(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يُكْرَهُ لُحُومُ الْأُتُنِ وَأَلْبَانُهَا وَأَبْوَالُ الْإِبِلِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ)
كَرِهَ الشَّيْءَ كَرْهًا وَكَرَاهَةً وَكَرَاهِيَةً، قَالَ فِي الْمِيزَانِ: هِيَ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ فَالْمَكْرُوهُ خِلَافُ الْمَنْدُوبِ وَالْمَحْبُوبِ لُغَةً، وَالْكَرَاهَةُ لَيْسَتْ بِضِدٍّ لِلْإِرَادَةِ عِنْدَنَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَارِهٌ لِلْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي: أَيْ لَيْسَ بِرَاضٍ بِهِمَا وَلَا مُحِبٍّ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هِيَ ضِدُّ الْإِرَادَةِ أَيْضًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْكَلَامِ، وَأَمَّا مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ فِي الشَّرِيعَةِ فَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ (قَوْلُهُ قَالَ ﵁: تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الْمَكْرُوهِ) يَعْنِي اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّرْعِ فِي مَعْنَى الْمَكْرُوهِ، فَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا قَاطِعًا لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَرَامِ فَكَانَ نِسْبَةُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْحَرَامِ عِنْدَهُ كَنِسْبَةِ الْوَاجِبِ إلَى الْفَرْضِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَالثَّانِيَ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ. ثُمَّ إنَّ هَذَا حَدُّ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فَإِلَى الْحِلِّ أَقْرَبُ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرُوا فِي الْكُتُبِ، وَلِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا كَلِمَاتٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ لَا حَاصِلَ لَهَا تَرَكْنَا التَّعَرُّضَ لَهَا لِمَا فِي تَضَاعِيفِهَا مِنْ الِاخْتِلَالِ كَرَاهَةَ الْإِطْنَابِ
(قَوْلُهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ لُحُومُ الْأُتُنِ وَأَلْبَانُهَا وَأَبْوَالُ الْإِبِلِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: خَصَّ الْأُتُنَ مَعَ كَرَاهَةِ لَحْمِ سَائِرِ الْحُمُرِ لِيَسْتَقِيمَ عَطْفُ الْأَلْبَانِ عَلَيْهِ، إذْ اللَّبَنُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْأَتَانِ انْتَهَى.
يَعْنُونَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ تُكْرَهُ لُحُومُ الْحُمُرِ وَأَلْبَانُهَا لَرَجَعَ الضَّمِيرُ فِي أَلْبَانِهَا إلَى الْحُمُرِ الْمَذْكُورِ فِيمَا قِيلَ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، فَلَا يَسْتَقِيمُ عَطْفُ الْأَلْبَانِ مُضَافَةً إلَى الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إلَى مُطْلَقِ الْجَرِّ عَلَى مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْأَلْبَانَ لَا تُتَصَوَّرُ فِي ذُكُورِ الْحُمُرِ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي إنَاثِهَا الَّتِي هِيَ الْأُتُنُ. نَعَمْ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ أَيْضًا بِتَقْدِيرٍ وَتَأْوِيلٍ، لَكِنَّ مُرَادَهُمْ عَدَمُ اسْتِقَامَةِ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ التَّرْكِيبِ فَسَقَطَتْ عَنْ كَلَامِهِمْ مُؤَاخَذَةُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: وَإِنَّمَا خَصَّ كَرَاهَةَ لَحْمِ الْأُتُنِ بِالذِّكْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهَةَ لَحْمِ غَيْرِهَا مِمَّا سَبَقَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، لِأَنَّهُ لَمَّا عَنْوَنَ الْفَصْلَ بِأَنَّهُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الذَّبَائِحِ جَمِيعَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَوْ أَعَادَ كُلَّهَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ فَذَكَرَ بَعْضًا مِنْهَا تَذْكِيرًا لِلْبَوَاقِي انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عِنْوَانِ الْفَصْلِ بِأَنَّهُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَصْلًا، فَإِنَّ
[ ١٠ / ٤ ]
وَتَأْوِيلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلتَّدَاوِي، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَالذَّبَائِحِ فَلَا نُعِيدُهَا، وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ
، قَالَ (وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالِادِّهَانُ وَالتَّطَيُّبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ «إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» «وَأُتِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بِشَرَابٍ فِي إنَاءِ فِضَّةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقَالَ:
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي هَذَا الْفَصْلِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ مَسَائِلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَيْضًا، فَيَصِحُّ عِنْوَانُ الْفَصْلِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، سَوَاءٌ لَمْ تُذْكَرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهِ أَصْلًا أَوْ ذَكَرَ مَعَهَا غَيْرَهَا أَيْضًا مِمَّا سَبَقَ فِي الذَّبَائِحِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ذِكْرِ بَعْضٍ مِنْ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ فِي الذَّبَائِحِ تَذْكِيرًا لِلْبَوَاقِي فَغَيْرُ تَامٍّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مَا ذَكَرَ مَرَّ وَبُيِّنَ مُسْتَوْفًى تَذْكِيرًا لِبَوَاقِي الْمَذْكُورَاتِ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ الْمُصَنِّفِينَ وَلَا مِمَّا يَهُمُّ أَصْلًا، ثُمَّ أَقُولُ: الْأَوْجُهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا خَصَّ الْأُتُنَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَرَاهَةِ لُحُومِ غَيْرِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قَدْ ذُكِرَ فِي الذَّبَائِحِ مُسْتَوْفًى، وَكَرَاهَةُ لُحُومِ الْأُتُنِ إنَّمَا ذُكِرْت هَاهُنَا تَوْطِئَةً لِكَرَاهَةِ أَلْبَانِهَا الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ فِيمَا مَرَّ قَطُّ، وَلَا مَدْخَلَ لِكَرَاهَةِ لُحُومِ غَيْرِهَا فِي التَّوْطِئَةِ لِذَلِكَ فَلَا جَرَمَ خَصَّ الْأُتُنَ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: وَأَمَّا حُكْمُ أَبْوَالِ الْإِبِلِ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ، وَذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ هَاهُنَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَلَيْسَ فِيهِ التَّكْرَارُ حَتَّى يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الِاعْتِذَارِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِكَلَامٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَيْضًا ذَكَرَهُ هَاهُنَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْبِدَايَةِ فَلَزِمَهُ التَّكْرَارُ قَطْعًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ التَّكْرَارُ لَوْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا. وَأَمَّا كَوْنُ مَأْخَذِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَلَا يُجْدِي شَيْئًا فِي دَفْعِ التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَيْسَ فِي حَيِّزِ الِاجْتِهَادِ، فَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ مُجْتَهِدٍ، فَإِذَا ذَكَرَ مَسْأَلَةً مَرَّتَيْنِ لَزِمَ التَّكْرَارُ لَا مَحَالَةَ (قَوْلُهُ وَتَأْوِيلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ لِلتَّدَاوِي) إنَّمَا احْتَاجَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ لِمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَاتِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ حَرَامًا.
وَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ هَاهُنَا: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ حِلُّ شُرْبِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا. فَأَوَّلَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ الْمَذْكُورَ هَاهُنَا بِنَفْيِ الْبَأْسِ عَنْ شُرْبِهَا لِلتَّدَاوِي، وَشُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي لَيْسَ بِحَرَامٍ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ نَجِسًا تَمَسُّكًا بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَاتِ.
قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَمُنْصَرِفٌ إلَى لَحْمِ الْفَرَسِ خَاصَّةً، لِأَنَّ بَوْلَ الْإِبِلِ نَجِسٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ أَطْلَقَ شُرْبَهُ لِلتَّدَاوِي، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَاتِ فِي فَصْلِ الْبِئْرِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَكَذَا: مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: أَكْرَهُ شُرْبَ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَكْلَ لُحُومِ الْفَرَسِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهِ الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ حَيْثُ ذَكَرَ لَفْظَهُ هَكَذَا بِعَيْنِهِ: وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ عِبَارَةَ كُلِّهِ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُنْصَرِفًا إلَى لَحْمِ الْفَرَسِ خَاصَّةً، بَلْ يَقْتَضِي شُمُولَهُ لِأَبْوَالِ الْإِبِلِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَالذَّبَائِحِ فَلَا نُعِيدُهَا) أَقُولُ: فِي رَوَاجِ هَذِهِ الْحَوَالَةِ بَحْثٌ، فَإِنَّ أَلْبَانَ الْأُتُنِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ
[ ١٠ / ٥ ]
نَهَانَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الشُّرْبِ فَكَذَا فِي الِادِّهَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِزِيِّ الْمُشْرِكِينَ وَتَنَعُّمٌ بِنِعَمِ الْمُتْرَفِينَ وَالْمُسْرِفِينَ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: يُكْرَهُ وَمُرَادُهُ التَّحْرِيمُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالْمُكْحُلَةِ وَالْمِرْآةِ وَغَيْرِهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ آنِيَةٍ الرَّصَاصِ وَالزُّجَاجِ
وَلَمْ تُبَيِّنْ فِيمَا تَقَدَّمَ قَطُّ، وَكَذَا أَبْوَالُ الْإِبِلِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَلَمْ تُبَيِّنْ فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابَيْ الصَّلَاةِ وَالذَّبَائِحِ، وَإِنَّمَا بُيِّنَتْ فِي كِتَابِ الطَّهَارَاتِ فِي فَصْلِ الْبِئْرِ فِي ضِمْنِ بَيَانِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مُطْلَقًا، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالذَّبَائِحِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَمَحَّلَ فِي تَوْجِيهِ كُلٍّ مِنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. أَمَّا فِي تَوْجِيهِ الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا فَبِأَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي قَوْلِهِ قَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى مَا عَدَا الْأَلْبَانِ بِقَرِينَةِ بَيَانِ كَرَاهَةِ اللَّبَنِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَا نُعِيدُهَا بِقَوْلِهِ وَاللَّبَنُ يَتَوَلَّدُ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ. وَأَمَّا فِي تَوْجِيهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا فَبِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَمَبَادِيهَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ كِتَابِ الطَّهَارَاتِ بِكِتَابِ الصَّلَاةِ مُسَامَحَةً.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَإِنَّمَا قَالَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ الْبَيَانَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَلْ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي فَصْلِ الْبِئْرِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مَسَائِلَ الطَّهَارَةِ فِي فَصْلٍ مِنْ فُصُولِ كِتَابِ الصَّلَاةِ كَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَأَنْ لَا يُتَرْجَمَ لَهَا كِتَابٌ عَلَى حِدَةٍ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِتَعْبِيرِهِ الْمَذْكُورِ الْإِشَارَةَ إلَى تَقْبِيحِ نَفْسِهِ فِيمَا فَعَلَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ مِنْ تَرْجَمَةِ الطَّهَارَاتِ بِكِتَابٍ عَلَى حِدَةٍ دُونَ فَصْلٍ مِنْ فُصُولِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَهَلْ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ يَقْصِدَ الْإِشَارَةَ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ. عَلَى أَنَّ الشُّرَّاحَ ذَكَرُوا قَاطِبَةً فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَجْهًا وَجِيهًا لِإِيرَادِ الطَّهَارَةِ فِي كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ، فَكَوْنُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مَسَائِلَ الطَّهَارَةِ فِي فَصْلٍ مِنْ فُصُولِ الصَّلَاةِ مَمْنُوعٌ، وَعَنْ هَذَا تَرَى أَكْثَرَ ثِقَاتِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ذَكَرُوا مَسَائِلَ الطَّهَارَةِ فِي كِتَابٍ عَلَى حِدَةٍ وَقَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ بَيَّنَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ شُرْبَ أَبْوَالِ الْإِبِلِ حَرَامٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مُطْلَقًا، وَحَلَالٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ مُطْلَقًا، وَلِلتَّدَاوِي فَقَطْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَذَكَرَ أَدِلَّتَهُمْ هُنَاكَ، لَكِنْ بُنِيَ دَلِيلُ مُحَمَّدٍ عَلَى طَهَارَتِهِ، مَعَ أَنَّ اسْتِلْزَامَ طَهَارَتِهِ حِلُّ شُرْبِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَأَنَّ طَهَارَتَهُ لَمْ تَلْزَمْ عِنْدَهُ إلَّا مِنْ حِلِّهِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَا وُضِعَ شِفَاؤُكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» كَمَا سَبَقَ، فَبِنَاءُ حِلِّهِ عَلَى طَهَارَتِهِ دَوْرٌ ظَاهِرٌ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: حَدِيثُ الدَّوْرِ سَاقِطٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ حِلَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِلَّةً لِطَهَارَتِهِ فِي الْعَقْلِ بِأَنْ يَصِيرَ دَلِيلًا عَلَيْهَا. وَأَمَّا طَهَارَتُهُ فَإِنَّمَا تَكُونُ عِلَّةً لِحِلِّهِ فِي الْخَارِجِ فَاخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا قَالُوا فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّ الْحُمَّى عِلَّةٌ لِلْعُفُونَةِ فِي الذِّهْنِ وَالْعُفُونَةُ عِلَّةٌ لِلْحُمَّى فِي الْخَارِجِ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْحُمَّى عَلَى الْعُفُونَةِ بُرْهَانٌ إنِّيٌّ وَبِعَكْسِهِ بُرْهَانٌ لَمِّيٌّ وَلَا دَوْرَ أَصْلًا، وَهَكَذَا الْحَالُ بَيْنَ كُلِّ مُؤَثِّرٍ وَأَثَرِهِ. فَإِنَّ الْأَوَّلَ عِلَّةٌ لِلثَّانِي فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي عِلَّةً لِلْأَوَّلِ فِي الْعَقْلِ: أَيْ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اسْتِدْلَالُنَا بِوُجُودِ الْعَالَمِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ
(قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الشُّرْبِ فَكَذَا فِي الِادِّهَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ)
[ ١٠ / ٦ ]
وَالْبَلُّورِ وَالْعَقِيقِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي التَّفَاخُرِ بِهِ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ التَّفَاخُرُ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
قَالَ (وَيَجُوزُ الشُّرْبُ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالرُّكُوبُ عَلَى السَّرْجِ الْمُفَضَّضِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُفَضَّضِ وَالسَّرِيرِ الْمُفَضَّضِ إذَا كَانَ يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفِضَّةِ) وَمَعْنَاهُ: يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفَمِ، وَقِيلَ هَذَا وَمَوْضِعُ الْيَدِ فِي الْأَخْذِ وَفِي السَّرِيرِ وَالسَّرْجِ مَوْضِعُ الْجُلُوسِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يُرْوَى مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُرْوَى مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِنَاءُ الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْكُرْسِيُّ الْمُضَبَّبُ بِهِمَا، وَكَذَا إذَا جَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّيْفِ وَالْمِشْحَذِ وَحَلْقَةِ الْمَرْأَةِ، أَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ مُذَهَّبًا أَوْ مُفَضَّضًا، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي اللِّجَامِ وَالرِّكَابِ وَالثَّفْرِ إذَا كَانَ مُفَضَّضًا، وَكَذَا الثَّوْبُ فِيهِ كِتَابَةٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَلَى هَذَا، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَخْلُصُ، فَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي
أَيْ لِأَنَّ الِادِّهَانَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَنَحْوِهِ فِي مَعْنَى الشُّرْبِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ لَهَا، وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ بِأَيْ وَجْهٍ كَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّجَبُّرِ وَالْإِسْرَافِ فَيَشْمَلُ الِادِّهَانَ وَالتَّطَيُّبَ أَيْضًا. وَفِي النِّهَايَةِ قِيلَ: صُورَةُ الِادِّهَانِ الْمُحَرَّمِ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ آنِيَةَ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَيَصُبَّ الدُّهْنَ عَلَى الرَّأْسِ. أَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا وَأَخَذَ الدُّهْنَ، ثُمَّ صَبَّهُ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ الْيَدِ لَا يُكْرَهُ. كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اهـ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: وَرَأَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُكْحُلَةِ فَإِنَّ الْكُحْلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهَا حِينَ الِاكْتِحَالِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَطْ ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُمْكِنُ دَفْعُ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَآلَاتِهَا هُوَ اسْتِعْمَالُهَا، وَاسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ عِنْدَ إرَادَةِ الِادِّهَانِ مِنْهَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ بِأَخْذِ آنِيَتِهِمَا وَصَبِّ الدُّهْنِ مِنْهَا عَلَى الْبَدَنِ لَا بِإِدْخَالِ الْيَدِ فِيهَا وَأَخْذِ الدُّهْنِ، ثُمَّ صَبِّهِ عَلَى الْبَدَنِ. وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ مُكْحُلَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَادَةً بِإِدْخَالِ الْمِيلِ فِيهَا ثُمَّ الِاكْتِحَالُ بِهِ فَانْفِصَالُ الْكُحْلِ عَنْهَا حِينَ الِاكْتِحَالِ لَا يَقْدَحُ فِي تَحَقُّقِ اسْتِعْمَالِهَا فَافْتَرَقَا.
وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ عَلَى مَا قِيلَ فِي صُورَةِ الِادِّهَانِ الْمُحَرَّمِ بِوَجْهٍ آخَرَ. وَهُوَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُكْرَهَ إذَا أَخَذَ الطَّعَامَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ بِمِلْعَقَةٍ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا، وَكَذَا إذَا أَخَذَهُ بِيَدِهِ وَأَكَلَهُ مِنْهَا. وَأَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بِمَا يَقْرَبُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي دَفْعِ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي الْمُكْحُلَةِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ أَقُولُ: مَنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ مَعْنَى عِبَارَةِ الْمَشَايِخِ وَعَدَمُ الْوُقُوفِ عَلَى مُرَادِهِمْ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مِنْ فِي قَوْلِهِمْ مِنْ إنَاءِ ذَهَبٍ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ الْأَدَوَاتِ الْمَصْنُوعَةَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ إنَّمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا صُنِعَتْ لَهُ بِحَسَبِ مُتَعَارَفِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْأَوَانِيَ الْكَبِيرَةَ الْمَصْنُوعَةَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَجْلِ أَكْلِ الطَّعَامِ إنَّمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا إذَا أَكَلَ الطَّعَامَ مِنْهَا بِالْيَدِ أَوْ الْمِلْعَقَةِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِأَجْلِ ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ مِنْهَا بِالْيَدِ أَوْ الْمِلْعَقَةِ فِي الْعُرْفِ. وَأَمَّا إذَا أَخَذَ مِنْهَا وَوَضَعَ عَلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ لِانْتِفَاءِ ابْتِدَاءِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْهَا، وَكَذَا الْأَوَانِي الصَّغِيرَةُ الْمَصْنُوعَةُ لِأَجْلِ الِادِّهَانِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا إذَا أُخِذَتْ وَصُبَّ مِنْهَا الدُّهْنُ عَلَى الرَّأْسِ أَوْ عَلَى الْيَدِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا صُنِعَتْ لِأَجْلِ الِادِّهَانِ مِنْهَا بِذَلِكَ الْوَجْهِ. وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا وَأَخَذَ الدُّهْنَ وَصَبَّهُ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ الْيَدِ فَلَا يُكْرَهُ لِانْتِفَاءِ ابْتِدَاءِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْهَا، فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الِاسْتِعْمَالِ الْمُتَعَارَفِ مِنْ ذَلِكَ الْمُحَرَّمِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَوْعُ اسْتِدْرَاكٍ بَلْ اخْتِلَالٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ مَنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ مَعْنَى الْمَشَايِخِ ثُمَّ بَيَانُهُ إيَّاهُ بِقَوْلِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ " مِنْ " فِي قَوْلِهِمْ مِنْ إنَاءِ ذَهَبٍ ابْتِدَائِيَّةٌ أَمْرٌ زَائِدٌ بَلْ مُخْتَلٌّ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي عِبَارَةِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِكَلِمَةِ فِي بِدَلَ كَلِمَةِ مِنْ، وَعَلَيْهِ عِبَارَةُ الْكِتَابِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ كَلِمَةُ مِنْ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلِابْتِدَاءِ فِي تَمْشِيَةِ الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا، إذْ يَكْفِي فِيهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِعْمَالِ الْمُتَعَارَفِ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ فِي الِانْتِهَاءِ، يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ وَالذَّوْقِ السَّلِيمِ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ، وَطَعَنَ فِي بَعْضِ عِبَارَاتِهِ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ صُوَرِ الِادِّهَانِ
[ ١٠ / ٧ ]
لَا يَخْلُصُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ مُسْتَعْمِلَ جُزْءٍ مِنْ الْإِنَاءِ مُسْتَعْمِلَ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَيُكْرَهُ، كَمَا إذَا اسْتَعْمَلَ مَوْضِعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّوَابِعِ فَلَا يُكْرَهُ. كَالْجُبَّةِ الْمَكْفُوفَةِ بِالْحَرِيرِ وَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ وَمِسْمَارِ الذَّهَبِ فِي الْفَصِّ.
قَالَ (وَمَنْ أَرْسَلَ أَجِيرًا لَهُ مَجُوسِيًّا أَوْ خَادِمًا فَاشْتَرَى لَحْمًا فَقَالَ اشْتَرَيْته مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ وَسِعَهُ أَكْلُهُ)؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْكَافِرِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ عَنْ عَقْلٍ وَدِينٍ يُعْتَقَدُ فِيهِ حُرْمَةُ الْكَذِبِ
وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى قَبُولِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْمُعَامَلَاتِ
(وَإِنْ كَانَ
لَيْسَ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ. بَلْ بِوُجُودِ مُمَاسَّةِ الْيَدِ بِالْإِنَاءِ وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَعَدَمِهَا فِي الثَّالِثَةِ، فَإِنَّ لِلْمُمَاسَّةِ تَأْثِيرًا فِي الْحُرْمَةِ كَمَا سَيَجِيءُ مِنْ وُجُوبِ الِاتِّقَاءِ عَنْ مَوْضِعِ الْفِضَّةِ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ أَوْ الْمُضَبَّبِ وَقْتَ الشُّرْبِ فَتَأَمَّلْ انْتَهَى.
أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ الَّذِي زَعَمَهُ حَقًّا النَّقْضُ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ، فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ الطَّعَامَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ بِمِلْعَقَةٍ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا أَوْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ وَأَكَلَهُ مِنْهَا لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مُمَاسَّةُ الْيَدِ بِالْآنِيَةِ مَعَ أَنَّهُ يُكْرَهُ بِلَا شَكٍّ، فَالْمُخْلَصُ الْكُلِّيُّ هُنَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمَصِيرِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِعْمَالِ الْمُتَعَارَفِ وَغَيْرِهِ لَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْإِنَاءُ الْمُفَضَّضُ أَوْ الْمُضَبَّبُ فَبِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخَالِصِ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ بَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ لَوْحٍ وَفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي حُرْمَةِ الشُّرْبِ مِنْهُ مُمَاسَّةَ الْعُضْوِ بِالْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا صَاحِبَاهُ، وَلِكُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَصْلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ
(قَوْلُهُ لَهُمَا أَنَّ مُسْتَعْمِلَ جُزْءٍ مِنْ الْإِنَاءِ مُسْتَعْمِلُ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَيُكْرَهُ) جَمْعُهَا فِي التَّعْلِيلِ جَرْيًا عَلَى رِوَايَةِ كَوْنِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ أَفْرَدَ أَبَا يُوسُفَ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ فِيمَا قَبْلُ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْكَافِي فَأَفْرَدَهُ هَاهُنَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: احْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِعُمُومِ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي الْكَافِي: قُلْت وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الشُّرْبِ فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا سَبَقَ، وَصِدْقُهُ عَلَى الْمُفَضَّضِ وَالْمُضَبَّبِ مَمْنُوعٌ. وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ رَدًّا لِمَا فِي الْكَافِي مِنْ احْتِجَاجِ أَبِي يُوسُفَ. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الشُّرْبِ فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنْ لَمْ يَعُمَّ الْمُفَضَّضَ وَالْمُضَبَّبَ عِبَارَةُ يَعُمُّهُمَا دَلَالَةً كَعُمُومِهِ لِلِادِّهَانِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ، وَكَعُمُومِهِ لِلْأَكْلِ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالِاكْتِحَالِ بِمِيلِ الذَّهَبِ، وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالْمُكْحُلَةِ وَالْمِرْآةِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّ الْمَدَارَ فِي كُلِّهَا تَنَاوُلُ النَّهْيِ الْوَارِدِ الْمَذْكُورِ لِكُلٍّ مِنْهَا دَلَالَةً كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ حُجَّتُهُمَا الْعُمُومَاتُ الْوَارِدَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَمَنْ اسْتَعْمَلَ إنَاءً كَانَ مُسْتَعْمِلًا كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ فَكُرِهَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْإِنَاءِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا كَانَتْ لِلتَّشَبُّهِ بِالْأَكَاسِرَةِ وَالْجَبَابِرَةِ. فَكُلُّ مَا كَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى يُكْرَهُ، بِخِلَافِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ وَالْمِنْطَقَةِ حَيْثُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ نَصًّا، أَمَّا هَاهُنَا بِخِلَافِهِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ تَأَمَّلْ. وَقَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: لِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ انْتَهَى. وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ذَلِكَ الْبَعْضُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: قُلْت لَوْ ثَبَتَ هَذَا كَانَ حُجَّةً قَاطِعَةً عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لَكِنْ لَمْ نَجِدْهُ فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ إلَّا خَالِيًا عَنْ زِيَادَةِ " أَوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ " وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: رُدَّ لِمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ احْتِجَاجِ أَبِي يُوسُفَ انْتَهَى.
أَقُولُ: عَدَمُ وِجْدَانِهِ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فِيمَا رَآهُ مِنْ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَمْ يَرَ مَحَلَّهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ طَرِيقَ إخْرَاجِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُجَرَّدَ عَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ رَدًّا لَهُ
[ ١٠ / ٨ ]
غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ) مَعْنَاهُ: إذَا كَانَ ذَبِيحَةَ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ وَالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ قَوْلَهُ فِي الْحِلِّ أَوْلَى أَنْ يَقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ.
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالْإِذْنِ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَالصَّبِيِّ)؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ، وَكَذَا لَا يُمْكِنُهُمْ اسْتِصْحَابُ الشُّهُودِ عَلَى الْإِذْنِ عِنْدَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْمُبَايَعَةِ فِي السُّوقِ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا قَالَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ بَعَثَنِي مَوْلَايَ إلَيْك هَدِيَّةً وَسِعَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا أَخْبَرَتْ بِإِهْدَاءِ الْمَوْلَى غَيْرَهَا أَوْ نَفْسَهُ لِمَا قُلْنَا (قَالَ وَيُقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ قَوْلُ الْفَاسِقِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ إلَّا قَوْلُ الْعَدْلِ)، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ يَكْثُرُ وُجُودُهَا فِيمَا بَيْنَ أَجْنَاسِ النَّاسِ،
فَلَوْ شَرَطْنَا شَرْطًا زَائِدًا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ
فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهَا عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا
وَهُوَ لَيْسَ مِنْ فُرْسَانِ مَيْدَانِ عِلْمِ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ ذَبِيحَةَ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ وَالْمُسْلِمِ) أَقُولُ: كَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ قَوْلُهُ غَيْرَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ اشْتَرَيْته مِنْ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ وَالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ هُنَا كَوْنُ قَوْلِ الْكَافِرِ مَقْبُولًا فِيمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُعَامَلَاتِ سَوَاءٌ تَضَمَّنَ الْحِلَّ أَوْ الْحُرْمَةَ، لَا كَوْنُ ذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ مِمَّا يُؤْكَلُ دُونَ ذَبِيحَةِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَقَدْ مَرَّ مُسْتَوْفًى، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تُوهِمُ أَصَالَةَ الثَّانِي كَمَا تَرَى. ثُمَّ إنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْمَتْنِ: وَإِنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ بَدَلِ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ لَكَانَ أَظْهَرُ مِنْ الْكُلِّ، وَكَانَ أَوْفَقُ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَالَ اشْتَرَيْته مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ تَبَرُّكًا بِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحِلِّ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحِلِّ: يَعْنِي فِي قَوْلِهِ وَسِعَهُ أَكْلُهُ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْحِلَّ لَا مَحَالَةَ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مُرَجَّحَةٌ عَلَى الْحِلِّ دَائِمًا انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْحِلِّ بِقَوْلِهِ يَعْنِي فِي قَوْلِهِ وَسِعَهُ أَكْلُهُ رَكَاكَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَسِعَهُ أَكْلُهُ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ فِي قُوَّةِ أَنْ يُقَالَ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ فِي الْحِلِّ فِي قَوْلِهِ وَسِعَهُ أَكْلُهُ يَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِهِ لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ. وَلَا حَاصِلَ لَهُ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ اللَّغْوِ مِنْ الْكَلَامِ.
وَالْحَقُّ عِنْدِي فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَنْ يُقَالَ: يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحِلِّ: أَيْ فِيمَا يَتَضَمَّنُ الْحِلَّ وَهُوَ قَوْلُهُ اشْتَرَيْته مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ حِلِّ أَكْلِ مَا اشْتَرَاهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ: أَيْ فِيمَا يَتَضَمَّنُ الْحُرْمَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ اشْتَرَيْته مِنْ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ وَالْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ حُرْمَةِ مَا اشْتَرَاهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا تَبَصَّرْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا أَخْبَرَتْ بِإِهْدَاءِ الْمَوْلَى غَيْرَهَا أَوْ نَفْسَهَا لِمَا قُلْنَا) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّ نَفْسَ الْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ، بِخِلَافِ إهْدَاءِ غَيْرِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْهَدَايَا فَإِنَّهَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِيهِمْ بِلَا مَجَالِ النَّكِيرِ مِنْ أَحَدٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمْ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ، وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: وَلِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ قَوْلِهِمْ فِي إهْدَاءِ مَوَالِيهِمْ أَنْفُسَهُمْ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ لِإِمْكَانِ إهْدَائِهِمْ عَلَى أَيْدِي غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي أَوْ الصِّبْيَانِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ أَصْلًا نَادِرٌ لَا يُعَدُّ مِثْلُهُ مُؤَدِّيًا إلَى الْحَرَجِ بِخِلَافِ إهْدَاءِ الْهَدَايَا مُطْلَقًا عَلَى أَيْدِي غَيْرِ جِنْسِ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي وَالصِّبْيَانِ فَإِنَّ فِيهِ حَرَجًا بَيِّنًا سِيَّمَا فِي إهْدَاءِ الْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ (قَوْلُهُ وَيَقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ قَوْلَ الْفَاسِقِ وَلَا يَقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ إلَّا قَوْلَ الْعَدْلِ) قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: قِيلَ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ إخْبَارَ الْمُمَيِّزِ الْغَيْرِ الْعَدْلِ يُقْبَلُ فِي مِثْلِ الْوَكَالَةِ وَالْهَدَايَا
[ ١٠ / ٩ ]
كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا عَبْدًا أَوْ حُرًّا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى دَفْعًا لِلْحَرَجِ. أَمَّا الدِّيَانَاتُ فَلَا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا حَسَبِ وُقُوعِ الْمُعَامَلَاتِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهَا زِيَادَةَ شَرْطٍ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا قَوْلُ الْمُسْلِمِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مُتَّهَمٌ وَالْكَافِرَ لَا يَلْتَزِمُ الْحُكْمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُسْلِمَ، بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُمْكِنُهُ الْمَقَامُ فِي دِيَارِنَا إلَّا بِالْمُعَامَلَةِ. وَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ الْمُعَامَلَةُ إلَّا بَعْدَ قَبُولِ قَوْلِهِ فِيهَا فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةً، وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَسْتُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ وَالْفَاسِقُ فِيهِ سَوَاءٌ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِمَا أَكْبَرُ الرَّأْيِ.
مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ التَّحَرِّي، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّحَرِّي وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ. وَمُحَمَّدٌ ﵀ ذَكَرَ الْقَيْدَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ تَفْسِيرًا لِهَذَا فَيُشْتَرَطُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُشْتَرَطُ رُخْصَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُشْكِلُ عَلَى التَّوْجِيهِ الْأَوَّلِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَامَلَاتِ وَالدِّيَانَاتِ لِأَنَّ قَوْلَ الْفَاسِقِ يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ أَيْضًا بِشَرْطِ التَّحَرِّي كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي الْكِتَابِ، وَكَذَا يَشْكُلُ ذَلِكَ عَلَى التَّوْجِيهِ الثَّالِثِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةُ الِاشْتِرَاطِ، فَالظَّاهِرُ الْمُنَاسِبُ عِنْدِي هُوَ التَّوْجِيهُ الثَّانِي.
فَإِنَّ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ يَسْتَقِيمُ حِينَئِذٍ، إذْ لَا رُخْصَةَ لِقَبُولِ قَوْلِ الْفَاسِقِ فِي الدِّيَانَاتِ بِدُونِ التَّحَرِّي (قَوْلُهُ وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَسْتُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ لِيَكُونَ الْخَبَرُ مُلْزِمًا، وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ فَبَقِيَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَقْتَصِرَ الْحَاكِمُ عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، فَكَانَ أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَسْتُورَ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ» فَفِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ اعْتِبَارِ أَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَدُلَّ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى أَصَحِّيَّةِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بَيَانَ أَصَحِّيَّةِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الشَّهَادَةِ بَلْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ فَسَادُ الزَّمَانِ مِنْ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِرِوَايَةِ الْمَسْتُورِ مَا لَمْ تَتَبَيَّنْ عَدَالَتُهُ، كَمَا لَمْ تُعْتَبَرْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَا لَمْ يُظْهِرُ عَدَالَتَهُ. وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّوْجِيهَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ نَقْلًا عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ حَيْثُ قَالَ: قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ فِي أُصُولِهِ: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ لِثُبُوتِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ عُمَرَ ﵂ " الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " وَلِهَذَا جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَصَحُّ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ الْفِسْقَ غَالِبٌ فِي أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ مَا لَمْ تَتَبَيَّنْ عَدَالَتُهُ، كَمَا لَا تُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ عَدَالَتُهُ انْتَهَى.
