قَالَ الشُّرَّاحُ: أَخَّرَ فَصْلَ الْبَيْعِ عَنْ فَصْلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللَّمْسِ وَالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ تِلْكَ الْأَفْعَالِ مُتَّصِلٌ بِبَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَهَذَا لَا، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ اتِّصَالًا كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ انْتَهَى. أَقُولُ: كَانَ الْمُنَاسِبُ بِسِيَاقِ كَلَامِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: وَمَا كَانَ مُتَّصِلًا كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ. إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: وَمَا كَانَ أَكْثَرَ اتِّصَالًا كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ إفَادَةٌ فِي ضِمْنِ بَيَانِ وَجْهِ تَأْخِيرِ هَذَا الْفَصْلِ وَجْهُ تَأْخِيرِ الْفُصُولِ السَّابِقَةِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهَا أَكْثَرُ اتِّصَالًا بِبَدَنِ الْإِنْسَانِ مِمَّا هُوَ الْمُتَأَخِّرُ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ
(قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً يُنَاقِضُ قَوْلَهُ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ. أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ثِقَةٌ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكْذِبَ الْفَاسِقُ لِمُرُوءَتِهِ وَلِوَجَاهَتِهِ انْتَهَى.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الْعَيْنِيُّ.
[ ١٠ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَدْ سَبَقَهُمَا إلَى مَأْخَذِ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَا: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ: يَعْنِي أَنَّهُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُون فَاسِقٌ صَادِقَ الْقَوْلِ لَا يَكْذِبُ لِمُرُوءَتِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا السُّؤَالُ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً، بَلْ قَالَ بَعْدَهُ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ. وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فَلَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا قَوْلَهُ فِيمَا قَبْلُ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ. نَعَمْ قَدْ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِ غَيْرِ الثِّقَةِ فِي الْحُكْمِ السَّابِقِ، وَلَا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ عُمُومُ الْأَوْصَافِ لَا عُمُومُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَكَلَامُهُ هَاهُنَا تَفْصِيلٌ لِمَا أَجْمَلَهُ فِيمَا قَبْلُ.
وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُفِيدَ التَّفْصِيلُ مَا لَا يُفِيدُهُ الْإِجْمَالُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثِقَةً فِي قَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ دُونَ مَعْنَى الْعَدَالَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَمَا تَمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ، إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مَعْنَى قَوْلِهِ غَيْرَ ثِقَةٍ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ، وَفِي شَأْنِ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ رَأْيِ السَّامِعِ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَلَمَا تَمَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ لُزُومِ عَدَالَةِ الْمُخْبِرِ لَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الِاعْتِمَادِ عَلَى كَلَامِهِ، إذَا الْمَفْرُوضُ مِنْ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ جَوَازُ كَوْنِ الْفَاسِقِ أَيْضًا مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ فَكَانَ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ أَعَمَّ مِنْ الْعَدْلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ لُزُومِ الْأَخَصِّ لِشَيْءٍ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ لُزُومِ الْأَعَمِّ لَهُ. فَالصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ ثِقَةً إذَا كَانَ عَدْلًا، وَبِقَوْلِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ.
وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ. وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ أَصْلًا كَمَا تَحَقَّقْته آنِفًا، وَمِمَّا يُفْصِحُ عَنْ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالثِّقَةِ وَبِغَيْرِ الثِّقَةِ هَاهُنَا مَا ذَكَرْنَاهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ عَدْلًا، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ غَيْرَ ثِقَةٍ أَوْ كَانَ لَا يُدْرَى أَنَّهُ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْمُخْبِرَ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَدْلًا مَوْضِعَ ثِقَةٍ وَفَسَّرَ غَيْرَ ثِقَةٍ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ غَيْرَ ثِقَةٍ بِالْفَاسِقِ، وَمَنْ لَا يُدْرَى أَنَّهُ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ بِالْمَسْتُورِ حَيْثُ قَالَ: يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْمُخْبِرَ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا.
وَمَنْ تَتَبَّعَ كَلِمَاتِ ثِقَاتِ الْمَشَايِخِ فِي بَابِ مَسَائِلِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي كُتُبِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّقَةِ هُوَ الْعَدْلُ، وَبِغَيْرِ الثِّقَةِ غَيْرُ الْعَدْلِ، فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ لَفْظَيْ الْعَدْلِ وَالثِّقَةِ مَوْضِعَ الْآخَرِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي غَيْرِ الثِّقَةِ وَغَيْرِ الْعَدْلِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي حَلِّ هَذَا الْمَقَامِ: قَوْلُهُ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ: يَعْنِي عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، صَبِيًّا كَانَ أَوْ بَالِغًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، لَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ ثِقَةً يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِهِ إذَا كَانَ وَجِيهًا فِي النَّاسِ ذَا مُرُوءَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمِيلُ إلَى حُطَامِ الدُّنْيَا لِوَجَاهَتِهِ وَلَا يَكْذِبُ لِمُرُوءَتِهِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ ثِقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ سَلِمَ فَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِلَفْظِ هَذَا إلَى كَوْنِهِ فِي سِعَةٍ مِنْ ابْتِيَاعِهَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَكَّلَنِي صَاحِبُهَا بِبَيْعِهَا، لَا إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ يُقْبَلُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ ثِقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، إلَّا أَنَّ قَبُولَهُ يَكُونُ مَعَ ضَمِيمَةِ التَّحَرِّي الْمُوَافِقِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ، أَقُولُ: فِيهِ فَسَادٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ ثِقَةً يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ يُنَافِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ ﵀ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ شَرْحُ كَلَامِهِ بِمَا يُنَافِيهِ صَرِيحُ عِبَارَتِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ ثِقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً إنَّمَا يَكُونُ تَصْرِيحًا بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ ثِقَةً: أَنْ لَوْ اقْتَصَرَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَلَمَّا قَالَ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ كَانَ كَلَامُهُ صَرِيحًا فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ ثِقَةً كَمَا لَا يَخْفَى.
وَالثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَوْ سَلِمَ فَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا كَلَامٌ فَاسِدُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَوْ سَلِمَ
[ ١٠ / ٥٤ ]
وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا مَرَّ،
الْمُنَافَاةُ بَيْنَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ ثِقَةً فَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَسْلِيمَ الْمُنَافَاةِ يُنَاقِضُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ. فَكَانَ مَضْمُونُ كَلَامِهِ الْمَزْبُورِ جَمْعًا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَلَوْ سَلِمَ نَاظِرًا إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ لَا إلَى قَوْلِهِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ إلَخْ؛ فَالْمَعْنَى وَلَوْ سَلِمَ عَدَمُ عُمُومِ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا. وَالرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِلَفْظِ هَذَا إلَى كَوْنِهِ فِي سَعَةٍ مِنْ ابْتِيَاعِهَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَكَّلَنِي صَاحِبُهَا لَا إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ ظَاهِرَ الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَغَيْرَهُ عَلَّلُوا كَوْنَهُ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَبْتَاعَهَا وَيَطَأَهَا بِكَوْنِ قَوْلِ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولًا عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ، فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ ثِقَةً دُونَ الثَّانِي لَمَا صَحَّ تَعْلِيلُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي ضَرُورَةَ عَدَمِ اسْتِلْزَامِ تَحَقُّقِ الْعَامِّ تَحَقُّقَ الْخَاصِّ.
وَالْخَامِسُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِنَّ قَوْلَهُ يُقْبَلُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ ثِقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مُدَّعَاهُ مِنْ كَوْنِ الْإِشَارَةِ بِلَفْظِ هَذَا إلَى كَوْنِهِ فِي سَعَةٍ مِنْ ابْتِيَاعِهَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَكَّلَنِي صَاحِبُهَا لَا إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَحَلَّ الْحُكْمِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِلَفْظِ هَذَا فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ صَرِيحُ مَعْنَى قَوْلِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَكَذَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً، وَقَبُولُ قَوْلِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ ثِقَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ لَفْظُ هَذَا إشَارَةً إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْوَاحِدِ وَهُوَ خِلَافُ مَا ادَّعَاهُ.
