قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَإِنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا وَلَا يَلْمِسُهَا وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ «أَلَا لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، وَلَا الْحَيَالَى
فَصْلٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِهِ)
قَالَ الشُّرَّاحُ: أَخَّرَ الِاسْتِبْرَاءَ؛ لِأَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ وَطْءٍ مُقَيَّدٍ، وَالْمُقَيَّدُ بَعْدَ الْمُطْلَقِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَإِنْ قُلْتَ: أَيْنَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ فِيمَا سَبَقَ؟ قُلْتُ: فُهِمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ اللَّمْسَ، فَالنَّهْيُ عَنْ الْمَسِّ نَهْيٌ عَنْهُ فَلِهَذَا عَنْوَنَهُ بِالْوَطْءِ فَتَأَمَّلْ انْتَهَى. أَقُولُ: لَا السُّؤَالُ بِشَيْءٍ وَلَا الْجَوَابُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُمْ مَا قَالُوا: لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْوَطْءِ الْمُقَيَّدِ بَعْدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ السُّؤَالُ بِأَيْنَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ فِيمَا سَبَقَ، بَلْ مُرَادُهُمْ أَنَّ الْوَطْءَ الْمُقَيَّدَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ نَفْسِهِ، فَأَخَّرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ الْمُطْلَقِ، وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ أَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْوَطْءِ الْمُقَيَّدِ بَعْدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ، وَانْتِفَاءُ الْمُقَيَّدِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمُطْلَقِ كَمَا لَا يَخْفَى فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْوَطْءِ الْمُقَيَّدِ بَعْدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ. وَأَمَّا تَحَقُّقُ الْمُقَيَّدِ فَيَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ الْمُطْلَقِ فِي ضِمْنِهِ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْوَطْءُ الْمُقَيَّدُ بَعْدَ الْوَطْءِ الْمُطْلَقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَكَّبَ بَعْدَ الْمُفْرَدِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْمُقَيَّدِ بَعْدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُطْلَقِ وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ، وَأَيْضًا لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَلِهَذَا عَنْوَنَهُ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمَسِّ إذَا كَانَ نَهْيًا عَنْ الْوَطْءِ كَانَ الْعُنْوَانُ بِالْمَسِّ عُنْوَانًا بِالْوَطْءِ أَيْضًا، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَنْوِنَ الْفَصْلَ السَّابِقَ بِالْوَطْءِ اسْتِقْلَالًا، كَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ الْوَطْءِ اسْتِقْلَالًا. ثُمَّ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْوَطْءِ الْمُطْلَقِ الْمَذْكُورِ فِيمَا تَقَدَّمَ مَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَزْلِ الْمَذْكُورَةِ قُبَيْلَ فَصْلِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنَّ الْعَزْلَ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ فَإِذَا قَرُبَ الْإِنْزَالُ أَخْرَجَ فَيُنْزِلُ خَارِجَ الْفَرْجِ، وَأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْوَطْءِ الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا مَا قُيِّدَ بِزَمَانٍ، فَإِنَّ الْوَطْءَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ مُقَيَّدٌ بِالزَّمَانِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ وَفِي الْعَزْلِ مُطْلَقٌ عَنْهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَطْءِ الْمَذْكُورِ فِي عُنْوَانِ الْفَصْلِ السَّابِقِ أَيْضًا مَا فِي ضِمْنِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ فِي صَدْرِ ذَلِكَ الْفَصْلِ (قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَإِنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا وَلَا يَلْمِسُهَا وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) أَقُولُ: فِي إطْلَاقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً كَانَتْ تَحْتَ نِكَاحِهِ أَوْ كَانَتْ تَحْتَ نِكَاحِ غَيْرِهِ وَلَكِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهَا وَقَبَضَهَا أَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ فَانْقَضَتْ
[ ١٠ / ٤٠ ]
حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ» أَفَادَ وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى الْمَوْلَى، وَدَلَّ عَلَى السَّبَبِ فِي الْمَسْبِيَّةِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ صِيَانَةً لِلْمِيَاهِ الْمُحْتَرَمَةِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الِاشْتِبَاهِ،
عِدَّتُهَا بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهَا وَقَبَضَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَسَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرُوا فِي حِيلَةِ الِاسْتِبْرَاءِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَاتَيْكِ الصُّوَرِ دَاخِلَةٌ فِي إطْلَاقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَرَى. فَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْيِيدَهَا بِمَا يُخْرِجُ تِلْكَ الصُّوَرَ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِي الْحَصْرِ كَلَامٌ، فَإِنَّ السَّبْيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا وُجِدَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُمَلَّكَ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ يُسْتَبْرَأُ صِيَانَةً لِمَائِهِ ثُمَّ يُبَاشِرُ السَّبَبَ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِبْرَاءَ الْمُمَلَّكِ حِينَئِذٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: كَلَامُهُ سَاقِطٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ حَصْرُ مَا يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ فِي اسْتِحْدَاثِ الْمِلْكِ وَالْيَدِ، فَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ أَيْ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ هُوَ الْمَوْجُودُ الصَّالِحُ لِلسَّبَبِيَّةِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَقَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحِكْمَةِ فِيهِ وَالْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ إنَّمَا تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ هُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلٍ فِيهِ لِلسَّبْيِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ فِي تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِيهِ وَبَيَانِ عِلَّتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَمَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّ تَاجَ الشَّرِيعَةِ قَدْ تَكَفَّلَ بِبَيَانِ عَدَمِ مَدْخَلِيَّةِ السَّبْيِ فِي السَّبَبِيَّةِ بِأَوْضَحِ وَجْهٍ حَيْثُ قَالَ لَا يُقَالُ الْمُوجِبُ كَوْنُهَا مَسْبِيَّةً لِأَنَّ كَوْنَهَا مَسْبِيَّةٍ إضَافَةٌ وَالْإِضَافَاتُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ انْسَدَّ بَابُ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ مَفْتُوحٌ بِالنُّصُوصِ، فَلَمْ يَبْقَ هَاهُنَا إلَّا كَوْنُهَا مَمْلُوكَةٍ رَقَبَةً وَيَدًا وَهُوَ الْمُؤْثَرُ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ انْتَهَى.
