قَالَ (وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِلِجَامِهَا فَالرَّاكِبُ أَوْلَى) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَظْهَرُ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ (وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالْآخَرُ رَدِيفُهُ فَالرَّاكِبُ أَوْلَى)
وَالْجَوَابُ أَنَّ مُخَالَفَةَ السِّنِّ فِي الْوَقْتَيْنِ تُوجِبُ كَذِبَ الْوَقْتَيْنِ لَا كَذِبَ الْبَيِّنَتَيْنِ أَصْلًا وَرَأْسًا انْتَهَى كَلَامُهُ، فَتَأَمَّلْ تَرْشُدْ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ (وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلَانِ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَحَدُهُمَا بِغَصْبٍ وَالْآخَرُ بِوَدِيعَةٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْعَبْدُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ (لِاسْتِوَائِهِمَا) لِأَنَّ الْمُوَدَّعَ لَمَّا جَحَدَ الْوَدِيعَةَ صَارَ غَاصِبًا فَصَارَ دَعْوَى الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ سَوَاءً، وَالتَّسَاوِي فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يُوجِبُ التَّسَاوِي فِي نَفْسِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
(فَصْلٌ فِي التَّنَازُعِ بِالْأَيْدِي)
لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ وُقُوعِ الْمِلْكِ بِالْبَيِّنَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ وُقُوعِهِ بِظَاهِرِ الْيَدِ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِمَا أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى، وَلِهَذَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى الْيَدِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا تَنَازَعَا) أَيْ تَنَازَعَ اثْنَانِ (فِي دَابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِلِجَامِهَا فَالرَّاكِبُ أَوْلَى لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ) أَيْ تَصَرُّفَ الرَّاكِبِ (أَظْهَرُ، فَإِنَّهُ) أَيْ الرُّكُوبَ (يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ) يَعْنِي غَالِبًا.
قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ حَيْثُ تَكُونُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى لِأَنَّهَا حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَأَمَّا التَّعَلُّقُ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَكَذَا التَّصَرُّفُ، لَكِنَّهُ يُسْتَدَلُّ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ وَالْيَدُ دَلِيلُ الْمِلْكِ حَتَّى جَازَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالْمِلْكِ فَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَجُ وَالتَّرَاجِيحُ انْتَهَى (وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالْآخَرُ رَدِيفَهُ فَالرَّاكِبُ) أَيْ فِي السَّرْجِ (أَوْلَى) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ الْمُلَّاكَ يَرْكَبُونَ فِي السَّرْجِ وَغَيْرُهُمْ يَكُونُ رَدِيفًا، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ كَوْنَ الرَّاكِبِ فِي السَّرْجِ أَوْلَى مِنْ رَدِيفِهِ عَلَى رِوَايَةٍ نَقَلَهَا النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ
[ ٨ / ٢٨٠ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا رَاكِبَيْنِ حَيْثُ تَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ (وَكَذَا إذَا تَنَازَعَا فِي بَعِيرٍ وَعَلَيْهِ حِمْلٌ لِأَحَدِهِمَا فَصَاحِبُ الْحِمْلِ أَوْلَى) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ (وَكَذَا إذَا تَنَازَعَا فِي قَمِيصٍ أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِكُمِّهِ فَاللَّابِسُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَظْهَرُهُمَا تَصَرُّفًا (وَلَوْ تَنَازَعَا فِي بِسَاطٍ أَحَدُهُمَا جَالِسٌ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) مَعْنَاهُ لَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْقُعُودَ لَيْسَ بِيَدٍ عَلَيْهِ فَاسْتَوَيَا.
عَنْ نَوَادِرِ الْمُعَلَّى. وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالدَّابَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا رَاكِبَيْنِ) يَعْنِي فِي السَّرْجِ (حَيْثُ تَكُونُ) أَيْ الدَّابَّةُ (بَيْنَهُمَا) قَوْلًا وَاحِدًا (لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ) أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُمْسِكًا بِلِجَامِ الدَّابَّةِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقَا بِذَنَبِهَا. قَالَ مَشَايِخُنَا: يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ لِلَّذِي هُوَ مُمْسِكٌ بِلِجَامِهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّجَامِ غَالِبًا إلَّا الْمَالِكُ، أَمَّا الذَّنَبُ فَإِنَّهُ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَالِكُ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ (وَكَذَا إذَا تَنَازَعَا فِي بَعِيرٍ وَعَلَيْهِ حِمْلٌ لِأَحَدِهِمَا وَلِآخَرَ كُوزٌ مُتَعَلِّقٌ فَصَاحِبُ الْحِمْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ) فَهُوَ ذُو الْيَدِ (وَكَذَا إذَا تَنَازَعَا فِي قَمِيصٍ أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِكُمِّهِ فَاللَّابِسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَظْهَرُهُمَا تَصَرُّفًا) وَلِهَذَا يَصِيرُ بِهِ غَاصِبًا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَلَوْ تَنَازَعَا فِي بِسَاطٍ أَحَدُهُمَا جَالِسٌ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّق بِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) كَذَا لَوْ كَانَا جَالِسَيْنِ عَلَيْهِ وَادَّعَيَاهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (مَعْنَاهُ لَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ بَيْنَهُمَا لَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ، وَعَلَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ الْقُعُودَ لَيْسَ بِيَدٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبِسَاطِ حَتَّى لَا يَصِيرَ غَاصِبًا بِهِ (فَاسْتَوَيَا) أَيْ فَاسْتَوَيَا الْمُتَنَازِعَانِ فِيهِ فَيُجْعَلُ فِي أَيْدِيهِمَا لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُمَا. هَذَا وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمَقَامِ: لِأَنَّ الْيَدَ عَلَى الْبِسَاطِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِإِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ؛ إمَّا بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ حَسًّا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، وَإِمَّا بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْبِسَاطِ فَإِنَّا نَرَاهُ مَوْضُوعًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَلَا فِي يَدِهِمَا وَهُمَا مُدَّعِيَانِ يَقْضِي بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَى انْتَهَى.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الشَّرْحَ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: مَعْنَاهُ لَا عَلَى طَرِيقِ قَضَاءٍ وَهُوَ يَقُولُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا فَبَيْنَهُمَا تَدَافُعٌ ظَاهِرٌ. فَإِنْ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، وَمُرَادُ الشَّارِحِ يَقْضِي بَيْنَهُمَا قَضَاءَ التَّرْكِ فَلَا تَدَافُعَ بَيْنَهُمَا.
قُلْت: لَا مَجَالَ لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا قَضَاءَ التَّرْكِ أَيْضًا، إذَا لَا بُدَّ فِي قَضَاءِ التَّرْكِ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ كَوْنَ الْمُدَّعِي فِي يَدِ الْمُدَّعِي كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا هُنَاكَ وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ فِيمَا سَيَجِيءُ فِي مَسْأَلَةِ التَّنَازُعِ فِي الْحَائِطِ حَيْثُ قَالَ: وَمَعْنَى الْقَضَاءِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا عَرَفَ كَوْنَهُ فِي أَيْدِيهِمَا قُضِيَ بَيْنَهُمَا قَضَاءَ تَرْكٍ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ فِي أَيْدِيهِمَا وَقَدْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَفِي يَدَيْهِ يَجْعَلُ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُمَا لَا أَنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا انْتَهَى. فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَضَاءِ التَّرْكِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجَعْلِ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ فِيمَا عَرَفَ كَوْنَ الْمُدَّعِي فِي أَيْدِيهِمَا وَالثَّانِي فِيمَا لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ
[ ٨ / ٢٨١ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ ثَوْبٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَطَرَفٌ مِنْهُ فِي يَدِ آخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ جِنْسِ الْحُجَّةِ فَلَا تُوجِبُ زِيَادَةً فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ تَتَحَقَّقْ يَدٌ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ آنِفًا فَلَمْ يُعْرَفْ كَوْنُ الْمُدَّعِي فِي أَيْدِيهِمَا فَلَمْ يُتَصَوَّرْ الْقَضَاءُ بَيْنَهُمَا قَضَاءَ التَّرْكِ أَيْضًا فَلَمْ يَتَيَسَّرْ التَّوْفِيقُ الْمَذْكُورُ، فَكَأَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ تَنَبَّهَ لِهَذَا فَقَالَ: لِأَنَّ الْيَدَ عَلَى الْبِسَاطِ إمَّا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ أَوْ بِكَوْنِهِ فِي بَيْتِهِ، وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ يَدًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمَا وَلَا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَهُمَا يَدَّعِيَانِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَيُتْرَكُ فِي أَيْدِيهِمَا انْتَهَى.
حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ التَّرْكَ فِي أَيْدِيهِمَا، لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا لَا يَخْلُو عَنْ قُصُورٍ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ التَّرْكِ فِي الْيَدِ يَقْتَضِي سَبْقَ تَحَقُّقِ الْيَدِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَبَيَّنَ، فَحَقُّ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ فَيُجْعَلُ فِي أَيْدِيهِمَا: أَيْ يُوضَعُ فِيهَا لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُمَا كَمَا ذَكَرْته فِيمَا قَبْلُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُطَابِقُ الشَّرْحُ الْمَشْرُوحَ، وَيُطَابِقُ الْمَقَامُ مَا يَظْهَرُ مِمَّا سَيَجِيءُ فِي مَسْأَلَةِ التَّنَازُعِ عَنْ الْحَائِطِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَحِلِّ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمَا قَضَاءَ تَرْكٍ وَبَيْنَ مَحِلِّ الْجَعْلِ فِي أَيْدِيهِمَا بِلَا قَضَاءٍ.
وَأَيْضًا لَا تَبْقَى الْحَاجَةُ حِينَئِذٍ إلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الدَّارِ إذَا تَنَازَعَا فِيهَا وَكَانَا قَاعِدَيْنِ فِيهَا حَيْثُ لَا يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا وَلَا إلَى مَا ارْتَكَبُوا فِي وَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّكْلِيفِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ النَّاظِرِ فِي كَلَامِهِمْ إذْ يَظْهَرُ حِينَئِذٍ أَنَّ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنْ لَا يَقْضِيَ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ بِالْمُدَّعِي بِنَاءً عَلَى أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا يَدٌ عَلَيْهِ حَتَّى تَصِيرَ دَلِيلَ الْمِلْكِ وَسَبَبَ الْقَضَاءِ، بَلْ أَنْ يَجْعَلَ الْمُدَّعَى فِي أَيْدِيهِمَا بِلَا قَضَاءٍ لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُمَا وَاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَى فَتَدَبَّرْ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا كَانَ ثَوْبٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَطَرْفٌ مِنْهُ فِي يَدِ آخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ جِنْسِ الْحُجَّةِ) فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَسِّكٌ بِالْيَدِ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ اسْتِمْسَاكًا (فَلَا تُوجِبُ زِيَادَةً فِي الِاسْتِحْقَاقِ) يَعْنِي أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لَا تُوجِبُ الرُّجْحَانَ، إذْ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْعِلَلِ كَمَا مَرَّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي بَعِيرٍ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ خَمْسُونَ مَنًّا وَلِلْآخَرِ مِائَةُ مَنٍّ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَكَمَا لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الِاثْنَيْنِ مِنْ الشُّهُودِ وَالْآخَرُ الْأَرْبَعَةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْقَمِيصِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِنْ قَبْلُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحُجَّةِ؛ فَإِنَّ الْحُجَّةَ هِيَ الْيَدُ وَالزِّيَادَةُ هِيَ الِاسْتِعْمَالُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الثَّوْبِ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ وَادَّعَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لَكِنَّ هَذَا إذَا عَرَفَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الثَّوْبِ كَانَ لَهُ فِي الْعَادَةِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ: لَوْ خَرَجَ مِنْ دَارِ رَجُلٍ وَعَلَى عَاتِقِهِ مَتَاعٌ فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي عَلَى عَاتِقِهِ هَذَا الْمَتَاعُ يُعْرَفُ بِبَيْعِهِ وَحَمْلِهِ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ فَهُوَ لِرَبِّ الدَّارِ. وَفِي الْقُدُورِيِّ: لَوْ أَنَّ خَيَّاطًا يَخِيطُ ثَوْبًا فِي دَارِ رَجُلٍ وَتَنَازَعَا فِي الثَّوْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّارِ.
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: رَجُلٌ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَوُجِدَ مَعَهُ مَالٌ فَقَالَ رَبُّ الدَّارِ هَذَا مَالِي أَخَذْته مِنْ مَنْزِلِي، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ، وَلَا يُصَدَّقُ الدَّاخِلُ فِي شَيْءٍ مَا خَلَا ثِيَابَهُ الَّتِي عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ الثِّيَابُ مِمَّا يَلْبَسُهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الدَّاخِلُ رَجُلًا يُعْرَفُ بِصِنَاعَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ بِأَنْ كَانَ مَثَلًا حَمَّالًا يَحْمِلُ الزَّيْتَ فَدَخَلَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ زِقُّ زَيْتٍ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَبِيعُ وَيَطُوفُ بِالْمَتَاعِ فِي الْأَسْوَاقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا أُصَدِّقُ قَوْلَ رَبِّ الدَّارِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا.
فَأَثْبَتَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ يَدُهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَنْقُولَاتِ عِنْدَ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهُ عَادَةٌ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدَّارِيَةِ
[ ٨ / ٢٨٢ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: أَنَا حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ (وَلَوْ قَالَ أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ فَهُوَ عَبْدٌ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ حَيْثُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ (وَإِنْ كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ عَبْدٌ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يُعَبِّرُ،
قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: (وَإِذَا كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ يَعْقِلُ فَحَوَى مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الشُّرَّاحِ: أَيْ يَتَكَلَّمُ وَيَعْقِلُ مَا يَقُولُ (فَقَالَ) أَيْ الصَّبِيُّ (أَنَا حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ) فَكَانَ هُوَ صَاحِبَ الْيَدِ وَكَانَ الْمُدَّعِي خَارِجًا وَالْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ إنْسَانٍ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ إبَانَةً لِمَعْنَى الْكَرَامَةِ، إذْ كَوْنُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ دَلِيلُ الْإِهَابَةِ، وَمَعَ قِيَامِ يَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا تَثْبُتُ يَدُ الْغَيْرِ عَلَيْهِ لِلتَّنَافِي بَيْنَ الْيَدَيْنِ إلَّا إذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ يَدِهِ شَرْعًا فَحِينَئِذٍ تُعْتَبَرُ يَدُ الْغَيْرِ عَلَيْهِ، وَسُقُوطُ اعْتِبَارِ يَدِهِ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ: أَيْ لَا يَعْقِلُ مَا يَكُونُ، وَقَدْ يَكُونُ لِثُبُوتِ الرِّقِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الرِّقَّ عِبَارَةٌ عَنْ عَجْزٍ حُكْمِيٍّ، وَالْيَدُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ، فَإِذَا ثَبَتَ الضَّعْفُ انْتَفَتْ الْقُدْرَةُ، كَذَا فِي الْكَافِي (وَلَوْ قَالَ أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ) أَيْ لَوْ قَالَ الصَّبِيُّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ غَيْرِ ذِي الْيَدِ وَقَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ: إنَّهُ عَبْدِي (فَهُوَ عَبْدٌ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ حَيْثُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ) فَكَانَ يَدُ صَاحِبِ الْيَدِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا فَكَانَ الْقَوْلُ لِذِي الْيَدِ أَنَّهُ لَهُ، وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ وَشَهَادَةُ الْعَبْدِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، كَذَا فِي الْكَافِي.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِقْرَارُ بِالرِّقِّ مِنْ الْمَضَارِّ لَا مَحَالَةَ وَأَقْوَالُ الصَّبِيِّ فِيهَا غَيْرُ مُوجِبَةٍ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْهِبَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ أَبَدًا يَبْعُدُ مِنْ الْمَضَارِّ وَيُقَرَّبُ مِنْ الْمَبَارِّ. قُلْنَا: الرِّقُّ هَاهُنَا لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ بَلْ بِدَعْوَى ذِي الْيَدِ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُعَارَضَتِهِ إيَّاهُ بِدَعْوَى الْحُرِّيَّةِ لَا تَتَقَرَّرُ يَدُهُ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ عَدَمِهَا تَتَقَرَّرُ كَمَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي رِقِّهِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَإِنْ كَانَ) أَيْ الصَّبِيُّ (لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ عَبْدٌ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفْسِهِ (وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَتَاعٍ) فِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَتْ يَدُ صَاحِبِ الْيَدِ ثَابِتَةً عَلَيْهِ شَرْعًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يُعَبِّرُ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِالرِّقِّ لِمَا مَرَّ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ اللَّقِيطِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ هُنَاكَ وَهُوَ صَاحِبُ الْيَدِ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ لَا يُصَدَّقُ وَهُنَا قِيلَ.
قُلْنَا: الْفَرْقُ هُوَ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ إنَّمَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرِّقِّ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَيَدُ الْمُلْتَقِطِ عَلَى اللَّقِيطِ ثَابِتَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً وَلَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ حُكْمًا لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ أَمِينٌ فِي اللَّقِيطِ وَيَدُ الْأَمِينِ فِي الْحُكْمِ يَدُ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ مَعَ الشَّكِّ. فَإِنْ قِيلَ: وَجَبَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي دَعْوَى الرِّقِّ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَابِتَةٌ بِالْأَصْلِ فِي بَنِي آدَمَ إذْ الْأَصْلُ فِي بَنِي آدَمَ الْحُرِّيَّةُ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ وَهُمَا كَانَا حُرَّيْنِ فَكَانَ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الرِّقِّ أَمْرًا عَارِضًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، قُلْنَا: مَا هُوَ الْأَصْلُ إذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ يَبْطُلُ، وَالْيَدُ عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ الْأَصْلِ لِأَنَّهَا دَلِيلُ الْمِلْكِ
[ ٨ / ٢٨٣ ]
فَلَوْ كَبِرَ وَادَّعَى الْحُرِّيَّةَ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الرِّقُّ عَلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ أَوْ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ وَلِآخَرَ عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ وَالِاتِّصَالِ، وَالْهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ) لِأَنَّ صَاحِبَ الْجُذُوعِ صَاحِبُ اسْتِعْمَالٍ وَالْآخَرُ صَاحِبُ تَعَلُّقٍ فَصَارَ كَدَابَّةٍ تَنَازَعَا فِيهَا وَلِأَحَدِهِمَا حِمْلٌ عَلَيْهَا وَلِلْآخَرِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِالِاتِّصَالِ مُدَاخَلَةُ لَبِنِ جِدَارِهِ فِيهِ وَلَبِنِ هَذَا فِي جِدَارِهِ وَقَدْ يُسَمَّى اتِّصَالُ تَرْبِيعٍ،
فَيَبْطُلُ بِهِ ذَلِكَ الْأَصْلُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا نَقْلًا عَنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (فَلَوْ كَبِرَ وَادَّعَى الْحُرِّيَّةَ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الرِّقُّ عَلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ) فَلَا يُنْقَضُ الْأَمْرُ الثَّابِتُ ظَاهِرًا بِلَا حُجَّةٍ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: (وَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ أَوْ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ) أَيْ أَوْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ (وَلِآخَرَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَائِطِ (هَرَادِيٌّ) بِفَتْحِ الْهَاءِ جَمْعُ هَرْدِيَّةٍ بِضَمِّهَا. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْهُرْدِيَّةُ عَنْ اللَّيْثِ: قَصَبَاتٌ تُضَمُّ مَلْوِيَّةً بِطَاقَاتٍ مِنْ الْكَرْمِ يُرْسَلُ عَلَيْهَا قُضْبَانُ الْكَرْمِ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ الْحَرْدِيُّ وَلَا تَقُلْ هَرْدَى انْتَهَى. وَفِي الصَّحَّاحِ: الْحَرْدِيُّ مِنْ الْقَصَبِ نَبَطِيٌّ مُعَرَّبٌ وَلَا تَقُلْ هَرْدَى انْتَهَى. وَصَحَّحَ فِي الدِّيوَانِ الْهَاءَ وَالْحَاءَ جَمِيعًا، وَكَذَا الْقَامُوسُ.
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: الرِّوَايَةُ فِي الْأَصْلِ وَالْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ بِالْحَاءِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشَرْحِ الْكَافِي وَقَعَتْ بِالْهَاءِ لَا غَيْرُ انْتَهَى
(فَهُوَ) أَيْ الْحَائِطُ (لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ وَالِاتِّصَالِ، وَالْهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ لِأَنَّ صَاحِبَ الْجُذُوعِ صَاحِبُ اسْتِعْمَالٍ) أَيْ هُوَ صَاحِبُ اسْتِعْمَالٍ لِلْحَائِطِ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَائِطَ إنَّمَا يُبْنَى لِلتَّسْقِيفِ وَذَا بِوَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ (وَالْآخَرُ) يَعْنِي صَاحِبَ الْهَرَادِيِّ (صَاحِبُ تَعَلُّقٍ) لَا صَاحِبُ اسْتِعْمَالٍ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لِوَضْعِ الْهَرَادِيِّ عَلَيْهِ وَالِاسْتِعْمَالُ يَدٌ، وَعِنْدَ تَعَارُضِ الدَّعْوَيَيْنِ الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ (فَصَارَ) أَيْ فَصَارَ الْحَائِطُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ (كَدَابَّةٍ تَنَازَعَا فِيهَا وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ وَلِلْآخَرِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ) فَإِنَّهَا تَكُونُ لِصَاحِبِ الْحَمْلِ دُونَ صَاحِبِ الْكُوزِ كَذَا هَاهُنَا (وَالْمُرَادُ بِالِاتِّصَالِ) أَيْ الْمُرَادُ بِالِاتِّصَالِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ أَوْ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ (مُدَاخَلَةُ لَبِنِ جِدَارِهِ) أَيْ جِدَارِ صَاحِبِ الْبِنَاءِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (وَلَبِنِ هَذَا) أَيْ وَمُدَاخَلَةُ لَبِنِ هَذَا: أَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (فِي جِدَارِهِ) أَيْ فِي جِدَارِ صَاحِبِ الْبِنَاءِ (وَقَدْ يُسَمَّى اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ) أَيْ وَيُسَمَّى اتِّصَالُ مُدَاخَلَةِ لَبِنٍ اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ، وَتَفْسِيرُ التَّرْبِيعِ إذَا كَانَ الْحَائِطُ مِنْ مَدَرٍ أَوْ آجُرٍّ أَنْ تَكُونَ أَنْصَافُ لَبِنِ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ دَاخِلَةً فِي أَنْصَافِ لَبِنِ غَيْرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَأَنْصَافُ لَبِنِ غَيْرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ دَاخِلَةً
[ ٨ / ٢٨٤ ]
وَهَذَا شَاهِدٌ ظَاهِرٌ لِصَاحِبِهِ لِأَنَّ بَعْضَ بِنَائِهِ عَلَى بَعْضِ بِنَاءِ هَذَا الْحَائِطِ.
فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشَبٍ فَالتَّرْبِيعُ أَنْ تَكُونَ سَاحَةُ أَحَدِهِمَا مُرَكَّبَةً فِي الْأُخْرَى، وَأَمَّا إذَا ثَقَبَ فَأَدْخَلَ لَا يَكُونُ تَرْبِيعًا، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ نَقْلًا عَنْ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا اتِّصَالَ التَّرْبِيعِ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يُبْنَيَانِ لِيُحِيطَا مَعَ جِدَارَيْنِ آخَرَيْنِ بِمَكَانٍ مُرَبَّعٍ انْتَهَى. وَكَانَ الْكَرْخِيُّ يَقُولُ: صِفَةُ هَذَا الِاتِّصَالِ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مُتَّصِلًا بِحَائِطَيْنِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا وَالْحَائِطَانِ مُتَّصِلَانِ بِحَائِطٍ لَهُ بِمُقَابَلَةِ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ مُرَبَّعًا شِبْهَ الْقُبَّةُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْكُلُّ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ اتِّصَالَ جَانِبَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِحَائِطَيْنِ لِأَحَدِهِمَا يَكْفِي، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الْحَائِطَيْنِ بِحَائِطٍ لَهُ بِمُقَابَلَةٍ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا لِأَنَّ الرُّجْحَانَ يَقَعُ بِكَوْنِهِ مِلْكًا مُحِيطًا بِالْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ يَتِمُّ بِالِاتِّصَالِ بِجَانِبَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ.
وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِتَاجِ الشَّرِيعَةِ (وَهَذَا) أَيْ اتِّصَالُ التَّرْبِيعِ (شَاهِدٌ ظَاهِرٌ لِصَاحِبِهِ لِأَنَّ بَعْضَ بِنَائِهِ) أَيْ بَعْضَ بِنَاءِ صَاحِبِهِ (وَعَلَى بَعْضِ هَذَا الْحَائِطِ) أَيْ عَلَى بَعْضِ هَذَا الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِالِاتِّصَالِ فَصَارَ الْكُلُّ فِي حُكْمِ حَائِطٍ وَاحِدٍ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاتِّصَالِ، وَبَعْضُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَحَدِهِمَا فَيُرَدُّ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَاهُ مَعَ حَائِطِهِ فَمُدَاخَلَةُ أَنْصَافِ اللَّبِنِ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا عِنْدَ بِنَاءِ الْحَائِطَيْنِ مَعًا فَكَانَ هُوَ أَوْلَى، كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ. أَقُولُ: بَقِيَ لِي هَاهُنَا كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ الْمُرَادَ بِالِاتِّصَالِ الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ عَلَى اتِّصَالِ التَّرْبِيعِ، وَتَبِعَهُ فِي هَذَا عَامَّةُ ثِقَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَصَاحِبِ الْكَافِي وَالْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَشُرَّاحِ الْهِدَايَةِ قَاطِبَةً وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ صَرَّحُوا بِتَقْيِيدِ الِاتِّصَالِ هَاهُنَا بِالتَّرْبِيعِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَالْحَائِطُ لِمَنْ جُذُوعُهُ عَلَيْهِ أَوْ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ لَا لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ انْتَهَى. وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ هَذَا التَّقْيِيدِ هَاهُنَا لِأَنَّ مَعْنَى مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْجُذُوعِ أَوْلَى مِنْ صَاحِبِ الْهَرَادِيِّ، وَكَذَا صَاحِبُ الِاتِّصَالِ أَوْلَى مِنْ صَاحِبِ الْهَرَادِيِّ. وَفِي الْحُكْمِ يَكُونُ صَاحِبُ الِاتِّصَالِ أَوْلَى مِنْ صَاحِبِ الْهَرَادِيِّ لَا احْتِيَاجَ إلَى تَقْيِيدِ الِاتِّصَالِ بِالتَّرْبِيعِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ضَرْبَيْ الِاتِّصَالِ: أَعْنِي اتِّصَالَ التَّرْبِيعِ وَاتِّصَالَ الْمُلَازَقَةِ مُشْتَرِكَانِ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَإِنَّ الْهَرَادِيَّ مِمَّا لَا اعْتِبَارَ لَهُ أَصْلًا بَلْ هِيَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ، حَتَّى لَوْ تَنَازَعَا فِي حَائِطٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ وَلَيْسَ لِلْآخِرِ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا اتِّصَالُ مُلَازَقَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ اتِّصَالٌ وَلَا جُذُوعٌ فَهُوَ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ، فَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَذَكَرَ هَذَا أَيْضًا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ. أَمَّا إذَا كَانَ الْحَائِطُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مُتَّصِلًا بِبِنَائِهِمَا إنْ كَانَ اتِّصَالُهُمَا اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ أَوْ اتِّصَالَ مُلَازَقَةٍ فَإِنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الدَّعْوَى وَالِاتِّصَالِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ اتِّصَالُ أَحَدِهِمَا اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ وَاتِّصَالُ الْآخَرِ اتِّصَالَ مُلَازَقَةٍ فَصَاحِبُ التَّرْبِيعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ صَاحِبَ التَّرْبِيعِ مُسْتَعْمِلٌ لِلْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ قِوَامَ حَائِطِهِ بِقَدْرِ التَّرْبِيعِ بِالْحَائِطِ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ التَّرْبِيعِ، فَكَانَ لِصَاحِبِ التَّرْبِيعِ عَلَى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ مَعَ الِاتِّصَالِ نَوْعُ الِاسْتِعْمَالِ، وَلِلْآخَرِ مُجَرَّدُ اتِّصَالٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فَيَكُونُ الِاتِّصَالُ مَعَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْلَى فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الرَّاكِبِ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْمُتَعَلِّقِ بِاللِّجَامِ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا اتِّصَالٌ بِبِنَاءٍ اتِّصَالَ مُلَازَقَةٍ أَوْ اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ اتِّصَالٌ وَلَا لَهُ عَلَيْهِ جُذُوعٌ فَإِنَّهُ يَقْضِي لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي حَقِّ الِاتِّصَالِ بِالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ وَلِأَحَدِهِمَا زِيَادَةُ الِاتِّصَالِ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ بِالْبِنَاءِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْآخَرِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَلَوْ كَانَ الْحَائِطُ مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ إحْدَى الدَّارَيْنِ اتِّصَالَ الْتِزَاقٍ وَارْتِبَاطٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ لِأَنَّهُ كَالْمُتَعَلِّقِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا اتِّصَالُ الْتِزَاقٍ وَلِلْآخَرِ جُذُوعٌ فَصَاحِبُ الْجُذُوعُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلْحَائِطِ وَلَا اسْتِعْمَالَ مِنْ صَاحِبِ الِاتِّصَالِ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا اتِّصَالُ الْتِزَاقٍ وَارْتِبَاطٍ وَلِلْآخَرِ اتِّصَالُ تَرْبِيعٍ فَصَاحِبُ التَّرْبِيعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ التَّرْبِيعِ أَقْوَى مِنْ اتِّصَالِ الِالْتِزَاقِ، وَلَوْ كَانَ
[ ٨ / ٢٨٥ ]
وَقَوْلُهُ الْهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْهَرَادِيِّ أَصْلًا، وَكَذَا الْبَوَارِي لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا تُبْنَى لَهَا أَصْلًا حَتَّى لَوْ تَنَازَعَا فِي حَائِطٍ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا
(وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ ثَلَاثَةٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ
لِأَحَدِهِمَا اتِّصَالُ تَرْبِيعٍ وَلِلْآخَرِ الْجُذُوعُ فَالْحَائِطُ لِصَاحِبِ التَّرْبِيعِ وَلِصَاحِبِ الْجُذُوعِ حَقُّ وَضْعِ الْجُذُوعِ انْتَهَى.
فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ فَائِدَةَ تَقْيِيدِ الِاتِّصَالِ بِالتَّرْبِيعِ إنَّمَا تَظْهَرُ لَوْ كَانَ لِلْآخَرِ اتِّصَالُ مُلَازَقَةٍ كَمَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ، أَوْ كَانَ لِلْآخَرِ جُذُوعٌ كَمَا ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِلْآخَرِ هَرَادِيٌّ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ التَّقْيِيدِ بَلْ فِيهِ إخْلَالٌ بِعُمُومِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَبَيَّنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَتَنَبَّهْ، فَإِنَّ كَشْفَ الْقِنَاعِ عَنْ وَجْهِ هَذَا الْمَقَامِ مِمَّا تَفَرَّدْت بِهِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ (وَقَوْلُهُ الْهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ (يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْهَرَادِيِّ أَصْلًا) بَلْ هِيَ فِي الْحُكْمِ الْمَعْدُومِ (وَكَذَا الْبَوَارِي لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لَهَا أَصْلًا) أَيْ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لِأَجْلِ الْهَرَادِيِّ وَالْبَوَارِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُبْنَى لِلتَّسْقِيفِ وَذَلِكَ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ لَا بِوَضْعِ الْهَرَادِيِّ وَالْبَوَارِي، وَإِنَّمَا تُوضَعُ الْهَرَادِيُّ وَالْبَوَارِي لِلِاسْتِظْلَالِ وَالْحَائِطُ لَا يُبْنَى لَهُ (حَتَّى لَوْ تَنَازَعَا فِي حَائِطٍ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ الْهَرَادِيُّ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) مَعْنَاهُ: إذَا عُرِفَ كَوْنُهُ فِي أَيْدِيهِمَا قُضِيَ بَيْنَهُمَا قَضَاءَ تَرْكٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ كَوْنُهُ فِي أَيْدِيهِمَا وَقَدْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَفِي يَدَيْهِ يُجْعَلُ فِي أَيْدِيهِمَا لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُمَا لَا أَنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ.
وَيُعْرَفُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَضَاءِ التَّرْكِ وَالْجَعْلِ فِي الْيَدِ بِلَا قَضَاءٍ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ فَلَا تَغْفُلْ عَنْهُ
(وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُذُوعٌ ثَلَاثَةٌ) أَيْ وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ عَلَى الْحَائِطِ جُذُوعٌ ثَلَاثَةٌ (فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا) أَيْ فِي أَصْلِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلٌ مَقْصُودٌ يُبْنَى الْحَائِطُ لِأَجْلِهِ وَفِي نِصَابِ الْحُجَّةِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ (وَلَا مُعْتَبَرَ) أَيْ وَلَا اعْتِبَارَ (بِالْأَكْثَرِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْجُذُوعِ (بَعْدَ الثَّلَاثَةِ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ جِنْسِ الْحُجَّةِ فَإِنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِلْجُذُوعِ الثَّلَاثَةِ كَمَا يُبْنَى لِأَكْثَرَ مِنْهَا.
قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدَّارِيَةِ: وَقَوْلُهُ: وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهَا: أَيْ مِنْ الثَّلَاثَةِ. أَقُولُ: تَفْسِيرُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَلِمَةُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ مِنْهَا تَفْصِيلِيَّةً فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ لَامِ التَّعْرِيفِ وَمِنْ التَّفْضِيلِيَّةِ فِي اسْمِ التَّفْصِيلِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ لَغْوًا، لِأَنَّ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ هَاهُنَا تَبْيِنِيَّةٌ لَا تَفْصِيلِيَّةٌ، وَأَنَّ ضَمِيرَ مِنْهَا رَاجِعٌ إلَى الْجُذُوعِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا إلَى الثَّلَاثَةِ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ الْكَائِنِ مِنْ جِنْسِ الْجُذُوعِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَلْزَمُ
[ ٨ / ٢٨٦ ]
وَإِنْ كَانَ جُذُوعُ أَحَدِهِمَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ وَلِلْآخَرِ مَوْضِعُ جِذْعِهِ) فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ، ثُمَّ قِيلَ مَا بَيْنَ الْخَشَبِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ عَلَى قَدْرِ خَشَبِهِمَا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِالْكَثْرَةِ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ.
وَجْهُ الثَّانِي
شَيْءٌ مِنْ الْمَحْذُورَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (وَإِنْ كَانَ جُذُوعُ أَحَدِهِمَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ) أَيْ الْحَائِطُ كُلُّهُ (لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ وَلِلْآخَرِ) أَيْ وَلِصَاحِبِ الْجِذْعِ الْوَاحِدِ أَوْ الِاثْنَيْنِ (مَوْضِعُ جِذْعِهِ فِي رِوَايَةٍ) وَهِيَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ الْأَصْلِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: الْحَائِطُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَجْذَاعِ وَلِصَاحِبِ الْقَلِيلِ مَا تَحْتَ جِذْعِهِ. قَالُوا: يُرِيدُ بِهِ حَقَّ الْوَضْعِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا ثَبَتَ مِلْكُهُ بِسَبَبِ الْعَلَامَةِ وَهِيَ الْجُذُوعُ الثَّلَاثَةُ لَا بِالْبَيِّنَةِ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَانَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ الْجِذْعِ الْوَاحِدِ مِنْ وَضْعِ جِذْعِهِ عَلَى جِدَارِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى (وَفِي رِوَايَةٍ) وَهِيَ رِوَايَةُ كِتَابِ الدَّعْوَى مِنْ الْأَصْلِ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ) حَيْثُ قَالَ فِيهِ: إنَّ الْحَائِطَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْأَجْذَاعِ، وَجَعَلَ فِي الْمُحِيطِ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَصَحَّ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَكُونُ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْخَشَبَةِ كَمَا ذَكَرَ فِي الدَّعْوَى، كَذَا فِي التَّبْيِينِ لِلْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ (ثُمَّ قِيلَ) أَيْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يَعْنَى اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى فِي حُكْمِ مَا بَيْنَ الْخَشَبِ فَقِيلَ (مَا بَيْنَ الْخَشَبِ بَيْنَهُمَا) أَيْ يَكُونُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ذَلِكَ كَمَا فِي السَّاحَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ صَاحِبِ بَيْتٍ وَصَاحِبِ أَبْيَاتٍ عَلَى مَا سَيَذْكُرُ (وَقِيلَ عَلَى قَدْرِ خَشَبِهِمَا) أَيْ وَقِيلَ مَا بَيْنَ الْخَشَبِ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ خَشَبِهِمَا اعْتِبَارًا لِمَا بَيْنَ الْخَشَبَاتِ بِمَا هُوَ تَحْتَ كُلِّ خَشَبَةٍ، ثُمَّ إنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مُوَافِقَانِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَوْضِعِ الْقِيلِ الْأَوَّلِ: وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِلْخَشَبَاتِ لَا لِخَشَبَةٍ وَاحِدَةٍ (وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) هَذَا نَاظِرٌ إلَى قَوْلِهِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ إلَى آخِرِهِ: يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ بَيْنَ صَاحِبِ الْجِذْعِ وَالْجِذْعَيْنِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ نِصْفَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ) أَيْ لَا اعْتِبَارَ (بِالْكَثْرَةِ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ) يَعْنِي أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي أَصْلِ الِاسْتِعْمَالِ وَالزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْحُجَّةِ وَالتَّرْجِيحُ لَا يَقَعُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلُوا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَوَجْهُ الثَّانِي) يَعْنِي وَجْهَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ، وَلَكِنَّ ذِكْرَ الثَّانِي إمَّا بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الرِّوَايَةُ بِالْفِعْلِ وَأَنَّ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي نَظَائِرِهَا، وَإِمَّا
[ ٨ / ٢٨٧ ]
أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ خَشَبَتِهِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِوَضْعِ كَثِيرِ الْجُذُوعِ دُونَ الْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ، إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ حَقُّ الْوَضْعِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ
(وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا جُذُوعٌ وَالْآخَرُ اتِّصَالٌ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى) وَيُرْوَى الثَّانِي أَوْلَى. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ التَّصَرُّفَ وَلِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ أَقْوَى.
بِتَأْوِيلِ الرِّوَايَةِ بِالنَّقْلِ أَوْ الْقَوْلِ (أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ خَشَبَتِهِ) وَالِاسْتِحْقَاقُ بِحَسْبِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ جَوَابُ وَجْهِ الْقِيَاسِ.
أَقُولُ: يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مُخْتَصٌّ بِقَدْرِ خَشَبَتِهِ، وَمَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ لَا يَعْدُو الْغَيْرَ فَلَمْ يَكُونَا مُسْتَعْمَلَيْنِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ مَعَ زِيَادَةِ اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا بَلْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَعْمِلًا لِمَا كَانَ تَحْتَ خَشَبَتِهِ فَقَطْ فَكَانَتْ حُجَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ قَائِمَةً عَلَى غَيْرِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ الْآخَرِ فَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ مِنْ قَبِيلِ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا اتَّحَدَ مَحِلُّ الْحُجَّتَيْنِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ الْحَائِطَ إذَا كَانَ يُسْتَحَقُّ بِوَضْعِ الْجِذْعِ فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ مُسْتَحَقٌّ مَشْغُولٌ بِجِذْعِهِ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ الِاسْتِعْمَالِ وَقَدْ انْعَدَمَ دَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْبَاقِي فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمِلْكُ فِيمَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَصَارَ هَذَا كَالدَّارِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ مَنْزِلًا: عَشَرَةُ مِنْهَا فِي يَدِ رَجُلٍ، وَوَاحِدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَتَنَازَعَا فِي الدَّارِ، فَإِنَّهُ يَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا فِي يَدِهِ كَذَا هَاهُنَا اهـ
(وَوَجْهُ الْأَوَّلِ) أَيْ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ وَتَذْكِيرُ الْأَوَّلِ لِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الثَّانِي (أَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِوَضْعِ كَثِيرِ الْجُذُوعِ دُونَ الْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِلتَّسْقِيفِ، وَالتَّسْقِيفُ لَا يَحْصُلُ بِخَشَبَةٍ وَلَا بِخَشَبَتَيْنِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْخَشَبَةِ وَالْخَشَبَتَيْنِ أُسْطُوَانَةٌ وَأُسْطُوَانَتَانِ (فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ، إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ حَقُّ الْوَضْعِ) أَيْ يَبْقَى لِصَاحِبِ الْأَقَلِّ حَقُّ وَضْعِ جِذْعِهِ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَنَا بِالْحَائِطِ لِصَاحِبِ الْأَكْثَرِ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ يَصْلُحُ حَجَّةً لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ يَدَ صَاحِبِ الْأَقَلِّ حَتَّى يَرْفَعَ خَشَبَتَهُ الْمَوْضُوعَةَ، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ وَيَثْبُتُ لِلْآخَرِ حَقُّ الْوَضْعِ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَوْ وَقَعَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكَانَ جَائِزًا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَعْلِ الْجِذْعَيْنِ كَجِذْعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّسْقِيفَ بِهِمَا نَادِرٌ كَجِذْعٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخَشَبَتَانِ بِمَنْزِلَةِ الثَّلَاثِ لِإِمْكَانِ التَّسْقِيفِ بِهَا، وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا
(وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا اتِّصَالٌ وَلِلْآخَرِ جُذُوعٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِأَحَدِهِمَا جُذُوعٌ وَلِلْآخَرِ اتِّصَالٌ فَعَلَى الْأُولَى وَقَعَ فِي الدَّلِيلِ بِوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ وَقَعَ فِيهِ وَجْهُ الثَّانِي، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَمَنْ يَحْذُو حَذْوَهُ مِنْ الشُّرَّاحِ مَا فِي النُّسْخَةِ الْأُولَى هُوَ الصَّحِيحُ لِيَكُونَ الدَّلِيلُ مُوَافِقًا لِلْمُدَّعِي، وَمَا فِي الثَّانِيَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَا يُوَافِقُ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَى نُسْخَةٍ وَقَعَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ فِيهَا وَجْهُ الثَّانِي فَتَتَبَّعْ (فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُرْوَى أَنَّ الثَّانِيَ أَوْلَى، وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ التَّصَرُّفَ وَلِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ الْيَدَ، وَالتَّصَرُّفُ أَقْوَى) لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْيَدِ، كَذَا فِي الْكَافِي، وَلِأَنَّ التَّصَرُّفَ
[ ٨ / ٢٨٨ ]
وَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْحَائِطَيْنِ بِالِاتِّصَالِ يَصِيرَانِ كَبِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ لَهُ بِبَعْضِهِ الْقَضَاءُ بِكُلِّهِ ثُمَّ يَبْقَى لِلْآخَرِ حَقُّ وَضْعِ جُذُوعِهِ لِمَا قُلْنَا، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ وَصَحَّحَهَا الْجُرْجَانِيُّ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مِنْهَا فِي يَدِ رَجُلٍ عَشْرَةُ أَبْيَاتٍ وَفِي يَدِ آخَرَ بَيْتٌ فَالسَّاحَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اسْتِعْمَالِهَا
لَا يَكُونُ بِدُونِ الْيَدِ، وَالْيَدَانِ إذَا تَعَارَضَا سَلِمَ التَّصَرُّفُ عَنْ الْمُعَارِضِ فَصَلُحَ مُرَجِّحًا، كَذَا فِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ، وَيُرَجِّحُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ (وَجْهُ الْأَوَّلِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَجْهُ الثَّانِي (أَنَّ الْحَائِطَيْنِ بِالِاتِّصَالِ يَصِيرَانِ كَبِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ لَهُ بِبَيْعِهِ الْقَضَاءُ بِكُلِّهِ) أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ مَنْعُ قَوْلِهِ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ لَهُ بِبَعْضِهِ الْقَضَاءُ لَهُ بِكُلِّهِ لِجَوَازِ أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِرَجُلٍ وَبِبَعْضِهِ الْآخَرِ لِرَجُلٍ آخَرَ، وَإِمَّا بِالتَّجْزِئَةِ إنْ قِبَلَ الْقِسْمَةَ أَوْ بِالشُّيُوعِ إنْ لَمْ يَقْبَلْهَا، كَيْفَ وَلَوْ أَثْبَتَ صَاحِبُ الْجُذُوعِ بِالْبَيِّنَةِ كَوْنَ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِلْكَهُ قُضِيَ لَهُ بِلَا شُبْهَةٍ مَعَ بَقَاءِ الْحَائِطِ الْآخَرِ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الِاتِّصَالِ، فَلَوْ تَمَّتْ تِلْكَ الضَّرُورَةُ لَمَا جَازَ هَذَا الْقَضَاءُ وَكَانَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ تَنَبَّهَ لِهَذَا وَقَصَدَ دَفْعَهُ فَعَلَّلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ لَهُ بِبَعْضِهِ الْقَضَاءُ بِكُلِّهِ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالِاشْتِرَاكِ.
وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِ الْقَائِلِ بِهِ مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْجُذُوعِ قَائِلٌ بِهِ، فَإِنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ الْحَائِطَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ لَهُ، وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّ الْحَائِطَ الْآخَرَ الْمُتَّصِلَ بِهِ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ، فَيَصِيرُ الْبِنَاءُ الْمُرَكَّبُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ عَدَمَ الْقَائِلِ بِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَهُوَ أَيْضًا مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِكَوْنِ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَقُولُ بِكَوْنِ الْبِنَاءِ الْمُرَكَّبِ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ الْمُتَّصِلِ بِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ صَاحِبِ الْجُذُوعِ وَصَاحِبِ الِاتِّصَالِ قَطْعًا (ثُمَّ يَبْقَى لِلْآخَرِ حَقُّ وَضْعِ جُذُوعِهِ) أَيْ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ الْحَائِطَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ لِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ، حَتَّى قَالُوا: لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أُمِرَ بِرَفْعِ الْجُذُوعِ لِكَوْنِ الْبَيِّنَةِ حُجَّةً مُطْلَقَةً صَالِحَةً لِلدَّفْعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ (وَهَذِهِ) أَيْ رِوَايَةُ أَنَّ صَاحِبَ الِاتِّصَالِ أَوْلَى (رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ) وَصَحَّحَهَا الْجُرْجَانِيُّ وَهُوَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُرْشِدُ، وَرَجَّحَهَا بِالسَّبْقِ لِأَنَّ التَّرْبِيعَ يَكُونُ حَالَةَ الْبِنَاءِ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى وَضْعِ الْجُذُوعِ فَكَانَ يَدُهُ ثَابِتًا قَبْلَ وَضْعِ الْآخَرِ الْجُذُوعَ فَصَارَ نَظِيرَ سَبْقِ التَّارِيخِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الِاتِّصَالَ الَّذِي وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي تَرْجِيحِ صَاحِبِهِ عَلَى صَاحِبِ الْجُذُوعِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ هُوَ الِاتِّصَالُ الَّذِي وَقَعَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ اتِّصَالُ التَّرْبِيعِ فِي طَرَفَيْهِ فَصَاحِبُ الِاتِّصَالِ أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ كَانَ الِاتِّصَالُ فِي طَرْفٍ وَاحِدٍ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ صَاحِبَ الِاتِّصَالِ أَوْلَى، وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ وَالشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُرْشِدُ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ صَاحِبَ الْجُذُوعِ أَوْلَى وَقَالَ فِيهَا قَبْلَ هَذَا: فَإِنْ كَانَ الِاتِّصَالُ فِي طَرَفَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَصَاحِبُ الِاتِّصَالِ أَوْلَى بِهِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مِنْهَا فِي يَدِ رَجُلٍ عَشْرَةُ أَبْيَاتٍ وَفِي يَدِ آخَرَ بَيْتٌ فَالسَّاحَةُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ عَرْصَةٌ فِي الدَّارِ وَبَيْنَ يَدَيْهَا، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اسْتِعْمَالِهِمَا) أَيْ اسْتِعْمَالِ
[ ٨ / ٢٨٩ ]
وَهُوَ الْمُرُورُ فِيهَا.
قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ أَرْضًا) يَعْنِي يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَنَّهَا فِي يَدِهِ لَمْ يَقْضِ أَنَّهَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا) لِأَنَّ الْيَدَ فِيهَا غَيْرُ مُشَاهَدَةٍ لِتَعَذُّرِ إحْضَارِهَا وَمَا غَابَ عَنْ عِلْمِ الْقَاضِي فَالْبَيِّنَةُ تُثْبِتُهُ
السَّاحَةِ (وَهُوَ الْمُرُورُ فِيهَا) وَوَضْعُ الْأَمْتِعَةِ وَصَبُّ الْوُضُوءِ وَكَسْرُ الْحَطَبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَا فِي ذَلِكَ سَوَاءً كَانَا فِي اسْتِحْقَاقِ السَّاحَةِ أَيْضًا سَوَاءً، وَلَعَلَّ مُرُورَ صَاحِبِ الْقَلِيلِ أَكْثَرُ مِنْ مُرُورِ صَاحِبِ الْكَثِيرِ لِزَمَانَةِ صَاحِبِ الْكَثِيرِ وَكَوْنِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ وَلَّاجًا خَرَّاجًا.
عَلَى أَنَّا نَقُولُ: التَّرْجِيحُ لَا يَقَعُ بِكَثْرَةِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْعِلَّةِ وَصَارَ هَذَا كَالطَّرِيقِ يَسْتَوِي فِيهِ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْمَنْزِلِ وَالْبَيْتِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْيَدِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَخْذًا مِنْ الْكَافِي، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا تَنَازَعَا فِي ثَوْبٍ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا جَمِيعُ الثَّوْبِ وَفِي يَدِ الْآخَرِ هُدْبُهُ حَيْثُ يُلْغَى صَاحِبُ الْهُدْبِ، وَمَا إذَا تَنَازَعَا فِي مِقْدَارِ الشُّرْبِ حَيْثُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْأَرَاضِيِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ حَيْثُ جُعِلَتْ السَّاحَةُ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكَةً.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْهُدْبَ لَيْسَ بِثَوْبٍ لِكَوْنِ الثَّوْبِ اسْمًا لِلْمَنْسُوجِ فَكَانَ جَمِيعُ الْمُدَّعِي فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْهُ فَأُلْغِيَ وَالشُّرْبُ تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَرَاضِي دُونَ الْأَرْبَابِ، فَبِكَثْرَةِ الْأَرَاضِيِ كَثُرَ الِاحْتِيَاجُ إلَى الشُّرْبِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَثْرَةِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ، وَأَمَّا فِي السَّاحَةِ فَالِاحْتِيَاجُ لِلْأَرْبَابِ وَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، فَاسْتَوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَصَارَ هَذَا نَظِيرَ تَنَازُعِهِمَا فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ وَضِيقِهِ حَيْثُ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ وَالْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ أَرْضًا، يَعْنِي يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمَا أَنَّهَا فِي يَدِهِ لَمْ يَقْضِ أَنَّهَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا) أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ هَاهُنَا مُسَامَحَةٌ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِأَنَّهَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إقَامَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي يَدِهِ لَا عَلَى إقَامَتِهَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا، وَإِنَّمَا الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ بِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَسَيَتَجَلَّى مِنْ التَّفْصِيلِ الْآتِي فِي الْكِتَابِ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ الْكَافِي هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: لَمْ يَقْضِ بِأَنَّهَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ انْتَهَى.
فَإِنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ هَاهُنَا (لِأَنَّ الْيَدَ فِيهَا) أَيْ فِي الْأَرْضِ (غَيْرُ مُشَاهَدَةٍ لِتَعَذُّرِ إحْضَارِهَا) فَقَدْ غَابَ مِنْ عِلْمِ الْقَاضِي (وَمَا غَابَ عَنْ عِلْمِ الْقَاضِي) أَيْ وَاَلَّذِي غَابَ عَنْ عِلْمِهِ (فَالْبَيِّنَةُ تُثْبِتُهُ) فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْكِنَ الْقَضَاءُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ جَازَ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا؛ وَلَوْ قَضَى لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا بِالْيَدِ لَأَبْطَلَ حَقَّ صَاحِبِ الْيَدِ بِلَا حُجَّةٍ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي الْكَافِي.
قَالَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ غَفَلَ عَنْهَا الْقُضَاةُ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَرْضًا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَزْعُم أَنَّهَا فِي يَدِهِ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِبَيِّنَتِهِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ فِي يَدِ ثَالِثٍ وَالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَوَاضَعَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ لِيَجْعَلَهَا الْقَاضِي فِي يَدِ أَحَدِهِمَا،
[ ٨ / ٢٩٠ ]
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ جُعِلَتْ فِي يَدِهِ) لِقِيَامِ الْحُجَّةِ لِأَنَّ الْيَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ (وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ جُعِلَتْ فِي أَيْدِيهِمَا) لِمَا بَيَّنَّا فَلَا يَسْتَحِقُّ لِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ لَبِنَ فِي الْأَرْضِ أَوْ بَنِي أَوْ حَفَرَ فَهِيَ فِي يَدِهِ) لِوُجُودِ التَّصَرُّفِ وَالِاسْتِعْمَالِ فِيهَا.
فَمَا لَمْ يَثْبُتُ كَوْنُ الْأَرْضِ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَقْضِي، إلَّا أَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُقِرَّ مِنْ أَنْ يُزَاحِمَ الْمُقِرَّ لَهُ فِيهَا لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا فِي يَدِهِ (جُعِلَتْ فِي يَدِهِ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ) وَيُجْعَلُ الْآخَرُ خَارِجًا، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْبَيِّنَةُ تُقَامُ عَلَى الْخَصْمِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهَا فِي يَدِ الْآخَرِ لَا يَكُونُ خَصْمًا فَكَيْفَ يَقْضِي لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؟ قُلْنَا: هُوَ خَصْمٌ بِاعْتِبَارِ مُنَازَعَتِهِ فِي الْيَدِ، وَمَنْ كَانَ خَصْمًا لِغَيْرِهِ بِاعْتِبَارِ مُنَازَعَتِهِ فِي شَيْءٍ شَرْعًا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ مَقْبُولَةً، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ الْيَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ) يَعْنِي فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ خَصْمًا انْتَهَى (وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا (جُعِلَتْ فِي أَيْدِيهِمَا لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: فَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينَ صَاحِبِهِ مَا هِيَ فِي يَدِهِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا هِيَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ عَلَى الْبَتَاتِ، فَإِنْ حَلَفَا لَمْ يَقْضِ لَهُمَا بِالْيَدِ وَبَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَتُوقَفُ الدَّارُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ حَقِيقَةُ الْحَالِ، وَإِنْ نَكَلَا قُضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِكُلِّهَا، لِلْحَالِفِ نِصْفُهَا الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ وَنِصْفُهَا الَّذِي كَانَ بِيَدِ صَاحِبِهِ لِنُكُولِهِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (فَلَا تُسْتَحَقُّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ: أَيْ فَلَا تُسْتَحَقُّ الْيَدُ (لِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا يَخْفَى عَلَيْك هَذَا الْكَلَامُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ اهـ.
أَقُولُ: إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُتَفَرِّعًا عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ إلَخْ، إذْ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَهُمَا، أَوْ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْيَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ إذْ يَلْزَمُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِأَجْنَبِيٍّ. وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَفَرِّعًا عَلَى مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلَانِ أَرْضًا إلَى هُنَا بِأَنْ كَانَ فَذْلَكَةَ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَقَدْ كَانَ فِي مَحِلِّهِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ لَبِنَ فِي الْأَرْضِ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ) يَعْنِي إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْضًا صَحْرَاءَ أَنَّهَا فِي يَدِهِ وَأَحَدُهُمَا لَبِنَ فِيهَا أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ (فَهِيَ فِي يَدِهِ لِوُجُودِ التَّصَرُّفِ وَالِاسْتِعْمَالِ) وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ إثْبَاتُ الْيَدِ كَالرُّكُوبِ عَلَى الدَّوَابِّ وَاللُّبْسِ فِي الثِّيَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ.
[ ٨ / ٢٩١ ]