(وَمَنْ سَمِعَ حِسًّا ظَنَّهُ حِسَّ صَيْدٍ فَرَمَاهُ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ بَازِيًا عَلَيْهِ فَأَصَابَ صَيْدًا،
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ، وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا ثَبَتَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ يُتْرَكُ بِالنَّصِّ، وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي كُلِّيَّةِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ تَفَكَّرْ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ وَأَخَذَ الصَّيْدَ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ مِثْلُ الِانْفِلَاتِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِي حِلِّ الصَّيْدِ، بِخِلَافِ الْإِرْسَالِ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا الشَّرْحُ بِسَدِيدٍ عِنْدِي؛ إذْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ فِيمَا سَبَقَ فِي كَوْنِ فِعْلِ الْغَيْرِ الْمَشْرُوطِ فِي حِلِّ الصَّيْدِ مَرْفُوعًا بِمَا هُوَ مَشْرُوطٌ فِي حِلِّهِ أَوْ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ، بَلْ كَانَ الْكَلَامُ فِي كَوْنِ الْفِعْلِ مَرْفُوعًا بِمَا هُوَ فَوْقَهُ فِي الْقُوَّةِ أَوْ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ فِيهَا كَمَا فِي نَسْخِ الْآيِ، فَالْوَجْهُ هَا هُنَا أَنْ يُقَالَ: يَعْنِي أَنَّ الزَّجْرَ مِثْلُ الِانْفِلَاتِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَتَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ إيَّاهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ دُونَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ فَهُوَ فَوْقَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ فَاسْتَوَيَا فَصَلَحَ نَاسِخًا بِمَنْزِلَةِ الصَّرِيحِ فِيمَا قُلْنَاهُ تَبَصَّرْ
(فَصْلٌ فِي الرَّمْيِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْآلَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْآلَةِ الْجَمَادِيَّةِ، وَقَدْ مَرَّ وَجْهُ تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ،
[ ١٠ / ١٢٥ ]
ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ صَيْدٍ حَلَّ الْمُصَابُ) أَيَّ صَيْدٍ كَانَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الِاصْطِيَادَ
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ الْخِنْزِيرَ لِتَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ السِّبَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْثَرُ فِي جِلْدِهَا
وَزُفَرُ خَصَّ مِنْهَا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ فِيهِ لَيْسَ لِلْإِبَاحَةِ
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ اسْمَ الِاصْطِيَادِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَأْكُولِ فَوَقَعَ الْفِعْلُ اصْطِيَادًا وَهُوَ فِعْلٌ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِبَاحَةُ التَّنَاوُلِ تَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَتَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا يَقْبَلُهُ لَحْمًا وَجِلْدًا، وَقَدْ لَا تَثْبُتُ إذَا لَمْ يَقْبَلْهُ، وَإِذَا وَقَعَ اصْطِيَادًا صَارَ كَأَنَّهُ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ (وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ أَهْلِيٍّ لَا يَحِلُّ الْمُصَابُ)؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ (وَالطَّيْرُ الدَّاجِنُ الَّذِي يَأْوِي الْبُيُوتَ أَهْلِيٌّ وَالظَّبْيُ الْمُوَثَّقُ بِمَنْزِلَتِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (لَوْ رَمَى إلَى طَائِرٍ فَأَصَابَ صَيْدًا وَمَرَّ الطَّائِرُ وَلَا يَدْرِي وَحْشِيٌّ هُوَ أَوْ غَيْرُ وَحْشِيٍّ حَلَّ الصَّيْدُ)؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيهِ التَّوَحُّشُ (وَلَوْ رَمَى إلَى بَعِيرٍ فَأَصَابَ صَيْدًا وَلَا يَدْرِي نَادٌّ هُوَ أَمَّ لَا لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الِاسْتِئْنَاسُ (وَلَوْ رَمَى إلَى سَمَكَةٍ أَوْ جَرَادَةٍ فَأَصَابَ صَيْدًا يَحِلُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ)؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ، وَفِي أُخْرَى عَنْهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ فِيهِمَا (وَلَوْ رَمَى فَأَصَابَ الْمَسْمُوعَ حِسُّهُ وَقَدْ ظَنَّهُ آدَمِيًّا فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ يَحِلُّ)؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِظَنِّهِ مَعَ تَعَيُّنِهِ (فَإِذَا سَمَّى الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّمْيِ أُكِلَ مَا أَصَابَ إذَا جَرَحَهُ السَّهْمُ فَمَاتَ)؛ لِأَنَّهُ ذَابِحٌ بِالرَّمْيِ لِكَوْنِ
قَوْلُهُ وَالظَّبْيُ الْمُوَثَّقُ بِمَنْزِلَتِهِ) قَالَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: أَيْ بِمَنْزِلَةِ الْآدَمِيِّ
أَقُولُ: هَذَا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الظَّبْيَ الْمُوَثَّقَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ دُونَ الْآدَمِيِّ؛ إذْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانَيْنِ
فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ بِكَوْنِ الظَّبْيِ الْمُوَثَّقِ بِمَنْزِلَةِ الْآدَمِيِّ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ غَيْرَ صَيْدٍ كَالْآدَمِيِّ لَا الِاشْتِرَاكُ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ فَلَا مَحْذُورَ فِي جَعْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْآدَمِيِّ
قُلْت: لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْمَعْنَى لَقَالَ: وَالطَّيْرُ الدَّاجِنُ الَّذِي يَأْوِي الْبُيُوتَ وَالظَّبْيُ الْمُوَثَّقُ بِمَنْزِلَتِهِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مُجَرَّدِ كَوْنِهِمَا غَيْرَ صَيْدٍ
وَلَمَّا فَصَلَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: وَالطَّيْرُ الدَّاجِنُ الَّذِي يَأْوِي الْبُيُوتَ أَهْلِيٌّ، وَالظَّبْيُ الْمُوَثَّقُ بِمَنْزِلَتِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَنْ لَا يَكُونَ صَيْدًا بَلْ الِاشْتِرَاكُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَيْضًا
فَالْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالظَّبْيُ الْمُوَثَّقُ بِمَنْزِلَتِهِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ حَيْثُ
[ ١٠ / ١٢٦ ]
السَّهْمِ آلَةً لَهُ فَتُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ، وَجَمِيعُ الْبَدَنِ مَحَلٌّ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الذَّكَاةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْجُرْحِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الذَّكَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ
قَالَ (وَإِذَا أَدْرَكَهُ حَيًّا ذَكَّاهُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهَا بِوُجُوهِهَا، وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَلَا نُعِيدُهُ.
قَالَ (وَإِذَا وَقَعَ السَّهْمُ بِالصَّيْدِ فَتَحَامَلَ حَتَّى غَابَ عَنْهُ وَلَمْ يَزَلْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَصَابَهُ مَيِّتًا أُكِلَ، وَإِنْ قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ) ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ الصَّيْدِ إذَا غَابَ عَنْ الرَّامِي وَقَالَ: لَعَلَّ هَوَامَّ الْأَرْضِ قَتَلَتْهُ» وَلِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ قَائِمٌ فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُومَ فِي هَذَا كَالْمُتَحَقِّقِ لِمَا رَوَيْنَا، إلَّا أَنَّا أَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهُ مَا دَامَ فِي طَلَبِهِ ضَرُورَةَ أَنْ لَا يَعْرَى الِاصْطِيَادُ
قَالَ: أَيْ الظَّبْيُ الْمُقَيَّدُ بِمَنْزِلَةِ الطَّيْرِ الدَّاجِنِ الَّذِي يَأْوِي الْبُيُوتَ انْتَهَى
(قَوْلُهُ: وَإِذَا وَقَعَ السَّهْمُ بِالصَّيْدِ فَتَحَامَلَ حَتَّى غَابَ عَنْهُ، وَلَمْ يَزَلْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَصَابَهُ مَيِّتًا أُكِلَ، وَإِنْ قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَجَعَلَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ
[ ١٠ / ١٢٧ ]
عَنْهُ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ تَوَارٍ يَكُونُ بِسَبَبِ عَمَلِهِ، وَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ مَا تَوَارَى عَنْهُ إذَا لَمْ يَبِتْ يَحِلُّ فَإِذَا بَاتَ لَيْلَةً لَمْ يَحِلَّ (وَلَوْ وُجِدَ بِهِ جِرَاحَةٌ سِوَى جِرَاحَةِ سَهْمِهِ لَا يَحِلُّ)؛ لِأَنَّهُ مَوْهُومٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَاعْتُبِرَ مُحَرَّمًا، بِخِلَافِ وَهْمِ الْهَوَامِّ
وَالْجَوَابُ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ فِي هَذَا
مِنْ شَرْطِ حِلِّ الصَّيْدِ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ فَقَالَ: لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا يَحِلُّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كُلْ مَا أَصَمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت، وَالْإِصْمَاءُ: مَا رَأَيْته، وَالْإِنْمَاءُ: مَا تَوَارَى عَنْك
وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ يَحْرُمُ بِالتَّوَارِي، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ الزَّيْلَعِيُّ، فَإِنَّ الْإِمَامَ قَاضِي خَانْ لَمْ يَجْعَلْ فِي فَتَاوَاهُ مِنْ شَرْطِ حِلِّ الصَّيْدِ عَدَمَ التَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ بِخُصُوصِهِ، بَلْ جَعَلَ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: عَدَمُ التَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ، وَعَدَمُ الْقُعُودِ عَنْ طَلَبِهِ حَيْثُ قَالَ:
وَالسَّابِعُ يَعْنِي الشَّرْطَ السَّابِعَ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ أَوْ لَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ فَيَكُونَ فِي طَلَبِهِ، وَلَا يَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ حَتَّى يَجِدَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا يَحِلُّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كُلْ مَا أَصَمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت
وَالْإِصْمَاءُ: مَا رَأَيْته، وَالْإِنْمَاءُ: مَا تَوَارَى عَنْك انْتَهَى
وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالسَّابِعُ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ أَوْ لَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ لَا يَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ التَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ،
[ ١٠ / ١٢٨ ]
كَالْجَوَابِ فِي الرَّمْيِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ أَوْ وَقَعَ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ ثُمَّ تَرَدَّى مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّهُ الْمُتَرَدِّيَةُ وَهِيَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، وَلِأَنَّهُ احْتَمَلَ الْمَوْتَ بِغَيْرِ الرَّمْيِ؛ إذْ الْمَاءُ مُهْلِكٌ
وَكَذَا السُّقُوطُ مِنْ عَالٍ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ لِعَدِيٍّ ﵁ «وَإِنْ وَقَعَتْ رَمِيَّتُك فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَنَّ الْمَاءَ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُك» (وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً أُكِلَ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَفِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الِاصْطِيَادِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّ سَبَبَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ إذَا اجْتَمَعَا وَأَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَمَّا هُوَ سَبَبُ الْحُرْمَةِ تُرَجَّحُ جِهَةُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ جَرَى وُجُودُهُ مَجْرَى عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، فَمِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ إذَا وَقَعَ عَلَى شَجَرٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ آجُرَّةٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ رَمَاهُ، وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ فَتَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ حَتَّى تَرَدَّى إلَى الْأَرْضِ، أَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ عَلَى رُمْحٍ مَنْصُوبٍ أَوْ عَلَى قَصَبَةٍ قَائِمَةٍ أَوْ عَلَى حَرْفِ آجُرَّةٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّ حَدَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَتَلَهُ، وَمِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ إذَا وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ عَلَى مَا هُوَ مَعْنَاهُ كَجَبَلٍ أَوْ ظَهْرِ بَيْتٍ أَوْ لَبِنَةٍ مَوْضُوعَةٍ أَوْ صَخْرَةٍ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَرْضِ سَوَاءٌ
وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَفَى: لَوْ وَقَعَ عَلَى صَخْرَةٍ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ لَمْ يُؤْكَلْ لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ
وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَحُمِلَ مُطْلَقُ الْمَرْوِيِّ فِي الْأَصْلِ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ الِانْشِقَاقِ، وَحَمَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ عَلَى مَا أَصَابَهُ حَدُّ الصَّخْرَةِ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ بِذَلِكَ، وَحَمَلَ الْمَرْوِيَّ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ الْآجُرَّةِ إلَّا مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْأَرْضِ لَوْ وَقَعَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ
بَلْ إنَّمَا يَحْرُمُ بِالتَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ وَالْقُعُودِ عَنْ طَلَبِهِ مَعًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا يَحِلُّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ بِقَرِينَةِ سِيَاقِ كَلَامِهِ
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ فَيُعْذَرُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ تَوَارِي الصَّيْدِ عَنْ بَصَرِ الرَّامِي، فَكَانَ فِي اعْتِبَارِ عَدَمِ التَّوَارِي مُطْلَقًا حَرَجٌ عَظِيمٌ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنَّا أَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهُ مَا دَامَ فِي طَلَبِهِ ضَرُورَةُ أَنْ لَا يَعْرَى الِاصْطِيَادُ عَنْهُ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ تَوَارٍ يَكُونُ بِسَبَبِ عَمَلِهِ
وَذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ وَالْكَافِي «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِالرَّوْحَاءِ عَلَى حِمَارِ وَحْشٍ عَقِيرٍ فَتَبَادَرَ أَصْحَابُهُ إلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ: دَعُوهُ فَسَيَأْتِي صَاحِبُهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذِهِ رَمْيَتِي، وَأَنَا فِي طَلَبِهَا وَقَدْ جَعَلْتهَا لَك، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الرِّفَاقِ» انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً أُكِلَ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ مَا يَقْتُلُهُ كَحَدِّ الرُّمْحِ وَالْقَصَبَةِ الْمَنْصُوبَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا التَّقْيِيدُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ هَا هُنَا؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوُقُوعَ عَلَى نَحْوِ حَدِّ الرُّمْحِ وَالْقَصَبَةِ الْمَنْصُوبَةِ لَيْسَ بِوُقُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَلِهَذَا جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ قَسِيمًا لِلثَّانِي فِيمَا سَيَجِيءُ، وَعَدَّ الْأَوَّلَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَالثَّانِيَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ قَوْلُهُ هَا هُنَا وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً مَا وَقَعَ عَلَى نَحْوِ حَدِّ الرُّمْحِ وَالْقَصَبَةِ الْمَنْصُوبَةِ حَتَّى يُحْتَاجَ إلَى أَنْ يُقَالَ: يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ مَا يَقْتُلُهُ كَحَدِّ الرُّمْحِ وَالْقَصَبَةِ الْمَنْصُوبَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ
[ ١٠ / ١٢٩ ]
عَفْوٌ وَهَذَا أَصَحُّ
وَإِنْ كَانَ الطَّيْرُ مَائِيًّا، فَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ لَا تَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ أُكِلَ، وَإِنْ انْغَمَسَتْ لَا يُؤْكَلُ كَمَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ
قَالَ (وَمَا أَصَابَهُ الْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ جَرَحَهُ يُؤْكَلُ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهِ «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ» وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْجُرْحِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الذَّكَاةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ (وَلَا يُؤْكَلُ مَا أَصَابَتْهُ الْبُنْدُقَةُ فَمَاتَ بِهَا)؛ لِأَنَّهَا تَدُقُّ وَتَكْسِرُ وَلَا تَجْرَحُ فَصَارَ كَالْمِعْرَاضِ إذَا لَمْ يَخْزِقُ، وَكَذَلِكَ إنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ، وَكَذَا إنْ جَرَحَهُ
قَالُوا: تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ ثَقِيلًا وَبِهِ حِدَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ خَفِيفًا وَبِهِ حِدَةٌ يَحِلُّ لِتَعَيُّنِ الْمَوْتِ بِالْجُرْحِ، وَلَوْ كَانَ الْحَجَرُ خَفِيفًا، وَجَعَلَهُ طَوِيلًا كَالسَّهْمِ وَبِهِ حِدَةٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِجُرْحِهِ، وَلَوْ رَمَاهُ بِمَرْوَةِ حَدِيدَةٍ وَلَمْ تُبْضِعْ بِضْعًا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَقًّا، وَكَذَا إذَا رَمَاهُ بِهَا فَأَبَانَ رَأْسَهُ أَوْ قَطَعَ أَوْدَاجَهُ؛ لِأَنَّ الْعُرُوقَ تَنْقَطِعُ بِثِقَلِ الْحَجَرِ كَمَا تَنْقَطِعُ بِالْقَطْعِ فَوْقَ الشَّكِّ أَوْ لَعَلَّهُ مَاتَ قَبْلَ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ، وَلَوْ رَمَاهُ بِعَصًا أَوْ بِعُودٍ حَتَّى قَتَلَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُهُ ثِقَلًا لَا جُرْحًا، اللَّهُمَّ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ حِدَةٌ يُبْضِعُ بِضْعًا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ وَالرُّمْحِ
وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَوْتَ إذَا كَانَ مُضَافًا إلَى الْجُرْحِ بِيَقِينٍ كَانَ الصَّيْدُ حَلَالًا، وَإِذَا كَانَ مُضَافًا إلَى الثِّقَلِ بِيَقِينٍ كَانَ حَرَامًا، وَإِنْ وَقَعَ الشَّكُّ وَلَا يَدْرِي مَاتَ بِالْجُرْحِ أَوْ بِالثِّقَلِ كَانَ حَرَامًا احْتِيَاطًا، وَإِنْ رَمَاهُ بِسَيْفٍ أَوْ بِسِكِّينٍ فَأَصَابَهُ بِحَدِّهِ فَجَرَحَهُ حَلَّ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِقَفَا السِّكِّينِ أَوْ بِمِقْبَضِ السَّيْفِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَقًّا، وَالْحَدِيدُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ
وَلَوْ رَمَاهُ فَجَرَحَهُ وَمَاتَ بِالْجُرْحِ، إنْ كَانَ الْجُرْحُ مُدْمِيًا يَحِلُّ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدْمِيًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَحْتَبِسُ بِضِيقِ الْمَنْفَذِ أَوْ غِلَظِ الدَّمِ
وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُشْتَرَطُ الْإِدْمَاءُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلْ» شَرَطَ الْإِنْهَارَ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدْمِيًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَحْتَبِسُ لِضِيقِ الْمَنْفَذِ أَوْ غِلَظِ الدَّمِ) أَقُولُ: يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّبْحِ هُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ النَّجِسِ، وَأَنَّ الْجُرْحَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْبَدَنِ ذَبْحٌ اضْطِرَارِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الذَّبْحِ الِاخْتِيَارِيِّ وَهُوَ الْجُرْحُ
فِيمَا بَيْنَ اللِّبَةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الذَّبْحَيْنِ إخْرَاجَ الدَّمِ إلَّا أَنَّ الِاخْتِيَارِيَّ أَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَارِيِّ فَكَوْنُ الدَّمِ مُحْتَبِسًا لِضِيقِ الْمَنْفَذِ أَوْ غِلَظِ الدَّمِ لَا يَقْتَضِي حِلَّ أَكْلِ الْمَجْرُوحِ بِالرَّمْيِ بِدُونِ الْإِدْمَاءِ، بَلْ يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالذَّبْحِ
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الدَّمَ قَدْ يَحْتَبِسُ لِضِيقِ الْمَنْفَذِ أَوْ غِلَظِ الدَّمِ فَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ فَفِي اعْتِبَارِ الْإِدْمَاءِ حَرَجٌ، فَاكْتَفَى بِمَا هُوَ سَبَبُهُ فِي الْغَالِبِ وَهُوَ الْجُرْحُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُشْتَرَطُ الْإِدْمَاءُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلْ» شَرَطَ الْإِنْهَارَ) أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى شَرْطِ الْإِنْهَارِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ
[ ١٠ / ١٣٠ ]
حَلَّ بِدُونِ الْإِدْمَاءِ، وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً وَلَمْ يَسِلْ مِنْهُ الدَّمُ قِيلَ لَا تَحِلُّ وَقِيلَ تَحِلُّ
وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ
وَإِذَا أَصَابَ السَّهْمُ ظِلْفَ الصَّيْدِ أَوْ قَرْنَهُ، فَإِنْ أَدْمَاهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَاهُ
قَالَ (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا فَقَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ أُكِلَ الصَّيْدُ) لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَلَا يُؤْكَلُ الْعُضْوُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أُكِلَ إنْ مَاتَ الصَّيْدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَانٌ بِذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ فَيَحِلُّ الْمُبَانُ وَالْمُبَانُ مِنْهُ كَمَا إذَا أُبِينَ الرَّأْسُ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَمُتْ؛ لِأَنَّهُ مَا أُبِينَ بِالذَّكَاةِ
وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» ذِكْرُ الْحَيِّ مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ حَقِيقَةً لِقِيَامِ الْحَيَاةِ فِيهِ، وَكَذَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ تُتَوَهَّمُ سَلَامَتُهُ بَعْدَ هَذِهِ الْجِرَاحَةِ وَلِهَذَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ حَيًّا، حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَفِيهِ حَيَاةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَحْرُمُ
وَقَوْلُهُ أُبِينَ بِالذَّكَاةِ قُلْنَا حَالَ وُقُوعِهِ لَمْ يَقَعْ ذَكَاةً لِبَقَاءِ الرُّوحِ فِي الْبَاقِي، وَعِنْدَ زَوَالِهِ لَا يَظْهَرُ فِي الْمُبَانِ لِعَدَمِ الْحَيَاةِ فِيهِ، وَلَا تَبَعِيَّةَ لِزَوَالِهَا بِالِانْفِصَالِ فَصَارَ هَذَا الْحَرْفُ هُوَ الْأَصْلَ؛ لِأَنَّ الْمُبَانَ مِنْ الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا يَحِلُّ، وَالْمُبَانُ مِنْ الْحَيِّ صُورَةً لَا حُكْمًا يَحِلُّ وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْقَى فِي الْمُبَانِ مِنْهُ حَيَاةٌ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ
الْمُخَالِفَةِ تَدَبَّرْ تَفْهَمْ
وَطَعَنَ فِيهِ صَاحِبُ الْغَايَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ كَمَا شَرَطَ الْإِنْهَارَ شَرَطَ فَرْيَ الْأَوْدَاجِ أَيْضًا
وَفِي ذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ لَا يُشْتَرَطُ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ، فَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْإِنْهَارُ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ فِي ذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ وَلُزُومِ الْحَرَجِ فِي اشْتِرَاطِهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٌ فِي الْإِنْهَارِ؛ إذْ لَا عَجْزَ عَنْ الْجُرْحِ بِلَا رَيْبٍ، ثُمَّ إنَّ الْجُرْحَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْإِنْهَارِ فِي الْغَالِبِ فَلَا حَرَجَ فِي اشْتِرَاطِ الْإِنْهَارِ عَلَى رَأْيِ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَافْتَرَقَا
(قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» ذَكَرَ الْحَيَّ مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: يَعْنِي أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَيَّ مُطْلَقًا وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَالْكَامِلُ هُوَ الْحَيُّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَالْعُضْوُ
[ ١٠ / ١٣١ ]
فِي الْمَذْبُوحِ فَإِنَّهُ حَيَاةٌ صُورَةً لَا حُكْمًا، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَبِهِ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ لَا يَحْرُمُ فَتُخَرَّجُ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ، فَنَقُولُ: إذَا قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ فَخِذًا أَوْ ثُلُثَهُ مِمَّا يَلِي الْقَوَائِمَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الرَّأْسِ يَحْرُمُ الْمُبَانُ وَيَحِلُّ الْمُبَانُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فِي الْبَاقِي (وَلَوْ قَدَّهُ بِنِصْفَيْنِ أَوْ قَطَّعَهُ أَثْلَاثًا وَالْأَكْثَرُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ أَوْ قَطَعَ نِصْفَ رَأْسِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ يَحِلُّ الْمُبَانُ وَالْمُبَانُ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ صُورَةً لَا حُكْمًا؛ إذْ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ بَعْدَ هَذَا الْجُرْحِ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ تَنَاوَلَ السَّمَكَ وَمَا أُبِينَ مِنْهُ فَهُوَ مَيِّتٌ، إلَّا أَنَّ مَيْتَتَهُ حَلَالٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ
(وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَ شَاةٍ فَأَبَانَ رَأْسَهَا يَحِلُّ لِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ) وَيُكْرَهُ هَذَا الصَّنِيعُ لِإِبْلَاغِهِ النُّخَاعَ، وَإِنْ ضَرَبَهُ مِنْ قِبَلِ الْقَفَا، إنْ مَاتَ قَبْلَ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ لَا يَحِلُّ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ حَتَّى قَطَعَ الْأَوْدَاجَ حَلَّ
(وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَقَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا وَلَمْ يُبِنْهُ؛ إنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ الِالْتِئَامُ وَالِانْدِمَالُ فَإِذَا مَاتَ حَلَّ أَكْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَهَّمُ بِأَنْ بَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ مَا سِوَاهُ لِوُجُودِ الْإِبَانَةِ مَعْنًى وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي.
قَالَ (وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَالْوَثَنِيِّ)؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الذَّبَائِحِ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا فِي إبَاحَةِ الصَّيْدِ بِخِلَافِ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ اخْتِيَارًا فَكَذَا اضْطِرَارًا.
قَالَ (وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ وَلَمْ يُثْخِنْهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي وَيُؤْكَلُ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْآخِذُ، وَقَدْ قَالَ ﵊ «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَ» (وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَثْخَنَهُ فَرَمَاهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَلَمْ يُؤْكَلْ)
الْمُبَانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ: أَيْ أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا
أَقُولُ: الْمُقَدَّمَةُ الْقَائِلَةُ: إنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ شَائِعَةٌ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ وَكُتُبِ أَصْحَابِنَا لَكِنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي الظَّاهِرِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْمُطْلَقِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُقَيَّدَ يَجْرِي
[ ١٠ / ١٣٢ ]
لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِالثَّانِي، وَهُوَ لَيْسَ بِذَكَاةٍ لِلْقُدْرَةِ عَلَى ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ، بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَوْتُ مُضَافًا إلَى الرَّمْيِ الثَّانِي
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الصَّيْدُ بِأَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَبْقَى فِي الْمَذْبُوحِ، كَمَا إذَا أَبَانَ رَأْسَهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُضَافُ إلَى الرَّمْيِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِنْهُ الصَّيْدُ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الذَّبْحِ بِأَنْ كَانَ يَعِيشُ يَوْمًا أَوْ دُونَهُ؛ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْرُمُ بِالرَّمْيِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَيَاةِ لَا عِبْرَةَ بِهَا عِنْدَهُ
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَيَاةِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ
فَصَارَ الْجَوَابُ فِيهِ وَالْجَوَابُ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الصَّيْدُ سَوَاءً فَلَا يَحِلُّ
قَالَ (وَالثَّانِي ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِلْأَوَّلِ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ)؛ لِأَنَّهُ بِالرَّمْيِ أَتْلَفَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالرَّمْيِ الْمُثْخِنِ وَهُوَ مَنْقُوصٌ بِجِرَاحَتِهِ، وَقِيمَةُ الْمُتْلَفِ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْإِتْلَافِ
قَالَ ﵁: تَأْوِيلُهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِالثَّانِي بِأَنْ كَانَ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ الصَّيْدُ مِنْهُ وَالثَّانِي بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ الصَّيْدُ مِنْهُ لِيَكُونَ الْقَتْلُ كُلُّهُ مُضَافًا إلَى الثَّانِيَ وَقَدْ قَتَلَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ مَنْقُوصًا بِالْجِرَاحَةِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَامِلًا، كَمَا إذَا قَتَلَ عَبْدًا مَرِيضًا
عَلَى تَقْيِيدِهِ فَتَأَمَّلْ فِي التَّوْفِيقِ
(قَوْلُهُ قَالَ ﵁: تَأْوِيلُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِالثَّانِي بِأَنْ كَانَ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ الصَّيْدُ مِنْهُ إلَخْ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ هَا هُنَا بِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ أَوَّلَهَا مَرَّةً فِيمَا قَبْلُ بِقَوْلِهِ: وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ يُرَى مُسْتَدْرِكًا؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَ التَّأْوِيلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَثْخَنَهُ فَرَمَاهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَالثَّانِي ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِلْأَوَّلِ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ انْتَهَى
فَلَمَّا أَوَّلَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ بِمَا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا قَوْلُهُ: وَالثَّانِي ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِلْأَوَّلِ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالثَّانِي ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِلْأَوَّلِ فَرْعُ قَوْلِهِ لَمْ يُؤْكَلْ، فَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْأَصْلِ شَرْطٌ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الرَّمْيَ الْأَوَّلَ كَانَ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ عُلِمَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِالرَّمْيِ الثَّانِي فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي
ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ: إنَّ كَوْنَ الرَّمْيِ الْأَوَّلِ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ إنَّمَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْصُلَ الْقَتْلُ بِالرَّمْيِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَحْصُلَ الْقَتْلُ بِالرَّمْيِ الثَّانِي وَحْدَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ اجْتِمَاعِ الرَّمْيَيْنِ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ فِي حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ
[ ١٠ / ١٣٣ ]
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ أَوْ لَا يَدْرِي
قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: يَضْمَنُ الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ ثُمَّ يُضَمِّنُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتَيْنِ ثُمَّ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَةِ لَحْمِهِ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ جَرَحَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ وَقَدْ نَقَصَهُ فَيَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ أَوَّلًا
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِالْجِرَاحَتَيْنِ فَيَكُونُ هُوَ مُتْلِفًا نِصْفَهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجِرَاحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى مَا كَانَتْ بِصُنْعِهِ، وَالثَّانِيَةُ ضَمِنَهَا مَرَّةً فَلَا يَضْمَنُهَا ثَانِيًا
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ بِالرَّمْيِ الْأَوَّلِ صَارَ بِحَالٍ يَحِلُّ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ لَوْلَا رَمْيُ الثَّانِي، فَهَذَا بِالرَّمْيِ الثَّانِي أَفْسَدَ عَلَيْهِ نِصْفَ اللَّحْمِ فَيَضْمَنُهُ، وَلَا يَضْمَنُ النِّصْفَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ مَرَّةً فَدَخَلَ ضَمَانُ اللَّحْمِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ رَمَاهُ الْأَوَّلُ ثَانِيًا فَالْجَوَابُ فِي حُكْمِ الْإِبَاحَةِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّامِي غَيْرَهُ، وَيَصِيرُ كَمَا إذَا رَمَى صَيْدًا عَلَى قِمَّةِ جَبَلٍ فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ رَمَاهُ ثَانِيًا فَأَنْزَلَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ مُحَرَّمٌ، كَذَا هَذَا.
قَالَ (وَيَجُوزُ اصْطِيَادُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ) لِإِطْلَاقِ مَا تَلُونَا
وَالصَّيْدُ لَا يَخْتَصُّ بِمَأْكُولِ اللَّحْمِ
قَالَ قَائِلُهُمْ:
صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِب وَثَعَالِب … وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِي الْأَبْطَالُ
وَلِأَنَّ صَيْدَهُ سَبَبٌ لِلِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ رِيشَةِ أَوْ لِاسْتِدْفَاعِ شَرِّهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ.
مَا لَا يَكُونُ فِي حَالَةِ الِانْفِرَادِ، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّأْوِيلِ الثَّانِي التَّقْيِيدُ بِمَا عُلِمَ كَوْنُ الْقَتْلِ حَاصِلًا بِالرَّمْيِ الثَّانِي وَحْدَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاحْتِرَازُ عَمَّا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ أَوْ لَا يَدْرِي، وَلَا يُفِيدُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ هَذَا التَّقْيِيدَ؛ لِأَنَّ الْقَيْدَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا أَعَمُّ تَحَقُّقًا مِنْ الْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَانِيًا لِتَنَاوُلِهِ صُورَةَ أَنْ يَحْصُلَ الْقَتْلُ مِنْ مَجْمُوعِ الرَّمْيَيْنِ كَمَا يَتَنَاوَلُ صُورَةَ أَنْ يَحْصُلَ بِالرَّمْيِ الثَّانِي وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الصَّيْدُ بِأَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَبْقَى فِي الْمَذْبُوحِ، وَعَمَّا إذَا كَانَ الرَّمْيُ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِنْهُ الصَّيْدُ إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الذَّبْحِ كَمَا فَصَّلَهُ مِنْ قَبْلُ، فَلَا اسْتِدْرَاكَ أَصْلًا بَلْ أَصَابَ كُلٌّ مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ مَجْرَاهُ
[ ١٠ / ١٣٤ ]
كِتَابُ الرَّهْنِ
الرَّهْنُ لُغَةً: حَبْسُ الشَّيْءِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ
وَفِي الشَّرِيعَةِ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ كَالدُّيُونِ
وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وَبِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ بِهِ دِرْعَهُ» وَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيُعْتَبَرُ
(كِتَابُ الرَّهْنِ)
مُنَاسَبَةُ كِتَابِ الرَّهْنِ لِكِتَابِ الصَّيْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّهْنِ وَالِاصْطِيَادِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ كَذَا فِي الشُّرُوحِ
أَقُولُ: يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ الْمَذْكُورَةَ مُتَحَقِّقَةٌ بَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ فَلَا تَكُونُ مُرَجِّحَةً لِإِيرَادِ كِتَابِ الرَّهْنِ عَقِيبَ كِتَابِ الصَّيْدِ
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمُنَاسَبَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ تَقْتَضِي إيرَادَ كِتَابِ الرَّهْنِ عَقِيبَ كِتَابِ الصَّيْدِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَفْوِيتُ تِلْكَ الْمُنَاسِبَاتِ فَتَكُونُ مُرَجَّحَةً مَعَ تِلْكَ الْمُلَاحَظَةِ، وَقَدْ نَبَّهْت عَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي نَظَائِرِ هَذَا الْمَقَامِ فَلَا تَغْفُلْ
ثُمَّ مِنْ مَحَاسِنِ الرَّهْنِ حُصُولُ النَّظَرِ لِكُلٍّ مِنْ جَانِبَيْ الدَّائِنِ وَالْمَدْيُونِ كَمَا فَصَّلَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
وَسَبَبُهُ مَا ذُكِرَ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ مِنْ تَعَلُّقِ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ بِتَعَاطِيهِ
وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ لُغَةً وَشَرِيعَةً وَرُكْنُهُ وَشَرْطُ جَوَازِهِ وَشَرْطُ لُزُومِهِ وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ وَحُكْمُهُ فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ شَيْئًا فَشَيْئًا صَرَاحَةً أَوْ إشَارَةً فَتَنَبَّهْ لَهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ حَبْسُ الشَّيْءِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ وَفِي الشَّرِيعَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ كَالدُّيُونِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا تَعْرِيفُ الرَّهْنِ التَّامِّ أَوْ اللَّازِمِ، وَإِلَّا فَفِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ الْحَبْسُ بَلْ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِانْعِقَادِ الرَّهْنِ مَعْنَى جَعْلِ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ، إلَّا أَنَّ لِلْعَاقِدِ الرُّجُوعَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَقَبْلَ الْقَبْضِ يُوجَدُ مَعْنَى الْحَبْسِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لِلرَّهْنِ إنَّمَا هُوَ نَفْسُ الْحَبْسِ لَا لُزُومُهُ، فَيَصْدُقُ هَذَا
[ ١٠ / ١٣٥ ]
بِالْوَثِيقَةِ فِي طَرَفِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الْكَفَالَةُ
قَالَ (الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ) قَالُوا: الرُّكْنُ الْإِيجَابُ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ
التَّعْرِيفُ عَلَى الرَّهْنِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَلُزُومِهِ أَيْضًا بِلَا رَيْبٍ
ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ النَّسَفِيَّ لَمَّا قَالَ فِي الْكَنْزِ: هُوَ حَبْسُ شَيْءٍ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ كَالدَّيْنِ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِهِ: هَذَا حَدُّهُ فِي الشَّرْعِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ الْمُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَالدَّيْنِ أَنْ يَجُوزَ الرَّهْنُ بِغَيْرِ الدَّيْنِ أَيْضًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الرَّهْنِ بِغَيْرِ الدَّيْنِ أَيْضًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى انْحِصَارِ مَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ فِي الدَّيْنِ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ قَوْلُهُ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّيْنِ (قَوْلُهُ الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: رُكْنُ الرَّهْنِ الْإِيجَابُ وَهُوَ قَوْلُ الرَّاهِنِ رَهَنْتُك هَذَا الْمَالَ بِدَيْنٍ لَك عَلَيَّ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَالْقَبُولُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ قَبِلْت؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ، وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَعَلَى ذَلِكَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ انْتَهَى
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِأَنْ قَالَ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِعَقْدِ التَّبَرُّعَاتِ، وَقَالَ: إلَّا أَنْ يَخُصَّ الْعَقْدَ فِي الصُّغْرَى بِمَا سِوَى التَّبَرُّعِ
أَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ إيرَادِهِ وَتَوْجِيهِهِ بِمُسْتَقِيمٍ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْمَشَايِخِ بِأَنَّ انْعِقَادَ الرَّهْنِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَجْمُوعِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يَقُولُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ عَقْدِ التَّبَرُّعَاتِ أَيْضًا، وَاخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّ الْقَبُولَ هَلْ هُوَ رُكْنٌ كَالْإِيجَابِ أَمْ لَا؟ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِعَقْدِ الرَّهْنِ بَلْ يَعُمُّ سَائِرَ التَّبَرُّعَاتِ أَيْضًا مِنْ الْعُقُودِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ كَمَا مَرَّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْهِبَةِ، فَلَا انْتِقَاضَ بِشَيْءٍ عَلَى أَصْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْمَشَايِخِ بِأَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ فِي كُلِّ عَقْدٍ، وَقَوْلُ الْقُدُورِيِّ: الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَتَعْلِيلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ إيَّاهُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ
وَأَمَّا قَوْلُ سَائِرِ الْمَشَايِخِ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ قَالُوا: الرُّكْنُ الْإِيجَابُ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ، وَأَوْضَحَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِهِ
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَوْ خَصَّ الْعَقْدَ فِي الصُّغْرَى بِمَا سِوَى التَّبَرُّعِ صَارَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ أَيْ الرَّهْنَ عَقْدٌ غَيْرُ تَبَرُّعٍ، وَكُلُّ عَقْدٍ غَيْرِ تَبَرُّعٍ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الصُّغْرَى تَصِيرُ حِينَئِذٍ كَاذِبَةً؛ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَيْسَ بِعَقْدِ تَبَرُّعٍ، بَلْ أَطْبَقَتْ كَلِمَاتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلَا صِحَّةَ لِلتَّخْصِيصِ بِمَا سِوَى التَّبَرُّعِ (قَوْلُهُ قَالُوا: الرُّكْنُ الْإِيجَابُ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حِلِّ هَذَا التَّعْلِيلِ: لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ، فَالرَّهْنُ يَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ، أَمَّا أَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِإِزَاءِ مَا أَثْبَتَ لِلْمُرْتَهِنِ مِنْ الْيَدِ شَيْئًا
[ ١٠ / ١٣٦ ]
وَالْقَبْضُ شَرْطُ اللُّزُومِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَصَارَ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ
وَلَنَا مَا تَلَوْنَا، وَالْمَصْدَرُ الْمَقْرُونُ بِحَرْفِ الْفَاءِ فِي مَحَلِّ الْجَزَاءِ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ،
عَلَيْهِ، وَلَا نَعْنِي بِالتَّبَرُّعِ إلَّا ذَلِكَ
وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ فَكَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ صَيْرُورَتَهُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِيجَابِ مَا يَكُونُ ابْتِدَاءً، وَالرَّهْنُ لَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ إنْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ شَيْئًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ ابْتِدَاءً فَقَدْ اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْبَقَاءِ، وَهُوَ صَيْرُورَةُ الْمُرْتَهِنِ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ، فَلَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ عَقْدَ تَبَرُّعٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتِمَّ بِإِيجَابِ الرَّاهِنِ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا حَتَّى يَتِمَّ جَعْلُنَا إيَّاهُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ حُكْمًا عِنْدَ الْهَلَاكِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا عَلَى مَا سَيَجِيءُ تَفْصِيلُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالْقَبْضُ شَرْطُ اللُّزُومِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ الْقُدُورِيِّ وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ فَيَكُونُ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزًا، وَبِهِ يَلْزَمُ، وَهُوَ أَيْضًا اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ عَامَّةِ الْكُتُبِ
قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَلَا يَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضًا مُفَرَّغًا مَحُوزًا
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ
وَقَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ دَفْعَ مُخَالَفَةِ مَا فِي الْكِتَابِ لِرِوَايَةِ عَامَّةِ الْكُتُبِ فَقَالَ: سَبَقَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» وَالْقَبْضُ لَيْسَ بِشَرْطِ الْجَوَازِ فِي الْهِبَةِ فَلْيَكُنْ هُنَا كَذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ إذْ قَدْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ هُنَاكَ إلَى صَرْفِ نَفْيِ الْجَوَازِ عَنْ ظَاهِرِهِ؛ إذْ الْجَوَازُ قَبْلَ الْقَبْضِ ثَابِتٌ هُنَاكَ بِالْإِجْمَاعِ، فَحَمَلْنَا نَفْيَ الْجَوَازِ بِدُونِ الْقَبْضِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» عَلَى نَفْيِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْهِبَةِ وَهُوَ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ
وَأَمَّا هُنَا فَلَا ضَرُورَةَ وَلَا مَجَالَ لِلْحَمْلِ عَلَى نَفْيِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُرْتَهِنِ بِدُونِ الْقَبْضِ وَثُبُوتِهِ لَهُ بِالْقَبْضِ كَمَا هُوَ مُوجِبُ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ؛ إذْ لَيْسَ حُكْمُ الرَّهْنِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِلْمُرْتَهِنِ بِحَالٍ أَصْلًا فَبَقِيَ نَفْيُ الْجَوَازِ هَا هُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ
قَوْلُهُ (وَلَنَا مَا تَلَوْنَا، وَالْمَصْدَرُ الْمَقْرُونُ بِحَرْفِ الْفَاءِ فِي مَحَلِّ الْجَزَاءِ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ) نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أَيْ فَاضْرِبُوهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أَيْ فَلْيُحَرِّرْهَا
[ ١٠ / ١٣٧ ]
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ لِمَا أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْضَائِهِ كَمَا
وقَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ بِتَقْدِيرِ فَصَوْمُ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ: أَيْ فَلْيَصُمْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فَكَانَ الْمَصْدَرُ فِيمَا تَلَوْنَا هَا هُنَا أَيْضًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ بِمَعْنَى الْأَمْرِ: أَيْ فَارْهَنُوا وَارْتَهِنُوا
ثُمَّ لَمَّا كَانَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَلَمْ يُعْمَلْ بِمُوجِبِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ وَاللُّزُومُ فِي حَقِّ نَفْسِ الرَّهْنِ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ الرَّهْنُ عَلَى الْمَدْيُونِ بِالْإِجْمَاعِ وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي شَرْطِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» بِالنَّصْبِ: أَيْ بِيعُوا، فَلَمْ يَعْمَلْ الْأَمْرُ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُبَاحٌ غَيْرُ وَاجِبٍ فَصُرِفَ إلَى شَرْطِهِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا، فَكَذَا هُنَا، هَذَا زُبْدَةُ مَا ذُكِرَ فِي جُمْلَةِ الشُّرُوحِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ
ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ الشُّرَّاحِ اسْتَشْكَلُوا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا، فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فِي تَسْمِيَةِ الرِّهَانِ بِالْمَصْدَرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرِّهَانَ جَمْعُ رَهْنٍ كَالنَّعْلِ وَالنِّعَالِ وَالْحَبْلِ وَالْحِبَالِ، كَذَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُوضَةٌ بِالتَّأْنِيثِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وَلَوْ تَمَحَّلَ مُتَمَحِّلٌ بِتَصْحِيحِ مَا فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَقْدِيرُهُ فَرَهْنُ رِهَانٍ مَقْبُوضَةٍ فَكَانَ الْمَصْدَرُ مَحْذُوفًا فَجَعَلَ الْمَحْذُوفَ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ فَقَالَ وَالْمَصْدَرُ الْمَقْرُونُ بِحَرْفِ الْفَاءِ، وَالرِّهَانُ لَمَّا كَانَ مَصْدَرًا عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْكِتَابِ كَانَ إرَادَةُ الْمَرْهُونِ بِهِ جَائِزَةً كَالرَّهْنِ يُرَادُ بِهِ الْمَرْهُونُ، ثُمَّ أُنِّثَ الْمَرْهُونُ بِتَأْوِيلِ السِّلْعَةِ أَوْ الْعَيْنِ فَقِيلَ مَقْبُوضَةٌ بِالتَّأْنِيثِ كَمَا يُؤَنَّثُ الصَّوْتُ بِتَأْوِيلِ الصَّيْحَةِ لَكَانَ وَجْهًا بَعِيدًا؛ إذْ فِي الْأَوَّلِ وُرُودُ الْإِلْبَاسِ وَفِي الثَّانِي لَا يَبْقَى الْمَصْدَرُ بِحَقِيقَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، إلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَقَدْ سَمَّى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الرِّهَانَ مَصْدَرًا كَمَا تَرَى، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي
وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا ثَبَتَ فِي قَوَانِينِ اللُّغَةِ كَالْجَمْهَرَةِ وَدِيوَانِ الْأَدَبِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الرِّهَانُ جَمْعُ رَهْنٍ، وَجَمْعُ الرَّهْنِ رُهُونٌ وَرِهَانٌ وَرُهُنٌ بِضَمَّتَيْنِ، وَالرَّهِينَةُ بِمَعْنَى الرَّهْنِ أَيْضًا وَجَمْعُهَا رَهَائِنُ
نَعَمْ الرِّهَانُ يَجِيءُ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِهِمْ رَاهَنَهُ عَلَى كَذَا: أَيْ خَاطَرَهُ مُرَاهَنَةً وَرِهَانًا مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَصْدَرُ هُوَ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ لَمْ يَحْتَجْ فِي صِفَةِ الرِّهَانِ إلَى تَاءِ التَّأْنِيثِ فَافْهَمْ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ
وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: فِي تَسْمِيَتِهِ الرِّهَانَ بِالْمَصْدَرِ نَظَرٌ
[ ١٠ / ١٣٨ ]
فِي الْوَصِيَّةِ وَذَلِكَ بِالْقَبْضِ، ثُمَّ يَكْتَفِي فِيهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِحُكْمِ عَقْدٍ مَشْرُوعٍ فَأَشْبَهَ قَبْضَ الْمَبِيعِ
لِأَنَّ الرِّهَانَ جَمْعُ رَهْنٍ كَالنَّعْلِ وَالنِّعَالِ وَالْحَبْلِ وَالْحِبَالِ، وَقَوْلُهُ مَقْبُوضَةٌ بِالتَّأْنِيثِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَالْمَصْدَرُ الْمَقْرُونُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَرَهْنُ رِهَانٍ مَقْبُوضَةٍ انْتَهَى
وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَفِي النِّهَايَةِ: فِي تَسْمِيَتِهِ الرِّهَانَ بِالْمَصْدَرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرِّهَانَ جَمْعُ رَهْنٍ كَالنَّعْلِ وَالنِّعَالِ وَهَكَذَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ بِالتَّأْنِيثِ فَدَلَّ أَنَّهُ جَمْعٌ لَا مَصْدَرٌ
وَقَالَ فِي الْفَوَائِدِ الشَّاهِيَةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّهَانُ مَصْدَرًا مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ كَالْقِتَالِ وَالضِّرَابِ، وَمَقْبُوضَةٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ فَرِهَانٌ مَرْهُونَةٌ مَقْبُوضَةٌ، وَأَنَّثَ الْمَرْهُونَ بِتَأْوِيلِ السِّلْعَةِ أَوْ الْعَيْنِ كَمَا يُؤَنَّثُ الصَّوْتُ بِتَأْوِيلِ الصَّيْحَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّهَانُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَأَنَّثَ الْمَرْهُونَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّهَانُ قَائِمًا مَقَامَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ فَرَهْنُ رِهَانٍ مَقْبُوضَةٍ فَيَكُونُ مَصْدَرًا تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ
وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَعَدَّ مَا اسْتَشْكَلُوهُ أَمْرًا هَيِّنًا وَتَعَجَّبَ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ إنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الرِّهَانَ مَصْدَرًا وَهُوَ جَمْعُ رَهْنٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ مِمَّا يُقْضَى مِنْهُ الْعَجَبُ؛ لِأَنَّهُ جَمْعُ رَهْنٍ وَالرَّهْنُ مَصْدَرٌ فَجَمْعُهُ كَذَلِكَ، وَإِسْنَادُ مَقْبُوضَةٍ إلَى ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ كَمَا فِي: سَيْلٍ مُفْعَمٍ انْتَهَى
أَقُولُ: مَنْشَأُ مُجَازَفَتِهِ هَذِهِ الْغُفُولَ عَمَّا ذُكِرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الرِّهَانِ جَمْعَ رَهْنٍ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ جَمْعَ رَهْنٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ فَكَلَّا بَلْ هُوَ جَمْعُ رَهْنٍ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَالرَّهْنُ الْمَرْهُونُ وَالْجَمْعُ رُهُونٌ وَرِهَانٌ وَرُهُنٌ
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرَّهْنُ مَا وُضِعَ عِنْدَك لِيَنُوبَ مَنَابَ مَا أُخِذَ مِنْك وَالْجَمْعُ رِهَانٌ وَرُهُونٌ وَرُهُنٌ بِضَمَّتَيْنِ
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الرَّهْنُ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ رِهَانٌ مِثْلُ حَبْلٍ وَحِبَالٍ
وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الْقَاضِي: رِهَانٌ وَرُهُنٌ كِلَاهُمَا جَمْعُ رَهْنٍ بِمَعْنَى مَرْهُونٍ، وَكَذَا فِي سَائِرِ التَّفَاسِيرِ
ثُمَّ إنَّ كَوْنَ إسْنَادِ ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ إلَى ضَمِيرِ رِهَانٍ مَجَازًا عَقْلِيًّا خِلَافُ الظَّاهِرِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي الْآيَةِ الْمَزْبُورَةِ، إذْ يَصِحُّ الْمَعْنَى وَيَحْسُنُ جِدًّا بِحَمْلِ الرِّهَانِ عَلَى جَمْعِ الرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ كَمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ وَيَكُونُ الْإِسْنَادُ إذْ ذَاكَ حَقِيقِيًّا، فَمَا مَعْنَى الْعُدُولِ عَنْهُ، وَبِنَاءُ اسْتِدْلَالِنَا بِتِلْكَ الْآيَةِ عَلَى مَا هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ فَحَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ
ثُمَّ إنَّ تَمْثِيلَهُ الْمَجَازَ الْعَقْلِيَّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ هَا هُنَا بِسَيْلٍ مُفْعَمٍ قَبِيحٌ جِدًّا، فَإِنَّ الْمُفْعَمَ اسْمُ مَفْعُولٍ أُسْنِدَ إلَى الْفَاعِلِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَيْسَ مِمَّا أُسْنِدَ إلَى الْمَصْدَرِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، فَالْمُنَاسِبُ فِي التَّمْثِيلِ هَا هُنَا أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي شِعْرِ شَاعِرٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ عِلْمِ الْبَلَاغَةِ
ثُمَّ أَقُولُ: التَّوْجِيهَاتُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ لِتَصْحِيحِ مَا فِي الْكِتَابِ كُلُّهَا أَيْضًا خِلَافُ الظَّاهِرِ وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ، فَالْإِنْصَافُ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِمِثْلِهَا لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَلَا الْإِلْزَامَ عَلَى الْخَصْمِ، وَلَكِنَّ الْأَقْرَبَ وَالْأَشْبَهَ مِنْ بَيْنِهَا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَرَهْنُ رِهَانٍ مَقْبُوضَةٍ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ الْمَقْرُونُ بِالْفَاءِ مَحْذُوفًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ: فَصَوْمُ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ تَأَمَّلْ تَرْشُدْ (قَوْلُهُ ثُمَّ يُكْتَفَى فِيهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِحُكْمِ عَقْدٍ مَشْرُوعٍ فَأَشْبَهَ قَبْضَ الْمَبِيعِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِصُورَةِ الصَّرْفِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَبْضِ بِالْبَرَاجِمِ وَلَا يُكْتَفَى بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ جَرَيَانِ الدَّلِيلِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ رِوَايَةُ كِفَايَةِ التَّخْلِيَةِ فِيهِ وَكَوْنُهَا مُخْتَارَ الْمُصَنِّفِ انْتَهَى
أَقُولُ: الْجَوَابُ عَنْ
[ ١٠ / ١٣٩ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَنْقُولِ إلَّا بِالنَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ بِمُوجِبٍ ابْتِدَاءً وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ (وَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مَحُوزًا مُفَرَّغًا مُتَمَيِّزًا تَمَّ الْعَقْدُ فِيهِ) لِوُجُودِ الْقَبْضِ بِكَمَالِهِ فَلَزِمَ الْعَقْدُ (وَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ فَالرَّاهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ سَلَّمَهُ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَنْ الرَّهْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللُّزُومَ بِالْقَبْضِ إذْ الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ.
قَالَ (وَإِذَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَقَبَضَهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ)
هَذَا النَّقْضِ هَيِّنٌ
فَإِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ، وَلُزُومُ الْقَبْضِ فِي الصَّرْفِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «يَدًا بِيَدٍ» كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالنَّصِّ عَلَى مَا عُرِفَ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ الْقَبْضِ وَعَدَمَ كِفَايَةِ التَّخْلِيَةِ فَعَمِلْنَا فِيهِ بِمُوجِبِ الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ بِعَقْدِ التَّبَرُّعِ لَمْ يُعْهَدْ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ وَبَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالضَّمَانِ مُنَافَاةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الضَّمَانِ فِي الرَّهْنِ عِنْدَ الْهَلَاكِ فَيَنْتَفِي التَّبَرُّعُ انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ جِهَةَ التَّبَرُّعِ فِي الرَّهْنِ غَيْرُ جِهَةِ الضَّمَانِ فِيهِ، فَإِنَّ جِهَةَ التَّبَرُّعِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُجْعَلُ مَحْبُوسًا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِلَا اسْتِيجَابِ شَيْءٍ عَلَيْهِ بِمُقَابَلَةِ ذَلِكَ، وَجِهَةُ الضَّمَانِ فِيهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَقَرَّرُ عِنْدَ الْهَلَاكِ فَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ بِذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ كَمَا سَتَطَّلِعُ عَلَى بَيَانِهِ، وَالْمُنَافَاةُ بَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالضَّمَانِ إنَّمَا تَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ فَلَيْسَ
وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ ظُهُورِهِ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مِنْ تَفْصِيلِ دَلِيلِنَا الْعَقْلِيِّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ إلَى الْمُرْتَهِنِ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ
(قَوْلُهُ فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مَحُوزًا مُفَرَّغًا مُمَيَّزًا تَمَّ الْعَقْدُ فِيهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ:
[ ١٠ / ١٤٠ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ، قَالَهَا ثَلَاثَةً، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»
قَالَ: وَمَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَبِهَلَاكِهِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ اعْتِبَارًا بِهَلَاكِ الصَّكِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْوَثِيقَةِ يَزْدَادُ مَعْنَى الصِّيَانَةِ، وَالسُّقُوطُ بِالْهَلَاكِ يُضَادُّ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ إذَا لَحِقَ بِهِ يَصِيرُ بِعَرْضِ الْهَلَاكِ وَهُوَ ضِدُّ الصِّيَانَةِ
وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ مَا نَفَقَ فَرَسُ الرَّهْنِ عِنْدَهُ «ذَهَبَ حَقُّك» وَقَوْلُهُ ﵊ «إذَا غَمَّى الرَّهْنَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ» مَعْنَاهُ: عَلَى مَا قَالُوا إذَا اشْتَبَهَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ مَا هَلَكَ
وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ مَضْمُونٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَالْقَوْلُ بِالْأَمَانَةِ خَرْقٌ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» عَلَى مَا قَالُوا الِاحْتِبَاسُ الْكُلِّيُّ وَالتَّمَكُّنُ بِأَنْ يَصِيرَ مَمْلُوكًا لَهُ
كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ السَّلَفِ
قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْقَبْضَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ أَنَّ الْمَنْصُوصَ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْكَامِلَ فِي الْقَبْضِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ مَحُوزًا مُفَرَّغًا مُتَمَيِّزًا فَيَجِبُ ذَلِكَ انْتَهَى
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْبَسْطُ وَالتَّقْرِيرُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَثْبُتَ الْقَبْضُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي بَابِ الرَّهْنِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَضَعَ الْمُرْتَهِنُ يَدَهُ حَقِيقَةً عَلَى الْمَرْهُونِ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْكَامِلَ فِي الْقَبْضِ هُوَ الثَّانِي، وَهَذَا
[ ١٠ / ١٤١ ]
وَلِأَنَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُنْبِئُ عَنْ الْحَبْسِ الدَّائِمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ وَقَالَ قَائِلُهُمْ:
وَفَارَقْتُك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَنْعَطِفُ عَلَى الْأَلْفَاظِ عَلَى وَفْقِ الْأَنْبَاءِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مُوصِلَةً إلَيْهِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ لَهُ بِمِلْكِ الْيَدِ وَالْحَبْسِ لِيَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ الْجُحُودِ مَخَافَةَ جُحُودِ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ، وَلِيَكُونَ
خِلَافُ مَا تَقَرَّرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبِخِلَافِ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرَّهْنَ يُنْبِئُ عَنْ الْحَبْسِ الدَّائِمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ وَقَالَ قَائِلُهُمْ:
وَفَارَقْتُك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غُلِقَا)
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: قِيلَ الدَّوَامُ إنَّمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ لَا فِكَاكَ لَهُ لَا مِنْ لَفْظِ الرَّهْنِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا دَامَ وَتَأَبَّدَ بِنَفْيِ انْفِكَاكٍ دَلَّ أَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الدَّوَامِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِذَلِكَ لَمَا دَامَ بِنَفْيِ مَا يَعْتَرِضُهُ، بَلْ كَانَ الدَّوَامُ يَثْبُتُ بِإِثْبَاتِ مَا يُوجِبُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ اللُّغَةَ تَدُلُّ عَلَى إنْبَاءِ الرَّهْنِ عَنْ الْحَبْسِ الدَّائِمِ انْتَهَى
أَقُولُ: السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي الْأَصْلِ لِتَاجِ الشَّرِيعَةِ، لَكِنَّ الْجَوَابَ لَيْسَ بِتَامٍّ عِنْدِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِذَلِكَ لَمَا دَامَ بِنَفْيِ مَا يَعْتَرِضُهُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَا يَعْتَرِضُهُ إذَا كَانَ مُنَاقِضًا لِدَوَامِهِ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ دَوَامُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَا يُوجِبُ دَوَامَهُ نَفْسَهُ أَوْ أَمْرًا خَارِجًا عَنْهُ، وَإِلَّا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُ النَّقِيضَيْنِ مَعًا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ فِكَاكَ الرَّهْنِ يُنَافِي وَيُنَاقِضُ دَوَامَهُ فَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ تَحَقُّقُ دَوَامِهِ وَإِنْ كَانَ دَوَامُهُ مِمَّا لَمْ يُوجِبْهُ نَفْسُهُ بَلْ كَانَ بِسَبَبٍ خَارِجٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ
[ ١٠ / ١٤٢ ]
عَاجِزًا عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَيَتَسَارَعُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِضَجَرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَثْبُتُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ تَقَرَّرَ بِالْهَلَاكِ، فَلَوْ اسْتَوْفَاهُ ثَانِيًا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، بِخِلَافِ حَالَةِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ هَذَا الِاسْتِيفَاءَ بِالرَّدِّ عَلَى الرَّاهِنِ فَلَا يَتَكَرَّرُ، وَلَا وَجْهَ إلَى اسْتِيفَاءِ الْبَاقِي بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالِاسْتِيفَاءُ يَقَعُ بِالْمَالِيَّةِ
أَمَّا الْعَيْنُ فَأَمَانَةٌ حَتَّى كَانَتْ نَفَقَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ فِي حَيَاتِهِ وَكَفَنِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَكَذَا قَبْضُ الرَّهْنِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَاهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ فَلَا تَنُوبُ عَنْ قَبْضِ ضَمَانٍ، وَمُوجِبُ الْعَقْدِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَهَذَا يُحَقِّقُ
فِي الْبَيْتِ الْمَزْبُورِ إنْبَاءُ لَفْظِ الرَّهْنِ نَفْسِهِ عَنْ الْحَبْسِ الدَّائِمِ، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ انْفِهَامُ ذَلِكَ مِنْ نَفْيِ فِكَاكِهِ تَدَبَّرْ تَفْهَمْ (قَوْلُهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَثْبُتُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ تَقَرَّرَ بِالْهَلَاكِ فَلَوْ اسْتَوْفَاهُ ثَانِيًا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ أَنَّ الرَّهْنَ يَدُلُّ عَلَى الْيَدِ وَالْحَبْسِ ثَبَتَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ وَالرَّقَبَةِ وَقَدْ حَصَلَ بَعْضُهُ، وَتَقَرَّرَ بِالْهَلَاكِ لِانْتِفَاءِ احْتِمَالِ النَّقْصِ، فَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ وَاسْتَوْفَاهُ ثَانِيًا أَدَّى إلَى تَكْرَارِ الْأَدَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْيَدِ وَهُوَ رِبًا، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ لَوْ اسْتَوْفَاهُ ثَانِيًا أَدَّى إلَى الرِّبَا وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَسْتَوْفِهِ ثَانِيًا أَصْلًا يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ بَعْضِ حَقِّهِ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الرَّقَبَةِ وَالتَّأَدِّي إلَى ضَيَاعِ حَقِّ الْمُسْلِمِ مَحْذُورٌ شَرْعِيٌّ أَيْضًا فَمَا الْوَجْهُ فِي تَرْجِيحِ اخْتِيَارِ هَذَا الْمَحْذُورِ عَلَى اخْتِيَارِ مَحْذُورِ الرِّبَا فَتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ
[ ١٠ / ١٤٣ ]
الصِّيَانَةَ، وَإِنْ كَانَ فَرَاغُ الذِّمَّةِ مِنْ ضَرُورَاتِهِ كَمَا فِي الْحَوَالَةِ
فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَنَا حُكْمَ الرَّهْنِ صَيْرُورَةُ الرَّهْنِ مُحْتَبِسًا بِدَيْنِهِ بِإِثْبَاتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ اسْتِيفَاءً مِنْهُ عَيْنًا بِالْبَيْعِ، فَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ عِدَّةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَدَدْنَاهَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى جُمْلَةً: مِنْهَا أَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ عَنْ الِاسْتِرْدَادِ لِلِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ مُوجَبُهُ وَهُوَ الِاحْتِبَاسُ عَلَى الدَّوَامِ، وَعِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي مُوجِبَهُ وَهُوَ تَعَيُّنُهُ لِلْبَيْعِ وَسَيَأْتِيك الْبَوَاقِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا بِدَيْنٍ مَضْمُونٍ)؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالِاسْتِيفَاءُ يَتْلُو الْوُجُوبَ
قَالَ ﵁: وَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا وَلَا دَيْنَ
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا هُوَ الْقِيمَةُ وَرَدُّ
(قَوْلُهُ وَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا وَلَا دَيْنَ) يَعْنِي: يَرِدُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ: أَيْ عَلَى لَفْظِ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا بِدَيْنٍ مَضْمُونِ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا: أَيْ الْإِشْكَالُ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا، وَهِيَ مَا يَجِبُ مِثْلُهُ عِنْدَ هَلَاكِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا، كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِتِلْكَ الْأَعْيَانِ وَلَا دَيْنَ فِيهَا
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إلَى آخِرِهِ، كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ أَنْ وَافَقَ سَائِرَ الشُّرَّاحِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ قَالَ: قُلْت لَا يَرِدُ عَلَى الْقُدُورِيِّ الِاعْتِرَاضُ رَأْسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي صِحَّةَ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا بَلْ صَرَّحَ بِصِحَّتِهِ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ هَا هُنَا عَلَى الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ بِالدَّيْنِ، وَاكْتَفَى بِهِ هَا هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ
أَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ فَضْلًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يَنْفِ فِي مُخْتَصَرِهِ صِحَّةَ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا بَعْدَ أَنْ رَأَى مَا فِي لَفْظِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا بِدَيْنٍ مَضْمُونٍ مِنْ أَدَاةِ قَصْرِ الصِّحَّةِ عَلَى الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ وَهِيَ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ أَنْ لَوْ كَانَ لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَيَصِحُّ الرَّهْنُ بِالدَّيْنِ، وَلَمَّا كَانَ لَفْظُهُ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا بِالدَّيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَجَالٌ
وَقَوْلُهُ بَلْ صَرَّحَ بِصِحَّتِهِ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ لَا يُجْدِي شَيْئًا فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ الْوَارِدِ عَلَى لَفْظِهِ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَقَدْ تَدَارَكَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ
وَأَمَّا حَمْلُ الْقَصْرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْقَصْرِ الِادِّعَائِيِّ فَبِمَعْزِلِ عَنْ مُسَاعَدَةِ هَذَا الْفَنِّ إيَّاهُ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ
[ ١٠ / ١٤٤ ]
الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَهُوَ دَيْنٌ وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا، وَلَئِنْ كَانَ لَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْهَلَاكِ وَلَكِنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ فَيَكُونُ رَهْنًا بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي الْكَفَالَةِ، وَلِهَذَا لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِهِ بِهَلَاكِهِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ، قَالَ (وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ، فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَقِيمَتُهُ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ
فِي الرِّوَايَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي هَذَا الْفَنِّ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَمَا ظَنُّك بِدَلَالَةِ أَدَاةِ الْقَصْرِ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ بِهَا لَا تَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الرَّهْنِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِدَيْنٍ سَيَجِبُ كَمَا لَوْ قَالَ مَا ذَابَ لَك عَلَى فُلَانٍ فَعَلَيَّ دُونَ الرَّهْنِ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَا ذَابَ لَك إضَافَةٌ لِلْكَفَالَةِ لَا كَفَالَةٌ
وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُك دُونَ الرَّهْنِ تُرِيدُ بِهِ دَيْنًا مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ أَوْ دَيْنًا انْعَقَدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ عَيْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ انْتَهَى
أَقُولُ: الِاعْتِرَاضُ وَالْجَوَابُ لِتَاجِ الشَّرِيعَةِ، وَلَهُمَا وَجْهُ صِحَّةٍ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إلَى آخِرِهِ فَمِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ نَفْسِهِ يُرِيدُ بِهِ الْجَوَابَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَلَيْسَ لَهُ وَجْهُ صِحَّةٍ؛ إذْ الْمُرَادُ هُوَ الْأَوَّلُ
قَوْلُهُ فَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ كَوْنِ كَلَامِنَا فِيهِ لَا يَضُرُّ بِغَرَضِ السَّائِلِ بَلْ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ الْقَدْحُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا بِأَنَّ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَصِحُّ بِدَيْنٍ سَيَجِبُ وَلَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ وُجُوبِهِ، وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ فَيَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِالْعَيْنِ الْمَضْمُونِ بِنَفْسِهِ أَيْضًا الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِدْلَال بِصِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الرَّهْنِ بِهِ
وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ كَوْنِ كَلَامِنَا فِي الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ وُجُوبِهِ لَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَ بِهَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ مِنْ مَنْعِ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِدَيْنٍ سَيَجِبُ وَلَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ وُجُوبِهِ.
وَإِنَّمَا قَوْلُهُ مَا ذَابَ لَك عَلَى فُلَانٍ فَعَلَيَّ إضَافَةُ الْكَفَالَةِ إلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ لَا عَقْدُ كَفَالَةٍ بِهِ مُنْجَزَةٍ، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْكَفَالَةِ فِي قَوْلِهِ: وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ هِيَ الْكَفَالَةُ الْمُنْجَزَةُ فَتَمَّ الِاسْتِدْلَال (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ) أَقُولُ: هَذَا التَّنْوِيرُ لَا يَتِمُّ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْغَصْبِ، مَعَ أَنَّ صِحَّةَ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا عَلَى قَوْلِ أَئِمَّتِنَا جَمِيعًا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَيْتَ شِعْرِي لِمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَقَعَ فِي بَعْضِ
[ ١٠ / ١٤٥ ]
قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ فَالْفَضْلُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ)؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِيفَاءُ وَذَاكَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ (وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالْفَضْلِ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ بِقَدْرِ الْمَالِيَّةِ
وَقَالَ زُفَرُ: الرَّهْنُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ أَلْفٌ وَخَمْسمِائَةٍ وَالدَّيْنُ أَلْفٌ رَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِخَمْسِمِائَةٍ
لَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ " يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِي الرَّهْنِ " وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الدَّيْنِ مَرْهُونَةٌ لِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً بِهِ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً اعْتِبَارًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ
وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، وَلِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا تُوجِبُ الضَّمَانَ إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُسْتَوْفِي كَمَا فِي حَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالزِّيَادَةُ مَرْهُونَةٌ بِهِ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ حَبْسِ الْأَصْلِ بِدُونِهَا وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الضَّمَانِ
وَالْمُرَادُ بِالتَّرَادِّ فِيمَا يُرْوَى حَالَةَ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمُرْتَهِنُ أَمِينٌ فِي الْفَضْلِ.
قَالَ (وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُطَالِبَ الرَّاهِنَ بِدَيْنِهِ وَيَحْبِسَهُ بِهِ)؛ لِأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ
نُسَخِ الْقُدُورِيِّ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمُعَرَّفِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَمَعْنَى الْمُنَكَّرِ ثَالِثٌ، وَاعْتُبِرَ هَذَا بِقَوْلِ الرَّجُلِ مَرَرْت بِأَعْلَمَ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو يَكُونُ الْأَعْلَمُ غَيْرَهُمَا، وَلَوْ قَالَ مَرَرْت بِالْأَعْلَمِ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو يَكُونُ الْأَعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَالْمُرَادُ هَا هُنَا وَاحِدٌ مِنْ الْقِيمَةِ وَالدَّيْنِ وَهُوَ أَقَلُّهُمَا لَا أَمْرٌ ثَالِثٌ
ثُمَّ إنَّ تَاجَ الشَّرِيعَةِ مِنْ الشُّرَّاحِ بَيَّنَ وَجْهَ اخْتِلَافِ الْمَعْنَى بَيْنَ الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كَلِمَةَ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ مِنْهُمَا لِلتَّبْعِيضِ وَالْأَقَلُّ يَصْلُحُ بَعْضًا؛ إذْ الْأَقَلُّ مَعَ مِنْهُمَا مَعْرِفَتَانِ، بِخِلَافِ: أَقَلُّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ نَكِرَةٌ وَهُمَا مَعْرِفَةٌ وَالْمَعْرِفَةُ لَا تَتَنَاوَلُ النَّكِرَةَ انْتَهَى كَلَامُهُ
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَتَنَاوَلُ النَّكِرَةَ تَنَاوُلَ الْكُلِّ لِلْجُزْءِ كَمَا هُوَ مُقْتَضًى مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ، نَعَمْ إنَّ الْمَعْرِفَةَ وَالنَّكِرَةَ لَا يَتَّحِدَانِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ الْمَعْرِفَةِ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ وَمَدْلُولَ النَّكِرَةِ شَيْءٌ لَا بِعَيْنِهِ، وَهُمَا مُتَضَادَّانِ فَلَا يَتَّحِدَانِ
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُبْهَمِ بَعْضًا مِنْ الْمُعَيَّنِ فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ شَائِعٌ مُسْتَعْمَلٌ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ جُزْءٌ مِنْهُمَا أَوْ بَعْضٌ مِنْهُمَا يَكُونُ كَذَا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ بِلَا رَيْبٍ وَشَائِعٌ مُسْتَعْمَلٌ، مَعَ أَنَّ كَلِمَةَ وَاحِدٍ وَجُزْءٍ وَبَعْضٍ نَكِرَةٌ، وَكَلِمَةُ هُمَا فِي مِنْهُمَا مَعْرِفَةٌ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ، عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ التَّفْضِيلِ مُعَرَّفًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنَكَّرًا إنَّمَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا كَانَ مَدْخُولُ كَلِمَةِ " مِنْ " مَعْرِفَةً وَلَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا كَانَ مَدْخُولُهَا نَكِرَةً، إذْ لَا يَلْزَمُ إذْ ذَاكَ تَنَاوُلُ الْمَعْرِفَةِ لِلنَّكِرَةِ مَثَلًا لَوْ كَانَتْ الْعِبَارَةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةٍ وَدَيْنٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ
[ ١٠ / ١٤٦ ]
لِزِيَادَةِ الصِّيَانَةِ فَلَا تَمْتَنِعُ بِهِ الْمُطَالَبَةُ، وَالْحَبْسُ جَزَاءُ الظُّلْمِ، فَإِذَا ظَهَرَ مَطْلُهُ عِنْدَ الْقَاضِي يَحْبِسُهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِ الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ قَبْضُ اسْتِيفَاءٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ مَالَهُ مَعَ قِيَامِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ الِاسْتِيفَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ (وَإِذَا أُحْضِرَ أُمِرَ الرَّاهِنُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إلَيْهِ أَوَّلًا) لِيَتَعَيَّنَ حَقُّهُ كَمَا تَعَيَّنَ حَقُّ الرَّاهِنِ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ كَمَا فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ يُحْضَرُ الْمَبِيعُ ثُمَّ يُسَلَّمُ أَوَّلًا (وَإِنْ طَالَبَهُ بِالدَّيْنِ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ، إنْ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا لَا حَمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ)؛ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ كُلَّهَا فِي حَقِّ التَّسْلِيمِ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ فِيمَا لَيْسَ لَهُ حَمْلٌ وَلَا مُؤْنَةٌ؛ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ فِيهِ فِي بَابِ السَّلَمِ بِالْإِجْمَاعِ (وَإِنْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ يَسْتَوْفِي دَيْنَهُ وَلَا يُكَلَّفُ إحْضَارَ الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّ هَذَا نَقْلٌ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى التَّخْلِيَةِ، لَا النَّقْلُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ زِيَادَةَ الضَّرَرِ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ.
(وَلَوْ سَلَّطَ الرَّاهِنُ الْعَدْلَ عَلَى بَيْعِ الْمَرْهُونِ فَبَاعَهُ بِنَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ جَازَ) لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ (فَلَوْ طَالَبَ الْمُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ لَا يُكَلَّفُ الْمُرْتَهِنُ إحْضَارَ الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْإِحْضَارِ (وَكَذَا إذَا أَمَرَ الْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا بِالْبَيْعِ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ، فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ وَهُوَ دَيْنٌ (وَلَوْ قَبَضَهُ يُكَلَّفُ إحْضَارَهُ لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْمُبْدَلِ)؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ هُوَ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَيْهِ،
تَعْرِيفِ الْأَقَلِّ وَتَنْكِيرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا
وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَجْهًا آخَرَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ حَيْثُ قَالَ: إذْ تَكُونُ مِنْ فِي الْمُنَكَّرِ تَفْضِيلِيَّةً لِوُجُوبِ اسْتِعْمَالِ الْأَفْعَلِ بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَتَكُونُ فِي الْمُعَرَّفِ لِلْبَيَانِ لِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ مِنْ وَحَرْفِ التَّعْرِيفِ وَمَوْضِعُهُ كُتُبُ النَّحْوِ
ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ بَحْثٌ، إذْ قَدْ تُحْذَفُ " مِنْ " مِنْ اللَّفْظِ وَهَا هُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى الْحَذْفِ شُهْرَةُ الْمَذْهَبِ انْتَهَى
أَقُولُ: الْحَقُّ فِي الْفَرْقِ مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ وَبَحْثُهُ سَاقِطٌ؛ إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ اسْمِ التَّفْضِيلِ بِدُونِ أَحَدِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ وَيَتَعَيَّنُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَتَعَيَّنُ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُنَكَّرَ اسْمُ التَّفْضِيلِ، وَلَمْ يَجْعَلْ كَلِمَةَ مِنْ تَفْضِيلِيَّةً وَادِّعَاءُ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِقَرِينَةِ شُهْرَةِ الْمَذْهَبِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ بِصَدَدِ بَيَانِ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِنْ قَبْلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَمِنْ أَيْنَ حَصَلَتْ الشُّهْرَةُ، كَيْفَ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ الشُّهْرَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ بِحَيْثُ جَازَ بِهَا تَرْكُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي اسْتِعْمَالِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ لَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا وَبَيَانِهَا هَا هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا بِالْبَيْعِ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ وَهُوَ دَيْنٌ) قَالَ بَعْضُ
[ ١٠ / ١٤٧ ]
وَكَمَا يُكَلَّفُ إحْضَارَ الرَّهْنِ لِاسْتِيفَاءِ كُلِّ الدَّيْنِ يُكَلَّفُ لِاسْتِيفَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ لِاحْتِمَالِ الْهَلَاكِ، ثُمَّ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ لِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْعَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ رَجُلٌ الْعَبْدَ الرَّهْنَ خَطَأً حَتَّى قَضَى بِهِ بِالْقِيمَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ حَتَّى يُحْضِرَ كُلَّ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ خَلَفٌ عَنْ الرَّهْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِ كُلِّهَا كَمَا لَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِ كُلِّ عَيْنِ الرَّهْنِ وَمَا صَارَتْ قِيمَةً بِفِعْلِهِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ صَارَ دَيْنًا بِفِعْلِ الرَّاهِنِ فَلِهَذَا افْتَرَقَا (وَلَوْ وَضَعَ الرَّهْنَ عَلَى يَدِ الْعَدْلِ وَأُمِرَ أَنْ يُودِعَهُ غَيْرَهُ فَفَعَلَ ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَهِنُ يَطْلُبُ دَيْنَهُ لَا يُكَلَّفُ إحْضَارَ الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ حَيْثُ وُضِعَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَسْلِيمُهُ فِي قُدْرَتِهِ (وَلَوْ وَضَعَهُ الْعَدْلُ فِي يَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَغَابَ وَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ وَاَلَّذِي فِي يَدِهِ يَقُولُ أَوْدَعَنِي فُلَانٌ وَلَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّ إحْضَارَ الرَّهْنِ لَيْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا.
