فَصْلٌ
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُكَاتِبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ فَيُجْعَلُ مُكَاتَبًا تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّ مَتَى كَانَ يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ (وَإِنْ اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَوْلَادٍ لَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَدْخُلُ)
اعْتِبَارًا بِقَرَابَةِ الْوِلَادِ إذْ وُجُوبُ الصِّلَةِ يَنْتَظِمُهُمَا وَلِهَذَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْحُرِّ فِي حَقِّ الْحُرِّيَّةِ. وَلَهُ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ كَسْبًا لَا مِلْكًا، غَيْرَ أَنَّ الْكَسْبَ يَكْفِي الصِّلَةَ فِي الْوِلَادِ حَتَّى أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ يُخَاطَبُ بِنَفَقَةِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَلَا يَكْفِي فِي غَيْرِهِمَا حَتَّى لَا تَجِبَ نَفَقَةُ الْأَخِ إلَّا عَلَى الْمُوسِرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ قَرَابَةٌ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ بَنِي الْأَعْمَامِ وَقَرَابَةِ الْوِلَادِ فَأَلْحَقْنَاهَا بِالثَّانِي فِي الْعِتْقِ،
فَصْلٌ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَسَائِلِ وُقُوعِ الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ مَسَائِلِ وُقُوعِهَا بِسَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ وَمَا يَتْبَعُهَا لِأَنَّ التَّبَعَ يَتْلُو
[ ٩ / ١٨٠ ]
وَبِالْأَوَّلِ فِي الْكِتَابَةِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْعِتْقَ أَسْرَعُ نُفُوذًا مِنْ الْكِتَابَةِ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا كَاتَبَ كَانَ لِلْآخَرِ فَسْخُهُ، وَإِذَا أَعْتَقَ لَا يَكُونُ لَهُ فَسْخُهُ.
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ دَخَلَ وَلَدُهَا فِي الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا) وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا، أَمَّا دُخُولُ الْوَلَدِ فِي الْكِتَابَةِ فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا امْتِنَاعُ بَيْعِهَا فَلِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْوَلَدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، قَالَ ﵊ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدُهَا فَكَذَا الْجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
الْأَصْلَ (قَوْلُهُ وَإِذَا اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ دَخَلَ وَلَدُهَا فِي الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ الْمَقَامِ: امْرَأَةُ الْمُكَاتَبِ الْقِنَّةُ إذَا وَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا الْمُكَاتَبُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَمَلَكَهَا فَإِنْ مَلَكَهَا مَعَ الْوَلَدِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِالِاتِّفَاقِ. أَقُولُ: فِي عِبَارَتِهِ خَلَلٌ، لِأَنَّ الْقِنَّةَ بِالتَّاءِ فِي وَصْفِ الْمَرْأَةِ تُخَالِفُ اللُّغَةَ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ عَامَّةً أَنَّ لَفْظَ الْقِنِّ يَسْتَوِي فِيهِ الِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ حَيْثُ قَالَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ: وَأَمَّا أَمَةٌ قِنَّةٌ فَلَمْ أَسْمَعْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا امْتِنَاعُ بَيْعِهَا فَلِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْوَلَدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ قَالَ ﵊ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا») قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: إذَا ثَبَتَ لِلْوَلَدِ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ يَثْبُتُ لِلْأُمِّ حَقُّهَا وَهَاهُنَا يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلْأُمِّ حَقُّهَا تَحْقِيقًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهَا عَنْ الْوَلَدِ. قُلْت: لِلْكِتَابَةِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا عَدَمُ جَوَازِ الْبَيْعِ فَيَثْبُتُ لِلْأُمِّ هَذَا الْحُكْمُ دُونَ الْكِتَابَةِ تَحْقِيقًا لِانْحِطَاطِ الرُّتْبَةِ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَا تَصِيرُ مُكَاتَبَةً تَبَعًا لِلْوَلَدِ؟ قُلْت: لِأَنَّ الْعَقْدَ مَا وَرَدَ عَلَيْهَا اهـ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ عَدَمَ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا تَصِيرَ مُكَاتَبَةً تَبَعًا لِلْوَلَدِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنْ لَا تَصِيرَ مُكَاتَبَةً أَصَالَةً، أَلَا يُرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا اشْتَرَى أَبَاهُ دَخَلَ أَبُوهُ فِي كِتَابَتِهِ وَيَصِيرُ مُكَاتَبًا تَبَعًا لِوَلَدِهِ كَمَا مَرَّ، مَعَ أَنَّ الْعَقْدَ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَبِ هُنَاكَ أَيْضًا قَطْعًا. فَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا لَا تَصِيرُ مُكَاتَبَةً تَبَعًا لِوَلَدِهِ تَحْقِيقًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهَا عَنْ وَلَدِهَا فِي حَقِّ الْحُرِّيَّةِ، أَلَا يُرَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ حُرَّةً فِي الْحَالِ تَبَعًا لِحُرِّيَّةِ وَلَدِهَا فِي الْحَالِ بَلْ يَثْبُتُ لَهَا عِتْقٌ مُؤَجَّلٌ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، فَكَذَا لَا تَصِيرُ مُكَاتَبَةً تَبَعًا لِوَلَدِهَا بَلْ يَثْبُتُ لَهَا بَعْضُ أَحْكَامِ الْكِتَابَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا مَلَكَهُ
[ ٩ / ١٨١ ]
وَلَهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهَا وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ مَوْقُوفٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، إلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ هَذَا الْحَقُّ فِيمَا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الْوَلَدِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَبِدُونِ الْوَلَدِ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ ابْتِدَاءً وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ (وَإِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَةٍ لَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُشْتَرَى (وَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ وَكَسْبُهُ لَهُ) لِأَنَّ كَسْبَ الْوَلَدِ كَسْبٌ كَسَبَهُ وَيَكُونُ كَذَلِكَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِالدَّعْوَةِ اخْتِصَاصُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ وَلَدًا لِأَنَّ حَقَّ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ ثَابِتٌ فِيهَا مُؤَكَّدًا فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ.
وَلَدُهُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي عَيْنِ حُرِّيَّةِ وَلَدِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ أَوْ حَقُّهَا تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ عَلَى مَا مَرَّ.
ثُمَّ قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: الْعَقْدُ مَا وَرَدَ عَلَى الْوَلَدِ أَيْضًا. قُلْت: وَرَدَ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَالْوَلَدُ جُزْؤُهُ فَيَكُونُ وَارِدًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ، لِأَنَّ كَوْنَ قَرَابَةِ الْوَلَدِ قَرَابَةً جُزْئِيَّةً لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وُرُودُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَبِ وُرُودًا عَلَى الْوَلَدِ أَيْضًا وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ كِتَابَةُ الْوَلَدِ أَيْضًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَصَالَةً لَا تَبَعًا لِوَالِدِهِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَمَّا دُخُولُ الْوَلَدِ فِي الْكِتَابَةِ فَلِمَا ذَكَرْنَا كَمَا لَا يَخْفَى. وَيَلْزَمُ أَيْضًا أَنْ لَا يَثْبُتَ.
فَرْقٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا فِي الِاشْتِرَاءِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدُهَا مَعَهَا فِيهِ تَدَبَّرْ تَقِفْ (قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهَا وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ، إلَى قَوْلِهِ: وَبِدُونِ الْوَلَدِ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ ابْتِدَاءً وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْقِيَاسُ كَمَا يَنْفِيهِ ابْتِدَاءً يَنْفِيهِ مَعَ الْوَلَدِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الدَّلِيلِ، فَتَخْصِيصُ نَفْيِهِ بِالِابْتِدَاءِ مَعَ أَنَّهُ مُنَافٍ لِصَدْرِ الْكَلَامِ تَحَكُّمٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَحَكُّمٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ بِالْأَثَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يُعْتِقُ الْأُمَّ إذَا مَلَكَهُ الْأَبُ. وَقَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ: يَعْنِي وَلَا نَصَّ فِيهِ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ، بَلْ هُوَ بِظَاهِرِ إطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الصُّورَتَيْنِ مَعًا، فَقَوْلُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يُعْتِقُ الْأُمَّ إذَا مَلَكَهُ الْأَبُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ جِدًّا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثَابِتٌ مُقَرَّرٌ بِدُونِ دَلَالَةِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ فَهُوَ يُؤَدِّي إلَى الْمُصَادَرَةِ إذْ هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَيْنِ لَمْ يَقْبَلَاهُ فَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزَا بَيْعَ الْمُكَاتَبِ امْرَأَتَهُ الْمُشْتَرَاةَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ وَلَدَهَا
[ ٩ / ١٨٢ ]
قَالَ (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ ثُمَّ كَاتَبَهُمَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا دَخَلَ فِي كِتَابَتِهَا وَكَانَ كَسْبُهُ لَهَا) لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأُمِّ أَرْجَحُ وَلِهَذَا يَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ. قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ امْرَأَةً زَعَمَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ فَأَوْلَادُهَا عَبِيدٌ وَلَا يَأْخُذُهُمْ بِالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَأْذَنُ لَهُ الْمَوْلَى بِالتَّزْوِيجِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِالْقِيمَةِ)
لِأَنَّهُ شَارَكَ الْحُرَّ فِي سَبَبِ ثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ وَهُوَ الْغُرُورُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا رَغِبَ فِي نِكَاحِهَا إلَّا لِيَنَالَ حُرِّيَّةَ الْأَوْلَادِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ مَوْلُودٌ بَيْنَ رَقِيقَيْنِ فَيَكُونُ رَقِيقًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَخَالَفَنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْحُرِّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى هُنَاكَ مَجْبُورٌ بِقِيمَةٍ نَاجِزَةٍ وَهَاهُنَا بِقِيمَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ
قَطُّ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يُعْتِقُ الْأُمَّ إذَا مَلَكَهُ الْأَبُ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْمِلْكِ فِي قَوْلِهِ إذَا مَلَكَهُ الْأَبُ مِلْكَ الْيَمِينِ فَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي إعْتَاقِ الْوَلَدِ أُمَّهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، أَلَا يُرَى أَنَّ الْحُرَّ إذَا اسْتَوْلَدَ أَمَةَ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْأَثَرِ الْمَزْبُورِ بِعَيْنِهِ مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ هُنَاكَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْأَبِ مِلْكَ الْيَمِينِ بِلَا رَيْبٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مِلْكَ التَّصَرُّفِ فِي أَمْرِهِ بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي إعْتَاقِ الْوَلَدِ أُمَّهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّ مَنْ اسْتَوْلَدَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ ثُمَّ مَلَكَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ الِاسْتِيلَادِ مِنْ كِتَابِ الْعَتَاقِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عِنْدَهُمْ، مَعَ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي أَمْرِ ذَلِكَ الْوَلَدِ فِي الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ الَّذِي كَانَ مَوْلَى ذَلِكَ الْوَلَدِ بِسَبَبِ أَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مَمْلُوكَةً لَهُ عِنْدَ الِاسْتِيلَادِ لَا لِأَبِيهِ، فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يُعْتِقُ الْأُمَّ إذَا مَلَكَهُ الْأَبُ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَى كُلِّ حَالٍ
(وَقَوْلُهُ وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ ثُمَّ كَاتَبَهُمَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا دَخَلَ فِي كِتَابَتِهَا وَكَانَ كَسْبُهُ لَهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِمَا وَكَانَ كَسْبُهُ لَهَا أَيْ فِي الدُّخُولِ يَتْبَعُهُمَا،
[ ٩ / ١٨٣ ]
فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ.
قَالَ (وَإِنْ وَطِئَ الْمُكَاتَبُ أَمَةً عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ حَتَّى يُعْتَقَ وَكَذَلِكَ الْمَأْذُونُ لَهُ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ظَهَرَ الدَّيْنُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِأَنَّ التِّجَارَةَ وَتَوَابِعَهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْكِتَابَةِ، وَهَذَا الْعُقْرُ مِنْ تَوَابِعِهَا، لِأَنَّهُ لَوْلَا الشِّرَاءُ لَمَا سَقَطَ الْحَدُّ وَمَا لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ لَا يَجِبُ الْعُقْرُ. أَمَّا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ الِاكْتِسَابِ فِي شَيْءٍ فَلَا تَنْتَظِمُهُ الْكِتَابَةُ كَالْكَفَالَةِ.
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا ثُمَّ وَطِئَهَا فَرَدَّهَا أُخِذَ بِالْعُقْرِ فِي الْمُكَاتَبَةِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ التَّصَرُّفَ تَارَةً يَقَعُ صَحِيحًا وَمَرَّةً يَقَعُ فَاسِدًا، وَالْكِتَابَةُ وَالْإِذْنُ يَنْتَظِمَانِهِ بِنَوْعَيْهِ كَالتَّوْكِيلِ فَكَانَ ظَاهِرًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى.
فَصْلٌ
قَالَ (وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ مِنْ الْمَوْلَى
وَفِي الْكَسْبِ يَتْبَعُهَا خَاصَّةً، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ فَائِدَةَ الدُّخُولِ هُوَ الْكَسْبُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ تَأَمُّلٌ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهُ أَنْ يُعْتَقَ بِعِتْقِهَا سَوَاءٌ كَسَبَ أَمْ لَا بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْكَسْبِ مَثَلًا انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فَائِدَةَ دُخُولِ الْوَلَدِ فِي كِتَابَةِ الْأَبِ هُوَ الْكَسْبُ لَهُ لَا غَيْرُ، لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُ الْأَبَ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ كَسْبُهُ لِلْأُمِّ خَاصَّةً لَمْ تَتَحَقَّقْ فَائِدَةٌ قَطُّ فِي دُخُولِهِ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِدُخُولِهِ فِي كِتَابَةِ أُمِّهِ فَقَطْ هُوَ الْوَجْهُ، ثُمَّ إنْ عَتَقَ الْوَلَدُ بِعِتْقِ أُمِّهِ إنَّمَا يَكُونُ فَائِدَةً لِلْوَلَدِ نَفْسِهِ لَا لِلدُّخُولِ فِيهِ. وَالْكَلَامُ فِي الثَّانِي.
وَلَئِنْ سَلِمَ تَعْمِيمُ الْفَائِدَةِ أَوْ جَعَلَ فَائِدَةَ الْوَلَدِ فَائِدَةً لِأُمِّهِ أَيْضًا فَتِلْكَ الْفَائِدَةُ أَيْضًا إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالنَّظَرِ إلَى دُخُولِهِ فِي كِتَابَةِ أُمِّهِ فَقَطْ، فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْأَوَّلِ هُوَ الْوَجْهُ، بَلْ يُؤَيِّدُهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنْ لَا يَبْلُغَ الْوَلَدُ مَبْلَغَ الْكَسْبِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ هَاهُنَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِفَائِدَةِ الدُّخُولِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةً فِي الْجُمْلَةِ، وَالْكَسْبُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ يَصِيرُ فَائِدَةً
(فَصْلٌ)
مَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ مَسَائِلِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَفَصَلَهَا بِفَصْلٍ وَوَصَلَهَا بِالذِّكْرِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ
[ ٩ / ١٨٤ ]
فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهَا تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ عَاجِلَةٌ بِبَدَلٍ وَآجِلَةٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَتُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَنَسَبُ وَلَدِهَا ثَابِتٌ مِنْ الْمَوْلَى وَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ فِي وَلَدِهَا وَمَا لَهُ مِنْ الْمِلْكِ يَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ بِالدَّعْوَةِ. وَإِذَا مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ أَخَذَتْ الْعُقْرَ مِنْ مَوْلَاهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِنَفْسِهَا وَبِمَنَافِعِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
ثُمَّ إنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ وَتَرَكَتْ مَالًا تُؤَدَّى مِنْهُ مُكَاتَبَتُهَا وَمَا بَقِيَ مِيرَاثٌ لِابْنِهَا جَرْيًا عَلَى مُوجَبِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ لَمْ تَتْرُكْ مَالًا فَلَا سِعَايَةَ
قَوْلُهُ ثُمَّ إنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ).
قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ لِأَنَّ الْأَكْسَابَ تُسَلَّمُ لَهَا وَكَذَا أَوْلَادُهَا الَّتِي اشْتَرَاهَا بَعْدُ لِلْكِتَابَةِ وَهَذَا آيَةُ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ. قُلْت: الْكِتَابَةُ تُشْبِهُ الْمُعَاوَضَةَ، وَبِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ الْبَدَلُ وَتُشْبِهُ الشَّرْطَ، وَبِالنَّظَرِ إلَيْهِ يَسْقُطُ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ فَلَمَّا عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ بَطَلَتْ جِهَةُ الْكِتَابَةِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ وَقُلْنَا بِسَلَامَةِ الْأَكْسَابِ عَمَلًا بِجِهَةِ الْمُعَاوَضَةِ، وَقُلْنَا بِسُقُوطِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَمَلًا بِجِهَةِ الشَّرْطِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ فِي هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ مِرَارًا أَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّبَهَيْنِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ جِهَةَ كَوْنِ الْكِتَابَةِ مُعَاوَضَةً تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ سُقُوطِ الْبَدَلِ، وَجِهَةَ كَوْنِهَا شَرْطًا تَسْتَلْزِمُ سُقُوطَهُ، وَهُمَا: أَيْ السُّقُوطُ وَعَدَمُهُ مُتَنَافِيَانِ قَطْعًا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَنَافِي اللَّازِمَيْنِ يُوجِبُ تَنَافِي الْمَلْزُومَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا كَذَلِكَ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّبَهَيْنِ لَوْ تُصُوِّرَ هَاهُنَا فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ ثُبُوتِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُشَابِهُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَالشَّرْطِ، لَا عِنْدَ بُطْلَانِهَا لِأَنَّهُ يَنْتَفِي حِينَئِذٍ مَحِلُّ الْمُشَابَهَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ: فَلَمَّا عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ بَطَلَتْ جِهَةُ الْكِتَابَةِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ.
وَقُلْنَا بِسَلَامَةِ الْأَكْسَابِ عَمَلًا بِشَبَهِ الْمُعَاوَضَةِ، وَقُلْنَا بِسُقُوطِ الْكِتَابَةِ عَمَلًا بِشَبَهِ الشَّرْطِ. ثُمَّ أَقُولُ: الْحَقُّ
[ ٩ / ١٨٥ ]
عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْمَوْلَى إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ لِحُرْمَةِ وَطْئِهَا عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَدَّعِ وَمَاتَتْ مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ سَعَى هَذَا الْوَلَدُ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ تَبَعًا لَهَا، فَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَتَقَ وَبَطَلَ عَنْهُ السِّعَايَةُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ إذْ هُوَ وَلَدُهَا فَيَتْبَعُهَا.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى أُمَّ وَلَدِهِ جَازَ) لِحَاجَتِهَا إلَى اسْتِفَادَةِ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ، وَلَا يُنَافِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ) لِتَعَلُّقِ عِتْقِهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ (وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ إيجَابِ الْبَدَلِ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ، فَإِذَا عَتَقَتْ قَبْلَهُ لَمْ يُمْكِنْ تَوْفِيرُ الْغَرَضِ عَلَيْهِ فَسَقَطَ وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ لِامْتِنَاعِ إبْقَائِهَا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ،
فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ بِقَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لِنَظَرِهَا وَالنَّظَرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى أُمَّ وَلَدِهِ جَازَ لِحَاجَتِهَا إلَى اسْتِفَادَةِ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ بِبَدَلٍ وَالْآخَرُ بِلَا بَدَلٍ وَالْعِتْقُ الْوَاحِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا فَكَانَا مُتَنَافِيَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِمَا جِهَتَيْ عِتْقٍ تَلَقَّتَاهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ انْتَهَى. وَرَدَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَوْلَهُ وَالْعِتْقُ الْوَاحِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا فَكَانَا مُتَنَافِيَيْنِ بِأَنْ قَالَ: إنْ أَرَادَ الْوَحْدَةَ الشَّخْصِيَّةَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، كَيْفَ وَفِي الْعِتْقِ بِالْكِتَابَةِ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَكْسَابُ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ أَرَادَ النَّوْعِيَّةَ فَلَا تَنَافِي انْتَهَى.
أَقُولُ: وَهُوَ مَرْدُودٌ بِشِقَّيْهِ. أَمَّا شِقُّهُ الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَالْعِتْقُ الْوَاحِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا الْوَحْدَةُ الشَّخْصِيَّةُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا مَجَالَ لِعَدَمِ تَسْلِيمِهِ، لِأَنَّهُ مَا قَالَ الْعِتْقُ الْوَاحِدُ يَثْبُتُ بِهِمَا حَتَّى لَا يَسْلَمَ ذَلِكَ وَيُجْعَلَ اخْتِلَافُ الْعِتْقِ بِالْكِتَابَةِ، وَالْعِتْقِ بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ فِي اللَّوَازِمِ سَنَدًا لِمَنْعِ ذَلِكَ، بَلْ قَالَ: الْعِتْقُ الْوَاحِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا، وَعَدَمُ ثُبُوتِ الْعِتْقِ الْوَاحِدِ الشَّخْصِيِّ بِالسَّبَبَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي اللَّوَازِمِ أَمْرٌ جَلِيٌّ لَا يَقْبَلُ الْمَنْعَ، وَمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ فِي مَعْرِضِ السَّنَدِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ وَفِي الْعِتْقِ بِالْكِتَابَةِ إلَخْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ سَنَدًا لِمَنْعِ ذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا يَكُونُ عِلَّةً لِسُقُوطِ الْمَنْعِ عَنْهُ.
وَأَمَّا شِقُّهُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَلَا تَنَافِي فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ أَرَادَ النَّوْعِيَّةَ فَلَا تَنَافِي أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الِاجْتِمَاعُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَالْعِتْقُ بِالْكِتَابَةِ يَسْتَلْزِمُ سَلَامَةَ الْأَكْسَابِ لَهَا، بِخِلَافِ الْعِتْقِ بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ فَأَنَّى يَجْتَمِعَانِ مَعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ
[ ٩ / ١٨٦ ]
غَيْرَ أَنَّهُ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لِنَظَرِهَا وَالنَّظَرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوْ أَدَّتْ الْمُكَاتَبَةُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ.
قَالَ (وَإِنْ كَاتَبَ مُدَبَّرَتَهُ جَازَ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ وَلَا تَنَافِي، إذْ الْحُرِّيَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ مُجَرَّدُ الِاسْتِحْقَاقِ (وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى
التَّلَقِّي عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَهُوَ عَيْنُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَعْلِيلٍ لَا يُقَالُ (قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لِنَظَرِهَا وَالنَّظَرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ) قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النَّظَرُ فِي إيفَاءِ حَقِّهَا إلَيْهَا وَحَقُّهَا الْحُرِّيَّةُ وَقَدْ حَصَلَ لَا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ، لِأَنَّ الْكَسْبَ حَصَلَ لَهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَكَلَامِنَا فِيهِ، وَلَمْ تُعْتَقْ هِيَ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى بَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ حِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَسْبُ لِلْمَوْلَى لَا لَهَا لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ لَا بِالْكِتَابَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: بَعْدَ نَقْلِ هَذَا الْإِيرَادِ عَنْ الشَّارِحِ الْمَزْبُورِ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، وَمِلْكُهَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الْغَيْرِ فِيهِ تَأَمَّلْ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِدَفْعٍ صَحِيحٍ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ
[ ٩ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْمُكَاتَبَةِ فِي أَكْسَابِهِمَا إنَّمَا هُوَ يَدًا لَا رَقَبَةً وَلِهَذَا لَا يَمْلِكَانِ التَّبَرُّعَ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا رَقَبَةُ أَكْسَابِهِمَا مِلْكُ مَوْلَاهُمَا كَرَقَبَةِ أَنْفُسِهِمَا مَا لَمْ يُؤَدِّيَا بَدَلَ كِتَابَتِهِمَا بِالتَّمَامِ كَمَا يُفْهَمُ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا سَبَقَ وَمِمَّا يَأْتِي.
فَقَوْلُهُ وَمِلْكُهَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الْغَيْرِ فِيهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ مِلْكَهَا فِي كَسْبِهَا يَدًا لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْغَيْرِ الَّذِي هُوَ الْمَوْلَى فِيهِ رَقَبَةً فَلَا يَنْدَفِعُ الِاسْتِشْكَالُ بِلُزُومِ إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ بِالنَّظَرِ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَنَا فِي قَوْلِهِ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَوْلَادُ أَيْضًا نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْأَوْلَادِ بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَوْ اُعْتُبِرَتْ مَفْسُوخَةً أَيْضًا فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ يَكُونُ النَّظَرُ لَهَا بَاقِيًا، لِأَنَّ حُكْمَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ لَهُ حُكْمُ الْأُمِّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْأُمِّ حَالَةَ الْوِلَادَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ سَاقِطٌ جِدًّا، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْلَادِ الَّتِي ذُكِرَتْ بِالتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ هِيَ الْأَوْلَادُ الَّتِي وُلِدَتْ قَبْلَ كِتَابَةِ أُمِّهَا مِنْ غَيْرِ مَوْلَى أُمِّهَا وَقَدْ اشْتَرَتْهَا أُمُّهَا حَالَةَ الْكِتَابَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ فَسَّرَ الْأَوْلَادَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ بِقَوْلِهِ: أَيْ الْأَوْلَادُ الَّتِي اشْتَرَتْهَا الْمُكَاتَبَةُ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ لَا الْأَوْلَادُ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ مَوْلَاهَا انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ سَلَامَةِ أَمْثَالِ تِلْكَ الْأَوْلَادِ، إذْ لَوْ اُعْتُبِرَتْ الْكِتَابَةُ مَفْسُوخَةً أَيْضًا فِي حَقٍّ بِأَمْثَالِهِمْ لَكَانُوا أَرِقَّاءَ لِوَرَثَةِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ النَّظَرُ لَهَا بَاقِيًا فِي حَقِّهِمْ إذْ ذَاكَ قَطْعًا. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْكِتَابَةُ عَقْدُ أَحَدٍ فَكَيْفَ وَيُتَصَوَّرُ بُطْلَانُهُ وَعَدَمُ بُطْلَانِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَحْقِيقَ كَلَامِهِ أَنَّ بُطْلَانَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ يُتَصَوَّرُ بِاعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْطُلَ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ إيفَاءِ الْبَدَلِ، وَالثَّانِي أَنْ يَبْطُلَ بِانْتِهَائِهِ بِإِيفَائِهِ.
وَبِالْأَوَّلِ يَعُودُ رَقِيقًا فَأَوْلَادُهُ وَأَكْسَابُهُ لِمَوْلَاهُ، وَبِالثَّانِي يُعْتَقُ هُوَ وَأَوْلَادُهُ وَيَخْلُصُ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ أَكْسَابِهِ، وَحَيْثُ احْتَجْنَا إلَى إبْطَالِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لِلْمُكَاتَبِ وَكَانَ النَّظَرُ لَهُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ صِرْنَا إلَيْهِ.
أَقُولُ: لَا السُّؤَالُ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الْكِتَابَةِ عَقْدًا وَاحِدًا لَا يُنَافِي تَصَوُّرَ بُطْلَانِهِ وَعَدَمَ بُطْلَانِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَا مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ شَرَطُوا فِي تَحَقُّقِ التَّنَاقُضِ أُمُورًا مِنْهَا وَحْدَةُ الْجِهَةِ، وَهَاهُنَا لَمْ تَتَحَقَّقْ تِلْكَ الْوَحْدَةُ لِأَنَّ بُطْلَانَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْبَدَلِ وَعَدَمَ بُطْلَانِهِ مِنْ جِهَةِ الْأَوْلَادِ وَالْأَكْسَابِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ فَلَا مَحْذُورَ أَصْلًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ انْتِهَاءَ الْكِتَابَةِ بِإِيفَاءِ الْبَدَلِ إنَّمَا هُوَ تَمَامُهَا وَتَقَرُّرُهَا، فَجُعِلَ أَحَدُ طَرِيقَيْ بُطْلَانِهَا مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ.
وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ مِمَّنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إيفَاءُ الْبَدَلِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ بُطْلَانُ الْكِتَابَةِ فِي حَقِّهَا عَلَى إيفَائِهِ وَاعْتِبَارِ غَيْرِ الْوَاقِعِ وَاقِعًا لِمُجَرَّدِ النَّظَرِ لَهَا مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ.
وَثَالِثُهَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ يُنَافِي الْمَعْنَى الَّذِي عَدَّهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ تَحْقِيقَ كَلَامِهِ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ الْمَقَامُ عَلَى انْتِهَاءِ الْكِتَابَةِ بِإِيفَاءِ تَمَامِ الْبَدَلِ يَصِيرُ إتْمَامُ الْكِتَابَةِ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَفِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ عَلَى السَّوَاءِ كَمَا هُوَ الْحَالُ عِنْدَ إيفَاءِ الْبَدَلِ حَقِيقَةً فَلَا يَكُونُ لِاعْتِبَارِ انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَبَقَائِهَا فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ وَجْهٌ. وَرَابِعُهَا أَنَّ حَمْلَ بُطْلَانِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ هَاهُنَا عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي تَخَيَّلَهُ هَذَا الشَّارِحُ لَا يَدْفَعُ أَصْلَ السُّؤَالِ، لِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَقْدِ عَلَى أَيِّ مَعْنًى كَانَ وَعَدَمَهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَنَافِيَانِ قَطْعًا إذَا كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ صِيرَ إلَى اخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ لَا يَبْقَى احْتِيَاجٌ إلَى مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَا يُقَالُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بُطْلَانَهُ بِامْتِنَاعِ بَقَائِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِالنَّظَرِ لَهُ وَالْمَعْلُولُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَا يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، لِأَنَّ لِلْكِتَابَةِ جِهَتَيْنِ: جِهَةٌ هِيَ لِلْمُكَاتَبِ، وَجِهَةٌ هِيَ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَ الثَّانِيَةَ بِالْأُولَى وَالْأُولَى بِالثَّانِيَةِ فَتَأَمَّلْهُ فَلَعَلَّهُ سَدِيدٌ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: هَذَا السُّؤَالُ أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَجَوَابُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمَعْلُولَ الْوَاحِدَ بِالشَّخْصِ إنَّمَا لَا يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ. وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَيُعَلَّلُ بِهِمَا قَطْعًا عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْأَمْرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَفِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُذْكَرُ لَهَا دَلِيلَانِ أَوْ أَدِلَّةٌ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ أَوْ الْأَدِلَّةِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُعَلَّلَ بِهِ الْمَطْلُوبُ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ.
[ ٩ / ١٨٨ ]
وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا أَوْ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَسْعَى فِي أَقَلَّ مِنْهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا وَثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَالْخِلَافُ فِي الْخِيَارِ وَالْمِقْدَارِ، فَأَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمِقْدَارِ، وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِي نَفْيِ الْخِيَارِ. أَمَّا الْخِيَارُ فَفَرْعُ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ لَمَّا تَجَزَّأَ بَقِيَ الثُّلُثَانِ رَقِيقًا وَقَدْ تَلَقَّاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ بِبَدَلَيْنِ مُعَجَّلٌ بِالتَّدْبِيرِ وَمُؤَجَّلٌ بِالْكِتَابَةِ فَتُخَيَّرُ. وَعِنْدَهُمَا لَمَّا عَتَقَ كُلُّهَا بِعِتْقِ بَعْضِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَجَبَ عَلَيْهَا أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَتَخْتَارُ الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ.
وَأَمَّا الْمِقْدَارُ فَلِمُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَابَلَ الْبَدَلَ بِالْكُلِّ وَقَدْ سَلَّمَ لَهَا الثُّلُثَ بِالتَّدْبِيرِ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَجِبَ الْبَدَلُ بِمُقَابَلَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ لَهَا الْكُلَّ بِأَنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ يَسْقُطُ كُلُّ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَهُنَا يَسْقُطُ الثُّلُثُ وَصَارَ كَمَا إذَا تَأَخَّرَ التَّدْبِيرُ عَنْ الْكِتَابَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْبَدَلِ مُقَابَلٌ بِثُلُثَيْ رَقَبَتِهَا فَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبَدَلَ وَإِنْ قُوبِلَ بِالْكُلِّ صُورَةً وَصِيغَةً لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرْنَا مَعْنًى وَإِرَادَةً لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّةَ الثُّلُثِ ظَاهِرًا،
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ الْمُعَلَّلِ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى الْجِهَةَ الَّتِي هِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ تِلْكَ الْجِهَةَ أَنْ يَلْزَمَهُ إبْقَاءُ الْبَدَلِ وَقَوْلُهُ لِامْتِنَاعِ إبْقَائِهَا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّ عَدَمَ الْفَائِدَةِ بِسُقُوطِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَنْهَا، وَإِذَا أُسْقِطَ عَنْهَا الْبَدَلُ لَا يَلْزَمُهَا إيفَاؤُهُ قَطْعًا فَلَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَوْزِيعِ التَّعْلِيلَيْنِ عَلَى مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا سَدِيدًا كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ وَالْإِعْتَاقُ عِنْدَهُ لِمَا تَجَزَّأَ) بَقِيَ الثُّلُثَانِ رَقِيقًا وَقَدْ تَلَقَّاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ بِبَدَلَيْنِ مُعَجَّلٌ بِالتَّدْبِيرِ (وَمُؤَجَّلٌ بِالْكِتَابَةِ فَتُخَيَّرُ) لِأَنَّ فِي التَّخْيِيرِ فَائِدَةً وَإِنْ كَانَ جِنْسُ الْمَالِ مُتَّحِدًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَدَاءُ أَكْثَرِ الْمَالَيْنِ أَيْسَرَ بِاعْتِبَارِ الْأَجَلِ وَأَدَاءُ أَقَلِّهِمَا أَعْسَرَ لِكَوْنِهِ حَالًّا فَكَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ.
وَعَزَاهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ. أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَذْكُورَةَ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ إنْ كَانَ الْبَدَلُ الْمُعَجَّلُ بِالتَّدْبِيرِ أَقَلَّ مِنْ الْبَدَلِ الْمُؤَجَّلِ بِالْكِتَابَةِ.
وَأَمَّا فِي الْعَكْسِ فَلَا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ أَدَاءَ الْأَقَلِّ الْمُؤَجَّلِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ أَدَاءِ الْأَكْثَرِ الْمُعَجَّلِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّخْيِيرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَصْلًا لِتَعَيُّنِ اخْتِيَارِهَا الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ كَمَا قَالَ صَاحِبَاهُ، مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْخِيَارِ يَعُمُّ بِالصُّورَتَيْنِ عِنْدَهُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكُتُبِ بِأَسْرِهَا (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا لَمَّا عَتَقَ كُلُّهَا بِعِتْقِ بَعْضِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَجَبَ عَلَيْهَا أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَتَخْتَارُ الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ) وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَمَّا لَمْ يَتَجَزَّأْ عِنْدَهُمَا عَتَقَ كُلُّهَا بِالتَّدْبِيرِ لِعِتْقِ بَعْضِهَا بِهِ وَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَوَجَبَ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا لَا غَيْرُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّا قَدْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لَهَا فَتَبْقِيَتُهَا لِذَلِكَ فَلَرُبَّمَا يَكُونُ بَدَلُهَا أَقَلَّ فَيَحْصُلُ النَّظَرُ بِوُجُوبِهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ
[ ٩ / ١٨٩ ]
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ وَصَارَ كَمَا إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ كَانَ جَمِيعُ الْأَلْفِ بِمُقَابَلَةِ الْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ لِدَلَالَةِ الْإِرَادَةِ، كَذَا هَاهُنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ الْكِتَابَةُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِيهِ لِأَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ بِالْكُلِّ إذْ لَا اسْتِحْقَاقَ عِنْدَهُ فِي شَيْءٍ فَافْتَرَقَا قَالَ (وَإِنْ دَبَّرَ مُكَاتَبَتَهُ صَحَّ التَّدْبِيرُ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَهَا الْخِيَارُ، إنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا وَصَارَتْ مُدَبَّرَةً) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فِي جَانِبِ الْمَمْلُوكِ، فَإِنْ مَضَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا فَمَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ سَعَتْ فِي ثُلُثَيْ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: تَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، فَالْخِلَافُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي الْخِيَارِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا. أَمَّا الْمِقْدَارُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ مَا بَيَّنَّا.
قَالَ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ) لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ (وَسَقَطَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَهُ إلَّا مُقَابَلًا بِالْعِتْقِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُ دُونَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ،
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ إشْكَالٌ، لِأَنَّ الْقَوْلَ بِإِبْقَاءِ الْكِتَابَةِ فِيهَا بَعْدَ أَنْ عَتَقَ كُلُّهَا بِالتَّدْبِيرِ يُنَافِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ، وَعِنْدَهُمَا لَمَّا عَتَقَ كُلُّهَا بِعِتْقِ بَعْضِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْكِتَابَةَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ إبْقَاءُ الْكِتَابَةِ فِيهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ حُرَّةً عِنْدَهُمَا.
فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ إبْقَاءُ حُكْمِ الْكِتَابَةِ لَا إبْقَاءُ حَقِيقَتِهَا وَالْمُنَافِي لِلْحُرِّيَّةِ هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. قُلْت: لَوْ أَبْقَى حُكْمَ الْكِتَابَةِ لِأَبْقَى تَأْجِيلَهَا لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهَا. وَلِهَذَا قَالَ فِي الْكَافِي فِي تَقْرِيرِ دَلِيلِ الْإِمَامَيْنِ هُنَا. وَعِنْدَهُمَا لَمَّا عَتَقَ كُلُّهُ بِعِتْقِ ثُلُثِهِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ وَبَطَلَ الْأَجَلُ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْكِتَابَةِ وَبَقِيَ أَصْلُ الْمَالِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ إلَخْ.
وَلَوْ أَبْقَى تَأْجِيلَهَا لَزِمَ أَنْ لَا يَتِمَّ قَوْلُهُمَا فَتَخْتَارَ الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ لِجَوَازِ أَنْ تَخْتَارَ الْأَكْثَرَ الْمُؤَجَّلَ لِكَوْنِ أَدَائِهِ أَيْسَرَ مِنْ أَدَاءِ الْأَقَلِّ الْمُعَجَّلِ كَمَا مَرَّ فِي بَيَانِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ فَلَا تَنْقَطِعُ مَادَّةُ الْإِشْكَالِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ) أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ اسْتِحْقَاقِ الْحُرِّيَّةِ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ، وَالثَّابِتُ فِي الْمُدَبَّرَةِ فِي الْحَالِ مُجَرَّدُ اسْتِحْقَاقِ الْحُرِّيَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا فَجَازَ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى اسْتِفَادَةِ حَقِيقَتِهَا عَاجِلًا فَتَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابِلَتِهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَوْلَى أَنْ يُكَاتِبَ أُمَّ وَلَدِهِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا حُرِّيَّةَ الْكُلِّ
[ ٩ / ١٩٠ ]
وَالْكِتَابَةُ وَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةً فِي جَانِبِ الْمَوْلَى وَلَكِنَّهُ يُفْسَخُ بِرِضَا الْعَبْدِ وَالظَّاهِرُ رِضَاهُ تَوَسُّلًا إلَى عِتْقِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ مَعَ سَلَامَةِ الْأَكْسَابِ لَهُ لِأَنَّا نُبْقِي الْكِتَابَةَ فِي حَقِّهِ.
قَالَ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ) اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ الْأَجَلِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّيْنُ مَالٌ فَكَانَ رِبًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْحُرِّ
قَطْعًا لِعِتْقِهَا عِنْدَ مَوْتِ مَوْلَاهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ دُونَ ثُلُثِهِ، فَإِذَا جَازَ الْتِزَامُ الْمَالِ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ بِمُقَابَلَةِ مَا تَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ كُلًّا لِلِاحْتِيَاجِ إلَى اسْتِفَادَةِ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى كَمَا مَرَّ، فَلَأَنْ جَازَ ذَلِكَ مِنْ الْمُدَبَّرَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا تَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ بَعْضًا لِتِلْكَ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا التَّعْلِيلَ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: لَا يَتَمَشَّى عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ حُرِّيَّةَ الْكُلِّ عِنْدَهُ لِعَدَمِ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ اهـ. أَقُولُ: ذَاكَ سَاقِطٌ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَالْمُدَبَّرَةَ يَسْتَحِقَّانِ بِالتَّدْبِيرِ حُرِّيَّةَ الْكُلِّ عِنْدَهُ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ بِهِ حُرِّيَّةَ الثُّلُثِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَلِهَذَا يُعْتَقَانِ عِنْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَيَسْعَيَانِ فِي ثُلُثِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَثُبُوتُ عِتْقِ الْكُلِّ بِعِتْقِ الْبَعْضِ عِنْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى عَلَى أَصْلِ الْإِمَامَيْنِ وَهُوَ عَدَمُ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ لَا يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ حُرِّيَّةِ الثُّلُثِ بِنَفْسِ التَّدْبِيرِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا.
وَلَئِنْ سَلِمَ اسْتِحْقَاقُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ بِنَفْسِ التَّدْبِيرِ حُرِّيَّةَ الْكُلِّ عِنْدَهُمَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّةَ الثُّلُثِ ظَاهِرًا هُوَ أَنَّهَا اسْتَحَقَّتْهَا مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهَا سِعَايَةٌ فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ كَمَا تَلْزَمُهَا فِي الثُّلُثَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَبِقَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ هُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ مَجَّانًا، بِخِلَافِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ أَوْ يَسْتَحِقُّهَا وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ مَالِ السِّعَايَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمَالَ بِمُقَابَلَتِهِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يَتَمَشَّى عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا تَفَكَّرْ تَفْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ الْأَجَلِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّيْنُ مَالٌ فَكَانَ رِبًا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ اعْتِيَاضٌ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ بِمَا هُوَ مَالٌ، لِأَنَّ الْأَجَلَ لَيْسَ بِمَالٍ وَالدَّيْنُ مَالٌ، وَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَجُوزُ وَعَقْدُ الْكِتَابَةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَانَ خَمْسُمِائَةٍ بَدَلًا عَنْ أَلْفٍ وَذَلِكَ رِبًا اهـ كَلَامُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: أَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَجُوزُ إلَى قَوْلِهِ اعْتِيَاضٌ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ بِمَا هُوَ مَالٌ، وَلَكِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْمَهْرِ وَالْمَالِ الْمُقَابَلِ بِالطَّلَاقِ
[ ٩ / ١٩١ ]
وَمُكَاتَبِ الْغَيْرِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَجَلَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِهِ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ الْمَالِ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَاعْتَدَلَا فَلَا يَكُونُ رِبًا، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عَقْدٌ مِنْ وَجْهٍ
إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ مَنْقُوضًا بِالْمَهْرِ وَالْمَالِ الْمُقَابَلِ بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فِي قَوْلِهِ وَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَجُوزُ مَا ذُكِرَ الْعِوَضُ فِيهِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ وَنَحْوُهُمَا، لِأَنَّ ذِكْرَ الْعِوَضِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الشُّرَّاحُ بِمِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى فِي صَدْرِ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ حَيْثُ قَالُوا: أَوْرَدَ عَقْدَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ يُسْتَفَادُ بِهِ الْمَالُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذِكْرِ الْعِوَضِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ. وَقَالُوا: خَرَجَ بِقَوْلِنَا مَا لَيْسَ بِمَالٍ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عَلَى مَالٍ. فَإِنَّ ذِكْرَ الْعِوَضِ فِيهَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَا يُقَالُ هَلَّا جُعِلَتْ إسْقَاطًا لِبَعْضِ الْحَقِّ لِيَجُوزَ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُسْتَحَقِّ وَالْمُعَجَّلُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا اهـ. وَقَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِنْ الْفُضَلَاءِ: لَوْ صَحَّ هَذَا لَمْ تَجُزْ هِبَةُ الْمَهْرِ الْمُؤَجَّلِ وَإِسْقَاطُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا هُوَ الْمُؤَجَّلُ، وَالْمُسْقَطُ أَيْضًا هُوَ الْمُؤَجَّلُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَرْطُ شَيْءٍ مُعَجَّلٍ فِي الْمُقَابَلَةِ فَلَمْ يُوجَدْ التَّصَرُّفُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ أَصْلًا، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْخَمْسَمِائَةِ الْمُعَجَّلَةَ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الصُّلْحُ لَيْسَتْ بِمُسْتَحَقَّةٍ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الصُّلْحِ إسْقَاطًا لِبَعْضِ الْحَقِّ وَاسْتِيفَاءً لِبَعْضِهِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ وَالِاسْتِيفَاءَ إنَّمَا يَتَحَقَّقَانِ فِي الْمُسْتَحَقِّ وَالْمُعَجَّلِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ. نَعَمْ لَوْ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لَا يُقَالُ هَلَّا جَعَلْت الصُّلْحَ إسْقَاطًا لِبَعْضِ الْحَقِّ وَاسْتِيفَاءً لِبَعْضِهِ الْآخَرِ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ وَالِاسْتِيفَاءَ إنَّمَا يَتَحَقَّقَانِ فِي الْمُسْتَحَقِّ وَالْمُعَجَّلِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا لَكَانَ أَظْهَرَ، لِأَنَّ تَأْثِيرَ قَوْلِهِ وَالْمُعَجَّلُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا فِي حَقِّ انْتِفَاءِ الِاسْتِيفَاءِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ دُونَ انْتِفَاءِ الْإِسْقَاطِ فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعَنْ هَذَا قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ الْأَجَلِ، لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الصُّلْحِ إسْقَاطًا لِلْبَعْضِ وَاسْتِيفَاءً لِلْبَعْضِ، فَلَوْ جُعِلَ إنَّمَا يُجْعَلُ اعْتِيَاضًا عَنْ الْخَمْسِمِائَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَعَنْ الْأَجَلِ بِخَمْسِمِائَةٍ أُخْرَى، وَالِاعْتِيَاضُ عَنْ الْأَجَلِ لَا يَجُوزُ اهـ (قَوْلُهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَجَلَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِهِ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِيهِ مُنَاقَشَةٌ ظَاهِرَةٌ،
[ ٩ / ١٩٢ ]
دُونَ وَجْهٍ وَالْأَجَلُ رِبًا مِنْ وَجْهٍ فَيَكُونُ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ، بِخِلَافِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ رِبًا وَالْأَجَلُ فِيهِ شُبْهَةٌ.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَرِيضُ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفَيْنِ حَالًّا وَالْبَاقِيَ إلَى أَجَلِهِ أَوْ يُرَدُّ رَقِيقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفِ حَالًّا وَالْبَاقِيَ إلَى أَجَلِهِ)
لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الزِّيَادَةَ بِأَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا وَصَارَ كَمَا إذَا خَالَعَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ جَازَ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَلَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بَدَلُ الرَّقَبَةِ حَتَّى أُجْرِيَ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْأَبْدَالِ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُبْدَلِ فَكَذَا بِالْبَدَلِ، وَالتَّأْجِيلُ إسْقَاطٌ مَعْنًى فَيُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ الْخُلْعِ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِيهِ لَا يُقَابِلُ الْمَالَ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِالْمُبْدَلِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَلِ، وَنَظِيرُ هَذَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ دَارِهِ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَعِنْدَهُمَا يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي أَدِّ ثُلُثَيْ جَمِيعِ الثَّمَنِ حَالًّا وَالثُّلُثَ إلَى أَجَلِهِ وَإِلَّا فَانْقُضْ الْبَيْعَ، وَعِنْدَهُ يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ لَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى، قَالَ (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ يُقَالُ لَهُ أَدِّ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ حَالًّا أَوْ تُرَدُّ رَقِيقًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ هَاهُنَا فِي الْقَدْرِ وَالتَّأْخِيرِ فَاعْتُبِرَ الثُّلُثُ فِيهِمَا.
إذْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ جَائِزٌ وَبِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ صَحَّ الْكِتَابَةُ الْحَالَّةُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: هَذِهِ الْمُنَاقَشَةُ إنَّمَا تُظْهِرُ أَنْ لَوْ أَرَادُوا بِنَفْيِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِهِ نَفْيَ الْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ وَهِيَ أَدْنَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا إذَا أَرَادُوا بِذَلِكَ نَفْيَ الْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ وَهِيَ مَا يُوجِبُ
[ ٩ / ١٩٣ ]
بَابُ مَنْ يُكَاتِبُ عَنْ الْعَبْدِ
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْحُرُّ عَنْ عَبْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ أَدَّى عَنْهُ عَتَقَ، وَإِنْ بَلَغَ الْعَبْدُ فَقَبِلَ فَهُوَ مُكَاتَبٌ) وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ الْحُرُّ لِمَوْلَى الْعَبْدِ كَاتِبْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَكَاتَبَهُ الْمَوْلَى عَلَى هَذَا يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ، وَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ صَارَ مُكَاتَبًا، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَارَتِهِ وَقَبُولُهُ إجَازَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَأَدَّى لَا يُعْتَقُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ لَا شَرْطَ وَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْعَبْدِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُعْتَقُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ لِلْعَبْدِ الْغَائِبِ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْقَائِلِ فَيَصِحُّ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَيُتَوَقَّفُ فِي حَقِّ لُزُومِ الْأَلْفِ عَلَى الْعَبْدِ. وَقِيلَ هَذِهِ هِيَ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ (وَلَوْ أَدَّى الْحُرُّ الْبَدَلَ
الْيُسْرَ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا يَكُونُ لِلْمُنَاقَشَةِ مَجَالٌ لِظُهُورِ أَنَّ الْيُسْرَ عَلَى الْأَدَاءِ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالْأَجَلِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى مُفْلِسًا فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ غَالِبًا عَنْ إقْرَاضِهِ الْمَالَ فِي الْحَالِ فَيَعْسُرُ الْأَدَاءُ عَلَيْهِ جِدًّا بِدُونِ الْأَجَلِ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي الْجُمْلَةِ.
عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَأَضْرَابَهُ لَمْ يَتَشَبَّثُوا فِي تَعْلِيلِ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ الْحَالَّةِ عِنْدَنَا بِجَوَازِ الِاسْتِقْرَاضِ، بَلْ قَالُوا: إنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْبَدَلُ مَعْقُودٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَبْنَى الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ فَيُمْهِلُهُ الْمَوْلَى، وَمَتَى امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ اهـ فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُ ذَلِكَ الْمُنَاقِشِ، وَبِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ صَحَّ الْكِتَابَةُ الْحَالَّةُ فَتَدَبَّرْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مِنْ يُكَاتَبُ عَنْ الْعَبْدِ)
[ ٩ / ١٩٤ ]
لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْعَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَبْدٍ آخَرَ لِمَوْلَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَإِنْ أَدَّى الشَّاهِدُ أَوْ الْغَائِبُ عَتَقَا) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ كَاتِبْنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ، وَهَذِهِ كِتَابَةٌ جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الْقِيَاسِ: يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا وَيُتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاضِرَ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ ابْتِدَاءً جَعَلَ نَفْسَهُ فِيهِ أَصْلًا وَالْغَائِبُ تَبَعًا، وَالْكِتَابَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوعَةٌ كَالْأَمَةِ إذَا كُوتِبَتْ دَخَلَ أَوْلَادُهَا فِي كِتَابَتِهَا تَبَعًا حَتَّى عَتَقُوا بِأَدَائِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ وَإِذَا أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَنْفَرِدُ بِهِ الْحَاضِرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِكُلِّ الْبَدَلِ لِأَنَّ الْبَدَلَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِيهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِيهِ.
قَالَ (وَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَا وَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ) أَمَّا الْحَاضِرُ فَلِأَنَّ الْبَدَلَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْغَائِبُ فَلِأَنَّهُ يَنَالُ بِهِ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَدَلُ عَلَيْهِ وَصَارَ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ إذَا أَدَّى الدَّيْنَ يُجْبَرُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْقَبُولِ لِحَاجَتِهِ إلَى اسْتِخْلَاصِ عَيْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ عَلَيْهِ. قَالَ (وَأَيُّهُمَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّ الْحَاضِرَ قَضَى دَيْنًا عَلَيْهِ وَالْغَائِبُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْأَصْلِ فِي الْكِتَابَةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامًا تَتَعَلَّقُ بِالنَّائِبِ فِيهَا، وَقَدَّمَ أَحْكَامَ الْأَصِيلِ لِأَنَّ
[ ٩ / ١٩٥ ]
قَالَ (وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ الْغَائِبَ بِشَيْءٍ) لِمَا بَيَّنَّا (فَإِنْ قَبِلَ الْعَبْدُ الْغَائِبُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَالْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ لِلشَّاهِدِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَافِذَةٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ الْغَائِبِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِقَبُولِهِ، كَمَنْ كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ، حَتَّى لَوْ أَدَّى لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ، كَذَا هَذَا.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَتْ الْأَمَةُ عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ ابْنَيْنِ لَهَا صَغِيرَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَأَيُّهُمْ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ وَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ وَيُعْتَقُونَ) لِأَنَّهَا جَعَلَتْ نَفْسَهَا أَصْلًا فِي الْكِتَابَةِ وَأَوْلَادَهَا تَبَعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ.
الْأَصْلَ فِي تَصَرُّفِ الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ
(قَوْلُهُ وَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ) يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي حَقِّ وَلَدِهَا أَوْلَى لِأَنَّ وَلَدَهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ: وَأَقُولُ لَعَلَّهُ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ هَاهُنَا قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ، لِأَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لَهَا، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَأَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ اهـ.
وَأَنَا أَقُولُ: أَرَى أَنَّ الْحَقَّ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ الْجَوَازِ هَاهُنَا أَيْضًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ دُونَ الْقِيَاسِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَبَعْضٌ مِنْ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ إنْ أَرَادَ بِوَجْهِ الْقِيَاسِ هَاهُنَا كَوْنَ الْوَلَدِ تَابِعًا لِلْأُمِّ فِي الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ لِأَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لَهَا، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَيْسَ بِتَامٍّ، لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْوَلَدِ لِلْأُمِّ فِي الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا إنَّمَا تَكُونُ فِي الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْهُ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ وَالْوَلَدِ الَّذِي اشْتَرَتْهُ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ لَا فِي الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ بِمَسَائِلِ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ خَبَرًا. وَلَا شَكَّ أَنَّ وَضْعَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي كِتَابَةِ الْأَمَةِ عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ ابْنَيْنِ لَهَا مَوْلُودَيْنِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ هَاهُنَا التَّبَعِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَأَمَّا التَّبَعِيَّةُ الْحَاصِلَةُ بِالضَّمِّ إلَيْهَا فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَمِثْلُ هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا بِلَا تَفَاوُتٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ.
وَقَالَ هَاهُنَا لِأَنَّهَا جُعِلَتْ
[ ٩ / ١٩٦ ]