وَالسَّادِسُ أَنَّ اعْتِرَافَهُ هُنَا بِكَوْنِ قَوْلِ الْوَاحِدِ مَقْبُولًا فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ أَيْضًا، وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ ثِقَةً يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِرُمَّتِهِ خَارِجٌ عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا مَرَّ) قُلْت: تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى كَوْنِ مُرَادِهِ بِغَيْرِ الثِّقَةِ غَيْرَ الْعَدْلِ وَبِالثِّقَةِ الْعَدْلَ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، إذْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ بِالثِّقَةِ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، وَبِغَيْرِ الثِّقَةِ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ عَلَى مَا مَرَّ لَمَا صَحَّ تَعْلِيلُ قَبُولِ قَوْلِ غَيْرِ الثِّقَةِ إذَا كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ أَنَّهُ صَادِقٌ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ عَدَالَتِهِ عَدَمُ لُزُومِ كَوْنِهِ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى كَلَامِهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ كَمَا لَا يَخْفَى. بَقِيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ هَاهُنَا هُوَ أَنَّ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ رَأْيِ السَّامِعِ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُعَامَلَاتِ وَالدِّيَانَاتِ بِأَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ قَوْلُ الْفَاسِقِ مُطْلَقًا وَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ قَوْلُ الْفَاسِقِ وَلَا الْمَسْتُورِ إلَّا إذَا كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِ السَّامِعِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا مُخَالِفًا لِمَا مَرَّ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ هُنَاكَ فِي الدِّيَانَاتِ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ قَدْ اُعْتُبِرَ هَاهُنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ أَيْضًا، وَقَدْ تَنَبَّهْ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لِوُرُودِ هَذَا الْإِشْكَالِ فَذَكَرَ إجْمَالَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَجَابَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَبُولُ خَبَرِهِ مُتَوَقِّفًا عَلَى حُصُولِ أَكْبَرِ الرَّأْيِ لَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَ الْمُعَامَلَاتِ وَالدِّيَانَاتِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ أَيْضًا بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ عَلَى مَا مَرَّ. وَجَوَابُهُ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ إنَّمَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ إذَا حَصَلَ بَعْدَ التَّحَرِّي، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ التَّحَرِّي فَتَأَمَّلْ انْتَهَى.
أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِ التَّحَرِّي، إذْ التَّحَرِّي طَلَبُ مَا هُوَ أَحْرَى الْأَمْرَيْنِ فِي غَالِبِ الظَّنِّ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ كُتُبِ اللُّغَةِ، فَمَا لَمْ يُطْلَبْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُتَوَجَّهْ إلَيْهِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ حُصُولُ أَكْبَرِ الرَّأْيِ فَلَا مَعْنًى لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّحَرِّي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ أَكْبَرِ الرَّأْيِ فِيهِ، وَإِنَّمَا اعْتِبَارُ أَكْبَرِ الرَّأْيِ فِيهِ اعْتِبَارُ التَّحَرِّي بِعَيْنِهِ، وَعَنْ هَذَا وَقَعَ التَّعْبِيرُ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ بِلَفْظِ التَّحَرِّي بَدَلَ أَكْبَرِ الرَّأْيِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْجَارِيَةُ فَاسِقًا لَا تَثْبُتُ إبَاحَةُ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ بِنَفْسِ الْخَبَرِ بَلْ يُتَحَرَّى فِي ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ حَلَّ لَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ، وَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ
[ ١٠ / ٥٥ ]
وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَمْ يَسَعْ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ يُقَامُ مَقَامَ الْيَقِينِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لِفُلَانٍ، وَلَكِنْ أَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا لِفُلَانٍ، وَأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَالْمُخْبِرُ ثِقَةٌ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ إخْبَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ صَاحِبُ الْيَدِ بِشَيْءٍ.
فَإِنْ كَانَ عَرَّفَهَا لِلْأَوَّلِ لَمْ يَشْتَرِهَا حَتَّى يَعْلَمَ انْتِقَالَهَا إلَى مِلْكِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ دَلِيلُ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ فَاسِقًا؛ لِأَنَّ يَدَ الْفَاسِقِ دَلِيلُ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الْفَاسِقِ وَالْعَدْلِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ عِنْدَ وُجُودِ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَا يَمْلِكُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَزَّهَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا يُرْجَى أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ لِاعْتِمَادِهِ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَتَاهُ بِهَا عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَمْ يَقْبَلْهَا وَلَمْ يَشْتَرِهَا حَتَّى يَسْأَلَ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا مِلْكَ لَهُ فَيَعْلَمُ أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَوْلَاهُ
لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ يَبْقَى مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ كَمَا فِي الدِّيَانَاتِ انْتَهَى.
ثُمَّ أَقُولُ: الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْكِتَابِ بَلْ يَتَّجِهُ إلَى غَيْرِهِ أَيْضًا. وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي التَّلْوِيحِ: ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ إخْبَارَ غَيْرِ الْعَدْلِ يُقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ التَّحَرِّي وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّحَرِّي وَمُحَمَّدٌ ﵀ ذَكَرَ الْقَيْدَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَالَ فِي التَّوْجِيهِ: فَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَيُشْتَرَطُ التَّحَرِّي، وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُشْتَرَطُ رُخْصَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرْت فِيمَا مَرَّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ بَعْدَ نَقْلِ هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ عَنْ التَّلْوِيحِ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدِي مِنْ بَيْنِهَا هُوَ التَّوْجِيهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَاسِمُ لِمَادَّةِ الْإِشْكَالِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْمُعَامَلَاتِ وَالدِّيَانَاتِ، إذًا لَا رُخْصَةَ فِي الدِّيَانَاتِ بِدُونِ التَّحَرِّي، وَالْآنَ أَيْضًا أَقُولُ كَذَلِكَ، فَيَحْصُلُ بِهِ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَقَامَيْنِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ يُقَامُ مَقَامَ الْيَقِينِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: يَعْنِي فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا كَالْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ إنْسَانٌ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَسِعَهُ أَنْ يَطَأَهَا إذَا كَانَ ثِقَةً عِنْدَهُ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَكَذَا إذَا دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى غَيْرِهِ لَيْلًا شَاهِرًا سَيْفَهُ فَلِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ أَنْ يَقْتُلَهُ إذَا كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لِصٌّ قَصَدَ قَتْلَهُ وَأَخْذَ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ لِصٍّ لَمْ يُعَجِّلْ بِقَتْلِهِ انْتَهَى.
وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ: لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ يُقَامُ مَقَامَ الْيَقِينِ: أَيْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ حَتَّى يَجِبَ بِهِ شَيْءٌ كَالتَّوَجُّهِ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي، وَيَحْرُمَ بِهِ شَيْءٌ كَالصَّلَاةِ إذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَخْبَرَ بِنَجَاسَتِهِ غَيْرُ ثِقَةٍ، وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فَيُجْعَلُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ دَلِيلًا شَرْعِيًّا أَيْضًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَلْ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ كَالْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ. وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: مَنْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ يُقَامُ مَقَامَ الْيَقِينِ: يَعْنِي فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ كَالْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ فَقَدْ سَهَا انْتَهَى. أَقُولُ: نِسْبَةُ السَّهْوِ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَذْكُورِ سَهْوٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّهُ سَلَكَ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَذْكُورِ مَسْلَكَ الدَّلَالَةِ وَإِثْبَاتِ
[ ١٠ / ٥٦ ]
أَذِنَ لَهُ وَهُوَ ثِقَةٌ قُبِلَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ لَمْ يَشْتَرِهَا لِقِيَامِ الْحَاجِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ.
قَالَ (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَخْبَرَهَا ثِقَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا الْغَائِبَ مَاتَ عَنْهَا، أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ وَأَتَاهَا بِكِتَابٍ مِنْ زَوْجِهَا بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَدْرِي أَنَّهُ كِتَابُهُ أَمْ لَا. إلَّا أَنَّ أَكْبَرَ رَأْيِهَا أَنَّهُ حَقٌّ) يَعْنِي بَعْدَ التَّحَرِّي (فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَعْتَدَّ ثُمَّ تَتَزَوَّجَ)؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ طَارِئٌ وَلَا مُنَازِعَ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ لِرَجُلٍ طَلَّقَنِي زَوْجِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَكَذَا إذَا قَالَتْ الْمُطَلَّقَةُ الثَّلَاثَ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَزَوَّجْت بِزَوْجٍ آخَرَ، وَدَخَلَ بِي ثُمَّ طَلَّقَنِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ جَارِيَةٌ كُنْت أَمَةَ فُلَانٍ فَأَعْتَقَنِي؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ طَارِئٌ. وَلَوْ أَخْبَرَهَا مُخْبِرٌ أَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ كَانَ فَاسِدًا أَوْ كَانَ الزَّوْجُ حِينَ تَزَوَّجَهَا مُرْتَدًّا أَوْ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ حَتَّى يَشْهَدَ بِذَلِكَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَكَذَا إذَا أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ أَنَّك تَزَوَّجْتهَا وَهِيَ مُرْتَدَّةٌ أَوْ أُخْتُك مِنْ الرَّضَاعَةِ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِأُخْتِهَا أَوْ أَرْبَعٍ سِوَاهَا حَتَّى يَشْهَدَ بِذَلِكَ عَدْلَانِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِفَسَادٍ مُقَارَنٍ، وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِنْكَارِ فَسَادِهِ فَثَبَتَ الْمُنَازَعُ بِالظَّاهِرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ صَغِيرَةً فَأَخْبَرَ الزَّوْجُ أَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ حَيْثُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ طَارِئٌ، وَالْإِقْدَامُ الْأَوَّلُ لَا يَدُلُّ عَلَى انْعِدَامِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمُنَازِعُ فَافْتَرَقَا، وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ يَدُورُ الْفَرْقُ. وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً صَغِيرَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهَا لَهُ فَلَمَّا كَبُرَتْ لَقِيَهَا رَجُلٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَقَالَتْ أَنَا حُرَّةُ الْأَصْلِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِتَحَقُّقِ الْمُنَازِعِ وَهُوَ ذُو الْيَدِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ (وَإِذَا بَاعَ الْمُسْلِمُ خَمْرًا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ نَصْرَانِيًّا فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَدْ بَطَلَ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهُ مِنْ الْبَائِعِ.
الْحُكْمِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فَإِنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ الضَّرْبِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَقُولُ ذَلِكَ الْقَائِلُ فِي شَأْنِ الْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ أَيْضًا قَالَ فِي الْأَصْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ مُجَوِّزٌ لِلْعَمَلِ فِيمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا كَالْفُرُوجِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، فَإِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ إنْسَانٌ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ إلَخْ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ أَيْضًا مِثْلُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي كَوْنِهِ مِنْ تِلْكَ الدَّلَالَةِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ، بَلْ ذَلِكَ مَأْخَذُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ: فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ الْأُمُورِ وَهُوَ الدِّمَاءُ وَالْفُرُوجُ جَازَ الْعَمَلُ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. مَعَ أَنَّ الْغَلَطَ إذَا وَقَعَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ أَوْلَى انْتَهَى.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقَاطِعَ طَارِئٌ وَالْإِقْدَامُ الْأَوَّلُ لَا يَدُلُّ عَلَى انْعِدَامِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمُنَازِعُ) اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إنْ قَبِلَ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي إفْسَادِ النِّكَاحِ بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَوَجْهٌ آخَرُ فِيهِ يُوجِبُ عَدَمَ الْقَبُولِ، وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ لِلزَّوْجِ فِيهَا ثَابِتٌ وَالْمِلْكُ الثَّابِتُ لِلْغَيْرِ لَا يَبْطُلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ
[ ١٠ / ٥٧ ]
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي صَحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ فَمَلَكَهُ الْبَائِعُ فَيَحِلُّ الْأَخْذُ مِنْهُ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ الِاحْتِكَارُ فِي أَقْوَاتِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ يَضُرُّ الِاحْتِكَارُ بِأَهْلِهِ وَكَذَلِكَ التَّلَقِّي. فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَامَّةِ، وَفِي الِامْتِنَاعِ عَنْ الْبَيْعِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ وَتَضْيِيقُ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ فَيُكْرَهُ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ الْبَلْدَةُ صَغِيرَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِأَنْ كَانَ الْمِصْرُ كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ حَابِسٌ مِلْكَهُ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ التَّلَقِّي عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ وَعَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ». قَالُوا هَذَا إذَا لَمْ يُلَبِّسْ الْمُتَلَقِّي عَلَى التُّجَّارِ سِعْرَ الْبَلْدَةِ. فَإِنْ لَبَّسَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَادِرٌ بِهِمْ.
وَتَخْصِيصُ الِاحْتِكَارِ بِالْأَقْوَاتِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتِّبْنِ وَالْقَتِّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ كُلُّ مَا أَضَرَّ بِالْعَامَّةِ حَبْسُهُ فَهُوَ احْتِكَارٌ وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ ثَوْبًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: لَا احْتِكَارَ فِي الثِّيَابِ؛ فَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ الضَّرَرِ إذْ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْكَرَاهَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ الضَّرَرَ الْمَعْهُودَ الْمُتَعَارَفَ. ثُمَّ الْمُدَّةُ إذَا قَصُرَتْ لَا يَكُونُ احْتِكَارًا لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وَإِذَا طَالَتْ يَكُونُ احْتِكَارًا مَكْرُوهًا لِتَحَقُّقِ الضَّرَرِ. ثُمَّ قِيلَ: هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ» وَقِيلَ بِالشَّهْرِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ قَلِيلٌ عَاجِلٌ، وَالشَّهْرُ وَمَا فَوْقَهُ كَثِيرٌ آجِلٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَيَقَعُ التَّفَاوُتُ فِي الْمَأْثَمِ بَيْنَ أَنْ يَتَرَبَّصَ الْعِزَّةَ وَبَيْنَ أَنْ يَتَرَبَّصَ الْقَحْطَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَقِيلَ الْمُدَّةُ لِلْمُعَاقَبَةِ فِي الدُّنْيَا إمَّا يَأْثَمُ وَإِنْ قَلَّتْ الْمُدَّةُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّجَارَةَ فِي الطَّعَامِ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ.
قَالَ (وَمَنْ احْتَكَرَ غَلَّةَ ضَيْعَتِهِ أَوْ مَا جَلَبَهُ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ فَلَيْسَ بِمُحْتَكَرٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْعَامَّةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَزْرَعَ فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَامَّةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا جُمِعَ فِي الْمِصْرِ وَجُلِبَ إلَى فِنَائِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ
ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ وَمِلْكُ الزَّوْجِ فِيهَا فِي الْحَالِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ بَلْ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ أَقْوَى مِنْ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ: وَالْجَوَابُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ فِي فَصْلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ بَابِ الدِّيَانَاتِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِمَا إذَا لَمْ تَتَضَمَّنْ الْحُرْمَةُ زَوَالَ الْمِلْكِ، كَمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ عَدْلٌ بِحِلِّ طَعَامٍ فَيُؤْكَلُ أَوْ حُرْمَتِهِ فَلَا يُؤْكَلُ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تُنَافِي الْمِلْكَ.
وَأَمَّا إذَا تَضَمَّنَتْ زَوَالَ الْمِلْكِ فَلَا يُقْبَلُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، كَمَا إذَا أَخْبَرَ عَدْلٌ لِلزَّوْجَيْنِ أَنَّهُمَا ارْتَضَعَا مِنْ فُلَانَةَ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ لَا تُتَصَوَّرُ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ فَاضْمَحَلَّ الْجَوَابُ وَبَقِيَ الْإِشْكَالُ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: بَحْثُهُ سَاقِطٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي فَصْلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ هُوَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ يُقْبَلُ فِي بَابِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ زَوَالَ الْمِلْكِ. وَأَمَّا إذَا تَضَمَّنَ زَوَالَهُ فَلَا يُقْبَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بُطْلَانَ الْمِلْكِ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ كَلَامٌ مُجْمَلٌ لَمْ يُفَصِّلْ فِيهِ أَنَّهُ إذَا تَضَمَّنَ زَوَالَ الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لَمْ يُقْبَلْ، وَأَمَّا إذَا تَضَمَّنَ زَوَالَ الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَيُقْبَلُ.
فَنَشَأَ الِاعْتِرَاضُ هَاهُنَا نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ إجْمَالِ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ زَوَالِ الْمِلْكِ هُنَاكَ زَوَالُ الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لَا زَوَالُهُ وَلَوْ كَانَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ أَقْوَى مِنْ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِكَوْنِ الِاسْتِصْحَابِ حُجَّةً دَافِعَةً لَا مُثَبِّتَةً أَصْلًا، بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَانَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا تَفْصِيلًا لِلْإِجْمَاعِ الْوَاقِعِ هُنَاكَ فِي الظَّاهِرِ
[ ١٠ / ٥٨ ]
مَا يُجْلَبُ مِنْهُ إلَى الْمِصْرِ فِي الْغَالِبِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ فِنَاءِ الْمِصْرِ يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ فِيهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَامَّةِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْبَلَدُ بَعِيدًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالْحَمْلِ مِنْهُ إلَى الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْعَامَّةِ.
قَالَ (وَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُسَعِّرُوا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ» وَلِأَنَّ الثَّمَنَ حَقُّ الْعَاقِدِ فَإِلَيْهِ تَقْدِيرُهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِحَقِّهِ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ دَفْعُ ضَرَرِ الْعَامَّةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ. وَإِذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي هَذَا الْأَمْرُ يَأْمُرُ الْمُحْتَكِرَ بِبَيْعِ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ أَهْلِهِ عَلَى اعْتِبَارِ السَّعَةِ فِي ذَلِكَ وَيَنْهَاهُ عَنْ الِاحْتِكَارِ، فَإِنْ رُفِعَ إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى حَبَسَهُ وَعَزَّرَهُ عَلَى مَا يَرَى زَجْرًا لَهُ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ أَرْبَابُ الطَّعَامِ يَتَحَكَّمُونَ وَيَتَعَدَّوْنَ عَنْ الْقِيمَةِ تَعَدِّيًا فَاحِشًا، وَعَجَزَ الْقَاضِي عَنْ صِيَانَةِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِالتَّسْعِيرِ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِهِ بِمَشُورَةٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْبَصِيرَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَتَعَدَّى رَجُلٌ عَنْ ذَلِكَ وَبَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أَجَازَهُ الْقَاضِي، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحَجْرَ عَلَى الْحُرِّ وَكَذَا عِنْدَهُمَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَجْرُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ بِمَا قَدَّرَهُ الْإِمَامُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَى الْبَيْعِ، هَلْ يَبِيعُ الْقَاضِي عَلَى الْمُحْتَكِرِ طَعَامَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ. قِيلَ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي عُرِفَ فِي بَيْعِ مَالِ الْمَدْيُونِ، وَقِيلَ يَبِيعُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى الْحَجْرَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ، وَهَذَا كَذَلِكَ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ) مَعْنَاهُ مِمَّنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ؛ لِأَنَّهُ تَسْبِيبٌ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السِّيَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْفِتْنَةِ فَلَا يُكْرَهُ بِالشَّكِّ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا)؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُقَامُ بِعَيْنِهِ بَلْ بَعْدَ تَغْيِيرِهِ، بِخِلَافِ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ.
قَالَ (وَمَنْ أَجَّرَ بَيْتًا لِيُتَّخَذَ فِيهِ بَيْتُ نَارٍ أَوْ كَنِيسَةٌ أَوْ بِيعَةٌ أَوْ يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ بِالسَّوَادِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرِيَهُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَلَهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ، وَلِهَذَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ، وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ فَقَطَعَ نِسْبَتَهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالسَّوَادِ لِأَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ اتِّخَاذِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَإِظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ
فَكَانَ جَوَابًا شَافِيًا قَدْ اضْمَحَلَّ بِهِ الْإِشْكَالُ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْفِتْنَةِ فَلَا يُكْرَهُ بِالشَّكِّ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْفِتْنَةِ وَلَوْ احْتِمَالًا ضَعِيفًا فَلَا يُكْرَهُ بِالشَّكِّ لِوُجُودِ هَذَا الِاحْتِمَالِ فَلَيْسَ الشَّكُّ عَلَى مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَرْحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ احْتِمَالِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْفِتْنَةِ ضَعِيفًا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَأُمُورُ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصَّلَاحِ وَالِاسْتِقَامَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْغَايَةِ وَغَيْرُهُ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ احْتِمَالُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْفِتْنَةِ أَقْوَى وَأَرْجَحَ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِاحْتِمَالِ خِلَافِهِ، فَالشَّكُّ عَلَى مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَلَوْ كَانَ احْتِمَالُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْفِتْنَةِ ضَعِيفًا مَرْجُوحًا كَانَ احْتِمَالُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْفِتْنَةِ قَوِيًّا رَاجِحًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ السِّلَاحُ مِنْ مِثْلِهِ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ مَكْرُوهًا. وَجَوَابُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى خِلَافِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ لَا وَجْهَ لِلشَّرْحِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ، وَلِهَذَا يَجِبُ الْأَجْرُ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ، وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ فَقَطَعَ نِسْبَتَهُ عَنْهُ) أَقُولُ: يُنْتَقَضُ هَذَا التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانَ وَسَائِرِ
[ ١٠ / ٥٩ ]
فِي الْأَمْصَارِ لِظُهُورِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِيهَا. بِخِلَافِ السَّوَادِ. قَالُوا: هَذَا كَانَ فِي سَوَادِ الْكُوفَةِ، لِأَنَّ غَالِبَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ.
فَأَمَّا فِي سَوَادِنَا فَأَعْلَامُ الْإِسْلَامِ فِيهَا ظَاهِرَةٌ فَلَا يُمَكَّنُونَ فِيهَا أَيْضًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قَالَ (وَمَنْ حَمَلَ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ صَحَّ " أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشْرًا حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَ إلَيْهِ " لَهُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي شُرْبِهَا وَهُوَ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَلَيْسَ الشِّرْبُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحَمْلِ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَمْلِ الْمَقْرُونِ بِقَصْدِ الْمَعْصِيَةِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ أَرْضِهَا) وَهَذَا عِنْدَ
الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ خِلَافٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا.
مِنْهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ مِنْ الْمُسْلِمِ بِيعَةً لِيُصَلِّيَ فِيهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ. لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِيُصَلِّيَ فِيهَا، وَصَلَاةُ الذِّمِّيِّ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَطَاعَةٌ فِي زَعْمِهِ، وَأَيُّ ذَلِكَ اعْتَبَرْنَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى مَا هُوَ طَاعَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ لَا تَجُوزُ انْتَهَى. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ الْمُسْلِمُ مِنْ الْمُسْلِمِ بَيْتًا لِيَجْعَلَهُ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ أَوْ النَّافِلَةَ. فَإِنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجُوزُ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَهَذَا لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى مَا هُوَ طَاعَةٌ، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الدَّارِ لِيُصَلِّيَ فِيهَا طَاعَةٌ، وَمِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى مَا هُوَ طَاعَةٌ لَا تَجُوزُ وَعِنْدَهُ تَجُوزُ، وَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِلْأَذَانِ أَوْ الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ فَكَذَلِكَ هَذَا انْتَهَى.
وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ بَيْتًا يُصَلِّي فِيهِ لَا يَجُوزُ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ: لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ طَاعَةٌ عِنْدَهُمْ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ لَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ انْتَهَى.
إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَتِنَا يَقْتَضِي أَنْ لَا تَبْطُلَ الْإِجَارَةُ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا تَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ وَلِهَذَا يَجِبُ الْأَجْرُ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ، وَمَنْفَعَةُ الْبَيْتِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ. فَقَطَعَ نِسْبَةَ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَنْ الْمُؤَجِّرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ فِيهَا أَيْضًا عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَرَفْت. فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْإِجَارَةَ وَإِنْ وَرَدَتْ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ إلَّا أَنَّ لِجَعْلِ مَنْفَعَتِهِ حِينَ الْعَقْدِ لِأَجْلِ الطَّاعَةِ أَوْ الْمَعْصِيَةِ تَأْثِيرًا فِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ. قُلْت: فَلْيَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ مُشْكِلٌ جِدًّا فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ: إذَا اسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ مِنْ الْمُسْلِمِ دَارًا لِيَسْكُنَهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ عَلَى أَمْرٍ مُبَاحٍ فَجَازَتْ. وَإِنْ شَرِبَ فِيهَا الْخَمْرَ أَوْ عَبَدَ فِيهَا الصَّلِيبَ أَوْ أَدْخَلَ فِيهَا الْخَنَازِيرَ لَمْ يَلْحَقْ الْمُسْلِمَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَمْ يُؤَاجِرْهَا لَهَا إنَّمَا أَجَّرَ لِلسُّكْنَى فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ دَارًا مِنْ فَاسِقٍ كَانَ مُبَاحًا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعْصِي فِيهَا، وَلَوْ اتَّخَذَ فِيهَا بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي السَّوَادِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَأَرَادَ بِهَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا الذِّمِّيُّ لِيَسْكُنَهَا، ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَّخِذَ كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً فِيهَا، فَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهَا فِي الِابْتِدَاءِ لِيَتَّخِذَهَا بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً لَا يَجُوزُ إلَى هُنَا لَفْظُ الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ. قَالَ: بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِ الْمُحِيطِ: وَلَا خَفَاءَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّنَافِي. أَقُولُ: إنَّ التَّنَافِيَ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعٌ. إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءُ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهَا فِي الِابْتِدَاءِ لِيَتَّخِذَهَا بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِكَوْنِ مُخْتَارِ نَفْسِهِ قَوْلَهُمَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا. أَنْ لَوْ قَالَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ قَالَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَلَيْسَ فَلَيْسَ. وَذِكْرُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ بِدُونِ بَيَانِ الْخِلَافِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي كَلَامِ الثِّقَاتِ. وَعَنْ هَذَا نَرَى كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ يَذْكُرُونَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ بِدُونِ بَيَانِ الْخِلَافِ. ثُمَّ الشُّرَّاحُ يُبَيِّنُونَ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُرَادُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ الْمَزْبُورَ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ صَرَّحَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ تُؤَاجِرَ بَيْتَك لِيُتَّخَذَ فِيهِ بَيْتُ نَارٍ أَوْ كَنِيسَةٌ أَوْ بِيعَةٌ أَوْ يُبَاعُ الْخَمْرُ فِيهِ بِالسَّوَادِ. وَهَلْ يَلِيقُ بِمِثْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: ثُمَّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إجَارَةَ الْبَيْتِ لِيُبَاعَ فِيهِ الْخَمْرُ مَعَ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً إنَّمَا صَحَّتْ
[ ١٠ / ٦٠ ]
أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ أَرْضِهَا أَيْضًا. وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ لِظُهُورِ الِاخْتِصَاصِ الشَّرْعِيِّ بِهَا فَصَارَ كَالْبِنَاءِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُورَثُ» وَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ مُحْتَرَمَةٌ لِأَنَّهَا فِنَاءُ الْكَعْبَةِ. وَقَدْ ظَهَرَ آيَةُ أَثَرِ التَّعْظِيمِ فِيهَا حَتَّى لَا يُنَفَّرَ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، فَكَذَا فِي حَقِّ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ مِلْكِ الْبَانِي. وَيُكْرَهُ إجَارَتُهَا أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ آجَرَ أَرْضَ مَكَّةَ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ الرِّبَا» وَلِأَنَّ أَرَاضِيَ مَكَّةَ تُسَمَّى السَّوَائِبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا سَكَنَهَا وَمَنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا أُسْكِنَ غَيْرَهُ
(وَمَنْ وَضَعَ دِرْهَمًا عِنْدَ بَقَّالٍ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ قَرْضًا جَرَّ بِهِ نَفْعًا، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا شَاءَ حَالًّا فَحَالًّا. «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ عَنْ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا»، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَوْدِعَهُ ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا شَاءَ جُزْءًا فَجُزْءًا؛ لِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ وَلَيْسَ بِقَرْضٍ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا شَيْءَ عَلَى الْآخِذِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِتَخَلُّلِ فِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ. وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ بِأَنَّ صِحَّتَهَا لِعَدَمِ كَوْنِ بَيْعِ الْخَمْرِ مَعْصِيَةً لِلذِّمِّيِّ كَشُرْبِهِ، لِأَنَّ خِطَابَ التَّحْرِيمِ غَيْرُ نَازِلٍ فِي حَقِّهِ، وَلَا خَفَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا مِنْ التَّنَافِي انْتَهَى. أَقُولُ: كَوْنُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرَهُ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ خَارِجًا مَخْرَجَ التَّغْلِيبِ. فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ صُوَرًا: إيجَارُ الْبَيْتِ لَأَنْ يُتَّخَذَ فِيهِ بَيْتُ نَارٍ وَإِيجَارُهُ لَأَنْ يُتَّخَذَ فِيهِ كَنِيسَةٌ، وَإِيجَارُهُ لَأَنْ يُتَّخَذَ فِيهِ بِيعَةٌ. وَإِيجَارُهُ لَأَنْ يُبَاعَ فِيهِ الْخَمْرُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّخَاذَ بَيْتِ النَّارِ وَاِتِّخَاذَ الْكَنِيسَةِ وَاِتِّخَاذَ الْبِيعَةِ مَعْصِيَةٌ لِلذِّمِّيِّ أَيْضًا لِكَوْنِ الْكُفَّارِ مُخَاطَبِينَ بِالْإِيمَانِ بِلَا خِلَافٍ.
وَاِتِّخَاذُ تِلْكَ الْأُمُورِ يُنَافِي الْإِيمَانَ فَكَانَتْ مَعْصِيَةً قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْعُ الْخَمْرِ مَعْصِيَةً لِلْكَافِرِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ خِطَابَ التَّحْرِيمِ غَيْرُ نَازِلٍ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ الْأُولَى مُغَلَّبَةً عَلَى صُورَةِ بَيْعِ الْخَمْرِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ قَطْعًا فَقَطَعَ نِسْبَتَهُ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ فِي صُورَةِ اتِّخَاذِ الْمَعْصِيَةِ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ فَقَطَعَ نِسْبَةَ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَنْ الْمُؤَجِّرِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ صُورَةِ اتِّخَاذِ الْمَعْصِيَةِ وَهِيَ صُورَةُ بَيْعِ الذِّمِّيِّ الْخَمْرَ فَالْأَمْرُ بَيِّنٌ، فَحِينَئِذٍ لَا يَتَحَقَّقُ التَّنَافِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ إنَّهُ لَوْ سَلِمَ دَلَالَةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى كَوْنِ بَيْعِ الْخَمْرِ أَيْضًا مَعْصِيَةً لِلذِّمِّيِّ فَلَا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي نُزُولِ خِطَابِ التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ قَوْلَيْنِ مِنْ مَشَايِخِنَا، فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ غَيْرُ نَازِلٍ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ نَازِلٌ كَمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي فَصْلِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَمَبْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَلِكُلٍّ وَجِهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا
(قَوْلُهُ وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ أَرْضِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ لِظُهُورِ الِاخْتِصَاصِ الشَّرْعِيِّ بِهَا فَصَارَ كَالْبِنَاءِ) قَالَ فِي الْكَافِي بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا التَّعْلِيلِ: وَقَوْلُهُ ﵊ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَقَارَ مَكَّةَ عُرْضَةٌ لِلتَّمْلِيكِ انْتَهَى.
وَأَصْلُ هَذَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا مَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِإِسْنَادِهِ إلَى «أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ فِي دَارِك بِمَكَّةَ؟ قَالَ ﵊: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ» وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنَ الْكَافِرُ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَرْضَ مَكَّةَ تُمْلَكُ وَتُورَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِيهَا مِيرَاثَ عَقِيلٍ وَطَالِبٍ مِمَّا تَرَكَ أَبُو طَالِبٍ فِيهَا مِنْ رِبَاعٍ وَدُورٍ انْتَهَى.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا فِي الْكَافِي وَأَصْلِهِ الْمَزْبُورِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ قَالَ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى مِيرَاثِ الْأَرْضِ قَطْعًا لِاحْتِمَالِ
[ ١٠ / ٦١ ]
(مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ)
قَالَ (وَيُكْرَهُ التَّعْشِيرُ وَالنَّقْطُ فِي الْمُصْحَفِ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: جَرِّدُوا الْقُرْآنَ. وَيُرْوَى: جَرِّدُوا الْمَصَاحِفَ. وَفِي التَّعْشِيرِ وَالنَّقْطِ تَرْكُ التَّجْرِيدِ. وَلِأَنَّ التَّعْشِيرَ يُخِلُّ بِحِفْظِ الْآيِ وَالنَّقْطُ بِحِفْظِ الْإِعْرَابِ اتِّكَالًا عَلَيْهِ فَيُكْرَهُ. قَالُوا: فِي زَمَانِنَا لَا بُدَّ لِلْعَجَمِ مِنْ دَلَالَةٍ. فَتَرْكُ ذَلِكَ إخْلَالٌ بِالْحِفْظِ وَهِجْرَانٌ لِلْقُرْآنِ فَيَكُونُ حَسَنًا قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِتَحْلِيَةِ الْمُصْحَفَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ. وَصَارَ كَنَقْشِ الْمَسْجِدِ وَتَزْيِينِهِ بِمَاءِ الذَّهَبِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْخُلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ ذَلِكَ: وَقَالَ
جَرَيَانِ الْإِرْثِ عَلَى الْأَبْنِيَةِ دُونَ الْأَرَاضِيِ؛ أَلَّا يَرَى إلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا لَوْ كَانَتْ الْأَرَاضِي مَوْقُوفَةً وَالْأَبْنِيَةُ عَلَيْهَا مَمْلُوكَةً اهـ.
أَقُولُ: بَلْ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ يَدُلُّ عَلَى مِيرَاثِ الْأَرْضِ أَيْضًا قَطْعًا. إذْ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ» وَالرِّبَاعُ جَمْعُ رَبْعٍ وَهُوَ الدَّارُ بِعَيْنِهَا حَيْثُ كَانَتْ وَالْمَحَلَّةُ وَالْمَنْزِلُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ الدَّارِ وَالْمَحَلَّةِ وَالْمَنْزِلِ اسْمٌ لِمَا يَشْمَلُ الْبِنَاءَ وَالْعَرْصَةَ الَّتِي هِيَ الْأَرْضُ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا مِنْ الْبِنَاءِ وَالْأَرْضِ» وَإِذَا كَانَ وَجْهُ عَدَمِ تَرْكِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ اسْتِيلَاءٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ بِالْإِرْثِ مِنْ أَبِي طَالِبٍ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ دَلَّ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ قَطْعًا عَلَى مِيرَاثِ الْأَرْضِ أَيْضًا، إنَّمَا لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَوْ كَانَ لَفْظُ الْحَدِيثِ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ بُيُوتٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَرَى، بَلْ لَا مَجَالَ أَصْلًا لَأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، إذَا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَمَّ جَوَابًا عَنْ «قَوْلِ أُسَامَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ فِي دَارِك بِمَكَّةَ»، فَإِنَّ عَدَمَ تَرْكِ عَقِيلٍ بَيْتًا بِاسْتِيلَائِهِ عَلَى الْأَبْنِيَةِ وَحْدَهَا لَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَرْكِهِ أَرْضًا أَيْضًا حَتَّى لَا يُمْكِنَ النُّزُولُ فِي عَرْصَةِ دَارِهِ أَيْضًا، وَهَذَا مَعَ وُضُوحِهِ كَيْفَ خَفِيَ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضُ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَالَ فِي حَاشِيَةِ كِتَابِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: الرِّبَاعُ جَمْعُ رَبْعٍ وَهُوَ الدَّارُ بِعَيْنِهَا وَالْمَحَلَّةُ وَالْمَنْزِلُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى مِيرَاثِ الْأَرْضِ قَطْعًا لِاحْتِمَالِ جَرَيَانِ الْإِرْثِ عَلَى الْأَبْنِيَةِ دُونَ الْأَرَاضِيِ، وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ كَيْفَ يَتِمُّ جَوَابُ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ» وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
(مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ)
(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِتَحْلِيَةٍ الْمُصْحَفِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ، وَصَارَ كَنَقْشِ الْمَسْجِدِ وَتَزْيِينِهِ بِمَاءِ الذَّهَبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) قَالَ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: يَعْنِي فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَقَدْ سَبَقَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي التَّفْسِيرِ بِهَذَا الْوَجْهِ. أَقُولُ: هَذَا سَهْوٌ مِنْ الشَّارِحَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا، بَلْ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي فَصْلٍ أَوَّلُهُ: وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْفَرْجِ فِي الْخَلَاءِ يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى مَحَلِّهِ
[ ١٠ / ٦٢ ]
مَالِكٌ: يُكْرَهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ. لِلشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَخْلُو عَنْ جَنَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ اغْتِسَالًا يُخْرِجُهُ عَنْهَا، وَالْجُنُبُ يَجْنَبُ الْمَسْجِدَ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ مَالِكٌ، وَالتَّعْلِيلُ بِالنَّجَاسَةِ عَامٌّ فَيَنْتَظِمُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا. وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي مَسْجِدِهِ وَهُمْ كُفَّارٌ» وَلِأَنَّ الْخُبْثَ فِي اعْتِقَادِهِمْ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ. وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحُضُورِ اسْتِيلَاءً وَاسْتِعْلَاءً أَوْ طَائِفِينَ عُرَاةً كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ اسْتِخْدَامُ الْخُصْيَانِ)؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي اسْتِخْدَامِهِمْ حَثُّ النَّاسِ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ وَهُوَ مُثْلَةٌ مُحَرَّمَةٌ
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ الْبَهَائِمِ وَإِنْزَاءِ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ)؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ مَنْفَعَةٌ لِلْبَهِيمَةِ وَالنَّاسِ. وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَكِبَ الْبَغْلَةَ» فَلَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ حَرَامًا لَمَا رَكِبَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ فَتْحِ بَابِهِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ)؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ بِرٍّ
قَوْلُهُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي حِلِّ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مُدَّعَى الشَّافِعِيِّ: خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِالذِّكْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الدُّخُولِ خَاصٌّ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ " إنَّمَا " لِحَصْرِ الْحُكْمِ فِي الشَّيْءِ أَوْ لِحَصْرِ الشَّيْءِ فِي الْحُكْمِ كَقَوْلِنَا إنَّمَا الطَّبِيبُ زَيْدٌ، وَإِنَّمَا زَيْدٌ طَبِيبٌ اهـ.
أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ إنَّمَا لِحَصْرِ الْحُكْمِ فِي الشَّيْءِ أَوْ لِحَصْرِ الشَّيْءِ فِي الْحُكْمِ لَيْسَ بِكَلَامٍ مُفِيدٍ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ هَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَمْ لَا، لَا فِي أَنَّهُمْ نَجَسٌ أَمْ لَا، وَكَلِمَةُ إنَّمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هِيَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، لَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، فَتَأْثِيرُ الْحَصْرِ الَّذِي تُفِيدُهُ كَلِمَةُ إنَّمَا هُوَ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَلِمَةُ إنَّمَا لَا فِي الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَخْلُو عَنْ جَنَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ اغْتِسَالًا يُخْرِجُهُ عَنْهَا، وَالْجُنُبُ يَجْنَبُ الْمَسْجِدَ) أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَوْ تَمَّ لَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ الْكَافِرُ شَيْئًا مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ دُونَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الدَّلِيلُ مُلَائِمًا لِمَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُنَاسِبًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْخُبْثَ فِي اعْتِقَادِهِمْ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَحَقُّ التَّعْبِيرِ حَذْفُ حَرْفِ التَّعْلِيلِ لِيَكُونَ إشَارَةً إلَى دَفْعِ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ أَنْزَلَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَدْ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِمْ أَنْجَاسًا انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِشَيْءٍ، إذْ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ أَنْ يَكُونَ هَذَا دَلِيلًا آخَرَ عَقْلِيًّا لَنَا. فَإِنَّ الْخُبْثَ إذَا كَانَ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَا يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَكُونُ فِي دُخُولِهِمْ الْمَسْجِدَ بَأْسٌ لَا مَحَالَةَ، فَقَوْلُ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَلَا وَجْهَ لَهُ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَوْنُهُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عَلَى أُصُولِ الْمُدَّعَى لَا يُنَافِي أَنْ يَتَضَمَّنَ الْجَوَابَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ أَنْزَلَ النَّبِيُّ ﵊ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي مَسْجِدِهِ، وَهُمْ كُفَّارٌ وَقَدْ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِمْ نَجَسًا. كَمَا حَكَى «أَنَّهُ ﵊ لَمَّا أَنْزَلَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ وَضَرَبَ لَهُمْ خَيْمَةً، قَالَتْ الصَّحَابَةُ: قَوْمٌ أَنْجَاسٌ، فَقَالَ ﵊ لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَنْجَاسِهِمْ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا أَنْجَاسُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ» وَمِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجْعَلُ كَثِيرًا مَا عِلَّةَ النَّصِّ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عَقْلِيًّا عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إفَادَةً لِلْفَائِدَتَيْنِ مَعًا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ.
نَعَمْ يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَالتَّعْلِيلُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، فَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحُضُورِ اسْتِيلَاءً إلَى آخِرِهِ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ اسْتِخْدَامُ الْخُصْيَانِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَالْخُصْيَانُ بِضَمِّ الْخَاءِ جَمْعُ خَصِيٍّ كَالثُّنْيَانِ جَمْعُ ثَنِيٍّ، وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، أَقُولُ: مَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ
[ ١٠ / ٦٣ ]
فِي حَقِّهِمْ، وَمَا نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَادَ يَهُودِيًّا مَرِضَ بِجِوَارِهِ».
قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي دُعَائِهِ: أَسْأَلُك بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك) وَلِلْمَسْأَلَةِ عِبَارَتَانِ: هَذِهِ، وَمَقْعَدُ الْعِزِّ، وَلَا رَيْبَ فِي كَرَاهَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقُعُودِ، وَكَذَا الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ وَهُوَ مُحْدَثٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَدِيمٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ لِأَنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ النَّبِيِّ ﵊. رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك؛ وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِك، وَبِاسْمِك الْأَعْظَمِ وَجَدِّك الْأَعْلَى وَكَلِمَاتِك التَّامَّةِ» وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا خَبَرُ وَاحِدٍ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِامْتِنَاعِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي دُعَائِهِ بِحَقِّ فُلَانٍ أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك)؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَكُلِّ لَهْوٍ)؛ لِأَنَّهُ إنْ قَامَرَ بِهَا فَالْمَيْسِرُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ قِمَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُقَامِرْ فَهُوَ عَبَثٌ وَلَهْوٌ. وَقَالَ ﵊ «لَهْوُ الْمُؤْمِنِ بَاطِلٌ إلَّا الثَّلَاثَ: تَأْدِيبُهُ لِفَرَسِهِ، وَمُنَاضَلَتُهُ عَنْ قَوْسِهِ، وَمُلَاعَبَتُهُ مَعَ أَهْلِهِ» وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُبَاحُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ
فَإِنَّ الْمَضْبُوطَ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ جَمْعَ خَصِيٍّ هُوَ خُصْيَانٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَخُصْيَةٌ. قَالَ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ: وَالرَّجُلُ خَصِيٌّ وَالْجَمْعُ خُصْيَانٌ بِالْكَسْرِ وَخُصْيَةٌ انْتَهَى. وَأَمَّا كَوْنُ الْخُصْيَانِ بِالضَّمِّ جَمْعُ خَصِيٍّ فَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ قَطُّ
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ وَهُوَ مُحْدَثٌ. وَاَللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَدِيمٌ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ حُدُوثَ تَعَلُّقِ صِفَتِهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ حَادِثٍ لَا يُوجِبُ حُدُوثَ تِلْكَ الصِّفَةِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهَا عَلَى ذَلِكَ التَّعَلُّقِ، فَإِنَّ صِفَةَ الْعِزِّ الثَّابِتَةِ لَهُ تَعَالَى أَزَلًا وَأَبَدًا، وَعَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْعَرْشِ الْحَادِثِ مَثَلًا قَبْلَ خَلْقِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ عِزِّهِ وَلَا نُقْصَانًا فِيهِ، كَمَا أَنَّ عَدَمَ تَعَلُّقِ كَمَالِ قُدْرَتِهِ بِهَذَا الْعَالَمِ الْعَجِيبِ الصُّنْعِ قَبْلَ خَلْقِهِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ قُدْرَتِهِ أَوْ نَقْصًا فِيهِ. وَبِالْجُمْلَةِ التَّعَلُّقَاتُ الْحَادِثَةُ مَظَاهِرُ لِلصِّفَاتِ لَا مُبَادَ لَهَا، فَالْأَوْلَى فِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ وَأَنَّ عِزَّهُ حَادِثٌ، وَالْعِزُّ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ حَيْثُ جَعَلَ لُزُومَ كَوْنِ عِزِّهِ حَادِثًا دَاخِلًا فِي حَيِّزِ الْإِيهَامِ فَتَأَمَّلْ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: إنَّ صَاحِبَ الْكَافِي وَإِنْ جَعَلَ لُزُومَ كَوْنِ عِزِّهِ حَادِثًا دَاخِلًا فِي حَيِّزِ الْإِيهَامِ إلَّا أَنَّهُ عَلَّلَ إيهَامَ أَنَّ عِزَّهُ حَادِثٌ بِتَعَلُّقِهِ بِالْمُحْدَثِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ، وَأَنَّ عِزَّهُ حَادِثٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمُحْدَثِ، وَالْعِزُّ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهِ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهِ انْتَهَى.
فَكَانَ مَدَارُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي أَيْضًا لُزُومُ تَعَلُّقِ عِزِّهِ بِالْمُحْدَثِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي وُرُودِ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ، فَلَا مَعْنًى لِقَوْلِهِ فَالْأَوْلَى فِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ الْقَائِلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْكَافِي لِتَعَلُّقِهِ بِالْمُحْدَثِ فَكَوْنُ عِلَّةِ قَوْلِهِ: وَإِنَّ عِزَّهُ حَادِثٌ تَعَلُّقَهُ بِالْمُحْدَثِ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، إذْ لَا شَيْءَ يَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لَهُ سِوَاهُ، وَعَنْ هَذَا تَرَى كُلَّ مَنْ بَيَّنَ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ فِي الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ مِنْ مَشَايِخِنَا جَعَلَ الْمَدَارَ لُزُومَ تَعَلُّقِ عِزِّهِ بِالْحَادِثِ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَأَمَّا بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ، وَأَنَّ عِزَّهُ حَادِثٌ إذْ تَعَلَّقَ بِالْمُحْدَثِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنْ صِفَةِ الْحُدُوثِ انْتَهَى.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ، وَأَنَّ عِزَّهُ حَادِثٌ إذْ تَعَلَّقَ بِالْمُحْدَثِ وَاَللَّهُ تَعَالَى عَزِيزٌ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهِ وَلَا يُزَالُ مَوْصُوفًا بِهِ انْتَهَى. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَشَايِخِ الْعِظَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَمَّا أَوْرَدَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَا هَرَبُوا عَنْهُ هَاهُنَا لَيْسَ إيهَامُ مُطْلَقِ تَعَلُّقِ عِزِّهِ تَعَالَى بِالْمُحْدَثِ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ أَنَّ ظُهُورَ الْمُحْدَثَاتِ كُلِّهَا وَبُرُوزِهَا مِنْ كَتْمِ الْعَدَمِ إلَى دَائِرَةِ الْوُجُودِ
[ ١٠ / ٦٤ ]
لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْحِيذِ الْخَوَاطِرِ وَتَذْكِيَةِ الْأَفْهَامِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀. لَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي دَمِ الْخِنْزِيرِ» وَلِأَنَّهُ نَوْعُ لَعِبٍ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ فَيَكُونُ حَرَامًا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا أَلْهَاك عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ مَيْسِرٌ» ثُمَّ إنْ قَامَرَ بِهِ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُقَامِرْ لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ فِيهِ. وَكَرِهَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ التَّسْلِيمَ عَلَيْهِمْ تَحْذِيرًا لَهُمْ، وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِهِ بَأْسًا لِيَشْغَلَهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِقَبُولِ هَدِيَّةِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَاسْتِعَارَةُ دَابَّتِهِ. وَتُكْرَهُ كِسْوَتُهُ الثَّوْبَ وَهَدِيَّتُهُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ: كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ «أَنَّهُ ﵊ قَبِلَ هَدِيَّةَ سَلْمَانَ ﵁ حِينَ كَانَ عَبْدًا، وَقَبِلَ هَدِيَّةَ بَرِيرَةَ ﵂ وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً» وَأَجَابَ رَهْطٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ دَعْوَةَ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ وَكَانَ عَبْدًا، وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ضَرُورَةً لَا يَجِدُ التَّاجِرُ بُدًّا مِنْهَا، وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكِسْوَةِ وَإِهْدَاءِ الدَّرَاهِمِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
قَالَ (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ لَقِيطٌ لَا أَبَ لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْضُهُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ لَهُ) وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ التَّصَرُّفَ عَلَى الصِّغَارِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: نَوْعٌ هُوَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا مَنْ هُوَ وَلِيٌّ كَالْإِنْكَاحِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ لِأَمْوَالِ الْقُنْيَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ، وَنَوْعٌ آخَرُ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ حَالِ الصِّغَارِ وَهُوَ شِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ وَبَيْعُهُ وَإِجَارَةُ الْأَظْآرِ. وَذَلِكَ جَائِزٌ مِمَّنْ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْأُمِّ وَالْمُلْتَقِطُ إذَا كَانَ فِي حِجْرِهِمْ. وَإِذَا مَلَكَ هَؤُلَاءِ هَذَا النَّوْعَ فَالْوَلِيُّ أَوْلَى بِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِهِ، وَنَوْعٌ ثَالِثٌ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقَبْضِ، فَهَذَا يَمْلِكُهُ الْمُلْتَقِطُ وَالْأَخُ
بِحَسَبِ تَعَلُّقِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ بِذَلِكَ. وَالْحُدُوثُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّعَلُّقَاتِ دُونَ أَصْلِ الصِّفَاتِ، وَلَا نُقْصَانَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا بَلْ هُوَ كَمَالٌ مَحْضٌ لَا يَخْفَى، فَكَذَا الْحَالُ فِي صِفَةِ عِزِّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِمَا هَرَبُوا عَنْهُ إيهَامُ تَعَلُّقِ عِزِّهِ تَعَالَى بِالْمُحْدَثِ تَعَلُّقًا خَاصًّا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُحْدَثُ مَبْدَأً وَمَنْشَأً لِعِزِّهِ تَعَالَى كَمَا يُوهِمُهُ كَلِمَةُ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ " بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ " إذْ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْهَا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنْ تَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ مَعَانِي مِنْ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْمُحْدَثِ عَلَى الْوَجْهِ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي عِزِّهِ تَعَالَى وَلَا فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى أَصْلًا، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُرَادُهُمْ هَذَا وَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْفَى عَلَى أَسَاطِينِ الْفُقَهَاءِ مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ مِنْ جَوَازِ تَعَلُّقِ صِفَاتِ اللَّهِ بِالْمُحْدَثَاتِ تَعَلُّقَ إفَاضَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْدَثَاتِ كُلَّهَا مَظَاهِرُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا الْمُحَالُ تَعَلُّقُ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُحْدَثِ تَعَلُّقَ اسْتِفَاضَةٍ مِنْهُ فَهُوَ الْمَهْرُوبُ عَنْ إيهَامِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِلَا رَيْبٍ
(قَوْلُهُ قَالَ وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ لَقِيطٌ لَا أَبَ لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْضُهُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ لَهُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: اعْلَمْ
[ ١٠ / ٦٥ ]
وَالْعَمُّ وَالصَّبِيُّ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ، لِأَنَّ اللَّائِقَ بِالْحِكْمَةِ فَتْحُ بَابِ مِثْلِهِ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ فَيَمْلِكُ بِالْعَقْلِ وَالْوِلَايَةِ وَالْحِجْرِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْفَاقِ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُؤَاجِرَهُ، وَيَجُوزُ لِلْأُمِّ أَنْ تُؤَاجِرَ ابْنَهَا إذَا كَانَ فِي حِجْرِهَا وَلَا يَجُوزُ لِلْعَمِّ)؛ لِأَنَّ الْأُمَّ تَمْلِكُ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ بِاسْتِخْدَامٍ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ وَالْعَمُّ (وَلَوْ أَجَّرَ الصَّبِيُّ نَفْسَهُ لَا يَجُوزُ)؛ لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِالضَّرَرِ (إلَّا إذَا فَرَغَ مِنْ الْعَمَلِ)؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَمَحَّضَ نَفْعًا فَيَجِبُ الْمُسَمَّى وَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي عُنُقِ عَبْدِهِ الرَّايَةَ) وَيَرْوُونَ الدَّايَةَ، وَهُوَ طَوْقُ الْحَدِيدِ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُعْتَادٌ بَيْنَ الظَّلَمَةِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةُ أَهْلِ النَّارِ فَيُكْرَهُ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَيِّدَهُ) لِأَنَّهُ سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي السُّفَهَاءِ وَأَهْلِ الدَّعَارَةِ فَلَا يُكْرَهُ فِي الْعَبْدِ تَحَرُّزًا عَنْ إبَاقِهِ وَصِيَانَةً لِمَالِهِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالْحُقْنَةِ يُرِيدُ بِهِ التَّدَاوِيَ) لِأَنَّ التَّدَاوِيَ مُبَاحٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ وَرَدَ
أَنَّ قَوْلَهُ لَا أَبَ لَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَازِمٍ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي صَغِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ هِيَ عِنْدَهُ يَعُولُهَا وَلَهَا أَبٌ فَوَهَبَ لَهَا أَنَّهَا لَوْ قَبَضَتْ أَوْ قَبَضَ لَهَا أَبُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَلَمْ يَمْتَنِعْ صِحَّةُ قَبْضِ الزَّوْجِ لَهَا بِقِيَامِ الْأَبِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ نَفْعًا مَحْضًا كَانَ تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ فِي فَتْحِ بَابِ الْإِصَابَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ: مِنْ وَجْهِ الْوِلَايَةِ وَمِنْ وَجْهِ الْعَوْلِ وَالنَّفَقَةِ وَمِنْ وَجْهِ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، فَثَبَتَ أَنَّ عَدَمَ الْأَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، كَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ انْتَهَى. وَقَدْ أُطْبِقَتْ كَلِمَةُ سَائِرِ الشُّرَّاحِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْأَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ كُلُّهُمْ بِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَوْ كَانَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا يَعُولُهَا وَلَهَا أَبٌ فَقَبَضَ زَوْجُهَا الْهِبَةَ لَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكَوْنِهِ نَفْعًا مَحْضًا فَجَازَ قَبْضُ الْهِبَةِ لَهَا مَعَ قِيَامِ الْأَبِ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَيْ الْكِفَايَةِ وَالْعِنَايَةِ ذَكَرَاهُ بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنْ النِّهَايَةِ وَمَنْ عَدَاهُمَا ذَكَرُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ.
أَقُولُ: قَوْلُ الْكُلِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدِي، إذْ الثَّابِتُ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ إنَّمَا هُوَ أَنَّ عَدَمَ الْأَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي جَوَازِ قَبْضِ زَوْجِ الصَّغِيرَةِ الْهِبَةَ لَهَا إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ يَعُولُهَا، لَا أَنَّ عَدَمَ الْأَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيمَا نَحْنُ
[ ١٠ / ٦٦ ]
بِإِبَاحَتِهِ الْحَدِيثَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْمُحَرَّمُ كَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِشْفَاءَ بِالْمُحَرَّمِ حَرَامٌ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِرِزْقِ الْقَاضِي) «؛ لِأَنَّهُ ﵊ بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ إلَى مَكَّةَ وَفَرَضَ لَهُ، وَبَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ وَفَرَضَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِمْ وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ كَمَا فِي الْوَصِيِّ وَالْمُضَارِبِ إذَا سَافَرَ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَهَذَا فِيمَا يَكُونُ كِفَايَةً، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الطَّاعَةِ، إذْ الْقَضَاءُ طَاعَةٌ بَلْ هُوَ أَفْضَلُهَا، ثُمَّ الْقَاضِي إذَا كَانَ فَقِيرًا: فَالْأَفْضَلُ بَلْ الْوَاجِبُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةُ فَرْضِ الْقَضَاءِ إلَّا بِهِ، إذْ الِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ يُقْعِدُهُ عَنْ إقَامَتِهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَالْأَفْضَلُ الِامْتِنَاعُ عَلَى مَا قِيلَ رِفْقًا بِبَيْتِ الْمَالِ. وَقِيلَ الْأَخْذُ وَهُوَ الْأَصَحُّ صِيَانَةً لِلْقَضَاءِ عَنْ الْهَوَانِ وَنَظَرًا لِمَنْ يُوَلَّى بَعْدَهُ مِنْ الْمُحْتَاجِينَ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ زَمَانًا يَتَعَذَّرُ إعَادَتُهُ ثُمَّ تَسْمِيَتُهُ رِزْقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ، وَقَدْ جَرَى الرَّسْمُ بِإِعْطَائِهِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ يُؤْخَذُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَهُوَ يُعْطَى مِنْهُ، وَفِي زَمَانِنَا الْخَرَاجُ يُؤْخَذُ فِي آخَرِ السَّنَةِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْ الْخَرَاجِ خَرَاجُ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ اسْتَوْفَى رِزْقَ سَنَةٍ وَعُزِلَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا، قِيلَ هُوَ عَلَى اخْتِلَافٍ مَعْرُوفٍ فِي نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إذَا
فِيهِ، وَهُوَ جَوَازُ قَبْضِ الْمُلْتَقِطِ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ لِلَّقِيطِ الَّذِي فِي يَدِهِ لِتَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَ زَوْجِ الصَّغِيرَةِ وَسَائِرِ مَنْ يَعُولُهَا فِي جَوَازِ قَبْضِ الْهِبَةِ لَهَا عِنْدَ وُجُودِ الْأَبِ كَمَا مَرَّ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مُتَّصِلًا بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدُوا بِهَا حَيْثُ قَالَ: وَفِيمَا وُهِبَ لِلصَّغِيرَةِ يَجُوزُ قَبْضُ زَوْجِهَا لَهَا بَعْدَ الزِّفَافِ لِتَفْوِيضِ الْأَبِ أُمُورَهَا إلَيْهِ دَلَالَةً. بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الزِّفَافِ وَيَمْلِكُ مَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ، بِخِلَافِ الْأُمِّ وَكُلِّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرُهَا حَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا بِتَفْوِيضِ الْأَبِ وَمَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ لَا ضَرُورَةَ انْتَهَى تَأَمَّلْ تُرْشَدْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَقَوْلُهُ لَا أَبَ لَهُ: أَيْ لَا أَبَ لَهُ مَعْرُوفٌ لَا أَنْ لَا يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، وَهُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ فَإِنَّ اللَّقِيطَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِ مَوْلُودٌ طَرَحَهُ أَهْلُهُ فِي الطَّرِيقِ خَوْفًا مِنْ الْعَيْلَةِ أَوْ فِرَارًا مِنْ التُّهْمَةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ، فَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ لَا أَبَ لَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَازِمٍ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي صَغِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ هِيَ عِنْدَهُ يَعُولُهَا، وَلَهَا أَبٌ فَوَهَبَ لَهَا أَنَّهَا لَوْ قَبَضَتْ أَوْ قَبَضَ لَهَا أَبُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ صِحَّةُ قَبْضِ الزَّوْجِ لَهَا بِقِيَامِ الْأَبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي اللَّقِيطِ لَا فِي الصِّغَارِ مُطْلَقًا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا أَيْضًا بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ مَدَارَهُ الْغُفُولُ عَمَّا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ مِنْ أَنَّهُ إذَا ادَّعَاهُ مُدَّعٍ أَنَّهُ ابْنُهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ فَجَازَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ أَبٌ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ فَيَصِيرُ كَسَائِرِ الصِّغَارِ الَّذِينَ لَهُمْ أَبٌ فَيَتَمَشَّى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ جَوَازِ قَبْضِ الزَّوْجِ لَهُ بِقِيَامِ الْأَبِ فِيمَا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً مُزَوَّجَةً، وَكَانَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا يَعُولُهَا، فَلَا وَجْهَ لِنَفْيِ وَجْهِ مَا قَالَهُ صَاحِبُ
[ ١٠ / ٦٧ ]
مَاتَتْ فِي السَّنَةِ بَعْدَ اسْتِعْجَالِ نَفَقَةِ السَّنَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُسَافِرَ الْأَمَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ)؛ لِأَنَّ الْأَجَانِبَ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ وَالْمَسِّ بِمَنْزِلَةِ الْمَحَارِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ أَمَةٌ لِقِيَامِ الْمِلْكِ فِيهَا وَإِنْ امْتَنَعَ بَيْعُهَا.
النِّهَايَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي اللَّقِيطِ لَا فِي الصِّغَارِ مُطْلَقًا. وَلَا مَعْنًى لِحَمْلِ قَوْلِهِ لَا أَبَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى بَيَانِ الْوَاقِعِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا أَبَ لَهُ مَعْرُوفٌ لَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَبٌ فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ لَا أَبَ لَهُ مَعْرُوفٌ حِينَ الِالْتِقَاطِ فَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدًا مِنْ اللَّفْظِ جِدًّا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى التَّقْيِيدِ مَرَّتَيْنِ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ اللَّغْوِ مِنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَلِيقُ بِشَأْنِ الْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ مُحَمَّدٍ ذَلِكَ الْهُمَامُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ لَا مَعْرُوفٌ أَصْلًا: أَيْ لَا حِينَ الِالْتِقَاطِ وَلَا بَعْدَهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِلْوَاقِعِ، إذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّقِيطُ إلَّا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ بِأَنْ ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَشَاعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ فِي الشَّرْعِ كَمَا مَرَّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ يَحْتَاجُ ثُبُوتُ نَسَبِهِمْ إلَى دَعْوَةِ الْأَبِ كَمَا فِي الْمَوْلُودِ مِنْ أَمَتِهِ. فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ لَا أَبَ لَهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ مِنْ اللَّقِيطِ الَّذِي كَانَ لَهُ أَبٌ حَاضِرٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مِمَّنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِثْلُ ذَلِكَ اللَّقِيطِ أَنْ يَقْبِضَ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ لَهُ عَلَى مُوجِبِ مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ أَنَّ زَوْجَ الصَّغِيرَةِ يَمْلِكُ قَبْضَ الْهِبَةِ لَهَا بَعْدَ الزِّفَافِ مَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ لِتَفْوِيضِ الْأَبِ أُمُورَهَا إلَيْهِ دَلَالَةً.
بِخِلَافِ الْأُمِّ وَكُلِّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرُهَا حَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا بِتَفْوِيضِ الْأَبِ. وَمَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ لَا ضَرُورَةَ انْتَهَى.
إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ دَاخِلٌ فِي كُلِّيَّةِ قَوْلِهِ وَكُلُّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرُهَا، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَمْلِكَ قَبْضَ الْهِبَةِ لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ وَعَوْلُهُ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَبَصَّرْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.