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ جُحُودَ مَا عَدَا النِّكَاحَ فَسْخٌ لَهُ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ فِي الْمُخْبِرِ) أَشَارَ بِهِ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ مِنْ كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ وَلَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ الْوَكَالَةِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ إلَخْ (فَلَا نُعِيدُهُ) لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْإِعَادَةِ. اعْلَمْ أَنَّ الْوَكَالَةَ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، وَرَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، صَبِيًّا كَانَ أَوْ بَالِغًا، وَكَذَلِكَ الْعَزْلُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَثْبُتُ الْعَزْلُ إلَّا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ أَوْ بِخَبَرِ الِاثْنَيْنِ إذَا لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْخَبَرُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَثْبُتُ بِهِ الْعَزْلُ بِالِاتِّفَاقِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ الرَّسُولُ، عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ.
وَقَالَ فِي تَعْلِيلِهِ: لِأَنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسِلِ وَسَفِيرٌ عَنْهُ فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا) بِالْبَاءِ الْمَسْكُورَةِ: أَيْ دَائِمًا، وَمِنْهُ الْحُمَّى الْمُطْبِقَةُ: أَيْ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا تُفَارِقُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَقِيلَ مُطْبِقًا: أَيْ مُسْتَوْعِبًا، مِنْ أَطْبَقَ الْغَيْمُ السَّمَاءَ، إذَا اسْتَوْعَبَهَا (وَلَحَاقِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ: أَيْ وَتَبْطُلُ بِلَحَاقِ الْمُوَكِّلِ (بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالُوا: مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ فِي الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ غَيْرَ لَازِمَةٍ بِحَيْثُ يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ الْعَزْلَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَزَمَانٍ كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مِنْ جَانِبِ الطَّالِبِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ لَازِمَةً بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ الْعَزْلَ كَالْعَدْلِ إذَا سُلِّطَ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ وَكَانَ التَّسْلِيطُ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَلَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِجُنُونِ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَ الْجُنُونُ مُطْبِقًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إذَا كَانَتْ غَيْرَ لَازِمَةٍ يَكُونُ لِبَقَائِهَا حُكْمُ الْإِنْشَاءِ، وَلَوْ أَنْشَأَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ بَعْدَمَا جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا لَا يَصِحُّ، فَكَذَا لَا تَبْقَى الْوَكَالَةُ إذَا صَارَ الْمُوَكِّلُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَأَمَّا إذَا
[ ٨ / ١٤٠ ]
لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَيَكُونُ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَشَرْطٌ أَنْ يَكُونَ الْجُنُونُ مُطْبِقًا لِأَنَّ قَلِيلَهُ
كَانَتْ الْوَكَالَةُ لَازِمَةً بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ الْمُوَكِّلُ عَلَى عَزْلِهِ لَا يَكُونُ لِبَقَاءِ الْوَكَالَةِ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ، وَكَانَ الْوَكِيلُ فِي هَذِهِ الْوَكَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَهُ. وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ثُمَّ جُنَّ الْمُمَلِّكُ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ، كَمَا لَوْ مَلَكَ عَيْنًا فَكَذَا إذَا مَلَكَ التَّصَرُّفَ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ إذَا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا ثُمَّ جُنَّ الزَّوْجُ لَا يَبْطُلُ الْأَمْرُ انْتَهَى، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ وَالْفَتَاوَى الصُّغْرَى: وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَوْضِعٍ يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَهُ، أَمَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ كَالْعَدْلِ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ، وَالْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ بِالْتِمَاسِ الْخَصْمِ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ، وَالْوَكِيلُ بِالطَّلَاقِ يَنْعَزِلُ بِجُنُونِ الْمُوَكِّلِ اسْتِحْسَانًا وَلَا يَنْعَزِلُ قِيَاسًا انْتَهَى. أَقُولُ: فِي الْمَنْقُولِ عَنْ التَّتِمَّةِ وَالْفَتَاوَى الصُّغْرَى إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْيَدِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ بَابِ التَّوْكِيلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّمْلِيكِ لَا التَّوْكِيلِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ فِي بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.
ثُمَّ أَقُولُ: فِيمَا بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ تَقْسِيمَهُمْ الْوَكَالَةَ عَلَى اللَّازِمَةِ وَغَيْرِ اللَّازِمَةِ وَحَمْلَهُمْ الْجَوَابَ فِي الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ عَلَى الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى يُنَافِي مَا ذَكَرُوا فِي صَدْرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ أَنَّ صِفَةَ الْوَكَالَةِ هِيَ أَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ حَتَّى يَمْلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ الْعَزْلَ بِدُونِ رِضَا صَاحِبِهِ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ صِفَتُهَا الْعَامَّةُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ فِي الْوَكَالَةِ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَاللُّزُومُ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِعَارِضٍ وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ عَلَى عَكْسِ مَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ بِالْخِيَارِ كَمَا سَيَأْتِي فَتَأَمَّلْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ (لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ: إذْ اللُّزُومُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ فِي فَسْخِهَا، فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَمْنَعَ الْوَكِيلَ عَنْهَا انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ إلَى هَذَا التَّعْلِيلِ. أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَ الْوُجُودِ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُتَحَقِّقٌ فِي كُلِّ عَقْدٍ لَازِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ، وَإِنَّمَا اللَّازِمُ مَا يَتَوَقَّفُ فَسْخُهُ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ فَقَوْلُهُمَا إذًا لِلُّزُومِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إذْ التَّصَرُّفُ اللَّازِمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَوَقَّفُ فَسْخُهُ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ (فَيَكُونُ لِدَوَامِهِ) أَيْ لِدَوَامِ التَّوْكِيلِ (حُكْمُ ابْتِدَائِهِ) لِأَنَّ التَّصَرُّفَ إذَا كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ كَانَ الْمُتَصَرِّفُ بِسَبِيلٍ مِنْ فَسْخِهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ دَوَامِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْفَسِخْ جُعِلَ امْتِنَاعُهُ عَنْ الْفَسْخِ عِنْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ تَصَرُّفٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ إنْزَالًا لِلْمُتَمَكِّنِ مَكَانَ الْمُبْتَدِئِ وَالْمُنْشِئِ كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ فَصَارَ كَأَنَّهُ يَتَجَدَّدُ عَقْدُ الْوَكَالَةِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَيَنْتَهِي، فَكَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ (فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْأَمْرِ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ بِالتَّوْكِيلِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ إذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ أَمْرِهِ بِذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، فَكَذَا فِيمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ (وَقَدْ بَطَلَ) أَيْ أَمْرُ الْمُوَكِّلِ (بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ) وَهِيَ الْمَوْتُ وَالْجُنُونُ وَالِارْتِدَادُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ غَيْرُ لَازِمٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِالْمَوْتِ بَلْ يَتَقَرَّرُ وَيَبْطُلُ الْخِيَارُ. قُلْنَا: الْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ وَعَدَمُ اللُّزُومِ بِسَبَبِ الْعَارِضِ وَهُوَ الْخِيَارُ، فَإِذَا مَاتَ تَقَرَّرَ الْأَصْلُ وَبَطَلَ الْعَارِضُ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَشَرْطٌ) أَيْ شَرْطٌ فِي بُطْلَانِ الْوَكَالَةِ (أَنْ يَكُونَ الْجُنُونُ مُطْبِقًا لِأَنَّ قَلِيلَهُ) أَيْ قَلِيلَ
[ ٨ / ١٤١ ]
بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ، وَحَدُّ الْمُطْبِقِ شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ. وَعَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَصَارَ كَالْمَيِّتِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْلٌ كَامِلٌ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا. قَالُوا: الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّحَاقِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ فَكَذَا وَكَالَتُهُ
الْجُنُونِ (بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ) فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَكَالَةُ لَا تَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ (وَحَدُّ الْمُطْبِقِ) أَيْ حَدُّ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ (شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَرَوَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ) أَيْ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ فِي بَابِ الْبُيُوعِ الْجَائِزَةِ: وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالشَّهْرِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الشَّهْرِ فِي حُكْمِ الْعَاجِلِ فَكَانَ قَصِيرًا، وَالشَّهْرُ فَصَاعِدًا فِي حُكْمِ الْآجِلِ فَكَانَ طَوِيلًا (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَصَارَ) أَيْ فَصَارَ مَنْ جُنَّ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ (كَالْمَيِّتِ) فَلَا يَصْلُحُ لِلْوَكَالَةِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْلٌ كَامِلٌ) قَالَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ: قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ: قَالَ مُحَمَّدٌ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ: حَتَّى يُجَنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَيَخْرُجَ الْوَكِيلُ مِنْ الْوَكَالَةِ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: حَتَّى يُجَنَّ شَهْرًا، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: حَتَّى يُجَنَّ سَنَةً (لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ) أَيْ بِالْحَوْلِ الْكَامِلِ (جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ) وَأَمَّا دُونَ الْحَوْلِ فَلَا تَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّ وُجُوبَهَا مُقَدَّرٌ بِالْحَوْلِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمَوْتِ (فَقُدِّرَ بِهِ) أَيْ فَقُدِّرَ حَدُّ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ بِالْحَوْلِ الْكَامِلِ (احْتِيَاطًا) قَالَ فِي الْكَافِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ (قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّحَاقِ) أَيْ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّحَاقِ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَلَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا (قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ فَكَذَا وَكَالَتُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ: اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَتَمَامِ الْوِلَايَةِ، وَبَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ، وَمَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْمُفَاوَضَةِ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يُسْلِمْ، وَمُخْتَلَفٌ فِي تَوَقُّفِهِ وَهُوَ مَا عَدَّدْنَاهُ اهـ.
وَقَالَ الشُّرَّاحُ هُنَاكَ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ مَا عَدَّدْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَمَا بَاعَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ. أَقُولُ: فَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُ هَاهُنَا أَنَّ بَعْضَ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ
[ ٨ / ١٤٢ ]
فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ وَقَدْ مَرَّ فِي السِّيَرِ
وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُودِهَا عَلَى مَا عُرِفَ
مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ. فَكَذَا وَكَالَتُهُ لِكَوْنِهَا فِي حُكْمِ ذَلِكَ. وَلَكِنَّ عِبَارَتَهُ غَيْرُ وَاضِحَةٍ فِي إفَادَةِ الْمُرَادِ (فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ) أَيْ فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ السَّابِقُ (وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَتَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ) حَتَّى يَسْتَقِرَّ أَمْرُ اللَّحَاقِ (وَقَدْ مَرَّ فِي السِّيَرِ) أَيْ مَرَّ كَوْنُ تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَافِذًا عِنْدَهُمَا مَعَ ذِكْرِ دَلِيلِ الطَّرَفَيْنِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ.
وَاسْتَشْكَلَ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ هَذَا الْمَقَامَ حَيْثُ قَالَ: فِيمَا نُسِبَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ نَظَرٌ. إذْ الْمُرْتَدُّ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْحَاكِمُ حَتَّى عَادَ مُسْلِمًا صَارَ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فَكَيْفَ يَبْطُلُ تَوْكِيلُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى بِذَلِكَ. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السِّيَرِ إنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ غَيْرَ أَنَّهُ يُرْجَى إسْلَامُهُ فَتَوَقَّفْنَا، فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ الْعَارِضُ كَالْعَدَمِ وَلَمْ يَعْمَلْ السَّبَبُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ لَحِقَ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ اسْتَقَرَّ كُفْرُهُ فَعَمَلُ السَّبَبِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ بِمُجَرَّدِ اللَّحَاقِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمُوَكِّلِ كَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ تَوْكِيلُهُ بِمُجَرَّدِ لَحَاقِهِ عِنْدَهُ اهـ كَلَامُهُ. وَأَقُولُ: هُنَا كَلَامٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ قَاضِي خَانْ ذَكَرَ فِي فَتَاوَاهُ مَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا عَنْ الْمَشَايِخِ حَيْثُ قَالَ فِي فَصْلِ مَا يُبْطِلُهُ الِارْتِدَادُ مِنْ بَابِ الرِّدَّةِ وَأَحْكَامِ أَهْلِهَا مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ: وَإِنْ وَكَّلَ رَجُلًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمُوَكِّلُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ فِي قَوْلِهِمْ اهـ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِي اللَّحَاقِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَطْ.