(وَكَذَلِكَ إذَا غَابَ الْعَدْلُ
الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ هُوَ رَهْنُ الدَّيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ قِيَاسًا عَلَيْهِ انْتَهَى
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِتَعْلِيلِهِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى رَهْنِ الدَّيْنِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ الْبَحْثُ الْمَذْكُورُ، بَلْ مُرَادُهُ بِهِ بَيَانُ أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ يَبْقَى فِي الدَّيْنِ الَّذِي صَارَ خَلَفًا عَنْ الْعَيْنِ الْمَبِيعِ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَانَ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ رَهْنًا فَكَذَا خَلْفُهُ تَبَعًا، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ الدَّيْنُ لِلرَّهْنِيَّةِ أَصَالَةً فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا وَلَا يَثْبُتُ أَصَالَةً وَقَصْدًا، فَقَوْلُهُ فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ وَهُوَ دَيْنٌ إشَارَةً إلَى مَعْنَى الْخَلَفِيَّةِ لَا إلَى الْقِيَاسِ
وَهَذَا مَعَ ظُهُورِهِ لِكُلِّ مُتَأَمِّلٍ مُتْقِنٍ قَدْ صَرَّحَ بِهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ رَهَنَ الدَّائِنُ ابْتِدَاءً لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ يَبْقَى حُكْمُ الرَّهْنِ
[ ١٠ / ١٤٨ ]
بِالرَّهْنِ وَلَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ) لِمَا قُلْنَا (وَلَوْ أَنَّ الَّذِي أَوْدَعَهُ الْعَدْلُ جَحَدَ الرَّهْنَ وَقَالَ هُوَ مَالِيٌّ لَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ حَتَّى يَثْبُتَ كَوْنُهُ رَهْنًا)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ الرَّهْنَ فَقَدْ تَوَى الْمَالُ وَالْتَوَى عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ وَلَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ
قَالَ (وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى يَقْضِيَهُ الدَّيْنَ)؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الْحَبْسُ الدَّائِمُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَوْ قَضَاهُ الْبَعْضَ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ كُلَّ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْبَقِيَّةَ) اعْتِبَارًا بِحَبْسِ الْمَبِيعِ (فَإِذَا قَضَاهُ الدَّيْنَ قِيلَ لَهُ سَلِّمْ الرَّهْنَ إلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَانِعُ مِنْ التَّسْلِيمِ لِوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ (فَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ اسْتَرَدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ، فَكَانَ الثَّانِي اسْتِيفَاءً بَعْدَ اسْتِيفَاءٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ (وَكَذَلِكَ لَوْ تَفَاسَخَا الرَّهْنَ لَهُ حَبْسُهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الدَّيْنَ أَوْ يُبْرِئْهُ، وَلَا يَبْطُلُ
فِي الدَّيْنِ لِكَوْنِهِ بَدَلًا عَنْ الْمَقْبُوضِ، وَهُوَ قَدْ كَانَ صَالِحًا لِذَلِكَ فَيَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي خَلْفِهِ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ فَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ اسْتَرَدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ، فَكَانَ الثَّانِي اسْتِيفَاءً فَيَجِبُ رَدُّهُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا ارْتَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهُ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ ثُمَّ وَهَبَ الْمُرْتَهِنُ الْمَالَ لِلرَّاهِنِ أَوْ أَبْرَأَهُ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الرَّهْنَ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ ثَبَتَتْ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ بِقَبْضِهِ السَّابِقِ وَقَدْ تَقَرَّرَ بِالْهَلَاكِ، فَصَيْرُورَتُهُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَائِهِ حَقِيقَةً، وَفِي الِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً بَعْدَ الْإِبْرَاءِ يَرُدُّ الْمُسْتَوْفِي فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَا هُنَا كَذَلِكَ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ اسْتِيفَاءٍ بِالْيَدِ وَالْحَبْسِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ الِاسْتِيفَاءُ يَتَقَرَّرُ بِالْهَلَاكِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْقَبْضِ، فَالْقَضَاءُ بَعْدَ الْهَلَاكِ اسْتِيفَاءٌ بَعْدَ اسْتِيفَاءٍ فَيَجِبُ الرَّدُّ، وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ فَلَيْسَ فِيهِ اسْتِيفَاءُ شَيْءٍ لِيَجِبَ رَدُّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطٌ، وَإِسْقَاطُ الدَّيْنِ بِمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ لَغْوٌ انْتَهَى
أَقُولُ: فِي خَاتِمَةِ هَذَا الْجَوَابِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَإِسْقَاطُ الدَّيْنِ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ لَغْوٌ مِنْ الْكَلَامِ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ فِي مَادَّةِ النَّقْضِ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّاهِنَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَكَانَ الْإِبْرَاءُ فِيهَا مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَلَمْ يَكُنْ لَغْوًا بَلْ كَانَ إسْقَاطًا صَحِيحًا فَلَا مِسَاسَ لِقَوْلِهِ: وَإِسْقَاطُ الدَّيْنِ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ لَغْوٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ
فَإِنْ قُلْت: مُرَادُهُ أَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ لَمَّا ثَبَتَ لِلْمُرْتَهِنِ بِعَقْدِ الرَّهْنِ وَتَقَرُّرِهِ بِالْهَلَاكِ مُسْنَدًا إلَى وَقْتِ الْقَبْضِ صَارَ الْمُرْتَهِنُ بِالْهَلَاكِ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ فَصَارَ الِاسْتِيفَاءُ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِبْرَاءِ فِي الْحُكْمِ فَلَمْ يَكُنْ الرَّاهِنُ مَدْيُونًا وَقْتَ الْإِبْرَاءِ لِسُقُوطِ دَيْنِهِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِبْرَاءُ، فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إسْقَاطُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَلِهَذَا قَالَ: وَإِسْقَاطُ الدَّيْنِ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ لَغْوٌ
قُلْت: لَوْ كَانَ لِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ اعْتِبَارٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَادَّةِ النَّقْضِ، وَكَانَ الْإِبْرَاءُ فِيهِ لَغْوًا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَوَجَبَ فِيهِ الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ لِثُبُوتِ الِاسْتِيفَاءِ لَهُ بِيَدِهِ بِقَبْضِهِ السَّابِقِ وَتَقَرُّرِهِ بِالْهَلَاكِ، وَكَوْنُ الْإِبْرَاءِ لَغْوًا عَلَى الْفَرْضِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِيهِ وَهُوَ مَدَارُ النَّقْضِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ
[ ١٠ / ١٤٩ ]
الرَّهْنُ إلَّا بِالرَّدِّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَى وَجْهِ الْفَسْخِ)؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى مَضْمُونًا مَا بَقِيَ الْقَبْضُ وَالدَّيْنُ (وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الدَّيْنُ إذَا كَانَ بِهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ) لِبَقَاءِ الرَّهْنِ (وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ لَا بِاسْتِخْدَامٍ، وَلَا بِسُكْنَى وَلَا لُبْسٍ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمَالِكُ)؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الْحَبْسِ دُونَ الِانْتِفَاعِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ إلَّا بِتَسْلِيطٍ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ وَيُعِيرَ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الِانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَسْلِيطَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَلَا يَبْطُلُ عَقْدُ الرَّهْنِ بِالتَّعَدِّي.
قَالَ (وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْفَظَ الرَّهْنَ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ) قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ فِي عِيَالِهِ أَيْضًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ (وَإِنْ حَفِظَهُ بِغَيْرِ مَنْ فِي عِيَالِهِ أَوْ أَوْدَعَهُ ضَمِنَ) وَهَلْ يَضْمَنُ الثَّانِي فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَمِيعَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي الْوَدِيعَةِ (وَإِذَا تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْغَصْبِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ أَمَانَةٌ، وَالْأَمَانَاتُ تُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي (وَلَوْ رَهَنَهُ خَاتَمًا فَجَعَلَهُ فِي خِنْصِرِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ)؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْإِذْنُ بِالْحِفْظِ وَالْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ (وَلَوْ جَعَلَهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَصَابِعِ كَانَ رَهْنًا بِمَا فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْبَسُ كَذَلِكَ عَادَةً فَكَانَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ، وَكَذَا الطَّيْلَسَانُ إنْ لَبِسَهُ لُبْسًا مُعْتَادًا ضَمِنَ،
الْكِتَابِ وَبَيْنَ ذَلِكَ فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ
فَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْمُطَالَبَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: قُلْت إنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الدَّيْنِ، وَبِالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ انْعَدَمَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ وَهُوَ الدَّيْنُ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ إحْدَاهُمَا، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّ الرَّهْنَ سَقَطَ الضَّمَانُ لِانْعِدَامِ الْقَبْضِ مَعَ بَقَاءِ الدَّيْنِ، فَكَذَا إذَا أَبْرَأَ عَنْ الدَّيْنِ يَسْقُطُ الضَّمَانُ لِانْعِدَامِ الدَّيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْقَبْضِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الدَّيْنَ لَا يَسْقُطُ بِالِاسْتِيفَاءِ بَلْ يَتَقَرَّرُ، فَإِنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَحُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالشَّيْءِ يُقَرِّرُهُ وَيُهَيِّئُهُ،
[ ١٠ / ١٥٠ ]
وَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ لَمْ يَضْمَنْ (وَلَوْ رَهَنَهُ سَيْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَتَقَلَّدَهَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الثَّلَاثَةِ وَضَمِنَ فِي السَّيْفَيْنِ)؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ الشُّجْعَانِ بِتَقَلُّدِ السَّيْفَيْنِ فِي الْحَرْبِ وَلَمْ تَجْرِ بِتَقَلُّدِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ لَبِسَ خَاتَمًا فَوْقَ خَاتَمٍ، إنْ كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَتَجَمَّلُ بِلُبْسِ خَاتَمَيْنِ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَجَمَّلُ بِذَلِكَ فَهُوَ حَافِظٌ فَلَا يَضْمَنُ
قَالَ (وَأُجْرَةُ الْبَيْتِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْحَافِظِ وَأُجْرَةُ الرَّاعِي وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ وَتَبْقِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَيَكُونُ إصْلَاحُهُ وَتَبْقِيَتُهُ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ النَّفَقَةِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ، وَأُجْرَةُ الرَّاعِي فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَفُ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ كِسْوَةُ الرَّقِيقِ وَأُجْرَةُ ظِئْرِ وَلَدِ الرَّهْنِ، وَسَقْيُ الْبُسْتَانِ، وَكَرْيُ النَّهْرِ وَتَلْقِيحُ نَخِيلِهِ وَجُذَاذُهُ، وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ لِحِفْظِهِ أَوْ لِرَدِّهِ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ لِرَدِّ جُزْءٍ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مِثْلُ أُجْرَةِ الْحَافِظِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ حَقٌّ لَهُ وَالْحِفْظُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ بَدَلُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْبَيْتِ الَّذِي يُحْفَظُ الرَّهْنُ فِيهِ، وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ كِرَاءَ الْمَأْوَى عَلَى الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي تَبْقِيَتِهِ، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ جُعْلُ الْآبِقِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى إعَادَةِ الِاسْتِيفَاءِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ لِيَرُدَّهُ فَكَانَتْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ فَيَلْزَمُهُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءً، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ الْمَضْمُونِ وَعَلَى الرَّاهِنِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَالرَّدُّ لِإِعَادَةِ الْيَدِ، وَيَدُهُ فِي الزِّيَادَةِ يَدُ الْمَالِكِ إذْ هُوَ كَالْمُودِعِ فِيهَا فَلِهَذَا يَكُونُ عَلَى الْمَالِكِ، وَهَذَا بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْبَيْتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّ كُلَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ فَضْلٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْحَبْسِ، وَحَقُّ الْحَبْسِ فِي الْكُلِّ ثَابِتٌ لَهُ
فَأَمَّا الْجُعْلُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ لِأَجْلِ الضَّمَانِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمَضْمُونِ وَمُدَاوَاةُ الْجِرَاحَةِ وَالْقُرُوحِ وَمُعَالَجَةُ الْأَمْرَاضِ وَالْفِدَاءُ مِنْ الْجِنَايَةِ تَنْقَسِمُ عَلَى الْمَضْمُونِ وَالْأَمَانَةِ، وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤَنِ الْمِلْكِ، وَالْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ
وَإِذَا بَقِيَ الدَّيْنُ حُكْمًا بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ، وَبِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَرَّتَيْنِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا، وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ فَيُسْقِطُ الدَّيْنَ فَلَا يَبْقَى الضَّمَانُ بَعْدَ انْعِدَامِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، إلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ
وَسَيَجِيءُ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِي آخَرِ كِتَابِ الرَّهْنِ مَا يُطَابِقُ ذَلِكَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ تَيْنِكِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَتَبَصَّرْ
قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْقَى الرَّهْنُ مَضْمُونًا بَعْدَ قَبْضِ الدَّيْنِ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَمْ يَبْقَ
قُلْت: بَقِيَ احْتِمَالُ اسْتِحْقَاقِ الْحَبْسِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْمُؤَدِّي وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَكَانَ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْحَبْسِ انْتَهَى
وَرَدَّ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَذَا الْجَوَابَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ لَا يُوجِبُ التَّحْقِيقَ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ انْتَهَى
أَقُولُ: الْحَقُّ فِي الْجَوَابِ عَنْ أَصْلِ السُّؤَال أَنْ
[ ١٠ / ١٥١ ]
وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَهُ، بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا وَجَبَ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَمَا أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ بِأَمْرِ الْقَاضِي رَجَعَ عَلَيْهِ كَأَنَّ صَاحِبَهُ أَمَرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي عَامَّةٌ
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهِيَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ)
يُقَالَ: الدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ بِالْقَضَاءِ كَمَا يَسْقُطُ بِالْإِبْرَاءِ لِقِيَامِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الذِّمَّةُ، بَلْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ، وَلَكِنْ لَا يُطَالَبُ بِهِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ كِتَابِ الرَّهْنِ أَثْنَاءَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ إبْرَاءِ الْمُرْتَهِنِ الرَّاهِنَ عَنْ الدَّيْنِ وَمَسْأَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ، فَإِذَا بَقِيَ الدَّيْنُ بَعْدَ قَضَاءِ مِثْلِهِ يَبْقَى حُكْمُ الرَّهْنِ أَيْضًا مَا لَمْ يُسَلَّمْ إلَى الرَّاهِنِ فَيَبْقَى مَضْمُونًا بِالْهَلَاكِ إلَى أَنْ يُسَلَّمَ إلَى الرَّاهِنِ، تَأَمَّلْ تَقِفْ انْتَهَى، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
(بَابُ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ)
لَمَّا ذَكَرَ مُقَدَّمَاتِ مَسَائِلِ الرَّهْنِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ تَفْصِيلَ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ؛ إذْ التَّفْصِيلُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْإِجْمَالِ (وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: رَهْنُ الْمُشَاعِ الْقَابِلِ لِلْقِسْمَةِ وَغَيْرِهِ فَاسِدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ إذَا قُبِضَ،
[ ١٠ / ١٥٢ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وَلَنَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَبْتَنِي عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ وَهُوَ الْمُشَاعُ
وَعِنْدَهُ الْمُشَاعُ يَقْبَلُ مَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ وَهُوَ تَعَيُّنُهُ لِلْبَيْعِ
وَقِيلَ بَاطِلٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ مِنْهُ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا أَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ
أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ حَشْوٌ مُفْسِدٌ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ رَهْنُ الْمُشَاعِ لَيْسَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا وَلَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ الْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا، فَإِنَّ الشُّيُوعَ لَا يُنَافِي الْمَالِيَّةَ قَطْعًا حَتَّى يَكُونَ رَهْنُ الْمُشَاعِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا، وَكَذَا الشُّيُوعُ فِي الرَّهْنِ لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا بَلْ يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى
ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا بِنَاءَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِ الْقَبْضِ شَرْطَ تَمَامِ عَقْدِ الرَّهْنِ لَا شَرْطَ جَوَازِهِ، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ سَوَاءٌ كَانَ الْقَبْضُ شَرْطَ تَمَامِ عَقْدِ الرَّهْنِ أَوْ شَرْطَ جَوَازِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مَسْكَةٍ، فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ قَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ
وَزَعَمَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ إلَخْ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْبَاطِلَ مِنْهُ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا أَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ: يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الْبَاطِلِ مُنْحَصِرًا فِيمَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ شَرْطَ الْجَوَازِ لَمْ يَصِحَّ الْحَصْرُ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا أَيْضًا بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْفَصْلِ بِقَوْلِهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ مِمَّا يَأْبَى جِدًّا كَوْنَ قَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ إلَى آخِرِهِ عِلَّةٌ لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ بِنَاءً أَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الْبَاطِلِ مِنْ الرَّهْنِ مُنْحَصِرًا فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الصُّورَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ
قَوْلُهُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ شَرْطَ الْجَوَازِ لَمْ يَصِحَّ الْحَصْرُ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ انْتِفَاءِ شَرْطِ الْجَوَازِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْعَقْدِ بَلْ يُتَصَوَّرُ انْتِفَاءُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا انْعَقَدَ الْعَقْدُ بِصِفَةِ الْفَسَادِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْعَقْدِ انْتِفَاءُ شَرْطِ الِانْعِقَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ مَالًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا لَا غَيْرَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي وَنُقِلَ عَنْهُمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ أَنَّ الْبَاطِلَ مِنْ الرَّهْنِ مَا لَا يَكُونُ مُنْعَقِدًا أَصْلًا كَالْبَاطِلِ مِنْ الْبُيُوعِ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مُنْعَقِدًا لَكِنْ بِوَصْفِ الْفَسَادِ كَالْفَاسِدِ مِنْ الْبُيُوعِ، وَشَرْطُ انْعِقَادِ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ مَالًا وَالْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ الرَّهْنُ مَالًا وَالْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا، إلَّا أَنَّهُ بِفَقْدِ بَعْضِ شَرَائِطِ الْجَوَازِ يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ لِوُجُودِ شَرْطِ الِانْعِقَادِ لَكِنْ بِصِفَةِ الْفَسَادِ لِانْعِدَامِ بَعْضِ شَرْطِ
[ ١٠ / ١٥٣ ]
وَالثَّانِي أَنَّ مُوجِبَ الرَّهْنِ هُوَ الْحَبْسُ الدَّائِمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَقْبُوضًا بِالنَّصِّ، أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالدَّوَامِ، وَلَا يُفْضِي إلَيْهِ إلَّا اسْتِحْقَاقُ الْحَبْسِ، وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ فِي الْمُشَاعِ يَفُوتُ الدَّوَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُهَايَأَةِ فَيَصِيرُ كَمَا إذَا قَالَ رَهَنْتُك يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُهَا، بِخِلَافِ الْهِبَةِ حَيْثُ يَجُوزُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِي الْهِبَةِ غَرَامَةُ الْقِسْمَةِ وَهُوَ فِيمَا يُقَسَّمُ، أَمَّا حُكْمُ الْهِبَةِ الْمِلْكُ وَالْمُشَاعُ يَقْبَلُهُ، وَهَا هُنَا الْحُكْمُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَالْمُشَاعُ لَا يَقْبَلُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حُكْمُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَسْكُنُ يَوْمًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَيَوْمًا بِحُكْمِ الرَّهْنِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ رَهَنَ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا
وَالشُّيُوعُ الطَّارِئُ يَمْنَعُ بَقَاءَ الرَّهْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ حُكْمِ الِابْتِدَاءِ فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، فَالِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ سَوَاءٌ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشَاعَ يَقْبَلُ حُكْمَهَا وَهُوَ الْمِلْكُ، وَاعْتِبَارُ الْقَبْضِ فِي الِابْتِدَاءِ لِنَفْيِ الْغَرَامَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِهِ
الْجَوَازِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا أَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُونًا لَا يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ أَصْلًا انْتَهَى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَنَّ مُوجِبَ الرَّهْنِ هُوَ الْحَبْسُ الدَّائِمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَقْبُوضًا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَقْبُوضًا أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا مَقْبُوضًا يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ مُنَاقِضًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي صَدْرِ كِتَابِ الرَّهْنِ مِنْ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ لُزُومِ الرَّهْنِ لَا شَرْطُ جَوَازِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا مَقْبُوضًا لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ؛ إذْ الْمُدَّعَى هَا هُنَا عَدَمُ جَوَازِ رَهْنِ الْمُشَاعِ لَا عَدَمُ لُزُومِهِ فَتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ (قَوْلُهُ أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِيَكُونَ عَاجِزًا عَنْ الِانْتِفَاعِ فَيَتَسَارَعُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِضَجَرِهِ انْتَهَى
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَلِيَكُونَ عَاجِزًا عَنْ الِانْتِفَاعِ فَيَتَسَارَعُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِضَجَرِهِ
أَقُولُ: عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ كَوْنَ الرَّهْنِ وَثِيقَةً لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ بِعِلَّتَيْنِ حَيْثُ قَالَ: لِيَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ الْجُحُودِ مَخَافَةَ جُحُودِ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ، وَلِيَكُونَ عَاجِزًا عَنْ الِانْتِفَاعِ فَيَتَسَارَعُ الدَّائِنُ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِضَجَرِهِ انْتَهَى
فَلَيْتَ شَعْرِي مَا حَمَلَ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحَ عَلَى حَمْلِهِمْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ عَلَى الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ فَقَطْ دُونَ مَجْمُوعِ الْعِلَّتَيْنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى لِتَقَدُّمِهَا
[ ١٠ / ١٥٤ ]
فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ وَلِهَذَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ، وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِي بَعْضِ الرَّهْنِ
قَالَ (وَلَا رَهْنُ ثَمَرَةٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخِيلِ دُونَ النَّخِيلِ، وَلَا زَرْعُ الْأَرْضِ دُونَ الْأَرْضِ، وَلَا رَهْنُ النَّخِيلِ فِي الْأَرْضِ دُونَهَا)؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ مُتَّصِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَرْهُونٍ خِلْقَةً فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّائِعِ (وَكَذَا إذَا رَهَنَ الْأَرْضَ دُونَ النَّخِيلِ أَوْ دُونَ الزَّرْعِ أَوْ النَّخِيلِ دُونَ الثَّمَرِ)؛ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ، فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِمَا لَيْسَ بِمَرْهُونٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُ الْمَرْهُونِ وَحْدَهُ
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ رَهْنَ الْأَرْضِ بِدُونِ الشَّجَرِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ اسْمٌ لِلنَّابِتِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءُ الْأَشْجَارِ بِمَوَاضِعِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَ الدَّارَ دُونَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ اسْمٌ لِلْمَبْنَى فَيَصِيرُ رَاهِنًا جَمِيعَ الْأَرْضِ وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِمِلْكِ الرَّاهِنِ (وَلَوْ رَهَنَ النَّخِيلَ بِمَوَاضِعِهَا جَازَ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُجَاوِرَةٌ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ (وَلَوْ كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِاتِّصَالِهِ بِهِ فَيَدْخُلُ تَبَعًا تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ النَّخِيلِ بِدُونِ الثَّمَرِ جَائِزٌ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى إدْخَالِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ، وَبِخِلَافِ الْمَتَاعِ فِي الدَّارِ حَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي رَهْنِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَابِعٍ بِوَجْهٍ مَا، وَكَذَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالرَّطْبَةُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ (وَيَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالْقَرْيَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ رَهَنَ الدَّارَ بِمَا فِيهَا جَازَ وَلَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ بَقِيَ رَهْنًا بِحِصَّتِهِ وَإِلَّا بَطَلَ كُلُّهُ)؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ جُعِلَ كَأَنَّهُ مَا وَرَدَ إلَّا عَلَى الْبَاقِي، وَيَمْنَعُ التَّسْلِيمَ كَوْنُ الرَّاهِنِ أَوْ مَتَاعِهِ فِي الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ، وَكَذَا مَتَاعُهُ فِي الْوِعَاءِ الْمَرْهُونِ، وَيَمْنَعُ تَسْلِيمَ الدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ الْحَمْلُ عَلَيْهَا فَلَا يَتِمُّ حَتَّى يُلْقِيَ الْحِمْلَ؛ لِأَنَّهُ شَاغِلٌ لَهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَ الْحِمْلَ دُونَهَا حَيْثُ يَكُونُ رَهْنًا تَامًّا إذَا دَفَعَهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ مَشْغُولَةٌ بِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَهَنَ مَتَاعًا فِي دَارٍ أَوْ فِي وِعَاءٍ دُونَ الدَّارِ وَالْوِعَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَ سَرْجًا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ لِجَامًا فِي رَأْسِهَا وَدَفَعَ الدَّابَّةَ مَعَ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ حَيْثُ لَا يَكُونُ رَهْنًا حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْهَا ثُمَّ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّابَّةِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرَةِ لِلنَّخِيلِ حَتَّى قَالُوا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ.
