قَالَ (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ ثُمَّ غَصَبَهُ رَجُلٌ وَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ الْقَطْعِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى قَطَعَ يَدَهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَصْبَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ، وَلَمْ يُوجَدْ الْقَاطِعُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَكَانَتْ
(بَابُ غَصْبِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ وَالْجِنَايَةِ فِي ذَلِكَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْمُدَبَّرِ فِي الْجِنَايَةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَا يُرَدُّ مِنْهُ وَذَكَرَ حُكْمَ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ وَفُتُورٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ وَجْهَ ذِكْرِ غَصْبِ الْعَبْدِ فِي هَذَا الْبَابِ كَانَ ضَائِعًا عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يُرَدُّ عَلَى الْمُدَبَّرِ وَيُرَدُّ مِنْهُ مِنْ قَبِيلِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْجِنَايَةِ مِنْهُ فَكَانَ مِنْ حُكْمِ الْمُدَبَّرِ فِي الْجِنَايَةِ. فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْمُدَبَّرِ فِي الْجِنَايَةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَا يُرَدُّ مِنْهُ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ بِمُلْحَقٍ بِالْمُدَبَّرِ فِي حُكْمِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ الْمُتَأَمِّلِ فِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّ مُلْحَقًا بِالْمُدَبَّرِ بَلْ بِالْعَبْدِ فِي كَوْنِهِ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذِكْرَ حُكْمِهِ فِي هَذَا الْبَابِ دُونَ الْبَابِ السَّابِقِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فِي قَوْلِهِ وَذِكْرِ حُكْمِ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ فِي الْجِنَايَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا وَمَا يُرَدُّ مِنْهُمَا وَذَكَرَ حُكْمَ مَنْ يَلْحَقُ بِهِمَا اهـ.
أَقُولُ: وَقَعَ فِيهِ تَدَارُكُ دَفْعِ الْمَحْذُورِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَحْذُورَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى تَقْرِيرِ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَلَكِنْ بَقِيَ الْمَحْذُورَانِ الْأَخِيرَانِ مِنْهَا وَارِدَيْنِ عَلَيْهِ أَيْضًا كَمَا تَرَى. وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: لَمَّا ذَكَرَ جِنَايَةَ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ جِنَايَتَهُمَا مَعَ غَصْبِهِمَا لِأَنَّ الْمُفْرَدَ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ ثُمَّ جَرَّ كَلَامُهُ إلَى بَيَانِ حُكْمِ غَصْبِ الصَّبِيِّ اهـ.
وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: هَذَا أَشْبَهُ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ أَمْكَنَ التَّقْرِيرُ بِأَحْسَنَ مِنْهُ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَصْبَ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ إلَخْ) وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، ثُمَّ عَلَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: إلَّا أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ مَذْهَبَنَا، فَإِنَّ الْغَصْبَ لَا يَقْطَعُ السِّرَايَةَ مَا لَمْ يَمْلِكْ الْبَدَلَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقَضَاءٍ أَوْ رِضًا، لِأَنَّ السِّرَايَةَ إنَّمَا تَقْطَعُ بِهِ بِاعْتِبَارِ تَبَدُّلِ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يَتَبَدَّلُ الْمِلْكُ بِهِ إذَا مَلَكَ الْبَدَلَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي آخِرِ رَهْنِ الْجَامِعِ وَالْبَابِ الثَّانِي مِنْ جِنَايَاتِهِ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ هُنَا قِيمَةَ الْعَبْدِ أَقْطَعَ لِأَنَّ السِّرَايَةَ وَإِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ فَالْغَصْبُ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَانْعَقَدَ سَبَبُ الضَّمَانِ فَلَا يَبْرَأُ عَنْهُ الْغَاصِبُ إلَّا إذَا ارْتَفَعَ الْغَصْبُ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَرْتَفِعُ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ، وَيَدُ الْغَاصِبِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَغْصُوبِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَيَدُ الْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ السِّرَايَةِ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً لِأَنَّ بَعْدَ الْغَصْبِ لَمْ تَثْبُتْ يَدُهُ عَلَى الْعَبْدِ حَقِيقَةً، وَالثَّابِتُ حُكْمًا دُونَ الثَّابِتِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْغَصْبُ بِاتِّصَالِ السِّرَايَةِ إلَى فِعْلِ الْمَوْلَى فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَنَى
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
السِّرَايَةُ مُضَافَةً إلَى الْبِدَايَةِ فَصَارَ الْمَوْلَى مُتْلِفًا فَيَصِيرُ مُسْتَرِدًّا، كَيْفَ وَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِرْدَادٌ فَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ عَنْ الضَّمَانِ.
قَالَ (وَإِذَا غَصَبَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ) لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ.
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى الْمَوْلَى فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً أُخْرَى فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّ الْمَوْلَى بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ أَعْجَزَ نَفْسَهُ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ فَيَصِيرُ مُبْطِلًا حَقَّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ إذْ حَقُّهُمْ فِيهِ وَلَمْ يَمْنَعْ إلَّا رَقَبَةً وَاحِدَةً فَلَا يُزَادُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَيَكُونُ بَيْنَ وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمُوجَبِ. قَالَ (وَيَرْجِعُ الْمَوْلَى بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْبَدَلِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعَبْدِ بِهَذَا السَّبَبِ.
عَلَيْهِ بَعْدَ الْغَصْبِ لِأَنَّ الْغَصْبَ يَرْتَفِعُ بِهَا، إلَى هُنَا كَلَامُ قَاضِي خَانْ. وَقَدْ نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِشَيْءٍ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَبَعْدَ أَنْ نَقَلَ مَا قَالَهُ قَاضِي خَانْ أَوْرَدَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ نَظَرًا حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ ثَابِتَةٌ حُكْمًا، فَإِنَّ يَدَ الْمَوْلَى ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا وَلَا يَثْبُتُ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ يَدَانِ حُكْمِيَّتَانِ بِكَمَالِهِمَا وَالْيَدُ الْحَقِيقِيَّةُ وَاجِبَةُ الرَّفْعِ لِكَوْنِهَا عُدْوَانًا لَا تَصْلُحُ مُعَارِضًا وَلَا مُرَجِّحًا انْتَهَى. أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ، إذْ لَا وَجْهَ لِمَنْعِ ثُبُوتِ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ حُكْمًا، فَإِنَّ مَعْنَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ حُكْمًا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تِلْكَ الْيَدِ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ
[ ١٠ / ٣٦٧ ]
قَالَ (وَيَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ فَيُسَلِّمُ لَهُ) لِأَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ عِوَضُ مَا سَلَّمَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى فَلَا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكِيلَا يَتَكَرَّرَ الِاسْتِحْقَاقُ. وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى فِي حَقِّهِ لَا يُزَاحِمُهُ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا انْتَقَصَ بِاعْتِبَارِ مُزَاحَمَةِ الثَّانِي فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ بَدَلِ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْمَالِكِ فَارِغًا يَأْخُذُهُ لِيُتِمَّ حَقَّهُ فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ يَرْجِعُ الْمَوْلَى بِمَا أَخَذَهُ
وُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا سَنَدُ مَنْعِهِ فَلَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا إذْ لَا مَحْذُورَ فِي أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ يَدَانِ حُكْمِيَّتَانِ بِكَمَالِهِمَا مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ ثُبُوتَ يَدِ الْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ سِرَايَةِ الْقَطْعِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ فِي يَدِهِ، وَثُبُوتُ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَاخْتَلَفَتْ الْجِهَتَانِ
(بَابُ غَصْبِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ وَالْجِنَايَةِ فِي ذَلِكَ) (قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ فَيُسَلِّمُ لَهُ، لِأَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ عِوَضُ مَا سَلَّمَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى فَلَا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ جَوَابًا عَنْهُ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامَيْنِ: وَهُمَا يَقُولَانِ لَيْسَ هَذَا عِوَضَ مَا أَخَذَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ عِوَضُ مَا أَخَذَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَجْتَمِعُ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ كَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضَ مَا أَخَذَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ وَقَعَتْ عِنْدَ الْمَوْلَى لَا عِنْدَ الْغَاصِبِ، فَأَنَّى يَصِحُّ أَنْ يَأْخُذَ الْمَوْلَى مِنْ الْغَاصِبِ عِوَضًا عَمَّا دَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ مُدَبَّرِهِ حَالَ كَوْنِهِ فِي يَدِهِ، وَالْعُهْدَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى ذِي الْيَدِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا لَا رَيْبَ فِيهِ. وَعَنْ هَذَا فَرَّقَ مُحَمَّدٌ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ الَّتِي هِيَ عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ وَافَقَ الْإِمَامَيْنِ هُنَاكَ كَمَا سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَوْلَى مَلَكَ مَا قَبَضَهُ مِنْ الْغَاصِبِ وَدَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى فَلَا يَجْتَمِعُ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ، إلَّا أَنَّ فِي تَقْرِيرِهِ مَسَاغَ التَّخَلُّصِ عَمَّا أَوْرَدْنَاهُ عَلَى تَقْرِيرِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ اعْتَبَرَ التَّعَارُضَ فِي جَانِبِ الدَّفْعِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى لَا فِي جَانِبِ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ.
ثُمَّ إنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ إلَى الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ حَيْثُ قَالَ: وَجَوَابُهُ مَا قَالَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ أَنَّ مَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْ الْغَاصِبِ هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْمَدْفُوعِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى مِنْ الْعَبْدِ فِيمَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَالْغَاصِبِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى فَلَا يُعْتَبَرُ بَدَلًا عَنْ الْعَبْدِ بَلْ يُعْتَبَرُ بَدَلًا عَنْ الْمَيِّتِ وَيَكُونُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بَدَلًا عَنْ عَيْنٍ فِي حَقِّ إنْسَانٍ، وَيَكُونُ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَالنَّصْرَانِيِّ إذَا بَاعَ الْخَمْرَ وَقَضَى مِنْهُ دَيْنَ الْمُسْلِمِ يَجُوزُ وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ بَدَلَ الْخَمْرِ فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ وَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِ بَدَلَ دَيْنِهِ كَذَا هَاهُنَا اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى فِي حَقِّهِ لَا يُزَاحِمُهُ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا انْتَقَصَ بِاعْتِبَارِ مُزَاحَمَةِ الثَّانِي إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُقَارِنَةً لِلْأُولَى حُكْمًا فَكَيْفَ يَكُونُ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ الْقِيمَةِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَ جَنَى عِنْدَ الْمَوْلَى فَغَصَبَهُ رَجُلٌ فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً أُخْرَى فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ عَلَى الْغَاصِبِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النِّصْفِ حَصَلَ بِالْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ إذْ كَانَتْ هِيَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَيَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعَبْدِ فَقَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَجَنَى فِي يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهُ فَجَنَى جِنَايَةً أُخْرَى فَإِنَّ الْمَوْلَى يَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَيَدْفَعُهُ إلَى الْأَوَّلِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَرْجِعُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَيُسَلِّمُ لَهُ)، وَإِنْ جَنَى عِنْدَ الْمَوْلَى ثُمَّ غَصَبَهُ فَجَنَى فِي يَدِهِ دَفَعَهُ الْمَوْلَى نِصْفَيْنِ وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ فَيَدْفَعُهُ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ (وَالْجَوَابُ فِي الْعَبْدِ كَالْجَوَابِ فِي الْمُدَبَّرِ) فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ يَدْفَعُ الْمَوْلَى الْعَبْدَ وَفِي الْأَوَّلِ يَدْفَعُ الْقِيمَةَ.
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى الْمَوْلَى ثُمَّ غَصَبَهُ ثُمَّ جَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّهُ مَنَعَ رَقَبَةً وَاحِدَةً بِالتَّدْبِيرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ (ثُمَّ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّ الْجِنَايَتَيْنِ كَانَتَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ (فَيَدْفَعُ نِصْفَهَا إلَى الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا انْتَقَصَ بِحُكْمِ الْمُزَاحِمَةِ مِنْ بُعْدٍ. قَالَ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِهِ وَيُسَلِّمُ لَهُ، وَلَا يَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، وَلَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي النِّصْفِ لِسَبْقِ حَقِّ الْأَوَّلِ وَقَدْ وَصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ كَالْأُولَى، وَقِيلَ عَلَى
الْمُقَارَنَةَ جُعِلَتْ حُكْمًا فِي حَقِّ التَّضْمِينِ لَا غَيْرُ، وَالْأُولَى مُتَقَدِّمَةٌ حَقِيقَةً وَقَدْ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِكُلِّ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ مُزَاحِمٍ وَأَمْكَنَ تَوْفِيرُ مُوجَبِهَا فَلَا يَمْتَنِعُ بِلَا مَانِعٍ اهـ.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُقَارَنَةَ جُعِلَتْ حُكْمًا فِي التَّضْمِينِ لَا غَيْرُ بَلْ جُعِلَتْ حُكْمًا أَيْضًا فِي حَقِّ مُشَارَكَةِ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى كَمَا أَرْشَدَ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُقَارِنَةٌ حُكْمًا مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا يُشَارِكُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ الْأُولَى اهـ.
فَإِذَا جُعِلَتْ الْمُقَارَنَةُ حُكْمًا فِي حَقِّ مُشَارَكَةِ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا كَانَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ مُزَاحِمًا لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى فِي اسْتِحْقَاقِهِ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، فَكَيْفَ يَأْخُذُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى وَحْدَهُ كُلَّ الْقِيمَةِ مَعَ مُزَاحَمَةِ وَلِيِّ الثَّانِيَةِ لَهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ الِاعْتِبَارُ لِتَقَدُّمِ الْأُولَى حَقِيقَةً دُونَ الْمُقَارَنَةِ الْحُكْمِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ وَلِيُّ الثَّانِيَةِ شَيْئًا مِنْ قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ الشَّافِي.
(بَابُ غَصْبِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ وَالْجِنَايَةِ فِي ذَلِكَ) (قَوْلُهُ وَلَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي النِّصْفِ لِسَبْقِ حَقِّ الْأَوَّلِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ يَتَعَلَّقُ رَأْسًا بِنِصْفِ
[ ١٠ / ٣٦٩ ]
الِاتِّفَاقِ. وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ فِي الْأُولَى الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ عِوَضٌ عَمَّا سَلَّمَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ كَانَتْ فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ثَانِيًا يَتَكَرَّرُ الِاسْتِحْقَاقُ، فَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ لِحُصُولِهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا فَمَاتَ فِي يَدِهِ فَجْأَةً أَوْ بِحُمَّى فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ صَاعِقَةٍ أَوْ نَهْسَةِ حَيَّةٍ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْغَاصِبِ الدِّيَةُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ الْغَصْبَ فِي الْحُرِّ لَا يَتَحَقَّقُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُكَاتَبًا صَغِيرًا لَا يَضْمَنُ مَعَ أَنَّهُ حُرٌّ يَدًا، فَإِذَا كَانَ الصَّغِيرُ حُرًّا رَقَبَةً وَيَدًا أَوْلَى. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ وَلَكِنْ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، وَهَذَا إتْلَافٌ تَسْبِيبًا لِأَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ أَوْ إلَى مَكَانِ الصَّوَاعِقِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّوَاعِقَ وَالْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعَ لَا تَكُونُ فِي كُلِّ مَكَان، فَإِذَا نَقَلَهُ إلَيْهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ وَقَدْ
الْقِيمَةِ لَا بِكُلِّهَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي النِّصْفِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُونَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى الْمَوْلَى بَيْنَ وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ نِصْفَيْنِ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا: ثُلُثَاهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، وَثُلُثُهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى قَدْ تَعَلَّقَ بِكُلِّ الْقِيمَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا قَبْلُ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْقِيمَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ يَكُونُ حَقُّهُ فِي الْقِيمَةِ نِصْفَ حَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَضَارَبَا فِي الْقِيمَةِ بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا فِيهَا، إذْ قَدْ مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ أَنَّ جِنَايَاتِ الْمُدَبَّرِ إذَا تَوَالَتْ لَا تُوجِبُ إلَّا قِيمَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْ الْمَوْلَى إلَّا فِي رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَوْلِيَاءُ الْجِنَايَاتِ يَتَضَارَبُونَ بِالْحِصَصِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ يَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِكُلِّ الْقِيمَةِ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ نِصْفُهَا بِالتَّزَاحُمِ فَيَكُونُ حَقُّهُ الْبَاقِي لَهُ نِصْفُهَا، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي النِّصْفِ يَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ الْمَوْلَى مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ثَانِيًا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ فِي كُلِّ الْقِيمَةِ كَوْنُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ نِصْفُهَا بِالتَّزَاحُمِ، فَلَمَّا انْدَفَعَ التَّزَاحُمُ بِوُصُولِ حَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى إلَيْهِ بِتَمَامِهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي النِّصْفِ السَّاقِطِ بِالتَّزَاحُمِ إلَيْهِ كَحَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى.
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنْ يَخْتَارَ الشِّقَّ الثَّانِيَ، وَيُقَالُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ: إنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ الْقِيمَةِ ثُمَّ يُنْتَقَصُ نِصْفُهَا بِتَزَاحُمِ الثَّانِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ بِالْكُلِّيَّةِ وَحَقُّ الثَّانِي أَيْضًا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّهَا وَلَكِنْ يَسْقُطُ نِصْفُهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِتَزَاحُمِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِ الْأَوَّلِ عِنْدَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، فَانْعَقَدَتْ سَبَبًا مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ كُلِّ الْقِيمَةِ، وَانْتِقَاصُ حَقِّهِ إنَّمَا كَانَ يُعَارِضُ حُدُوثَ الْمُزَاحَمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهَا وُجِدَتْ وَالْمُزَاحِمُ مُقَارِنٌ فَلَمْ تَنْعَقِدْ سَبَبًا مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ فَسَقَطَ مَا وَرَاءَ النِّصْفِ وَالسَّاقِطُ مُتَلَاشٍ فَلَا يَعُودُ كَمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ، وَمَرَّ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى مِنْ الْكِتَابِ، هَذَا غَايَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْكَلَامِ فِي تَوْجِيهِ الْمَقَامِ.
(قَوْلُهُ فَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ لِحُصُولِهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ
[ ١٠ / ٣٧٠ ]
أَزَالَ حِفْظَ الْوَلِيِّ فَيُضَافُ إلَيْهِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْعِلَّةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعِلَّةِ إذَا كَانَ تَعَدِّيًا كَالْحَفْرِ فِي الطَّرِيقِ، بِخِلَافِ الْمَوْتِ فَجْأَةً أَوْ بِحُمَّى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ، حَتَّى لَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ الْحُمَّى وَالْأَمْرَاضُ نَقُولُ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِكَوْنِهِ قَتْلًا تَسْبِيبًا.
قَالَ (وَإِذَا أُودِعَ صَبِيٌّ عَبْدًا فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ أُودِعَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَعَلَى هَذَا إذَا أُودِعَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ مَالًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ فِي الْحَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِقْرَاضُ وَالْإِعَارَةُ فِي الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: صَبِيٌّ قَدْ عَقَلَ، وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي صَبِيٍّ ابْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ لَهُمَا أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا مَعْصُومًا حَقًّا لِمَالِكِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَمَا إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ عَبْدًا وَكَمَا إذَا أَتْلَفَهُ غَيْرُ الصَّبِيِّ فِي يَدِ الصَّبِيِّ الْمُودَعِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ كَمَا إذَا أَتْلَفَهُ بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ حَقًّا لَهُ وَقَدْ فَوَّتَهَا عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ وَضَعَ الْمَالَ
الثَّانِيَةَ وَإِنْ حَصَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَكِنْ أَخَذَ الْمَوْلَى مِنْهُ حَقَّهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَبْقَ لِوَلِيِّهَا اسْتِحْقَاقٌ حَتَّى يَجْعَلَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْغَاصِبِ ثَانِيًا فِي مُقَابَلَةِ مَا أَخَذَهُ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ نَاشِئٌ مِنْ غَلَطٍ فِي اسْتِخْرَاجِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ ﵀، فَإِنَّ الشَّارِحَ الْمَذْكُورَ زَعَمَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِمَا يُجْعَلُ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي قَوْلِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ ثَانِيًا فَبَنَى نَظَرَهُ الْمَزْبُورَ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ النِّصْفُ الَّذِي كَانَ حَقًّا لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ وَرَجَعَ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي ضِمْنِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِالْكُلِّ فَلَا اتِّجَاهَ أَصْلًا لِمَا قَالَ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ.
[ ١٠ / ٣٧١ ]
فِي يَدٍ مَانِعَةٍ فَلَا يَبْقَى مُسْتَحِقًّا لِلنَّظَرِ إلَّا إذَا أَقَامَ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي الْحِفْظِ، وَلَا إقَامَةَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا لِلصَّبِيِّ عَلَى نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْبَالِغِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ لِأَنَّ لَهُمَا وِلَايَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ عَبْدًا لِأَنَّ عِصْمَتَهُ لِحَقِّهِ إذْ هُوَ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَهُ غَيْرُ الصَّبِيِّ فِي يَدِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ سَقَطَتْ الْعِصْمَةُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الصَّبِيِّ الَّذِي وَضَعَ فِي يَدِهِ الْمَالَ دُونَ غَيْرِهِ. قَالَ (وَإِنْ اسْتَهْلَكَ مَالًا ضَمِنَ) يُرِيدُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إيدَاعٍ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يُؤَاخَذُ بِأَفْعَالِهِ، وَصِحَّةُ الْقَصْدِ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(بَابُ الْقَسَامَةِ)
قَالَ (وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَحَلَّةٍ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ اُسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ.
لَمَّا كَانَ أَمْرُ الْقَتِيلِ يَئُولُ إلَى الْقَسَامَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ قَاتِلَهُ ذَكَرَهَا فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ فِي آخِرِ الدِّيَاتِ. ثُمَّ إنَّ الْقَسَامَةَ فِي اللُّغَةِ:
[ ١٠ / ٣٧٢ ]
يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اسْتَحْلَفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَقْضِي لَهُمْ بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ خَطَأً. وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي بِالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَوْتُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ظَاهِرٍ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ،
اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْإِقْسَامِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ أَخْذًا مِنْ الْمُغْرِبِ. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: الْقَسَامَةُ لُغَةً مَصْدَرُ أَقْسَمَ قَسَامَةً أَوْ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْإِقْسَامِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يُرَى وَجْهُ صِحَّةٍ لِكَوْنِ الْقَسَامَةِ مَصْدَرَ أَقْسَمَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دُرْبَةٌ بِعِلْمِ الْأَدَبِ وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَهِيَ أَيْمَانٌ يُقْسِمُ بِهَا أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ بِهِ أَثَرُ جِرَاحَةٍ يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَمَا عَلِمْتُ لَهُ قَاتِلًا كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا إذَا وَجَدَ الْقَتِيلَ لَا فِي مَحَلَّةٍ وَلَا فِي دَارٍ بَلْ فِي مَوْضِعٍ خَارِجٍ مِنْ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ قَرِيبٍ مِنْهُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ الصَّوْتُ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا قَسَامَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ بَنَى الْكَلَامَ عَلَى مَا هُوَ الْأَكْثَرُ وُقُوعًا، لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَعْرِيفٍ لِمَعْنَى الْقَسَامَةِ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا وَمَانِعًا كَمَا لَا يَخْفَى. فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ قُيُودٌ وَيُقَالُ: هِيَ فِي الشَّرِيعَةِ أَيْمَانٌ يُقْسِمُ بِهَا أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ أَوْ مَوْضِعٍ خَارِجٍ مِنْ مِصْرَ أَوْ قَرْيَةٍ قَرِيبٍ مِنْهُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ الصَّوْتُ مِنْهُ إذَا وُجِدَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا قَتِيلٌ بِهِ أَثَرٌ لَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُ وَلَا عَلِمْتُ لَهُ قَاتِلًا. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا شَرْعًا فَمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ فِي الْمَحَلَّةِ أَوْ دَارِ رَجُلٍ فِي الْمِصْرِ إنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ أَثَرُ خَنْقٍ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ كُلٌّ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَلَا عَلِمْتُ لَهُ قَاتِلًا
انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ سَمَاجَةٌ لَا تَخْفَى، فَإِنَّ مَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةُ الْقَسَامَةِ لَا تَفْسِيرُ الْقَسَامَةِ شَرْعًا، فَإِنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرَاتِ، وَمَا ذُكِرَ فِيهَا تَصْدِيقٌ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِيَّاتِ كَمَا تَرَى، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ تَفْسِيرُ الْقَسَامَةِ شَرْعًا بِتَدْقِيقِ النَّظَرِ، لَكِنَّهُ فِي مَوْضِعِ بَيَانِ مَعْنَى الْقَسَامَةِ شَرْعًا فِي أَوَّلِ الْبَابِ تَعَسُّفٌ خَارِجٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ. ثُمَّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَأَمَّا شَرْطُهَا فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُقْسِمُ رَجُلًا بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْقَسَامَةِ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمَيِّتِ الْمَوْجُودِ أَثَرُ الْقَتْلِ، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ. وَمِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا تَكْمِيلُ الْيَمِينِ بِالْخَمْسِينَ انْتَهَى. وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ. أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ شُرُوطَهَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ بِمَا ذَكَرَ، فَإِنَّ مِنْهَا أَيْضًا أَنْ لَا يُعْلَمَ قَاتِلُهُ، فَإِنْ عُلِمَ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَكِنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْقَتِيلُ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلَا قَسَامَةَ فِي بَهِيمَةٍ وُجِدَتْ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ وَلَا غُرْمَ فِيهَا. وَمِنْهَا الدَّعْوَى مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَمِينٌ وَالْيَمِينُ لَا تَجِبُ بِدُونِ الدَّعْوَى كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى. وَمِنْهَا إنْكَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَظِيفَةُ الْمُنْكِرِ، وَمِنْهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْقَسَامَةِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّ الْمُدَّعِي وَحَقُّ الْإِنْسَانِ يُوفَى عِنْدَ طَلَبِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَيْمَانِ. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ مِلْكًا لِأَحَدٍ أَوْ فِي يَدِ أَحَدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَا فِي يَدِ أَحَدٍ أَصْلًا فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْقَتِيلُ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْمِلْكِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ فَمَذْهَبُهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ الْيَمِينَ بَلْ يَرُدُّهَا عَلَى الْوَلِيِّ، فَإِنْ حَلَفُوا لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبَدَاءِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ قَوْلُهُ ﵊ لِلْأَوْلِيَاءِ «فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ» وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ، فَإِذَا كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَلِيِّ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ وَرَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي أَصْلٌ لَهُ كَمَا فِي النُّكُولِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فِيهَا نَوْعُ شُبْهَةٍ وَالْقِصَاصُ لَا يُجَامِعُهَا وَالْمَالُ يَجِبُ مَعَهَا فَلِهَذَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَدَأَ بِالْيَهُودِ بِالْقَسَامَةِ وَجَعَلَ
فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ فِي قِنٍّ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ مَأْذُونٍ وُجِدَ قَتِيلًا فِي دَارِ مَوْلَاهُ. نَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى هَاتِيك الشُّرُوطِ كُلِّهَا بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ زِيَادَةِ تَفْصِيلٍ. فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ بَعْضِ الشُّرُوطِ وَتَرْكِ أَكْثَرِهَا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارِ مُكَاتَبٍ فَعَلَيْهِ الْقَسَامَةُ، وَإِذَا حَلَفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدِّيَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ، وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ، فَمَا مَعْنَى جَعْلِ كَوْنِ الْمُقْسِمِ حُرًّا مِنْ شُرُوطِهَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُكَاتَبُ حُرٌّ يَدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا رَقَبَةً كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَمَرَّ فِي الْبَابِ السَّابِقِ فَوُجِدَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْقَسَامَةِ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَشَرْطُهَا بُلُوغُ الْمُقْسِمِ وَعَقْلُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَوُجُودُ أَثَرِ الْقَتْلِ فِي الْمَيِّتِ وَتَكْمِيلُ الْيَمِينِ خَمْسِينَ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْإِخْلَالِ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِاشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي الْمُقْسِمِ مَعَ كَوْنِهَا شَرْطًا أَيْضًا. ثُمَّ أَقُولُ: فِي إمْكَانِ تَوْجِيهِ ذَلِكَ احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اكْتَفَى فِي إفَادَةِ ذَلِكَ الشَّرْطِ أَيْضًا بِتَذْكِيرِ لَفْظِ الْمُقْسِمِ فِي قَوْلِهِ: بُلُوغُ الْمُقْسِمِ، وَبِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَعَقْلُهُ وَحُرِّيَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ تَغْلِيبُ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ شَائِعًا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْقَسَامَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي مَسْأَلَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهِيَ مَا سَيَجِيءُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةٍ لِامْرَأَةٍ؛ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهَا الْقَسَامَةُ تُكَرَّرُ عَلَيْهَا الْأَيْمَانُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَسَامَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَيْضًا فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ أَهْلًا لِلْقَسَامَةِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُمَا.
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ فَمَذْهَبُهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا) أَقُولُ: فِي تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا قُصُورٌ بَلْ اخْتِلَالٌ: أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَذْهَبَ الْخَصْمِ مِثْلُ مَذْهَبِنَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَوْثٌ: أَيْ قَرِينَةٌ حَالَ تَوَقُّعٍ فِي الْقَلْبِ صَدَقَ الْمُدَّعِي سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ اللَّوْثُ مِنْ قِبَلِ عَلَامَةِ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ كَالدَّمِ، أَمْ مِنْ قِبَلِ ظَاهِرٍ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي كَعَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالثَّانِي كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ بَعْدَ عَطْفِ قَوْلِهِ أَوْ ظَاهِرٍ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي فِيمَا قُبِلَ عَلَى قَوْلِهِ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَوْثٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ إيرَادَ الضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ فِي قَوْلِهِ فَمَذْهَبُهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِيمَا قَبْلُ مَذْهَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَإِنْ قَالَ: اللَّوْثُ عِنْدَهُمَا إلَخْ مِنْ قَبِيلِ الْإِغْلَاقِ حَيْثُ لَا يُفْهَمُ أَنَّ مَرْجِعَهُ أَيٌّ مِنْهُمَا، وَعَنْ هَذَا حَمَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ عَلَى مَالِكٍ فَحَقُّ الْمَقَامِ الْإِظْهَارُ دُونَ الْإِضْمَارِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ») أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ ﵊ «وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» إنْ أَفَادَ قَصْرَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ مِنْ أَنَّ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» وَلِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ وَحَاجَةُ الْوَلِيِّ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمَالَ الْمُبْتَذَلَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهِ النَّفْسَ الْمُحْتَرَمَةَ. وَقَوْلُهُ يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ إشَارَةً إلَى أَنَّ خِيَارَ تَعْيِينِ الْخَمْسِينَ إلَى الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْ يَتَّهِمُهُ بِالْقَتْلِ أَوْ يَخْتَارُ صَالِحِي أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِمَا أَنَّ تَحَرُّزَهُمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ أَبْلَغُ التَّحَرُّزِ فَيَظْهَرُ الْقَاتِلُ، وَفَائِدَةُ الْيَمِينِ النُّكُولُ، فَإِنْ كَانُوا لَا يُبَاشِرُونَ وَيَعْلَمُونَ يُفِيدُ يَمِينَ الصَّالِحِ عَلَى الْعِلْمِ بِأَبْلَغَ مِمَّا يُفِيدُ يَمِينُ الطَّالِحِ، وَلَوْ اخْتَارُوا أَعْمَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ جَازَ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ.
قَالَ (وَإِذَا حَلَفُوا قَضَى عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِالدِّيَةِ وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْوَلِيُّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ﵁ «تُبَرِّئُكُمْ الْيَهُودُ بِأَيْمَانِهَا» وَلِأَنَّ
الْجِنْسِ إذَا جُعِلَ مُبْتَدَأً فَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْخَبَرِ نَحْوُ " الْكَرَمُ التَّقْوَى وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ " وَ«الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْيَمِينِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى حَيْثُ اسْتَدَلَّ فِيهِ عَلَى أَنْ لَا يُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَقَالَ: فِي وَجْهِهِ جَعْلُ جِنْسِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكَرِينَ وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ انْتَهَى.
لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ تَحْلِيفُ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ مَعَ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَجِيءُ، وَجَعَلَ إطْلَاقَ جَوَابِ الْكِتَابِ دَلِيلًا عَلَيْهِ وَقَالَ: وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْمَبْسُوطِ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ قَوْلُهُ ﵊ «وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» قَصْرَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يُثْبِتُ الْمُدَّعَى هَاهُنَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ بِهِ الْمُدَّعَى هُنَا بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ ذَكَرَ قَوْلَهُ الْمَزْبُورَ بِطَرِيقِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ أَيْضًا فِي بَابِ الْيَمِينِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى حَيْثُ قَالَ: وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَسْمٌ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَجَعَلَ جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُنَافَاةَ الْقِسْمَةِ الشَّرِكَةَ إنَّمَا تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْلِفَ الْمُدَّعِي لَا أَنْ لَا يَحْلِفَ غَيْرُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِي صُورَةِ إنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ. نَعَمْ يَلْزَمُ أَنْ يُنْتَقَضَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْيَمِينِ وَجُعِلَ جِنْسُ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ تَأَمَّلْ تَقِفْ.
(قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ الْيَمِينِ النُّكُولُ، فَإِذَا كَانُوا لَا يُبَاشِرُونَ وَيَعْلَمُونَ يُفِيدُ يَمِينَ الصَّالِحِ عَلَى الْعِلْمِ بِأَبْلَغَ مِمَّا يُفِيدُ يَمِينُ الطَّالِحِ) أَقُولُ: لَا فَائِدَةَ هُنَا لِذِكْرِ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ وَفَائِدَةُ الْيَمِينِ النُّكُولُ، بَلْ فِيهِ خَلَلٌ لِأَنَّ مُوجَبَ النُّكُولِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَبْسُ النَّاكِلِ حَتَّى يَحْلِفَ لَا الْقَضَاءُ بِمَا ادَّعَاهُ الْوَلِيُّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ الْيَمِينِ عَلَى الصَّالِحِ فِي إظْهَارِهِ الْقَاتِلَ تَحَرُّزًا عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبِ لَا فِي مُجَرَّدِ نُكُولِهِ حَتَّى يَلْزَمَ الْمَصِيرُ إلَى ذِكْرِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَزْبُورَةِ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ فَائِدَةِ الْيَمِينِ النُّكُولُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي بَابِ الْقَسَامَةِ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِيهِ مُسْتَحَقَّةٌ لِذَاتِهَا تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ وَلِهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدِّيَةِ، بِخِلَافِ النُّكُولِ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكِتَابِ، فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ هَاهُنَا، وَلَقَدْ أَصْلَحَ صَاحِبُ الْكَافِي تَقْرِيرَ هَذَا الْمَحَلِّ حَيْثُ قَالَ: وَلَهُ أَنَّ مُخْتَارَ الْمَشَايِخِ وَالصُّلَحَاءِ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ يَتَحَرَّزُونَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَحَرَّزُ الْفَسَقَةُ، فَإِذَا عَلِمُوا الْقَاتِلَ فِيهِمْ أَظْهَرُوهُ وَلَمْ يَحْلِفُوا انْتَهَى، بَقِيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ إشْكَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بَعْضٌ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَاتِلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ أَوْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ لِكَوْنِهِمْ مُتَّهَمِينَ بِدَفْعِ الْخُصُومَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
الْيَمِينَ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ مُبَرِّئًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا مُلْزِمًا كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ جَمَعَ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَسَامَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَهْلٍ وَفِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَكَذَا جَمَعَ عُمَرُ ﵁ بَيْنَهُمَا عَلَى وَادِعَةَ. وَقَوْلُهُ ﵊ «تُبَرِّئُكُمْ الْيَهُودُ» مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبْرَاءِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْحَبْسِ،
وَسَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ تَفْصِيلُهُ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي اسْتِحْلَافِهِمْ عَلَى الْعِلْمِ رَأْسًا، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الثِّقَاتِ حَامَ حَوْلَ حَلِّ هَذَا الْإِشْكَالِ سِوَى صَاحِبِ الْبَدَائِعِ فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: أَيَّةُ فَائِدَةٍ فِي الِاسْتِحْلَافِ عَلَى الْعِلْمِ وَهُمْ لَوْ عَلِمُوا الْقَاتِلَ فَأَخْبَرُوا بِهِ لَكَانَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ لِأَنَّهُمْ يُسْقِطُونَ بِهِ الضَّمَانَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَكَانُوا مُتَّهَمِينَ دَافِعِينَ الْغُرْمَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا شَهَادَةَ لِجَارِّ الْمَغْنَمِ وَلَا لِدَافِعِ الْمَغْرَمِ» قِيلَ: إنَّمَا اُسْتُحْلِفُوا عَلَى الْعِلْمِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ هَكَذَا وَرَدَتْ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فَاتُّبِعْتِ السُّنَّةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقَلَ فِيهِ الْمَعْنَى. ثُمَّ فِيهِ فَائِدَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ عَبْدًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ، لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ بِالْقَتْلِ الْخَطَإِ صَحِيحٌ فَيُقَالُ لَهُ: ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ وَيَسْقُطُ الْحُكْمُ عَنْ غَيْرِهِ فَكَانَ التَّحْلِيفُ عَلَى الْعِلْمِ مُفِيدًا، وَجَائِزٌ أَنْ يُقِرَّ عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَصَدَّقَهُ مَوْلَاهُ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ وَيَسْقُطُ الْحُكْمُ عَنْ غَيْرِهِ فَكَانَ مُفِيدًا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ التَّحْلِيفُ عَلَى الْعِلْمِ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ بَقِيَ هَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْ الْحَالِفِينَ عَبْدٌ كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ رَمَلَ فِي الطَّوَافِ إظْهَارًا لِلْجَلَادَةِ وَالْقُوَّةِ لِلْكَفَرَةِ وَيَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَظْهَرَ الْيَوْمَ الْجَلَادَةَ مِنْ نَفْسِهِ» ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَبَقِيَ الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ كَذَا هَذَا.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَمَرَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا بِالْقَتْلِ، فَلَوْ أَقَرَّ بِهِ يَلْزَمُهُ فِي مَالِهِ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ لَهُ قَاتِلًا، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلِمْتُ لَهُ قَاتِلًا وَهُوَ الصَّبِيُّ الَّذِي أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ لَكَانَ حَاصِلُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ الْحُكْمُ عَنْ غَيْرِهِ فَكَانَ مُفِيدًا، إلَى هُنَا لَفْظُ الْبَدَائِعِ فَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْك
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ جَمَعَ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَسَامَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَهْلٍ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُجْرِ الْقَسَامَةَ بَيْنَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، «وَإِنَّمَا وَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ» عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَنَقَلَهُ الشُّرَّاحُ هُنَا انْتَهَى. أَقُولُ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى وُجُوبِ الْقَسَامَةِ عَلَى الْيَهُودِ بِقَوْلِهِ «تُبَرِّئُكُمْ الْيَهُودُ بِأَيْمَانِهَا» وَإِنَّمَا لَمْ يُجْرِ الْقَسَامَةَ بَيْنَهُمْ لِعَدَمِ طَلَبِ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ إيَّاهَا حَيْثُ قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ لَا يُبَالُونَ مَا حَلَفُوا عَلَيْهِ، وَمُطَالَبَةُ وَلِيِّ الْقَتِيلِ بِالْقَسَامَةِ شَرْطٌ لِإِجْرَائِهَا عَلَى الْخُصُومِ كَمَا عَرَفْته فِيمَا مَرَّ أَثْنَاءَ أَنْ ذَكَرْنَا شُرُوطَ الْقَسَامَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ نَقْلًا عَنْ الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا وَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ عَلَى سَبِيلِ الْحَمَالَةِ عَنْهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ إلَيْهِمْ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ هُنَا حَيْثُ قَالَا بَعْدَ نَقْلِ الْحَدِيثِ: إنَّمَا وَدَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ لِأَنَّهُ تَجُوزُ الْحَمَالَةُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ قَضَاءَ دَيْنِ الْغَيْرِ بِرٌّ لَهُ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ إلَيْهِمْ حَتَّى جَازَ عِنْدَنَا صَرْفُ الْكَفَّارَاتِ إلَيْهِمْ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْرَاضِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى.
ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّوْجِيهِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حُثْمَةَ كَمَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ كَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ قَصْرًا عَلَى الزُّهْرِيِّ وَأَخْرَجَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ فِي مُصَنَّفِهِ، وَمِنْهُمْ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ رَوَاهُ أَيْضًا فِي مُصَنَّفِهِ،
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
وَكَذَا الْيَمِينُ مُبَرِّئَةٌ عَمَّا وَجَبَ لَهُ الْيَمِينُ وَالْقَسَامَةُ مَا شُرِعَتْ لِتَجِبَ الدِّيَةُ إذَا نَكَلُوا، بَلْ شُرِعَتْ لِيَظْهَرَ الْقِصَاصُ بِتَحَرُّزِهِمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَيُقِرُّوا بِالْقَتْلِ، فَإِذَا حَلَفُوا حَصَلَتْ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْقِصَاصِ.
ثُمَّ الدِّيَةُ تَجِبُ بِالْقَتْلِ الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَا بِنُكُولِهِمْ، أَوْ وَجَبَتْ بِتَقْصِيرِهِمْ فِي الْمُحَافَظَةِ كَمَا فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ (وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ الْيَمِينَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) لِأَنَّ الْيَمِينَ فِيهِ مُسْتَحَقَّةٌ لِذَاتِهَا تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ وَلِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ،
وَمِنْهُمْ الْوَاقِدِيُّ رَوَاهُ فِي مَغَازِيهِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ. فَإِيجَابُ النَّبِيِّ ﷺ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْيَهُودِ صَرِيحٌ بَيِّنٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إجْمَالًا مِنْ قَبْلُ حَيْثُ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَدَأَ بِالْيَهُودِ فِي الْقَسَامَةِ وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» وَفَصَّلَهُ الشُّرَّاحُ حَيْثُ قَالُوا: رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَرَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَتِيلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وُجِدَ فِي جُبِّ الْيَهُودِ بِخَيْبَرَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ «فَأَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودَ الدِّيَةَ وَالْقَسَامَةَ» انْتَهَى.
وَكَذَا أَمْرُ إيجَابِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ مَعًا عَلَى الْيَهُودِ ظَاهِرٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ: إنَّ هَذَا قَتِيلٌ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَمَا الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْكُمْ؟ فَكَتَبُوا لَهُ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَعَتْ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى ﵊ أَمْرًا، فَإِنْ كُنْت نَبِيًّا فَاسْأَلْ اللَّهَ تَعَالَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَانِي أَنْ أَخْتَارَ مِنْكُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ تَغْرَمُونَ الدِّيَةَ، قَالُوا: لَقَدْ قَضَيْت فِينَا بِالنَّامُوسِ: أَيْ بِالْوَحْيِ» كَذَا ذُكِرَ الْحَدِيثُ فِي الْكَافِي وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا، فَظَهَرَ أَنَّ مَنْشَأَ الْبَحْثِ الْمَزْبُورِ عَدَمُ الْإِحَاطَةِ بِجَوَانِبِ الْمَقَامِ خَبَرًا.
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْيَمِينُ تُبَرِّئُ عَمَّا وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ وَالْقَسَامَةُ مَا شُرِعَتْ لِتَجِبَ الدِّيَةُ إذَا نَكَلُوا بَلْ شُرِعَتْ لِيَظْهَرَ الْقِصَاصُ بِتَحَرُّزِهِمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَيُقِرُّوا بِالْقَتْلِ، فَإِذَا حَلَفُوا حَصَلَتْ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْقِصَاصِ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْجَوَابِ هُوَ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ مُبَرِّئًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا ادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْقَتْلَ الْعَمْدَ، فَإِنَّ الْمُوجَبَ حِينَئِذٍ هُوَ الْقِصَاصُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فَإِنْ حَلَفُوا حَصَلَتْ الْبَرَاءَةُ عَنْهُ، وَأَمَّا فِيمَا إذَا ادَّعَى الْقَتْلَ خَطَأً فَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُوجَبَ حِينَئِذٍ هُوَ الدِّيَةُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُقِرُّوا بِهِ، فَإِذَا حَلَفُوا لَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ عَنْهَا بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا عِنْدَنَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَلِيُّ الْقَتِيلِ وَإِنْ ادَّعَى الْقَتْلَ الْخَطَأَ يَحْلِفُ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ بِأَنَّا مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا بِإِطْلَاقِ الْقَتْلِ عَنْ قَيْدِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فَيَجُوزُ إنْ وَقَعَ الْقَتْلُ مِنْهُمْ عَمْدًا وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْوَلِيُّ بَلْ ظَنَّ أَنَّهُمْ قَتَلُوا قَرِيبَهُ خَطَأً. فَلَوْ أَقَرُّوا فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ تَحَرُّزًا عَنْ الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ بِنَاءً عَلَى إطْلَاقِ الْقَتْلِ فِي تَحْلِيفِهِمْ لَظَهَرَ الْقِصَاصُ، فَإِذَا حَلَفُوا حَصَلَتْ الْبَرَاءَةُ عَنْهُ قَطْعًا. فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَتْ دَعْوَى الْوَلِيِّ مَخْصُوصَةً بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ كَيْفَ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْقَتْلِ عِنْدَ التَّحْلِيفِ وَهَلْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ؟ قُلْت: لَا غَرْوَ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ قَتْلَ قَرِيبِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً اُسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا كَمَا اُسْتُحْلِفَ كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَاهُ عَلَى جَمِيعِهِمْ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنْ حَلَّ هَذَا الْمَحَلُّ بِهَذَا الْوَجْهِ مِمَّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ فِي تَصْحِيحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَإِنْ كَانَ يَرَى تَعَسُّفًا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الدِّيَةُ تَجِبُ بِالْقَتْلِ الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَا بِنُكُولِهِمْ) أَقُولُ: لَا وَجْهَ لِذِكْرِ قَوْلِهِ لَا بِنُكُولِهِمْ هُنَا، بَلْ الْحَقُّ أَنْ يَذْكُرَ بَدَلَهُ لَا بِأَيْمَانِهِمْ لِأَنَّا الْآنَ بِصَدَدِ بَيَانِ مُوجَبِ أَيْمَانِهِمْ، وَأَمَّا مُوجَبُ نُكُولِهِمْ فَإِنَّمَا يَأْتِي بَيَانُهُ مِنْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ الْيَمِينَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ فَلَا ارْتِبَاطَ لِقَوْلِهِ لَا بِنُكُولِهِمْ بِمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ الدِّيَةُ تَجِبُ بِالْقَتْلِ الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ ظَاهِرًا إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا مُلْزِمًا كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى: يَعْنِي مَا عُهِدَ الْيَمِينُ فِي الشَّرْعِ مُلْزِمًا كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، فَالدَّافِعُ لَهُ أَنْ يُقَالَ: الدِّيَةُ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَتْلِ الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ ظَاهِرًا لَا بِأَيْمَانِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ الْيَمِينُ مُلْزِمًا هُنَا كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، فَقَوْلُهُ لَا بِنُكُولِهِمْ حَشْوٌ مَحْضٌ فِي دَفْعِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اللَّازِمُ أَنْ يُقَالَ بَدَلَهُ لَا بِأَيْمَانِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ الْيَمِينَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: هَذَا إذَا ادَّعَى
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
بِخِلَافِ النُّكُولِ فِي الْأَمْوَالِ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ عَنْ أَصْلِ حَقِّهِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِبَذْلِ الْمُدَّعِي وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَسْقُطُ بِبَذْلِ الدِّيَةِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، وَكَذَا إذَا ادَّعَى عَلَى الْبَعْضِ لَا بِأَعْيَانِهِمْ وَالدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ أَوْ الْخَطَإِ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَيَّزُونَ عَنْ الْبَاقِي، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى الْبَعْضِ بِأَعْيَانِهِمْ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْمَبْسُوطِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّ فِي الْقِيَاسِ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنْ الْبَاقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، وَيُقَالُ لِلْوَلِيِّ أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ لَا يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَاهُ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا عُرِفَ بِالنَّصِّ فِيمَا إذَا كَانَ فِي مَكَان يُنْسَبُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْقَتْلَ عَلَيْهِمْ، وَفِيمَا وَرَاءَهُ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَصَارَ كَمَا إذَا ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ.
الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَمْدًا، أَمَّا إذَا ادَّعَاهُ خَطَأً فَنَكَلَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا يُحْبَسُونَ لِيَحْلِفُوا انْتَهَى. وَأَمَّا سَائِرُ الشُّرَّاحِ فَلَمْ يُقَيِّدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَاهُنَا مِثْلَ مَا قَيَّدَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ قَالَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ: حُكْمُ الْقَسَامَةِ الْقَضَاءُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ إنْ حَلَفُوا، وَالْحَبْسُ حَتَّى يَحْلِفُوا إنْ أَبَوْا لَوْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْعَمْدَ، وَلَوْ ادَّعَى الْخَطَأَ فَالْقَضَاءُ بِالدِّيَةِ عِنْدَ النُّكُولِ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ مَا ذَكَرَاهُ هُنَاكَ يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ هُنَا. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ إطْلَاقِ جَوَابِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ هُنَا وَمِنْ اقْتِضَاءِ دَلِيلِهَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِنْ دَلَالَةِ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، وَكَذَا إذَا ادَّعَى عَلَى الْبَعْضِ لَا بِأَعْيَانِهِمْ، وَالدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ أَوْ الْخَطَأِ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ إلَى أَنْ يَحْلِفَ النَّاكِلُ مُوجَبَ النُّكُولِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ صُورَتَيْ دَعْوَى الْعَمْدِ وَدَعْوَى الْخَطَإِ، وَعَنْ هَذَا تَرَى أَصْحَابَ الْمُتُونِ قَاطِبَةً أَطْلَقُوا جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَذَا أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْيَمِينِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا انْتَهَى.
وَكَذَا حَالُ سَائِرِ ثِقَاتِ الْأَئِمَّةِ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْغَايَةِ تَنَبَّهَ لِهَذَا حَيْثُ قَالَ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ: حُكْمُ الْقَسَامَةِ الْقَضَاءُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا حَلَفُوا بَرِئُوا، وَأَمَّا إذَا أَبَوْا الْقَسَامَةَ فَيُحْبَسُونَ حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا انْتَهَى فَإِنَّهُ جَرَى فِي بَيَانِ حُكْمِهَا أَيْضًا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا تَرَى. ثُمَّ أَقُولُ: التَّحْقِيقُ هَاهُنَا هُوَ أَنَّ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُمْ إنْ نَكَلُوا حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُمْ إنْ نَكَلُوا لَا يُحْبَسُونَ بَلْ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِلَا تَقْيِيدٍ بِدَعْوَى الْخَطَإِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ وَحَلَّفَ الْقَاضِي خَمْسِينَ رَجُلًا فَنَكَلُوا عَنْ الْحَلِفِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا، هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُحْبَسُونَ، وَلَكِنْ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَالِكٍ: هَذَا قَوْلُهُ الْآخَرُ، وَكَانَ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْيَمِينِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَ اُسْتُحْلِفَ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ نَكَلَ فِي النَّفْسِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَزِمَهُ الْأَرْشُ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا انْتَهَى، فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُوجَبُ النُّكُولِ فِي الْقَسَامَةِ أَيْضًا هُوَ الْقَضَاءُ بِالدِّيَةِ دُونَ الْحَبْسِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِنْ ادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْقِصَاصَ مَعَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنْ يَكُونَ مُوجَبُ النُّكُولِ فِي الْقَسَامَةِ هُوَ الْحَبْسُ إلَى الْحَلِفِ بِلَا خِلَافٍ فِيهِ مِنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، نَعَمْ قَدْ ذُكِرَ أَيْضًا فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ أَنَّهُ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِأَنَّهُ لَا فَصْلَ فِي إطْلَاقِ النُّصُوصِ بَيْنَ دَعْوًى وَدَعْوًى فَنُوجِبُهُ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، فَلَوْ أَوْجَبْنَاهُمَا لَأَوْجَبْنَاهُمَا بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ حُكْمُ ذَلِكَ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ إذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ اسْتَحْلَفَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَسَامَةٍ لِانْعِدَامِ النَّصِّ وَامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ.
ثُمَّ إنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ وَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ ثَبَتَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقِصَاصِ فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافٍ مَضَى فِي كِتَابِ الدَّعْوَى. قَالَ (وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ كُرِّرَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَتِمَّ خَمْسِينَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا قَضَى فِي الْقَسَامَةِ وَافَى إلَيْهِ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا فَكَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ حَتَّى تَمَّتْ خَمْسِينَ ثُمَّ قَضَى بِالدِّيَةِ.