فَإِنْ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاللَّحَاقِ لِدَارِ الْحَرْبِ فِيمَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ بِهَا. قُلْت: ظَاهِرُ اللَّفْظِ لَا يُسَاعِدُ ذَلِكَ. فَإِنْ جَازَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ الْقَرَائِنِ وَالْقَوَاعِدِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَيْضًا حَتَّى تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةً وَيَتَلَخَّصُ عَنْ التَّكَلُّفِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ فِي تَخْصِيصِهَا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. ثُمَّ أَقُولُ: الْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ اللَّحَاقُ مَعَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ دُونَ مُجَرَّدِ اللَّحَاقِ فَالْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةٌ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْكَنْزِ: وَالْمُرَادُ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ؛ لِأَنَّ لَحَاقَهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ بِاللَّحَاقِ الْمُبْطِلِ لِلْوَكَالَةِ اللَّحَاقُ مَعَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ دُونَ مُجَرَّدِ اللَّحَاقِ أَنَّ أَسَاطِينَ الْمَشَايِخِ قَيَّدُوا اللَّحَاقَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ عِنْدَ بَيَانِهِمْ بُطْلَانَ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ وَاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ بِصَدَدِ بَيَانِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ لِتَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ وَنَوْعٌ مِنْهَا اخْتَلَفُوا فِي نَفَاذِهِ وَتَوَقُّفِهِ وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَقَبْضِ الدُّيُونِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُوقَفُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ، فَإِنْ أَسْلَمَ تَنْفُذُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ تَبْطُلُ، وَعِنْدَهُمَا تَنْفُذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ اهـ.
وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوَاهُ أَثْنَاءَ بَيَانِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ لِتَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ: وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِي تَوَقُّفِهِ نَحْوِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَقَبْضِ الدُّيُونِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ قُضِيَ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ تَبْطُلُ، وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ تَنْفُذُ فِي الْحَالِ اهـ.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الثِّقَاتِ، حَتَّى أَنَّ صَاحِبَ الْوِقَايَةِ قَالَ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ: وَتُوقَفُ مُفَاوَضَتُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ، إنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ وَحُكِمَ بِهِ بَطَلَ اهـ
(وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ (حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُودِهَا) لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ (عَلَى مَا عُرِفَ) فِي السِّيَرِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا مِنْ الْهِدَايَةِ: وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ
[ ٨ / ١٤٣ ]
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ الْمَأْذُونُ لَهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ الشَّرِيكَانِ فَافْتَرَقَا، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْوَكِيلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَقَاءَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ الْأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِالْحَجْرِ وَالْعَجْزِ وَالِافْتِرَاقِ
الْمُوَكِّلَ إذَا ارْتَدَّ تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ بِمُجَرَّدِ الِارْتِدَادِ بِدُونِ اللَّحَاقِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ وَارْتِدَادُهُ بَدَلُ قَوْلِهِ " وَلَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا " انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا خَبْطٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنَّ وَكَالَتَهُ لَا تَبْطُلُ قَبْلَ مَوْتِ مُوَكِّلَتِهِ الْمُرْتَدَّةِ أَوْ لُحُوقِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ، وَأُخِذَ مِنْهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُوَكِّلَ إذَا ارْتَدَّ تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ بِمُجَرَّدِ الِارْتِدَادِ بِدُونِ اللَّحَاقِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ ذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ نَافِذٌ قَبْلَ مَوْتِ مُوَكِّلَتِهِ الْمُرْتَدَّةِ أَوْ لُحُوقِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ بِالْإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ رَجُلًا فَارْتَدَّ فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ لَيْسَ بِنَافِذٍ هُنَاكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ ارْتِدَادِ مُوَكِّلِهِ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فَافْتَرَقَا. وَأَمَّا بُطْلَانُ الْوَكَالَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ اللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَانْتَظَمَ السِّبَاقُ وَاللَّحَاقُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْوَكِيلِ عَلَى وَكَالَتِهِ فِي صُورَةِ إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فِيمَا خَلَا التَّوْكِيلَ بِالتَّزْوِيجِ فَإِنَّ رِدَّتَهَا تُخْرِجُ الْوَكِيلَ بِالتَّزْوِيجِ مِنْ الْوَكَالَةِ لِأَنَّهَا حِينَ كَانَتْ مَالِكَةً لِلْعَقْدِ وَقْتَ التَّوْكِيلِ تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ بِرِدَّتِهَا تَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَالِكَةً لِلْعَقْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَزْلًا مِنْهَا لِوَكِيلِهَا، فَبَعْدَمَا انْعَزَلَ لَا يَعُودُ وَكِيلًا إلَّا بِالتَّجْدِيدِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ) أَيْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَعَادَ إلَى الرِّقِّ (أَوْ الْمَأْذُونُ لَهُ) أَيْ أَوْ وَكَّلَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ (ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ وَكَانَ التَّوْكِيلُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ بِالْعُقُودِ أَوْ الْخُصُومَات (أَوْ الشَّرِيكَانِ) أَيْ أَوْ وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثَالِثًا بِشَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَلِهِ بِنَفْسِهِ (فَافْتَرَقَا) أَيْ فَافْتَرَقَ الشَّرِيكَانِ بَعْدَ التَّوْكِيلِ (فَهَذِهِ الْوُجُوهُ) أَيْ الْعَجْزُ وَالْحَجْرُ وَالِافْتِرَاقُ (تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْوَكِيلِ عَلِمَ). أَيْ عَلِمَ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَقَاءَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ الْأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ) أَيْ قِيَامُ الْأَمْرِ (بِالْحَجْرِ) فِي الْمَأْذُونِ لَهُ (وَالْعَجْزُ) فِي الْمُكَاتَبِ (وَالِافْتِرَاقُ) فِي الشَّرِيكَيْنِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ تَوْكِيلُ الْمُكَاتَبِ أَوْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ التَّقَاضِي فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ التَّوْكِيلُ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ وَلَا بِالْحَجْرِ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلِيَهُ الْعَبْدُ لَا تَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ بَلْ يَبْقَى هُوَ مُطَالِبًا بِإِيفَائِهِ، وَلَهُ وِلَايَةُ مُطَالَبَةِ اسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ لَهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ بِعَقْدِهِ، فَإِذَا بَقِيَ حَقُّهُ بَقِيَ وَكِيلُهُ عَلَى الْوَكَالَةِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ الْعَجْزِ أَوْ الْحَجْرِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ بِمُبَاشَرَةٍ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَكِيلًا بِشَيْءٍ هُوَ وَلِيَهُ ثُمَّ افْتَرَقَا وَاقْتَسَمَا وَأَشْهَدَا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَمْضَى الْوَكِيلُ مَا وُكِّلَ بِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَ أَحَدِهِمَا فِي حَالِ بَقَاءِ عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ كَتَوْكِيلِهِمَا فَصَارَ وَكِيلًا مِنْ جِهَتِهِمَا جَمِيعًا فَلَا يَنْعَزِلُ بِنَقْضِهِمَا الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا عَنْ الْمَبْسُوطِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا لَا يَفْصِلُ بَيْنَ مَا وَلِيَهُ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَلِهِ، فَمَا الْفَارِقُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إذَا وُكِّلَ فِيمَا وَلِيَهُ كَانَ لِتَوْكِيلِهِ جِهَتَانِ: جِهَةُ مُبَاشَرَتِهِ، وَجِهَةُ كَوْنِهِ شَرِيكًا، فَإِنْ بَطَلَتْ جِهَةُ كَوْنِهِ شَرِيكًا بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ لَمْ تَبْطُلْ الْأُخْرَى وَهِيَ مُسْتَنِدَةٌ إلَى حَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَتَوْكِيلُ أَحَدِهِمَا فِيهَا كَتَوْكِيلِهِمَا فَتَبْقَى فِي حَقِّهِمَا، وَإِذَا وُكِّلَ فِيمَا لَمْ يَلِهِ كَانَ لِتَوْكِيلِهِ جِهَةُ كَوْنِهِ شَرِيكًا لَا غَيْرُ قَدْ بَطَلَتْ بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ فَتَبْطُلُ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ وَكِيلًا بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا جَازَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ اسْتِحْسَانًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ وَكِيلٌ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إذَا لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ وَكِيلٍ فُوِّضَ الْأَمْرُ إلَيْهِ عَلَى الْعُمُومِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُمَا تَحْصِيلُ الرِّبْحِ وَذَلِكَ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِتَصَرُّفٍ
[ ٨ / ١٤٤ ]
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ
وَاحِدٍ فَصَارَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ بِالتَّوْكِيلِ.
قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ جَمِيعُهُ جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ إلَّا فِي الشَّرِيكَيْنِ. وَفِيمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ نَظَرٌ. إلَى هُنَا لَفْظُهُ، يَعْنِي أَنَّ أَحَدَ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ أَوْ الْمُفَاوَضَةِ إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا ثُمَّ افْتَرَقَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى؛ أَلَا يَرَى إلَى مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ: وَإِذَا وَكَّلَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَكِيلًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْت لَك وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ ذَلِكَ ثُمَّ افْتَرَقَا وَاقْتَسَمَا وَأَشْهَدَا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ إنَّ الْوَكِيلَ أَمْضَى الَّذِي كَانَ وُكِّلَ بِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا وَكَّلَاهُ جَمِيعًا لِأَنَّ وَكَالَةَ أَحَدِهِمَا جَائِزَةٌ عَلَى الْآخَرِ، وَلَيْسَ تَفَرُّقُهُمَا يَنْقُضُ الْوَكَالَةَ، إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ وَكَالَةِ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ أَبْهَمَ الْأَمْرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَلَامِ الْقُدُورِيِّ، وَالْغَالِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّ الْقُدُورِيَّ أَرَادَ بِذَلِكَ الْوَكَالَةَ الثَّانِيَةَ فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ لَا الْوَكَالَةَ الِابْتِدَائِيَّةَ الْقَصْدِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمُتَضَمِّنَ وَهُوَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ إذَا بَطَلَ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ لَا مَحَالَةَ، وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَةِ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى، أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَةِ لَا مَحَالَةَ لَيْسَ بِتَامٍّ لَا مَحَالَةَ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْوَكَالَةَ الِابْتِدَائِيَّةَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ بِحَمْلِهِ عَلَى التَّوْكِيلِ بِشَيْءٍ لَمْ يَلِهِ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ كَمَا فَصَّلْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ: إذَا وَكَّلَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَكِيلًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْت لَك وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ ذَلِكَ احْتِرَازٌ عَنْ التَّوْكِيلِ بِشَيْءٍ لَمْ يَلِهِ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. لَا يُقَالُ: مُرَادُ صَاحِبِ الْغَايَةِ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ قَوْلِهِ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَةِ فَلَا يُنَافِيهِ التَّطْبِيقُ بِتَقْيِيدٍ وَتَأْوِيلِهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا الْمَعْنَى مُشْتَرَكُ الِالْتِزَامِ، فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ قَيَّدَهُ أَيْضًا، وَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ كَمَا تَرَى (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ) أَيْ لَا فَرْقَ فِي الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِسَبَبِ بُطْلَانِ الْوَكَالَةِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ (لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ حُكْمِيٌّ) أَيْ عَزْلٌ عَنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ (فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ) إذْ الْعِلْمُ شَرْطٌ لِلْعَزْلِ الْقَصْدِيِّ
[ ٨ / ١٤٥ ]
كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ.
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ الْوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ بَعْدَ جُنُونِهِ وَمَوْتِهِ
(وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا أَنْ يَعُودَ مُسْلِمًا قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَكَالَةَ إطْلَاقٌ لِأَنَّهُ
دُونَ الْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ (كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ) أَيْ إذَا بَاعَ مَا وَكَّلَ بِبَيْعِهِ الْمُوَكِّلُ حَيْثُ يَصِيرُ الْوَكِيلُ مَعْزُولًا حُكْمًا لِفَوَاتِ مَحَلِّ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا مَاتَ الْوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) لَمَّا فَرَّغَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُبْطِلَةِ لِلْوَكَالَةِ مِنْ جَانِبِ الْمُوَكِّلِ شَرَعَ فِي الْعَوَارِضِ الْمُبْطِلَةِ لَهَا مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا ذُكِرَ (لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ) أَيْ أَمْرُ الْوَكِيلِ (بَعْدَ جُنُونِهِ وَمَوْتِهِ) وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ مَأْمُورًا بِهِ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ لِدَوَامِهِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: هَاهُنَا شَائِبَةُ الِاسْتِدْرَاكِ، إذْ لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي النُّهَى أَنَّ ذِكْرَ كَوْنِ مَوْتِ الْوَكِيلِ مُبْطِلًا لِلْوَكَالَةِ قَلِيلُ الْجَدْوَى لِأَنَّهُ بَيِّنٌ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ. لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ دَفْعُ احْتِمَالِ جَرَيَانِ الْإِرْثِ مِنْ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ الْوَكَالَةِ. لِأَنَّا نَقُولُ: احْتِمَالُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فِي نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِرَأْيِ الْوَكِيلِ لَا بِرَأْيِ غَيْرِهِ لَا يَنْدَفِعُ بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا بِالنَّظَرِ إلَى الْوَكِيلِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْقَى صَحِيحًا بِالنَّظَرِ إلَى وَارِثِهِ الْحَيِّ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ
(وَإِنْ لَحِقَ) أَيْ الْوَكِيلُ (بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا أَنْ يَعُودَ) مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (مُسْلِمًا) هَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَإِنَّهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَبْسُوطِ: وَإِنْ لَحِقَ الْوَكِيلُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ وَهَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ ارْتَدَّ الْوَكِيلُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ انْتَقَضَتْ الْوَكَالَةُ لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَقَدَّرَ مَوْتَهُ أَوْ جَعَلَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ انْتَهَى.
كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا (قَالَ) أَيْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ لِلْوَكِيلِ عِنْدَ عَوْدِهِ مُسْلِمًا (عِنْدَ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ) أَيْ وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا (لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَكَالَةَ إطْلَاقٌ) أَيْ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكَالَةَ
[ ٨ / ١٤٦ ]
رُفِعَ الْمَانِعُ. أَمَّا الْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ وَإِنَّمَا عَجَزَ بِعَارِضِ اللَّحَاقِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِذَا زَالَ الْعَجْزُ وَالْإِطْلَاقُ بَاقٍ عَادَ وَكِيلًا. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ، لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ بِالْمِلْكِ وَبِاللَّحَاقِ لَحِقَ بِالْأَمْوَاتِ وَبَطَلَتْ الْوِلَايَةُ فَلَا تَعُودُ كَمِلْكِهِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ
بِتَأْوِيلِ التَّوْكِيلِ أَوْ الْعَقْدِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ (رُفِعَ الْمَانِعُ) فَإِنَّ الْوَكِيلَ كَانَ مَمْنُوعًا شَرْعًا عَنْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ لِمُوَكِّلِهِ، فَإِذَا وَكَّلَهُ رُفِعَ الْمَانِعُ (أَمَّا الْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ) أَيْ بِالْوَكِيلِ: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَحْدُثُ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ وَوِلَايَةٌ، بَلْ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ وَهِيَ الْعَقْلُ وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَالذِّمَّةُ الصَّالِحَةُ لَهُ.
(وَإِنَّمَا عَجَزَ) أَيْ وَإِنَّمَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ التَّصَرُّفِ (بِعَارِضِ اللَّحَاقِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ الْإِطْلَاقَ بَاقٍ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ عُرُوضِ هَذَا الْعَارِضِ، وَلَكِنْ إنَّمَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ التَّصَرُّفِ بِهَذَا الْعَارِضِ (فَإِذَا زَالَ الْعَجْزُ وَالْإِطْلَاقُ بَاقٍ عَادَ وَكِيلًا) وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَحَّتْ الْوَكَالَةُ لِحَقِّ الْمُوَكِّلِ وَحَقُّهُ قَائِمٌ بَعْدَ لَحَاقِ الْوَكِيلِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّصَرُّفِ بِعَارِضٍ وَالْعَارِضُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَ يَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَبَقِيَ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ زَمَانًا ثُمَّ أَفَاقَ (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ) أَيْ التَّوْكِيلَ (إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ) أَيْ تَمْلِيكُ وِلَايَةِ تَنْفِيذِ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ لَا إثْبَاتُ وِلَايَةِ أَصْلِ التَّصَرُّفِ لَهُ (لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ) ثَابِتَةٌ لَهُ (بِأَهْلِيَّتِهِ) لِجِنْسِ التَّصَرُّفِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ بِالْمِلْكِ) أَيْ وَتَمْلِيكُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ مُلْصَقٌ بِالْمِلْكِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ بِلَا مِلْكٍ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فَكَانَ الْوَكِيلُ مَالِكًا لِلتَّنْفِيذِ بِالْوَكَالَةِ (وَبِاللَّحَاقِ) أَيْ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ (لَحِقَ) أَيْ الْوَكِيلُ (بِالْأَمْوَاتِ) فَبَطَلَ الْمِلْكُ (وَبَطَلَتْ الْوِلَايَةُ) أَيْ إذَا بَطَلَتْ الْوِلَايَةُ بَطَلَ التَّوْكِيلُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ (فَلَا تَعُودُ) أَيْ الْوِلَايَةُ: يَعْنِي إذَا بَطَلَتْ الْوِلَايَةُ فَلَا تَعُودُ (كَمِلْكِهِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ) فَإِنَّهُ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ تَعْتِقُ أُمُّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرُهُ ثُمَّ بِعَوْدِهِ مُسْلِمًا لَا يَعُودُ مِلْكُهُ فِيهِمَا وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ، فَكَذَلِكَ الْوِلَايَةُ الَّتِي بَطَلَتْ لَا تَعُودُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَحِقَ بِالْأَمْوَاتِ إلَى أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ: قَالَ صَاحِبُ