قَالَ (وَلَا يَصِحُّ) (الرَّهْنُ بِالْأَمَانَاتِ) كَالْوَدَائِعِ وَالْعَوَارِيّ وَالْمُضَارَبَاتِ
فِي الذِّكْرِ هُنَاكَ
وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَكُلُّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالدَّوَامِ: أَيْ كُلُّ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا مَقْبُوضًا بِالنَّصِّ أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّوَامِ، وَقَالَ: أَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالدَّوَامِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ فَظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ رُبَّمَا جَحَدَ الرَّهْنَ وَالدَّيْنَ جَمِيعًا فَيَفُوتُ الِاسْتِيثَاقُ انْتَهَى
فَقَدْ جَعَلَ مَدَارَ الِاسْتِيثَاقِ فِي الْبَيَانِ هُوَ الْعِلَّةَ الْأُولَى عَلَى
[ ١٠ / ١٥٥ ]
(وَمَالُ الشِّرْكَةِ)؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي بَابِ الرَّهْنِ قَبْضٌ مَضْمُونٌ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمَانٍ ثَابِتٍ لِيَقَعَ الْقَبْضُ مَضْمُونًا وَيَتَحَقَّقَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ (وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ)؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَإِنَّهُ إذَا هَلَكَ الْعَيْنُ لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ شَيْئًا لَكِنَّهُ يَسْقُطُ الثَّمَنُ وَهُوَ حَقُّ الْبَائِعِ فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ
فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ بِعَيْنِهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ هَلَاكِهِ مِثْلَ الْمَغْصُوبِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مُتَقَرِّرٌ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا تَجِبُ قِيمَتُهُ فَكَانَ رَهْنًا بِمَا هُوَ مَضْمُونٌ فَيَصِحُّ.
قَالَ (وَالرَّهْنُ بِالدَّرَكِ بَاطِلٌ وَالْكَفَالَةُ بِالدَّرَكِ جَائِزَةٌ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّهْنَ لِلِاسْتِيفَاءِ وَلَا اسْتِيفَاءَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، وَإِضَافَةُ التَّمْلِيكِ إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا تَجُوزُ
أَمَّا الْكَفَالَةُ فَلِالْتِزَامِ الْمُطَالَبَةِ، وَالْتِزَامُ الْأَفْعَالِ يَصِحُّ مُضَافًا إلَى الْمَآلِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ، فَلَوْ قَبَضَهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَهَلَكَ عِنْدَهُ يَهْلِكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّهُ لَا عَقْدَ حَيْثُ وَقَعَ بَاطِلًا، بِخِلَافِ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ الْمَوْعُودِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ رَهَنْتُك هَذَا لِتُقْرِضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ حَيْثُ يَهْلِكُ بِمَا سَمَّى مِنْ الْمَالِ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْعُودَ جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ،
خِلَافِ مَا فُسِّرَ بِهِ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ تَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ الْمَوْعُودِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ رَهَنْتُك هَذَا لِتُقْرِضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ حَيْثُ يَهْلِكُ بِمَا سَمَّى مِنْ الْمَالِ بِمُقَابَلَتِهِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِمَّا سَمَّى لَهُ مِنْ الْقَرْضِ؛ أَلَا تَرَى إلَى مَا قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَلَوْ أَخَذَ الرَّهْنَ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ كَذَا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ هَلَكَ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِمَّا سَمَّى لَهُ مِنْ الْفَرْضِ انْتَهَى
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ يَهْلِكُ بِمَا سَمَّى مِنْ الْمَالِ بِمُقَابَلَتِهِ: هَذَا إذَا سَاوَى الرَّهْنُ الدَّيْنَ قِيمَةً، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنْ يُسَاوِيَ الرَّهْنُ الدَّيْنَ انْتَهَى
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ
أَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ كَمَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا سَاوَى قِيمَةُ الرَّهْنِ الدَّيْنَ الْمَوْعُودَ وَهُوَ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الْقَرْضِ يَتَمَشَّى أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ
[ ١٠ / ١٥٦ ]
وَلِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِجِهَةِ الرَّهْنِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَى اعْتِبَارِ وُجُودِهِ فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَيَضْمَنُهُ.
قَالَ (وَيَصِحُّ الرَّهْنُ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَبِثَمَنِ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الِاسْتِيفَاءُ، وَهَذَا اسْتِبْدَالٌ لِعَدَمِ الْمُجَانِسَةِ، وَبَابُ الِاسْتِبْدَالِ فِيهَا مَسْدُودٌ
وَلَنَا أَنَّ الْمُجَانَسَةَ ثَابِتَةٌ فِي الْمَالِيَّةِ فَيَتَحَقَّقُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ حَيْثُ الْمَالُ وَهُوَ الْمَضْمُونُ عَلَى مَا مَرَّ
قَالَ (وَالرَّهْنُ بِالْمَبِيعِ بَاطِلٌ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ (فَإِنْ هَلَكَ ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ)؛ لِأَنَّهُ اعْتِبَارٌ لِلْبَاطِلِ فَبَقِيَ قَبْضًا بِإِذْنِهِ (وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ تَمَّ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ حُكْمًا) لِتَحَقُّقِ الْقَبْضِ حُكْمًا (وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ هَلَاكِ الرَّهْنِ بَطَلَا) لِفَوَاتِ الْقَبْضِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا (وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ بَطَلَ السَّلَمُ بِهَلَاكِهِ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ فَلَمْ يَبْقَ السَّلَمُ (وَلَوْ تَفَاسَخَا السَّلَمَ وَبِالْمُسْلَمِ فِيهِ رَهْنٌ يَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا بِرَأْسِ الْمَالِ حَتَّى يَحْبِسَهُ)؛ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ
بِصُورَةِ الْمُسَاوَاةِ
فَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْبَيَانِ: هَذَا إذَا سَاوَى قِيمَةُ الرَّهْنِ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الْقَرْضِ أَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَهْلَكُ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ؛ إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ هَا هُنَا قَوْلَهُ حَيْثُ يَهْلِكُ بِمَا سَمَّى لَهُ مِنْ الْقَرْضِ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ جَرْيًا عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْغَالِبُ مِنْ كَوْنِ
[ ١٠ / ١٥٧ ]
فَصَارَ كَالْمَغْصُوبِ إذَا هَلَكَ وَبِهِ رَهْنٌ يَكُونُ رَهْنًا بِقِيمَتِهِ (وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ التَّفَاسُخِ يَهْلِكُ بِالطَّعَامِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِغَيْرِهِ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِأَخْذِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلَهُ، وَلَوْ هَلَكَ الْمَرْهُونُ يَهْلِكُ بِالثَّمَنِ لِمَا بَيَّنَّا؛ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا وَأَدَّى ثَمَنَهُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، ثُمَّ لَوْ هَلَكَ الْمُشْتَرَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَهْلِكُ بِقِيمَتِهِ فَكَذَا هَذَا
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْحُرِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ هَؤُلَاءِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ فِي الْحُرِّ وَقِيَامِ الْمَانِعِ فِي الْبَاقِينَ، (وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَكَذَا بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا) لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً
قِيمَةِ الرَّهْنِ مُسَاوِيَةً لِلدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَلَوْ هَلَكَ الْمَرْهُونُ يَهْلِكُ بِالثَّمَنِ لِمَا بَيَّنَّا) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلَهُ
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِتَفْسِيرٍ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الثَّمَنِ بَدَلَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هَلَاكُ الْمَرْهُونِ بِالثَّمَنِ دُونَ الْمَبِيعِ؛
[ ١٠ / ١٥٨ ]
لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْأَرْشِ مِنْ الرَّهْنِ مُمْكِنٌ
(وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِالشُّفْعَةِ)؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُشْتَرِي (وَلَا بِالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمَدْيُونِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ (وَلَا بِأُجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا)؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مَضْمُونٌ
(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَرْهَنَ خَمْرًا أَوْ يَرْتَهِنَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) لِتَعَذُّرِ الْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ الرَّاهِنُ إذَا كَانَ ذِمِّيًّا فَالْخَمْرُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِلذِّمِّيِّ كَمَا إذَا غَصَبَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ ذِمِّيًّا لَمْ يَضْمَنْهَا لِلْمُسْلِمِ كَمَا لَا يَضْمَنُهَا بِالْغَصْبِ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَى ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ فِي حَقِّهِمْ، أَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَيْسَتْ بِمَالٍ عِنْدَهُمْ فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهَا وَارْتِهَانُهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ (وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَرَهَنَ بِثَمَنِهِ عَبْدًا أَوْ خَلًّا أَوْ شَاةً مَذْبُوحَةً ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ حُرًّا أَوْ الْخَلُّ خَمَرًا أَوْ الشَّاةُ مَيْتَةً فَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ)؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ ظَاهِرًا (وَكَذَا إذَا قَتَلَ عَبْدًا وَرَهَنَ بِقِيمَتِهِ رَهْنًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ حُرٌّ) وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَكَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى إنْكَارٍ وَرَهَنَ بِمَا صَالَحَ عَلَيْهِ رَهْنًا ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ فَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ خِلَافُهُ، وَكَذَا قِيَاسُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِنْسِهِ.
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ عَبْدًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ)؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِيدَاعَ، وَهَذَا أَنْظَرُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْمُرْتَهِنِ بِحِفْظِهِ أَبْلَغُ خِيفَةَ الْغَرَامَةِ (وَلَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ مَضْمُونًا، الْوَدِيعَةُ تَهْلِكُ أَمَانَةً وَالْوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ) فِي هَذَا
أَلَا يُرَى أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كَانَ بَدَلَ الطَّعَامِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَعَ أَنَّ هَلَاكَ الرَّهْنِ بَعْدَ التَّفَاسُخِ هُنَاكَ كَانَ بِالْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ
وَالصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ لِمَا بَيَّنَّا إنَّمَا هُوَ الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِغَيْرِهِ: يَعْنِي أَنَّ هَلَاكَ الْمَرْهُونِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ حِينَ انْعِقَادِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ مَحْبُوسًا قَبْلَ الْهَلَاكِ بِغَيْرِهِ أَيْضًا لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَبِهَذَا يَتِمُّ كَوْنُ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ
[ ١٠ / ١٥٩ ]
الْبَابِ لِمَا بَيَّنَّا
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا بِحَقِيقَةِ الْإِيفَاءِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ فِي حَقِيقَةِ الْإِيفَاءِ إزَالَةَ مِلْكِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يُقَابِلُهُ فِي الْحَالِ، وَفِي هَذَا نَصْبٌ حَافِظٌ لِمَالِهِ نَاجِزًا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ فَوَضَحَ الْفَرْقُ (وَإِذَا جَازَ الرَّهْنُ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ وَيَصِيرُ الْأَبُ) أَوْ الْوَصِيُّ (مُوفِيًا لَهُ وَيَضْمَنُهُ لِلصَّبِيِّ)؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِمَالِهِ، وَكَذَا لَوْ سَلَّطَا الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالْبَيْعِ وَهُمَا يَمْلِكَانِهِ
قَالُوا: أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْبَيْعُ، فَإِنَّ الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ إذَا بَاعَ مَالَ الصَّبِيِّ مِنْ غَرِيمِ نَفْسِهِ جَازَ وَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ وَيَضْمَنُهُ لِلصَّبِيِّ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، وَكَذَا وَكِيلُ الْبَائِعِ بِالْبَيْعِ، وَالرَّهْنُ نَظِيرُ الْبَيْعِ نَظَرًا إلَى عَاقِبَتِهِ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الضَّمَانِ (وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ أَوْ عَبْدٍ لَهُ تَاجِرٍ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ جَازَ)؛ لِأَنَّ الْأَبَ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ أُنْزِلَ مَنْزِلَةَ شَخْصَيْنِ وَأُقِيمَتْ عِبَارَتُهُ مَقَامَ عِبَارَتَيْنِ فِي هَذَا الْعَقْدِ كَمَا فِي بَيْعِهِ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ فَتَوَلَّى طَرَفِي الْعَقْدِ (وَلَوْ ارْتَهَنَهُ الْوَصِيُّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ هَذَيْنِ أَوْ رَهْنًا عَيْنًا لَهُ مِنْ الْيَتِيمِ بِحَقٍّ لِلْيَتِيمِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ)؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مَحْضٌ، وَالْوَاحِدُ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي الرَّهْنِ كَمَا لَا يَتَوَلَّاهُمَا فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأَبِ، وَالرَّهْنِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ
نَظِيرًا لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَأَمَّلْ تَفْهَمْ
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّطَا الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ؛ أَيْ كَمَا أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَضْمَنَانِ لِلصَّبِيِّ إذَا هَلَكَ عَبْدُهُ الَّذِي رَهْنَاهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَكَذَلِكَ يَضْمَنَانِ إذَا سَلَّطَا الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِهِ فَبَاعَهُ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَرْحٍ صَحِيحٍ، إذْ يَأْبَى عَنْهُ جِدًّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالْبَيْعِ وَهُمَا يَمْلِكَانِهِ
وَالصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا هُوَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ كَمَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَرْهَنَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا عَبْدًا لِلصَّغِيرِ كَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُسَلِّطَا الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ الْعَبْدِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ وَيَظْهَرُ وَجْهُ تَرْكِ الْمُصَنِّفِ قَيْدَ فَبَاعَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّطَا الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِهِ، إذْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ مَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الْقَيْدِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، بَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ الْقَيْدِ شَيْئًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ لِنَفْسِهِ بَدَلَ دَيْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ، إذْ لَوْ جَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا مَوْضِعَ عَيْنِهِ وَلَمْ يُتْلِفْهُ لَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا لِلصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ رَهْنَ مَالِ الصَّبِيِّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا وَيَمْلِكَانِ التَّوْكِيلَ بِبَيْعِ مَالِهِ، فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُهُمَا الضَّمَانُ بِمُجَرَّدِ تَسْلِيطِهِمَا الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِهِ، وَبَيْعُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ إذَا لَمْ يُتْلِفْ الْمُرْتَهِنُ ثَمَنَهُ بَلْ حَفِظَهُ بَدَلَ الْمَبِيعِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأَبِ) قُلْت: قَوْلُهُ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأَبِ
[ ١٠ / ١٦٠ ]
وَعَبْدِهِ التَّاجِرِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ مِنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ ابْنِهِ الْكَبِيرِ وَأَبِيهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ وَلَا تُهْمَةَ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ اسْتَدَانَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ فِي كِسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ فَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ جَازَ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ وَالرَّهْنُ يَقَعُ إيفَاءً لِلْحَقِّ فَيَجُوزُ (وَكَذَلِكَ لَوْ اتَّجَرَ لِلْيَتِيمِ فَارْتَهَنَ أَوْ رَهَنَ)؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى لَهُ التِّجَارَةُ تَثْمِيرًا لِمَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ الِارْتِهَانِ وَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ (وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ الصَّغِيرِ فَأَدْرَكَ الِابْنُ وَمَاتَ الْأَبُ لَيْسَ لِلِابْنِ أَنْ يَرُدَّهُ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ) لِوُقُوعِهِ لَازِمًا مِنْ جَانِبِهِ؛ إذْ تَصَرُّفُ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَلَوْ كَانَ الْأَبُ رَهَنَهُ لِنَفْسِهِ فَقَضَاهُ الِابْنُ رَجَعَ بِهِ فِي مَالِ الْأَبِ)؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِيهِ لِحَاجَتِهِ إلَى إحْيَاءِ مِلْكِهِ فَأَشْبَهَ مُعِيرَ الرَّهْنِ (وَكَذَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَكَّهُ)؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَصِيرُ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِمَالِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ (وَلَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ جَازَ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ جَائِزَيْنِ (فَإِنْ هَلَكَ ضَمِنَ الْأَبُ حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ لِلْوَلَدِ) لِإِيفَائِهِ دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ أَبُ الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ أَوْ وَصِيُّ الْأَبِ (وَلَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ فِي دَيْنٍ اسْتَدَانَهُ عَلَيْهِ وَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ اسْتَعَارَهُ الْوَصِيُّ لِحَاجَةِ الْيَتِيمِ فَضَاعَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ وَهَلَكَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ)؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَصِيِّ
عَادَ لِلْمَنْفِيِّ دُونَ النَّفْيِ تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلُهُ وَلَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ جَازَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ جَائِزَيْنِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: يُرِيدُ بِهِ رَهْنَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ مَتَاعَ الصَّغِيرِ لِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَرَهْنَهُمَا ذَلِكَ لِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى رَأْيُ جُمْهُورِ الشُّرَّاحِ هَا هُنَا
أَقُولُ: فِيهِ بُعْدٌ عَمَّا يَتَحَمَّلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا قَبْلُ إنَّمَا هُوَ رَهْنُ الْأَبِ مَتَاعَ الصَّغِيرِ لِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ لِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ دُونَ رَهْنِ الْوَصِيِّ إيَّاهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ رَاجِعٌ إلَى الْأَبِ فَقَطْ، فَدَرْجُ رَهْنِ الْوَصِيِّ أَيْضًا فِي بَيَانِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا لَا يُنَاسَبُ سِيَاقَ كَلَامِهِ
وَأَيْضًا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ: وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ وَكَذَلِكَ الْجَدُّ أَبٌ الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ أَوْ وَصِيُّ الْأَبِ
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْعَطْفَ وَالتَّشْبِيهَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ مَخْصُوصًا بِالْأَبِ، فَدَرْجُ الْوَصِيِّ فِي مَضْمُونِهِ لَا يُنَاسِبُ لَحَاقَ كَلَامِهِ
فَالْحَقُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: أَرَادَ بِهِمَا رَهْنَ الْأَبِ مَتَاعَ الصَّغِيرِ بِدَيْنِ نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ انْتَهَى
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي بَيَانِ وَجْهِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ جَائِزَيْنِ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ مَلَكَ بِدِينِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُرَكَّبِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْكُلِّ دُونَ الْعَكْسِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِي هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ إنْسَانًا أَوْ فَرَسًا يُطِيقُ تَحَمُّلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَحْجَارِ وَالْأَشْجَارِ مَثَلًا وَلَا يُطِيقُ تَحَمُّلَ الْكُلِّ قَطْعًا، وَأَنَّ رَجُلًا شُجَاعًا يُطِيقُ مُقَابَلَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعَسْكَرِ عَلَى الِانْفِرَادِ
[ ١٠ / ١٦١ ]
كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَهُ لِحَاجَةِ الصَّبِيِّ