وَعَنْ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْخَمْسِينَ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ فَيَجِبُ إتْمَامُهَا مَا أَمْكَنَ، وَلَا يُطْلَبُ فِيهِ الْوُقُوفُ عَلَى الْفَائِدَةِ لِثُبُوتِهَا بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ فِيهِ اسْتِعْظَامُ أَمْرِ الدَّمِ، فَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ كَامِلًا فَأَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يُكَرِّرَ عَلَى أَحَدِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى التَّكْرَارِ ضَرُورَةُ الْإِكْمَالِ. قَالَ (وَلَا قَسَامَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَالْيَمِينُ قَوْلٌ صَحِيحٌ. قَالَ (وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا عَبْدٍ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْيَمِينُ عَلَى أَهْلِهَا.
قَالَ (وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتِيلٍ، إذْ الْقَتِيلُ فِي الْعُرْفِ مَنْ فَاتَتْ حَيَاتُهُ بِسَبَبٍ يُبَاشِرُهُ حَيٌّ وَهَذَا مَيِّتٌ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَالْغَرَامَةُ تَتْبَعُ فِعْلَ الْعَبْدِ وَالْقَسَامَةُ تَتْبَعُ احْتِمَالَ الْقَتْلِ ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَسَمُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِهِ أَثَرٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ قَتِيلًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ، وَكَذَا إذَا كَانَ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِفِعْلٍ مِنْ جِهَةِ الْحَيِّ عَادَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ فِيهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَخَارِجِ عَادَةً بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّهِيدِ.
(وَلَوْ وُجِدَ بَدَنُ الْقَتِيلِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْبَدَنِ أَوْ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فِي مَحَلَّةٍ فَعَلَى أَهْلِهَا الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، وَإِنْ وُجِدَ نِصْفُهُ مَشْقُوقًا
يَقْضِي بِالدِّيَةِ فِي الْقَسَامَةِ أَيْضًا عِنْدَ النُّكُولِ، لَكِنْ يَبْقَى إشْكَالُ التَّنَافِي بَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَقَامَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِأَنَّهُ لَا فَصْلَ فِي إطْلَاقِ النُّصُوصِ بَيْنَ دَعْوَى وَدَعْوَى فَنُوجِبُهُ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ) أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ إطْلَاقَهَا بِحَسَبِ لَفْظِهَا فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يُجْدِي هُنَا نَفْعًا، إذْ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يَخْتَصُّ بِمَوْرِدِهِ، وَالنُّصُوصُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَارِدَةٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَوْرِدِهَا، وَهُوَ مَا إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَكَان يُنْسَبُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْقَتْلَ عَلَيْهِمْ كَمَا ذُكِرَ فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ أَرَادَ بِإِطْلَاقِهَا إطْلَاقَهَا بِحَسَبِ الْمَوْرِدِ أَيْضًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ إذْ لَمْ يُسْمَعْ فِي حَقِّ الْقَسَامَةِ نَصٌّ وَرَدَ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى بَعْضٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَتَبَّعَ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا الْبَابِ.
(قَوْلُهُ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا عَبْدٍ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْيَمِينُ عَلَى أَهْلِهَا) أَقُولُ: يُشْكِلُ إطْلَاقُ هَذَا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةٍ تَجِيءُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةٍ لِامْرَأَةٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهَا الْقَسَامَةُ يُكَرَّرُ عَلَيْهَا الْأَيْمَانُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَالْقَسَامَةُ أَيْضًا عَلَى الْعَاقِلَةِ انْتَهَتْ، وَسَيَجِيءُ
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
بِالطُّولِ أَوْ وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ أَوْ وُجِدَ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ رَأْسُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ فِي الْبَدَنِ، إلَّا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ، بِخِلَافِ الْأَقَلِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَنٍ وَلَا مُلْحَقٍ بِهِ فَلَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ، وَلِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَاهُ تَتَكَرَّرُ الْقَسَامَتَانِ وَالدِّيَتَانِ بِمُقَابَلَةِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَلَا تَتَوَالَيَانِ،
فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا مِنْ الْجَوَابِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْخَلَلِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ فِي الْبَدَنِ إلَّا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ، بِخِلَافِ الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَنٍ وَلَا مُلْحَقَ بِهِ فَلَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ) يَعْنِي أَنَّ وُجُوبَ الْقَسَامَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَوُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي كُلِّ الْبَدَنِ وَأَكْثَرُ الْبَدَنِ كُلٌّ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلًّا حَقِيقَةً، فَأُلْحِقَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ بِالْبَدَنِ فِي وُجُوبِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ بِكُلٍّ أَصْلًا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. أَقُولُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ بَدَنُ الْقَتِيلِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْبَدَنِ أَوْ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فِي مَحَلَّةٍ فَعَلَى أَهْلِهَا الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ. وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يُفِيدُ وُجُوبَ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِيمَا إذَا وُجِدَ بَدَنُ الْقَتِيلِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْبَدَنِ فِي هَاتِيكَ الْمَحَلَّةِ لَا فِيمَا إذَا وُجِدَ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فِيهَا، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ فِيهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ كُلُّ الْبَدَنِ وَلَا أَكْثَرُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ وَلَا مُلْحَقًا بِهِ فَلَمْ يَتِمَّ التَّقْرِيبُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: النِّصْفُ إذَا كَانَ مَعَهُ الرَّأْسُ يَصِيرُ فِي حُكْمِ أَكْثَرِ الْبَدَنِ بِنَاءً عَلَى شَرَفِ الرَّأْسِ وَكَوْنِهِ أَصْلًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَيَصِيرُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ شَامِلًا لِمَا هُوَ الْأَكْثَرُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ.
ثُمَّ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَنٍ وَلَا مُلْحَقٍ بِهِ فَلَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ قَاصِرٌ عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْمَقْصُودِ، إذْ قَدْ ذَكَرَ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ إنْ وُجِدَ نِصْفُهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ أَوْ وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ أَوْ وُجِدَ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ رَأْسُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ إلَخْ لَا يَشْمَلُ مَا وُجِدَ نِصْفُهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ فَلَا يَحْصُلُ تَمَامُ التَّقْرِيبِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: بِخِلَافِ الْأَقَلِّ وَالنِّصْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ الرَّأْسُ إلَخْ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْغَايَةِ ذَاقَ هَذِهِ الْبَشَاعَةَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ بَدَلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ إلَخْ وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ بِكُلٍّ أَصْلًا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ اهـ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِوَارِدٍ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ بَلْ هُوَ إلْحَاقٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَا مُلْحَقٍ بِهِ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَنٍ وَلَا مُلْحَقٍ بِهِ، وَاَلَّذِي لَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الْقِيَاسُ لَا دَلَالَةُ النَّصِّ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَاهُ تَتَكَرَّرُ الْقَسَامَتَانِ وَالدِّيَتَانِ بِمُقَابَلَةِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَلَا تَتَوَالَيَانِ) يَعْنِي لَوْ وَجَبَتْ بِالْأَقَلِّ لَوَجَبَتْ بِالْأَكْثَرِ أَيْضًا إذَا وُجِدَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَبَتْ بِالنِّصْفِ لَوَجَبَتْ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ أَيْضًا إذَا وُجِدَ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَتَكَرَّرَ الْقَسَامَتَانِ وَالدِّيَتَانِ فِي مُقَابَلَةِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذْ لَمْ تُشْرَعَا مُكَرَّرَتَيْنِ قَطُّ. قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: يَتَكَرَّرُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ وَلَا يَذْكُرُهُمَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الْقَسَامَتَيْنِ وَالدِّيَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَصَدَ
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمَوْجُودَ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ الْبَاقِي تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ لَا تَجِبُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ الْبَاقِي لَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ تَجِبُ، وَالْمَعْنَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي هَذَا تَنْسَحِبُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَرَّرُ.
(وَلَوْ وُجِدَ فِيهِمْ جَنِينٌ أَوْ سِقْطٌ لَيْسَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ فَلَا شَيْءَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) لِأَنَّهُ لَا يَفُوقُ الْكَبِيرُ حَالًّا (وَإِنْ كَانَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ وَهُوَ تَامُّ الْخَلْقِ وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَامَّ الْخَلْقِ يَنْفَصِلُ حَيًّا (وَإِنْ كَانَ نَاقِصَ الْخَلْقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ مَيِّتًا لَا حَيًّا.
صَاحِبُ الْعِنَايَةِ تَوْجِيهَ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْقَسَامَتَانِ وَالدِّيَتَانِ عَلَى الْقِطْعَتَيْنِ يَتَكَرَّرَانِ فِي خَمْسِينَ نَفْسًا انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ أَيْمَانٍ يَقْسِمُ بِهَا خَمْسُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَكَذَا الدِّيَةُ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ مَا وَجَبَ مِنْ الْمَالِ بِمُقَابَلَةِ دَمِ إنْسَانٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَحَقَّقَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ خَمْسِينَ نَفْسًا حَتَّى يَصِحَّ تَوْجِيهُ تَكَرُّرِ الْقَسَامَتَيْنِ وَالدِّيَتَيْنِ عَلَى الْقِطْعَتَيْنِ بِتَكَرُّرِهِمَا فِي خَمْسِينَ نَفْسًا، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ فِي آحَادِ خَمْسِينَ نَفْسًا بَعْضُ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ لِأَنْفُسِهِمَا، وَالْكَلَامُ فِي إسْنَادِ التَّكَرُّرِ إلَى نَفْسِ الْقَسَامَتَيْنِ وَالدِّيَتَيْنِ فَلَا مَسَاغَ لِذَلِكَ التَّوْجِيهِ.
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمَوْجُودَ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ الْبَاقِي تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ لَا تَجِبُ إلَخْ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَاقِي نِصْفَ الْقَتِيلِ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ مَثَلًا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ لَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ، إذْ قَدْ صَرَّحَ فِيمَا قَبْلُ بِأَنَّهُ إنْ وَجَدَ نِصْفَهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ حِينَئِذٍ فِي الْمَوْجُودِ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِيمَا قَبْلُ فَانْتَقَضَ بِمِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وَجَدَ الْبَاقِي لَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ تَجِبُ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ وَلَوْ وُجِدَ فِيهِمْ جَنِينٌ أَوْ سَقْطٌ لَيْسَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ فَلَا شَيْءَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) أَقُولُ: فِي تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِهَذَا الْأَدَاءِ فُتُورٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْجَنِينَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ كُتُبِ اللُّغَةِ الْوَلَدُ مَا دَامَ فِي الْبَطْنِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِمْ جَنِينٌ وَحْدَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؟ أَمَّا وُجُودُهُ مَعَ أُمِّهِ فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ لِكَوْنِ الْحُكْمِ هُنَاكَ لِلْأُمِّ دُونَ الْجَنِينِ. وَالثَّانِي أَنَّ ذِكْرَ الْجَنِينِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ السِّقْطِ، لِأَنَّ السِّقْطَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْوَلَدُ الَّذِي سَقَطَ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَالْجَنِينُ يَعُمُّ تَامَّ الْخَلْقِ وَغَيْرَ تَامِّهِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ غَيْرُ كَافٍ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ، إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ أَثَرُ الْجِرَاحَةِ وَالْخَنْقِ أَيْضًا كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا سَبَقَ. فَالِاقْتِصَارُ هُنَا عَلَى نَفْيِ أَثَرِ الضَّرْبِ تَقْصِيرٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: وَلَوْ وُجِدَ فِيهِمْ وَلَدٌ صَغِيرٌ سَاقِطٌ لَيْسَ بِهِ أَثَرُ الْقَتْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ وَهُوَ تَامُّ الْخَلْقِ وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَامَّ الْخَلْقِ يَنْفَصِلُ حَيًّا) فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي عَيْنِ الصَّبِيِّ وَلِسَانِهِ وَذَكَرِهِ إذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهُ حُكُومَةٌ عَدْلٌ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ سَلَامَتُهَا. أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ فِي الْأَطْرَافِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهَا مَا يَجِبُ فِي السَّلِيمِ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الْأَمْوَالِ وَلَيْسَ لَهَا تَعْظِيمٌ كَتَعْظِيمِ النُّفُوسِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِالصِّحَّةِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ، بِخِلَافِ الْجَنِينِ فَإِنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ، فَإِذَا انْفَصَلَ تَامَّ الْخَلْقِ وَبِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ وَجَبَ فِيهِ
[ ١٠ / ٣٨١ ]
قَالَ (وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا رَجُلٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ دُونَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي دَارِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ قَائِدَهَا أَوْ رَاكِبَهَا (فَإِنْ اجْتَمَعُوا فَعَلَيْهِمْ) لِأَنَّ الْقَتِيلَ فِي أَيْدِيهِمْ فَصَارَ كَمَا إذَا وُجِدَ فِي دَارِهِمْ.
قَالَ (وَإِنْ مَرَّتْ دَابَّةٌ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ وَعَلَيْهَا قَتِيلٌ فَهُوَ عَلَى أَقْرَبِهِمَا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أُتِيَ بِقَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَأَمَرَ أَنْ يُذْرَعَ». وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَ إلَيْهِ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ بَيْنَ وَدَاعَةَ وَأَرْحَبَ كَتَبَ بِأَنْ يَقِيسَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، فَوُجِدَ الْقَتِيلُ إلَى وَادِعَةَ أَقْرَبَ فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالْقَسَامَةِ. قِيلَ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَبْلُغُ أَهْلَهُ الصَّوْتُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَتُمْكِنُهُمْ النُّصْرَةُ وَقَدْ قَصَّرُوا.
قَالَ (وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ إنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ (وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّ نُصْرَتَهُ مِنْهُمْ وَقُوَّتَهُ بِهِمْ.
الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ تَعْظِيمًا لِلنُّفُوسِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَتِيلٌ لِوُجُودِ دَلَالَةِ الْقَتِيلِ وَهُوَ الْأَثَرُ، إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ تَامِّ الْخَلْقِ أَنْ يَنْفَصِلَ حَيًّا، وَأَمَّا إذَا وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ لَا تَفُوقُ حَالَ الْكَبِيرِ، وَإِذَا وُجِدَ الْكَبِيرُ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ فَكَذَا هَذَا، كَذَا قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ. وَرَدَّ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ جَوَابَهُمْ الْمَزْبُورَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابُ: وَهَذَا كَمَا
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
قَالَ (وَلَا تَدْخُلُ السُّكَّانُ فِي الْقَسَامَةِ مَعَ الْمُلَّاكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّدْبِيرِ كَمَا تَكُونُ بِالْمِلْكِ تَكُونُ بِالسُّكْنَى أَلَا تَرَى «أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْيَهُودِ وَإِنْ كَانُوا سُكَّانًا بِخَيْبَرَ». وَلَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِنُصْرَةِ الْبُقْعَةِ دُونَ السُّكَّانِ لِأَنَّ سُكْنَى الْمُلَّاكِ أَلْزَمُ وَقَرَارَهُمْ أَدْوَمُ فَكَانَتْ وِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْهِمْ فَيَتَحَقَّقُ التَّقْصِيرُ مِنْهُمْ. وَأَمَّا أَهْلُ خَيْبَرَ فَالنَّبِيُّ ﵊ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْخَرَاجِ. قَالَ (وَهِيَ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ دُونَ الْمُشْتَرِينَ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْكُلُّ مُشْتَرِكُونَ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يُجْعَلُ جَانِبًا مُقَصِّرًا، وَالْوِلَايَةُ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ وَقَدْ اسْتَوَوْا فِيهِ. وَلَهُمَا أَنَّ صَاحِبَ الْخُطَّةِ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِنُصْرَةِ الْبُقْعَةِ هُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَلِأَنَّهُ أَصِيلٌ وَالْمُشْتَرِي دَخِيلٌ وَوِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إلَى الْأَصِيلِ، وَقِيلَ: أَبُو حَنِيفَةَ بَنَى ذَلِكَ عَلَى مَا شَاهَدَ بِالْكُوفَةِ. قَالَ (وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ) يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ لِمَا بَيَّنَّا (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِأَنْ بَاعُوا كُلُّهُمْ فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِينَ) لِأَنَّ الْوِلَايَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ أَوْ خَلَصَتْ لَهُمْ
تَرَى مَعَ تَطْوِيلِهِ لَمْ يَرُدَّ السُّؤَالَ وَرُبَّمَا قَوَّاهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ إذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُهَا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ خَطَرًا أَوْلَى انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ، فَإِنَّ حَاصِلَ جَوَابِهِمْ مَنْعُ عَدَمِ كَوْنِ الظَّاهِرِ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ النُّفُوسِ وَصِيَانَةً لَهَا عَنْ الْإِهْدَارِ. وَعَنْ هَذَا قَالُوا: يَجِبُ الدِّيَةُ بِالْقَتْلِ الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَقَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُهَا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ خَطَرًا أَوْلَى مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عَدَمِ كَوْنِ الظَّاهِرِ حُجَّةً فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكُهَا إهْدَارُ أَمْرٍ حَقِيرٍ، وَمَا لَزِمَ مِنْ عَدَمِ كَوْنِهِ حُجَّةً فِي النُّفُوسِ إهْدَارُ أَمْرٍ خَطِيرٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إهْدَارَ الْحَقِيرِ أَهْوَنُ وَأَوْلَى مِنْ إهْدَارِ الْخَطِيرِ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ هُنَا اُعْتُبِرَ دَافِعًا لِمَا عَسَى يَدَّعِي الْقَاتِلُ عَدَمَ حَيَاتِهِ. وَأَمَّا دَلِيلُ الِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ حَدِيثُ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ، قُومُوا فَدُوهُ» انْتَهَى. أَقُولُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ حَدِيثَ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ وَرَدَ فِي جَنِينٍ انْفَصَلَ مَيِّتًا، وَمُوجَبُهُ الْغُرَّةُ وَهِيَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
لِزَوَالِ مَنْ يَتَقَدَّمُهُمْ أَوْ يُزَاحِمُهُمْ.
(وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى قَوْمِهِ وَتَدْخُلُ الْعَاقِلَةُ فِي الْقَسَامَةِ إنْ كَانُوا حُضُورًا، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْأَيْمَانَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَخَصُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا عَوَاقِلُهُمْ. وَلَهُمَا أَنَّ الْحُضُورَ لَزِمَتْهُمْ نُصْرَةُ الْبُقْعَةِ كَمَا تَلْزَمُ صَاحِبَ الدَّارِ فَيُشَارِكُونَهُ فِي الْقَسَامَةِ.
قَالَ (وَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ وَعُشْرُهَا لِرَجُلٍ وَلِآخَرَ مَا بَقِيَ فَهُوَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ) لِأَنَّ صَاحِبَ الْقَلِيلِ يُزَاحِمُ صَاحِبَ الْكَثِيرِ فِي التَّدْبِيرِ فَكَانُوا سَوَاءً فِي الْحِفْظِ وَالتَّقْصِيرِ فَيَكُونُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ بِمَنْزِلَةِ الشُّفْعَةِ.
قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي فِي يَدِهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارٌ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُشْتَرِي
- ﷺ دِيَةً حَيْثُ قَالَ فَدُوهُ لِكَوْنِهَا بَدَلَ النَّفْسِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْجَنِينِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي جَنِينٍ انْفَصَلَ حَيًّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَامَّ الْخَلْقِ يَنْفَصِلُ حَيًّا وَالْمُوجَبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ ذَكَرَ حَدِيثَ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ فِي بَابِ الْجَنِينِ عَلَى التَّفْصِيلِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ، قَالَ «كُنْت بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا بَطْنَ صَاحِبَتِهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ أَوْ بِمِسْطَحِ خَيْمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَاخْتَصَمَ أَوْلِيَاؤُهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ﵊ لِأَوْلِيَاءِ الضَّارِبَةِ: دُوهُ، فَقَالَ أَخُوهَا: أَنَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَلَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَمِثْلُ دَمِهِ يَطِلْ؟ فَقَالَ ﵊: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ» وَفِي رِوَايَةٍ «دَعْنِي وَأَرَاجِيزِ الْعَرَبِ، قُومُوا فَدُوهُ» الْحَدِيثُ انْتَهَى فَكَأَنَّهُ نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ
(قَوْلُهُ وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى قَوْمِهِ وَتَدْخُلُ الْعَاقِلَةُ فِي الْقَسَامَةِ إذَا كَانُوا حُضُورًا، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ يُكَرَّرُ عَلَيْهِ الْأَيْمَانُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: يَعْنِي إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارٍ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِهَا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ. وَفِي الْقَسَامَةِ رِوَايَتَانِ: فَفِي إحْدَاهُمَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَفِي الْأُخْرَى عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُرَى مِنْ التَّدَافُعِ
[ ١٠ / ٣٨٤ ]
وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي تَصِيرُ لَهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْزَلَ قَاتِلًا بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ وَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ، وَالْوِلَايَةُ تُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ وَلِهَذَا كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِ الدَّارِ دُونَ الْمُودِعِ، وَالْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْبَاتِّ، وَفِي الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ يُعْتَبَرُ قَرَارُ الْمِلْكِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَلَهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ لَا بِالْمِلْكِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَقْتَدِرُ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ دُونَ الْمِلْكِ وَلَا يَقْتَدِرُ بِالْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ، وَفِي الْبَاتِّ الْيَدُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَا فِيمَا فِيهِ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْبَاتِّ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَهُ فَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ تَصَرُّفًا، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَهُوَ فِي يَدِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ كَالْمَغْصُوبِ فَتُعْتَبَرُ يَدُهُ إذْ بِهَا يَقْدِرُ عَلَى الْحِفْظِ.
بَيْنَ قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا وَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ إنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ هُنَا فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى قَوْمِهِ يُحْمَلُ ذَاكَ عَلَى رِوَايَةٍ وَهَذَا عَلَى أُخْرَى انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ وَإِنْ وُجِدَ الْقَتْلُ فِي دَارِ إنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ هَاهُنَا فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى قَوْمِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأُخْرَى مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْقَسَامَةَ فِيهَا عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِ الدَّارِ لَا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ جَمِيعًا، وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى قَوْمِهِ جَمِيعًا فَتَغَايَرَا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَتَدْخُلُ الْعَاقِلَةُ فِي الْقَسَامَةِ إنْ كَانُوا حُضُورًا، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ يُكَرَّرُ عَلَيْهِ الْأَيْمَانُ صَرِيحٌ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا هُنَا وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا قَبْلُ، حَيْثُ كَانَ وُجُوبُ الْقَسَامَةِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى قَوْمِهِ فِيمَا إذَا كَانَ قَوْمُهُ حُضُورًا وَوُجُوبُهَا عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَحْدِهِ فِيمَا إذَا كَانُوا غُيَّبًا، وَالْمَصِيرُ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ، وَهُوَ خِلَافُ مَدْلُولِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صَرَاحَةً فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَرْحًا لِمُرَادِهِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْزَلَ قَاتِلًا بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ، وَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَالْوِلَايَةُ تُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ) أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَالْوِلَايَةُ تُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ الْحَصْرَ بِمَعْنَى أَنَّ الْوِلَايَةَ تُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ لَا بِغَيْرِهِ، وَيُنْتَقَضُ ذَلِكَ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ السُّكَّانَ يَدْخُلُونَ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ مَعَ الْمُلَّاكِ عِنْدَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ التَّدْبِيرِ كَمَا تَكُونُ بِالْمِلْكِ تَكُونُ بِالسُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مَعْنَى الْحَصْرِ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فِي إثْبَاتِ مُدَّعَاهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ دُونَ الْمِلْكِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَقْتَدِرُ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ دُونَ الْمِلْكِ وَلَا يَقْتَدِرُ بِالْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ) أَقُولُ: هَذَا التَّنْوِيرُ غَيْرُ وَاضِحٍ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْيَدِ الْيَدَ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ يَدَ أَصَالَةٍ أَوْ يَدَ نِيَابَةٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى الْمُودِعِ وَنَحْوِهِ بِالِاتِّفَاقِ لِكَوْنِ يَدِهِ يَدَ نِيَابَةٍ لَا يَدَ أَصَالَةٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً، فَلَوْ أَمْكَنَ الِاقْتِدَارُ عَلَى الْحِفْظِ بِيَدِ النِّيَابَةِ أَيْضًا لَمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا يَدَ الْأَصَالَةِ فَقَطْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَالْخَصْمُ وَهُوَ صَاحِبَاهُ لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ يَقْتَدِرُ عَلَى الْحِفْظِ بِيَدِ الْأَصَالَةِ فَقَطْ بِدُونِ الْمِلْكِ، وَلَا أَنَّهُ لَا يَقْتَدِرُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ بِدُونِ تِلْكَ الْيَدِ، بَلْ يَقُولُ: وِلَايَةُ الْحِفْظِ إنَّمَا تُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا الْمُتَنَازَعِ فِيهَا. وَبِالْجُمْلَةِ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا التَّنْوِيرِ لَيْسَ بِأَجْلَى مِنْ
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
قَالَ (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ لَمْ تَعْقِلْهُ الْعَاقِلَةُ حَتَّى تَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا لِلَّذِي فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمِلْكِ لِصَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى تَعْقِلَ الْعَوَاقِلُ عَنْهُ، وَالْيَدُ وَإِنْ كَانَتْ دَلِيلًا عَلَى الْمِلْكِ لَكِنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ فَلَا تَكْفِي لِإِيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا لَا تَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِهِ فِي الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
قَالَ (وَإِنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي سَفِينَةٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ الرُّكَّابِ وَالْمَلَّاحِينَ) لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ وَاللَّفْظُ يَشْمَلُ أَرْبَابَهَا حَتَّى تَجِبُ عَلَى الْأَرْبَابِ الَّذِينَ فِيهَا وَعَلَى السُّكَّانِ، وَكَذَا عَلَى مَنْ يُمِدُّهَا وَالْمَالِكُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرُ الْمَالِكِ سَوَاءٌ، وَكَذَا الْعَجَلَةُ، وَهَذَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ. وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ السَّفِينَةَ تُنْقَلُ وَتُحَوَّلُ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَدُ دُونَ الْمِلْكِ كَمَا فِي الدَّابَّةِ، بِخِلَافِ الْمَحَلَّةِ وَالدَّارِ لِأَنَّهَا لَا تُنْقَلُ.
قَالَ (وَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِهَا) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِيهِ إلَيْهِمْ (وَإِنْ وُجِدَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْ الشَّارِعِ الْأَعْظَمِ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لِلْعَامَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ
أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ لَمْ تَعْقِلْهُ الْعَاقِلَةُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا لِلَّذِي فِي يَدِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَا يَخْتَلِجَنَّ فِي وَهْمِك صُورَةٌ تُنَاقِضُ فِي عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْيَدِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْيَدِ، لِأَنَّ الْيَدَ الْمُعْتَبَرَةَ عِنْدَهُ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بِالْأَصَالَةِ وَالْعَاقِلَةُ تُنْكِرُ ذَلِكَ انْتَهَى.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَبْ أَنَّ الْيَدَ الْمُعْتَبَرَةَ عِنْدَهُ هِيَ الَّتِي تَكُونُ بِالْأَصَالَةِ لَكِنْ كَيْفَ يَتِمُّ عَلَى أَصْلِهِ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمِلْكِ لِصَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى تَعْقِلَ الْعَوَاقِلُ عَنْهُ، وَهَلَّا يُنَاقِضُ هَذَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْيَدِ دُونَ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ آنِفًا، فَإِنَّ الْمِلْكَ هُنَاكَ لِلْمُشْتَرِي مَعَ أَنَّ الدِّيَةَ عِنْدَهُ لِعَاقِلَةِ الْبَائِعِ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْيَدِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ هُنَا: وَلَا يَلْزَمُ أَبَا حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْيَدَ فِي اسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ حَتَّى قَالَ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ فِي يَدِ الْبَائِعِ يُوجَدُ فِيهَا قَتِيلٌ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ يَدَ الْمِلْكِ لَا مُجَرَّدَ الْيَدِ فَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا يَدُ الْمِلْكِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ انْتَهَى. وَذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدَّارِيَةِ مَا يُوَافِقُهُ حَيْثُ قَالَ: وَفِي جَامِعِ الْكَرَابِيسِيِّ اعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ يَدَ الْمِلْكِ لَا مُجَرَّدَ الْيَدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُنَا لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَيْهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا التَّوْجِيهُ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي لَا مَحَالَةَ، وَعَنْ هَذَا نَشَأَ النِّزَاعُ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، إذْ لَوْ كَانَ الْمِلْكُ أَيْضًا لِلْبَائِعِ لَمَا صَارَ مَحَلَّ الْخِلَافِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ، فَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ هُنَاكَ لِلْمُشْتَرِي فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ لِلْبَائِعِ إذْ ذَاكَ يَدُ الْمِلْكِ، إذْ ثُبُوتُ يَدِ الْمِلْكِ لَهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ نَفْسِ الْمِلْكِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى الدَّارِ الْمَبِيعَةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مِلْكَانِ وَهُمَا مِلْكُ الْبَائِعِ وَمِلْكُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِيَدِ الْمِلْكِ غَيْرُ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ: أَيْ الْيَدِ الَّتِي كَانَ لِصَاحِبِهَا مِلْكٌ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ زَالَ ذَلِكَ الْمِلْكُ فِي الْحَالِ بِالْبَيْعِ فَمَا مَعْنَى اعْتِبَارِ مِثْلِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الزَّائِلِ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ،
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
الْجُسُورُ الْعَامَّةُ وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مَالُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَلَوْ وُجِدَ فِي السُّوقِ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا) فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ عَلَى السُّكَّانِ وَعِنْدَهُمَا عَلَى الْمَالِكِ، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا كَالشَّوَارِعِ الْعَامَّةِ الَّتِي بُنِيَتْ فِيهَا فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَلَوْ وُجِدَ فِي السَّجْنِ فَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ السَّجْنِ) لِأَنَّهُمْ سُكَّانٌ وَوِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْهُمْ، وَهُمَا يَقُولَانِ: إنَّ أَهْلَ السَّجْنِ مَقْهُورُونَ فَلَا يَتَنَاصَرُونَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مَا يَجِبُ لِأَجْلِ النُّصْرَةِ، وَلِأَنَّهُ بُنِيَ لِاسْتِيفَاءِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانَ غُنْمُهُ يَعُودُ إلَيْهِمْ فَغُرْمُهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: وَهَذِهِ فُرَيْعَةُ الْمَالِكِ وَالسَّاكِنِ وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
قَالَ (وَإِنْ وُجِدَ فِي بَرِيَّةٍ لَيْسَ بِقُرْبِهَا عِمَارَةٌ فَهُوَ هَدَرٌ) وَتَفْسِيرُ الْقُرْبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اسْتِمَاعِ الصَّوْتِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُوصَفُ أَحَدٌ بِالتَّقْصِيرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ. أَمَّا إذَا كَانَتْ فَالدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ (وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ كَانَ عَلَى أَقْرَبِهِمَا) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
(وَإِنْ وُجِدَ فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ يَمُرُّ بِهِ الْمَاءُ فَهُوَ هَدَرٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ وَلَا فِي مِلْكِهِ (وَإِنْ كَانَ مُحْتَبَسًا بِالشَّاطِئِ فَهُوَ عَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ) عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِنُصْرَةِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَهُوَ كَالْمَوْضُوعِ عَلَى الشَّطِّ وَالشَّطُّ فِي يَدِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْهُ الْمَاءَ وَيُورِدُونَ بَهَائِمَهُمْ فِيهَا، بِخِلَافِ النَّهْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ لِاخْتِصَاصِ أَهْلِهَا بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِمْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ (وَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ لَمْ تَسْقُطْ الْقَسَامَةُ عَنْهُمْ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرْنَا فِيهِ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ. قَالَ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ وَوَجْهُ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَسَامَةِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ فَتَعْيِينُهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ الْقَاتِلَ
وَهَلْ يَلِيقُ أَنْ يَعُدَّ ذَلِكَ أَصْلًا لِإِمَامِنَا الْأَعْظَمِ فَعَلَيْك بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ انْتَهَى، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، فَلَوْ أَوْجَبْنَاهَا لَأَوْجَبْنَاهَا بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا دُونَ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ الشَّارِحَانِ الْمَزْبُورَانِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ.
(قَوْلُهُ وَوَجْهُ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَسَامَةِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ أَنَّ وُجُوبَ
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
لَيْسَ مِنْهُمْ، وَهُمْ إنَّمَا يَغْرَمُونَ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِمْ قَتَلَةً تَقْدِيرًا حَيْثُ لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ لَا يَقُومُونَ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ إلَّا بِدَعْوَى الْوَلِيِّ، فَإِذَا ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ امْتَنَعَ دَعْوَاهُ عَلَيْهِمْ وَسَقَطَ لِفَقْدِ شَرْطِهِ.
قَالَ (وَإِذَا الْتَقَى قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ فَأَجْلَوْا عَنْ قَتِيلٍ فَهُوَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) لِأَنَّ الْقَتِيلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْحِفْظُ عَلَيْهِمْ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أُولَئِكَ أَوْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ شَيْءٌ) لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى تَضَمَّنَتْ بَرَاءَةَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَنْ الْقَسَامَةِ. قَالَ (وَلَا عَلَى أُولَئِكَ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ) لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، أَمَّا يَسْقُطُ بِهِ الْحَقُّ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ.
الْقَسَامَةِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ بِدُونِ أَنْ يَتَعَيَّنَ خُصُوصُهُ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعْيِينَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ حِينَئِذٍ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ إذْ ذَاكَ كَوْنُ الْقَاتِلِ مِنْهُمْ بِدُونِ أَنْ يَتَعَيَّنَ خُصُوصُهُ، وَبِتَعْيِينِهِ وَاحِدًا مِنْهُمْ يَلْزَمُ أَنْ يَتَعَيَّنَ خُصُوصُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَعَيُّنَ خُصُوصِ الْقَاتِلِ يُنَافِي عَدَمَ تَعَيُّنِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَسَامَةِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ تَعَيَّنَ خُصُوصُهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَسَامَةِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ سَوَاءٌ تَعَيَّنَ خُصُوصُهُ أَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَهُوَ أَيْضًا مَمْنُوعٌ، إذْ لَا يَظْهَرُ وَجْهُ كَوْنِ الْجِنَايَةِ الصَّادِرَةِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ تَعَيُّنِ خُصُوصِهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْغُرْمِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ بِقَتْلِ الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ عَلَى غَيْرُهُ أَصْلًا. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ وُجُوبِ الْغُرْمِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا عِنْدَ تَعَيُّنِ خُصُوصِ الْقَاتِلِ مِنْهُمْ كَوْنُهُمْ قَتَلَةً أَيْضًا تَقْدِيرًا بِتَرْكِهِمْ النُّصْرَةَ لِعَدَمِ أَخْذِهِمْ عَلَى يَدِ ذَلِكَ الْقَاتِلِ الظَّالِمِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ: وَهُمْ إنَّمَا يَغْرَمُونَ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِمْ قَتَلَةً تَقْدِيرًا حَيْثُ لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ.
قُلْنَا: ذَلِكَ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا عَلِمُوا قَتْلَ ذَاكَ الظَّالِمِ فَتَرَكُوا النُّصْرَةَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ قَتْلُهُ خُفْيَةً فَلَا. وَلَئِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِعَدَمِ احْتِيَاطِهِمْ فِي حِفْظِ الْمَحَلَّةِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا أَقَرَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ بِالْقَتْلِ أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ هُنَاكَ مَعَ تَحَقُّقِ ذَلِكَ السَّبَبِ فِيهِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ فِي التَّوْجِيهِ. وَذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، لِأَنَّ دَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ تَكُونُ إبْرَاءً لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَنْ الْقَسَامَةِ، فَإِنَّ الْقَسَامَةَ فِي قَتِيلٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ، فَإِذَا زَعَمَ الْوَلِيُّ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ صَارَ مُبَرِّئًا لَهُمْ عَنْ الْقَسَامَةِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ انْتَهَى. قُلْت: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَظْهَرُ عِنْدِي دِرَايَةً، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ لَا يَغْرَمُونَ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ إلَّا بِدَعْوَى الْوَلِيِّ فَإِذَا ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ امْتَنَعَ دَعْوَاهُ عَلَيْهِمْ وَسَقَطَ لِفَقْدِ شَرْطِهِ) أَقُولُ: يُشْكِلُ هَذَا التَّعْلِيلُ بِمَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُمْ إذَا لَمْ يَغْرَمُوا بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ إلَّا بِدَعْوَى الْوَلِيِّ فَإِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ لَزِمَ أَنْ تَسْقُطَ الْغَرَامَةُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ لِفَقْدِ شَرْطِ الْغَرَامَةِ وَهُوَ دَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَيْهِمْ فَتَفَكَّرْ فِي الْفَرْقِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ بِدُونِ التَّعَسُّفِ. قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَجْهُ الْفَرْقِ إلَى قَوْلِهِ قَالَ وَإِذَا الْتَقَى قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ لَمْ يُوجَدْ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَلِهَذَا لَمْ يَشْرَحْهُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ انْتَهَى. قُلْت: وَعَنْ هَذَا تَرَى مَا فِيهِ مِنْ الْوَهَنِ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ آنِفًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ
(قَوْلُهُ وَإِذَا الْتَقَى قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ فَأَجْلَوْا عَنْ قَتِيلٍ فَهُوَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِأَنَّ الْقَتِيلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) أَيْ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ: أَيْ بَيْنَهُمْ. وَالظُّهْرُ وَالْأَظْهُرُ يَجِيئَانِ مُقْحَمَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أَيْ صَادِرَةٍ عَنْ غِنًى فَالظَّهْرُ فِيهِ مُقْحَمٌ كَمَا فِي ظَهْرِ الْقَلْبِ وَظَهْرِ الْغَيْبِ، وَكَذَا فِي الْأَظْهُرِ، يُقَالُ: أَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ: أَيْ بَيْنَهُمْ،
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
(وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مُعَسْكَرٍ أَقَامُوهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا، فَإِنْ وُجِدَ فِي خِبَاءٍ أَوْ فُسْطَاطٍ فَعَلَى مَنْ يَسْكُنُهَا الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ الْفُسْطَاطِ فَعَلَى أَقْرَبِ الْأَخْبِيَةِ) اعْتِبَارًا لِلْيَدِ عِنْدَ انْعِدَامِ الْمِلْكِ (وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ لَقُوا قِتَالًا وَوُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَدُوَّ قَتَلَهُ فَكَانَ هَدَرًا، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا فَعَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَإِنْ كَانَ لِلْأَرْضِ مَالِكٌ فَالْعَسْكَرُ كَالسُّكَّانِ فَيَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْمُسْتَحْلَفُ قَتَلَهُ فُلَانٌ اُسْتُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُ وَلَا عَرَفْت لَهُ قَاتِلًا
كَذَا فِي الشُّرُوحِ. فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ قَاتِلَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَأَنَّهُ مِنْ خُصَمَائِهِ. قُلْنَا: قَدْ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى قَاتِلِهِ حَقِيقَةً فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ وَهُوَ وُجُودُهُ قَتِيلًا فِي مَحَلَّتِهِمْ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ. أَقُولُ: يَرِدُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: مَا بَالُكُمْ تَجْعَلُونَ هَذَا الظَّاهِرَ وَهُوَ وُجُودُهُ قَتِيلًا فِي مَحَلَّتِهِمْ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَلَا تَجْعَلُونَ ذَاكَ الظَّاهِرَ وَهُوَ كَوْنُ قَاتِلِهِ خَصْمًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ دَافِعًا لِلْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الشَّائِعَ أَنْ يَكُونَ الظَّاهِرُ حُجَّةً لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ. فَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فَبَقِيَ حَالُ الْقَتْلِ مُشْكِلًا، فَأَوْجَبْنَا الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِوُرُودِ النَّصِّ بِإِضَافَةِ الْقَتْلِ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْإِشْكَالِ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ، وَسَيَأْتِي مِثْلُ هَذَا عَنْ قَرِيبٍ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ لَقُوا قِتَالًا وَوُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَدُوَّ قَتَلَهُ فَكَانَ هَدَرًا)
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
غَيْرَ فُلَانٍ) لِأَنَّهُ يُرِيدُ إسْقَاطَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يُقْبَلُ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ صَارَ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ فَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ سِوَاهُ فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ.
قَالَ (وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَتَلَ لَمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تُقْبَلُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرُوا خُصَمَاءَ وَقَدْ بَطَلَتْ الْعَرَضِيَّةُ بِدَعْوَى الْوَلِيِّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إذَا عُزِلَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ. وَلَهُ أَنَّهُمْ خُصَمَاءُ بِإِنْزَالِهِمْ قَاتِلِينَ لِلتَّقْصِيرِ الصَّادِرِ مِنْهُمْ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ جُمْلَةِ الْخُصُومِ كَالْوَصِيِّ إذَا خَرَجَ مِنْ الْوِصَايَةِ بَعْدَمَا قَبِلَهَا ثُمَّ شَهِدَ. قَالَ ﵁: وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَتَخَرَّجُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، قَالَ (وَلَوْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ أَهْلِهَا عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ) لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَائِمَةٌ مَعَ الْكُلِّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَالشَّاهِدُ يَقْطَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَ مُتَّهَمًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشُّهُودَ
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَدُوَّ قَتَلَهُ فَكَانَ هَدَرًا يُحْوِجُ إلَى ذِكْرِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا اقْتَتَلُوا عَصَبِيَّةً فِي مَحَلَّةٍ فَأَجْلَوْا عَنْ قَتِيلٍ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ كَمَا مَرَّ آنِفًا. وَقَالُوا فِي الْفَرْقِ: إنَّ الْقِتَالَ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فِي مَكَان فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَدْرِي أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْ أَيِّهِمَا يُرَجَّحُ احْتِمَالُ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَمْلًا لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاحِ فِي أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْكَافِرِينَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ وَيَقْتُلُونَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَلَيْسَ ثَمَّةُ جِهَةُ الْحَمْلِ عَلَى الصَّلَاحِ حَيْثُ كَانَ الْفَرِيقَانِ مُسْلِمَيْنِ فَبَقِيَ حَالُ الْقَتْلِ مُشْكِلًا فَأَوْجَبْنَا الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ لِوُرُودِ النَّصِّ بِإِضَافَةِ الْقَتْلِ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْإِشْكَالِ، وَكَانَ الْعَمَلُ بِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ أَوْلَى عِنْدَ الِاحْتِمَالِ مِنْ الْعَمَلِ بِاَلَّذِي لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ طَعْنًا فِي الْمَصِيرِ إلَى الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ: الْفَرْقُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ هُنَا حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَصْلُحُ حُجَّةً، وَثَمَّةَ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا يَزْدَادُونَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ عَرَفُوا الْقَاتِلَ.
قَالَ (وَمَنْ جُرِحَ فِي قَبِيلَةٍ فَنُقِلَ إلَى أَهْلِهِ فَمَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْقَبِيلَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّ الَّذِي حَصَلَ فِي الْقَبِيلَةِ وَالْمَحَلَّةِ مَا دُونَ النَّفْسِ وَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ. وَلَهُ أَنَّ الْجُرْحَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ صَارَ قَتْلًا وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ أُضِيفَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ مِنْ غَيْرِ الْجُرْحِ فَلَا يَلْزَمُ بِالشَّكِّ.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَعَهُ جَرِيحٌ بِهِ رَمَقٌ حَمَلَهُ إنْسَانٌ إلَى أَهْلِهِ فَمَكَثَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَضْمَنْ الَّذِي حَمَلَهُ إلَى أَهْلِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ) لِأَنَّ يَدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَحَلَّةِ فَوُجُودُهُ جَرِيحًا فِي يَدِهِ كَوُجُودِهِ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَيْ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَبِيلَةِ.
(وَلَوْ وُجِدَ رَجُلٌ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا شَيْءَ فِيهِ) لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ حِينَ وُجِدَ الْجَرِيحُ
حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِلنَّصِّ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا الْفَرْقُ بِتَامٍّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظَاهِرًا، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّاهِرَ ثَمَّةَ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِدَفْعِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اقْتَتَلُوا عَصَبِيَّةً فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَدَرًا فَلَا بُدَّ فِي تَمَامِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مِنْ الْبَيَانِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ كَمَا تَحَقَّقْته
(قَوْلُهُ وَلَوْ وُجِدَ رَجُلٌ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ قَالَ فِي دَلِيلِهِ وَحَالَ ظُهُورِ الْقَتْلِ الدَّارُ لِلْوَرَثَةِ فَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ، وَفِيهِ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ وَمُخَالَفَةٌ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ. وَدَفْعُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: عَاقِلَةُ الْمَيِّتِ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَاقِلَةَ الْوَرَثَةِ أَوْ غَيْرَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَيِّتِ وَهُمْ عَاقِلَةُ الْوَرَثَةِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَرَثَةِ، وَلَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُمْكِنًا أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَإِلَى
[ ١٠ / ٣٩١ ]
فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَيَكُونُ هَدَرًا. وَلَهُ أَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ الْقَتْلِ، وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَالَ ظُهُورِ الْقَتْلِ الدَّارُ لِلْوَرَثَةِ فَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ إذَا وُجِدَ قَتِيلًا
الثَّانِي فِي دَلِيلِهَا. وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُضَافٌ: أَيْ عَلَى عَاقِلَةِ وَرَثَتِهِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الدَّفْعِ كَلَامٌ مُشَوَّشٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ سِيَّمَا قَوْلُهُ وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُضَافٌ: أَيْ عَلَى عَاقِلَةِ وَرَثَتِهِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ قَطْعًا: أَيْ صُورَةَ إنْ كَانَ عَاقِلَةُ الْمَيِّتِ عَاقِلَةَ الْوَرَثَةِ.
وَصُورَةَ إنْ كَانَ عَاقِلَةُ الْمَيِّتِ غَيْرَ عَاقِلَةِ الْوَرَثَةِ، فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِ حُكْمِهَا بِالصُّورَةِ الْأُولَى بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ إلَى إمْكَانِهَا؟ ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَ الْمُضَافِ وَعَدَمَ تَقْدِيرِهِ مُتَنَاقِضَانِ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ حَتَّى يُقَدَّرَ الْمُضَافُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي وَلَمْ يُقَدَّرْ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُضَافٌ: أَيْ عَلَى عَاقِلَةِ وَرَثَتِهِ، فَالْوَجْهُ فِي الدَّفْعِ أَنْ يُقَالَ: الْمُضَافُ مُقَدَّرٌ أَلْبَتَّةَ فِي قَوْلِهِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ: أَيْ عَلَى عَاقِلَةِ وَرَثَتِهِ فَيُوَافِقُ الدَّلِيلَ وَيَتَنَاوَلُ الصُّورَتَيْنِ مَعًا. أَمَّا تَنَاوُلُهُ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ إنْ كَانَ عَاقِلَةُ الْمَيِّتِ غَيْرَ عَاقِلَةِ الْوَرَثَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ الصُّورَةَ الْأُولَى وَهِيَ إنْ كَانَ عَاقِلَةُ الْمَيِّتِ عَيْنَ عَاقِلَةِ الْوَرَثَةِ فَلِأَنَّ عَاقِلَتَهُ وَعَاقِلَتَهُمْ إذَا اتَّحَدَتَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُمْ إلَى الْوَرَثَةِ كَمَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُمْ إلَى الْمَيِّتِ، بَلْ تَكُونُ نِسْبَتُهُمْ إلَى الْوَرَثَةِ أَوْلَى هَاهُنَا لِأَنَّ الدَّارَ لَمَّا كَانَتْ حَالَ ظُهُورِ الْقَتْلِ لِلْوَرَثَةِ لَا لِلْمَيِّتِ وَكَانَ وُجُوبُ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ الْقَتْلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّلِيلِ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَرَثَةِ لَا عَلَى عَاقِلَةِ الْمَيِّتِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ: أَيْ عَلَى عَاقِلَةِ وَرَثَتِهِ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ قَتِيلًا فِي الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ لِوَرَثَتِهِ لَا لَهُ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَلِكِ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ عَاقِلَةَ الْوَارِثِ وَالْمُوَرِّثِ مُتَّحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ تَخْتَلِفُ الْعَاقِلَةُ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَهِيَ أَنَّ الدَّارَ مَمْلُوكَةٌ لِلْوَرَثَةِ لَا لِلْمَيِّتِ أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَرَثَةِ وَهِيَ الْأَصَحُّ، وَعَلَى قِيَاسِ طَرِيقَةِ أَنَّ غَيْرَهُ لَوْ وُجِدَ قَتِيلًا فِيهَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَتِيلِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، إلَّا أَنَّ فِي تَقْرِيرِهِ أَيْضًا شَيْئًا مِنْ الرَّكَاكَةِ، فَالْأَرْجَحُ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ تَأَمَّلْ تَرْشُدْ.
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ الْقَتْلِ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَالَ ظُهُورِ الْقَتْلِ الدَّارُ لِلْوَرَثَةِ فَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الدِّيَةَ إذَا وَجَبَتْ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَرَثَةِ فَإِنَّمَا وَجَبَتْ لِلْوَرَثَةِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُمْ لَهُمْ،
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
فِي دَارِ نَفْسِهِ لِأَنَّ حَالَ ظُهُورِ قَتْلِهِ بَقِيَتْ الدَّارُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَيُهْدَرُ دَمُهُ.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَيْتٍ وَلَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ فَوُجِدَ أَحَدُهُمَا مَذْبُوحًا، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَضْمَنُ الْآخَرُ الدِّيَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَكَانَ التَّوَهُّمُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ الْآخَرُ فَلَا يَضْمَنُهُ بِالشَّكِّ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ فَكَانَ التَّوَهُّمُ سَاقِطًا كَمَا إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ.
(وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةٍ لِامْرَأَةٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهَا الْقَسَامَةُ تُكَرَّرُ عَلَيْهَا الْأَيْمَانُ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهَا فِي النَّسَبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَى الْعَاقِلَةِ أَيْضًا) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا فَأَشْبَهَتْ الصَّبِيَّ. وَلَهُمَا أَنَّ الْقَسَامَةَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ وَتُهْمَةُ الْقَتْلِ مِنْ الْمَرْأَةِ مُتَحَقِّقَةٌ. قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: إنَّ الْمَرْأَةَ تَدْخُلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِي التَّحَمُّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّا أَنْزَلْنَاهَا قَاتِلَةً وَالْقَاتِلُ يُشَارِكُ الْعَاقِلَةَ.
(وَلَوْ وُجِدَ رَجُلٌ قَتِيلًا فِي أَرْضٍ رَجُلٍ إلَى جَانِبِ قَرْيَةٍ لَيْسَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: هُوَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ) لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِنُصْرَةِ أَرْضِهِ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا تَجِبُ لِلْمَقْتُولِ حَتَّى تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ ثُمَّ يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِيهِ وَهُوَ نَظِيرُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ إذَا قَتَلَ أَبَاهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَتَكُونُ مِيرَاثًا لَهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ.
أَقُولُ: يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّهُ يُنَافِي مَا ذُكِرَ فِي وَضْعِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُقْتَضَى جَوَابِ الِاعْتِرَاضِ أَنْ تَكُونَ دِيَتُهُ لَهُ لَا لِوَرَثَتِهِ. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَذْكُورِ فِي وَضْعِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ دِيَةَ الْمَقْتُولِ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ فِي ثَانِي الْحَالِ: أَيْ تَصِيرُ لَهُمْ بِالْخِلَافَةِ عَنْ الْمَقْتُولِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَهُ أَوَّلًا، وَمِثْلُ هَذَا التَّسَامُحِ فِي الْعِبَارَةِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي كَلِمَاتِ الثِّقَاتِ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ هُنَا إشْكَالٌ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ أَنَّ دَعْوَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ وَوَلِيُّ الْقَتِيلِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ الْوَرَثَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَاهُمْ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ دَعْوَاهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لَهُمْ حَالَ ظُهُورِ الْقَتْلِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ أَيْضًا بِتَمَحُّلٍ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْغَايَةِ عَنْ أَصْلِ الِاعْتِرَاضِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: قُلْت الْعَاقِلَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَرَثَةً أَوْ غَيْرَ وَرَثَةٍ، فَمَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِ الْوَرَثَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ يَجِبُ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُمْ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الدِّيَةَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ الْمَالِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أَوَّلِ الدِّيَاتِ، وَبَعْضُ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى دِيَةً كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَلَوْ كَانَ مَا يَجِبُ لِلْوَرَثَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِ الْوَرَثَةِ مِنْهُمْ فَقَطْ لَمَا تَمَّ جَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ،
[ ١٠ / ٣٩٣ ]