وَبِمَا ذَكَرْنَا تَبَيَّنَ اخْتِلَالُ تَحْرِيرِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَسْتُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَيْ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدِّيَانَاتِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. ثُمَّ قَالَ: وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ لِيَكُونَ الْخَبَرُ مُلْزِمًا، وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ فَبَقِيَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ انْتَهَى. فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا ذَكَرُوهُ وَجْهًا لِأَصَحِّيَّةِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَجْهًا لِنَفْسِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَطْعًا أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَدَالَةِ لَيْسَتْ بِأَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ يَكْفِي ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ عِنْدَهُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي الْمَسْتُورِ فَمَا مَعْنَى اعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْعَدَالَةِ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ فِي الدِّيَانَاتِ فِي ظَاهِرِ
[ ١٠ / ١٠ ]
قَالَ (وَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالْأَمَةِ إذَا كَانُوا عُدُولًا)؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْعَدَالَةِ الصِّدْقُ رَاجِحٌ وَالْقَبُولُ لِرُجْحَانِهِ. فَمِنْ الْمُعَامَلَاتِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهَا التَّوْكِيلُ. وَمِنْ الدِّيَانَاتِ الْإِخْبَارُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ حَتَّى إذَا أَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ مَرْضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ، وَلَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا تَحَرَّى، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ ثُمَّ تَيَمَّمَ كَانَ أَحْوَطَ، وَمَعَ الْعَدَالَةِ يَسْقُطُ احْتِمَالُ الْكَذِبِ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِيَاطِ بِالْإِرَاقَةِ، أَمَّا التَّحَرِّي فَمُجَرَّدُ ظَنٍّ.
وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْكَذِبِ بِالتَّحَرِّي، وَهَذَا جَوَابُ الْحُكْمِ. فَأَمَّا فِي الِاحْتِيَاطِ فَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِمَا قُلْنَا. وَمِنْهَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَوَالُ الْمِلْكِ، وَفِيهَا تَفَاصِيلُ وَتَفْرِيعَاتٌ ذَكَرْنَاهَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى.
الرِّوَايَةِ عَنْهُ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالْأَمَةِ إذَا كَانُوا عُدُولًا) أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ ذِكْرَ الْحُرِّ هَاهُنَا خَالٍ عَنْ الْفَائِدَةِ، إذْ لَا يُشْتَبَهُ عَلَى أَحَدٍ قَبُولُ قَوْلِ الْحُرِّ فِي كُلِّ أَمْرٍ خَطِيرٍ إذَا كَانَ عَدْلًا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْكَافِي ذَاقَ بَشَاعَةَ ذِكْرِ الْحُرِّ هَاهُنَا فَقَالَ: وَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ بِدُونِ ذِكْرِ الْحُرِّ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَقَوْلُهُ وَيُقْبَلُ فِيهَا: أَيْ فِي الدِّيَانَاتِ قَوْلُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ لِأَنَّ خَبَرَ هَؤُلَاءِ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَخَبَرِ الْحُرِّ إذَا كَانُوا عُدُولًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ انْتَهَى.
أَقُولُ: قَدْ زَادَ هَذَا الشَّارِحُ فِي الطُّنْبُورِ نَغَمَةً حَيْثُ أَتَى بِمَحْذُورٍ آخَرَ فِي كَلَامِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ خَبَرَ هَؤُلَاءِ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَخَبَرِ الْحُرِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلِمَةَ هَؤُلَاءِ مِنْ جُمُوعِ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ فَتَكُونُ هَاهُنَا إشَارَةً إلَى الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالْأَمَةُ، فَيَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ: لِأَنَّ خَبَرَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالْأَمَةِ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَخَبَرِ الْحُرِّ إذَا كَانُوا عُدُولًا فَيَدْخُلُ الْمُشَبَّهُ بِهِ فِي الْمُشَبَّهِ وَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَيُقْبَلُ فِيهَا: أَيْ فِي الدَّيَّانَاتِ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ فِي أُمُورِ الدِّينِ خَبَرَ الْعَبْدِ كَخَبَرِ الْحُرِّ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ. أَقُولُ فِي كَلَامِهِمَا أَيْضًا نَوْعٌ مَحْذُورٌ، لِأَنَّهُمَا جَعَلَا الْحُرَّ مَقِيسًا عَلَيْهِ أَوْ مُشَبَّهًا بِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ أَيْضًا فِي الْمُدَّعَى هَاهُنَا فَكَانَ يَلْزَمُ إثْبَاتُهُ أَيْضًا هُنَا، فَكَيْفَ يَتِمُّ أَنْ يَجْعَلَ مَقِيسًا عَلَيْهِ أَوْ مُشَبَّهًا بِهِ لِأَحَدِ قَرِينَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالَ نَفْسِهِ، فَالتَّعْلِيلُ التَّامُّ الشَّامِلُ لِلْكُلِّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْعَدَالَةِ الصِّدْقُ رَاجِحٌ وَالْقَبُولُ لِرُجْحَانِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ ثُمَّ تَيَمَّمَ كَانَ أَحْوَطَ) أَقُولُ: هَذَا مُشْكِلٌ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ كَانَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ رَاجِحَةً عِنْدَهُ، فَإِذَا أَرَاقَ هَذَا الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَانَ الرَّاجِحُ أَنْ تَتَنَجَّسَ تِلْكَ الْأَعْضَاءُ، وَإِذَا تَنَجَّسَتْ أَعْضَاؤُهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ تَطْهُرْ.
وَالْمَفْرُوضُ انْتِفَاءُ مَاءٍ آخَرَ مُطَهَّرٍ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاحْتِيَاطُ إذْ ذَاكَ فِي تَرْكِ الْإِرَاقَةِ لِتَأَدِّيهَا إلَى مَحْذُورٍ شَدِيدٍ، بِخِلَافِ الِاحْتِيَاطِ بِالتَّيَمُّمِ بَعْدَ الْوُضُوءِ فِيمَا إذَا كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ بَعْدُ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ هُنَاكَ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ فَلَا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أَصْلًا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَمَعَ الْعَدَالَةِ يَسْقُطُ احْتِمَالُ الْكَذِبِ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِيَاطِ بِالْإِرَاقَةِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ
[ ١٠ / ١١ ]
قَالَ (وَمَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ فَوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِبًا أَوْ غِنَاءً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: اُبْتُلِيت بِهَذَا مَرَّةً فَصَبَرْت. وَهَذَا لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ. قَالَ ﵊ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَلَا يَتْرُكُهَا لِمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاجِبَةُ الْإِقَامَةِ وَإِنْ حَضَرَتْهَا نِيَاحَةٌ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَنْعِ مَنَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يَصْبِرْ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَدًى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ يَخْرُجُ وَلَا يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ شِينُ الدِّينِ وَفَتْحُ بَابِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْكِتَابِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمَائِدَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ،
سُقُوطَ احْتِمَالِ الْكَذِبِ مَعَ مُجَرَّدِ الْعَدَالَةِ بِدُونِ أَنْ يَصِلَ حَدُّ التَّوَاتُرِ. كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا فِي عِلْمِ الْأُصُولِ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ، بَلْ احْتِمَالُ الْكَذِبِ قَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، وَإِلَّا لَزِمَ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ عِنْدَ إخْبَارِ الْعَدْلَيْنِ بِهِمَا وَلِهَذَا قَالُوا إنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ دُونَ الْيَقِينِ، وَيُوَافِقُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْعَدَالَةِ الصِّدْقُ رَاجِحٌ وَالْقَبُولُ لِرُجْحَانِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ فِي قَوْلِهِ وَمَعَ الْعَدَالَةِ يَسْقُطُ احْتِمَالُ الْكَذِبِ هُوَ الِاحْتِمَالُ الظَّاهِرُ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا دُونَ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَمَعَ الْعَدَالَةِ سَقَطَ احْتِمَالُ الْكَذِبِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الِانْزِجَارِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْكَذِبِ مِنْهَا فَكَانَ مُنْزَجِرًا عَنْهُ انْتَهَى. فَإِنْ قُلْت: إذَا بَقِيَ احْتِمَالُ مَا لِلْكَذِبِ فِي الْعَدَالَةِ فَمَا مَعْنَى لِلِاحْتِيَاطِ بِالْإِرَاقَةِ. قُلْت: مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاحْتِيَاطِ بِالْإِرَاقَةِ فِي صُورَةِ الْعَدَالَةِ احْتِيَاطًا بِهَا مِثْلَ الِاحْتِيَاطِ بِهَا فِي صُورَةِ التَّحَرِّي فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ أَوْ الْمَسْتُورِ. فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ مُفَادُ خَبَرِ الْعُدُولِ هُوَ الظَّنُّ دُونَ الْيَقِينِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّحَرِّي فَمُجَرَّدُ ظَنٍّ؟ قُلْت: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْمِينٍ وَظَنٍّ لَا غَلَبَةِ ظَنٍّ، بِخِلَافِ عَدَالَةِ الْمُخْبِرِ فَإِنَّ الْحَاصِلَ هُنَاكَ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ فَافْتَرَقَا
(قَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَى سُنَّةٌ. قَالَ ﵊ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَلَا يَتْرُكُهَا لِمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاجِبَةُ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ حَضَرَتْهَا نِيَاحَةٌ) قِيلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قِيَاسُ السُّنَّةِ عَلَى الْفَرْضِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَحْذُورِ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ تَحَمُّلُهُ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ لِوُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَى تَارِكِهَا، قَالَ ﷺ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: الْجَوَابُ مَنْظُورٌ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ إنَّهَا سُنَّةٌ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ أَنَّهَا مِثْلُ الْوَاجِبِ فِي الْأَحْكَامِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى وِفَاقِ مَا يَثْبُتُ فِي الْوَاجِبِ، فَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قَوَاعِدِ عِلْمِ الْأُصُولِ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ كَوْنُ السُّنَّةِ قَسِيمًا لِلْوَاجِبِ وَمُغَايِرَةً لَهُ فِي الْأَحْكَامِ حَيْثُ صَرَّحُوا فِيهِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مِمَّا كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ مَعَ مَنْعِ تَرْكِهِ، وَالسُّنَّةَ مِمَّا كَانَ
[ ١٠ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ بِلَا مَنْعِ تَرْكِهِ، وَأَنَّ تَارِكَ الْوَاجِبِ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالنَّارِ وَتَارِكَ السُّنَّةِ لَا يَسْتَحِقُّهَا بَلْ يَسْتَحِقُّ حِرْمَانَ الشَّفَاعَةِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ إنَّهَا سُنَّةٌ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ مُجَرَّدَ بَيَانِ تَأَكُّدِ سُنِّيَّتِهَا فَهُوَ لَا يُجْدِي نَفْعًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ. إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَحْذُورِ لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ تَحَمُّلُهُ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً تَأَكُّدًا تَامًّا لِظُهُورِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْأَحْكَامِ فَلَا يَتِمُّ الْقِيَاسُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَرْضٌ لَا وَاجِبٌ مَحْضٌ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ إجَابَةُ الدَّعْوَةِ فِي حُكْمِ الْوَاجِبِ بَلْ نَفْسُ الْوَاجِبِ لَا يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ أَيْضًا، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَحْذُورِ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ تَحَمُّلُهُ لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ لِثُبُوتِ الْفَرْضِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ دُونَ الْوَاجِبِ، وَلِهَذَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَلَا وَجْهَ لِلْقِيَاسِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَجْهُ التَّشْبِيهِ اقْتِرَانُ الْعِبَادَةِ بِالْبِدْعَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ صِفَةِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ إجَابَةِ الدَّعْوَى بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي مُجَرَّدِ الِاقْتِرَانِ بِالْبِدْعَةِ مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا فِقْهِيًّا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاجِبَةَ الْإِقَامَةِ وَإِنْ حَضَرَتْهَا نِيَاحَةٌ كَلَامًا زَائِدًا خَارِجًا عَنْ صَنْعَةِ الْفِقْهِ وَحَاشَى لَهُ.
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً عِنْدَنَا ابْتِدَاءً إلَّا أَنَّهَا تَنْقَلِبُ إلَى الْوَاجِبِ بَقَاءً: أَيْ بَعْدَ الْحُضُورِ إلَى مَحَلٍّ حَيْثُ يَلْزَمُهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ بِالْتِزَامِهِ إجَابَتَهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ، فَيَصِيرُ هَذَا نَظِيرَ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ إلَى الْوَاجِبِ بَلْ إلَى الْفَرْضِ بِالْتِزَامِ إقَامَتِهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ عَلِمَ الْمَدْعُوُّ الْبِدْعَةَ قَبْلَ الْحُضُورِ لَزِمَهُ تَرْكُ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ كَمَا سَيَجِيءُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاجِبَةَ الْإِقَامَةِ وَإِنْ حَضَرَتْهَا نِيَاحَةٌ قِيَاسُ الْوَاجِبِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي الْمَآلِ فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ رَدَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ فَلَا تُتْرَكُ بِسَبَبِ بِدْعَةٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَحْضُرُهَا النِّيَاحَةُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ مُطْلَقَ الدَّعْوَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إجَابَتَهَا سُنَّةٌ، وَإِنْ أَرَادَ الدَّعْوَةَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، بَلْ لِأَنَّ حَقَّ الدَّعْوَةِ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْحُضُورِ لَا قَبْلَهُ، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ. وَقَصَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْإِجَابَةِ الْمَسْنُونَةِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ مَا يَعْلَمُ الْإِجَابَةَ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَالْإِجَابَةُ انْتِهَاءً فَقَطْ حَتَّى يَتِمَّ تَقْرِيبُ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي دَعْوَةٍ اقْتَرَنَتْ بِلَهْوٍ، وَفِيهَا لَا تُسَنُّ الْإِجَابَةُ ابْتِدَاءً كَمَا سَيَجِيءُ، فَإِذَا عَرَفَ الْمَدْعُوُّ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِجَابَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ أَصْلًا.
وَأَمَّا إذَا هَجَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ كَمَا هُوَ الْمَفْرُوضُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَوَجَدَ ثَمَّةَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ وَالصَّبْرُ وَالْأَكْلُ، وَهَذَا إجَابَةُ انْتِهَاءٍ، فَبِهَذَا يَنْطَبِقُ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُدَّعِي فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا قِيلَ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ أَنَّ إجَابَةَ مُطْلَقِ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لِمَا سَيَجِيءُ أَنَّ الدَّعْوَةَ إذَا قَارَنَتْ شَيْئًا مِنْ اللَّهْوِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ كَذَلِكَ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ ابْتِدَاءً لَكِنْ يَلْزَمُهُ انْتِهَاءً إذَا هَجَمَ فَتَأَمَّلْ إلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الْبَعْضِ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فَطَانَةٍ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً. أَمَّا خُلُوُّهُ عَنْ التَّحْصِيلِ ابْتِدَاءً فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ انْتِهَاءً فَقَطْ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ انْتِهَاءً بِدُونِ تَحَقُّقِهَا ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَحَقُّقِ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ مِنْ الْمَدْعُوِّ ابْتِدَاءً إنَّمَا يُصَوَّرُ بِعَدَمِ مَجِيئِهِ إلَى مَحَلِّ الدَّعْوَةِ أَصْلًا لِأَجْلِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ، فَإِذَنْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إجَابَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ انْتِهَاءً؟ وَإِجَابَتُهَا انْتِهَاءً فَرْعُ مَجِيئِهِ إلَى مَحَلِّ الدَّعْوَةِ أَوَّلًا وَلَيْسَ فَلَيْسَتْ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ عَكْسُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْإِجَابَةُ ابْتِدَاءً فَقَطْ، كَمَا إذَا دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَأَجَابَ وَذَهَبَ إلَى مَحَلِّ الدَّعْوَةِ فَوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِبًا أَوْ غِنَاءً فَلَمْ يَقْعُدْ وَلَمْ يَأْكُلْ فَإِنَّهُ يُوجَدُ هُنَاكَ الْإِجَابَةُ ابْتِدَاءً لَا انْتِهَاءً كَمَا لَا يَخْفَى، وَصُورَتُهَا الشَّرْعِيَّةُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَدْعُوُّ مُقْتَدًى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ وَالْعَجَبُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ ذَكَرَ الْإِجَابَةَ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَالْإِجَابَةَ انْتِهَاءً فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِجَابَةَ ابْتِدَاءً فَقَطْ، وَكَتَبَ تَحْتَ قَوْلِهِ وَالْإِجَابَةَ انْتِهَاءً فَقَطْ، أَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ هَاهُنَا فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ اهـ.
فَزَعَمَ مَا هُوَ مُتَصَوَّرُ
[ ١٠ / ١٣ ]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْحُضُورِ، وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْحُضُورِ لَا يَحْضُرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا هَجَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ حَتَّى التَّغَنِّي بِضَرْبِ الْقَضِيبِ.
الْوُقُوعِ غَيْرَ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ وَبِالْعَكْسِ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ تَحَقُّقَ انْتِهَاءِ الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ ابْتِدَائِهِ فِيهِ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا خُلُوُّ كَلَامِهِ عَنْ التَّحْصِيلِ انْتِهَاءً فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ ابْتِدَاءً لَكِنْ يَلْزَمُهُ انْتِهَاءً إذَا هَجَمَ أَنَّهُ اخْتَارَ كَوْنَ الْمُرَادِ أَنَّ إجَابَةَ مُطْلَقِ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ، لِأَنَّ عَدَمَ لُزُومِ حَقِّ الدَّعْوَةِ ابْتِدَاءً لَكِنْ يَلْزَمُهُ انْتِهَاءً كَانَ مِنْ مُتَفَرِّعَاتِ مَنْعِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي وَجْهِ الِانْدِفَاعِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمَدْعُوُّ قَبْلَ الْحُضُورِ أَنَّ الدَّعْوَةَ قَارَنَتْ شَيْئًا مِنْ الْبِدْعَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ أَصْلًا كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ، وَذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ، وَيَكْفِي لِسَنَدِ مَنْعٍ أَنَّ إجَابَةَ مُطْلَقِ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ هَذِهِ الصُّورَةُ فَقَطْ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ ابْتِدَاءً لَكِنْ يَلْزَمُهُ انْتِهَاءً إذَا هَجَمَ؛ لِأَنَّ لُزُومَ حَقِّ الدَّعْوَةِ لِلْمَدْعُوِّ انْتِهَاءً إذَا هَجَمَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُضُورِ، وَهُوَ صُورَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الصُّورَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ السَّنَدُ لِلْمَنْعِ الْمَذْكُورِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً، فَكَيْفَ يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ وَجْهًا لِلِانْدِفَاعِ.
وَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ اخْتِيَارُ الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ تَرْدِيدِهِ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُرَادِ أَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ فَتَكُونُ الْإِجَابَةُ سُنَّةً وَبَيَانُ تَمَامِ تَقْرِيبِ الدَّلِيلِ بِأَنَّ الدَّعْوَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ إنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ شَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ أَصْلًا.
وَالثَّانِي إنْ دُعِيَ إلَى ذَلِكَ وَيَذْكُرُ حِينَ الدَّعْوَةِ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا مِنْ الْبِدَعِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَدْعُوُّ قَبْلَ الْحُضُورِ وَلَكِنْ هَجَمَ عَلَيْهِ،
وَالثَّالِثِ إنْ دُعِيَ إلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا مِنْ الْبِدَعِ فَعَلِمَهُ الْمَدْعُوُّ قَبْلَ الْحُضُورِ. فَفِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ كَانَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ فَتَكُونُ الْإِجَابَةُ سُنَّةً. وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَةُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ فَلَا تَكُونُ الْإِجَابَةُ لَازِمَةً لِلْمَدْعُوِّ أَصْلًا، وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مِنْ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ فَيَتَمَشَّى فِيهَا الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ تَأَمَّلْ تَقِفْ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْحُضُورِ وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْحُضُورِ لَا يَحْضُرُ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَعُمُّ مَا بَعْدَ الْحُضُورِ وَمَا قَبْلَهُ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ فَهُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَالدَّعْوَةُ فِي قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» مُعَرَّفَةٌ بِاللَّامِ، وَلَمْ يَظْهَرْ هُنَاكَ مَعْهُودٌ خَارِجِيٌّ فَهِيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَتَعُمُّ كُلَّ دَعْوَةٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَامًّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِنَابِ عَنْ اقْتِرَابِ تِلْكَ الْبِدَعِ بِلَا ضَرُورَةٍ تَوْفِيقًا بَيْنَ النُّصُوصِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَقَدْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى الصَّبْرِ فِيمَا إذَا عَلِمَ بَعْدَ الْحُضُورِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ قَبْلَ الْحُضُورِ إذْ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ هُنَاكَ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ فَافْتَرَقَا.
(قَوْلُهُ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ حَتَّى التَّغَنِّي بِضَرْبِ الْقَضِيبِ)؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ أَطْلَقَ اسْمَ اللَّعِبِ وَالْغِنَاءِ بِقَوْلِهِ فَوَجَدَ ثَمَّةَ اللَّعِبَ وَالْغِنَاءَ وَهُوَ اللَّهْوُ حَرَامٌ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ التَّعْلِيلِ كَافٍ فِي بَيَانِ دَلَالَةِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدِي، وَقَدْ زَادَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ عَلَى ذَلِكَ كَلَامًا آخَرَ حَيْثُ قَالُوا: فَاللَّعِبُ وَهُوَ اللَّهْوُ حَرَامٌ
[ ١٠ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالنَّصِّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَهْوُ الْمُؤْمِنِ بَاطِلٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَأْدِيبِهِ فَرَسَهُ وَفِي رِوَايَةٍ مُلَاعَبَتِهِ بِفَرَسِهِ، وَرَمْيِهِ عَنْ قَوْسِهِ، وَمُلَاعَبَتِهِ مَعَ أَهْلِهِ» وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ فَكَانَ بَاطِلًا انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ زِيَادَةَ قَوْلِهِمْ بِالنَّصِّ فِي قَوْلِهِمْ فَاللَّعِبُ وَهُوَ اللَّهْوُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى حُرْمَةِ اللَّهْوِ هُوَ النَّصُّ، وَالْكَلَامُ فِي دَلَالَةِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُؤْتَ بِتِلْكَ الزِّيَادَةُ إذْ يَكُونُ قَوْلُهُمْ فَاللَّعِبُ وَهُوَ اللَّهْوُ حَرَامٌ إذْ ذَاكَ مُتَفَرِّعًا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ إطْلَاقُ مُحَمَّدٍ اسْمَ اللَّعِبِ وَالْغِنَاءِ بِقَوْلِهِ فَوَجَدَ ثَمَّةَ اللَّعِبَ وَالْغِنَاءَ، فَيَصِيرُ حَاصِلُ التَّعْلِيلِ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمَّا أَطْلَقَ اسْمَ اللَّعِبِ وَالْغِنَاءِ فِي هَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِنَوْعٍ عُلِمَ أَنَّ اللَّعِبَ الَّذِي هُوَ اللَّهْوُ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ جَيِّدٌ مُفِيدٌ لِلْمُدَّعِي.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُمْ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ فَكَانَ بَاطِلًا يُنَافِي قَوْلَهُمْ فِي أَوَّلِ التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَطْلَقَ اسْمَ اللَّعِبِ وَالْغِنَاءِ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي هَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اسْمُ اللَّعِبِ فِيهَا مُطْلَقًا، بَلْ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثِ. لَا يُقَالُ: مُرَادُهُمْ بِإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ اسْمَ اللَّعِبِ إطْلَاقُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ لَعِبٍ فَلَا تَنَافِي. لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يُسَاعِدُهُ لَفْظُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوا إطْلَاقَ اسْمِ اللَّعِبِ مِنْ قَوْلِهِ فَوَجَدَ ثَمَّةَ اللَّعِبَ وَالْغِنَاءَ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَقْتَضِي الْإِطْلَاقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِنْسِ اللَّعِبِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ مِنْهُ وَهُوَ مَا عَدَا الثَّلَاثَ الْمَذْكُورَةَ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ شَيْءٌ فِي أَصْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَنْ لَوْ اُعْتُبِرَتْ دَلَالَةُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ وَجَازَ الْعَمَلُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ لَزِمَ الْقَوْلُ بِحُرْمَةِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا وَلَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تِلْكَ الثَّلَاثُ مُسْتَثْنَاةٌ فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ تَقْدِيرًا بِنَاءً عَلَى كَوْنِهَا مُسْتَثْنَاةً فِي الْحَدِيثِ صَرِيحًا، وَيَجْعَلُ شُهْرَةَ الْحَدِيثِ قَرِينَةً عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ: لَا يُقَالُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ بَعْضُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَهُوَ مَا اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «لَهْوُ الْمُؤْمِنِ بَاطِلٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَأْدِيبِهِ فَرَسَهُ، وَرَمْيِهِ عَنْ قَوْسِهِ، وَمُلَاعَبَتِهِ مَعَ أَهْلِهِ» انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: أَرَادَ بِالْقِيَاسِ فِي قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ بَعْضُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ لَيْسَ بِحَرَامٍ الْقِيَاسَ الْمَنْطِقِيَّ الَّذِي ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَلَى الشَّكْلِ الثَّالِثِ مِنْ الْأَشْكَالِ الْأَرْبَعَةِ بِقِسْمَةِ الِاقْتِرَانِيِّ وَبِالْحَاصِلِ مِنْهُ نَتِيجَةً، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بَعْضُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ إلَى جُزْئِيَّةِ تِلْكَ النَّتِيجَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّكْلَ الثَّالِثَ لَا يُنْتِجُ إلَّا جُزْئِيَّةً كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ فَبَطَلَ قَوْلُ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ هُنَا: لَكِنَّ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الْكُلِّيَّةَ كَمَا لَا يَخْفَى، فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ كَوْنِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى الشَّكْلِ الثَّالِثِ أَوْ عَنْ كَوْنِ نَتِيجَةِ الشَّكْلِ الثَّالِثِ جُزْئِيَّةً لَا غَيْرُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا: إنَّ شَرْطَ إنْتَاجِ الشَّكْلِ الثَّالِثِ كُلِّيَّةً إحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ وَهِيَ هَاهُنَا مُنْتَفِيَةٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا أَيْضًا بِصَحِيحٍ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ كِلْتَا مُقَدِّمَتَيْ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ كُلِّيَّتَانِ صُغْرَاهُمَا مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَكُبْرَاهُمَا سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَإِنْ حَمَلَ السَّلْبَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى رَفْعِ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ دُونَ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ فَكُلِّيَّةُ الْأُولَى مُقَرَّرَةٌ، وَأَدَاةُ صُوَرِ الْكُلِّيَّةِ هِيَ اللَّامُ الاستغراقية الدَّاخِلَةُ عَلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَيْسَتْ أَدَاةُ صُوَرِهَا بِمُنْحَصِرَةٍ فِي لَفْظَةِ كُلٍّ، بَلْ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْكُلِّيَّةِ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ أَدَاةُ صُوَرِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. ثُمَّ أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ نَظَرٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ بَعْضُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ لَيْسَ بِحَرَامٍ جَيِّدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُوَ مَا اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ ﵊ فَلَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يُنْتِجُ أَنَّ بَعْضَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَهُوَ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَ بِحَرَامٍ، فَإِنَّ الَّذِي كَانَ حَدًّا أَوْسَطَ فِي ذَلِكَ الْقِيَاسِ هُوَ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، فَهِيَ الْمُرَادُ بِالْبَعْضِ فِي النَّتِيجَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا إذَا قُلْنَا كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ، فَإِنَّهُ يَنْتُجُ أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ لَيْسَ بِفَرَسٍ لَا أَنَّ بَعْضَهُ أَيْ بَعْضَهُ كَانَ لَيْسَ بِفَرَسٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِّ الْأَوْسَطِ تَأْثِيرٌ، وَدَخَلَ فِي النَّتِيجَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا؛ وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ خَافٍ عَلَى مَنْ لَهُ دُرْبَةٌ بِعِلْمِ الْمِيزَانِ.
[ ١٠ / ١٥ ]
وَكَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ اُبْتُلِيت، لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْمُحَرَّمِ يَكُونُ.
فَإِذَا كَانَتْ النَّتِيجَةُ فِي الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ أَنَّ بَعْضَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ الَّذِي هُوَ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَ بِحَرَامٍ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِالصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحْرُمُ مِنْ أُمُورِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَثِيرٌ لَا يُحْصَى فَمَا الْوَجْهُ لِلتَّخْصِيصِ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَوَابِ لَا يَحْسِمُ مَادَّةَ السُّؤَالِ لِإِمْكَانِ أَنْ يُورَدَ السُّؤَالُ بِصُورَةِ الْقِيَاسِ الِاسْتِثْنَائِيِّ. وَيُقَالُ: لَوْ كَانَتْ الْمَلَاهِي كُلُّهَا حَرَامًا لَكَانَتْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أَيْضًا حَرَامًا لِأَنَّهَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وَلَكِنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، يَنْتُجُ أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ لَا يَتَمَشَّى حِينَئِذٍ.
فَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أَنَّهَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ حَقِيقَةً بَلْ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا كَلَعِبٍ وَلَهْوٍ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ: يَعْنِي أَنَّهَا كَاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ فِي سُرْعَةِ فَنَائِهَا وَانْقِضَائِهَا، صَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَدَمُ حُرْمَةِ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَكَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ اُبْتُلِيت؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْمُحَرَّمِ يَكُونُ) يَعْنِي وَدَلَّ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ اُبْتُلِيت عَلَى أَنَّ الْمَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُحَرَّمِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا الْقَصْرِ بِتَقْدِيمِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ عَلَى الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ بِالْمُحَرَّمِ يَكُونُ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: دَلَالَةُ قَوْلِهِ اُبْتُلِيت عَلَى حُرْمَةِ مَا وَجَدَهُ ثَمَّةَ مُسَلَّمَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِابْتِلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُحَرَّمِ. وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى حُرْمَةِ كُلِّ الْمَلَاهِي كَمَا هُوَ الْمُدَّعَى فَمَمْنُوعَةٌ، كَيْفَ، وَقَدْ قَالَ اُبْتُلِيت بِهَذَا مَرَّةً انْتَهَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا اُبْتُلِيَ بِهِ مَرَّةً لَا يَكُونُ كُلَّ الْمَلَاهِي، بَلْ إنَّمَا يَكُونُ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْهَا. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. قَالُوا قَوْلُهُ اُبْتُلِيت يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْحَرَامِ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ لَا يَجُوزُ، وَالصَّبْرُ الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ جَازَ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا مُعْرِضًا عَنْ ذَلِكَ اللَّهْوِ مُنْكِرًا لَهُ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ وَلَا مُتَلَذِّذٍ بِهِ اهـ.
أَقُولُ: ذَلِكَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً ابْتِدَاءً إلَّا أَنَّهَا تَصِيرُ وَاجِبَةً بَقَاءً حَيْثُ يَلْزَمُهُ حَقُّ الدَّعْوَةِ بَعْدَ الْحُضُورِ لِالْتِزَامِهِ الْإِجَابَةَ بِالْحُضُورِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي سَائِرِ النَّوَافِلِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا تَصِيرُ وَاجِبَةً بِالشُّرُوعِ فِيهَا فَكَانَ الصَّبْرُ عَلَى الْحَرَامِ فِيمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ فَيَجُوزُ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا حَضَرَتْهَا النِّيَاحَةُ، وَقَدْ مَرَّ مِنَّا مِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ فِيمَا قَبْلُ فَتَذَكَّرْ. ثُمَّ إنَّ جَوَازَ كَوْنِ أَبِي حَنِيفَةَ جَالِسًا مُعْرِضًا عَنْ ذَلِكَ اللَّهْوِ مُنْكِرًا لَهُ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ وَلَا مُتَلَذِّذٍ بِهِ لَا يَدْفَعُ حُرْمَةَ ذَلِكَ اللَّهْوِ وَلَا حُرْمَةَ الْجُلُوسِ عَلَيْهِ، إذْ قَدْ ذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالشُّرُوحِ أَنَّ الصَّدْرَ الشَّهِيدَ رَوَى فِي كَرَاهِيَةِ الْوَاقِعَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي مَعْصِيَةٌ، وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِسْقٌ، وَالتَّلَذُّذُ بِهَا مِنْ الْكُفْرِ» وَمَدْلُولُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْجُلُوسِ عَلَى فِسْقِ اللَّهْوِ فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ اخْتِيَارُ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْ وُجُوبَ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ الْحُضُورِ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
وَقَدْ أَوْرَدَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ مَا أَوْرَدَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ مَعَ زِيَادَةِ بَعْضٍ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ سِيَّمَا فِي أَوَّلِ إيرَادِهِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ، وَدَلَّ قَوْلُهُ عَلَى حُرْمَةِ كُلِّ الْمَلَاهِي؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْمُحَرَّمِ يَكُونُ كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الِابْتِلَاءَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ مَحْظُورُ الْعَوَاقِبِ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ» الْحَدِيثَ. ثُمَّ إنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْحَرَامِ رِعَايَةً لِحَقِّ الدَّعْوَةِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ السُّنَّةَ تُتْرَكُ حَذَرًا عَنْ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَلَسَ مُعْرِضًا عَنْ ذَلِكَ اللَّهْوِ مُنْكِرًا لَهُ غَيْرَ مُسْتَمِعٍ لَهُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ الْجُلُوسُ عَلَى اللَّهْوِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مُبْتَلًى بِحَرَامٍ انْتَهَى. وَقَدْ نَقَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِتَقْصِيرٍ وَتَحْرِيفٍ وَعَزَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ إلَى صَاحِبِ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ، ثُمَّ قَصَدَ رَدَّهُ فَأَتَى بِكَلَامٍ مُفَصَّلٍ مُشَوَّشٍ قَابِلٍ لِلدَّخْلِ وَالْخَرْجِ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ وَبَيَانَ مَا فِيهِ تَحَاشِيًا عَنْ الْإِطْنَابِ الْمُمِلِّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُرَاجِعْ كِتَابَهُ.
[ ١٠ / ١٦ ]