قَالَ (الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْعَقَارِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْسَمُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا يُقْسَمُ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ دَفْعًا لِمُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَقَارٌ أَوْ رَبْعٌ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ سَبَبُهَا الِاتِّصَالُ فِي الْمِلْكِ وَالْحِكْمَةَ دَفْعُ ضَرَرِ سُوءِ الْجِوَارِ عَلَى
تَأَمَّلْ تَقِفْ. بَقِيَ شَيْءٌ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ وَهُوَ أَنَّهُ نَفَى كَوْنَ مَدَارِ الْفَرْقِ الْجَبْرَ وَالِاخْتِيَارَ وَحَكَمَ بِأَنَّ مَدَارَهُ الْغُرُورُ وَعَدَمُ الْغُرُورِ، فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ سَبَبُ الْغُرُورِ فِي الْمُشْتَرِي وَعَدَمُ الْغُرُورِ فِي الشَّفِيعِ كَوْنَ الْبَائِعِ مُخْتَارًا وَخَصْمِ الشَّفِيعِ مَجْبُورًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى مَا نَفَاهُ.
وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُمَا غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ وَاضِحٍ سِيَّمَا بَيْنَ الشَّفِيعِ الْآخِذِ بِرِضَا خَصْمِهِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنْ يُقَالَ: سَبَبُ غُرُورِ الْمُشْتَرِي الْتِزَامُ الْبَائِعِ لَهُ سَلَامَةَ الْمَبِيعِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ تَقْرِيرُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ لِدَفْعِ الْغُرُورِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ الْتَزَمَ لِلْمُشْتَرِي السَّلَامَةَ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ خَصْمَ الشَّفِيعِ وَإِنْ رَضِيَ بِأَخْذِهِ لَكِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ السَّلَامَةَ فَافْتَرَقَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
(بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا تَجِبُ) ذَكَرَ تَفْصِيلَ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا تَجِبُ بَعْدَ ذِكْرِ نَفْسِ الْوُجُوبِ مُجْمَلًا، لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَ الْإِجْمَالِ كَذَا فِي الشُّرُوحِ
(قَوْلُهُ الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْعَقَارِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: الْعَقَارُ كُلُّ مَا لَهُ أَصْلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ أَقُولُ: تَفْسِيرُهُمْ الْعَقَارَ بِهَذَا الْوَجْهِ مِمَّا يَأْبَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَقَارٌ أَوْ رَبْعٌ» لِأَنَّ الرَّبْعَ هُوَ الدَّارُ بِعَيْنِهَا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشُّرَّاحُ هَاهُنَا، وَقَدْ عَطَفَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْعَقَارِ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ فَكَيْفَ يَتَيَسَّرُ إدْرَاجُ الدَّارِ فِي مَعْنَى الْعَقَارِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ لَكِنَّ النُّكْتَةَ فِيهِ غَيْرُ وَاضِحَةٍ،
[ ٩ / ٤٠٣ ]
مَا مَرَّ، وَأَنَّهُ يَنْتَظِمُ الْقِسْمَيْنِ مَا يُقْسَمُ وَمَا لَا يُقْسَمُ وَهُوَ الْحَمَّامُ وَالرَّحَى وَالْبِئْرُ وَالطَّرِيقُ.
قَالَ (وَلَا شُفْعَةَ فِي الْعُرُوضِ وَالسُّفُنِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي إيجَابِهَا فِي السُّفُنِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ سُوءِ الْجِوَارِ عَلَى الدَّوَامِ، وَالْمِلْكُ فِي الْمَنْقُولِ لَا يَدُومُ حَسَبَ دَوَامِهِ فِي الْعَقَارِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ وَلَا شُفْعَةَ فِي الْبِنَاءِ وَالنَّخْلِ إذَا بِيعَتْ دُونَ الْعَرْصَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ لَا قَرَارَ لَهُ فَكَانَ نَقْلِيًّا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعُلُوِّ حَيْثُ يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ وَيُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ فِي السُّفْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ الْعُلُوِّ فِيهِ، لِأَنَّهُ بِمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الْقَرَارِ الْتَحَقَ بِالْعَقَارِ قَالَ (وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ) لِلْعُمُومَاتِ وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي السَّبَبِ وَالْحِكْمَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْبَاغِي وَالْعَادِلُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ إذَا كَانَ مَأْذُونًا أَوْ مُكَاتَبًا
عَلَى أَنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِكَلِمَةٍ أَوْ مِمَّا لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ ثُمَّ أَقُولُ: قَالَ الْإِمَامُ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ: وَالْعَقَارُ الضَّيْعَةُ، وَقِيلَ كُلُّ مَالٍ لَهُ أَصْلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ اهـ فَلَعَلَّ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَارِدٌ عَلَى أَوَّلِ التَّفْسِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمُغْرِبِ لِلْعَقَارِ وَهُوَ التَّفْسِيرُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ تَحْرِيرُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا مُطَابِقٌ لِلتَّفْسِيرِ الثَّانِي مِنْهُمَا، فَكَأَنَّهُمْ اخْتَارُوهُ هَاهُنَا لِكَوْنِهِ الْمُنَاسِبَ لِلْمَقَامِ مِنْ الشُّفْعَةِ كَمَا تَثْبُتُ فِي الضَّيْعَةِ تَثْبُتُ فِي الدَّارِ وَنَحْوِهَا أَيْضًا عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الْعَيْنِ مِنْ بَابِ الرَّاءِ: وَالْعَقَارُ بِالْفَتْحِ الْأَرْضُ وَالضِّيَاعُ وَالنَّخْلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَا لَهُ دَارٌ وَلَا عَقَارٌ اهـ وَقَالَ فِي فَصْلِ الضَّادِ مِنْ بَابِ الْعَيْنِ مِنْ الصِّحَاحِ: وَالضَّيْعَةُ الْعَقَارُ وَالْجَمْعُ ضِيَاعٌ اهـ أَقُولُ: فِي كَلَامِهِ اخْتِلَالٌ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْعَقَارَ أَوَّلًا بِمَا يَشْمَلُ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ وَهِيَ الْأَرْضُ وَالضِّيَاعُ وَالنَّخْلُ، ثُمَّ فَسَّرَ الضَّيْعَةَ الَّتِي هِيَ مُفْرَدُ الضِّيَاعِ بِالْعَقَارِ فَلَزِمَ تَفْسِيرُ الْأَخَصِّ بِالْأَعَمِّ كَمَا تَرَى
(قَوْلُهُ وَلَا شُفْعَةَ فِي الْعُرُوضِ وَالسُّفُنِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ») أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّهُ ﵊ حَصْرُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الرَّبْعِ وَالْحَائِطِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ حَقِّ الشُّفْعَةِ فِي غَيْرِهِمَا وَمِنْ غَيْرِهِمَا الْعُرُوض وَالسُّفُنُ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْحَصْرِ أَنْ لَا تَثْبُتَ الشُّفْعَةُ فِي عَقَارٍ غَيْرِ رَبْعٍ وَحَائِطٍ أَيْضًا كَضَيْعَةٍ خَالِيَةٍ مَثَلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا فَكَيْفَ يَتِمُّ التَّمَسُّكُ بِهِ؟ فَإِنْ قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ الْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْقَصْرِ الْإِضَافِيِّ دُونَ الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ قَصْرَ ثُبُوتِهَا عَلَى رَبْعٍ وَحَائِطٍ بِالْإِضَافَةِ لِلْعُرُوضِ وَالسُّفُنِ لَا قَصْرَهُ عَلَيْهِمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ مَا عَدَاهُمَا فَلَا يُرَدُّ الْمَحْذُورُ الْمَزْبُورُ قُلْت: مِنْ أَيْنَ تَفْهَمُ أَنَّ إضَافَةَ ذَلِكَ الْقَصْرِ إلَى الْعُرُوضِ وَالسُّفُنِ لَا إلَى الْعُرُوضِ فَقَطْ دُونَ السُّفُنِ، وَلَا إلَى مَا يَعُمُّ شَيْئًا مِمَّا سِوَى الْعُرُوضِ وَالسُّفُنِ وَمَا الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَتِمَّ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَيَصِيرَ حُجَّةً عَلَى مَالِكٍ فِي إيجَابِهَا فِي السُّفُنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَتَأَمَّلْ
[ ٩ / ٤٠٤ ]
قَالَ (وَإِذَا مَلَكَ الْعَقَارَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مُرَاعَاةُ شَرْطِ الشَّرْعِ فِيهِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ بِمِثْلِ مَا تَمَلَّكَ بِهِ الْمُشْتَرِي صُورَةً أَوْ قِيمَةً عَلَى مَا مَرَّ قَالَ (وَلَا شُفْعَةَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَيْهَا أَوْ يُخَالِعُ الْمَرْأَةَ بِهَا أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِهَا دَارًا أَوْ غَيْرَهَا أَوْ يُصَالِحُ بِهَا عَنْ دَمٍ عَمْدٍ أَوْ يَعْتِقُ عَلَيْهَا عَبْدًا) لِأَنَّ الشُّفْعَةَ عِنْدَنَا إنَّمَا تَجِبُ فِي مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ لِمَا بَيَّنَّا، وَهَذِهِ الْأَعْوَاضُ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ، فَإِيجَابُ الشُّفْعَةِ فِيهَا خِلَافُ الْمَشْرُوعِ وَقَلْبُ الْمَوْضُوعِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْوَاضَ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُ فَأَمْكَنَ الْأَخْذُ بِقِيمَتِهَا إنْ تَعَذَّرَ بِمِثْلِهَا كَمَا فِي الْبَيْعِ بِالْعَرْضِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ لِأَنَّهُ لَا عِوَضَ فِيهَا رَأْسًا
قَوْلُهُ وَإِذَا مَلَكَ الْعَقَارَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مُرَاعَاةُ شَرْطِ الشَّرْعِ فِيهِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ بِمِثْلِ مَا تَمَلَّكَ بِهِ الْمُشْتَرِي صُورَةً أَوْ قِيمَةً عَلَى مَا مَرَّ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْعَقَارِ، وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَتَمَلَّكَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ، لِأَنَّ مُرَاعَاةَ شَرْطِ الشَّرْعِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ بِمِثْلِ مَا مَلَكَ الْمُشْتَرِي صُورَةً فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ أَوْ قِيمَةً فِي ذَوَاتِ الْقِيَمِ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلِ مَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمَشْفُوعُ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ إنَّمَا تُمْكِنُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَالًا، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدَّمَ الشَّفِيعَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي إثْبَاتِ حَقِّ الْأَخْذِ لَهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ لَا بِإِنْشَاءِ سَبَبٍ آخَرَ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ فِي الْمَوْهُوبِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ أَخَذَهُ بِعِوَضٍ فَكَانَ سَبَبًا غَيْرَ السَّبَبِ الَّذِي تَمَلَّكَ بِهِ الْمُتَمَلِّكُ اهـ أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِلَا عِوَضٍ بِالسَّبَبِ الَّذِي تَمَلَّكَ بِهِ الْمُتَمَلِّكُ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِلَا عِوَضٍ لَا يُقَالُ: لَا يُتَصَوَّرُ الْهِبَةُ بِدُونِ رِضَا الْوَاهِبِ وَالْمُتَمَلِّكُ لَا يَرْضَى بِخُرُوجِ الْمَوْهُوبِ مِنْ يَدِهِ بِلَا عِوَضٍ فَلَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِلَا عِوَضٍ لِأَنَّا نَقُولُ: مَدَارُ الشُّفْعَةِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَا الْمُتَمَلِّكِ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: إنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَعْدُولٌ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ الْمَالِ عَلَى الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَمَا مَرَّ فِي صَدْرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ، فَلَا تَأْثِيرَ لِحَدِيثِ عَدَمِ رِضَا الْمُتَمَلِّكِ بِخُرُوجِ الْمَوْهُوبِ مِنْ يَدِهِ بِلَا عِوَضٍ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ فِي الْمَوْهُوبِ، فَالْوَجْهُ التَّامُّ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْمَوْرُوثِ وَأَمْثَالِهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الشُّفْعَةَ عِنْدَنَا تَخْتَصُّ بِمُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْآثَارِ فِي مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْوَاضَ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُ فَأَمْكَنَ الْأَخْذُ بِقِيمَتِهَا) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَهِيَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَأَجْرُ الْمِثْلِ فِي التَّزْوِيجِ وَالْخُلْعِ وَالْإِجَارَةِ وَقِيمَةِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ فِي الصُّلْحِ وَالْإِعْتَاقِ اهـ أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ
[ ٩ / ٤٠٥ ]
وَقَوْلُهُ يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا جَعَلَ شِقْصًا مِنْ دَارٍ مَهْرًا أَوْ مَا يُضَاهِيهِ لِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ إلَّا فِيهِ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ تَقَوُّمَ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ضَرُورِيٌّ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشُّفْعَةِ، وَكَذَا الدَّمُ وَالْعِتْقُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَا يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ الْمَطْلُوبِ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا، وَعَلَى هَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ ثُمَّ فَرَضَ لَهَا الدَّارَ مَهْرًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْرُوضِ فِي الْعَقْدِ فِي كَوْنِهِ مُقَابِلًا بِالْبُضْعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِالْمُسَمَّى لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى دَارٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ أَلْفًا فَلَا شُفْعَةَ فِي جَمِيعِ الدَّارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: تَجِبُ فِي حِصَّةِ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ مَالِيَّةٌ فِي حَقِّهِ.