ثُمَّ إنَّ قَوْلَ ذَلِكَ الْقَائِلِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُمَلَّكَ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ يَسْتَبْرِئُ صِيَانَةً لِمَائِهِ ثُمَّ يُبَاشِرُ السَّبَبَ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِبْرَاءِ الْمُمَلَّكِ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ أَيْضًا، فَإِنَّ عِلَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ هِيَ إرَادَةُ الْوَطْءِ وَالْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي يُرِيدُهُ دُونَ الْبَائِعِ، وَلِهَذَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْبَائِعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ. فَمِنْ أَيْنَ كَانَ اسْتِبْرَاءُ الْمُمَلَّكِ قَبْلَ مُبَاشَرَتِهِ السَّبَبَ ظَاهِرًا. وَلَئِنْ سَلِمَ كَوْنُهُ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا هُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ الْمُسْلِمِ مِنْ صِيَانَةِ مَائِهِ، فَذَلِكَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى الْمُمَلَّكِ. بِنَاءً عَلَى تَوَهُّمِ شَغْلِ الرَّحِمِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ فَإِنَّ مُجَرَّدَ تَوَهُّمِهِ كَافٍ فِي وُجُوبِهِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ الْبَيَانِ الْآتِي فِي الْكِتَابِ (قَوْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ صِيَانَةً لِلْمِيَاهِ الْمُحْتَرَمَةِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الِاشْتِبَاهِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ انْعِلَاقَ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ مِنْ مَاءَيْنِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاخْتِلَاطِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ فَكَيْفَ بَنَوْا هَاهُنَا حِكْمَةَ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى جَوَازِهِ انْتَهَى؟ أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاخْتِلَاطِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِمْ صِيَانَةً لِلْمِيَاهِ الْمُحْتَرَمَةِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ الْحَقِيقِيِّ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ هُوَ الِاخْتِلَاطُ الْحُكْمِيُّ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ
[ ١٠ / ٤١ ]
وَذَلِكَ عِنْدَ حَقِيقَةِ الشُّغْلِ أَوْ تَوَهُّمِ الشُّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ إرَادَةُ الْوَطْءِ، وَالْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي يُرِيدُهُ دُونَ الْبَائِعِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ،
أَيِّ مَاءٍ انْعَلَقَ يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الِاشْتِبَاهِ، وَيُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي تَعْلِيلِ الِاخْتِلَاطِ إذْ لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَعَرَّفَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يُنْكِرُونَهُ إنَّمَا هُوَ اخْتِلَاطُ الْمَاءَيْنِ اخْتِلَاطًا حَقِيقِيًّا، فَلَا تَدَافُعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَقَامَيْنِ (قَوْلُهُ وَذَلِكَ عِنْدَ حَقِيقَةِ الشَّغْلِ أَوْ تَوَهُّمِ الشَّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ) لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ فِي مَرْجِعِ ضَمِيرِ هُوَ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ، وَعَنْ هَذَا قَدْ افْتَرَقَتْ آرَاءُ النَّاظِرِينَ فِيهِ فَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ: أَيْ الْمُرَادُ مِنْ تَوَهُّمِ الشَّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ إثْبَاتُ نَسَبِهِ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ الْمَذْكُورَ يُشْعِرُ بِإِرْجَاعِهِ ضَمِيرَ هُوَ إلَى تَوَهُّمِ الشَّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ، وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي حَقِيقَةِ الشَّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا يُصَحِّحُ حَمْلَ قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ بِالْمُوَاطَأَةِ عَلَى ضَمِيرِ هُوَ الرَّاجِعِ إلَى تَوَهُّمِ الشَّغْلِ عَلَى مُقْتَضَى تَقْرِيرِهِ، وَلَا يَتِمُّ الْمَعْنَى بِدُونِ ذَلِكَ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ تَوَهُّمَ الشَّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ لَيْسَ نَفْسُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ حَتَّى يَصِحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بِالْمُوَاطَأَةِ تَأَمَّلْ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ: أَيْ الِاسْتِبْرَاءُ لَأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ، وَحَذْفُ الْجَارِّ مَعَ أَنَّ وَأَنْ قِيَاسٌ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا خَلَلٌ، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَرْجِعًا لِضَمِيرِ هُوَ هَاهُنَا لَيْسَ هُوَ لَأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ بَلْ لِإِرَادَةِ الْوَطْءِ نَظَرًا إلَى عِلَّتِهِ وَلِتَعَرُّفِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ نَظَرًا إلَى حِكْمَتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْكِتَابِ فِيمَا قَبْلُ وَمَا بَعْدُ، كَيْفَ وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ الْمُشْتَرِي نَسَبَ الْوَلَدِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْمُشْتَرَاةُ بَعْدَ أَنْ اسْتَبْرَأَهَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ ذَلِكَ الْوَلَدِ مِنْهُ لِكَوْنِ فِرَاشِ الْأَمَةِ ضَعِيفًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ، فَمَا مَعْنَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ فَتَأَمَّلْ.
وَأَقُولُ: فِي حِلِّ الْمَقَامِ: إنَّ ضَمِيرَ هُوَ هَاهُنَا رَاجِعٌ إلَى مَاءٍ مُحْتَرَمٍ مَذْكُورٍ قُبَيْلَهُ. فَالْمَعْنَى، وَهُوَ أَيْ الْمَاءُ الْمُحْتَرَمُ بِأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ عَلَى حَذْفِ الْجَارِ مِنْ كَلِمَةِ إنْ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَكَوْنُ الْوَلَدِ ثَابِتَ النَّسَبِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ مِنْ قَبْلُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ نِكَاحًا أَوْ يَمِينًا فَتَدَبَّرْ. قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمُحْتَرَمِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْجَارِيَةَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْ الزِّنَا لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ أَوْضَاعِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الشَّرْعِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا فِي الْحَلَالِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي خُلَاصَةِ هَذَا التَّوْجِيهِ حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ مَاءٍ مُحْتَرَمٍ: بِأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَغْيٍ، وَقَالَ: وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمُحْتَرَمِ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ الْحَامِلَ مِنْ الزِّنَا لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَمْلًا لِلْحَالِ عَلَى الصَّلَاحِ انْتَهَى.
وَسَلَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَوْجِيهِ التَّقْيِيدِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ مَسْلَكًا آخَرَ، وَقَصَدَ رَدَّ التَّوْجِيهِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَكُونُ مِنْ بَغْيٍ لِمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ نِكَاحَ الْمُزَنِيَّةِ وَوَطْأَهَا جَائِزٌ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ، فَإِذَا جَازَ وَطْؤُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ مَعَ تَحَقُّقِ الزِّنَا فَجَوَازُهُ مَعَ احْتِمَالِهِ أَوْلَى، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّقْضُ بِالْجَارِيَةِ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَغْلٌ مُحَقَّقٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ حِلِّ وَطْئِهَا لِذَلِكَ عَدَمُ حِلِّهِ لِشَغْلٍ مُحْتَمَلٍ، عَلَى أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ وَطْئِهَا لَيْسَ لِاحْتِرَامِ الْمَاءِ بَلْ لِئَلَّا يَسْقِيَ مَاؤُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ لِمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ نِكَاحَ الْمُزَنِيَّةِ وَوَطْأَهَا جَائِزٌ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ لَيْسَ بِتَعْلِيلٍ صَحِيحٍ لِلْمُدَّعَى هَاهُنَا؛ لِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْمُزَنِيَّةِ وَجَوَازَ وَطْئِهَا لِلزَّوْجِ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُزَنِيَّةِ لِلْمُتَمَلِّكِ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ. كَيْفَ وَاَلَّذِي سَبَقَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ هُوَ أَنَّهُ إذَا رَأَى امْرَأَةً تَزْنِي فَتَزَوَّجَهَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا؛ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الشَّغْلُ بِمَاءِ الْغَيْرِ فَوَجَبَ التَّنَزُّهُ كَمَا فِي الشِّرَاءِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ بِجَوَازِ النِّكَاحِ أَمَارَةُ الْفَرَاغِ فَلَا يُؤْمَرُ بِالِاسْتِبْرَاءِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الشَّغْلِ. فَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي الشِّرَاءِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ فِي نِكَاحِ الْمُزَنِيَّةِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ التَّمَلُّكَاتِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ أَصْلًا.
[ ١٠ / ٤٢ ]
غَيْرَ أَنَّ الْإِرَادَةَ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى دَلِيلِهَا، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْوَطْءِ وَالتَّمَكُّنُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْمِلْكِ وَالْيَدِ فَانْتَصَبَ سَبَبًا وَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ تَيْسِيرًا، فَكَانَ السَّبَبُ اسْتِحْدَاثَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ الْمُؤَكَّدِ بِالْيَدِ وَتَعَدِّي الْحُكْمِ إلَى
وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ فَإِذَا جَازَ وَطْؤُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ صَحَّ مَعَ تَحَقُّقِ الزِّنَا فَجَوَازُهُ مَعَ احْتِمَالِهِ أَوْلَى لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ الزِّنَا لَوْ كَانَ مُجَوِّزًا لِلْوَطْءِ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ لَارْتَفَعَ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي بَابِ تَمَلُّكِ الْجَارِيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ احْتِمَالُ الزِّنَا غَيْرُ مُنْتَفٍ فِي كُلِّ جَارِيَةٍ مَمْلُوكَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا جَازَ وَطْؤُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فِي صُورَةِ النِّكَاحِ مَعَ تَحَقُّقِ الزِّنَا فَجَوَازُهُ مَعَ احْتِمَالِهِ أَوْلَى فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَالثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي دَفْعِ النَّقْضِ بِالْجَارِيَةِ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِشَغْلٍ مُحَقَّقٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ حِلِّ وَطْئِهَا لِذَلِكَ عَدَمُ حِلِّهِ لِشَغْلٍ مُحْتَمَلٍ. إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ كَانَ الِاحْتِرَامُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ قَيْدًا لِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ فَقَطْ لَا لِمَجْمُوعِ حَقِيقَةِ الشَّغْلِ وَتَوَهُّمِ الشَّغْلِ مَعًا. وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْمَجْمُوعِ. وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِنْ قَبْلُ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ: وَهُوَ أَيْ احْتِرَامُ الْمَاءِ سَوَاءٌ اشْتَغَلَ بِهِ الرَّحِمُ حَقِيقَةً أَوْ تَوَهُّمًا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ الْحَاصِلُ مِنْهُ ثَابِتَ النَّسَبِ انْتَهَى. فَإِذَا كَانَ قَيْدًا لِلْمَجْمُوعِ يَرِدُ النَّقْضُ بِالْجَارِيَةِ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا فَإِنَّ رَحِمَهَا مُشْتَغِلٌ حَقِيقَةً بِمَاءٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ مَعَ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ فِيهَا أَيْضًا.
وَالرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ وَطْئِهَا لَيْسَ لِاحْتِرَامِ الْمَاءِ بَلْ لِئَلَّا يَسْقِيَ مَاؤُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِمَّا لَا حَاصِلَ لَهُ هَاهُنَا، فَإِنَّ مَدَارَ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ عَلَى عَدَمِ احْتِرَامِ الْمَاءِ فِي الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا حَيْثُ وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْجَارِيَةِ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا أَيْضًا مَعَ عَدَمِ احْتِرَامِ الْمَاءِ فِيهَا فَانْتَقَضَ بِهَا التَّقْيِيدُ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ عَكْسًا.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ وَطْئِهَا لَيْسَ لِاحْتِرَامِ الْمَاءِ فِيهَا لَا يَدْفَعُ النَّقْضَ بَلْ يُؤَيِّدُهُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْإِرَادَةَ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى دَلِيلِهَا وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْوَطْءِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي بَيَانِ هَذَا: فَإِنَّ صَحِيحَ الْمِزَاجِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ أَرَادَهُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ غَيْرَ صَحِيحِ الْمِزَاجِ مَمْنُوعٌ أَيْضًا عَنْ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ. وَقَالَ: وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُتَمَكِّنَ مِنْهُ يُرِيدُهُ. وَالتَّمَكُّنُ إنَّمَا يَثْبُتُ إلَخْ، وَالْمُرَادُ مِنْ التَّمَكُّنِ هُوَ التَّمَكُّنُ الشَّرْعِيُّ انْتَهَى.
أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ إيرَادِهِ وَمَا اخْتَارَهُ لَيْسَ بِتَامٍّ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ كَوْنَ غَيْرِ صَحِيحِ الْمِزَاجِ مَمْنُوعًا أَيْضًا عَنْ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ غَيْرَ صَحِيحِ الْمِزَاجِ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ، وَالْمَنْعُ عَنْ الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَأَنْ يُقَالَ الْأَعْمَى مَمْنُوعٌ عَنْ النَّظَرِ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي بَيَانِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنْ الْوَطْءِ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَ تَمَكُّنِ الْوَطْءِ وَالتَّمَكُّنُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَمَلِّكُ لَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ انْتَهَى.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ التَّمَكُّنِ هَاهُنَا هُوَ التَّمَكُّنُ
[ ١٠ / ٤٣ ]
سَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَمِنْ الْمَرْأَةِ وَالْمَمْلُوكِ وَمِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْمُشْتَرَاةُ بِكْرًا لَمْ تُوطَأْ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَإِدَارَةِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ دُونَ الْحُكْمِ لِبُطُونِهَا فَيُعْتَبَرُ تَحَقُّقُ السَّبَبِ عِنْدَ تَوَهُّمِ الشُّغْلِ. وَكَذَا لَا يُجْتَزَأُ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا فِي أَثْنَائِهَا وَلَا بِالْحَيْضَةِ الَّتِي حَاضَتْهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَا بِالْوِلَادَةِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ السَّبَبَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ، وَالْحُكْمُ لَا يَسْبِقُ السَّبَبَ، وَكَذَا لَا يُجْتَزَأُ بِالْحَاصِلِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَا بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا لِمَا قُلْنَا.
(وَيَجِبُ فِي جَارِيَةٍ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا شِقْصٌ فَاشْتَرَى الْبَاقِيَ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَمَّ الْآنَ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى تَمَامِ الْعِلَّةِ، وَيُجْتَزَأُ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي حَاضَتْهَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ أَوْ مُكَاتَبَةٌ بِأَنْ كَاتَبَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْمَجُوسِيَّةُ أَوْ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ لِوُجُودِهَا بَعْدَ السَّبَبِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ إذْ هُوَ مُقْتَضٍ لِلْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ لِمَانِعٍ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ
(وَلَا يَجِبُ) (الِاسْتِبْرَاءُ إذَا رَجَعَتْ الْآبِقَةُ أَوْ رُدَّتْ الْمَغْصُوبَةُ أَوْ الْمُؤَاجَرَةُ) أَوْ فُكَّتْ الْمَرْهُونَةُ لِانْعِدَامِ السَّبَبِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ وَهُوَ سَبَبٌ مُتَعَيَّنٌ فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ كَتَبْنَاهَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى. وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ حَرُمَ الدَّوَاعِي لِإِفْضَائِهَا إلَيْهِ. أَوْ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ عَلَى اعْتِبَارِ ظُهُورِ الْحَبَلِ وَدَعْوَةِ الْبَائِعِ. بِخِلَافِ الْحَائِضِ حَيْثُ لَا تَحْرُمُ الدَّوَاعِي فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ الْوُقُوعُ
الشَّرْعِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّمَكُّنَ الشَّرْعِيَّ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَالْوَطْءَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مُحَرَّمٌ قَطْعًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهَا أَيْضًا مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، وَالْمَفْرُوضُ أَنَّهُ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْوَطْءِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ التَّمَكُّنِ هُوَ التَّمَكُّنُ الشَّرْعِيُّ دُونَ التَّمَكُّنِ الطَّبَعِيِّ لَزِمَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْمُحَرَّمِ الشَّرْعِيِّ تَمَكُّنًا شَرْعِيًّا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَحْذُورِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَمِنْ الْمَرْأَةِ وَالْمَمْلُوكِ وَمِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْمُشْتَرَاةُ بِكْرًا لَمْ تُوطَأْ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَإِدَارَةِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ دُونَ الْحُكْمِ لِخَفَائِهَا) وَعَنْ هَذَا قَالُوا: إنَّ الْحِكْمَةَ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. وَأَجَابَ حَيْثُ قَالَ: يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تُرَاعَى فِي كُلِّ فَرْدٍ وَلَكِنْ تُرَاعَى فِي الْأَنْوَاعِ الْمَضْبُوطَةِ، فَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بِكْرًا أَوْ مُشْتَرَاةً مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الشَّغْلِ بِالْمَاءِ الْمُحْتَرَمِ مُتَيَقِّنٌ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالنَّصِّ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ «أَلَا لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ» فَإِنَّ السَّبَايَا لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِكْرٌ أَوْ مَسْبِيَّةٌ مِنْ امْرَأَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمًا عَامًّا فَلَا يَخْتَصُّ بِالْحِكْمَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي السَّبْيِ عَلَى الْعُمُومِ ثَبَتَ فِي سَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ كَذَلِكَ قِيَاسًا، فَإِنَّ الْعِلَّةَ مَعْلُومَةٌ، ثُمَّ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَأَجَابَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: إنَّ تَوَهُّمَ الشَّغْلِ ثَابِتٌ فِي الْبِكْرِ وَفِي الْمُشْرَبَةِ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ. أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ احْتِمَالَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الرَّحِمِ
[ ١٠ / ٤٤ ]
فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّهُ زَمَانُ نَفْرَةٍ فَالْإِطْلَاقُ فِي الدَّوَاعِي لَا يُفْضِي إلَى الْوَطْءِ وَالرَّغْبَةُ فِي الْمُشْتَرَاةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَصْدَقُ الرَّغَبَاتِ فَتُفْضِي إلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّوَاعِيَ فِي الْمَسْبِيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُحْتَمَلُ وُقُوعُهَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ
قَائِمٌ بِدُونِ زَوَالِ الْعَذْرَةِ. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِمَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّوَهُّمُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. وَرُدَّ الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: بِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ عَلَى الْحُكْمِ حَتَّى يَنْدَفِعَ بِبَيَانِ وَجْهِ ثُبُوتِهِ عَامًّا. بَلْ عَلَى الْحِكْمَةِ بِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ حِكْمَةً لِعَدَمِ اطِّرَادِهَا بِحَسَبِ الْأَنْوَاعِ الْمَضْبُوطَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ الرَّدِّ هَذَا الرَّدُّ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي الْأَنْوَاعِ لِيَعُمَّ الْحُكْمُ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ لَا لِتَكُونَ الْحِكْمَةُ حِكْمَةً. فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ لِتِلْكَ الْأَنْوَاعِ هَاهُنَا بِالْحَدِيثِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ثُبُوتِ الْحِكْمَةِ فِيهَا اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّ شَرْعَ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ لَا يَخْلُو عَنْ الْحِكْمَةِ وَالْفَائِدَةِ، فَمِنْهَا مَا لَا يَتَيَسَّرُ وُقُوفُ الْبَشَرِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَيَسَّرُ ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ قَاطِبَةً لِبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِيهِ فَقَالُوا إنَّهَا تُعَرِّفُ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ صِيَانَةً لِلْمِيَاهِ الْمُحْتَرَمَةِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الِاشْتِبَاهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ حَقِيقَةِ الشَّغْلِ أَوْ تَوَهُّمِ الشَّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ، وَهَذَا لَا يُنَافِي ثُبُوتَ عُمُومِ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ فِي كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُ الْحِكْمَةِ فِيهِ، وَلَا يَدْفَعُ الْحَاجَةَ إلَى ثُبُوتِ الْحِكْمَةِ فِيهِ؛ فَقَوْلُهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ لِتِلْكَ الْأَنْوَاعِ هَاهُنَا بِالْحَدِيثِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ثُبُوتِ الْحِكْمَةِ فِيهَا خُرُوجٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ جِدًّا، فَإِنَّ مَآلَهُ الِاعْتِرَافُ بِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ مَا عَدَّهُ أَسَاطِينُ الْفُقَهَاءِ حِكْمَةً فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَأَنْ يَكُونَ حِكْمَةً فِيهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يَتَجَاسَرُ عَلَيْهِ الْمُتَشَرِّعُ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ فِي جَوَابِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي السَّبْيِ عَلَى الْعُمُومِ ثَبَتَ فِي سَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ كَذَلِكَ قِيَاسًا لَيْسَ بِتَامٍّ، فَإِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْمَسْبِيَّةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِتَحَقُّقِ الْمُطْلَقِ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِمَا وَهُوَ الْمِلْكُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْدُولًا عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ فَأَنَّى يَتَيَسَّرُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ دَلَالَةً بَدَلَ قَوْلِهِ قِيَاسًا. فَإِنَّ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ فِي الدَّلَالَةِ فَيَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى تَبَصَّرْ
الِاسْتِبْرَاءُ إذَا رَجَعَتْ الْآبِقَةُ أَوْ رُدَّتْ الْمَغْصُوبَةُ أَوْ الْمُؤَاجَرَةُ أَوْ فُكَّتْ الْمَرْهُونَةُ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّوَاعِيَ فِي الْمَسْبِيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ حَيْثُ تَعَدَّى الْحُكْمُ مِنْ الْأَصْلِ وَهِيَ الْمَسْبِيَّةُ إلَى الْفَرْعِ وَهُوَ غَيْرُهَا بِتَغْيِيرٍ حَيْثُ حُرِّمَتْ الدَّوَاعِي فِي غَيْرِ الْمَسْبِيَّةِ دُونَهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ اقْتِضَاءِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّعَدِّيَ إنْ كَانَ بِالْقِيَاسِ فَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ دَافِعٍ،؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّغْيِيرِ شَرْطُ الْقِيَاسِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَانْتِفَاءُ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ. وَالثَّانِي أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ الدَّوَاعِي فِي غَيْرِ الْمَسْبِيَّةِ أَمْرَانِ: الْإِفْضَاءُ، وَالْوُقُوعُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ تُحَرَّمْ بِالثَّانِي فَلْتُحَرَّمْ بِالْأَوَّلِ. إذَا الْحُرْمَةُ تُؤْخَذُ بِالِاحْتِيَاطِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّعْدِيَةَ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِلَّاحِقِ دَلَالَةُ حُكْمِ الدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُلْحَقِ بِهِ لِعَدَمِهِ، وَالدَّلِيلُ هُنَا أَنَّ حُرْمَةَ الدَّوَاعِي فِي هَذَا الْبَابِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
فَلَمَّا كَانَ عِلَّتُهَا فِي الْمَسْبِيَّةِ أَمْرًا وَاحِدًا لَمْ تُعْتَبَرْ، وَلَمَّا كَانَ فِي غَيْرِهَا أَمْرَانِ تَعَاضَدَا
[ ١٠ / ٤٥ ]
لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْحَرْبِيِّ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
(وَالِاسْتِبْرَاءُ فِي الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَفِي ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ بِالشَّهْرِ)؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ فِي حَقِّهِنَّ مَقَامَ الْحَيْضِ كَمَا فِي الْمُعْتَدَّةِ، وَإِذَا حَاضَتْ فِي أَثْنَائِهِ بَطَلَ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْأَيَّامِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ كَمَا فِي الْمُعْتَدَّةِ. فَإِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا تَرَكَهَا، حَتَّى إذَا تَبَيَّنَ أَنْ لَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَقَعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَقِيلَ يَتَبَيَّنُ بِشَهْرَيْنِ
اُعْتُبِرَتْ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ فَلَمَّا كَانَ عِلَّتُهَا فِي الْمَسْبِيَّةِ أَمْرًا وَاحِدًا لَمْ تُعْتَبَرْ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ عِلَّةً صَحِيحَةً تَامَّةً فَوَحْدَتُهَا لَا تُنَافِي اعْتِبَارَهَا. وَلَا تَضُرُّ بِالْعَمَلِ بِهَا وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا وَقَعَ الِاجْتِهَادُ فِي خِلَافِهِ، كَيْفَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ أَنَّ الْعِلَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكْفِي فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ، بَلْ نَرَى كَثِيرًا مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ قَدْ اكْتَفَوْا فِيهَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْحُرْمَةُ مِمَّا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالِاحْتِيَاطِ فَكَانَ الِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْلَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِفْضَاءَ إلَى الْحَرَامِ عِلَّةٌ صَحِيحَةٌ تَامَّةٌ. وَلِهَذَا قَالُوا فِي تَعْلِيلِ حُرْمَةِ الدَّوَاعِي قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فِي غَيْرِ الْمَسْبِيَّةِ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْوَطْءِ الْحَرَامِ أَوْ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ تَدُلُّ عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ، وَاكْتَفَوْا فِي تَعْلِيلِ حُرْمَةِ الدَّوَاعِي فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى كَمَا فِي الظِّهَارِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْإِحْرَامِ، وَفِي الْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ. هَذَا وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّعْدِيَةَ هُنَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِلَّاحِقِ دَلَالَةُ حُكْمِ الدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُلْحَقِ بِهِ لِعَدَمِهِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ دُونَ الْقِيَاسِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِمُسْتَقِيمٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمَنْعَ وَظِيفَةُ الْمُجِيبِ. فَإِنَّ حَاصِلَ جَوَابِهِ مَنْعُ كَوْنِ التَّعْدِيَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ حَتَّى يَلْزَمَ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ فِي النَّظَرِ وَهُوَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِتَغْيِيرٍ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَالِاسْتِنَادُ بِأَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ وَلَا اسْتِحَالَةَ لِلتَّغْيِيرِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ، فَمُقَابَلَةُ مَنْعِهِ بِمَنْعِ كَوْنِ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ دُونَ الْقِيَاسِ خُرُوجٌ عَنْ قَوَاعِدِ آدَابِ الْمُنَاظَرَةِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَنْعَ كَوْنِ التَّعْدِيَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ دُونَ الْقِيَاسِ سَاقِطٌ جِدًّا، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْدُولًا عَنْ الْقِيَاسِ. وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِيمَا مَرَّ أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِبْرَاءِ ثَابِتٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِتَحَقُّقِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلِاسْتِمْتَاعِ فَلَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَتَيَسَّرُ الْإِلْحَاقُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ لِذَلِكَ الْبَعْضِ فِي هَذَا الْمَقَامِ كَلِمَاتٌ أُخْرَى وَاهِيَةٌ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكَلَامُ بِلَا طَائِلٍ فَصَفَحْنَا عَنْ التَّعَرُّضِ لَهَا دَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ.
وَقَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَالرَّغْبَةُ فِي الْمُشْتَرَاةِ أَصْدَقُ الرَّغَبَاتِ انْتَهَى. وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: هَذَا خَبْطٌ ظَاهِرٌ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْبِيَّةِ وَالْمُشْتَرَاةِ فِي كَوْنِ الرَّغْبَةِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَصْدَقُ الرَّغَبَاتِ. فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُشِيرَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا إلَى مَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ أَوْ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ عَلَى اعْتِبَارِ ظُهُورِ الْحَبَلِ وَدَعْوَةِ الْبَائِعِ إذْ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمَسْبِيَّةِ وَالْمُشْتَرَاةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ وُقُوعَهَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْحَرْبِيِّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالِاسْتِبْرَاءُ فِي الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ لِمَا رَوَيْنَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَوْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ﵊ «وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» انْتَهَى. أَقُولُ: قَدْ سَهَا الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ حَيْثُ قَالَ «وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» مَعَ أَنَّ لَفْظَهُ «أَلَا لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ» وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا كَانَ أَظْهَرَ مِنْ أَنْ يَخْفَى فَكَأَنَّ السَّهْوَ وَقَعَ مِنْ
[ ١٠ / ٤٦ ]
أَوْ ثَلَاثَةٍ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا بِعِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي الْوَفَاةِ. وَعَنْ زُفَرَ سَنَتَانِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِيَالِ لِإِسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَيْنِ فِي الشُّفْعَةِ. وَالْمَأْخُوذُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَقْرَبْهَا فِي طُهْرِهَا ذَلِكَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا قَرِبَهَا. وَالْحِيلَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْمُشْتَرِي حُرَّةٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا. وَلَوْ كَانَتْ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا وَيَقْبِضَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ الْمُؤَكَّدِ بِالْقَبْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَرْجُهَا حَلَالًا لَهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ. وَإِنَّ حَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَوَانُ وُجُودِ السَّبَبِ كَمَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ.
قَالَ (وَلَا يَقْرَبُ الْمَظَاهِرُ وَلَا يَلْمِسُ وَلَا يُقَبِّلُ وَلَا يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يُكَفِّرَ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ الْوَطْءُ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ حَرُمَ الدَّوَاعِي لِلْإِفْضَاءِ إلَيْهِ. لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ سَبَبَ الْحَرَامِ حَرَامٌ كَمَا فِي الِاعْتِكَافِ وَالْإِحْرَامِ وَفِي
طُغْيَانِ الْقَلَمِ فَاَللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا.
(قَوْلُهُ وَالْحِيلَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْمُشْتَرِي حُرَّةٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِكَوْنِ الْقَبْضِ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَا يَعُدُّهُ مَعَ وُجُوبِ هَذَا التَّقْيِيدِ. قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَارِيَةَ يَتَزَوَّجُهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الشِّرَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ، ثُمَّ يُسَلِّمُهَا إلَيْهِ الْمَوْلَى ثُمَّ يَشْتَرِي فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا شَرَطَ تَسْلِيمَ الْجَارِيَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ كَيْ لَا يُوجَدَ الْقَبْضُ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ بَعْدَ فَسَادِ النِّكَاحِ. يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ سَبَبُ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ. وَهُوَ حُدُوثُ الْمِلْكِ الْمُؤَكَّدِ بِالْقَبْضِ وَقْتَ عَدَمِ كَوْنِ فَرْجِهَا حَلَالًا لَهُ. بِخِلَافِ مَا لَوْ سَلَّمَهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ فَإِنَّ الْقَبْضَ السَّابِقَ بِحُكْمِ التَّزَوُّجِ وَإِنْ عَرَضَ لَهُ كَوْنُهُ قَبْضًا بِحُكْمِ الشِّرَاءِ. إلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الْبَعْضِ. أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَزَمَ بِوُجُوبِ تَقْيِيدِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِ الْقَبْضِ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَا بَعْدَهُ. وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ وَلَيْسَ بِتَامٍّ.
فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَشَايِخِ وَمُخْتَارُ نَفْسِهِ. وَأَمَّا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَوْنَ الْقَبْضِ قَبْلَ الشِّرَاءِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَ الْمُشْتَرِي حُرَّةٌ فَلِإِسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ حِيلَةٌ أُخْرَى. وَهِيَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا وَيَقْبِضَهَا فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُثْبِتُ لَهُ عَلَيْهَا الْفِرَاشَ، فَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ وَهِيَ فِي فِرَاشِهِ. وَقِيَامُ الْفِرَاشِ لَهُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى فَرَاغِ رَحِمِهَا مِنْ مَاءِ الْغَيْرِ انْتَهَى.
وَالْمُصَنِّفُ قَدْ
[ ١٠ / ٤٧ ]
الْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، بِخِلَافِ حَالَةِ الْحَيْضِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ يَمْتَدُّ شَطْرَ عُمْرِهَا وَالصَّوْمَ يَمْتَدُّ شَهْرًا فَرْضًا وَأَكْثَرُ الْعُمْرِ نَفْلًا، فَفِي الْمَنْعِ عَنْهَا بَعْضُ الْحَرَجِ، وَلَا كَذَلِكَ مَا عَدَدْنَاهَا لِقُصُورِهَا مُدَدِهَا. وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُضَاجِعُ نِسَاءَهُ وَهُنَّ حُيَّضٌ»
قَالَ (وَمَنْ لَهُ أَمَتَانِ أُخْتَانِ فَقَبَّلَهُمَا بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُجَامِعُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَمَسُّهَا بِشَهْوَةٍ وَلَا يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يَمْلِكَ
اخْتَارَ قَوْلَ هَؤُلَاءِ فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِكَوْنِ الْقَبْضِ قَبْلَ الشِّرَاءِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ سَبَبُ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ حُدُوثُ الْمِلْكِ الْمُؤَكَّدِ بِالْقَبْضِ وَقْتَ عَدَمِ كَوْنِ فَرْجِهَا حَلَالًا لَهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ الْمِلْكِ الْمُؤَكَّدِ بِالْقَبْضِ وَقْتَ عَدَمِ كَوْنِ فَرْجِهَا حَلَالًا لَهُ لَا يُوجِبُ الِاسْتِبْرَاءَ بَلْ يَقْتَضِي سُقُوطَ الِاسْتِبْرَاءِ؛ أَلَا يُرَى إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ وُجُوبِ السَّبَبِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ الْمُؤَكَّدِ بِالْقَبْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَرْجُهَا حَلَالًا لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنْ حَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ حُدُوثُ الْمِلْكِ الْمُؤَكَّدِ بِالْقَبْضِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَرْجُهَا حَلَالًا لَهُ بِفَسَادِ النِّكَاحِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ تَأَمَّلْ تَقِفْ.
ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْكَافِي سَلَكَ طَرِيقَةَ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى هَذَا الشَّرْطِ، إلَّا أَنَّهُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِصُورَةِ تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ تَنْصِيصًا عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ بِهِ، وَعَلَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا فَقَالَ: وَالْحِيلَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَ الْمُشْتَرِي حُرَّةٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا فَيَقْبِضَهَا فَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِبْرَاءُ، لِأَنَّ بِالنِّكَاحِ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا الْفِرَاشُ. وَإِنَّمَا اشْتَرَاهَا وَهِيَ فِرَاشُهُ. وَقِيَامُ الْفِرَاشِ لَهُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى تَبَيُّنِ فَرَاغِ رَحِمِهَا مِنْ مَاءِ الْغَيْرِ، ثُمَّ الْحِلُّ لَهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَلَالًا لَهُ بِالنِّكَاحِ قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى. فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ تَجَدُّدِ الْحِلِّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ حَلَالًا لَهُ بِالنِّكَاحِ إلَّا أَنَّهُ زَالَ ذَلِكَ بِزَوَالِهِ بِالشِّرَاءِ، فَزَمَانُ الشِّرَاءِ خَالٍ عَنْ الْحِلِّ. أَمَّا عَنْ الْحِلِّ الْحَاصِلِ بِالنِّكَاحِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُ زَوَالِهِ. وَأَمَّا عَنْ الْحِلِّ الْحَاصِلِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلِأَنَّهُ يَسْتَعْقِبُهُ الشِّرَاءُ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مَا لَمْ يَفْرُغْ عَنْ التَّلَفُّظِ بِلَفْظِ اشْتَرَيْت بَعْدَ إيجَابِ الْبَائِعِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْحِلُّ. قُلْت: هَذِهِ مُغَالَطَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ يُقَارِنُ وُجُودَ الْمَعْلُولِ لَا يَسْتَعْقِبُهُ، فَزَمَانُ التَّلَفُّظِ بِالْحَرْفِ الْأَخِيرِ فِي اشْتَرَيْت هُوَ زَمَانُ وُجُودِ الشِّرَاءِ وَالْحِلِّ وَزَوَالِ النِّكَاحِ. لَا يُقَالُ: سَلَّمْنَا أَنَّ نَوْعَ الْحِلِّ مُسْتَمِرٌّ وَلَا يُوجَدُ زَمَانٌ خَالٍ عَنْ الْحِلِّ وَلَمْ يَحْدُثْ نَوْعُ الْحِلِّ، إلَّا أَنَّهُ حَدَثَ حِلٌّ هُوَ أَثَرُ مِلْكِ الْيَمِينِ.
وَذَلِكَ كَافٍ فِي وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ، بَلْ الْوَاجِبُ حُصُولُ الْحِلِّ بِمِلْكِ الْعَيْنِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَلَالًا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، هَذَا غَايَةُ تَوْجِيهِ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ يُعَدُّ مَحَلَّ نَظَرٍ. إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الشِّرَاءُ سَبَبُ الْمِلْكِ وَحِلُّ الْوَطْءِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الشَّيْءِ يَتَعَقَّبُهُ، فَزَمَانُ وُجُودِ الْمِلْكِ خَالٍ عَنْ الْحِلِّ مُطْلَقًا فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ تَقَدَّمَ التَّسْلِيمُ أَوْ لَا، فَلَمْ يَصْلُحْ مَا ذَكَرَهُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِهِ أَصْلًا فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْمَطَارِحِ، إلَى هُنَا لَفْظُ ذَلِكَ الْبَعْضِ. أَقُولُ: مَا أَوْرَدَهُ فِي خَاتِمَةِ كَلَامِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَحُكْمُ الشَّيْءِ يَتَعَقَّبُهُ أَنَّهُ يَتَعَقَّبُهُ زَمَانًا أَلْبَتَّةَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ جِدًّا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَتَعَقَّبُهُ ذَاتًا: أَيْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ. وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ زَمَانُ وُجُودِ الْمِلْكِ خَالِيًا عَنْ الْحِلِّ مُطْلَقًا. وَبِالْجُمْلَةِ لُزُومُ تَأَخُّرِ حُكْمِ الشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ زَمَانًا مَمْنُوعٌ، وَلُزُومُ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ ذَاتًا مُسَلَّمٌ ضَرُورَةَ كَوْنِ حُكْمِ الشَّيْءِ مُتَفَرِّعًا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ خُلُوُّ زَمَانٍ مَا عَنْ الْحِلِّ مُطْلَقًا فِيمَنْ نَحْنُ فِيهِ حَتَّى يَجِبَ الِاسْتِبْرَاءُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَيْضَ يَمْتَدُّ شَطْرَ عُمْرِهَا) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ يَقْرُبُ مِنْ شَطْرِ عُمْرِهَا وَهُوَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ
[ ١٠ / ٤٨ ]
فَرْجَ الْأُخْرَى غَيْرُهُ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ يُعْتِقُهَا)، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ لَا يَجُوزُ وَطْئًا لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ لِلْمُحَرَّمِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الدَّوَاعِي لِإِطْلَاقِ النَّصِّ، وَلِأَنَّ الدَّوَاعِيَ إلَى الْوَطْءِ بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى مَا مَهَّدْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، فَإِذَا قَبَّلَهُمَا فَكَأَنَّهُ وَطِئَهُمَا، وَلَوْ وَطِئَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ إحْدَاهُمَا وَلَا أَنْ يَأْتِيَ بِالدَّوَاعِي فِيهِمَا، فَكَذَا إذَا قَبَّلَهُمَا وَكَذَا إذَا مَسَّهُمَا بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهِمَا بِشَهْوَةٍ لِمَا بَيَّنَّا إلَّا أَنْ يَمْلِكَ
فَكَانَ قَرِيبًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهِيَ نِصْفُ الشَّهْرِ انْتَهَى.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: أَيْ قَرِيبُ شَطْرِ عُمْرِهَا وَهُوَ الثُّلُثُ. أَوْ الْمُرَادُ الْبَعْضُ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الشَّطْرَ هُوَ النِّصْفُ، وَيَتَقَوَّى بِذَلِكَ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ عَلَيْنَا بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا انْتَهَى.
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ جِدًّا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَيْنَا هُوَ قَوْلُهُ ﵊ فِي نُقْصَانِ دِينِ الْمَرْأَةِ «تَقْعُدُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي» وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَمَانُ الْحَيْضِ، وَالشَّطْرُ هُوَ النِّصْفُ فَكَانَ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشْرَةَ يَوْمًا. وَقَالَ الشُّرَّاحُ هُنَاكَ حَتَّى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ نَفْسُهُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ فِي الْحَدِيثِ حَقِيقَتَهُ؛ لِأَنَّ فِي عُمْرِهَا زَمَانُ الصِّغَرِ وَمُدَّةُ الْحَبَلِ وَزَمَانُ الْإِيَاسِ وَلَا تَحِيضُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُقَارِبُ الشَّطْرَ، وَإِذَا قَدَّرْنَا الْعَشَرَةَ بِهَذِهِ الْآثَارِ كَانَ مُقَارِبًا لِلشَّطْرِ وَحَصَلَ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّطْرُ هُوَ النِّصْفُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هُنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ وَالْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ لَا يَتَقَوَّى اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ عَلَيْنَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، بَلْ لَا يَتَمَشَّى اسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَيْنَا أَصْلًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَجَالٌ لِكَوْنِ الشَّطْرِ هُنَاكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِعَدَمِ مُسَاعَدَةِ عُمْرِ الْمَرْأَةِ لَهَا كَمَا بَيَّنُوا، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُقَارِبُ الشَّطْرَ كَمَا ذَكَرُوا قَاطِبَةً هُنَاكَ. وَعَلَيْهِ جَرَى صَاحِبُ النِّهَايَةِ هُنَا أَيْضًا، فَكَأَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَشَطْرُ الشَّيْءِ نِصْفُهُ وَبَعْضُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَلِهَذَا أَوَّلَهُ بِمَا يَقْرُبُ مِنْ شَطْرِهِ وَقَالَ: فَإِنَّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَةَ يَوْمًا وَهِيَ نِصْفُ الشَّهْرِ فَكَأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الشَّطْرَ لَا يَجِيءُ إلَّا بِمَعْنَى النِّصْفِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُول: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ الشَّطْرِ بِمَعْنَى الْبَعْضِ إنَّمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ حَيْثُ قَالَ: الشَّطْرُ نِصْفُ الشَّيْءِ وَجُزْؤُهُ. وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ " فَوَضَعَ شَطْرَهَا " أَيْ بَعْضَهَا انْتَهَى.
وَلَكِنَّ ذَاكَ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ فِي أَنْ يَكُونَ الشَّطْرُ حَقِيقَةً فِي مَعْنَى الْبَعْضِ أَيْضًا، فَإِنَّ أَكْثَرَ كُتُبِ اللُّغَةِ غَيْرُ مُتَكَفِّلٍ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَلَئِنْ سَلِمَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَى الْبَعْضِ أَيْضًا فَلَيْسَ مَعْنَى الْبَعْضِ بِمُنَاسِبٍ لِلْمَقَامِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ تَحَقُّقِ الْحَيْضِ فِي بَعْضِ عُمْرِهَا لَا يَقْتَضِي الْحَرَجَ فِي الْمَنْعِ عَنْ الدَّوَاعِي أَيْضًا حَالَةَ الْحَيْضِ. وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْتَضِي الْحَرَجَ فِي ذَلِكَ تَحَقُّقُ الْحَيْضِ فِي نِصْفِ عُمْرِهَا أَوْ فِي قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ عُمْرِهَا لِطُولِ مُدَّةِ الْحَيْضِ إذْ ذَاكَ، وَهُوَ الْمُفْضِي إلَى الْحَرَجِ. فَلِذَلِكَ حَمَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ الشَّطْرَ الْوَاقِعَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا عَلَى النِّصْفِ، وَأَوَّلَهُ بِالْقَرِيبِ مِنْ النِّصْفِ لِيُوَافِقَ مَذْهَبَنَا فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ.
(قَوْلُهُ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ لَا يَجُوزُ وَطْئًا لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ لِلْمَحْرَمِ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: الْأَصْلُ فِي الدَّلَائِلِ الْجَمْعُ وَأَمْكَنَ هُنَا بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ عَلَى النِّكَاحِ، وَقَوْلُهُ
[ ١٠ / ٤٩ ]
فَرْجَ الْأُخْرَى غَيْرُهُ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ يُعْتِقَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُهَا لَمْ يَبْقَ جَامِعًا.
وَقَوْلُهُ بِمِلْكٍ أَرَادَ بِهِ مِلْكَ يَمِينٍ فَيَنْتَظِمُ التَّمْلِيكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِهِ بَيْعًا أَوْ غَيْرَهُ، وَتَمْلِيكُ الشِّقْصِ فِيهِ كَتَمْلِيكِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَحْرُمُ بِهِ، وَكَذَا إعْتَاقُ الْبَعْضِ مِنْ إحْدَاهُمَا كَإِعْتَاقِ كُلِّهَا، وَكَذَا الْكِتَابَةُ كَالْإِعْتَاقِ فِي هَذَا لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ بِذَلِكَ كُلِّهِ،
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عَلَى مِلْكِ الْيَمِينِ.
قُلْت: الْمَعْنَى الَّذِي يُحَرِّمُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نِكَاحًا وُجِدَ هُنَا وَهُوَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ هُنَا أَيْضًا وَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ إجْمَاعًا، فَإِنَّ أُمَّهُ وَأُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَالْأَمَةَ الْمَجُوسِيَّةَ حَرَامٌ فَلَا يُعَارِضُ مَا لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ وَهُوَ الْمُحَرِّمُ لِلْجَمْعِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ وَجْهَيْ الْجَوَابِ نَظَرٌ. أَمَّا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ عَلَى النِّكَاحِ يَثْبُتُ حُكْمُ حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَيْضًا دَلَالَةً لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمِ فِيهِ أَيْضًا وَهُوَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِتَامٍّ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ وَإِشَارَتَهُ تُرَجَّحَانِ عَلَى دَلَالَةِ النَّصِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ إفَادَةَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ حِلُّ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ وَطْئًا بِالْعِبَارَةِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْإِشَارَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يُتْرَكَ بِهَا دَلَالَةُ الْآيَةِ الْأُخْرَى عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَطْئًا عَلَى مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الْأُصُولِ.
وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَلِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ فَصَارَ ظَنِّيًّا لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ. فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُعَارِضَ مَا هُوَ لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ وَهُوَ الْمُحَرِّمُ لِلْجَمْعِ لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ إنَّمَا يَكُونُ ظَنِّيًّا إذَا كَانَ الْمُخَصَّصُ مَوْصُولًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَفْصُولًا مُتَأَخِّرًا فَالْخَاصُّ إذْ ذَاكَ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْعَامِّ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ، وَيَكُونُ الْعَامُّ فِي الْبَاقِي قَطْعِيًّا بِلَا شُبْهَةٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُخَصِّصَ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ وَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لَيْسَ بِمَوْصُولٍ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ ظَنِّيًّا فِي الْبَاقِي بَلْ كَانَ قَطْعِيًّا كَالْمُحَرِّمِ لِلْجَمْعِ فَلَمْ يَظْهَرْ الرُّجْحَانُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ حَتَّى لَا يَصْلُحَ لِلْمُعَارَضَةِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ بِمِلْكٍ أَرَادَ بِهِ مِلْكَ يَمِينٍ فَيَنْتَظِمُ التَّمْلِيكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِهِ بَيْعًا أَوْ غَيْرَهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ فَيَنْتَظِمُ التَّمْلِيكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِهِ: أَيْ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ كَالشِّرَاءِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي بَعْضِ تَمْثِيلَاتِهِ خَطَأٌ، وَهُوَ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ وَالْكِتَابَةُ.
أَمَّا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ فَلِأَنَّ تَمْلِيكَ الْغَيْرِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَالْمُورِثِ فَكَيْفَ يَدْخُلُ ذَلِكَ تَحْتَ قَوْلِهِ بِمِلْكٍ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ لَا يُجَامِعُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَمَسُّهَا بِشَهْوَةٍ وَلَا يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يَمْلِكَ فَرْجَ الْأُخْرَى غَيْرُهُ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ، فَإِنَّ شَيْئًا مِنْ الْمُجَامَعَةِ وَالْمَسِّ وَالنَّظَرِ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْمَمَاتِ، عَلَى أَنَّ نَفْسَ التَّمْلِيكِ أَيْضًا عَلَى حَقِيقَتِهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْإِرْثِ. وَأَمَّا فِي الْكِتَابَةِ فَلِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالْإِعْتَاقِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَكَذَا الْكِتَابَةُ كَالْإِعْتَاقِ فِي هَذَا فَكَانَتْ مِنْ فُرُوعِ قَوْلِهِ أَوْ يُعْتِقُهَا غَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي قَوْلِهِ حَتَّى يَمْلِكَ فَرْجَ الْأُخْرَى غَيْرُهُ بِمِلْكٍ، إذَا الْمُرَادُ بِالْمِلْكِ هُنَا مِلْكُ الْيَمِينِ بِدَلَالَةِ عَطْفِ قَوْلِهِ أَوْ نِكَاحٍ عَلَيْهِ. وَلَا يُتَصَوَّرُ تَمْلِيكُ الْفَرْجِ غَيْرَهُ مِلْكَ يَمِينٍ بِالْكِتَابَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ عَرَفَ مَعْنَى الْكِتَابَةِ شَرْعًا (قَوْلُهُ وَكَذَا الْكِتَابَةُ كَالْإِعْتَاقِ فِي هَذَا لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ بِذَلِكَ كُلِّهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: كَلِمَةُ كَذَا فِي قَوْلِهِ وَكَذَا الْكِتَابَةُ كَالْإِعْتَاقِ زَائِدَةٌ. وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: قُلْت زِيَادَةُ كَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ. إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّ كَلِمَةَ كَذَا هَاهُنَا زَائِدَةٌ: أَيْ مُسْتَدْرَكَةٌ لَا أَنَّهَا زَائِدَةٌ كَزِيَادَةِ بَعْضِ الْحُرُوفِ لِتَحْسِينِ اللَّفْظِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْعَيْنِيُّ حَتَّى يَتَوَجَّهَ إلَيْهِ قَوْلُهُ زِيَادَةٌ كَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ غَيْرَ مَشْهُورَةٍ. وَبِالْجُمْلَةِ مُرَادُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ الدَّخْلُ لَا التَّوْجِيهُ. فَمَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ لَغْوٌ مَحْضٌ. ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بِمَا يَنْدَفِعُ بِهِ الِاسْتِدْرَاكُ فِي كَلِمَةِ كَذَا، وَهُوَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا: أَيْ وَكَكَوْنِ إعْتَاقِ الْبَعْضِ مِنْ إحْدَاهُمَا كَإِعْتَاقِ الْكُلِّ الْكِتَابَةُ كَالْإِعْتَاقِ: أَيْ كَإِعْتَاقِ الْكُلِّ. فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْمَقْصُودُ مِنْ كَلِمَةِ كَذَا
[ ١٠ / ٥٠ ]
وَبِرَهْنِ إحْدَاهُمَا وَإِجَارَتِهَا وَتَدْبِيرِهَا لَا تَحِلُّ الْأُخْرَى؛ أَلَا يَرَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ نِكَاحٍ أَرَادَ بِهِ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ. أَمَّا إذَا زَوَّجَ إحْدَاهُمَا نِكَاحًا فَاسِدًا لَا يُبَاحُ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ يَدْخُلَ الزَّوْجُ بِهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا، وَالْعِدَّةُ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ. وَلَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا حَلَّ لَهُ وَطْءُ الْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بِوَطْءِ الْأُخْرَى لَا بِوَطْءِ الْمَوْطُوءَةِ. وَكُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْأُخْتَيْنِ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ فَمَ الرَّجُلِ أَوْ يَدَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ يُعَانِقَهُ) وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِالتَّقْبِيلِ وَالْمُعَانَقَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَانَقَ جَعْفَرًا ﵁ حِينَ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَلَهُمَا مَا رُوِيَ
هَاهُنَا هُوَ التَّشْبِيهُ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ كَلِمَةِ كَذَا فِي قَوْلِهِ وَكَذَا إعْتَاقُ الْبَعْضِ مِنْ إحْدَاهُمَا كَإِعْتَاقِ كُلِّهَا هُوَ التَّشْبِيهُ أَيْضًا بِمَا قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَيْضًا الْكِتَابَةُ كَالْإِعْتَاقِ فِي هَذَا، وَالْغَرَضُ مِنْ التَّشْبِيهِ التَّشْرِيكُ فِي تَعْلِيلِ وَاحِدٍ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ بِذَلِكَ كُلِّهِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَبِرَهْنِ إحْدَاهُمَا وَإِجَارَتِهَا وَتَدْبِيرِهَا لَا تَحِلُّ الْأُخْرَى؛ أَلَا يُرَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ) أَقُولُ: كَانَ الظَّاهِرُ فِي التَّعْلِيلِ هُنَا أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ بِهَا حُرْمَةُ الْوَطْءِ. فَإِنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى؛ أَلَا يُرَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْكِتَابَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ أَيْضًا هُنَا فِيمَا قَبْلُ، مَعَ أَنَّهُ إذَا كَاتَبَ إحْدَاهُمَا تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَحَمْلُ الْمِلْكِ فِي قَوْلِهِ لَا تَخْرُجُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ عَنْ مِلْكِ الْوَطْءِ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَعَسُّفٌ لَا يَخْفَى. إذْ الْمُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ حِلُّ الْوَطْءِ لَا مِلْكُ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مِلْكُ الْيَمِينِ أَوْ مِلْكُ النِّكَاحِ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ الْمُكَامَعَةِ وَهِيَ الْمُعَانَقَةُ، وَعَنْ الْمُكَاعَمَةِ وَهِيَ التَّقْبِيلُ») قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَتَفْسِيرُ الْمُكَامَعَةِ بِالْمُعَانَقَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ: كَامَعَ امْرَأَتَهُ: ضَاجَعَهَا، وَكَاعَمَ الْمَرْأَةَ: قَبَّلَهَا. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُكَامَعَةِ وَالْمُكَاعَمَةِ»: أَيْ عَنْ مُلَاثَمَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلِ وَمُضَاجَعَتِهِ إيَّاهُ لَا سَتْرَ بَيْنَهُمَا إلَى هُنَا لَفْظُ غَايَةِ الْبَيَانِ.
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: قُلْت فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَاجِعَ هُوَ الْمُعَانِقُ غَالِبًا، وَلَا يُضَاجِعُ أَحَدٌ غَيْرَهُ إلَّا وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يُعَانِقُهُ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، لِأَنَّ كَوْنَ الْمُضَاجِعِ هُوَ الْمُعَانِقُ غَالِبًا مَمْنُوعٌ، وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْمُكَامَعَةُ هِيَ
[ ١٠ / ٥١ ]
«أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ الْمُكَامَعَةِ وَهِيَ الْمُعَانَقَةُ، وَعَنْ الْمُكَاعَمَةِ وَهِيَ التَّقْبِيلُ». وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ. قَالُوا: الْخِلَافُ فِي الْمُعَانَقَةِ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَارَثُ. وَقَالَ ﵊ «مَنْ صَافَحَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَحَرَّكَ يَدَهُ تَنَاثَرَتْ ذُنُوبُهُ».
فَصْلٌ فِي الْبَيْعِ
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ السِّرْقِينِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ الْعَذِرَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْقِينِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَشَابَهُ الْعَذِرَةَ وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ. وَلَنَا أَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُلْقَى فِي الْأَرَاضِيِ لِاسْتِكْثَارِ الرِّيعِ فَكَانَ مَالًا، وَالْمَالُ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ. بِخِلَافِ الْعَذِرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا مَخْلُوطًا. وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَخْلُوطِ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَكَذَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَخْلُوطِ لَا بِغَيْرِ الْمَخْلُوطِ فِي الصَّحِيحِ، وَالْمَخْلُوطُ بِمَنْزِلَةِ زَيْتٍ خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ.
الْمُعَانَقَةُ فِي الْغَالِبِ. وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُلَازِمَ الْمُكَامَعَةَ وَالْمُعَانَقَةَ فِي الْغَالِب. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَلَازِمَيْنِ لَا يَكُونُ عَيْنَ الْآخَرِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى. وَلَوْ سَلِمَ صِحَّةُ التَّفْسِيرِ بِاللَّازِمِ بِنَاءً عَلَى الْمُسَامَحَةِ لَمْ يُفِدْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُضَاجَعَةَ لَمَّا وُجِدَتْ بِدُونِ الْمُعَانَقَةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْغَالِبِ كَانَتْ الْمُعَانَقَةُ أَخَصَّ مِنْ الْمُضَاجَعَةِ. فَلَمْ يَصِحَّ تَفْسِيرُ الْمُكَامَعَةِ الَّتِي هِيَ الْمُضَاجَعَةُ بِالْمُعَانَقَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّفْسِيرِ بِالْأَخَصِّ، وَنَظَرُ صَاحِبِ الْغَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْمُكَامَعَةِ بِالْمُعَانَقَةِ لَا غَيْرُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَفَسَّرَهَا الْمُصَنِّفُ بِالْمُعَانَقَةِ مَعَ أَنَّ الْمُكَامَعَةَ هِيَ الْمُضَاجَعَةُ. فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ: كَامَعَ امْرَأَتَهُ ضَاجَعَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُعَانَقَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نُهِيَ مِنْ الْمُضَاجَعَةِ هُوَ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَانَقَةِ لِعَدَمِ الْخِلَافِ فِي إبَاحَةِ الْمُضَاجَعَةِ لَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، عَلَى أَنَّ الْمُكَامَعَةَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ هِيَ الْمُضَاجَعَةُ الْمَخْصُوصَةُ لَا مُطْلَقُ الْمُضَاجَعَةِ. فِي الْقَامُوسِ: كَامَعَهُ: ضَاجَعَهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، إلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الْبَعْضِ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى صَاحِبِ الْغَايَةِ. أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ مُقَدِّمَاتِ كَلَامِهِ مَجْرُوحٌ. أَمَّا قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُعَانَقَةِ تَعْلِيلًا لِتَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ الْمُكَامَعَةَ بِالْمُعَانَقَةِ فَظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، لِأَنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ فِي الْمُعَانَقَةِ كَيْفَ يُسَوِّغُ تَفْسِيرَ الْمُكَامَعَةِ بِغَيْرِ مَعْنَاهَا، وَهَلْ يَقُولُ الْعَاقِلُ بِتَغْيِيرِ مَعْنَى لَفْظِ الْحَدِيثِ لِيَكُونَ مُطَابِقًا لِمُدَّعَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نُهِيَ مِنْ الْمُضَاجَعَةِ هُوَ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَانَقَةِ فَمَمْنُوعٌ، إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ بِهَذَا التَّخْصِيصِ عِنْدَ بَيَانِ الْمُرَادِ بِالْمُكَامَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ. بَلْ أَطْلَقُوهَا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُ فِي الْفَائِقِ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُكَاعَمَةِ وَالْمُكَامَعَةِ»: أَيْ عَنْ مُلَاثَمَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَمُضَاجَعَتِهِ إيَّاهُ لَا سُتْرَةَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: وَكَامَعَهُ مِثْلَ ضَاجَعَهُ، وَالْمُكَامَعَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُضَاجِعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ لَا سُتْرَةَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ: نَهَى عَنْ الْمُكَاعَمَةِ وَالْمُكَامَعَةِ: أَيْ عَنْ مُلَاثَمَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ لَا سُتْرَةَ بَيْنَهُمَا وَمُضَاجَعَتِهِ إيَّاهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَا سُتْرَةَ بَيْنَهُمَا. هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَابْنِ دُرَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهَكَذَا حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ انْتَهَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَدَمِ الْخِلَافِ فِي إبَاحَةِ الْمُضَاجَعَةِ لَا عَلَى ذَاكَ الْوَجْهِ فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ شَنَاعَةَ مُضَاجَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَا سُتْرَةَ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ بِأَقَلِّ مِنْ شَنَاعَةِ مُجَرَّدِ الْمُعَانَقَةِ وَلَوْ فِي غَيْرِ دَاخِلِ الثَّوْبِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بِإِبَاحَةِ الْأُولَى مَنْ لَا يَقُولُ بِإِبَاحَةِ الثَّانِيَةِ سِيَّمَا عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْحَدِيثِ بَلْ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي نَفْسِ الْمُضَاجَعَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُكَامَعَةَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ هِيَ الْمُضَاجَعَةُ الْمَخْصُوصَةُ لَا مُطْلَقُ الْمُضَاجَعَةِ، وَاسْتِشْهَادُهُ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْقَامُوسِ فَلَيْسَ بِمُقَيَّدٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُضَاجَعَةُ الْمَخْصُوصَةُ إلَّا أَنَّ مَعْنَاهَا لَيْسَ عَيْنَ مَعْنَى الْمُعَانَقَةِ وَلَا مُسَاوِيًا لَهُ فِي التَّحَقُّقِ لِانْفِكَاكِ تَحَقُّقِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا عَرَفْته مِنْ قَبْلُ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُ الْمُكَامَعَةِ بِالْمُعَانَقَةِ كَمَا هُوَ حَاصِلُ نَظَرِ صَاحِبِ الْغَايَةِ، فَمِنْ أَيْنَ يَحْصُلُ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ، وَلَعَمْرِي إنَّ مَفَاسِدَ قِلَّةِ التَّأَمُّلِ مِمَّا يَضِيقُ عَنْ الْإِحَاطَةِ بِهِ نِطَاقُ الْبَيَانِ، وَاَللَّهُ ﷾ الْمُسْتَعَانُ.
[ ١٠ / ٥٢ ]
قَالَ (وَمَنْ عَلِمَ بِجَارِيَةٍ أَنَّهَا لِرَجُلٍ فَرَأَى آخَرَ يَبِيعُهَا وَقَالَ وَكَّلَنِي صَاحِبُهَا بِبَيْعِهَا فَإِنَّهُ يَسَعُهُ أَنَّهُ يَبْتَاعُهَا وَيَطَؤُهَا)؛ لِأَنَّهُ أُخْبِرَ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ لَا مُنَازِعَ لَهُ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ. وَكَذَا إذَا قَالَ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا لِي أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ لِمَا قُلْنَا. وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً.