(وَإِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ بَيْنَ وَرَثَةٍ فَأَخْرَجُوا أَحَدَهُمْ مِنْهَا بِمَالٍ أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ وَالتَّرِكَةُ عَقَارٌ أَوْ عُرُوضٌ جَازَ قَلِيلًا كَانَ مَا أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ أَوْ كَثِيرًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بَيْعًا. وَفِيهِ أَثَرُ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُ صَالَحَ تَمَاضُرَ الْأَشْجَعِيَّةَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ عَنْ رُبُعِ ثَمَنِهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ.
اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ، فَإِذَا شَارَكَهُ صَاحِبُهُ فِي النِّصْفِ رَجَعَ الْمُصَالِحُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَرِيمِ وَفِيهِ عَوْدُ الدَّيْنِ بَعْدَ سُقُوطِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَّلَ الدَّيْنِ، وَأَخْذُهُ يُؤْذِنُ بِتَقْرِيرِ الْمُبَدِّلِ لَا بِسُقُوطِهِ، بَلْ يَتَقَاصَّانِ وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا وَفِي السَّلَمِ يَكُونُ فَسْخًا وَالْمَفْسُوخُ لَا يَعُودُ بِدُونِ تَجْدِيدِ السَّبَبِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لِمُعْتَرِضٍ أَنْ يَعُودَ. وَيَقُولُ: هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ أَيْضًا فِيمَا إِذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا فَأَقَالَ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ، وَالْفَرْقُ الْمَزْبُورُ فِي الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ لَا يَتَمَشَّى فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَدْ ذَكَرَ فِي آخِرِ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَفْسُوخَ لَا يَعُودُ بِدُونِ تَجْدِيدِ السَّبَبِ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ السَّبَبُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ قَطْعًا، فَيَنْتَقِضُ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ بِهَا. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ جَرَيَانِ قَوْلِهِ: لَوْ جَازَ لَشَارَكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ، فِي صُورَةِ الْإِقَالَةِ فِي الْعَيْنِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِالرَّفْعِ فِي الْعَيْنِ، كَمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ صَارَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ وَالْعَقْدُ قَامَ بِهِمَا فَلا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِرَفْعِهِ فَلَمْ يُوجَدِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ فَلَا انْتِقَاضَ بِهَا، تَأَمَّلْ تَقِفُ.
(فَصَلَ فِي التَّخَارُجِ)
التَّخَارُجُ: تَفَاعَلَ مِنَ الْخُرُوجِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَتَصَالَحَ الْوَرَثَةُ عَلَى إِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنِ الْمِيرَاثِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ. وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ لِقِلَّةِ وُقُوعِهِ؛ إِذْ قَلَّمَا يَرْضَى أَحَدٌ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَيْنِ بِغَيْرِ اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ. أَوْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ الْحَيَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ أَثَرُ عُثْمَانَ ﵁ فَإِنَّهُ صَالَحَ تَمَاضُرَ الْأَشْجَعِيَّةَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ عَنْ رُبْعِ ثَمَنِهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ). قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ:
[ ٨ / ٤٣٩ ]
قَالَ (وَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ فِضَّةً فَأَعْطَوْهُ ذَهَبًا أَوْ كَانَ ذَهَبًا فَأَعْطَوْهُ فِضَّةً فَهُوَ كَذَلِكَ) لِأَنَّهُ بَيْعُ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْجِنْسِ فَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي وَيُعْتَبَرُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ غَيْرَ أَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ بَقِيَّةُ التَّرِكَةِ إِنْ كَانَ جَاحِدًا يَكْتَفِي بِذَلِكَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ قَبْضُ ضَمَانٍ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَا بُدَ مِنْ تَجْدِيدِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ (وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَغَيْرَ ذَلِكَ فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا بُدَ أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَوْهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُهُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ) احْتِرَازًا عَنِ الرِّبَا،
وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ التَّخَارُجِ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْأَصْلِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِحْدَى نِسَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ صَالَحُوهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا عَلَى أَنْ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْمِيرَاثِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ بِتَخَارُجِ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَكَذَلِكَ رَوَى الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ إِحْدَى نِسَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ صَالَحُوهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا عَلَى أَنْ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْمِيرَاثِ،
وَقَدْ أَثْبَتَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ وَعَلَاءُ الدَّيْنِ الْإِسْبِيَجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لَفْظُ الْكَافِي، كَمَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، إِلَّا أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيَّ قَالَ: وَهِيَ تَمَاضُرُ كَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ، فَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي مِيرَاثِهَا مِنْهُ ثُمَّ صَالَحُوهَا عَلَى الشَّطْرِ، وَكَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأَوْلَادٍ، فَحَظُّهَا رُبْعُ الثَّمَنِ جُزْءٌ مِنَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ جُزْءًا مِنَ التَّرِكَةِ فَصَالَحُوهَا عَلَى نِصْفِ ذَلِكَ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا وَأَخَذَتْ بِهَذَا الْحِسَابِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ الْأَلْفَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُفَسِّرْ أَنَّهَا دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، وَذَكَرَ ثَلَاثَةً قَبْلَ الثَّمَانِينَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الْمُصَالَحَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ كَمْ نِسْوَةً مَاتَ. وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ لَمْ يَذْكُرِ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ الثَّمَانِينَ، وَفَسَّرَ الثَّمَانِينَ بِالدِّينَارِ. إِلَى هُنَا لَفَظُ غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهَذَا بَسَّطَ مَا ذُكِرَ فِي جُمْلَةِ الشُّرُوحِ هَاهُنَا غَيْرُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ فِضَّةً وَذَهَبًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَوْهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُهُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ احْتِرَازًا عَنِ الرِّبَا). أَمَّا إِذَا كَانَ مَا أَعْطَوْهُ أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ تَبْقَى الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَأْخُوذِ مَنْ جَنَّسَ ذَلِكَ
[ ٨ / ٤٤٠ ]
وَلَا بُدَ مِنَ التَّقَابُضِ فِيمَا يُقَابِلُ نَصِيبَهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِي هَذَا الْقَدْرِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الصُّلْحِ عَرَضًا جَازَ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الرِّبَا، وَلَوْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَبَدَلُ الصُّلْحِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ أَيْضًا جَازَ الصُّلْحُ كَيْفَمَا كَانَ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إِلَى خِلَافِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ لِلصَّرْفِ. قَالَ (وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ فَأَدْخَلُوهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا الْمُصَالِحَ عَنْهُ وَيَكُونَ الدَّيْنُ لَهُ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ فِيهِ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ وَهُوَ حِصَّةُ الْمُصَالِحِ (وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِنَصِيبِ الْمُصَالِحِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ وَهُوَ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذِهِ حِيلَةُ الْجَوَازِ،
وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ خَالِيَةً عَنِ الْعِوَضِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَا أَعْطَوْهُ مِثْلَ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ تَبْقَى الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَأْخُوذِ مَنْ جَنْسِ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ خَالِيَةً عَنِ الْعِوَضِ، فَتَعَذَّرَ تَجْوِيزُهُ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لِلُزُومِ الرِّبَا، وَلَا يَصِحُّ تَجْوِيزُهُ بِطَرِيقِ الْإِبْرَاءِ عَنِ الْبَاقِي أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ عَيْنٌ وَالْإِبْرَاءُ عَنِ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ. كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ.
أَقُولُ: عَدَمُ صِحَّةِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِبْرَاءِ عَنِ الْبَاقِي مَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ نَفْسِ الْأَعْيَانِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا إِلَّا أَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ دَعْوَى الْأَعْيَانِ صَحِيحَةٌ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدْ مَرَّ فِي الْكِتَابِ. فَلَمْ يَصِحَّ تَجْوِيزُ الصُّلْحِ عَلَى الْأَقَلِّ أَوِ الْمُثُلِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي وَحَمْلِ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ وَاجِبٌ مَهْمَا أَمْكَنَ. فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ مَرَّ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى دَارًا فَصَالَحَ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ عَيْنُ حَقِّهِ وَهُوَ عَلَى دَعْوَاهُ فِي الْبَاقِي وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ هُنَاكَ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَاهُنَا.
قُلْتُ: قَدْ مَرَّ أَيْضًا فِي الشُّرُوحِ هُنَاكَ أَنَّ مَا ذُكِرَ جَوَابُ غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِيخَانَ أَيْضًا اخْتِلَافُ جَوَابِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَجَوَابِ غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. حَتَّى قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: هُنَاكَ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَاقَى عَيْنًا، وَدَعْوَى وَالْإِبْرَاءِ عَنِ الدَّعْوَى صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ الْإِبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ. وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَالْجَوَابُ عَدَمِ صِحَّةِ الصُّلْحِ رِوَايَةً وَاحِدَةً لَا غَيْرَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي جَمِيعِ
[ ٨ / ٤٤١ ]
وَأُخْرَى أَنْ يُعَجِّلُوا قَضَاءَ نَصِيبِهِ مُتَبَرِّعِينَ
، وَفِي الْوَجْهَيْنِ ضَرَرٌ بِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ. وَالْأَوْجُهُ أَنْ يُقْرِضُوا الْمُصَالِحَ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ وَيُصَالِحُوا عَمَّا وَرَاءَ الدَّيْنِ.
الْكُتُبِ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ النَّظَرِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ: إِنَّمَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ عَنْ مِثْلِ نَصِيبِهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَقَلِّ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ حَالَةَ التَّصَادُقِ. وَأَمَّا حَالَةُ الْمُنَاكَرَةِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمُنَاكَرَةِ الْمُعْطِي يُعْطِي الْمَالَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَيَفْدِي بِهِ يَمِينَهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ الرِّبَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّتِمَّةِ. وَنُقِلَ عَنْهُمَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ: قَالَ أَبُو الْفَضْلِ - يَعْنِي الْحَاكِمَ الشَّهِيدَ -: إِنَّمَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ نَصِيبِهَا مِنَ الْعَيْنِ فِي حَالَةِ التَّصَادُقِ، أَمَّا فِي حَالَةِ الْمُنَاكَرَةِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهُ مُعَاوَضَةً يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إِسْقَاطًا. ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُعَاوَضَةً فِي حَقِّ الْمُدَّعِي فَيَدْخُلُ فِيهِ مَعْنَى الرِّبَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا، انْتَهَى. وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِيخَانَ فِي فَتَاوَاهُ: قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ: إِنَّمَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ حِصَّتِهَا مِنْ مَالِ الرِّبَا فِي حَالَةِ التَّصَادُقِ. أَمَّا فِي حَالَةِ الْجُحُودِ وَالْمُنَاكَرَةِ يَجُوزُ الصُّلْحُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِي حَالَةِ الْإِنْكَارِ مَا يُؤْخَذُ لَا يَكُونُ بَدَلًا لَا فِي حَقِّ الْآخِذِ وَلَا فِي حَقِّ الدَّافِعِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ قَاضِيخَانَ إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ كَوْنِ الْمَأْخُوذِ بَدَلًا فِي حَقِّ الدَّافِعِ ظَاهِرٌ مُسَلَّمٌ، وَأَمَّا عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ بَدَلًا فِي حَقِّ الْآخِذِ فَمَمْنُوعٌ.
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا لَا يَكُونُ الْمَأْخُوذُ بَدَلًا فِي حَقِّ الْآخِذِ أَيْضًا لِإِمْكَانِ تَصْحِيحِ هَذَا الصُّلْحِ بِدُونِ الْحَمْلِ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ بِحَمْلِهِ عَلَى أَخْذِ عَيْنِ الْحَقِّ فِي قَدْرِ الْمَأْخُوذِ وَإِسْقَاطِ الْحَقِّ فِي الْبَاقِي، كَمَا قَالُوا فِي الصُّلْحِ عَنِ الدَّيْنِ بِأَقَلَّ مِنْ جِنْسِهِ.
قُلْتُ: الْكَلَامُ فِي الصُّلْحِ عَنْ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ، وَالْإِبْرَاءُ عَنِ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، فَلَوْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ هَذَا الصُّلْحِ فِي حَالَةِ الْمُنَاكَرَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى أَخْذِ بَعْضِ الْحَقِّ وَإِسْقَاطِ بَعْضِهِ الْآخَرِ لَأَمْكَنُ تَصْحِيحُهُ فِي حَالَةِ التَّصَادُقِ أَيْضًا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى قَطْعًا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ إِمْكَانِ تَصْحِيحِهِ أَصْلًا فِي حَالَةِ التَّصَادُقِ. نَعَمْ بَقِيَ لَنَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ تَصْحِيحُ هَذَا الصُّلْحِ فِي الْحَالَتَيْنِ مَعًا بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ دَعْوَى الْبَاقِي مِنْ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ لَا عَنْ نَفْسِ تِلْكَ الْأَعْيَانِ، وَالْبَاطِلُ هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْوَجْهَيْنِ ضَرَرٌ بِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ) لِعَدَمِ رُجُوعِهِمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ وَشَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ. وَقَالُوا فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ: أَمَّا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ لَا يُمْكِنُهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي لُزُومُ النَّقْدِ عَلَيْهِمْ بِمُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ نَسِيئَةٌ وَالنَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ، انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ عَنِ الْكِفَايَةِ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ، لَا مَا فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ مِنْ لُزُومِ النَّقْدِ بِالنَّسِيئَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ إِذْ لَا نَسِيئَةَ عِنْدَ التَّبَرُّعِ، فَلْيُتَأَمَّلْ، انْتَهَى.
أَقُولُ: قَدْ يَكُونُ التَّبَرُّعُ فِي نَفْسِ الْمَالِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ عَيْنَهُ وَلَا بَدَلَهُ مِنْ بَعْدُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي نَقْدِهِ وَتَعْجِيلِهِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ فِي الْحَالِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ إِعْطَائِهِ عَاجِلًا عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهُ أَوْ بَدَلَهُ فِي الْآجِلِ، فَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي: "مُتَبَرِّعِينَ"، مُحْتَمِلًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ صُورَتَيِ التَّبَرُّعِ حَمَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الصُّورَةِ الْأَوْلَى لِتَبَادُرِهَا، فَفَسَّرَ ضَرَرَ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا بِعَدَمِ رُجُوعِهِمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لِقِلَّةِ الضَّرَرِ فِيهَا وَتَفَاحُشِ الضَّرَرِ فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى، فَفَسَّرُوا الضَّرَرَ فِي الْوَجْهَيْنِ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفِينَ، فَقَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: "إِذْ لَا نَسِيئَةَ فِي التَّبَرُّعِ"، نَاشِئٌ مِنَ
[ ٨ / ٤٤٢ ]
وَيُحِيلُهُمْ عَلَى اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ، وَأَعْيَانُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَالصُّلْحُ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ،
الْغُفُولِ عَنِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لِلتَّبَرُّعِ. وَاعْلَمْ أَنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ حَمَلَ هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِي فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ؛ حَيْثُ قَالَ: وَالثَّانِيَةُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ يُؤَدُّونَ إِلَى الْمُصَالِحِ نُصِيبَهُ نَقْدًا وَيُحِيلُ لَهُمْ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَتَضَرَّرُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ خَيْرٌ مِنَ الدَّيْنِ، انْتَهَى.
وَلَكِنْ خَالَفَ فِي تَوْجِيهِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَشُرَّاحُ كِتَابِهِ قَاطِبَةً وَسَائِرُ الْمُحَقِّقِينَ كَصَاحِبِ الْكَافِي وَغَيْرِهِ؛ حَيْثُ قَالَ: الْحِيلَةُ الْأَوَّلُ أَنْ يَشْرُطُوا أَنَّ يُبْرِئَ الْمُصَالِحُ الْغُرَمَاءَ عَنْ حِصَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ وَيُصَالِحُ عَنْ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ بِمَالٍ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ فَائِدَةٌ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَالِحَ لَا يَبْقَى لَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ حَقٌّ لَا أَنَّ حِصَّتَهُ تَصِيرُ لَهُمْ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ إِنَّمَا يُفِيدُ ثُبُوتَ الْفَائِدَةِ لِغُرَمَاءٍ لَا لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا لَمْ يَبْقَ لِلْمُصَالِحِ عَلَى الْغُرَمَاءِ حَقٌّ يُسَهِّلُ لِلْغُرَمَاءِ أَدَاءَ حِصَصِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَيَحْصُلُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ فَائِدَةٌ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
قُلْنَا: إِنْ حَصَلَ لَهُمْ فَائِدَةٌ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ يَحْصُلُ لَهُمُ الضَّرَرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حِصَّةَ الْمُصَالِحِ لَا تَضِيرُ لَهُمْ لَا أَنَّ حِصَّتَهُ تَصِيرُ لَهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِ لَا لَهُ، فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ فِي تَعْلِيلِ فَائِدَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ. ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ زَادَ فِي الطُّنْبُورِ نَغَمَةً؛ حَيْثُ قَالَ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَفَى هَذَا الْوَجْهِ نَوْعُ ضَرَرٍ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ؛ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقَدَرِ نَصِيبِ الْمُصَالِحِ، وَنَوْعِ نَفْعٍ لَهُمْ؛ حَيْثُ لَا يَبْقَى لِلْمُصَالِحِ حَقٌّ عَلَى الْغُرَمَاءِ فَنُقْصَانُ ذَلِكَ الضَّرَرِ يُجْبِرُ بِهَذَا النَّفْعِ. وَقَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: فِيهِ دَخَلٌ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ؛ حَيْثُ اعْتَبَرَ الضَّرَرَ الْمَذْكُورَ وَلَمْ يَعْتَبِرْ النَّفْعَ، وَلِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ؛ حَيْثُ عَكَسَ، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ؛ إِذْ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ عَدَمَ تَمَكُّنِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِنَ الرُّجُوعِ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ نَصِيبِ الْمُصَالِحِ وَضَيَاعَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ مَالِ التَّرِكَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ضَرَرٌ فَاحِشٌ لَهُمْ لَا يَنْجَبِرُ بِمُجَرَّدِ أَنْ لَا يَبْقَى لِلْمُصَالِحِ حَقٌّ عَلَى الْغُرَمَاءِ فَإِنَّ النَّفْعَ فِيهِ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ أَمْرٌ وَهْمِيٌّ مِنْ جِهَةِ تَأَدِّيهِ إِلَى سُهُولَةِ أَدَاءِ الْغُرَمَاءِ حِصَصَ بَاقِي الْوَرَثَةِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ؟ فَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَأَعْيَانُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَالصُّلْحُ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا). بُيِّنَ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوحِ بِأَنْ كَانَ لَهُ فِي التَّرِكَةِ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَنَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ بَدَلَ الصُّلْحِ أَوْ أَقَلَّ، وَهَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ بَدَلِ الصُّلْحِ لَا يُلْزِمُ الرِّبَا؛ إِذْ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بِمِثْلِهِ مَنْ بَدَلِ الصُّلْحِ، وَيَكُونُ زِيَادَةُ الْبَدَلِ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ كَمْ مَرَّ فِي الْكِتَابِ، كَمَا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ فِضَّةً وَذَهَبًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَوْهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُهُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ احْتِرَازًا عَنِ الرِّبَا. فَالْحَقُّ فِي الْبَيَانِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ بِأَنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ، وَنَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ بَدَلِ الصُّلْحِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَقَدْ أَصَابَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ؛ حَيْثُ عَلَّلَ قَوْلَهُ: لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ كَيْلِيٌّ أَوْ وَزْنِيٌّ وَبَدَلُ الصُّلْحِ مِثْلُ نَصِيبِ الْمَصَالِحِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى بَدَلِ الصُّلْحِ مِنْ نَصِيبِ الْمُصَالِحِ يَكُونُ رِبًا، انْتَهَى. فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ الْقِلَّةَ فِي جَانِبِ بَدَلِ الصُّلْحِ لَا فِي جَانِبِ نَصِيبِ الْمُصَالِحِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَكْسِ مَا اعْتَبَرَهُ الْآخَرُونَ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَنَبَّهَ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخَلَلِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْمِثْلِ؛ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْقَلِيلِ: لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَنَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ بَدَلِ الصُّلْحِ فَيَكُونُ رِبًا، انْتَهَى.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَلَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ قَيْدٌ أَوْ أَكْثَرُ، كَمَا نَبَّهَنَا عَلَيْهِ آنِفًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَوْسِيعُ دَائِرَةِ احْتِمَالِ الرِّبَا، كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَإِنْ كَانَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ أَوْ أَقَلَّ، فَفِيهِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ وَلَيْسَتْ بِمُعْتَبِرَةٍ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوحِ.
[ ٨ / ٤٤٣ ]
وَلَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَكِنَّهَا أَعْيَانٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ بَيْعًا إِذِ الْمُصَالَحُ عَنْهُ عَيْنٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ لِقِيَامِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ فِي يَدِ الْبَقِيَّةِ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ وَلَا الْقِسْمَةُ لِأَنَّ التَّرِكَةَ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا الْوَارِثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحُوا مَا لَمْ يَقْضُوا دَيْنَهُ فَتُقَدَّمَ حَاجَةُ الْمَيِّتِ، وَلَوْ فَعَلُوا قَالُوا يَجُوزُ. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ ﵀ فِي الْقِسْمَةِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ اسْتِحْسَانًا وَتَجُوزُ قِيَاسًا.
وَكَتَبَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، فِيهِ بَحْثٌ.
أَقُولُ: لَعَلَّ مُرَادَهُ بِالْبَحْثِ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ أَقَلَّ مِمَّا أَخَذَهُ لَا يُلْزِمُ الرِّبَا لِمَا بَيَّنَاهُ فِيمَا مَرَّ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ فِي أَثْنَاءِ بَيَانِ احْتِمَالِ الرِّبَا، لَكِنَّهُ سَاقِطٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ فَيَلْزَمُ الرِّبَا، أَوْ أَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُ الرِّبَا إِلَّا أَنَّهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَلْزَمُ الرِّبَا، فَإِنَّهُمْ بِصَدَدِ بَيَانِ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعْتَبِرَةٍ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ بَيَانِ احْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبِيِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ احْتِمَالُ جَانِبِ الصِّحَّةِ قَطْعًا. كَيْفَ وَلَوْ كَانَ الِاحْتِمَالُ مَقْصُورًا عَلَى جَانِبِ الْفَسَادِ لَكَانَ اللَّازِمُ حَقِيقَةً الرِّبَا لَا شُبْهَةَ الرِّبَا، فَضْلًا عَنْ شُبْهَةِ شَبَّهْتِهِ تَأَمَّلْ تَقَفَّ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ بَعْدَ مَا بَيْنَ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَقُّ الْجَوَابِ التَّفْصِيلُ بِأَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسٌ بُدِّلَ الصُّلْحُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُدْرَ حَالَ التَّرِكَةِ فَعَلَى الِاخْتِلَافِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ: أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا احْتِيَاجَ هَاهُنَا إِلَى مَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ أَصْلًا؛ إِذِ الشِّقَّانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ تَفْصِيلِهِ قَدْ اسْتُغْنِيَ عَنْهُمَا بِالْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ سَابِقًا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ: إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ فِضَّةً وَذَهَبًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ … إِلَخْ. وَأُخْرَاهُمَا قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ: وَإِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ بَيْنَ وَرَثَةٍ فَأَخْرَجُوا أَحَدَهُمْ مِنْهَا بِمَالٍ أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ وَالتَّرِكَةُ عَقَارٌ أَوْ عَرُوضٌ، جَازَ قَلِيلًا كَانَ مَا أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ أَوْ كَثِيرًا.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَخْلُو عَنِ اخْتِلَالٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُ بَدَلِ الصُّلْحِ لَا يَجُوزُ، لَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ جَنَّسُ بَدَلِ الصُّلْحِ وَلَكِنْ كَانَ مَا أَعْطَوْهُ أَكْثَرَ قَدْرًا مِنْ نَصِيبِ الْمُصَالِحِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ يَجُوزُ الصُّلْحُ قَطْعًا، كَمَا مَرَّ مُفَصَّلًا وَمُدَلَّلًا. وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُ بَدَلِ الصُّلْحِ وَلَكِنْ كَانَ فِيهَا دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَكَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ أَيْضًا يَجُوزُ الصُّلْحُ قَطْعًا، كَمَا مَرَّ أَيْضًا مُسْتَوْفَى.
وَأَمَا ثَالِثًا: فَلِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا هَذِهِ لَا تَقْبَلُ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ جِدًّا؛ إِذْ قَدْ اعْتُبِرَ فِيهَا كَوْنُ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، فَإِنَّ عِبَارَةَ هَذَا الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَأَعْيَانُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَالصُّلْحُ عَلَى الْمُكَيَّلِ وَالْمَوْزُونِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَعِبَارَةُ
[ ٨ / ٤٤٤ ]