[ ٨ / ١٤٧ ]
وَلَوْ عَادَ الْمُوَكِّلُ مُسْلِمًا وَقَدْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ فِي الظَّاهِرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تَعُودُ كَمَا قَالَ فِي الْوَكِيلِ. وَالْفَرْقُ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمِلْكِ وَقَدْ زَالَ وَفِي حَقِّ الْوَكِيلِ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِهِ وَلَمْ يَزَلْ بِاللَّحَاقِ
الْعِنَايَةِ: بَقِيَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ: لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ فَإِنَّهُ بَعِيدُ التَّعَلُّقِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ فَيُقَالَ: الْوَكِيلُ لَهُ وِلَايَتَانِ: وِلَايَةُ أَصْلِ التَّصَرُّفِ، وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ، وَالْأُولَى ثَابِتَةٌ لَهُ قَبْلَ التَّوْكِيلِ وَبَعْدَهُ، وَالثَّانِيَةُ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِوَى التَّوْكِيلِ فَكَانَتْ ثَابِتَةً بِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى مَنْطُوقِ قَوْلِهِ إنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ بَعِيدُ التَّعَلُّقِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَفْهُومِ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا إثْبَاتَ وِلَايَةِ أَصْلِ التَّصَرُّفِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ مِنْ قَبْلُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ التَّوْكِيلَ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ لِلْوَكِيلِ لَا إثْبَاتُ وِلَايَةِ أَصْلِ التَّصَرُّفِ لَهُ، حَتَّى يَجُوزَ أَنْ تَعُودَ الْوَكَالَةُ بِعَوْدِ الْوَكِيلِ مُسْلِمًا كَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِأَهْلِيَّتِهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُثْبِتَهَا الْمُوَكِّلُ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ اعْتِبَارُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَنَقُولُ: هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ مَطْوِيَّةٍ مَفْهُومَةٍ مِنْ الْكَلَامِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الْمَقَامِ وَهِيَ لَا إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ لَهُ فَلَا إشْكَالَ عَلَى كُلِّ حَالٍ
. (وَلَوْ عَادَ الْمُوَكِّلُ مُسْلِمًا وَقَدْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) أَيْ وَقَدْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَقَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ (لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ فِي الظَّاهِرِ) أَيْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا) أَيْ الْوَكَالَةَ (تَعُودُ كَمَا قَالَ فِي الْوَكِيلِ) وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ يَقُولُ مُحَمَّدٌ: يَعُودُ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا عَادَ مُسْلِمًا عَادَ إلَيْهِ مَالُهُ عَلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ الْوَكَالَةُ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ فَيَعُودُ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ، كَمَا لَوْ وُكِّلَ بِبَيْعِ عَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَادَ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (وَالْفَرْقُ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ) يَعْنِي أَنَّ مُحَمَّدًا فَرَّقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ: أَيْ بَيْنَ ارْتِدَادِ الْوَكِيلِ وَبَيْنَ ارْتِدَادِ الْمُوَكِّلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حَيْثُ قَالَ بِعَوْدِ الْوَكَالَةِ فِي ارْتِدَادِ الْوَكِيلِ إذَا عَادَ مُسْلِمًا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَبِعَدَمِ عَوْدِهَا فِي ارْتِدَادِ الْمُوَكِّلِ إذَا عَادَ مُسْلِمًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
فَوَجْهُ الْفَرْقِ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (أَنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمِلْكِ وَقَدْ زَالَ) أَيْ وَقَدْ زَالَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ بِرِدَّتِهِ وَالْقَضَاءِ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ عَلَى الْبَتَاتِ (وَفِي حَقِّ الْوَكِيلِ) أَيْ وَمَبْنَى الْوَكَالَةِ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ (عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِهِ) أَيْ بِالْوَكِيلِ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ (وَلَمْ يَزَلْ) أَيْ وَلَمْ يَزَلْ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِهِ (بِاللَّحَاقِ) أَيْ بِلَحَاقِ الْوَكِيلِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ فَكَانَ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بَاقِيًا، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّصَرُّفِ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَرَّ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَسَوَّى بَيْنَ
[ ٨ / ١٤٨ ]
قَالَ (وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْتَظِمُ وُجُوهًا: مِثْلَ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ بِكِتَابَتِهِ فَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ فَفَعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ بِالْخُلْعِ فَخَالَعَهَا، بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا
الْفَصْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ عَوْدِ الْوَكَالَةِ فِيهِمَا مَعًا
