قَالَ (وَتَصِحُّ دَعْوَى الشِّرْبِ بِغَيْرِ أَرْضٍ اسْتِحْسَانًا)؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْلَكُ بِدُونِ الْأَرْضِ إرْثًا، وَقَدْ يَبِيعُ الْأَرْضَ وَيَبْقَى الشِّرْبُ لَهُ وَهُوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَيَصِحُّ فِيهِ الدَّعْوَى (وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ لِرَجُلٍ يَجْرِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ لَا يُجْرَى النَّهْرُ فِي أَرْضِهِ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ)؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ. فَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ يَكُونُ الْقَوْلُ
(فَصْلٌ فِي الدَّعْوَى وَالِاخْتِلَافِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ)
لَمَّا قَرُبَ الْفَرَاغُ مِنْ بَيَانِ مَسَائِلِ الشُّرْبِ خَتَمَهُ بِفَصْلٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ مَسَائِلِ الشُّرْبِ (وَقَوْلُهُ وَتَصِحُّ دَعْوَى الشُّرْبِ بِغَيْرِ الْأَرْضِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْلَكُ بِدُونِ الْأَرْضِ إرْثًا وَقَدْ تُبَاعُ الْأَرْضُ وَيَبْقَى الشُّرْبُ لَهُ، وَهُوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَيَصِحُّ فِيهِ دَعْوَى الْبَيْعِ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الدَّعْوَى إعْلَامُ الْمُدَّعِي فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةُ وَالشُّرْبُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً لَا تَقْبَلُ الْإِعْلَامَ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا، أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ لِلْقِيَاسِ فِي الْمَبْسُوطِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَشْرُوطَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ، فَإِذَا انْتَفَى الْإِعْلَامُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الدَّعْوَى فِي دَعْوَى الشُّرْبِ لِجَهَالَتِهِ جَهَالَةً لَا تَقْبَلُ الْإِعْلَامَ انْتَفَى صِحَّةُ دَعْوَى الشُّرْبِ قَطْعًا فَلَا يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ دَعْوَاهُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا بِدُونِ الْأَرْضِ إرْثًا وَبَاقِيًا بَعْدَ بَيْعِ الْأَرْضِ وَمَرْغُوبًا فِيهِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمَشْرُوطُ بِدُونِ أَنْ يَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لِلْقِيَاسِ فِي الْمَبْسُوطِ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ لَوْ كَانَ مُصَحِّحًا لِدَعْوَى الشُّرْبِ مَعَ جَهَالَتِهِ لَكَانَ مُصَحِّحًا لِدَعْوَى غَيْرِهِ أَيْضًا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَجْهُولَةِ مَعَ كَوْنِهَا بَاطِلَةً قَطْعًا. نَعَمْ يَصْلُحُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي مُقَابَلَةِ وَجْهٍ آخَرَ لِلْقِيَاسِ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي الْمَبْسُوطِ وَمَنْقُولٌ عَنْهُ أَيْضًا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَطْلُبُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِالْمِلْكِ فِيمَا يَدَّعِيهِ إذَا ثَبَتَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَالشُّرْبُ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ بِغَيْرِ أَرْضٍ فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي فِيهِ الدَّعْوَى كَالْخَمْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ يَدْفَعُ هَذَا الْوَجْهَ، وَيَصِيرُ جَوَابًا عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ.
ثُمَّ أَقُولُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَيْنِكَ الْوَجْهَيْنِ لِلْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ وَإِنْ كَانَ مَذْكُورًا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنْ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنْ الْمَبْسُوطِ فِي بَعْضِهَا، وَبِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فِي الْبَعْضِ إلَّا أَنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ وَالشُّرْبُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً لَا تَقْبَلُ الْإِعْلَامَ أَنَّ الشُّرْبَ مُطْلَقًا مَجْهُولٌ جَهَالَةً لَا تَقْبَلُ الْإِعْلَامَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ إذَا ادَّعَى شُرْبَ يَوْمٍ فِي الشَّهْرِ مَثَلًا يَصِيرُ الشُّرْبُ هُنَاكَ مَعْلُومًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ فِي الشُّرْبِ مِنْ الْأَصْلِ: وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ لِرَجُلٍ فِي أَرْضِهِ فَادَّعَى رَجُلٌ فِيهِ شُرْبَ يَوْمٍ فِي الشَّهْرِ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى شُرْبٍ مَعْلُومٍ مِنْ
[ ١٠ / ٨٤ ]
قَوْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا النَّهْرَ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَجْرَاهُ لَهُ فِي هَذَا النَّهْرِ يَسُوقُهُ إلَى أَرْضِهِ لِيَسْقِيَهَا فَيَقْضِي لَهُ لِإِثْبَاتِهِ بِالْحُجَّةِ مِلْكًا لَهُ أَوْ حَقًّا مُسْتَحَقًّا فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْمَصَبُّ فِي نَهْرٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ أَوْ الْمِيزَابُ أَوْ الْمَمْشَى فِي دَارِ غَيْرِهِ، فَحُكْمُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا نَظِيرُهُ فِي الشِّرْبِ
(وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ وَاخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ كَانَ الشِّرْبُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمْ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِفَاعُ بِسَقْيِهَا فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطَرُّقُ وَهُوَ فِي الدَّارِ الْوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى مِنْهُمْ لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَسْكُرَ النَّهْرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ، وَلَكِنَّهُ يَشْرَبُ بِحِصَّتِهِ، فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ الْأَعْلَى النَّهْرَ حَتَّى يَشْرَبَ بِحِصَّتِهِ أَوْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي نَوْبَتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ بِلَوْحٍ لَا يَسْكُرُ بِمَا يَنْكَبِسُ بِهِ النَّهْرُ مِنْ غَيْرِ تَرَاضٍ لِكَوْنِهِ إضْرَارًا بِهِمْ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَكْرِيَ مِنْهُ نَهْرًا أَوْ يَنْصُبَ عَلَيْهِ رَحَى مَاءٍ إلَّا بِرِضَا أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ ضِفَّةِ النَّهْرِ وَشَغْلَ مَوْضِعٍ مُشْتَرَكٍ بِالْبِنَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَحًى لَا يَضُرُّ بِالنَّهْرِ وَلَا بِالْمَاءِ، وَيَكُونُ مَوْضِعُهَا فِي أَرْضِ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَلَا ضَرَرَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
غَيْرِ أَرْضٍ.
وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ أَرْضٍ مَقْبُولَةٌ إذَا كَانَ الشُّرْبُ مَعْلُومًا، وَالشُّرْبُ مَعْلُومٌ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا لَهُ بِشُرْبِ يَوْمٍ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ مَعْلُومٌ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَصْلِ وَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ الشُّرْبَ قَدْ يَكُونُ مَجْهُولًا فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يُجْدَى شَيْئًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِصِحَّةِ دَعْوَى الشُّرْبِ بِغَيْرِ أَرْضٍ اسْتِحْسَانًا فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ صِحَّةُ دَعْوَى الشُّرْبِ الْمَعْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَى الشُّرْبِ الْمَجْهُولِ وَالشَّهَادَةَ عَلَيْهِ لَا تَصِحُّ أَصْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ لَهُ شُرْبَ يَوْمٍ، وَلَمْ يُسَمُّوا عَدَدَ الْأَيَّامِ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِشُرْبٍ مَجْهُولٍ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَنَّ لَهُ شُرْبَ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ أَوْ مِنْ السَّنَةِ أَوْ مِنْ الْأُسْبُوعِ، وَجَهَالَةُ الْمَشْهُودِ بِهِ تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِهَا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: يَعْنِي بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا بِإِجْرَاءِ مَائِهِ فِيهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ أَشْجَارُهُ فِي طَرَفَيْ النَّهْرِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ خَلَلٌ، إذْ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا بِإِجْرَاءِ مَائِهِ فِيهِ يَلْزَمُ أَنْ يَلْغُوا قَوْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا، إذْ يَكُونُ عَدَمُ الْجَرَيَانِ حِينَئِذٍ مُنْدَرِجًا فِي مَضْمُونِ قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا مُسْتَدْرَكًا مَحْضًا، فَالْوَجْهُ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ إنْ لَمْ تَكُنْ أَشْجَارُهُ فِي طَرَفَيْ النَّهْرِ، فَإِنَّ كَوْنَ أَشْجَارِهِ فِي طَرَفَيْ النَّهْرِ عَلَامَةَ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّهْرُ لَهُ، وَجَرَيَانُ مَائِهِ فِيهِ عَلَامَةُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَجْرَاهُ فِي هَذَا النَّهْرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إشَارَةٌ إلَى انْتِفَاءِ الْعَلَامَةِ الْأُولَى.
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا إشَارَةٌ إلَى انْتِفَاءِ الْعَلَامَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَصِيرُ مَعْنَى مَجْمُوعِ كَلَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ الْعَلَامَتَيْنِ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا النَّهْرَ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَجْرَاهُ فِي هَذَا النَّهْرِ فَيَنْتَظِمُ السِّيَاقُ وَاللِّحَاقُ كَمَا تَرَى. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ
[ ١٠ / ٨٥ ]
وَمَعْنَى الضَّرَرِ بِالنَّهْرِ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ كَسْرِ ضِفَّتِهِ، وَبِالْمَاءِ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ سُنَنِهِ الَّذِي كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِ، وَالدَّالِيَةُ وَالسَّانِيَةُ نَظِيرُ الرَّحَى، وَلَا يَتَّخِذَ عَلَيْهِ جِسْرًا وَلَا قَنْطَرَةً بِمَنْزِلَةِ طَرِيقٍ خَاصٍّ بَيْنَ قَوْمٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِوَاحِدٍ نَهْرٌ خَاصٌّ يَأْخُذُ مِنْ نَهْرٍ خَاصٍّ بَيْنَ قَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يُقَنْطِرَ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْثِقَ مِنْهُ لَهُ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مُقَنْطِرًا مُسْتَوْثِقًا فَأَرَادَ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ وَلَا يَزِيدَ ذَلِكَ فِي أَخْذِ الْمَاءِ حَيْثُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَضْعًا وَرَفْعًا. وَلَا ضَرَرَ بِالشُّرَكَاءِ بِأَخْذِ زِيَادَةِ الْمَاءِ، وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُوَسِّعَ فَمَ النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ ضِفَّةَ النَّهْرِ، وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فِي أَخْذِ الْمَاءِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالْكُوَى، وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا عَنْ فَمِ النَّهْرِ فَيَجْعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنْهُ لِاحْتِبَاسِ الْمَاءِ فِيهِ فَيَزْدَادُ دُخُولُ الْمَاءِ فِيهِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُسْفِلَ كُوَاهُ أَوْ يَرْفَعَهَا حَيْثُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَاءِ فِي الْأَصْلِ بِاعْتِبَارِ سَعَةِ الْكُوَّةِ وَضِيقِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ التَّسَفُّلِ وَالتَّرَفُّعِ وَهُوَ الْعَادَةُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغْيِيرُ مَوْضِعِ الْقِسْمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ وَقَعَتْ بِالْكُوَى فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُقَسِّمَ بِالْأَيَّامِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ يَتْرُكُ عَلَى قَدَمِهِ لِظُهُورِ الْحَقِّ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كُوًى مُسَمَّاةٌ فِي نَهْرٍ خَاصٍّ لَيْسَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَزِيدَ كُوَّةً وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَةَ خَاصَّةٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْكُوَى فِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَشُقَّ نَهْرًا مِنْهُ ابْتِدَاءً فَكَانَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْكُوَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى
(وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي النَّهْرِ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى لَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ شِرْبٌ)؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَقُّهُ (وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ
صَاحِبَيْ الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ تَفْسِيرَ مَجْمُوعِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا بِإِجْرَاءِ مَائِهِ فِيهِ نَاظِرًا إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا أَوْ لَمْ تَكُنْ أَشْجَارُهُ فِي طَرَفَيْ النَّهْرِ نَاظِرًا إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْغَيْرِ مُرَتَّبٍ. لِأَنَّا نَقُولُ: مَعَ كَوْنِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْغَيْرِ مُرَتَّبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ مِنْ قَبِيلِ الْأَلْغَازِ فِي الْكَلَامِ لَا يَسْتَقِيمُ حِينَئِذٍ كَلِمَةُ أَوْ فِي قَوْلِهِمَا أَوْ لَمْ تَكُنْ أَشْجَارُهُ فِي طَرَفَيْ النَّهْرِ فَإِنَّهَا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: فَإِنْ انْتَفَتْ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إذَا انْتَفَتْ إحْدَاهُمَا وَوُجِدَتْ أُخْرَاهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَلِهَذَا قَالَ
[ ١٠ / ٨٦ ]
فِي أَرْضِهِ الْأُولَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الْأُخْرَى)؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ، إذْ الْأَرْضُ الْأُولَى تُنَشِّفُ بَعْضَ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ تُسْقَى الْأَرْضُ الْأُخْرَى، وَهُوَ نَظِيرُ طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا إلَى دَارٍ أُخْرَى سَاكِنُهَا غَيْرُ سَاكِنِ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي يَفْتَحُهَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ، وَلَوْ أَرَادَ الْأَعْلَى مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي النَّهْرِ الْخَاصِّ وَفِيهِ كُوًى بَيْنَهُمَا أَنْ يَسُدَّ بَعْضَهَا دَفْعًا لِفَيْضِ الْمَاءِ عَنْ أَرْضِهِ كَيْ لَا تَنِزَّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْآخَرِ، وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ الشِّرْبَ مُنَاصَفَةً بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِالْكُوَى تَقَدَّمَتْ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَبَعْضُ التَّرَاضِي لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ. وَكَذَا لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ؛ لِأَنَّهُ إعَارَةُ الشِّرْبِ، فَإِنَّ مُبَادَلَةَ الشِّرْبِ بِالشِّرْبِ بَاطِلَةٌ، وَالشِّرْبُ مِمَّا يُورَثُ وَيُوصَى بِالِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَا تَجُوزُ الْعُقُودُ إمَّا لِلْجَهَالَةِ أَوْ لِلْغَرَرِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٌ حَتَّى لَا يَضْمَنَ إذَا سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْعُقُودُ فَالْوَصِيَّةُ بِالْبَاطِلِ بَاطِلَةٌ، وَكَذَا لَا يَصْلُحُ مُسَمًّى فِي النِّكَاحِ حَتَّى يَجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَا فِي الْخُلْعِ حَتَّى يَجِبَ رَدُّ
الْمُصَنِّفُ: وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا بِكَلِمَةِ الْوَاوِ إشَارَةً إلَى انْتِفَائِهِمَا مَعًا
(قَوْلُهُ وَالشِّرْبُ مِمَّا يُورَثُ وَيُوصَى بِالِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَا تَجُوزُ الْعُقُودُ إمَّا لِلْجَهَالَةِ أَوْ لِلْغَرَرِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَا يَضْمَنَ إذَا سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ الشِّرْبَ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَمُفْرَدًا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخٍ؛ لِأَنَّهُ حَظٌّ مِنْ الْمَاءِ وَلِهَذَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ وَلَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الشِّرْبِ انْتَهَى.
فَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ هَاهُنَا حَتَّى لَا يَضْمَنَ إذَا سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ هُنَاكَ، وَلِهَذَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مُنَاقَضَةً ظَاهِرَةً. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ كَلَامِهِ فِي الْمَقَامَيْنِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَهُوَ مُخْتَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ. وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ حَيْثُ قَالَ: رَجُلٌ لَهُ نَوْبَةُ مَاءٍ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأُسْبُوعِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَقَى أَرْضَهُ فِي نَوْبَتِهِ، ذَكَرَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ أَنَّ غَاصِبَ الْمَاءِ يَكُونُ ضَامِنًا، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ
[ ١٠ / ٨٧ ]
مَا قَبَضَتْ مِنْ الصَّدَاقِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ. وَلَا يَصْلُحُ بَدَلُ الصُّلْحِ عَنْ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ. وَلَا يُبَاعُ الشِّرْبُ فِي دَيْنِ صَاحِبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدُونِ أَرْضٍ كَمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ يَصْنَعُ الْإِمَامُ؟ الْأَصَحُّ أَنْ يَضُمَّهُ إلَى أَرْضٍ لَا شِرْبَ لَهَا فَيَبِيعَهَا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ مَعَ الشِّرْبِ وَبِدُونِهِ فَيَصْرِفُ التَّفَاوُتَ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ اشْتَرَى عَلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ أَرْضًا بِغَيْرِ شِرْبٍ، ثُمَّ ضَمَّ الشِّرْبَ إلَيْهَا وَبَاعَهُمَا فَيَصْرِفُ مِنْ الثَّمَنِ إلَى ثَمَنِ الْأَرْضِ وَيَصْرِفُ الْفَاضِلَ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ
(وَإِذَا) (سَقَى الرَّجُلُ أَرْضَهُ أَوْ مَخَرَهَا مَاءً) أَيْ مَلَأَهَا (فَسَالَ مِنْ مَائِهَا فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَغَرَّقَهَا أَوْ نَزَّتْ أَرْضُ جَارِهِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِيهِ