قَالَ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَيَقْبِضَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَكَاتَبَ وَقَبَضَ بَعْضَ الْأَلْفِ ثُمَّ عَجَزَ فَالْمَالُ لِلَّذِي قَبَضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ مُكَاتَبٌ بَيْنَهُمَا وَمَا أَدَّى
نَفْسُهَا أَصْلًا فِي الْكِتَابَةِ وَأَوْلَادُهَا تَبَعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى اهـ مَعَ أَنَّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ دُونَ الْقِيَاسِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ أَرَادَ بِوَجْهِ الْقِيَاسِ هَاهُنَا ثُبُوتَ وِلَايَةِ الْمُكَاتَبَةِ عَلَى أَوْلَادِهَا كَثُبُوتِهَا عَلَى نَفْسِهَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ قَدْ صَرَّحُوا قَاطِبَةً بِأَنَّ الْأُمَّ الْحُرَّةَ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَى أَوْلَادِهَا فَكَيْفَ بِالْأَمَةِ، وَقَالُوا: هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَمَةِ.
إذْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْعَبْدِ لَرُبَّمَا تُوُهِّمَ أَنَّ الْجَوَازَ لِثُبُوتِ وِلَايَةِ الْأَبِ عَلَيْهِمَا فَلَا يُعْلَمُ تَسَاوِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
بَابُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ كِتَابَةِ عَبْدٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ شَرَعَ فِي كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ: ذَكَرَ كِتَابَةَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ كِتَابَةِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ. أَقُولُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، لِأَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِي لَا يَتَمَشَّى فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلُهُ وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَهِيَ أَوْلَى اهـ. أَقُولُ: وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعُمُّ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَوْ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، وَلَفْظُ شَرِيكَيْنِ يَنْتَظِمُ الْكُلَّ.
إمَّا بِجَعْلِ الشَّرِيكِ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ شَرِكَهُ فِي كَذَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَشَارِكَيْنِ فِي أَمْرٍ شَارِكٌ فِيهِ وَمَشْرُوكٌ وَالْفَعِيلُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، أَوْ بِصَيْرُورَةِ لَفْظِ الشَّرِيكِ مِنْ عِدَادِ الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ كَمَا قَالُوا فِي لَفْظِ التَّابِعِ وَنَحْوِهِ حَتَّى جَعَلُوا التَّوَابِعَ جَمْعَ تَابِعٍ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَيَتَنَاوَلُ الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ عَلَى السَّوِيَّةِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ لَمَّا أَخَذَ بِنُسْخَةِ: بَيْنَ شَرِيكَيْنِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَسَّرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلَهُ شَرِيكَيْنِ بِرَجُلَيْنِ حَيْثُ قَالَ: أَيْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ.
أَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَتَخْصِيصُ لَفْظٍ يَتَحَمَّلُ الْعُمُومَ لِلرَّجُلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِالرَّجُلَيْنِ مِمَّا لَا وَجْهَ
[ ٩ / ١٩٧ ]
فَهُوَ بَيْنَهُمَا) وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ، لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْحُرِّيَّةَ مِنْ وَجْهٍ فَتَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ عِنْدَهُ لِلتَّجَزُّؤِ، وَفَائِدَةُ الْإِذْنِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا يَكُونُ لَهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ، وَإِذْنُهُ لَهُ بِقَبْضِ الْبَدَلِ إذْنٌ لِلْعَبْدِ بِالْأَدَاءِ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِنَصِيبِهِ عَلَيْهِ فَلِهَذَا كَانَ كُلُّ الْمَقْبُوضِ لَهُ. وَعِنْدَهُمَا الْإِذْنُ بِكِتَابَةِ نَصِيبِهِ إذْنٌ بِكِتَابَةِ الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ، فَهُوَ أَصِيلٌ فِي النِّصْفِ وَكِيلٌ فِي النِّصْفِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَالْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَيَبْقَى كَذَلِكَ بَعْدَ الْعَجْزِ.
لَهُ هَاهُنَا أَصْلًا، وَلَوْ فَسَّرَ لَفْظَ رَجُلَيْنِ فِي نُسْخَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بِالشَّرِيكَيْنِ مُطْلَقًا تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ إيَّاهُ فَكَيْفَ بِالْعَكْسِ (قَوْلُهُ وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْحُرِّيَّةَ مِنْ وَجْهٍ فَتَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ عِنْدَهُ لِلتَّجَزُّؤِ. وَفَائِدَةُ الْإِذْنِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا يَكُونُ لَهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ)
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا كَالْإِعْتَاقِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْحُرِّيَّةَ مِنْ وَجْهٍ فَتَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ عِنْدَهُ، وَالْإِذْنُ لَا يُفِيدُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَائِدَتُهُ انْتِفَاءَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ حَقِّ الْفَسْخِ إنْ كَاتَبَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ اهـ كَلَامُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ وَالْإِذْنُ لَا يُفِيدُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْكِتَابَةِ: أَيْ عَلَى مَذْهَبِهِمَا اهـ.
أَقُولُ: هَذَا خَبْطٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْإِذْنَ يُفِيدُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمَا قَطْعًا؛ أَلَا يُرَى إلَى قَوْلِهِمَا فِي تَعْلِيلِ مَذْهَبِهِمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِذْنَ بِكِتَابَةِ نَصِيبِهِ إذْنٌ بِكِتَابَةِ الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ فَهُوَ أَصِيلٌ فِي النِّصْفِ وَكِيلٌ فِي النِّصْفِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَالْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَيَبْقَى كَذَلِكَ بَعْدَ الْعَجْزِ اهـ. وَلَعَلَّ قَوْلَهُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا وَقَعَ سَهْوًا مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ وَكَانَ الصَّحِيحُ عَلَى مَذْهَبِهِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ
[ ٩ / ١٩٨ ]
قَالَ (وَإِذَا كَانَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَاهَا فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثُمَّ وَطِئَهَا الْآخَرُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثُمَّ عَجَزَتْ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِقِيَامِ الْمِلْكِ لَهُ فِيهَا وَصَارَ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَتَقْتَصِرُ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ عَلَى نَصِيبِهِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَإِذَا ادَّعَى الثَّانِي وَلَدَهَا الْأَخِيرَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ ظَاهِرًا، ثُمَّ إذَا عَجَزَتْ بَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَتْ الْكِتَابَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْجَارِيَةَ كُلَّهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَانِعُ مِنْ الِانْتِقَالِ وَوَطْؤُهُ سَابِقٌ (وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَهُ لَمَّا اسْتَكْمَلَ الِاسْتِيلَادَ (وَنِصْفَ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً (وَيَضْمَنُ شَرِيكُهُ كَمَالَ عُقْرِهَا وَقِيمَةَ الْوَلَدِ وَيَكُونُ ابْنَهُ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْرُورِ، لِأَنَّهُ حِينَ وَطِئَهَا كَانَ مِلْكُهُ قَائِمًا ظَاهِرًا.
دَلِيلَيْ الطَّرَفَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالتَّمَامِ قَالَ: وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَالَ إلَى قَوْلِهِمَا حَيْثُ أَخَّرَهُ اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ كَلَامٌ، لِأَنَّهُ يَأْبَى عَنْهُ تَرْجِيحُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ اهـ. أَقُولُ: الَّذِي مَرَّ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ مَسْأَلَةُ الْعَتَاقِ وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا مَسْأَلَةُ الْكِتَابَةِ وَاسْتِلْزَامُ تَرْجِيحِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ تَرْجِيحَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ مَمْنُوعٌ، سِيَّمَا إذَا كَانَتْ كِتَابَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِإِذْنِ الْآخَرِ كَمَا نَحْنُ فِيهِ، فَمِنْ أَيْنَ يَثْبُتُ الْإِبَاءُ، وَلَئِنْ سَلِمَ الِاسْتِلْزَامُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْأَصْلِ فِي كِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ التَّجَزُّؤُ وَعَدَمُهُ فَتَرْجِيحُ قَوْلِهِ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، بَلْ إنَّمَا فُهِمَ مِنْ تَأْخِيرِ دَلِيلِهِ فِي الْبَيَانِ، وَقَدْ عُكِسَ الْأَمْرُ هَاهُنَا، فَفُهِمَ مِنْهُ تَرْجِيحُ قَوْلِهِمَا لَا مَحَالَةَ، وَلَمَّا وَقَعَ التَّدَافُعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ حَمَلْنَا الثَّانِيَ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ الْمَخْلَصُ فِي أَمْثَالِ هَذَا فَلَا مَحْذُورَ تَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَيَضْمَنُ شَرِيكُهُ كَمَالَ الْعُقْرِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ) قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ شَرِيكُهُ قِيمَةَ الْوَلَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ حُكْمَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ، وَلَا قِيمَةَ لِأُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ فَكَذَا لِابْنِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَةِ الْوَلَدِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَاكَ السُّؤَالِ: وَهَذَا الْجَوَابُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. أَقُولُ: يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي بِقَوْلِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يُنَافِي هَذَا الْجَوَابَ قَطْعًا.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقِيلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقَوُّمِ أُمِّ الْوَلَدِ رِوَايَتَانِ، فَيَكُونُ الْوَلَدُ مُتَقَوِّمًا عَلَى إحْدَاهُمَا فَكَانَ حُرًّا بِالْقِيمَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ:
[ ٩ / ١٩٩ ]
وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْهُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ عَلَى مَا عُرِفَ لَكِنَّهُ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ الْغَيْرِ حَقِيقَةً فَيَلْزَمُهُ كَمَالُ الْعُقْرِ (وَأَيُّهُمَا دَفَعَ الْعُقْرَ إلَى الْمُكَاتَبَةِ جَازَ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً فَحَقُّ الْقَبْضِ لَهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِمَنَافِعِهَا وَأَبْدَالِهَا، وَإِذَا عَجَزَتْ تَرُدُّ الْعُقْرَ إلَى الْمَوْلَى لِظُهُورِ اخْتِصَاصِهِ (وَهَذَا) الَّذِي ذَكَرْنَا (كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ وَطْءُ الْآخَرِ)
لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى الْأَوَّلُ الْوَلَدَ صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ يَجِبُ تَكْمِيلُهَا بِالْإِجْمَاعِ مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْفَسْخِ فَتُفْسَخُ فِيمَا لَا تَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُكَاتَبَةُ وَتَبْقَى الْكِتَابَةُ فِيمَا وَرَاءَهُ، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ، وَبِخِلَافِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ فِي تَجْوِيزِهِ إبْطَالَ الْكِتَابَةِ إذْ الْمُشْتَرِي
هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَسْلَفَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمُدَبَّرِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ أُمِّ الْوَلَدِ فَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْبَيْعِ وَالْغَصْبِ لِأَنَّهُ لَا تَقَوُّمَ لِمَالِيَّتِهَا انْتَهَى. أَقُولُ: لَا ضَيْرَ فِي مُخَالَفَةِ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي لِمَا أَسْلَفَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ أَسْلَفَهُ هُنَاكَ تَبَعًا لِصَاحِبِ النِّهَايَةِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ هُنَاكَ بِتَحَقُّقِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي تَقَوُّمِ أُمِّ الْوَلَدِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ مَاتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ انْتَهَى.
وَالْمُجِيبُ بِهَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي إنَّمَا هُوَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَهُمَا لَمْ يَذْكُرَا فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عَدَمَ تَحَقُّقِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَقِّ أُمِّ الْوَلَدِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَلَيْسَ بِمُجِيبٍ بِهَذَا الْجَوَابِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بَلْ هُوَ نَاقِلٌ مَحْضٌ فَلَا يُنَافِي مَا اخْتَارَهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ
[ ٩ / ٢٠٠ ]
لَا يَرْضَى بِبَقَائِهِ مُكَاتِبًا.
وَإِذَا صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَالثَّانِي وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ الْغَيْرِ (فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ حُرًّا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ) غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ (وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْعُقْرِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَعْرَى عَنْ إحْدَى الْغَرَامَتَيْنِ، وَإِذَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ وَصَارَتْ كُلُّهَا مُكَاتَبَةً لَهُ، قِيلَ يَجِبُ عَلَيْهَا نِصْفُ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِيمَا لَا تَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُكَاتَبَةُ وَلَا تَتَضَرَّرُ بِسُقُوطِ نِصْفِ الْبَدَلِ.
وَقِيلَ يَجِبُ كُلُّ الْبَدَلِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَنْفَسِخْ إلَّا فِي حَقِّ التَّمَلُّكِ ضَرُورَةً فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ سُقُوطِ نِصْفِ الْبَدَلِ وَفِي إبْقَائِهِ فِي حَقِّهِ نَظَرٌ لِلْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ لَا تَتَضَرَّرُ الْمُكَاتَبَةُ بِسُقُوطِهِ، وَالْمُكَاتَبَةُ هِيَ الَّتِي تُعْطِي الْعُقْرَ لِاخْتِصَاصِهَا بِأَبْدَالِ مَنَافِعِهَا.
وَلَوْ عَجَزَتْ وَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ تَرُدُّ إلَى الْمَوْلَى لِظُهُورِ اخْتِصَاصِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
هَلَّا قُلْتُمْ بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ ضَمَانًا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا إذَا بِيعَ الْمُكَاتَبُ كَمَا قُلْتُمْ بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ ضَمَانًا لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ؟ وَوَجْهُ الْجَوَابِ أَنَّ فِي تَجَوُّزِ الْبَيْعِ إبْطَالَ الْكِتَابَةِ، إذْ الْمُشْتَرِي لَا يَرْضَى بِبَقَائِهِ مُكَاتَبًا، وَلَوْ أَبْطَلْنَاهَا تَضَرَّرَ بِهِ الْمُكَاتَبُ، وَفَسْخُ الْكِتَابَةِ فِيمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُكَاتَبُ لَا يَصِحُّ، هَذَا مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي حَمْلِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ بِكَلَامِهِ هَذَا عَلَيْهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ صَرَاحَةً فِي الْكَافِي بِفَإِنْ قِيلَ. قُلْنَا: ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا بِقِيلِ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ وَتَبْقَى الْكِتَابَةُ فِيمَا وَرَاءَهُ فَإِنَّ الْبَيْعَ مَا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَتَضَرَّرُ بِهِ فَتَبْقَى الْكِتَابَةُ كَمَا كَانَتْ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ صَحِيحٌ مَا فِيهِ مِنْ الرَّكَاكَةِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَلْيُتَفَكَّرْ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا جَوَابٌ عِنْدِي عَنْ قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ نَقْلَ الْمُكَاتَبَةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ مِلْكِ الثَّانِي إلَى مِلْكِ الْأَوَّلِ عَلَى بَيْعِهَا. وَوَجْهُهُ أَنَّ فِي النَّقْلِ لَا تَنْفَسِخُ
[ ٩ / ٢٠١ ]
قَالَ (وَيَضْمَنُ الْأَوَّلُ لِشَرِيكِهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ نِصْفَ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةً) لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَيَضْمَنُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا لِأَنَّهُ ضَمَانُ التَّمَلُّكِ (وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ: يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّ حَقَّ شَرِيكِهِ فِي نِصْفِ الرَّقَبَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَجْزِ، وَفِي نِصْفِ الْبَدَلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَدَاءِ فَلِتَرَدُّدِهِ بَيْنَهُمَا يَجِبُ أَقَلُّهُمَا.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الثَّانِي لَمْ يَطَأْهَا وَلَكِنْ دَبَّرَهَا ثُمَّ عَجَزَتْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الْمِلْكَ. أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُسْتَوْلِدَ تَمَلَّكَهَا قَبْلَ الْعَجْزِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلِأَنَّهُ بِالْعَجْزِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَهُ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُصَادِفُ مِلْكِ غَيْرِهِ وَالتَّدْبِيرُ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ النَّسَبِ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْغُرُورَ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ (وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ)
الْكِتَابَةُ مُطْلَقًا كَمَا فَصَّلَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَطُّ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا جَوَابًا عَنْ ذَاكَ (قَوْلُهُ وَيَضْمَنُ الْأَوَّلُ لِشَرِيكِهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نِصْفَ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةً، إلَى قَوْلِهِ: فَلِلتَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا يَجِبُ أَقَلُّهُمَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: إذَا كَاتَبَ الرَّجُلَانِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كِتَابَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نُصِيبَهُ يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُكَاتَبًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، لِأَنَّهُ ضَمَانُ التَّمَلُّكِ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ مُكَاتَبًا وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ حَقَّ شَرِيكِهِ فِي نِصْفِ الرَّقَبَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَجْزِ وَفِي نِصْفِ الْبَدَلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَدَاءِ، فَلِلتَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا يَجِبُ أَقَلُّهُمَا لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مِنْ الْبَدَلِ دِرْهَمٌ يَكُونُ حِصَّتُهُ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ تَمَلَّكَهَا أَحَدُهُمَا بِالِاسْتِيلَادِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ جَمِيعُ بَدَلِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذِهِ الرَّقَبَةِ إلَّا نِصْفَ دِرْهَمٍ فَلِهَذَا أَوْجَبْنَا الْأَقَلَّ، هَذَا قَوْلُهُمَا فِي الْمُكَاتَبِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ قَوْلُهُمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةً، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةً وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَدَلِ، وَالْوَجْهُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: هَذَا شَرْحٌ فَاسِدٌ وَتَحْرِيرٌ مُخْتَلٌّ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ إذَا كَاتَبَ الرَّجُلَانِ عَبْدًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كِتَابَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُكَاتَبًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا خَبْطٌ فَاحِشٌ، إذْ قَدْ صَرَّحَ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى الْهِدَايَةِ نَفْسِهَا فِيمَا سَيَأْتِي بَعْدَ نِصْفِ صَفْحَةٍ بِأَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُضَمِّنَ السَّاكِتُ الْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُكَاتَبًا إنْ كَانَ مُوسِرًا
[ ٩ / ٢٠٢ ]
لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ وَكَمَّلَ الِاسْتِيلَادَ عَلَى مَا بَيَّنَّا (وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً (وَنِصْفَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نِصْفَهَا بِالِاسْتِيلَادِ وَهُوَ تَمَلَّكَ بِالْقِيمَةِ (وَالْوَلَدُ وَلَدُ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِقِيَامِ الْمُصَحِّحِ، وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. وَوَجْهُهُ مَا بَيَّنَّا.
قَالَ (وَإِنْ كَانَا كَاتَبَاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ عَجَزَتْ يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا لَمَّا عَجَزَتْ وَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ تَصِيرُ كَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ قِنَّةً
وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ ضَمَانُ إعْتَاقٍ فَيَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ.
وَمِنْ الْعَجَائِبِ قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ التَّمَلُّكِ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، إذْ لَا يَشْتَبِهُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ ضَمَانَ الْإِعْتَاقِ ضَمَانُ إفْسَادِ التَّمَلُّكِ لَا ضَمَانُ التَّمَلُّكِ، أَوْ لَمْ يَرَ قَوْلَ صَاحِبِ الْكِفَايَةِ بِصَدَدِ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا أَوَّلًا كَانَ هَذَا ضَمَانَ إفْسَادِ الْمِلْكِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا قَوْلُهُمَا فِي الْمُكَاتَبِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا قَبْلُ بِأَسْرِهِ كَانَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مَعَ أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ فِيمَا قَبْلُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إذَا تَمَلَّكَهَا أَحَدُهُمَا بِالِاسْتِيلَادِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ صَرَفَ الْقِيَاسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَعًا حَيْثُ قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ قَوْلُهُمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةً، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةً وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَدَلِ انْتَهَى.
مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ هُنَاكَ فِي أَنْ يَضْمَنَ السَّاكِتُ الْمُعْتِقُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُكَاتَبًا إذَا كَانَ مُوسِرًا دُونَ الْأَقَلِّ مِنْهَا وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَدَلِ، فَكَيْفَ يَتِمُّ الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀، نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ فِي مَسْأَلَةِ إعْتَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْمُكَاتَبَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَالْأُخْرَى مَا يُوَافِقُهُ قِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِيلَادِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ كَالْكَافِي وَالْبَدَائِعِ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ هُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى وَهِيَ ضَمَانُ الْأَقَلِّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، لَكِنَّ كَلَامَنَا فِي عَدَمِ مُسَاعِدَةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَفْسِهِ لِصَرْفِ الْقِيَاسِ الَّذِي أَقْحَمَهُ فِي لَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَاهُنَا إلَى قَوْلِهِمَا مَعًا.
ثُمَّ أَقُولُ: الْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الِاسْتِيلَادِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِيهِ فَعَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: يُرْشِدُكَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى قَطْعًا أُسْلُوبُ تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِزِيَادَةِ لَفْظِ قِيَاسٍ فِي الْأَوَّلِ وَحَذْفِهِ فِي الثَّانِي تَدَبَّرْ تَرْشُدْ (قَوْلُهُ وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَهَاهُنَا مَا بَقِيَتْ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْلَدَهَا الْأَوَّلُ مَلَكَ نِصْفَ شَرِيكِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِلْكٌ لِلْمُدَبَّرِ فِيهَا فَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ: أَنَّهُ
[ ٩ / ٢٠٣ ]
وَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الرُّجُوعِ وَفِي الْخِيَارَاتِ وَغَيْرِهَا كَمَا هُوَ مَسْأَلَةُ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ وَقَدْ قَرَرْنَاهُ فِي الْإِعْتَاقِ، فَأَمَّا قَبْلَ الْعَجْزِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَمَّا كَانَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ كَانَ أَثَرُهُ أَنْ يُجْعَلَ نَصِيبُ غَيْرِ الْمُعْتِقِ كَالْمُكَاتَبِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ نَصِيبُ صَاحِبِهِ لِأَنَّهَا مُكَاتَبَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ بِعِتْقِ الْكُلِّ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُكَاتَبًا إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا لِأَنَّهُ ضَمَانُ إعْتَاقٍ فَيَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَإِنْ شَاءَ الَّذِي دَبَّرَهُ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ دَبَّرَهُ الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ وَيُسْتَسْعَى أَوْ يُعْتَقُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّدْبِيرَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ فَتَدْبِيرُ أَحَدِهِمَا يَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ لَكِنْ يَفْسُدُ بِهِ نَصِيبُ الْآخَرِ فَيَثْبُتُ لَهُ خِيرَةُ الْإِعْتَاقِ وَالتَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، فَإِذَا أَعْتَقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ خِيَارُ التَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ، وَإِعْتَاقُهُ يَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ لِأَنَّهُ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، وَلَكِنْ يَفْسُدُ بِهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، وَلَهُ خِيَارُ الْعِتْقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ وَيُضَمِّنُهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُدَبَّرًا لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ صَادَفَ الْمُدَبَّرَ.
ثُمَّ قِيلَ: قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ تُعْرَفُ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، وَقِيلَ يَجِبُ ثُلُثَا قِيمَتِهِ
يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْأَقَلِّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَنِصْفِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ وَجْهَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِالْأَقَلِّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَنِصْفِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فِيمَا إذَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ وَهُوَ أَنَّ حَقَّ شَرِيكِهِ فِي نِصْفِ الرَّقَبَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَجْزِ وَفِي نِصْفِ الْبَدَلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَدَاءِ فَلِلتَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا يَجِبُ أَقَلُّهُمَا.
وَهَذَا الْوَجْهُ غَيْرُ مُتَمَشٍّ فِيمَا إذَا لَمْ يُبْقِ الْكِتَابَةَ لِأَنَّ كَوْنَ حَقِّ شَرِيكِهِ
[ ٩ / ٢٠٤ ]
زَهْوَ قِنٍّ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: الْبَيْعُ وَأَشْبَاهُهُ، وَالِاسْتِخْدَامُ وَأَمْثَالُهُ، وَالْإِعْتَاقُ وَتَوَابِعُهُ، وَالْفَائِتُ الْبَيْعُ فَيَسْقُطُ الثُّلُثُ. وَإِذَا ضَمَّنَهُ لَا يَتَمَلَّكُهُ بِالضَّمَانِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، كَمَا إذَا غَصَبَ مُدَبَّرًا فَأَبَقَ. وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا كَانَ لِلْآخَرِ الْخِيَارَاتُ الثَّلَاثُ عِنْدَهُ، فَإِذَا دَبَّرَهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ خِيَارُ التَّضْمِينِ وَبَقِيَ خِيَارُ الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يُعْتَقُ وَيُسْتَسْعَى (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إذَا دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا فَعِتْقُ الْآخَرِ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَيَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالتَّدْبِيرِ (وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ قِنًّا لِأَنَّهُ صَادَفَهُ التَّدْبِيرُ وَهُوَ قِنٌّ (وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا فَتَدْبِيرُ الْآخَرِ بَاطِلٌ) لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ فَعَتَقَ كُلُّهُ فَلَمْ يُصَادِفْ التَّدْبِيرُ الْمِلْكَ وَهُوَ يَعْتَمِدُهُ (وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا) وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ مُعْسِرًا لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ الْإِعْتَاقِ فَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ عِنْدَهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي نِصْفِ الْبَدَلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَدَاءِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ زَوَالِهَا فَيَصِيرُ مَا أَدَّتْهُ إلَى شَرِيكِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي كُلِّ مُكَاتَبٍ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ تَمَامِ الْبَدَلِ فَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ حَقُّ شَرِيكِهِ فِي نِصْفِ الرَّقَبَةِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا بِالِاتِّفَاقِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
بَابٌ مَوْتُ الْمُكَاتَبِ وَعَجْزُهُ وَمَوْتُ الْمَوْلَى
قَالَ (وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ نَجْمٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ فِي حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ يَقْبِضُهُ أَوْ مَالٌ يَقْدُمُ عَلَيْهِ لَمْ يَعْجَلْ بِتَعْجِيزِهِ وَانْتَظَرَ عَلَيْهِ الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةَ) نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ، وَالثَّلَاثُ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ كَإِمْهَالِ الْخَصْمِ لِلدَّفْعِ وَالْمَدْيُونِ لِلْقَضَاءِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ وَطَلَبَ الْمَوْلَى تَعْجِيزَهُ عَجَّزَهُ وَفَسَخَ الْكِتَابَةَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُعَجِّزُهُ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ)
لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: إذَا تَوَالَى عَلَى الْمُكَاتَبِ نَجْمَانِ رُدَّ فِي الرِّقِّ عَلَّقَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْقَاقٍ حَتَّى كَانَ أَحْسَنُهُ مُؤَجَّلَهُ وَحَالَةُ الْوُجُوبِ بَعْدَ حُلُولِ نَجْمٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْهَالِ مُدَّةٍ اسْتِيسَارًا، وَأَوْلَى الْمُدَدِ مَا تَوَافَقَ عَلَيْهِ الْعَاقِدَانِ
(بَابُ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَعَجْزِهِ وَمَوْتِ الْمَوْلَى)
تَأْخِيرُ بَابِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ظَاهِرُ التَّنَاسُبِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، فَكَذَا بَيَانُ أَحْكَامِهَا (قَوْلُهُ وَالثَّلَاثُ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ كَإِمْهَالِ الْخَصْمِ لِلدَّفْعِ وَالْمَدْيُونِ لِلْقَضَاءِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْمَدْيُونِ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى كَإِمْهَالِ.
أَقُولُ: هَذَا بِحَسَبِ ظَاهِرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ قَطْعًا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَدْيُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَصْمِ وَالْمَعْنَى وَكَإِمْهَالِ الْمَدْيُونِ لِأَجْلِ
[ ٩ / ٢٠٦ ]
وَلَهُمَا أَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ الْعَجْزُ، لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ يَكُونُ أَعْجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمَوْلَى الْوُصُولُ إلَى الْمَالِ عِنْدَ حُلُولِ نَجْمٍ وَقَدْ فَاتَ فَيُفْسَخُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِدُونِهِ، بِخِلَافِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا لِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ فَلَمْ يَكُنْ تَأْخِيرًا، وَالْآثَارُ مُتَعَارِضَةٌ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ مُكَاتَبَةً لَهُ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ فَرَدَّهَا فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا.
قَالَ (فَإِنْ أَخَلَّ بِنَجْمٍ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ فَعَجَزَ فَرَدَّهُ مَوْلَاهُ بِرِضَاهُ فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُفْسَخُ بِالتَّرَاضِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَبِالْعُذْرِ أَوْلَى (وَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْعَبْدُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ تَامٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ.
الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ الْعَجْزُ، لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ يَكُونُ أَعْجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمَيْنِ) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ دَلِيلَهُمَا هَذَا لَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةِ إنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ آخِرِ النُّجُومِ الَّتِي تَوَافَقَا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَدَّى سَائِرَ النُّجُومِ بِأَسْرِهَا، إذْ لَا يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ سِوَى أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ نَجْمَانِ عِنْدَ إمْهَالِهِ مُدَّةَ نَجْمٍ فَيَكُونَ أَعْجَزَ عَنْ أَدَائِهِمَا بَلْ يَكُونَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يُؤَدِّيَ نَجْمًا وَاحِدًا فِي ضِعْفِ مُدَّتِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَيْسَرُ لَهُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ يَقْبِضُهُ أَوْ مَالٌ يَقْدُمُ عَلَيْهِ لَا نُسَلِّمُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ انْتَهَى.
أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ مَوْصُولَةٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ يَكُونُ أَعْجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمَيْنِ خَبَرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ فَلَا شَرْطَ وَلَا جَزَاءَ فِي الْكَلَامِ حَتَّى تَكُونَ الْجُمْلَةُ شَرْطِيَّةً (قَوْلُهُ وَالْآثَارُ مُتَعَارِضَةٌ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ مُكَاتَبَةً لَهُ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ فَرَدَّهَا فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا) هَذَا جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ أَبِي يُوسُفَ بِأَثَرِ عَلِيٍّ
[ ٩ / ٢٠٧ ]
قَالَ (وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَادَ إلَى أَحْكَامِ الرِّقِّ) لِانْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ (وَمَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ الْأَكْسَابِ فَهُوَ لِمَوْلَاهُ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَوْلَاهُ وَقَدْ زَالَ التَّوَقُّفُ.
قَالَ (فَإِنْ مَاتَ الْمَكَاتِبُ وَلَهُ مَالٌ لَمْ تَنْفَسِخْ الْكِتَابَةُ وَقَضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَحَكَمَ بِعِتْقِهِ فِي آخَرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ وَيَعْتِقُ أَوْلَادُهُ) وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا ﵃. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ وَيَمُوتُ عَبْدًا وَمَا تَرَكَهُ لِمَوْلَاهُ، وَإِمَامُهُ فِي ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابَةِ عِتْقُهُ وَقَدْ تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ فَتَبْطُلُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ بَعْدَ الْمَمَاتِ مَقْصُودًا أَوْ يَثْبُتَ
- ﵁ بِأَنَّ الْأَثَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ يُعَارِضُهُ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا: أَيْ بِالْآثَارِ لِلتَّعَارُضِ، لِأَنَّ الْآثَارَ إذَا تَعَارَضَتْ وَجُهِلَ التَّارِيخُ سَقَطَتْ فَيُصَارُ إلَى مَا بَعْدَهَا مِنْ الْحُجَّةِ فَيَبْقَى مَا قَالَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ بِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ قَدْ تَحَقَّقَ إلَخْ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَيَثْبُتُ الْفَسْخُ بِهِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: هُنَا إشْكَالٌ، لِأَنَّ مَا قَالَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ رَاجِعٌ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى مُقْتَضَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عِنْدَ بَيَانِ انْحِصَارِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمَعْقُولِ رَاجِعٌ إلَى الْقِيَاسِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ هَاهُنَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْآثَارَ مُتَعَارِضَةٌ وَالتَّارِيخُ مَجْهُولٌ فَيُصَارُ إلَى مَا بَعْدَهَا مِنْ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَجْرِي فِي الْمَقَادِيرِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَقَادِيرِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ حَيْثُ قَالُوا: وَمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَالْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊، لِأَنَّ مَا يَقُولُهُ الصَّحَابِيُّ مِنْ الْمَقَادِيرِ يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ الْقِيَاسُ انْتَهَى.
فَإِذَا تَعَارَضَتْ الْآثَارُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَتَسَاقَطَتْ كَمَا قَالُوا وَلَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ فِي الْمَقَادِيرِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَكَيْفَ يَنْتَهِضُ مَا قَالَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ الَّذِي مَرْجِعُهُ إلَى الْقِيَاسِ حُجَّةً لَهُمَا فِي إثْبَاتِ مَا ذَهَبَا إلَيْهِ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ وَيَمُوتُ عَبْدًا. وَمَا تَرَكَهُ لِمَوْلَاهُ وَإِمَامُهُ فِي ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵂، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابَةِ عِتْقُهُ وَقَدْ تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ فَتَبْطُلُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ وَيَمُوتُ عَبْدًا وَمَا تَرَكَهُ فَلِمَوْلَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِالْمَعْقُولِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابَةِ عِتْقُهُ وَعِتْقُهُ بَاطِلٌ وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِالْمَعْقُولِ إلَخْ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ لِدَلَالَتِهِ، عَلَى أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَثَرِ زَيْدٍ وَبِالْمَعْقُولِ حَيْثُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةُ انْتَهَى.
أَقُولُ: بَلْ هُوَ مُطَابِقٌ لِلْمَشْرُوحِ فَإِنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَاسْتَدَلَّ
[ ٩ / ٢٠٨ ]
قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مُسْتَنِدًا، لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَلَا إلَى الثَّانِي لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْأَدَاءُ، وَلَا إلَى الثَّالِثِ لِتَعَذُّرِ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ وَالشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُمَّ يَسْتَنِدُ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْمَوْلَى فَكَذَا بِمَوْتِ الْآخَرِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْحَاجَةُ إلَى إبْقَاءِ الْعَقْدِ لِإِحْيَاءِ الْحَقِّ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ حَقَّهُ آكَدُ مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى حَتَّى لَزِمَ الْعَقْدُ فِي جَانِبِهِ، وَالْمَوْتُ أَنَفَى لِلْمَالِكِيَّةِ مِنْهُ لِلْمَمْلُوكِيَّةِ
لِلْعَطْفِ أَيْضًا، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَعْنًى قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ كَأَنَّهُ قَالَ أَخَذَ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَاسْتَدَلَّ لِمُدَّعَاهُ بِالْمَعْقُولِ أَيْضًا، كَمَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابَةِ عَطْفٌ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِمَامُهُ فِي ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁، كَأَنَّهُ قَالَ لِأَثَرِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابَةِ إلَخْ، وَالْعَطْفُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى شَائِعٌ فِي كَلَامِ الثِّقَاتِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى مِنْ كُتُبِ الْبَلَاغَةِ، فَتَطَابَقَ الشَّرْحُ وَالْمَشْرُوحُ فِي حَاصِلِ الْمَعْنَى كَمَا تَرَى، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ قَالَ: وَالْمُوَافِقُ لِلْمَشْرُوحِ فَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ لِأَنَّ الْعُقُودَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِأَحْكَامِهَا فَبُطْلَانُ الْحُكْمِ يَلْزَمُهُ بُطْلَانُ الْعَقْدِ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ لِأَنَّهُ كَانَ مَدَارَ رَدِّهِ عَلَى صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِعَدَمِ مُطَابِقَةِ شَرْحِهِ لِلْمَشْرُوحِ عَلَى تَحَقُّقِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فِي الْمَشْرُوحِ وَعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي الشَّرْحِ عَلَى زَعْمِهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ نَفْسُهُ قَطُّ فَإِنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ الْعُقُودَ إلَخْ بِدُونِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فَمَا مَعْنَى عَدَمِ مُطَابَقَةِ ذَلِكَ لِلْمَشْرُوحِ وَمُوَافَقَةِ هَذَا إيَّاهُ؟
وَأَيْضًا إنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ فَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ مِمَّا لَا مَحَلَّ لَهُ فِي الْمَشْرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ النَّاظِرِ فِي عِبَارَةِ الْمَشْرُوحِ (قَوْلُهُ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ حَقَّهُ آكَدُ مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ بَلْ أَوْلَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ لَيْسَ مَوْتُ الْمُكَاتَبِ كَمَوْتِ الْعَاقِدِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَاتَبُ دُونَ الْعَاقِدِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ بَعْدَ مَوْتِ الْعَاقِدِ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ الْحَاجَةُ، وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ أَدْعَى مِنْ حَيْثُ الْمُقْتَضَى وَالْمَانِعُ إلَخْ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّقِ الْجَامِعِ الْمَذْكُورِ فِي جَانِبِ الْمَقِيسِ وَهُوَ مَوْتُ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَا وَجْهَ لِتَجْوِيزِ كَوْنِهِ جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ مِنْ طَرَفِ الْخَصْمِ لَيْسَ مَوْتُ الْمُكَاتَبِ كَمَوْتِ الْعَاقِدِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَاتَبُ دُونَ الْعَاقِدِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِمَنْعِ
[ ٩ / ٢٠٩ ]
فَيَنْزِلُ حَيًّا تَقْدِيرًا، أَوْ تَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ بِاسْتِنَادِ سَبَبِ الْأَدَاءِ إلَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ وَيَكُونُ أَدَاءُ خَلَفِهِ كَأَدَائِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ عَلَى مَا عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ.
قَالَ (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً
كَوْنِ الْمُكَاتَبِ نَفْسِهِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ. وَبَيَانُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ سَلَامَةُ مَالِكِيَّةِ الْبَدَلِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي كَلَامِهِ هَذَا لِمَنْعِ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا لِبَيَانِ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَاذَا، فَلَا مَجَالَ لَأَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ هَذَا جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ، لِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَقْدِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا يَحْتَمِلُ جَوَازَهُ بِكَوْنِ الْحَاجَةِ أَدْعَى إلَى إبْقَائِهِ بَعْدَ أَنْ هَلَكَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَلَا تُفِيدُ الْمُقَدِّمَاتُ الْمَذْكُورَةُ هَاهُنَا شَيْئًا فِي دَفْعِ ذَلِكَ السُّؤَالِ أَصْلًا، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَدَحَ فِيمَا جَوَّزَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ كَوْنِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا جَوَابًا عَمَّا ذَكَرَ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: لَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَكَذَا بِمَوْتِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ كَوْنِ الْمُكَاتَبِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَلَامِ التَّنَزُّلِيِّ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِتَامٍّ لِأَنَّ كَوْنَ قَوْلِهِ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَكَذَا بِمَوْتِ الْآخَرِ صَرِيحًا فِي عَدَمِ كَوْنِ الْمُكَاتَبِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُكَاتَبُ مَعَ كَوْنِهِ أَحَدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ أَيْضًا لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِهِ فِي تَصْوِيرِ مَسْأَلَةِ كِتَابَةِ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَبْدٍ آخَرَ لِمَوْلَاهُ غَائِبٍ بِأَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ كَاتَبَنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ وَلَئِنْ سَلِمَ كَوْنُهُ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَعَدَمُ كَوْنِ الْمُكَاتَبِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ عِنْدَنَا لَا يَسْتَدْعِي عَدَمَ كَوْنِهِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْخَصْمِ أَيْضًا، وَالسُّؤَالُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يُتَوَجَّهُ مِنْ قِبَلِ الْخَصْمِ.
فَلَوْ قَصَدَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَلْ أَوْلَى الْجَوَابَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ السَّابِقِ بَلْ يَكُونُ مُقَرَّرًا لَهُ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى التَّنَزُّلِ، بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ (قَوْلُهُ فَيَنْزِلُ حَيًّا تَقْدِيرًا أَوْ تَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ بِاسْتِنَادِ سَبَبِ الْأَدَاءِ إلَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ وَيَكُونُ أَدَاءُ خَلَفِهِ كَأَدَائِهِ) هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ مِنْ التَّرْدِيدِ بِوَجْهَيْنِ ذَهَبَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَعْتِقُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِأَنْ يَنْزِلَ حَيًّا تَقْدِيرًا كَمَا أَنْزَلْنَا الْمَيِّتَ حَيًّا فِي حَقِّ بَقَاءِ التَّرِكَةِ عَلَى مِلْكِهِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَفِي حَقِّ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ، وَكَمَا قَدَّرْنَا الْمَوْلَى حَيًّا وَمَالِكًا وَمُعْتِقًا فِي فَصْلِ مَوْتِ الْمَوْلَى.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ يَعْتِقُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ بِأَنْ تَسْتَنِدَ الْحُرِّيَّةُ بِاسْتِنَادِ سَبَبِ الْأَدَاءِ إلَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ وَيُجْعَلُ أَدَاءُ خَلَفِهِ كَأَدَائِهِ بِنَفْسِهِ. هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهَا فِي هَذَا الْمَقَامِ. ثُمَّ أَقُولُ: مِنْ الْعَجَائِبِ هَاهُنَا أَنَّ صَاحِبَ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ بَدَّلَ كَلِمَةَ أَوْ فِي أَوْ
[ ٩ / ٢١٠ ]
وَتَرَكَ وَلَدًا مَوْلُودًا فِي الْكِتَابَةِ سَعَى فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ عَلَى نُجُومِهِ فَإِذَا أَدَّى حَكَمْنَا بِعِتْقِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَعِتْقِ الْوَلَدِ) لِأَنَّ الْوَلَدَ دَاخِلٌ فِي كِتَابَةٍ وَكَسْبُهُ كَكَسْبِهِ فَيَخْلُفُهُ فِي الْأَدَاءِ وَصَارَ كَمَا إذَا تَرَكَ وَفَاءً
(وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرًى فِي الْكِتَابَةِ قِيلَ لَهُ إمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ حَالَّةً أَوْ تُرَدَّ رَقِيقًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا يُؤَدِّيهِ إلَى أَجَلِهِ اعْتِبَارًا بِالْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ يُكَاتِبُ عَلَيْهِ تَبَعًا لَهُ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إعْتَاقَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ أَكْسَابِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ أَنَّ الْأَجَلَ يَثْبُتُ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ الْعَقْدِ وَالْمُشْتَرَى لَمْ يَدْخُلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِ الْعَقْدَ وَلَا يَسْرِي حُكْمُهُ إلَيْهِ لِانْفِصَالِهِ، بِخِلَافِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَقْتَ الْكِتَابَةِ فَيَسْرِي الْحُكْمُ إلَيْهِ وَحَيْثُ دَخَلَ فِي حُكْمِهِ سَعَى فِي نُجُومِهِ
(فَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ ثُمَّ مَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءً وَرِثَهُ ابْنُهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّةِ ابْنِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبِيهِ فِي الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ هَذَا حُرًّا يَرِثُ عَنْ حُرٍّ (وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هُوَ وَابْنُهُ مُكَاتَبَيْنِ كِتَابَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ الْوَلَدَ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ تَبَعٌ لِأَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا جُعِلَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا حَكَمَ بِحُرِّيَّةِ الْأَبِ يَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى مَا مَرَّ.
تَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ بِكَلِمَةِ الْوَاوِ فَقَالَ فِي شَرْحِهِ فِي أَثْنَاءِ تَقْرِيرِ تَعْلِيلِ أَئِمَّتِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَنْزِلُ حَيًّا تَقْدِيرًا وَتَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ بِاسْتِنَادِ سَبَبِ الْأَدَاءِ إلَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ.
وَقَالَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى قَوْلِهِ وَتَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ: هَذَا مِنْ تَمَامِ التَّعْلِيلِ، فَمَنْ قَالَ أَوْ تَسْتَنِدُ فَقَطْ أَخْطَأَ انْتَهَى. وَفُسِّرَ الْقَائِلُ فِي حَاشِيَةٍ صُغْرَى بِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ أَنَّ الْمُخْطِئَ هُوَ هَذَا الْمُخَطِّئُ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كَلِمَةِ أَوْ هُوَ الْإِشَارَةُ إلَى الْمَسْلَكَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ الْمُسْتَقِلَّيْنِ فِي إثْبَاتِ قَوْلِ أَئِمَّتِنَا فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، فَحَقُّ التَّعْبِيرِ أَنْ تُذْكَرَ كَلِمَةُ أَوْ دُونَ كَلِمَةِ الْوَاوِ، وَلَعَلَّ مَنْشَأَ غَلَطِ ذَاكَ الْمُخَطِّئِ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَوْ تَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى أَوَّلِ التَّعْلِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَخَطَّأَهُ بِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ أَوْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيَنْزِلُ حَيًّا تَقْدِيرًا، وَأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي إتْمَامِ التَّعْلِيلِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بَلْ فِيهِ تَرْبِيَةُ الْفَائِدَةِ بِتَوْسِيعِ الدَّائِرَةِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَسْرِي حُكْمُهُ إلَيْهِ لِانْفِصَالِهِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ انْتَهَى. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْبَحْثِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْرِ حُكْمُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ إلَيْهِ لَمَا دَخَلَ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ، وَقَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ فَصْلٍ مِنْ بَابِ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ. وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَسْرِ حُكْمُهُ إلَيْهِ لَمَا عَتَقَ عِنْدَهُ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حَالًّا، لَكِنَّهُ سَاقِطٌ بِوَجْهَيْهِ.
أَمَّا سُقُوطُ وَجْهِهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ دُخُولَ الْوَلَدِ الْمُشْتَرَى فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ لَيْسَ لِسِرَايَةِ حُكْمِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَمَوْلَاهُ إلَيْهِ، بَلْ يُجْعَلُ الْمُكَاتَبُ لِوَلَدِهِ بِاشْتِرَائِهِ إيَّاهُ تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ كَمَا أَنَّ الْحُرَّ إذَا اشْتَرَى وَلَدَهُ يَصِيرُ مُعْتَقًا لَهُ بِالِاشْتِرَاءِ. وَأَمَّا سُقُوطُ وَجْهِ الثَّانِي فَلِأَنَّ عِتْقَ الْوَلَدِ الْمُشْتَرَى عِنْدَهُ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حَالًّا لَيْسَ
[ ٩ / ٢١١ ]
قَالَ (وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ وَتَرَكَ دَيْنًا وَفَاءً بِمُكَاتَبَتِهِ فَجَنَى الْوَلَدُ فَقُضِيَ بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأُمِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ) لِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ يُقَرِّرُ حُكْمَ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ مِنْ قَضِيَّتِهَا إلْحَاقُ الْوَلَدِ بِمَوَالِي الْأُمِّ وَإِيجَابِ الْعَقْلِ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَقَ فَيَنْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَالْقَضَاءُ بِمَا يُقَرِّرُ حُكْمَهُ لَا يَكُونُ تَعْجِيزًا (وَإِنْ اخْتَصَمَ مَوَالِي الْأُمِّ وَمَوَالِي الْأَبِ فِي وَلَائِهِ فَقَضَى بِهِ لِمَوَالِي الْأُمِّ فَهُوَ قَضَاءٌ بِالْعَجْزِ) لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي الْوَلَاءِ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَانْتِقَاضِهَا، فَإِنَّهَا إذَا فُسِخَتْ مَاتَ عَبْدًا وَاسْتَقَرَّ
لِأَجْلِ السِّرَايَةِ أَيْضًا بَلْ لِصَيْرُورَةِ الْمُكَاتَبِ إذْ ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِفَوَاتِ الْمَتْبُوعِ، وَلَكِنْ إذَا عَجَّلَ صَارَ كَأَنَّهُ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ انْتَهَى فَتَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ لَهُ، لِأَنَّ الْفَرْقَ مُتَحَقِّقٌ بَيْنَ كُلِّ مَسْأَلَتَيْنِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُونَا مَسْأَلَتَيْنِ بَلْ صَارَتَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً، فَكُلُّ مَسْأَلَتَيْنِ إذَا ذُكِرَتَا يُعْرَفُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ عِلِّيَّةِ بَيَانِ الْفَرْقِ بِذِكْرِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ خَفِيٌّ فَكَانَ بَيَانُهُ أَهَمَّ فِيهِمَا وَلِهَذَا خَصَّ عَلِيَّتَهُ بِذِكْرِهِمَا.
قُلْنَا: خَفَاءُ الْفَرْقِ مُتَحَقِّقٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَلَمْ يَتِمَّ وَجْهُ التَّخْصِيصِ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ ذِكْرُهُمَا لِمُجَرَّدِ بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَمَا اسْتَحَقَّتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لِلذِّكْرِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأُخْرَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ بِنَفْسِهَا مَقْصُودَةٌ بِالذِّكْرِ وَالْبَيَانِ، وَعَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَفْهُومَيْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ظَاهِرٌ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ، وَإِنَّمَا الْمُحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَلِيَّتِهِمَا، وَبَيْنَ الْفَرْقِ بَيْنَ عَلِيَّتِهِمَا إنَّمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ، وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ أَنْفُسُهُمَا مَذْكُورَتَانِ فِي الْبِدَايَةِ أَيْضًا بِدُونِ بَيَانِ الْعِلَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُمَا لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بَلْ كَانَ لِبَيَانِ حُكْمِهِمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَيُفْهَمُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ يُقَرِّرُ حُكْمَ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ مِنْ قَضِيَّتِهَا إلْحَاقَ الْوَلَدِ بِمَوَالِي الْأُمِّ وَإِيجَابَ الْعَقْلِ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ فَيَنْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَالْقَضَاءُ بِمَا يُقَرَّرُ حُكْمُهُ لَا يَكُونَ تَعْجِيزًا).
قَالَ صَاحِبُ
[ ٩ / ٢١٢ ]
الْوَلَاءُ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ، وَإِذَا بَقِيَتْ وَاتَّصَلَ بِهَا الْأَدَاءُ مَاتَ حُرًّا وَانْتَقَلَ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَهَذَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ مَا يُلَاقِيهِ مِنْ الْقَضَاءِ فَلِهَذَا كَانَ تَعْجِيزًا.
قَالَ (وَمَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ مِنْ الصَّدَقَاتِ إلَى مَوْلَاهُ ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ طَيِّبٌ لِلْمَوْلَى لِتَبَدُّلِ الْمِلْكِ) فَإِنَّ الْعَبْدَ يَتَمَلَّكُهُ صَدَقَةً وَالْمَوْلَى عِوَضًا عَنْ الْعِتْقِ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ ﵄ «هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَاحَ لِلْغَنِيِّ وَالْهَاشِمِيِّ، لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَهُ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ، وَنَظِيرُهُ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا أَبَاحَ لِغَيْرِهِ لَا يَطِيبُ لَهُ وَلَوْ مَلَكَهُ يَطِيبُ، وَلَوْ عَجَزَ قَبْلَ الْأَدَاءِ إلَى الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ لِأَنَّ بِالْعَجْزِ يَتَبَدَّلُ الْمِلْكُ عِنْدَهُ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَجْزِ يَتَقَرَّرُ مِلْكُ الْمَوْلَى عِنْدَهُ
الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ: لِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ يُقَرِّرُ حُكْمَ الْكِتَابَةِ، وَكُلُّ مَا يُقَرِّرُ شَيْئًا لَا يُبْطِلُهُ. أَمَّا أَنَّهُ يُقَرِّرُ حُكْمَ الْكِتَابَةِ فَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَسْتَلْزِمُ إلْحَاقَ الْوَلَدِ بِمَوَالِي الْأُمِّ وَإِيجَابَ الْعَقْلِ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ الْمَكَاتِبُ فَيَنْجَرَّ وَلَاءُ ابْنِهِ إلَى مَوَالِيهِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ وَالنَّسَبُ إنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ قَوْمِ الْأُمِّ عِنْدَ تَعَذُّرِ إثْبَاتِهِ مِنْ الْأَبِ، حَتَّى لَوْ ارْتَفَعَ الْمَانِعُ مِنْ إثْبَاتِهِ مِنْهُ، كَمَا إذَا أَكْذَبَ الْمُكَاتَبُ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ عَادَ النَّسَبُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ، فَكَانَ إيجَابُ الْعَقْلِ مِنْ لَوَازِمِهَا، وَثُبُوتُ اللَّازِمِ يُقَرِّرُ ثُبُوتَ مَلْزُومِهِ.
وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَا يُقَرِّرُ شَيْئًا لَا يُبْطِلُهُ فَلِئَلَّا يَعُودَ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِهِ نَوْعُ إشْكَالٍ عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ الْمَعْقُولِ فَإِنَّ قَوْلَهُ ثُبُوتُ اللَّازِمِ يُقَرِّرُ ثُبُوتَ مَلْزُومِهِ مَمْنُوعٌ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ اللَّازِمِ ثُبُوتُ الْمَلْزُومِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ أَعَمَّ مِنْ الْمَلْزُومِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَحَقُّقَ الْعَامِّ لَا يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ الْخَاصِّ، وَالظَّاهِرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عُمُومُ اللَّازِمِ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَقْلِ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ يَتَحَقَّقُ فِي صُورَةِ أَنْ يَقْضِيَ بِعَجْزِ الْمَكَاتِبِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي صُورَةِ أَنْ يَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ اللَّازِمَ هَاهُنَا لَيْسَ مُطْلَقَ إيجَابِ الْعَقْلِ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ، بَلْ إيجَابُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ الْمَكَاتِبُ فَيَجُرُّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى مَوَالِيهِ وَإِيجَابُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لَازِمٌ مُسَاوٍ لِصُورَةِ إبْقَاءِ الْكِتَابَةِ، إذْ فِي صُورَةِ الْقَضَاءِ بِالْعَجْزِ يَنْتَفِي هَذَا اللَّازِمُ بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ وَهُوَ احْتِمَالُ جَرِّ الْوَلَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، وَلَكِنْ بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَانِعَ أَنْ يَمْنَعَ ثُبُوتَ هَذَا اللَّازِمِ الْمُقَيَّدِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ فِيهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْقَضَاءُ بِمُوجِبِ جِنَايَةِ الْوَلَدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأُمِّ قَضَاءً بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يَخْلُو التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ عَنْ نَوْعِ الْمُصَادَرَةِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَمَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ مِنْ الصَّدَقَاتِ إلَى مَوْلَاهُ ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ طَيِّبٌ لِلْوَلِيِّ لِتَبَدُّلِ الْمِلْكِ) وَتَبَدُّلُ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ فِي الشَّرِيعَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ مِلْكَ
[ ٩ / ٢١٣ ]
لِأَنَّهُ لَا خُبْثَ فِي نَفْسِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا الْخُبْثُ فِي فِعْلِ الْآخِذِ لِكَوْنِهِ إذْلَالًا بِهِ.
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْغَنِيِّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلِلْهَاشِمِيِّ لِزِيَادَةِ حُرْمَتِهِ وَالْأَخْذُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَوْلَى فَصَارَ كَابْنِ السَّبِيلِ إذَا وَصَلَ إلَى وَطَنِهِ وَالْفَقِيرِ إذَا اسْتَغْنَى وَقَدْ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمَا مَا أَخَذَا مِنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُمَا، وَعَلَى هَذَا إذَا أُعْتِقَ الْمُكَاتَبُ وَاسْتَغْنَى يَطِيبُ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ
الرَّقَبَةِ كَانَ لِلْمَوْلَى فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ تَبَدُّلُ الْمِلْكِ؟ قُلْنَا: مِلْكُ الرَّقَبَةِ لِلْمَوْلَى كَانَ مَغْلُوبًا فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْيَدِ لِلْمُكَاتَبِ، حَتَّى كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَمْنَعَ الْمَوْلَى عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ الْمُكَاتَبَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ بِالْعَجْزِ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ، وَلَيْسَ هَذَا إلَّا بِتَبَدُّلِ الْمِلْكِ لِلْمَوْلَى كَذَا قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ. وَاعْتِرَاضُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ تَبَدُّلٌ، وَلَئِنْ كَانَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَهُ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ اهـ. وَقَصَدَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ دَفْعَ ذَلِكَ فَقَالَ: قُلْت أَوَّلُ كَلَامِهِ مَنْعٌ مُجَرَّدٌ، وَالثَّانِي دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الْمَنْعَ الْمُجَرَّدَ وَالْمَنْعَ مَعَ السَّنَدِ كِلَاهُمَا مِنْ دَأْبِ الْمُنَاظِرِينَ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ، فَلَا يُفِيدُ قَوْلُهُ أَوَّلَ كَلَامِهِ مَنْعٌ مُجَرَّدٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالثَّانِي دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ فَفَاسِدٌ، إذْ لَا دَعْوَى لَهُ فِي الثَّانِي بَلْ هُوَ أَيْضًا مَنْعٌ مَحْضٌ كَمَا تَرَى فَلَا يَلْزَمُهُ الْبُرْهَانُ، وَالصَّوَابُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: أَنَّ مَنْعَ التَّبَدُّلِ مُكَابَرَةٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الِانْعِكَاسَ يَقْتَضِي التَّبَدُّلَ بَلْ هُوَ عَيْنُ التَّبَدُّلِ، وَإِنَّ مَنْعَ كَوْنِ مِثْلِ هَذَا التَّبَدُّلِ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ سَاقِطٌ، لِأَنَّ كَوْنَهُ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَكَوْنُهُ بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَلَا مَجَالَ لِمَنْعِهِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمَوْلَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُ يَدٍ قَبْلَ الْعَجْزِ وَحَصَلَ بِهِ فَكَانَ تَبَدُّلًا اهـ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُ يَدٍ فَلَهُ مِلْكُ رَقَبَةٍ. أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا كَلَامُ لَغْوٍ، إذْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِلْكُ رَقَبَةٍ قَبْلَ الْعَجْزِ لَا يُنَافِي تَحَقُّقَ التَّبَدُّلِ بِالنَّظَرِ إلَى مِلْكِ الْيَدِ، وَهُوَ كَافٍ فِي كَوْنِ مَا أُدِّيَ إلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ الصَّدَقَاتِ طَيِّبًا لِلْمَوْلَى كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَالصَّوَابُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَآلِ عَيْنُ الْجَوَابِ الَّذِي اخْتَارَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ، وَأَوْرَدَ هُوَ النَّظَرَ عَلَيْهِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ الْجَوَابِ مِنْ الْمَزِيَّةِ وَهِيَ الْإِشَارَةُ إلَى وَجْهِ اعْتِبَارِهِمْ تَبَدُّلَ مِلْكِ الْيَدِ دُونَ بَقَاءِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ بِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ مَغْلُوبٌ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْيَدِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ حَالِ الْغَالِبِ وَهِيَ التَّبَدُّلُ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ حَالِ الْمَغْلُوبِ وَهِيَ الْبَقَاءُ فَلَا وَجْهَ لِإِيرَادِ النَّظَرِ عَلَى ذَلِكَ الْجَوَابِ، وَذَكَرَ هَذَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَادِّعَاءُ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا خُبْثَ فِي نَفْسِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا الْخُبْثُ فِي فِعْلِ الْآخِذِ، إلَى قَوْلِهِ: وَالْأَخْذُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَوْلَى).
[ ٩ / ٢١٤ ]
الصَّدَقَةِ فِي يَدِهِ.
قَالَ (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ فَكَاتَبَهُ مَوْلَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ ثُمَّ عَجَزَ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ أَوْ يَفْدِي) لِأَنَّ هَذَا مُوجِبُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ عِنْدَ الْكِتَابَةِ حَتَّى يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ إلَّا أَنَّ الْكِتَابَةَ مَانِعَةٌ مِنْ الدَّفْعِ، فَإِذَا زَالَ عَادَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ (وَكَذَلِكَ إذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ حَتَّى عَجَزَ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ (وَإِنْ قَضَى بِهِ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ دَيْنٌ يُبَاعُ فِيهِ) لِانْتِقَالِ الْحَقِّ مِنْ الرَّقَبَةِ إلَى قِيمَتِهِ بِالْقَضَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الدَّفْعِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ قَائِمٌ وَقْتَ الْجِنَايَةِ، فَكَمَا وَقَعَتْ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِلْقِيمَةِ كَمَا فِي جِنَايَةِ
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَعَلَى هَذَا لَوْ أَبَاحَ الْفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ أَوْ الْهَاشِمِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَطِيبَ لَهُمَا عِنْدَهُ إذْ لَا أَخْذَ مِنْهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ. أَقُولُ: إنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا الْأَخْذُ مِنْ يَدِ الْمُتَصَدِّقِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا الْأَخْذُ مِنْ يَدِ الْفَقِيرِ حَيْثُ تَنَاوَلَا مَا كَانَ فِي يَدِهِ وَمِلْكِهِ فَقَدْ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِمَا هُنَاكَ سَبَبُ الْخُبْثِ، إذْ لَا فَرْقَ فِي إيرَاثِ الْخُبْثِ بَيْنَ أَخْذٍ مِنْ وَاحِدٍ وَأَخْذٍ مِنْ آخَرَ إذَا وُجِدَ الْإِذْلَالُ بِالْأَخْذِ، بِخِلَافِ الْمَوْلَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْأَخْذُ لَا مِنْ يَدِ الْمُتَصَدِّقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا مِنْ يَدِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ أَكْسَابَهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، فَبِالْعَجْزِ لَا يَتَبَدَّلُ الْمِلْكُ فَلَا يُوجَدُ مِنْهُ الْأَخْذُ بَلْ يَبْقَى مِلْكُهُ فِي يَدِهِ عَلَى حَالِهِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ تَشْبِيهُهُ بِابْنِ السَّبِيلِ إذَا وَصَلَ إلَى وَطَنِهِ وَالْفَقِيرِ إذَا اسْتَغْنَى وَقَدْ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمَا مَا أَخَذَا مِنْ الصَّدَقَةِ. فَإِنْ قُلْت: لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ مِلْكُ الْيَدِ قَبْلَ الْعَجْزِ بِالِاتِّفَاقِ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ مَنْعُ الْمَوْلَى عَنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا فِي يَدِهِ، فَبِالْعَجْزِ انْتَقَلَ ذَلِكَ مِنْهُ إلَى الْمَوْلَى فَوُجِدَ مِنْ الْمَوْلَى الْأَخْذُ مِنْ يَدِ الْعَبْدِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
قُلْت: ذَاكَ الِانْتِقَالُ ضَرُورِيٌّ وَالْأَخْذُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ أَخْذًا، وَلَوْ سُلِّمَ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ أَخْذًا فَاللَّازِمُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَخْذُ الْمَوْلَى مِلْكَ نَفْسِهِ مِنْ يَدِ عَبْدِهِ، وَاَلَّذِي كَانَ سَبَبًا لِلْخُبْثِ إنَّمَا هُوَ أَخْذُ مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ يَدِهِ
[ ٩ / ٢١٥ ]
الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ.
وَلَنَا أَنَّ الْمَانِعَ قَابِلٌ لِلزَّوَالِ لِلتَّرَدُّدِ وَلَمْ يَثْبُتْ الِانْتِقَالُ فِي الْحَالِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ إذَا أَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَتَوَقَّفُ الْفَسْخُ عَلَى الْقَضَاءِ لِتَرَدُّدِهِ وَاحْتِمَالِ عَوْدِهِ، كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ الزَّوَالَ بِحَالٍ.
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى الْمَكَاتِبُ لَمْ تَنْفَسِخْ الْكِتَابَةُ) كَيْ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُكَاتَبِ، إذْ الْكِتَابَةُ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ وَسَبَبُ حَقِّ الْمَرْءِ حَقُّهُ (وَقِيلَ لَهُ أَدِّ الْمَالَ إلَى وَرَثَةِ الْمَوْلَى عَلَى نُجُومِهِ) لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالسَّبَبُ انْعَقَدَ كَذَلِكَ فَيَبْقَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ، إلَّا أَنَّ الْوَرَثَةَ يَخْلُفُونَهُ
وَهُوَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ إبَاحَةِ الْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ أَوْ الْهَاشِمِيِّ فَوَضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْمَانِعَ قَابِلٌ لِلزَّوَالِ لِتَرَدُّدِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ الِانْتِقَالُ فِي الْحَالِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ الِانْتِقَالُ فِي الْحَالِ مُتَنَازَعٌ فِيهِ، لِأَنَّ مَذْهَبَ زُفَرَ ﵀ أَنَّ جِنَايَةَ الْمُكَاتَبِ تَصِيرُ مَالًا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ فَمَا وَجْهُ
[ ٩ / ٢١٦ ]
فِي الِاسْتِيفَاءِ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُكَاتِبَ لَا يَمْلِكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ فَكَذَا بِسَبَبِ الْوِرَاثَةِ.
وَإِنْ أَعْتَقُوهُ جَمِيعًا عَتَقَ وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إبْرَاءً عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ حَقُّهُمْ وَقَدْ جَرَى فِيهِ الْإِرْثُ، وَإِذَا بَرِئَ الْمُكَاتَبُ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ يُعْتَقُ كَمَا إذَا أَبْرَأَهُ مَوْلَاهُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ لَا يَصِيرُ إبْرَاءً عَنْ نَصِيبِهِ، لِأَنَّا نَجْعَلُهُ إبْرَاءَ اقْتِضَاءٍ تَصْحِيحًا لِعِتْقِهِ. وَالْعِتْقُ لَا يَثْبُتُ بِإِبْرَاءِ الْبَعْضِ أَوْ أَدَائِهِ فِي الْمُكَاتَبِ لَا فِي بَعْضِهِ وَلَا فِي كُلِّهِ، وَلَا وَجْهَ إلَى إبْرَاءِ الْكُلِّ لِحَقِّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَخْذِهِ فِي الدَّلِيلِ؟ قُلْنَا ظُهُورُهُ، فَإِنَّ التَّرَدُّدَ فِي زَوَالِ الْمَانِعِ يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ لِإِمْكَانِ عَوْدِ الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرَدُّدِ فِي زَوَالِ الْمَانِعِ يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ، كَيْفَ وَهَذَا التَّرَدُّدُ مُتَحَقِّقٌ فِيمَا إذَا عَجَزَ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَيْضًا مَعَ ثُبُوتِ الِانْتِقَالِ هُنَاكَ بِالِاتِّفَاقِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَمْنَعَ هَاهُنَا أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ زُفَرَ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا؟ فَمِنْ أَيْنَ يَثْبُتُ الظُّهُورُ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرَدُّدِ فِي زَوَالِ الْمَانِعِ يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ فِي الْحَالِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَثْبُتْ الِانْتِقَالُ فِي الْحَالِ مُسْتَدْرَكًا بَعْدَ أَنْ قَالَ إنَّ الْمَانِعَ قَابِلٌ لِلزَّوَالِ لِلتَّرَدُّدِ، أَوْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ فَلَمْ يَثْبُتْ الِانْتِقَالُ فِي الْحَالِ بِالتَّفْرِيعِ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَنَبَّهَ لِهَذَا حَيْثُ قَالَ: وَلَمَّا كَانَ الْمَانِعُ مُتَرَدِّدًا لَمْ يَثْبُتْ الِانْتِقَالُ عَنْ الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا.