(وَلَوْ اقْتَسَمَا دَارًا وَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ طَائِفَةً فَادَّعَى أَحَدُهُمْ بَيْتًا فِي يَدِ الْآخَرِ أَنَّهُ مِمَّا أَصَابَهُ بِالْقِسْمَةِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ) لِمَا قُلْنَا (وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ خَارِجٌ، وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ تَتَرَجَّحُ عَلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ (وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْقَبْضِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْحُدُودِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ بِالْجُزْءِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَإِنْ قَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُضِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحَالَفَا) كَمَا فِي الْبَيْعِ.
فَصْلٌ
قَالَ (وَإِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لَمْ تُفْسَخْ الْقِسْمَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَجَعَ بِحِصَّةِ ذَلِكَ فِي نَصِيبِ
فِي مَوْضِعِهِ وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهُمَا هُنَا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ اقْتَسَمَا دَارًا وَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ طَائِفَةً فَادَّعَى أَحَدُهُمَا بَيْتًا فِي يَدِ الْآخَرِ أَنَّهُ مِمَّا أَصَابَهُ بِالْقِسْمَةِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ لِمَا قُلْنَا) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِي فَسْخَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُقُوعِهَا انْتَهَى. وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: فَسْخُ الْقِسْمَةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، فَإِنَّ الْمُدَّعَى شَيْءٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الْبَيْتُ، فَإِذَا نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ يُحْكَمُ بِالْبَيْتِ لِلْمُدَّعِي انْتَهَى أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِفَسْخِ الْقِسْمَةِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي فَسْخَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُقُوعِهَا فَسْخُ الْقِسْمَةِ الْمُعَايِنَةِ حَالَ الْخُصُومَةِ الدَّالَّةِ فِي الظَّاهِرِ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْبَيْتِ فِي نَصِيبِ ذِي الْيَدِ لَا فَسْخُ الْقِسْمَةِ عَنْ أَصْلُهَا وَالِاسْتِئْنَافُ بِقِسْمَةٍ أُخْرَى حَتَّى يُنَافِيَ مَا سَيَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي مِنْ أَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْضُ مُعَيَّنٍ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا لَا تُفْسَخُ الْقِسْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصَّحِيحِ وَتَحَقَّقَ فَسْخُ الْقِسْمَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إذَا نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى
(فَصْلٌ)
[ ٩ / ٤٥٠ ]
صَاحِبِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُفْسَخُ الْقِسْمَةُ) قَالَ ﵁: ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ بِعَيْنِهِ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْأَسْرَارِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ شَائِعٍ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، فَأَمَّا فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ لَا تُفْسَخُ الْقِسْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ تُفْسَخُ بِالِاتِّفَاقِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَأَبُو حَفْصٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْغَلَطِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الِاسْتِحْقَاقِ (قَوْلُهُ قَالَ ﵁: ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ بِعَيْنِهِ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ) أَيْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَهَكَذَا ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَسْرَارِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَصِفَةُ الْحَوَالَةِ هَذِهِ إلَى الْأَسْرَارِ وَقَعَتْ سَهْوًا، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَسْرَارِ فِي الشَّائِعِ وَضْعًا وَتَعْلِيلًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَتَكْرَارًا بِلَفْظِ الشَّائِعِ غَيْرَ مَرَّةٍ انْتَهَى. أَقُولُ: وَتَعْدِيَةُ الْحَوَالَةِ بِكَلِمَةِ إلَى فِي قَوْلِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَصِفَةُ الْحَوَالَةِ هَذِهِ إلَى الْأَسْرَارِ وَقَعَتْ سَهْوًا أَيْضًا، وَالْمُطَابِقُ لِلُّغَةِ تَعْدِيَتُهَا بِكَلِمَةِ عَلَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ بِعَيْنِ عِبَارَتِهِ: وَأَقُولُ: وَفِي قَوْلِهِ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ بِعَيْنِهِ أَيْضًا نَظَرٌ. فَإِنَّ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ وَإِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِعَيْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِنَصِيبِ أَحَدِهِمَا لَا بِبَعْضٍ فَيَكُونُ تَقْرِيرُ كَلَامِهِ؛ وَإِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضٌ شَائِعٌ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي الشَّائِعِ
[ ٩ / ٤٥١ ]
لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ شَائِعٍ ظَهَرَ شَرِيكٌ ثَالِثٌ لَهُمَا، وَالْقِسْمَةُ بِدُونِ رِضَاهُ بَاطِلَةٌ، كَمَا إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ شَائِعٌ فِي النَّصِيبَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ شَائِعٍ يَنْعَدِمُ مَعْنَى الْقِسْمَةِ وَهُوَ الْإِفْرَازُ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِحِصَّتِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ شَائِعًا، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ.
وَلَهُمَا أَنَّ مَعْنَى الْإِفْرَازِ لَا يَنْعَدِمُ بِاسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ شَائِعٍ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَلِهَذَا جَازَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الِابْتِدَاءِ بِأَنْ كَانَ النِّصْفُ الْمُقَدَّمُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ثَالِثٍ وَالنِّصْفُ الْمُؤَخَّرُ بَيْنَهُمَا لَا شَرِكَةَ لِغَيْرِهِمَا فِيهِ فَاقْتَسَمَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا مَا لَهُمَا مِنْ الْمُقَدَّمِ وَرُبُعِ الْمُؤَخَّرِ يَجُوزُ فَكَذَا فِي الِانْتِهَاءِ وَصَارَ كَاسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ الشَّائِعِ فِي النَّصِيبَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَتْ الْقِسْمَةُ لَتَضَرَّرَ الثَّالِثُ بِتَفَرُّقِ نَصِيبِهِ
لَا فِي الْمُعَيَّنِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ كَلَامَ الْقُدُورِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِيمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَشْتَبِهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ فُحُولِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعَيْنِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِبَعْضٍ كَانَ الْبَعْضُ الْمَذْكُورُ فِي هَاتِيك الْمَسْأَلَةِ مُبْهَمًا فَلَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ الْمُعَيَّنُ أَوْ الشَّائِعُ فَيَخْتَلُّ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ قَوْلُهُ بِعَيْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا كَانَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ بَلْ صَارَ بِمَنْزِلَةِ اللَّغْوِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِبَعْضٍ يَكُونُ تَأْسِيسًا مُفِيدًا لِلْمُرَادِ مُزِيلًا لِلْإِبْهَامِ فَأَنَّى هَذَا مِنْ ذَلِكَ. عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَمْثَالِ هَذَا التَّرْكِيبِ تَعَلُّقُ الْقَيْدِ بِالْمُضَافِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ كَلَامَ الْقُدُورِيِّ ظَاهِرٌ فِيمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الظَّاهِرَ يُوجِبُ الْحُكْمَ قَطْعًا كَالنَّصِّ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْ الْقَطْعِيِّ وَهُوَ مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ، إلَّا أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا: أَيْ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ التَّعَارُضِ فَيُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ عِنْدَهُ وَلَمْ يُعَارِضْ الظَّاهِرَ هُنَا نَصٌّ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ (قَوْلُهُ لِأَبِي يُوسُفَ إنَّ بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضٍ شَائِعٍ ظَهَرَ شَرِيكٌ ثَالِثٌ لَهُمَا وَالْقِسْمَةُ بِدُونِ رِضَاهُ بَاطِلَةٌ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ: أَعْنِي قَوْلَهُ وَالْقِسْمَةُ بِدُونِ رِضَاهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقِيمَةَ فِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرَاضِي انْتَهَى. وَمَأْخَذُ تَعْلِيلِهِ هَذَا مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ الْإِمَامِ عَلَاءِ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي: وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقِيمَةَ وَالْقِسْمَةُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَنْ تَرَاضٍ انْتَهَى. وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى
[ ٩ / ٤٥٢ ]
فِي النَّصِيبَيْنِ، أَمَّا هَاهُنَا لَا ضَرَرَ بِالْمُسْتَحِقِّ فَافْتَرَقَا، وَصُوَرُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا أَخَذَ أَحَدُهُمَا الثُّلُثَ الْمُقَدَّمَ مِنْ الدَّارِ وَالْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْمُؤَخَّرِ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ ثُمَّ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُقَدَّمِ، فَعِنْدَهُمَا إنْ شَاءَ نَقَضَ الْقِسْمَةَ دَفْعًا لِعَيْبِ التَّشْقِيصِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِرُبُعِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمُؤَخَّرِ، لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْمُقَدَّمِ رَجَعَ بِنِصْفِ مَا فِي يَدِهِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ النِّصْفَ رَجَعَ بِنِصْفِ النِّصْفِ وَهُوَ الرُّبُعُ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ، وَلَوْ بَاعَ صَاحِبُ الْمُقَدَّمِ نِصْفَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ الْبَاقِي شَائِعًا رَجَعَ بِرُبُعِ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ عِنْدَهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا وَسَقَطَ خِيَارُهُ بِبَيْعِ الْبَعْضِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ نِصْفِ مَا بَاعَ لِصَاحِبِهِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَنْقَلِبُ فَاسِدَةً عِنْدَهُ، وَالْمَقْبُوضُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ مَمْلُوكٌ فَنَفَذَ الْبَيْعُ فِيهِ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ.
قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ حَيْثُ قَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى الْقَوْلِ بِوَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فِي صُورَةِ التَّرَاضِي، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي تَبْطُلُ إذَا لَمْ يَرْضَ الْغَائِبُ عَلَى مَا يَجِيءُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ انْتَهَى أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا تَبْطُلُ بِعَدَمِ رِضَا الْغَائِبِ، أَلَا يَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي الْكِتَابِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِذَا حَضَرَ وَارِثَانِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَفَاةِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ وَالدَّارُ فِي أَيْدِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَارِثٌ غَائِبٌ قَسَمَهَا الْقَاضِي بِطَلَبِ الْحَاضِرِينَ وَيُنَصِّبُ لِلْغَائِبِ وَكِيلًا بِقَبْضِ نَصِيبِهِ انْتَهَى. وَلَوْ بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ بِعَدَمِ رِضَا الْغَائِبِ لَمَا سَاغَ لِلْقَاضِي الْقِسْمَةُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ بِمُجَرَّدِ طَلَبِ الْحَاضِرِينَ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ عَلَى مَا يَجِيءُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَوْ أَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ لَيْسَ بِحَوَالَةٍ رَابِحَةٍ إذْ لَا شَيْءَ فِي شَرْحِ ذَلِكَ مَا يُوهِمُ بُطْلَانَهَا سِوَى قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ وَارِثٌ أَوْ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: نَحْنُ نَقْضِي حَقَّهُمَا فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تُنْقَضُ إنْ لَمْ يَرْضَ الْوَارِثُ أَوْ الْمُوصَى لَهُ لِأَنَّ حَقَّهُمَا فِي عَيْنُ التَّرِكَةِ فَلَا يُنْقَلُ إلَى مَالٍ آخَرَ إلَّا بِرِضَاهُمَا انْتَهَى لَكِنَّ الْمُرَادَ بِانْتِقَاضِ الْقِسْمَةِ فِي صُورَةِ ظُهُورِ الْوَارِثِ أَوْ الْمُوصَى لَهُ انْتِقَاضُهَا فِي قَدْرِ حَقِّهِمَا مِنْ عَيْنِ التَّرِكَةِ لَا انْتِقَاضَهَا فِي مَجْمُوعِ التَّرِكَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِئْنَافِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، أَوْ الْمُرَادُ انْتِقَاضُهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَيْضًا لَكِنْ فِي صُورَةِ الْقِسْمَةِ بِالتَّرَاضِي دُونَ الْقِسْمَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، إذْ لَا تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إذَا ظَهَرَ وَارِثٌ أَوْ الْمُوصَى لَهُ إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: مُوجِبُ نَقْضِ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُجُودِهَا أَنْوَاعٌ: مِنْهَا ظُهُورُ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا طَلَبَ الْغُرَمَاءُ دُيُونَهُمْ وَلَا مَالَ لِلْمَيِّتِ سِوَاهُ وَلَا قَضَاهُ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهَا ظُهُورُ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنْ التَّرِكَةِ شَيْءٌ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَهَلَكَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ جَمِيعًا وَالْبَاقِي عَلَى الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ وَلَوْ اقْتَسَمُوا وَثَمَّةَ وَارِثٌ غَائِبٌ تُنْقَضُ فَكَذَا هَذَا. وَقَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالتَّرَاضِي، فَإِنْ كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا تُنْقَضُ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ وَإِنْ كَانَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ لَكِنَّ الْقَاضِيَ
[ ٩ / ٤٥٣ ]
قَالَ (وَلَوْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ ثُمَّ ظَهَرَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ مُحِيطٌ رُدَّتْ الْقِسْمَةُ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ، وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُحِيطٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالتَّرِكَةِ، إلَّا إذَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ مَا يَفِي بِالدَّيْنِ وَرَاءَ مَا قَسَمَ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِ الْقِسْمَةِ فِي إيفَاءِ حَقِّهِمْ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ أَدَّاهُ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِهِمْ وَالدَّيْنُ مُحِيطٌ أَوْ غَيْرُ مُحِيطٍ جَازَتْ الْقِسْمَةُ لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَالَ. وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ صَحَّ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ، إذْ الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى وَالْقِسْمَةُ تُصَادِفُ الصُّورَةَ، وَلَوْ ادَّعَى عَيْنًا بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ لَمْ يُسْمَعْ لِلتَّنَاقُضِ، إذْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقِسْمَةِ اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ الْمَقْسُومِ مُشْتَرَكًا.
إذَا قَسَمَ عِنْدَ غَيْبَةِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ لَا تُنْقَضُ قِسْمَتُهُ، لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي إذَا صَادَفَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ يَنْفُذُ وَلَا يُنْقَضُ. ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهَا ظُهُورُ الْوَارِثِ، حَتَّى لَوْ اقْتَسَمُوا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ ثَمَّةَ وَارِثًا آخَرَ نُقِضَتْ قِسْمَتُهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا تُنْقَضُ لِمَا ذَكَرْنَا، إلَى هُنَا لَفْظُهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ أَوْرَدَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقِيمَةَ فِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرَاضِي حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَيْضًا بَلْ اعْتِبَارُهَا فِيهِ آكَدُ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ تُفْسَخُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الدَّرْسِ السَّابِقِ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِالْقِيمَةِ لَا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَصْلًا إلَّا عَنْ تَرَاضٍ، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ بِصَدَدِ بَيَانِ وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ظَاهِرٌ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْكِتَابِ، فَاعْتِبَارُ الْقِيمَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ كَمَا يَقْتَضِيه تَصْوِيرُهَا الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ حَتَّى فِي كُتُبِ مُحَمَّدٍ ﵀ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَضْعَهَا فِيمَا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ لَا فِيمَا إذَا كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي؛ فَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَيْضًا إنْ أَرَادَ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي صُورَةِ الْقَضَاءِ أَيْضًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي صُورَةِ الْقَضَاءِ أَيْضًا عِنْدَ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يُجْدِي شَيْئًا، فَإِنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَافٍ فِي تَمَامِ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةُ. وَقَوْلُهُ بَلْ اعْتِبَارُهَا فِيهَا آكَدُ فِي عَدَمِ الْإِصَابَةِ، لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ لَا يَنْحَصِرُ فِي أَنْ يَكُونَ قِيمَةُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْآخَرِ، بَلْ قَدْ يَتَحَقَّقُ الْغَبْنُ بِكَوْنِ عَيْنِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ عَيْنِ الْآخَرِ مِنْ جِهَةِ الْوَزْنِ أَوْ الْكَيْلِ أَوْ الذَّرْعِ أَوْ الْعَدَدِ مِمَّا يَلِيقُ بِجِنْسِ الْمَقْسُومِ؛ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ فِي غَبْنِ الْقِسْمَةِ بِالْقَضَاءِ التَّفَاوُتَ فِي الْعَيْنِ بِإِحْدَى الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ التَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ، وَمَا مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ مِنْ مَسْأَلَةِ فَسْخِ الْقِيمَةِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْغَبْنِ مِنْ جِهَةِ الْقِيمَةِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ قَدْ ذُكِرَ هُنَاكَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ لِلْغَبْنِ مِثَالٌ هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّفَاوُتِ فِي الْعَيْنِ بِأَنْ يُقَالَ وَإِنْ اقْتَسَمَا مِائَةَ شَاةٍ فَأَصَابَ أَحَدَهُمَا خَمْسٌ وَخَمْسُونَ شَاةً وَأَصَابَ الْآخَرَ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ شَاةً فَادَّعَى صَاحِبُ الْأَكْثَرِ الْغَبْنَ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ صَحَّ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ، إذْ الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى وَالْقِسْمَةُ تُصَادِفُ الصُّورَةَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ تَكُنْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً لِعَدَمِ التَّنَاقُضِ فَلْتَكُنْ بَاطِلَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا إذَا صَحَّتْ كَانَ
[ ٩ / ٤٥٤ ]