وَهُوَ يَقُولُ مَعْنَى الْبَيْعِ فِيهِ تَابِعٌ وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَلَا يَفْسُدُ بِشَرْطِ النِّكَاحِ فِيهِ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الْأَصْلِ فَكَذَا فِي التَّبَعِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ فِي الْمُبَادَلَةِ الْمَالِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ
وَقِيمَةُ الدَّارِ نَظَرٌ، إذْ الْكَلَامُ فِي قِيمَةِ الْأَعْوَاضِ الَّتِي جُعِلَتْ بَدَلًا لِلدَّارِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ لَا فِي قِيمَةِ نَفْسِ الدَّارِ، وَالْعِوَضُ فِي صُورَةِ الصُّلْحِ هُوَ دَمُ الْعَمْدِ، فَالْوَاجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قِيمَةُ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى زَعْمِهِ لَا قِيمَةُ الدَّارِ لَا يُقَالُ: لَمَّا جُعِلَ دَمُ الْعَمْدِ عِوَضًا مِنْ الدَّارِ صَارَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الدَّارِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ اقْتَضَى هَذَا الْقَدْرُ أَنْ تَصِيرَ قِيمَةُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ قِيمَةً لِلْآخَرِ لَكَانَ قِيمَةُ الْأَعْوَاضِ الْمَذْكُورَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ كُلِّهَا قِيمَةَ الدَّارِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا عِوَضًا مِنْ الدَّارِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، بَلْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ فِي نَفْسِ الْعِنَايَةِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ لَمَّا تَنَبَّهَ لِإِجْمَالِ مَا قُلْنَا قَالَ: كَأَنَّ الْكَلَامَ فِي قِيمَةِ الْأَعْوَاضِ لَا فِي قِيمَةِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ فَتَأَمَّلْ.
اهـ أَقُولُ: لَمْ يُصِبْ فِي زِيَادَتِهِ الْعَبْدَ وَإِلْحَاقِهِ بِالدَّارِ فِي الْمُؤَاخَذَةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مَأْخُوذٌ فِي جَانِبِ الْأَعْوَاضِ الْمُقَابِلَةِ لِلدَّارِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ عِبَارَةُ الْكِتَابِ، فَكَوْنُ الْكَلَامِ فِي قِيمَةِ الْأَعْوَاضِ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي صُورَةِ الْإِعْتَاقِ. نَعَمْ الْعِوَضُ إعْتَاقُ الْعَبْدِ لَا نَفْسُ الْعَبْدِ، لَكِنْ مَنْ يَجْعَلُ الْإِعْتَاقَ مُتَقَوِّمًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِهِ، وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى أَصْلِهِ، وَأَمَّا التَّحْقِيقُ مِنْ قِبَلِنَا فَسَيَجِيءُ مِنْ بَعْدُ
(قَوْلُهُ وَكَذَا الدَّمُ وَالْعِتْقُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ:
[ ٩ / ٤٠٦ ]
حَتَّى أَنَّ الْمُضَارِبَ إذَا بَاعَ دَارًا وَفِيهَا رِبْحٌ لَا يَسْتَحِقُّ رَبُّ الْمَالِ الشُّفْعَةَ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا فِيهِ قَالَ (أَوْ يُصَالِحُ عَلَيْهَا بِإِنْكَارٍ، فَإِنْ صَالَحَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارٍ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ) قَالَ ﵁: هَكَذَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ، وَالصَّحِيحُ أَوْ يُصَالِحُ عَنْهَا بِإِنْكَارٍ مَكَانَ قَوْلِهِ أَوْ يُصَالِحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ إذَا صَالَحَ عَنْهَا بِإِنْكَارٍ بَقِيَ الدَّارُ فِي يَدِهِ فَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ عَنْ مِلْكِهِ، وَكَذَا إذَا صَالَحَ عَنْهَا بِسُكُوتٍ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَذَلَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِشَغَبِ خَصْمِهِ، كَمَا إذَا أَنْكَرَ صَرِيحًا، بِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَ عَنْهَا بِإِقْرَارٍ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَهُ بِالصُّلْحِ فَكَانَ مُبَادَلَةً مَالِيَّةً.
أَمَّا إذَا صَالَحَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارٍ أَوْ سُكُوتٍ أَوْ إنْكَارٍ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ فَيُعَامَلَ بِزَعْمِهِ قَالَ (وَلَا شُفْعَةَ فِي هِبَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ بِعِوَضٍ مَشْرُوطٍ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ انْتِهَاءً، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَوْهُوبُ وَلَا عِوَضُهُ شَائِعًا لِأَنَّهُ هِبَةٌ ابْتِدَاءً وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْعِوَضُ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هِبَةٌ مُطْلَقَةٌ، إلَّا أَنَّهُ أُثِيبَ مِنْهَا فَامْتَنَعَ الرُّجُوعُ قَالَ (وَمَنْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْبَائِعِ (فَإِنْ أُسْقِطَ الْخِيَارُ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّهُ زَالَ الْمَانِعُ عَنْ الزَّوَالِ وَيُشْتَرَطُ الطَّلَبُ عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَصِيرُ سَبَبًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ عِنْدَ ذَلِكَ.
(وَإِنْ اشْتَرَى بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَجَبَ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْبَائِعِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالشُّفْعَةُ تُبْتَنَى عَلَيْهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا أَخَذَهَا فِي الثُّلُثِ وَجَبَ الْبَيْعُ لِعَجْزِ الْمُشْتَرِي عَنْ الرَّدِّ، وَلَا خِيَارَ لِلشَّفِيعِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ،
إنَّمَا أَفْرَدَهُمَا لِأَنَّ تَقَوُّمَهُمَا أَبْعَدُ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالَيْنِ فَضْلًا عَنْ التَّقَوُّمِ اهـ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ تَمَامَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ سَائِرِ
[ ٩ / ٤٠٧ ]
وَهُوَ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ، وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ إلَى جَنْبِهَا وَالْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ أَمَّا لِلْبَائِعِ فَظَاهِرٌ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ فِي الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا، وَكَذَا إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَفِيهِ إشْكَالٌ أَوْضَحْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ فَلَا نُعِيدُهُ، وَإِذَا أَخَذَهَا كَانَ إجَازَةً مِنْهُ لِلْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَرَهَا حَيْثُ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ بِأَخْذِ مَا بِيعَ بِجَنْبِهَا بِالشُّفْعَةِ، لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الْإِبْطَالِ فَكَيْفَ بِدَلَالَتِهِ، ثُمَّ إذَا حَضَرَ شَفِيعُ الدَّارِ الْأُولَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا دُونَ الثَّانِيَةِ لِانْعِدَامِ مِلْكِهِ فِي الْأُولَى حِينَ بِيعَتْ الثَّانِيَةُ
قَالَ (وَمَنْ ابْتَاعَ دَارًا شِرَاءً فَاسِدًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا) أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِعَدَمِ زَوَالِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ لِاحْتِمَالِ الْفَسْخِ،
الْأَعْوَاضِ الْمَذْكُورَةِ مَالًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا أَيْضًا لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ عِنْدَنَا، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ وَهَذِهِ الْأَعْوَاضُ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ، وَقَوْلُهُ فِي بَابِ الْمَهْرِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ عَلَى أَصْلِنَا وَالْحَقُّ عِنْدِي فِي تَعْلِيلِ أَنَّ تَقَوُّمَهُمَا أَبْعَدُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُتَقَوِّمَيْنِ أَصْلًا: أَيْ لَا بِالتَّقَوُّمِ الضَّرُورِيِّ وَلَا بِغَيْرِ الضَّرُورِيِّ كَمَا مَرَّ آنِفًا
(قَوْلُهُ وَفِيهِ إشْكَالٌ أَوْضَحْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ فَلَا نُعِيدُهُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذِهِ الْحَوَالَةُ فِي حَقِّ الْإِشْكَالِ غَيْرُ رَائِجَةٍ، بَلْ فِيهِ جَوَابُ الْإِشْكَالِ لَا الْإِشْكَالُ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَبِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا إلَخْ) وَقِيلَ إذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ فِي حَقِّ جَوَابِ الْإِشْكَالِ رَائِجَةً كَانَتْ فِي حَقِّ الْإِشْكَالِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يَتَضَمَّنُ السُّؤَالَ، وَقِيلَ لَمْ يَقُلْ فِي بُيُوعِ هَذَا الْكِتَابِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْضَحَهُ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا نُعِيدُهُ يَأْبَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ أَوْضَحْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ إيضَاحَهُ فِي بُيُوعِ كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى، لِأَنَّ ذِكْرَ شَيْءٍ فِي كِتَابِهِ هَذَا بَعْد أَنْ ذَكَرَهُ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى لَا يُعَدُّ إعَادَةً، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ مَسَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ بَلْ جَمِيعُهَا مِنْ قَبِيلِ الْإِعَادَةِ لِكَوْنِهَا مَذْكُورَةً فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى
(قَوْلُهُ وَمَنْ ابْتَاعَ دَارًا شِرَاءً فَاسِدًا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِي قَوْلِهِ وَمَنْ ابْتَاعَ دَارًا شِرَاءً فَاسِدًا تَلْوِيحٌ إلَى أَنَّ عَدَمَ الشُّفْعَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا وَقَعَ فَاسِدًا ابْتِدَاءً، لِأَنَّ الْفَسَادَ إذَا كَانَ بَعْدَ انْعِقَادِهِ صَحِيحًا فَحَقُّ الشُّفْعَةِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ اهـ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي بَيَانِ وَجْهِ التَّلْوِيحِ حَيْثُ أَتَى بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحُدُوثِ لَا الِاسْتِمْرَارِ اهـ أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ
[ ٩ / ٤٠٨ ]
وَحَقُّ الْفَسْخِ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ، وَفِي إثْبَاتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ تَقْرِيرُ الْفَسَادِ فَلَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ صَارَ أَخَصَّ بِهِ تَصَرُّفًا وَفِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ قَالَ (فَإِنْ سَقَطَ حَقُّ الْفَسْخِ
عَجِيبٌ، لِأَنَّ حُدُوثَ الْفَسَادِ كَمَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا وَقَعَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ يُوجَدُ أَيْضًا فِيمَا إذَا وَقَعَ بَعْدَ انْعِقَادِهِ صَحِيحًا، بَلْ الْحُدُوثُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَظْهَرُ وَأَجْلَى لِأَنَّ الْفَسَادَ يَحْصُلُ فِيهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَهُوَ حَاصِلٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَفِيهَا اسْتِمْرَارُ الْفَسَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، فَمُجَرَّدُ الْإِتْيَانِ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُلَوِّحًا إلَى الثَّانِيَةِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُلَوِّحًا إلَى الْأُولَى وَالصَّوَابُ أَنَّ وَجْهَ التَّلْوِيحِ إلَى ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ شِرَاءً فَاسِدًا قَيْدًا لِلِابْتِيَاعِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْعَقْدِ، فَعُلِمَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْفَسَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا الْفَسَادُ الطَّارِئُ وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ
(قَوْلُهُ وَحَقُّ الْفَسْخِ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ، وَفِي إثْبَاتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ تَقْرِيرُ الْفَسَادِ) وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْمُفْسِدُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَقْرِيرُ الْفَسَادِ
[ ٩ / ٤٠٩ ]
وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا وَهِيَ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَإِنْ سَلَّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَهُوَ شَفِيعُهَا لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ) ثُمَّ إنْ سَلَّمَ الْبَائِعُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لَهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ كَمَا إذَا بَاعَ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَ بَعْدَهُ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ فِي الدَّارِ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَبَقِيَتْ الْمَأْخُوذَةُ بِالشُّفْعَةِ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ اسْتَرَدَّهَا الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لَهُ بَطَلَتْ لِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ اسْتَرَدَّهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بَقِيَتْ الثَّانِيَةُ عَلَى مِلْكِهِ لِمَا بَيَّنَّا
وَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي كَمَا لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ الثَّابِتُ لِلْمُشْتَرِي الَّذِي اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ فَيَسْتَحِقَّهَا بِدُونِ شَرْطِ الْخِيَارِ كَمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ فِي قَوْلِهِ وَلَا خِيَارَ لِلشَّفِيعِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالشَّرْطِ وَهُوَ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ فَسَادَ الْبَيْعِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى الْعِوَضِ، إمَّا بِالشَّرْطِ فِي حَقِّهِ أَوْ لِفَسَادٍ فِي نَفْسِهِ كَجَعْلِ الْخَمْرِ ثَمَنًا، فَلَوْ أَسْقَطْنَا الْعِوَضَ لِفَسَادٍ فِيهِ بَقِيَ الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا فَلَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُ الْبَيْعِ عَنْ مُفْسِدٍ فَلَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ هُنَاكَ وَأَمَّا الْخِيَارُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ الْعِوَضَيْنِ، إذْ هُوَ لِلتَّأَمُّلِ وَالتَّرَوِّي، فَبِإِسْقَاطِهِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لَا يَلْزَمُ الْفَسَادُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِلَا شَرْطِ خِيَارٍ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الشُّرُوحِ وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ فَلَوْ أَسْقَطْنَا الْعِوَضَ لِفَسَادٍ فِيهِ بَقِيَ الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لَا حَاجَةَ إلَى إسْقَاطِ الْعِوَضِ، بَلْ يَكْفِي إسْقَاطُ الشَّرْطِ كَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَاعْتِبَارِ قِيمَةِ مِثْلِ الْخَمْرِ فَتَدَبَّرْ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ إسْقَاطِ الشَّرْطِ وَاعْتِبَارِ قِيمَةِ مِثْلِ الْخَمْرِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِدُونِ إسْقَاطِ نَفْسِ الْعِوَضِ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ إسْقَاطَ الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ الرَّاجِعِ إلَى الْعِوَضِ فِي عَقْدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَسْتَدْعِي إسْقَاطَ نَفْسِ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ فِي ذَلِكَ الْعَقْدِ ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَأَمَّا إمْكَانُ عَدَمِ إسْقَاطِ مَا يَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ فَغَيْرُ مُفِيدٍ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْمَشْفُوعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ الْمُشْتَرِي لَا بِمُطْلَقِ جِنْسِ الثَّمَنِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قِيمَةِ مِثْلِ الْخَمْرِ فِي الْبَيْعِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأَنَّ مِثْلَ الْخَمْرِ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ لِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْكُفَّارِ فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا عِنْدَ هُمْ، لَكِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْبَيْعِ الصَّادِرِ مِنْهُمْ بَيْعٌ صَحِيحٌ وَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ فِيهِ كَمَا مَرَّ فِي فَصْلِ مَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمَشْفُوعُ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا مَعْنَى
[ ٩ / ٤١٠ ]
قَالَ (وَإِذَا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ الْعَقَارَ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِمْ بِالْقِسْمَةِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الْإِفْرَازِ وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهَا الْجَبْرُ؛ وَالشُّفْعَةُ مَا شُرِعَتْ إلَّا فِي الْمُبَادَلَةِ الْمُطْلَقَةِ قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى دَارًا فَسَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ ثُمَّ رَدَّهَا الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَعَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ وَالشُّفْعَةُ فِي إنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ (وَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ بِغَيْرِ قَضَاءٍ أَوْ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ فِي حَقِّهِمَا لِوِلَايَتِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَقَدْ قَصَدَا الْفَسْخَ وَهُوَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ لِوُجُودِ حَدِّ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ بِالتَّرَاضِي وَالشَّفِيعُ ثَالِثٌ، وَمُرَادُهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّ قَبْلَهُ فَسْخٌ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنْ
لِلْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا
(قَوْلُهُ وَإِذَا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ الْعَقَارَ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِمْ بِالْقِسْمَةِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الْإِفْرَازِ وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهَا الْجَبْرُ؛ وَالشُّفْعَةُ مَا شُرِعَتْ إلَّا فِي الْمُبَادَلَةِ الْمُطْلَقَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَتْ لِلْمُقَاسِمِ لِكَوْنِهِ جَارًا بَعْدَ الْإِفْرَازِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ اهـ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْمُقَاسِمِ جَارًا بَعْدَ الْإِفْرَازِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ لَهُ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّمًا عَلَى زَوَالِ مِلْكِ الْمَالِكِ عَنْ الْعَقَارِ الْمَشْفُوعِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعَهُ وَقَدْ تَأَخَّرَ عَنْهُ هُنَا حَيْثُ حَصَلَ الْجِوَارُ بَعْدَ الْإِفْرَازِ الَّذِي يَزُولُ بِهِ مِلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقْتَسِمِينَ عَنْ الْجُزْءِ الشَّائِعِ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لِلْمُقَاسِمِ لِأَجَلِ مَانِعٍ يَمْنَعُ عَنْهُ وَهُوَ التَّعَذُّرُ الْمَذْكُورُ عَدَمُ وُجُوبِهَا لِلْجَارِ الْآخَرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ الْمَانِعُ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ؛ وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ وَجَبَتْ لِلْمُقَاسِمِ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ وَالشَّرِيكُ أَوْلَى مِنْ الْجَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ الْجَارُ عَلَى الشَّرِيكِ اهـ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُقَاسِمَ إنَّمَا كَانَ شَرِيكًا قَبْلَ الِاقْتِسَامِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ صَارَ جَارًا فَلَا يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الْجَارِ عَلَى الشَّرِيكِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ تَقَدُّمَ الْجَارِ عَلَى الشَّرِيكِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ وَيَبْطُلُ لَوْ ثَبَتَ لِذَلِكَ الشَّرِيكِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقُّهَا لِمَانِعٍ كَمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمُ الْجَارِ عَلَى الشَّرِيكِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ فَضْلًا عَنْ بُطْلَانِ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى دَارًا فَسَلَّمَ الشَّرِيكَ الشُّفْعَةَ فِيهَا أَخَذَهَا الْجَارُ لِسُقُوطِ حَقِّ الشَّرِيكِ كَمَا مَرَّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يُقَدَّمَ الْجَارُ عَلَى الشَّرِيكِ فَمَا ظَنُّك فِيمَا نَحْنُ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: أَيْ مُرَادُ الْقُدُورِيِّ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ
[ ٩ / ٤١١ ]
كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ عَلَى مَا عُرِفَ؛ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَا شُفْعَةَ فِي قِسْمَةٍ وَلَا خِيَارِ رُؤْيَةٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ: لَا شُفْعَةَ بِسَبَبِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا تَصِحُّ الرِّوَايَةُ بِالْفَتْحِ عَطْفًا عَلَى الشُّفْعَةِ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَحْفُوظَةٌ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الْقِسْمَةِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ لِخَلَلٍ فِي الرِّضَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ لُزُومُهُ بِالرِّضَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْقِسْمَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
قَالَ: قَالَ الشَّارِحُونَ قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ: أَيْ مُرَادُ الْقُدُورِيِّ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ هُنَاكَ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ اهـ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ كَوْنُ التَّقْيِيدِ بِالْقَضَاءِ لَغْوًا فِي صُورَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ لَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ حَتَّى يُنَاقِضَ مَا سَبَقَ فَيَتِمَّ كَلَامُ الشَّارِحِينَ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
كَلَامُهُ يَعْنِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ جَانِبِ هَؤُلَاءِ الشَّارِحِينَ إنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِحَمْلِ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، صِيَانَةُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ عَنْ اللَّغْوِ، فَإِنَّ الرَّدَّ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا كَانَ فَسْخًا مِنْ الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ أَصْلًا سَوَاءً كَانَ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ هُوَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَكَانَ التَّقْيِيدُ بِالْقَضَاءِ لَغْوًا فِي صُورَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ، وَلَيْسَ مُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ فِي الْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّدُّ بِالْقَضَاءِ حَتَّى يُنَاقِضَ قَوْلَهُ هُنَا فِيمَا سَبَقَ. أَقُولُ: الْحَقُّ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ سَاقِطٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلَاءِ الشَّارِحُونَ لَمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ وَمُرَادُهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ فِيمَا بَعْدَ بَيَانِ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ وَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ بِغَيْرِ قَضَاءٍ إلَخْ بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهُ قَبْلَهُ أَثْنَاءَ بَيَانِ قَوْلِهِ ثُمَّ رَدَّهَا الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ لَهُ دُرْبَةٌ بِأَسَالِيبِ كَلَامِ الثِّقَاتِ سِيَّمَا الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ عَدَمَ ظُهُورِهِ فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ بِالْقَضَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى صُورَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ التَّقْيِيدِ بِالْقَضَاءِ لَغْوًا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ عَامًّا شَامِلًا لِصُورَتَيْ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ، لِأَنَّ ظُهُورَ فَائِدَةِ التَّقْيِيدِ بِالنَّظَرِ إلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْكَلَامِ الْعَامِّ كَافٍ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْمُقَيَّدِ بِذَلِكَ الْقَيْدِ مَصُونًا عَنْ اللَّغْوِ وَغَيْرَ مُخِلٍّ بِعُمُومِهِ فَرْدًا آخَرَ أَيْضًا، إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَيْدُ مُنَافِيًا لِعُمُومِ ذَلِكَ الْفَرْدِ الْآخَرِ، وَهَاهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الْقَضَاءَ كَمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْقَبْضِ يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَيْضًا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَأْثِيرَ الْقَضَاءِ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ تَأَمَّلْ تَقِفْ
[ ٩ / ٤١٢ ]