وَالْحُكْمُ فِيهِ هَذَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالْمَالُ دَيْنٌ عَلَى الْوَصِيِّ) مَعْنَاهُ هُوَ الْمُطَالَبُ بِهِ (ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الصَّبِيِّ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ؛ إذْ هِيَ لِحَاجَةِ الصَّبِيِّ (وَلَوْ اسْتَعَارَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ ضَمِنَهُ لِلصَّبِيِّ)؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ؛ إذْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ (وَلَوْ غَصَبَهُ الْوَصِيُّ بَعْدَ مَا رَهَنَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ فَالْوَصِيُّ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَفِي حَقِّ الصَّبِيِّ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ، فَيُقْضَى بِهِ الدَّيْنُ إنْ كَانَ قَدْ حَلَّ (فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَدَّاهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْيَتِيمِ)؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلْيَتِيمِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا وَجَبَ لَهُ عَلَى الْيَتِيمِ فَالْتَقَيَا قِصَاصًا (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ) مِنْ الدَّيْنِ (أَدَّى قَدْرَ الْقِيمَةِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَأَدَّى الزِّيَادَةَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ)؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ عَلَيْهِ قَدْرُ الْقِيمَةِ لَا غَيْرَ (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ أَدَّى قَدْرَ الدَّيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَالْفَضْلُ لِلْيَتِيمِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَالْقِيمَةُ رَهْنٌ)؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمُرْتَهِنِ بِتَفْوِيتِ حَقِّهِ الْمُحْتَرَمِ فَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ، ثُمَّ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ كَانَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي فَصَّلْنَاهُ (وَلَوْ أَنَّهُ غَصَبَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ لِحَاجَةِ الصَّغِيرِ حَتَّى هَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَضْمَنُهُ لِحَقِّ الصَّغِيرِ)؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ لِحَاجَةِ الصَّغِيرِ لَيْسَ بِتَعَدٍّ، وَكَذَا الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ أَخْذِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: إذَا أَقَرَّ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ بِغَصْبِ مَالِ الصَّغِيرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ غَصْبُهُ لِمَا أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْأَخْذِ، فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُهُ لِلْمُرْتَهِنِ
وَلَا يُطِيقُ مُقَابَلَةَ مَجْمُوعِ الْعَسْكَرِ مَعًا، وَهَذَا فِي الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ
وَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَكَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يُجَامِعَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتَيْنِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأُخْرَى بِمِلْكِ نِكَاحٍ أَوْ بِمُلْكِ يَمِينٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا مَعًا فِي الْجِمَاعِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَيْنِك السَّبَبَيْنِ، وَلَعَلَّ سَائِرَ الشُّرَّاحِ وَصَاحِبَ الْكَافِي تَنَبَّهُوا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْكُلِّيَّةِ فَقَالُوا فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْلِيلِ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ فَكَذَلِكَ بِدَيْنِهِمَا وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ شَيْئًا
لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ تَعْلِيلَهُمْ الْمَذْكُورَ بِدُونِ تِلْكَ الْكُلِّيَّةِ لَا يُفِيدُ الشِّفَاءَ فِي إثْبَاتِ الْمُدَّعَى هُنَا
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ لَمَّا تَنَبَّهَ لِاخْتِلَالِ الْكُلِّيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ قَصَدَ الْإِصْلَاحَ حَيْثُ قَيَّدَ قَوْلَهُ: لِأَنَّ كُلَّ مَا أَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُرَكَّبِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْكُلِّ بِأَنْ قَالَ: إذَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا
أَقُولُ: هَذَا التَّقْيِيدُ يُخِلُّ بِالْمَقَامِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ لَا يَتِمُّ إثْبَاتًا لِلْمُدَّعَى حِينَئِذٍ، فَإِنَّ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةَ؛ إذْ لَوْ كَانَ بَيِّنًا فِي نَفْسِهِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى ذِكْرِ جَوَازِ رَهْنِ الْأَبِ مَتَاعَ الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِيمَا قَبْلُ جَوَازَ رَهْنِهِ إيَّاهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ حِينَئِذٍ قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ مَا يَثْبُتُ لِلْكُلِّ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْجُزْءِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ سِيَّمَا فِي الْأُمُورِ الْهَيِّنَةِ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: إذَا أَقَرَّ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ بِغَصْبِ مَالِ الصَّغِيرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ غَصْبُهُ لِمَا أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْأَخْذِ) وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: لِمَ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَتِهِ فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ
[ ١٠ / ١٦٢ ]
يَأْخُذُهُ بِدَيْنِهِ إنْ كَانَ قَدْ حَلَّ، وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ عَلَى الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ بَلْ هُوَ عَامِلٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحِلَّ يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ إذَا حَلَّ الدَّيْنُ يَأْخُذُ دَيْنَهُ مِنْهُ وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ عَلَى الصَّبِيِّ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا
قَالَ (وَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ)؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ فَكَانَ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ (فَإِنْ رُهِنَتْ بِجِنْسِهَا فَهَلَكَتْ هَلَكَتْ بِمِثْلِهَا مِنْ الدَّيْنِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ)؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِالْجَوْدَةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ دُونَ الْقِيمَةِ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ الْقِيمَةَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَإِنْ رَهَنَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَضَاعَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ) قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ أَوْ أَكْثَرَ
هَذَا الْجَوَابُ فِي الْوَجْهَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ وَعِنْدَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَهِيَ مِثْلُ الدَّيْنِ فِي الْأَوَّلِ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي فَيَصِيرُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ مُسْتَوْفِيًا (فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ) الْمَذْكُورِ
لَهُمَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى الِاسْتِيفَاءِ بِالْوَزْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمُرْتَهِنِ، وَلَا إلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا فَصِرْنَا إلَى التَّضْمِينِ، بِخِلَافِ الْجِنْسِ لِيَنْتَقِضَ الْقَبْضُ وَيُجْعَلَ مَكَانَهُ ثُمَّ يَتَمَلَّكَهُ
وَلَهُ أَنَّ الْجَوْدَةَ سَاقِطَةُ الْعِبْرَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا، وَاسْتِيفَاءُ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ جَائِزٌ كَمَا إذَا تَجَوَّزَ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِيفَاءُ بِالْإِجْمَاعِ وَلِهَذَا يُحْتَاجُ إلَى نَقْضِهِ، وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ بِإِيجَابِ
وَلِهَذَا يَضْمَنُهُ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي حَقِيقَةِ الْغَصْبِ وَلَا أَمْرٍ لَازِمٍ لَهُ؛ إذْ الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ
وَفِي الشَّرِيعَةِ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَهُ
كَمَا مَرَّ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْغَصْبِ، وَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ دُخُولِ الِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعْنَى الْغَصْبِ وَلَا فِي عَدَمِ لُزُومِهِ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا فَكَيْفَ يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْغَصْبِ إقْرَارًا بِالِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَتِهِ
(قَوْلُهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَإِنْ رَهَنَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ عَشَرَةً بِعَشَرَةٍ فَضَاعَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَأَتَى بِرِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى تَفْصِيلِ
[ ١٠ / ١٦٣ ]
الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ مِنْ مُطَالِبٍ وَمُطَالَبٍ، وَكَذَا الْإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَ نَفْسِهِ وَبِتَعَذُّرِ التَّضْمِينِ يَتَعَذَّرُ النَّقْضُ، وَقِيلَ: هَذِهِ فُرَيْعَةُ مَا إذَا اسْتَوْفَى الزُّيُوفَ مَكَانَ الْجِيَادِ فَهَلَكَتْ ثُمَّ عَلِمَ بِالزِّيَافَةِ يُمْنَعُ الِاسْتِيفَاءُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، غَيْرَ أَنَّ الْبِنَاءَ لَا يَصِحُّ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا فِيهَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي هَذَا مَعَ أَبِي يُوسُفَ
وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَبَضَ الزُّيُوفَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ عَيْنِهَا، وَالزِّيَافَةُ لَا تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ، وَقَدْ تَمَّ بِالْهَلَاكِ وَقَبْضِ الرَّهْنِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الْقَبْضِ، وَقَدْ أَمْكَنَ عِنْدَهُ بِالتَّضْمِينِ، وَلَوْ انْكَسَرَ الْإِبْرِيقُ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ
مَا ذَكَرَهُ انْتَهَى
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ طَعْنًا فِيهِ: لَا يَخْفَى أَنَّ رِوَايَةَ الْقُدُورِيِّ أَيْضًا مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّفْصِيلِ انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ لَغْوٌ؛ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ رِوَايَةَ الْقُدُورِيِّ لَيْسَتْ مُحْتَاجَةً إلَى تَفْصِيلٍ كَثِيرٍ مِثْلَ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ مُرَادُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحْتَاجَةٌ إلَى تَفْصِيلٍ مَا حَتَّى يُقَالَ: إنَّ رِوَايَةَ الْقُدُورِيِّ أَيْضًا مُحْتَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحْتَاجَةٌ إلَى تَفْصِيلٍ كَثِيرٍ زَائِدٍ عَلَى مَا احْتَاجَ إلَيْهِ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ كَمَا أَتَمَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي مِقْدَارِ تَمَامِ جَانِبَيْ الْوَرَقَةِ
وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِقَوْلِهِ: إلَى تَفْصِيلِ ذِكْرِهِ فَلَغَا مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ ﵀) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ مِنْهُمْ
[ ١٠ / ١٦٤ ]
قِيمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْفِكَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِالْجَوْدَةِ عَلَى الِانْفِرَاد، وَلَا إلَى أَنْ يَفْتَكَّهُ مَعَ النُّقْصَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ فَخَيَّرْنَاهُ، إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِمَا فِيهِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ خِلَافِ جِنْسِهِ، وَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَالْمَكْسُورُ لِلْمُرْتَهِنِ بِالضَّمَانِ
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ نَاقِصًا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ بِالدَّيْنِ اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الِانْكِسَارِ بِحَالَةِ الْهَلَاكِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْفِكَاكُ مَجَّانًا صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْهَلَاكِ، وَفِي الْهَلَاكِ الْحَقِيقِيِّ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا فِيمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
قُلْنَا: الِاسْتِيفَاءُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْمَالِيَّةِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ ثُمَّ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، وَفِي جَعْلِهِ بِالدَّيْنِ إغْلَاقُ الرَّهْنِ وَهُوَ حُكْمٌ جَاهِلِيٌّ فَكَانَ التَّضْمِينُ بِالْقِيمَةِ أَوْلَى
وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ ثَمَانِيَةً يَضْمَنُ قِيمَتَهُ جَيِّدًا مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ أَوْ رَدِيئًا مِنْ جِنْسِهِ وَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ
صَاحِبُ الْعِنَايَةِ
أَقُولُ: لَمْ أَدْرِ كَيْفَ ذَهَبُوا إلَى هَذَا الشَّرْحِ مَعَ ظُهُورِ بُطْلَانِهِ؛ إذْ قَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ بِنَاءَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَا يَصِحُّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا فِيهَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ
وَذَكَرَ الشُّرَّاحُ أَنَّ بِنَاءَ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى مَا رَوَى عِيسَى بْنُ أَبَانَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَرْقَ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ دُونَ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ فِيهَا، فَإِنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَاحِدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى رِوَايَتِهِ، فَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ يُنَافِي الْبِنَاءَ قَطْعًا
وَالصَّوَابُ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ أَنْ يُقَالَ: أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ
[ ١٠ / ١٦٥ ]
أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ
وَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ حَالَةَ الِانْكِسَارِ بِحَالَةِ الْهَلَاكِ، وَالْهَلَاكُ عِنْدَهُ بِالْقِيمَةِ
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ اثْنَيْ عَشَرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ وَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ عِنْدَهُ لَا لِلْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ
فَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ كُلِّهِ مَضْمُونًا يُجْعَلُ كُلُّهُ مَضْمُونًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فَبَعْضُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجَوْدَةَ تَابِعَةٌ لِلذَّاتِ، وَمَتَى صَارَ الْأَصْلُ مَضْمُونًا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ التَّابِعُ أَمَانَةً
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضْمَنُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ قِيمَتِهِ، وَيَكُونُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْإِبْرِيقِ لَهُ بِالضَّمَانِ وَسُدُسُهُ يُفْرَزُ حَتَّى لَا يَبْقَى الرَّهْنُ شَائِعًا، وَيَكُونُ مَعَ قِيمَتِهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْمَكْسُورِ رَهْنًا؛ فَعِنْدَهُ تُعْتَبَرُ الْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ، وَتُجْعَلُ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ كَزِيَادَةِ الْوَزْنِ كَأَنَّ وَزْنَهُ اثْنَا عَشَرَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجَوْدَةَ مُتَقَوِّمَةٌ فِي ذَاتِهَا حَتَّى تُعْتَبَرَ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ، بِخِلَافِ جِنْسِهَا، وَفِي تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا سَمْعًا فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا، وَفِي بَيَانِ
الْمَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فِيهَا، بَلْ كَانَتْ مَسْأَلَةً مُبْتَدَأَةً كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَنَقَلَ عَنْهُ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ هَا هُنَا
وَيُفْصِحُ عَمَّا ذَكَرْنَا تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ: وَقِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ مَا إذَا اسْتَوْفَى الزُّيُوفَ مَكَانَ الْجِيَادِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَهَلَكَتْ الزُّيُوفُ عِنْدَهُ ثُمَّ عَلِمَ بِالزِّيَافَةِ فَإِنَّهُ سَقَطَ دَيْنُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَضْمَنُ مِثْلَ مَا قَبَضَ وَيَأْخُذُ مِثْلَ حَقِّهِ
وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَوَّلًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَآخِرًا كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ
كَذَا ذَكَرَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ
وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُبْتَدَأَةٌ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَشْهُورِ
[ ١٠ / ١٦٦ ]
قَوْلِ مُحَمَّدٍ نَوْعُ طُولٍ يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَالزِّيَادَاتِ مَعَ جَمِيعِ شُعَبِهَا
قَالَ (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا بِعَيْنِهِ جَازَ اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ إذَا بَاعَ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا مُعَيَّنًا حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ فَقُبِلَ
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِهِمَا، وَمِثْلُهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَالرَّهْنَ لِلِاسْتِيثَاقِ وَأَنَّهُ يُلَائِمُ الْوُجُوبَ، فَإِذَا كَانَ الْكَفِيلُ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ وَالرَّهْنُ مُعَيَّنًا اعْتَبَرْنَا فِيهِ الْمَعْنَى وَهُوَ مُلَائِمٌ فَصَحَّ الْعَقْدُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَلَا الْكَفِيلُ مُعَيَّنًا أَوْ كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا حَتَّى افْتَرَقَا لَمْ يَبْقَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ لِلْجَهَالَةِ فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ لِعَيْنِهِ فَيَفْسُدُ، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا فَحَضَرَ فِي الْمَجْلِسِ وَقَبِلَ صَحَّ (وَلَوْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي عَنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ) وَقَالَ زُفَرُ: يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إذَا شُرِطَ فِي الْبَيْعِ صَارَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ كَالْوَكَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الرَّهْنِ فَيَلْزَمُهُ بِلُزُومِهِ
وَنَحْنُ نَقُولُ: الرَّهْنُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ مِنْ جَانِبِ الرَّاهِنِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلَا جَبْرَ عَلَى التَّبَرُّعَاتِ (وَلَكِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِتَرْكِ الرَّهْنِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ)؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ وَمَا رَضِيَ إلَّا بِهِ فَيَتَخَيَّرُ بِفَوَاتِهِ (إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ حَالًّا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (أَوْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الرَّهْنِ رَهْنًا)؛ لِأَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ
وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَبَضَ الزُّيُوفَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ تَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ فَإِذَا كَانَ الْكَفِيلُ حَاضِرًا بِالْمَجْلِسِ وَالرَّهْنُ مُعَيَّنًا اعْتَبَرْنَا فِيهِ الْمَعْنَى) قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: أَيْ مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْمُلَاءَمَةُ
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ؛ إذْ لَا يُسَاعِدُهُ تَحْرِيرُ الْمُصَنِّفِ قَطْعًا، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ اعْتَبَرْنَا فِيهِ الْمَعْنَى وَهُوَ مُلَائِمٌ فَيَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَيْ مَعْنَى الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْمُلَاءَمَةُ مُلَائِمٌ وَلَا حَاصِلَ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى
فَالْحَقُّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ اعْتَبَرْنَا فِيهِ الْمَعْنَى: أَيْ مَعْنَى الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِيثَاقُ، وَهُوَ أَيْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الِاسْتِيثَاقُ مُلَائِمٌ: أَيْ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا مُوجِبَ الْعَقْدِ فَصَحَّ الْعَقْدُ، وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَالرَّهْنَ لِلِاسْتِيثَاقِ، وَأَنَّهُ مُلَائِمٌ لِلْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَلَا الْكَفِيلُ مُعَيَّنًا أَوْ كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا حَتَّى افْتَرَقَا لَمْ يَبْقَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ لِلْجَهَالَةِ) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ لِلْجَهَالَةِ قَاصِرٌ عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْمُدَّعَى فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ مُعَيَّنًا لَا فِيمَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا؛ إذْ الْغَيْبَةُ لَا تَقْتَضِي الْجَهَالَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُعَيَّنًا وَلَا يَكُونُ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا حَيْثُ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِكَوْنِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْجَهَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي التَّعْلِيلِ تَعُمُّ الْجَهَالَةَ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالْجَهَالَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ، وَإِنَّ الْجَهَالَةَ الثَّانِيَةَ تَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا لَكِنْ فِيهِ مَا فِيهِ تَأَمَّلْ
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: يَعْنِي أَنَّ جَوَازَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ إنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إلَى مَعْنَاهُ، وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَالْكَفِيلُ غَائِبًا فَاتَ مَعْنَاهُ وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ رُبَّمَا يَأْتِي بِشَيْءٍ يُسَاوِي عُشْرَ حَقِّهِ أَوْ يُعْطِي كَفِيلًا غَيْرَ مَلِيءٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّوَثُّقِ شَيْءٌ فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ لِعَيْنِ الشَّرْطِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ انْتَهَى
أَقُولُ: وَفِيهِ قُصُورٌ
أَمَّا أَوَّلًا
[ ١٠ / ١٦٧ ]
تَثْبُتُ عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ الْقِيمَةُ.
قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِدَرَاهِمَ فَقَالَ لِلْبَائِعِ أَمْسِكْ هَذَا الثَّوْبَ حَتَّى أُعْطِيَك الثَّمَنَ فَالثَّوْبُ رَهْنٌ)؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى الرَّهْنِ وَهُوَ الْحَبْسُ إلَى وَقْتِ الْإِعْطَاءِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي حَتَّى كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةً، وَالْحَوَالَةُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَفَالَةٌ
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَكُونُ رَهْنًا، وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَمْسِكْ يَحْتَمِلُ الرَّهْنَ وَيَحْتَمِلُ الْإِيدَاعَ، وَالثَّانِي أَقَلُّهُمَا فَيَقْضِي بِثُبُوتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَمْسِكْهُ بِدَيْنِك أَوْ بِمَالِك؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَابَلَهُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ عَيَّنَ جِهَةَ الرَّهْنِ
قُلْنَا: لَمَّا مَدَّهُ إلَى الْإِعْطَاءِ عَلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الرَّهْنُ.
فَصْلٌ
(وَمَنْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ فَقَضَى حِصَّةَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ بَاقِيَ الدَّيْنِ) وَحِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ إذَا قُسِّمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَحْبُوسٌ بِكُلِّ الدَّيْنِ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مُبَالَغَةً فِي حَمْلِهِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَصَارَ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الرَّهْنِ شَيْئًا مِنْ
فَلِأَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ كَوْنِ الْكَفِيلِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فِي تَصْوِيرِ الْمُدَّعَى حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَالْكَفِيلُ غَائِبًا فَاتَ مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْكَفِيلِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ دَاخِلٌ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فِي التَّعْلِيلِ أَوْ يُعْطِي كَفِيلًا غَيْرَ مَلِيءٍ لَا يُفِيدُ مَا سَبَقَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَّعِي وَالْكَفِيلِ غَائِبًا لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ غَيْبَةَ الْكَفِيلِ عَنْ الْمَجْلِسِ لَا تَقْتَضِي عَدَمَ تَعَيُّنِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُشْتَرِي لِلْكَفَالَةِ رَجُلًا مَلِيئًا غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ كَفِيلًا غَيْرَ مَلِيءٍ بَعْدَ أَنْ عَيَّنَ الْمَلِيءَ لِلْكَفَالَةِ
وَالْحَقُّ فِي تَعْلِيلِ فَوَاتِ الْمَعْنَى عِنْدَ كَوْنِ الْكَفِيلِ غَائِبًا أَنْ يُقَالَ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَقْبَلَ الْكَفَالَةَ عِنْدَ حُضُورِهِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ تَرَكَ تَعْلِيلَ هَذِهِ الصُّورَةِ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِهِ أَوْ انْفِهَامِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَ غَائِبًا فَحَضَرَ فِي الْمَجْلِسِ وَقَبِلَ صَحَّ تَدَبَّرْ
(فَصْلٌ)
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: وَجْهُ الْفَصْلِ كَوْنُ الرَّهْنِ مُتَعَدِّدًا، وَلَا خَفَاءَ فِي تَأَخُّرِ التَّعَدُّدِ عَنْ الْإِفْرَادِ انْتَهَى
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ إنَّمَا يَتِمُّ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْفَصْلِ دُونَ الْمَسَائِلِ الْبَاقِيَةِ مِنْهُ، إذْ لَا تَعَدُّدَ فِي الرَّهْنِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنَّمَا التَّعَدُّدُ فِي الْمُرْتَهِنِ فِي بَعْضٍ مِنْهَا وَفِي الرَّاهِنِ فِي بَعْضٍ آخَرَ مِنْهَا
فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ الْفَصْلِ كَوْنُ الرَّهْنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ
[ ١٠ / ١٦٨ ]
الْمَالِ الَّذِي رَهَنَهُ بِهِ، فَكَذَا الْجَوَابُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ: وَفِي الزِّيَادَاتِ: لَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ إذَا أَدَّى مَا سَمَّى لَهُ
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَقْدَ مُتَّحِدٌ لَا يَتَفَرَّقُ التَّسْمِيَةَ كَمَا فِي الْمَبِيعِ
وَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الِاتِّحَادِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ لَا يَصِيرُ مَشْرُوطًا فِي الْآخَرِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الرَّهْنَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ.
أَوْ الرَّاهِنِ مُتَعَدِّدًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ وَجْهُ الْفَصْلِ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الرَّهْنَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَفَرَّقُ فِي بَابِ الرَّهْنِ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ، فَكَأَنَّهُ رَهَنَ كُلَّ عَبْدٍ بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهَا لَا تَتَفَرَّقُ فِيهِ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي حَالَةِ الْإِجْمَالِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ، وَالْهَلَاكُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُهُ فَبَعْدَمَا نَقَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَدَّى إلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ بِأَنْ يَهْلِكَ مَا بَقِيَ فَيَنْفَسِخَ الْبَيْعُ فِيهِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ بِالْهَلَاكِ يَنْتَهِي حُكْمُ الرَّهْنِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، كَمَا أَنَّ بِالِافْتِكَاكِ يَنْتَهِي حُكْمُ الرَّهْنِ، فَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِرْدَادِ الْبَعْضِ عِنْدَ قَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنْ يَهْلِكَ مَا بَقِيَ فَيَنْتَهِيَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيهِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِمَا الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَفَرَّقُ فِي بَابِ الرَّهْنِ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ، وَلَا تَتَفَرَّقُ فِي بَابِ الْبَيْعِ بِذَلِكَ بِدَلِيلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا إنِّيٌّ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ الْأَلْفِ فَقَبِلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ جَازَ، وَإِنْ بَاعَهُمَا بِأَلْفٍ وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ الْأَلْفِ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ
وَثَانِيهِمَا لَمِّيٌّ وَهُوَ مَا ذَكَرَاهُ بِقَوْلِهِمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ إلَخْ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا سَالِمٌ وَالثَّانِي مَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَحْذُورَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ دُونَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي الْأَصْلِ، وَأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي إثْبَاتِ أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَفَرَّقُ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَلَا تَتَفَرَّقُ بِذَلِكَ فِي بَابِ الْبَيْعِ، فَالتَّأَدِّي إلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَمَا نَقَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ إنَّمَا يَكُونُ مَحْذُورًا عِنْدَ ثُبُوتِ عَدَمِ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَلَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ، بَلْ هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَصَدَ إثْبَاتَهُ هَا هُنَا بِقَوْلِهِمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ إلَخْ فَابْتِنَاءُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ
فَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ فِي لَمِّيَّةِ الْفَرْقِ بَيْنَ بَابَيْ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ فِي تَفَرُّقِ أَحَدِهِمَا بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ دُونَ الْآخَرِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا افْتَرَقَا؛ لِأَنَّ ضَمَّ الرَّدِيءِ إلَى الْجَيِّدِ مُتَعَارَفٌ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فِي الرَّهْنِ، فَلَوْ تَفَرَّقَ الْبَيْعُ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَ فِي أَحَدِهِمَا فَيَقْبَلَ الْجَيِّدَ فَيَتَضَرَّرَ بِهِ الْبَائِعُ، وَلَوْ تَفَرَّقَ الرَّهْنُ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الرَّاهِنُ، وَلِأَنَّ فِي الْبَيْعِ إذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا لَوْ تَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ تَصِيرُ الثَّانِيَةُ شَرْطًا فِي الْأُولَى وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَالْبَيْعُ يَفْسُدُ بِهِ، أَمَّا الرَّهْنُ فَلَا
[ ١٠ / ١٦٩ ]
قَالَ (فَإِنْ رَهَنَ عَيْنًا وَاحِدَةً عِنْدَ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ جَازَ، وَجَمِيعُهَا رَهْنٌ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أُضِيفَ إلَى جَمِيعِ الْعَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا شُيُوعَ فِيهِ، وَمُوجِبُهُ صَيْرُورَتُهُ مُحْتَبِسًا بِالدَّيْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّيِ فَصَارَ مَحْبُوسًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْهِبَةِ مِنْ رَجُلَيْنِ حَيْثُ لَا تَجُوزُ
يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ انْتَهَى
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي حَالَةِ الْإِجْمَالِ مَوْجُودٌ
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ حِصَّةَ كُلِّ عَبْدٍ مِنْ الدَّيْنِ فِيهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ بِيَقِينٍ، وَرُبَّمَا كَانَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِثْلَ أَنْ يُسَاوِيَ أَحَدُهُمَا أَلْفًا، وَالْآخَرُ أَلْفَيْنِ وَرَهَنَهُمَا بِثَلَاثَةِ آلَافٍ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذَا مِنْ ذَاكَ وَأَرَادَ الرَّاهِنُ فِكَاكَ الَّذِي قِيمَتُهُ أَلْفَانِ فَأَدَّى أَلْفًا، وَهُوَ يَقُولُ هَذَا الَّذِي رَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَالْمُرْتَهِنُ يَقُولُ بَلْ هُوَ رُهِنَ بِأَلْفَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ جَهَالَةً تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، فَأَمَّا عِنْدَ التَّفْصِيلِ فَحِصَّةُ كُلِّ عَبْدٍ مَعْلُومَةٌ بِالتَّسْمِيَةِ لَا جَهَالَةَ هُنَاكَ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَلِهَذَا يُمْكِنُ فِكَاكُ الْبَعْضِ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجْعَلُ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ فَيْصَلًا فِي قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ فِي حَالَةِ الْإِجْمَالِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي صَدْرِ مَسْأَلَةِ الْإِجْمَالِ: وَحِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَخُصُّهُ إذَا قُسِّمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِمَا فَائِدَةٌ
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَبْدَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقِيمَةِ لَا يُوجَدُ هُنَاكَ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ مَعَ أَنَّ جَوَابَ مَسْأَلَةِ الْإِجْمَالِ تَعُمُّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَيْضًا
فَالْأَوْلَى: فِي دَفْعِ النَّقْضِ بِحَالَةِ الْإِجْمَالِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ تَفَرُّقَ الصَّفْقَةِ أَيُّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا كَانَ فِي كَلَامِ الْعَاقِدِ مَا يَتَحَمَّلُهُ كَمَا فِي حَالَةِ التَّفْصِيلِ فَإِنَّ تَفَرُّقَ التَّسْمِيَةِ فِيهَا تَتَحَمَّلُ تَفَرُّقَ الصَّفْقَةِ، بِخِلَافِ حَالَةِ الْإِجْمَالِ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَيْءٌ يَتَحَمَّلُهُ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْحَمْلُ فِيهَا عَلَى تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ التَّأَدِّي إلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا فِي بَابِ الرَّهْنِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الْإِجْمَالِ أَيْضًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ رَهَنَ عَيْنًا وَاحِدَةً عِنْدَ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ جَازَ، وَجَمِيعُهَا رَهْنٌ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أُضِيفَ إلَى جَمِيعِ الْعَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا شُيُوعَ فِيهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: قِيلَ هُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا بَاعَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ وَهَبَ مِنْ رَجُلَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهِمَا أُضِيفَ إلَى جَمِيعِ الْعَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِيهِ الشُّيُوعُ حَتَّى كَانَ الْمَبِيعُ وَالْمَوْهُوبُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ
وَالْجَوَابُ أَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى اثْنَيْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِيمَا يَكُونُ الْعَقْدُ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لِشَخْصَيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فَتُجْعَلُ شَائِعَةً فَتُقْسَمُ
[ ١٠ / ١٧٠ ]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (فَإِنْ تَهَايَآ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَوْبَتِهِ كَالْعَدْلِ فِي حَقِّ الْآخَرِ) قَالَ (وَالْمَضْمُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْهَلَاكِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا حِصَّتَهُ؛ إذْ الِاسْتِيفَاءُ مِمَّا يَتَجَزَّأُ
قَالَ (فَإِنْ أَعْطَى أَحَدُهُمَا دَيْنَهُ كَانَ كُلُّهُ رَهْنًا فِي يَدِ الْآخَرِ)؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَيْنِ رَهْنٌ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَفَرُّقٍ
عَلَيْهِمَا لِلْجَوَازِ، وَالرَّهْنُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ الِاحْتِبَاسَ
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ مُحْتَبَسَةً لِحَقَّيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فَيُمْنَعُ الشُّيُوعُ فِيهِ تَحْرِيمًا لِلْجَوَازِ لِكَوْنِ الْقَبْضِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الرَّهْنِ، وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ عَنْهُ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ
أَقُولُ: هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ عَلَى التَّقْرِيرِ الْمَذْكُورِ لَيْسَا بِصَحِيحَيْنِ فِي حَقِّ الْهِبَةِ؛ إذْ لَا فَرْقَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ فِي عَدَمِ تَحَقُّقِ الشُّيُوعِ فِي شَيْءٍ مِنْ صُورَتَيْ رَهْنِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ رَجُلَيْنِ وَهِبَتِهِمَا مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَلَا يَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا وُهِبَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ دَارًا جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا سُلِّمَاهَا جُمْلَةً، وَهُوَ قَدْ قَبَضَهَا جُمْلَةً فَلَا شُيُوعَ، وَإِنْ وُهِبَ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَشْبَهَتْ الْجُمْلَةَ مِنْهُمَا؛ إذْ التَّمْلِيكُ وَاحِدٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ كَمَا لَوْ رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ
وَلَهُ أَنَّ هَذَا هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ فَيَكُونُ التَّمْلِيكُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُهُ، وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الْحَبْسُ وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلًا، وَلِهَذَا لَوْ قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ انْتَهَى
فَلَا مَعْنَى لِنَقْضِ مَا نَحْنُ فِيهِ بِالْهِبَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَصْلًا، وَلَا لِلْجَوَابِ عَنْهُ عَلَى قَوْلِهِمَا بِمَا ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفَرْقِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَإِنْ أَعْطَى أَحَدَهُمَا دَيْنَهُ كَانَ كُلُّهُ رَهْنًا فِي يَدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَيْنِ رَهْنٌ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَفَرُّقٍ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ الَّذِي اسْتَوْفَى حَقَّهُ انْتَهَى مَقْصُودُهُ مِنْ الرَّهْنِ وَهُوَ كَوْنُهُ وَسِيلَةً إلَى الِاسْتِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نِيَابَةٍ عَنْ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْتَرِدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ الدَّيْنِ عِنْدَ الْهَلَاكِ لَكِنْ يَسْتَرِدُّهُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ارْتِهَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاقٍ مَا لَمْ يَصِلْ الرَّهْنُ إلَى الرَّاهِنِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ نِصْفِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ فَإِنَّ فِيهِ وَفَاءً بِدَيْنِهِمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَابِضَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَهُ ثَانِيًا انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ شَافٍ فِي دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ بَسَطَ مُقَدَّمَةً، وَهِيَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ الَّذِي اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ انْتَهَى مَقْصُودُهُ مِنْ الرَّهْنِ وَهُوَ كَوْنُهُ وَسِيلَةً إلَى الِاسْتِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ فَفَرَّعَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ فِي يَدِ
[ ١٠ / ١٧١ ]
وَعَلَى هَذَا حَبْسُ الْمَبِيعِ إذَا أَدَّى أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ (وَإِنْ رَهَنَ رَجُلَانِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا رَجُلًا رَهْنًا وَاحِدًا فَهُوَ جَائِزٌ وَالرَّهْنُ رَهْنٌ بِكُلِّ الدَّيْنِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ فِي الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ (فَإِنْ أَقَامَ الرَّجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُ عَبْدَهُ الَّذِي فِي يَدِهِ وَقَبَضَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهُ رَهَنَهُ كُلَّ الْعَبْدِ، وَلَا وَجْهَ إلَى الْقَضَاءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ رَهْنًا لِهَذَا وَكُلُّهُ رَهْنًا لِذَلِكَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا إلَى الْقَضَاءِ بِكُلِّهِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَا إلَى الْقَضَاءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الشُّيُوعِ فَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَتَعَيَّنَ التَّهَاتُرُ
وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ يَكُونُ رَهْنًا لَهُمَا كَأَنَّهُمَا ارْتَهَنَاهُ مَعًا إذَا جُهِلَ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا، وَجُعِلَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ هَذَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا عَمَلٌ عَلَى خِلَافِ مَا اقْتَضَتْهُ الْحُجَّةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ حَبْسًا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى مِثْلِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَبِهَذَا الْقَضَاءِ يَثْبُتُ حَبْسٌ يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى شَطْرِهِ
الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدَّمَةَ صَادِقَةٌ، وَأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ ارْتِهَانُ الَّذِي اسْتَوْفَى حَقَّهُ بَاقِيًا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الرَّهْنِ قَدْ انْتَهَى بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَمَا وَجْهُ بَقَاءِ ارْتِهَانِهِ بَعْدَهُ
وَبِالْجُمْلَةِ بَقَاءُ ارْتِهَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَصِلْ الرَّهْنُ إلَى الرَّاهِنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ السَّائِلِ، بَلْ هُوَ يَقُولُ: لَا مَعْنَى لِبَقَاءِ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ أَحَدِهِمَا حَقَّهُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْآخَرِ، وَيَسْتَنِدُ فِي ذَلِكَ إلَى الْمُقَدَّمَةِ الَّتِي بَسَطَهَا فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ فَلَا يَشْفِيهِ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ
(قَوْلُهُ فَإِنْ أَقَامَ الرَّجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَهَنَهُ عَبْدَهُ الَّذِي فِي يَدِهِ وَقَبَضَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجُمْلَتُهَا أَنَّ الْعَبْدَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَيْدِيهِمَا أَوَّلًا فِي يَدِ وَاحِدٍ أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقَبْضِ
[ ١٠ / ١٧٢ ]
فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا عَمَلًا عَلَى وَفْقِ الْحُجَّةِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا لَكِنَّ مُحَمَّدًا أَخَذَ بِهِ لِقُوَّتِهِ، وَإِذَا وَقَعَ بَاطِلًا فَلَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ لَا حُكْمَ لَهُ
قَالَ (وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَالْعَبْدُ فِي أَيْدِيهِمَا فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ رَهْنًا يَبِيعُهُ بِحَقِّهِ اسْتِحْسَانًا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَفِي الْقِيَاسِ: هَذَا بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ لِلِاسْتِيفَاءِ حُكْمٌ أَصْلِيٌّ لِعَقْدِ الرَّهْنِ فَيَكُونُ الْقَضَاءُ بِهِ قَضَاءً بِعَقْدِ الرَّهْنِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ لِلشُّيُوعِ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يُرَادُ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِحُكْمِهِ، وَحُكْمُهُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ الْحَبْسُ وَالشُّيُوعُ يَضُرُّهُ، وَبَعْدَ الْمَمَاتِ الِاسْتِيفَاءُ بِالْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ وَالشُّيُوعُ لَا يَضُرُّهُ، وَصَارَ كَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ أَوْ ادَّعَتْ أُخْتَانِ النِّكَاحَ عَلَى رَجُلٍ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ تَهَاتَرَتْ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَيُقْضَى بِالْمِيرَاثِ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الْمَمَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.