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ) مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ أَوْ الْإِسْقَاطَاتِ (ثُمَّ تَصَرَّفَ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) إلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْتَظِمُ وُجُوهًا كَثِيرَةً) مِنْ الْمَسَائِلِ (مِثْلَ أَنْ يُوَكِّلَهُ) أَيْ الْآخَرُ (بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ) أَيْ عَبْدِ الْمُوَكِّلِ (أَوْ بِكِتَابَتِهِ) أَيْ بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ (فَأَعْتَقَهُ) أَيْ أَعْتَقَ ذَلِكَ الْعَبْدَ (أَوْ كَاتَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ) فَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ حِينَئِذٍ (أَوْ يُوَكِّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ) أَيْ أَوْ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ إيَّاهُ (أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ) أَيْ أَوْ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَهُ (فَفَعَلَهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ فَفَعَلَ الْمُوَكِّلُ مَا وَكَّلَ بِهِ بِنَفْسِهِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَزْلًا لِلْوَكِيلِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (أَوْ يُوَكِّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ) وَهُوَ الْمُوَكِّلُ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ (أَوْ وَاحِدَةً) أَيْ أَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً (وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا) فَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ هُنَاكَ أَيْضًا، وَلَا يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالثَّلَاثِ وَقَيَّدَ الْوَاحِدَةَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا مَا دُونَ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الْمُوَكِّلُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بَائِنَةً كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً. فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَلِّقَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَأَمَّا إذَا طَلَّقَهَا الْمُوَكِّلُ تَطْلِيقَاتٍ ثَلَاثًا فَلَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ طَلَاقَهَا لَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَا كَانَ الْمُوَكِّلُ فِيهِ قَادِرًا عَلَى الطَّلَاقِ كَانَ وَكِيلُهُ أَيْضًا قَادِرًا عَلَيْهِ، وَمَا لَا فَلَا، كَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: فِي هَذَا الْأَصْلِ نَوْعُ إشْكَالٍ إذْ لِطَالِبٍ أَنْ يَطْلُبَ الْفَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ هُنَاكَ لَوْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَبَانَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ، مَعَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَادِرٌ عَلَى تَزَوُّجِهَا بِنَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى فَلِمَ لَمْ يَقْدِرْ الْوَكِيلُ أَيْضًا عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى؟ وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ عَدَمَ قُدْرَةِ الْوَكِيلِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَإِذَا فَعَلَ مَرَّةً حَصَلَ الِامْتِثَالُ فَانْتَهَى حُكْمُ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْدِرَ الْوَكِيلُ عَلَى التَّطْلِيقِ بَعْدَ تَطْلِيقِ الْمُوَكِّلِ مُطْلَقًا فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ أَيْضًا. فَإِنْ قِيلَ: بُطْلَانُ الْوَكَالَةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالتَّزْوِيجِ بِتَزْوِيجِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى انْقِضَاءِ الْحَاجَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ. قُلْنَا: قَدْ انْقَضَتْ الْحَاجَةُ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ أَيْضًا بِتَطْلِيقِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ. لَا يُقَالُ: قَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى تَكْرَارِ الطَّلَاقِ تَشْدِيدًا لِلْفُرْقَةِ. لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّزَوُّجِ مَرَّةً أُخْرَى أَيْضًا فَلَمْ يَتَّضِحْ الْفَرْقُ فَتَأَمَّلْ (أَوْ بِالْخُلْعِ) أَيْ أَوْ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِأَنْ يُخَالِعَ امْرَأَتَهُ (فَخَالَعَهَا) أَيْ فَخَالَعَهَا الْمُوَكِّلُ (بِنَفْسِهِ) فَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ هُنَاكَ أَيْضًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ (لَمَّا
[ ٨ / ١٤٩ ]
تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ تَعَذَّرَ عَلَى الْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ وَأَبَانَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ انْقَضَتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ وَأَبَانَهَا لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْمُوَكِّلَ لِبَقَاءِ الْحَاجَةِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَالْعَزْلِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَاقِيَةٌ لِأَنَّهُ إطْلَاقٌ وَالْعَجْزُ قَدْ زَالَ
تَصَرَّفَ) فِيمَا وَكَّلَ بِهِ (بِنَفْسِهِ تَعَذَّرَ عَلَى الْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ) فِي ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ (فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ (حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا) أَيْ لَوْ تَزَوَّجَ الْمُوَكِّلُ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَكَّلَ الْآخَرَ بِتَزْوِيجِهَا مِنْهُ (بِنَفْسِهِ وَأَبَانَهَا) أَيْ أَبَانَهَا بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ. (لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ) أَيْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْمُبَانَةَ مِنْ الْمُوَكِّلِ مَرَّةً أُخْرَى (لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ انْقَضَتْ) أَيْ لِأَنَّ حَاجَةَ الْمُوَكِّلِ قَدْ انْقَضَتْ بِتَزَوُّجِهَا بِنَفْسِهِ. أَقُولُ: هَاهُنَا كَلَامٌ: أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ تَفْرِيعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَتَّى عَلَى التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِبُطْلَانِ الْوَكَالَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِي تَزَوُّجِهَا مَرَّةً أُولَى، فَهُوَ الَّذِي تَعَذَّرَ عَلَى الْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى مُوجِبِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ.
وَفَحْوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَكِيلِ تَزْوِيجُهَا مِنْ الْمُوَكِّلِ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَتَصَرَّفْ بِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ حَتَّى يَتَعَذَّرَ عَلَى الْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فِيهَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ أَدَاةَ التَّفْرِيعِ وَيَذْكُرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ كَمَا وَقَعَ فِي سَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ انْقَضَتْ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى تَزَوُّجِهَا مَرَّةً أُولَى قَدْ انْقَضَتْ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ هَذَا لَا يُنَافِي بَقَاءَ الْحَاجَةِ إلَى تَزَوُّجِهَا مَرَّةً أُخْرَى فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى تَزَوُّجِهَا مُطْلَقًا قَدْ انْقَضَتْ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، إذْ قَدْ يَحْتَاجُ الرَّجُلُ إلَى تَزَوُّجِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِرَارًا مُتَعَدِّدَةً لِأَسْبَابٍ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ.
فَالْأَوْلَى فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَإِذَا فَعَلَ مَرَّةً حَصَلَ الِامْتِثَالُ فَانْتَهَى حُكْمُ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَ الْوَكِيلُ الْمَرْأَةَ الَّتِي وُكِّلَ بِتَزْوِيجِهَا مِنْ الْمُوَكِّلِ (وَأَبَانَهَا) أَيْ وَأَبَانَهَا بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا حَيْثُ يَكُونُ (لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْمُوَكِّلَ) تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْمُبَانَةَ (لِبَقَاءِ الْحَاجَةِ) أَيْ لِبَقَاءِ حَاجَةِ الْمُوَكِّلِ إلَى تَزَوُّجِهَا (وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ فَبَاعَ الْمُوَكِّلُ ذَلِكَ الْعَبْدَ بِنَفْسِهِ يَعْنِي بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا (فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ) أَيْ فَلَوْ رُدَّ الْعَبْدُ عَلَى الْمُوَكِّلِ (بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى) رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ سِمَاعَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ (لِأَنَّ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُوَكِّلِ ذَلِكَ الْعَبْدَ بِنَفْسِهِ (مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ) حُكْمًا (فَصَارَ كَالْعَزْلِ) أَيْ فَصَارَ ذَلِكَ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ عَنْ الْوَكَالَةِ فَلَا يَعُودُ وَكِيلًا إلَّا بِتَجْدِيدِ الْوَكَالَةِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (أَنْ يَبِيعَهُ) أَيْ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الْعَبْدَ (مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَاقِيَةٌ لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بِتَأْوِيلِ التَّوْكِيلِ أَوْ الْعَقْدِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ وَقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ (إطْلَاقُ) أَيْ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ وَهُوَ بَاقٍ وَالِامْتِنَاعُ إنَّمَا كَانَ لِعَجْزِ الْوَكِيلِ عَنْ التَّصَرُّفِ بِخُرُوجِ الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ (وَالْعَجْزُ قَدْ زَالَ) أَيْ وَعَجْزُ الْوَكِيلِ قَدْ
[ ٨ / ١٥٠ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْهِبَةِ فَوَهَبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي الرُّجُوعِ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ الْحَاجَةِ. أَمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
زَالَ بِعَوْدِ الْعَبْدِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ فَعَادَتْ الْوَكَالَةُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا قَبِلَهُ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِغَيْرِ الْقَضَاءِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِغَيْرِ الْقَضَاءِ كَالْعَقْدِ الْمُبْتَدَإِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْوَكِيلُ غَيْرُهُمَا، فَكَانَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ اشْتَرَاهُ ابْتِدَاءً.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسْأَلَةَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ لِلْوَكِيلِ، وَوَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَمَةِ فَقَالَ: وَلَوْ بَاعَهَا الْوَكِيلُ أَوْ الْآمِرُ ثُمَّ رُدَّتْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهَا لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَسْخٌ مِنْ الْأَصْلِ وَعَادَتْ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ قَبِلَهَا الْمُوَكِّلُ بِالْعَيْبِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فِيهَا لِأَنَّ هَذَا السَّبَبَ كَالْعَقْدِ الْمُبْتَدَإِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْوَكِيلُ غَيْرُهُمَا فَكَانَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ اشْتَرَاهَا ابْتِدَاءً، وَكَذَلِكَ إنْ رَجَعَتْ إلَى الْمُوَكِّلِ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَعَلَّقَتْ بِالْمِلْكِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِلْكٌ جَدِيدٌ سِوَى الْأَوَّلِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْوَكَالَةِ إلَّا بِتَجْدِيدِ تَوْكِيلٍ مِنْ الْمَالِكِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَلَا فِي شَرْحِهِ لِلْإِمَامِ عَلَاءِ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيّ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ: وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَهَبَ عَبْدَهُ فَوَهَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ أَنْ يَهَبَهُ، مُحَمَّدٌ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ لَهُ لَمْ يَتَّضِحْ انْتَهَى.
فَقَدْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بَيَانَ وَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ (بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْهِبَةِ فَوَهَبَ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ) عَنْ هِبَتِهِ حَيْثُ (لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَ) مَرَّةً أُخْرَى بِالْإِجْمَاعِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ الْوَاهِبَ بِنَفْسِهِ (مُخْتَارٌ فِي الرُّجُوعِ فَكَانَ ذَلِكَ) أَيْ كَانَ رُجُوعُهُ مُخْتَارًا (دَلِيلَ عَدَمِ الْحَاجَةِ) إلَى الْهِبَةِ، إذْ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا لَمَا رَجَعَ عَنْهَا فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى نَقْضِ الْوَكَالَةِ (أَمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءٍ) أَيْ أَمَّا رَدُّ الْمَبِيعِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَلَى الْمُوَكِّلِ الْبَائِعِ بِنَفْسِهِ فَهُوَ (بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) أَيْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُوَكِّلِ الْبَائِعِ (فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلَ زَوَالِ الْحَاجَةِ) إلَى الْبَيْعِ. أَقُولُ: مِنْ الْعَجَائِبِ هَاهُنَا أَنَّ الشَّارِحَ الْعَيْنِيَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أَمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءٍ: أَيْ أَمَّا رَدُّ الْهِبَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَفِي شَرْحِ قَوْلِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ: أَيْ اخْتِيَارِ الْوَاهِبِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ رَدِّ الْهِبَةِ بِالِاخْتِيَارِ وَبَيْنَ رَدِّهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ كَيْفَ غَفَلَ عَنْ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْهِبَةِ بِمَا سَبَقَ مِنْ مَسْأَلَةِ تَوْكِيلِهِ بِالْبَيْعِ، وَمَاذَا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ (فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُوَكِّلِ (قَدِيمُ مِلْكِهِ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (أَنْ يَبِيعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ.
وَذُكِرَ فِي التَّتِمَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُشْبِهُ الْهِبَةَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بِالْبَيْعِ لَا تَنْقَضِي بِمُبَاشَرَةِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بَعْدَمَا بَاعَ يَتَوَلَّى حُقُوقَ الْعَقْدِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ، فَإِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَالْوَكَالَةُ بَاقِيَةٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَانِيًا بِحُكْمِهَا، أَمَّا الْوَكَالَةُ بِالْهِبَةِ فَتَنْقَضِي بِمُبَاشَرَةِ الْهِبَةِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ وَلَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ، فَإِذَا رَجَعَ الْمُوَكِّلُ فِي هِبَتِهِ عَادَ إلَيْهِ الْعَبْدُ وَلَا وَكَالَةَ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْوَكِيلُ مِنْ الْهِبَةِ ثَانِيًا انْتَهَى. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: ثُمَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ سِوَى الْعَزْلِ وَالنَّهْيِ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهَا بَيْنَ مَا إذَا عَلِمَ الْوَكِيلُ بِهَا أَوْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنْ الْوَكَالَةِ، لَكِنْ تَقَعُ الْمُفَارَقَةُ فِيهَا بَيْنَ الْبَعْضِ
[ ٨ / ١٥١ ]