قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ أَلْفَانِ فَقَالَ: دَفَعْتُ إِلَيَّ أَلْفًا وَرَبِحْتُ أَلْفًا وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: لَا بَلْ دَفَعْتُ إِلَيْكَ أَلْفَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ) وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: أَوَّلًا الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ فِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ وَفِي مِثْلِهِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ ضَمِينًا كَانَ أَوْ أَمِينًا لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا مَعَ ذَلِكَ فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ فَالْقَوْلُ فِيهِ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ وَهُوَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ فَضْلٍ قُبِلَتْ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: هِيَ مُضَارَبَةٌ لِفُلَانٍ بِالنِّصْفِ وَقَدْ رَبِحَ أَلْفًا وَقَالَ فُلَانٌ: هِيَ بِضَاعَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ) لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ تَقْوِيمَ عَمَلِهِ أَوْ شَرْطًا مِنْ جِهَتِهِ أَوْ يَدَّعِي الشَّرِكَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَلَوْ قَالَ الْمُضَارِبُ: أَقْرَضْتَنِي وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: هُوَ بِضَاعَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ،
الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِي مَرَّةٍ أُولَى أَيْضًا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِرُجُوعِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. أَمَّا اقْتِضَاءُ الثَّانِي ذَلِكَ فَلِأَنَّ إِبْطَالَ حَقِّ الْمُوَكِّلِ يَتَحَقَّقُ بِالرُّجُوعِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَيْضًا لِعِلَّةٍ مَذْكُورَةٍ.
وَأَمَّا اقْتِضَاءُ الثَّالِثِ إِيَّاهُ فَلِأَنَّ انْعِزَالَ الْوَكِيلِ عَنِ الْوَكَالَةِ لَمَّا تَحَقَّقَ بِالِاشْتِرَاءِ كَانَ الرُّجُوعُ بِالْهَلَاكِ بَعْدَ الِاشْتِرَاءِ رُجُوعًا بِمَا حَدَثَ بَعْدَ زَوَالِ الْأَمَانَةِ بِالِانْعِزَالِ وَلَوْ كَانَ فِي مَرَّةٍ أُولَى.
وَأَيْضًا يُرَدُّ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَا أَوْرَدْنَاهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا عَلَى جَوَابِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَنْ نَظَرِهِ تَأَمَّلْ تَقَفَّ. ثُمَّ أَقُولُ: "الْحَقُّ عِنْدِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنْ يُقَالَ: قَبْضُ الْوَكِيلِ بَعْدَ الشِّرَاءِ اسْتِيفَاءٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمُوكِّلِ مِثْلُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنَ الْمُوَكِّلِ؛ حَيْثُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، فَإِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ بَعْدَ الشِّرَاءِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لَهُ فَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَإِذَا هَلَكَ بَعْدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَلِهَذَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ أَصْلًا فِيمَا إِذَا اشْتَرَى ثُمَّ دَفَعَ الْمُوَكِّلُ إِلَيْهِ الثَّمَنَ فَهَلَكَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إِلَّا مَرَّةً فِيمَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَهَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجُعِلَ مُسْتَوْفِيًا بِالْقَبْضِ بَعْدَهُ، أَمَّا الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْأَمَانَةِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا، فَإِذَا هَلَكَ رَجَعَ عَلَيْهِ مَرَّةً، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ لِوُقُوعِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ.
(فَصْلٌ فِي الِاخْتِلَافِ)
أَيْ فِي الِاخْتِلَافِ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ
أَخَّرَ هَذَا الْفَصْلَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الرُّتْبَةِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الْمُضَارِبُ: أَقْرَضْتَنِي وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: هُوَ بِضَاعَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ، فَالْقَوْلُ: رَبُّ الْمَالِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَسَمَّاهُ مُضَارِبًا وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُضَارِبًا فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ أَقْرَضَهُ، اهـ. وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا التَّوْجِيهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ.
أَقُولُ: تَسْمِيَةُ حَدِّ الْمُتَخَالِفَيْنَ مُضَارِبًا عِنْدَ تَحَقُّقِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى خِلَافِهِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُضَارِبًا فِي الْأَوَّلِ مِمَّا لَا يَقْبَلُهُ فِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ جِدًّا
[ ٨ / ٤٨١ ]
لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمَلُّكَ وَهُوَ يُنْكِرُ. وَلَوِ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ وَقَالَ الْآخَرُ: مَا سَمَّيْتَ لِي تِجَارَةً بِعَيْنِهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُضَارِبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ، وَالتَّخْصِيصُ يُعَارِضُ الشَّرْطَ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْخُصُوصُ. وَلَوِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعًا فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى التَّخْصِيصِ، وَالْإِذْنُ
وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ سَمَّاهُ مُضَارِبًا لِلْمُشَاكَلَةِ بِمَا ذَكَرَ فِي أَخَوَاتِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ … قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمَلُّكَ) حَمَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ التَّمَلُّكَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمَلُّكَ عَلَى تَمَلُّكِ الرِّبْحِ؛ حَيْثُ قَالَ هَذَا، أَيْ: تَمَلُّكَ الرِّبْحِ، وَسَلَكَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا هَذَا الْمَسْلَكَ؛ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ يَدَّعِي تَمَلُّكَ الرِّبْحِ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالتَّمَلُّكِ هَاهُنَا تَمَلُّكُ أَصْلِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الِاسْتِقْرَاضِ دَعْوَى تَمَلُّكِ أَصْلِ الْمَالِ وَأَمَّا تَمَلُّكُ الرِّبْحِ فَأَمْرٌ تَابِعٌ لِتَمَلُّكِ أَصْلِ الْمَالِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، فَحَمْلُ التَّمَلُّكِ هَاهُنَا عَلَى تَمَلُّكِ الرِّبْحِ لَا يَخْلُو عَنْ قُبْحٍ.
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي دَعْوَى الِاسْتِقْرَاضِ دَعْوَى تَمَلُّكِ أَصْلِ الْمَالِ وَتَمَلُّكُ الرِّبْحِ مِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ، وَحَمْلُ التَّمَلُّكِ فِي الدَّلِيلِ عَلَى تَمَلُّكِ الرِّبْحِ يُوهِمُ خِلَافَ الْأَصْلِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ دَعْوَى تَمَلُّكِ الرِّبْحِ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ دَعْوَى تَمَلُّكِ أَصْلِ الْمَالِ، كَمَا إِذَا ادَّعَى الْمُضَارَبَةَ، فَإِنَّ الْمُدَّعَى هُنَاكَ اسْتِحْقَاقُ الرِّبْحِ دُونَ اسْتِحْقَاقِ أَصْلِ الْمَالِ فَادِّعَاءُ مُجَرَّدِ تَمَلُّكِ الرِّبْحِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ الْمُدَّعَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، عَلَى أَنَّ الشَّائِعَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عِنْدَهُمُ اسْتِحْقَاقُ الرِّبْحِ دُونَ تَمَلُّكِ الرِّبْحِ.
وَأَمَّا تَمْلِيكُ الرِّبْحِ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَفِي نَفْسِ صِحَّتِهِ أَيْضًا إِشْكَالٌ يَظْهَرُ ذَلِكَ
[ ٨ / ٤٨٢ ]
يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ لِحَاجَتِهِ إِلَى نَفْيِ الضَّمَانِ وَعَدَمِ حَاجَةِ الْآخَرِ إِلَى الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ وَقَّتَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَقْتًا فَصَاحِبُ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ أَوْلَى لِأَنَّ آخِرَ الشَّرْطَيْنِ يَنْقُضُ الْأَوَّلَ.
كُلُّهُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ وَتَتَبُّعِ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ. (قَوْلُهُ: وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ لِحَاجَتِهِ إِلَى نَفْيِ الضَّمَانِ وَعَدَمِ حَاجَةِ الْآخَرِ إِلَى الْبَيِّنَةِ). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَرَبُّ الْمَالِ أَيْضًا مُحْتَاجٌ إِلَى إِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ لِيَصِلَ حَقُّهُ إِلَيْهِ، بَلْ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَالِ أَقْوَى بِالْقَبُولِ لِإِثْبَاتِهَا أَمْرًا عَارِضًا وَهُوَ الضَّمَانُ، وَشَرْعِيَّةُ الْبَيِّنَاتِ لِإِثْبَاتِ الْأَمْرِ الْعَارِضِ غَيْرِ الظَّاهِرِ، كَمَا فِي بَيِّنَةِ الْخَارِجِ مَعَ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فَكَانَ هَذَا مِمَّا يُتَأَمَّلُ فِي صِحَّتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الْإِيضَاحِ تُسَاعِدُهُ أَيْضًا، اهـ كَلَامُهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: لِحَاجَتِهِ إِلَى نَفْيِ الضَّمَانِ وَعَدَمِ حَاجَةِ الْآخَرِ إِلَى الْبَيِّنَةِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ، وَبِأَنَّ الْآخَرَ يَدَّعِي الضَّمَانَ فَكَيْفَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيِّنَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ تَصْرُّفِهِ وَيَلْزَمُهَا نَفْيُ الضَّمَانِ. فَأَقَامَ الْمُصَنِّفُ اللَّازِمَ مَقَامَ الْمَلْزُومِ كِنَايَةً، وَبِأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ ثَابِتٌ بِإِقْرَارِ الْآخَرِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ إِلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: جَوَابُهُ عَنْ ثَانِي وَجْهَيِ الِاعْتِرَاضِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِإِقْرَارِ الْآخَرِ إِنَّمَا هُوَ النَّوْعُ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْآخَرُ لَا مُخَالَفَتُهُ لِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَدَّعِي الْمُوَافَقَةَ لَهُ، وَسَبَبُ الضَّمَانِ إِنَّمَا هُوَ الْمُخَالَفَةُ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
وَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ: عَدَمُ احْتِيَاجِ رَبِّ الْمَالِ إِلَى الْبَيِّنَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُدَّعٍ شَيْئًا، بَلْ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ لِكَوْنِ الْإِذْنِ مُسْتَفَادًا مِنْ جِهَتِهِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ آنِفًا، فَكَانَ مَا يَدَّعِيهِ ثَابِتًا بِقَوْلِهِ: فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْبَيِّنَةِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَعَدَمُ حَاجَةِ الْآخَرِ إِلَى الْبَيِّنَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَعَدَمُ قَبُولِ بَيِّنَةِ الْآخَرِ وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَظْهَرُ انْدِفَاعُ مَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي اسْتِشْكَالِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَقَّتَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَقْتًا فَصَاحِبُ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ أَوْلَى).
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَهُ آنِفًا مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ رَبَّ الْمَالِ. وَيُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بِأَنْ يُحْمَلَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا عَلَى عَدَمِ التَّوْقِيتِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ وَقَّتَتِ الْبَيِّنَتَانِ … إِلَخْ. وَإِنْ لَمْ تُوَقَّتَا أَوْ وَقَّتَتَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ وَقَّتَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَالْبَيِّنَةُ لِرَبِّ الْمَالِ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى التَّوْقِيتِ وَذَاكَ عَلَى عَدَمِ التَّوْقِيتِ، كَمَا تَرَى. وَلَقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي أُسْلُوبِ التَّحْرِيرِ هَاهُنَا؛ حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ وَقَّتَتِ الْبَيِّنَتَانِ … إِلَخْ. شَيْئًا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي زَادَهَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، بَلْ تَعَرَّضَ لِشَرْحِهِ وَتَمْثِيلِهِ فَقَطْ، وَلَكِنْ قَالَ بَعْدَمَا اسْتَشْكَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ
إِلَخْ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ ﵀ وَشَكَرَ مَسَاعِيَهُ جَعَلَ حُكْمَ بَيِّنَتَيِ الْمُضَارِبِ وَرَبِّ الْمَالِ فِي دَعْوَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَفِي دَعْوَاهُمَا الْخُصُوصَ وَاحِدًا، وَذَكَرَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ مُفَصَّلًا مُنْدَرِجًا فِيهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَقِيبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ وَقَّتَتِ الْبَيِّنَتَانِ … إِلَخْ. فَكَانَ ذِكْرُ تِلْكَ الْمَسَائِلِ فِي تَحْرِيرِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ مَنْسُوبًا إِلَى صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ، فَلَا يَضُرُّهُ مُنَافَاةُ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مُطَابِقٌ لِرِوَايَةِ الْإِيضَاحِ دُونَ رِوَايَةِ الذَّخِيرَةِ.
[ ٨ / ٤٨٣ ]