قَالَ (وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ أَوِ الْمُضَارِبُ بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ) لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَمَوْتُ الْمُوَكِّلِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ، وَكَذَا مَوْتُ الْوَكِيلِ وَلَا تُورَثُ الْوَكَالَةُ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ.
أَصْلًا بَلْ هَذَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ عَمَلِ عَبْدِ الْمَضَارِبِ … إِلَخْ. يَصِيرُ بَيَانًا لِمَا قِيلَ وَفِي غَيْرِهِ لَا خِلَافَ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْبَحْثِ وَمُورِدِهِ فَضْلًا عَنِ الْمُنَافَاةِ. ثُمَّ إِنَّ مَحْصُولَ ذَلِكَ الْمَنْقُولِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي عَبْدِ رَبِّ الْمَالِ خِلَافٌ لَا فِي غَيْرِهِ كَانَ ذِكْرُ عَبْدِ رَبَّ الْمَالِ مَحَلَّ الِاحْتِيَاطِ وَالِاهْتِمَامِ دُونَ ذِكْرِ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ قَيَّدَ بِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِيهِ الْبَحْثُ الْمَذْكُورُ أَصْلًا، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ: وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْئَانِ: عَبْدُ الْمُضَارِبِ، وَالْأَجْنَبِيُّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاحْتِرَازٍ عَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ عَبْدِ الْمُضَارِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ حُكْمُ عَبْدِ رَبَّ الْمَالِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إِذَا شَرَطَ ذَلِكَ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَ الْمُضَارِبِ صَحَّ الشَّرْطُ وَالْمُضَارَبَةُ جَمِيعًا وَصَارَتِ الْمُضَارَبَةُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَمَلُ الْأَجْنَبِيِّ مَعَهُ صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ مَعَ الْأَوَّلِ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَيَجْعَلُ الثُّلْثَ الْمَشْرُوطِ لِلْأَجْنَبِيِّ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَيَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِالْعَمَلِ أَوْ بِضَمَانِ الْعَمَلِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ أَنْ يَحْصُلَ الِاحْتِرَازُ بِقَوْلِهِ: وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ عَنِ الْأَجْنَبِيِّ أَصْلًا، أَيْ: سَوَاءٌ شَرَطَ أَنْ يُعْمَلَ مَعَ الْمُضَارِبِ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ.
أَمَّا إِذَا شَرْطَ ذَلِكَ فَلِأَنَّ حُكْمَ الْأَجْنَبِيِّ حِينَئِذٍ عَيْنُ حُكْمِ عَبْدِ رَبِّ الْمَالِ؛ حَيْثُ يَصِحُّ الشَّرْطُ وَالْمُضَارَبَةُ جَمِيعًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الِاحْتِرَازُ مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الْحَكَمِ
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ؛ حَيْثُ يُبْطِلُ الشَّرْطَ، لَكِنَّ السَّبَبَ فِيهِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْعَمَلِ لَا لِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا؛ فَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ، لَا بُقُولِهِ: وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ ثُلْثَ الرِّبْحِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ وَلِلْأَجْنَبِيِّ ثُلْثَ الرِّبْحِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ لَخَرَجَ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْعَمَلَ مَعَ الْمُضَارِبِ مِنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: وَلِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ مَدْخَلٌ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْهُ أَصْلًا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: التَّقْيِيدُ بِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي عَبْدِ الْمُضَارِبِ كَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الْعَمَلِ لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ يَدَ الْعَبْدِ يَدٌ لِلْمَوْلَى فَيَمْتَنِعُ التَّخْلِيَةُ، فَقَالَ: هُوَ جَائِزٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدِي، وَلَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ؛ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا مُعْتَبَرَةً خُصُوصًا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ تَأَمُّلٌ تَقِفُ.
(فَصَلٌ فِي الْعَزْلِ وَالْقِسْمَةِ)
أَيْ فِي عَزْلِ الْمُضَارِبِ وَقِسْمَتِهِ الرِّبْحُ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ وَالرِّبْحِ ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْحُكْمُ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَزْلَ الْمُضَارِبِ بَعْدَ تَحَقُّقِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ وَكَذَا الْقِسْمَةُ بَعْدَ تَحَقُّقِ مَالِ الرِّبْحِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ أَوِ الْمُضَارِبُ بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَمَوْتُ الْمُوَكِّلِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ وَكَذَا مَوْتُ الْوَكِيلِ). قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنَ النِّهَايَةِ:
[ ٨ / ٤٦٦ ]
(وَإِنِ ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ عَنِ الْإِسْلَامِ) وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ (وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) (بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ) لِأَنَّ اللُّحُوقَ بِمَنْزِلَةٍ الْمَوْتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقْسِّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَقَبْلَ لُحُوقِهِ يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُ مُضَارِبِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُ فَصَارَ كَتَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ
وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَمَا رَجَعَ الْمُضَارِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ عِنْدَ الْمُضَارِبِ بَعْدَ مَا اشْتَرَى شَيْئًا كَالْوَكِيلِ إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ الثَّمَنَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. ثُمَّ لَوْ هَلَكَ بَعْدَ مَا أَخَذَهُ ثَانِيًا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَانْعَزَلَ إِذَا عَزَلَهُ رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ مَا اشْتَرَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ عُرُوضًا، كَمَا فِي الْوَكِيلِ إِذَا عَلِمَ بِهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَمَا عَادَ الْمُضَارِبُ عَلَى مُضَارَبَتِهِ إِذَا لَحِقَ رَبُّ الْمَالِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا كَالْوَكِيلِ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ سَيَأْتِي، انْتَهَى كَلَامُهُ.
يُرِيدُ بِالْجَوَابِ الْآتِي عَنِ الرَّدِّ الْأَوَّلِ مَا يَأْتِي فِي الْكِتَابِ قُبَيْلَ فَصْلِ الِاخْتِلَافِ مِنْ بَيَانِ الْفِرَقِ بَيْنَ الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَبِالْجَوَابِ الْآتِي عَنِ الرَّدِّ الثَّانِي مَا يَأْتِي فِي الْكِتَابِ أَيْضًا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ بَيَانِ عِلَّةِ عَدَمِ انْعِزَالِ الْمُضَارِبِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ. وَبِالْجَوَابِ الْآتِي عَنِ الرَّدِّ الثَّالِثِ مَا يَأْتِي فِي الشُّرُوحِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ.
أَقُولُ: الَّذِي يُعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ إِنَّمَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُضَارَبَةِ وَالتَّوْكِيلِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، وَبِذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الرَّدِّ بِالْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ الْقَدْحُ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَمَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ التَّوْكِيلِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْمَزْبُورَةِ، وَبِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَارَبَةِ وَالتَّوْكِيلِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ لَا يَظْهَرُ كَوْنُ الْمُضَارَبَةِ تَوْكِيلًا حَتَّى يَنْدَفِعَ رَدُّ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، هَاهُنَا بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ، بَلْ يَظْهَرُ بِهِ خِلَافَ ذَلِكَ فَيَتَأَكَّدُ الرَّدُّ وَالْإِشْكَالُ.
فَإِنْ قُلْتُ: الْمُرَادُ بِمَا فِي الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَوْكِيلٌ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ جَمِيعِهَا فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قُلْتُ: فَحِينَئِذٍ لَا يُفِيدُ الدَّلِيلُ الْمُدَّعَى؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُضَارَبَةِ تَوْكِيلًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَوْنُهَا تَوْكِيلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهَا تَوْكِيلٌ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ مَا نَحْنُ فِيهِ.:
فَحِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ مَا ذُكِرَ فِي مَعْرِضِ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَ يَكُونَ دَلِيلًا أَصْلًا لِصَيْرُورَتِهِ أَخْفَى مِنَ الْمُدَّعَى وَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَصِيرَ مِثْلَ الْمُدَّعَى فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْجَهَالَةِ فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنِ ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ). قَالَ الشُّرَّاحُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَعُدْ مُسْلِمًا أَمَّا إِذَا عَادَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَكَانَ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ عَلَى مَا كَانَ. أَمَّا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغِيبَةِ وَهِيَ لَا تُوجِبُ بُطْلَانَ الْمُضَارَبَةِ. وَأَمَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ فَلِمَكَانِ حَقِّ الْمَضَارِبِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَاتَ حَقِيقَةً وَعَزَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الْمَبْسُوطِ.
أَقُولُ: فِيهِ إِشْكَالٌ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ حَقِيقَةً بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ قَطْعًا، كَمَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ آنِفًا، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُمْ، كَمَا لَوْ مَاتَ حَقِيقَةً؟ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُمْ: كَمَا لَوْ مَاتَ بِحَالِ كَوْنِ الْمَالِ عُرُوضًا فَإِنَّ الْمَضَارِبَ لَا يَنْعَزِلُ حِينَئِذٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَتْ عِلَّةُ بَقَاءِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ عَلَى حَالِهِ فِيمَا إِذَا عَادَ مُسْلِمًا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ هِيَ مَكَانُ حَقِّ الْمُضَارِبِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبْقَى عَلَى حَالِهِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَعُدْ أَيْضًا بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ
[ ٨ / ٤٦٧ ]
(وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ هُوَ الْمُرْتَدُّ فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا) لِأَنَّ لَهُ عِبَارَةً صَحِيحَةً، وَلَا تُوقَفُ فِي مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ فَبَقِيَتِ الْمُضَارَبَةُ. قَالَ (فَإِنْ عَزَلَ رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارِبَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ حَتَّى اشْتَرَى وَبَاعَ فَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ) لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ وَعَزْلُ الْوَكِيلِ قَصْدًا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ (وَإِنْ عَلِمَ بِعَزْلِهِ وَالْمَالُ عُرُوضٌ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَمْنَعُهُ الْعَزْلُ مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الرِّبْحِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِالْقِسْمَةِ وَهِيَ تُبْتَنَى عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا يُنْقَضُ بِالْبَيْعِ. قَالَ (ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا شَيْئًا آخَرَ) لِأَنَّ الْعَزْلَ إِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ ضَرُورَةَ مَعْرِفَةِ رَأْسِ الْمَالِ وَقَدِ انْدَفَعَتْ حَيْثُ صَارَ نَقْدًا فَيَعْمَلُ الْعَزْلُ (فَإِنْ عَزَلَهُ وَرَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ وَقَدْ نَضَّتْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إِعْمَالِ عَزْلِهِ إِبْطَالُ حَقِّهِ فِي الرِّبْحِ فَلَا ضَرُورَةَ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
تَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. وَمِمَّا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنْ لَا يَكُونَ فَرَّقَ فِي بُطْلَانِ الْمُضَارَبَةِ بَيْنَ مَا إِذَا لَمْ يَعُدْ مُسْلِمًا وَبَيْنَ مَا إِذَا عَادَ مُسْلِمًا بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا سِيَّمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ. أَمَّا ظُهُورُ ذَلِكَ مِنْ تَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَلِأَنَّهُ قَالَ فِي تَعْلِيلِهِ إِيَّاهَا: لِأَنَّ اللُّحُوقَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ عِنْدَنَا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُضَارَبَةَ لَا تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى مَا كَانَتْ بَلْ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ قَطْعًا، كَمَا مَرَّ، فَكَذَا بِمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ.
وَأَمَّا ظُهُورُهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَلِأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَلَوِ ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ فَبَاعَ الْمُضَارِبُ أَوِ اشْتَرَى بِالْمَالِ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْقُوفٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ نَفَذَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَالْتَحَقَ رِدَّتُهُ بِالْعَدَمِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ أَصْلًا، وَكَذَا إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِلِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَشْتَرِطُ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِلِحَاقِهِ لِلْحُكْمِ بِمَوْتِهِ وَصَيْرُورَةِ أَمْوَالِهِ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ، اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِلِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ بُطْلَانُ الْمُضَارَبَةِ لَوْ عَادَ مُسْلِمًا بَعْدَ أَنْ يُحْكَمَ بِلِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ. وَمِنْ قَوْلِهِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَشْتَرِطُ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِلِحَاقِهِ لِلْحُكْمِ بِمَوْتِهِ بُطْلَانُهَا، وَلَوْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِلِحَاقِهِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ تَشْتَرِطُ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِلِحَاقِهِ لِلْحُكْمِ بِمَوْتِهِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ: فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ بَعْدَ أَنْ تَعَرَّضَ لِعَوْدِهِ مُسْلِمًا فِيمَا سَبَقَ بُطْلَانُهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ، وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيَجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ: وَلَوِ ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ ثُمَّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُجِيزُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ عَلَى الْمُضَارِبِ وَالرِّبْحُ لَهُ، وَيُضَمِّنُهُ رَأْسَ الْمَالِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هُوَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِالْوِلَايَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَيَتَوَقَّفُ وَيَبْطُلُ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْقَضَاءِ بِاللُّحُوقِ وَلَوْ لَمْ يَرْفَعِ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى عَادَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا جَازِ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَضَتْ رِدَّتُهُ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا فَبَطَلَ حُكْمُهَا. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذَا أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عَادَ مُسْلِمًا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِلُحُوقِهِ بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ بِالِاتِّفَاقِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ هُوَ الْمُرْتَدَّ فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا) فِي مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا احْتِمَالَانِ عَقْلِيَّانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذَا نَاظِرًا إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنِ ارْتَدَّ
[ ٨ / ٤٦٨ ]
بِأَنْ كَانَ دَرَاهِمَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرُ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِجِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِهِ وَصَارَ كَالْعُرُوضِ،
رَبُّ الْمَالِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ هُوَ الْمُرْتَدَّ اللَّاحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا، أَيْ: هِيَ غَيْرُ بَاطِلَةٍ.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هَذَا نَاظِرًا إِلَى قَوْلِهِ وَقَبْلَ لُحُوقِهِ يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُ مَضَارِبِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ هُوَ الْمُرْتَدَّ قَبْلَ لُحُوقِهِ فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا، أَيْ: لَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، بَلْ يَجُوزُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شُرِحَ الْوِقَايَةِ؛ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ: وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَلِحَاقِ الْمَالِكِ مُرْتَدًّا، بِخِلَافِ لِحَاقِ الْمَضَارِبِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا؛ حَيْثُ لَا تَبْطُلُ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ لَهُ عِبَارَةً صَحِيحَةً، اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغَرَرِ وَصَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ نَفْسِ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ أَيْضًا؛ حَيْثُ أُضِيفَ فِيهَا الْمَوْتُ الْمُبْطِلُ إِلَى أَحَدِهِمَا مُطْلَقًا وَاللِّحَاقُ الْمُبْطِلُ إِلَى الْمَالِكِ فَقَطْ فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ لِحَاقَ الْمُضَارِبِ لَا يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ فِي الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ.
أَقُولُ: ذَلِكَ الْمَعْنَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدِي؛ إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِلِحَاقِهِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. وَلَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْضًا؛ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيلِ بُطْلَانِ الْمُضَارَبَةِ: إِذَا ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ اللُّحُوقَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ اهـ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَنَّى يُمْكِنُ تَصَرُّفُ الْمَيِّتِ حَتَّى يُصْبِحَ تَصَرُّفُ الْمَضَارِبِ عَلَى حَالِهِ بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا، عَلَى أَنَّ بُطْلَانَ الْمُضَارَبَةِ إِذَا لَحِقَ الْمُضَارِبُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقُضِيَ بِلِحَاقِهِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُعْتَبَرَاتِ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِنْ مَاتَ الْمَضَارِبُ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ بَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ فِي الرِّدَّةِ كَوْنُهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَكَذَا إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقُضِيَ بِلِحَاقِهِ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهُ مَعَ اللِّحَاقِ وَالْحُكْمِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ فِي بُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ، اهـ.
فَالْحَقُّ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ فِي تَعْلِيلِهِ: "وَلَا تُوقَفُ فِي مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ؛ إِذْ لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لِلِاحْتِرَازِ عَنِ التَّوَقُّفِ فِي مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، وَالتَّوَقُّفُ فِي مِلْكِهِ عِنْدَهُ إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ اللِّحَاقِ لَا بَعْدَهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هَاهُنَا أَيْضًا مَا يَكُونُ قَبْلَ اللِّحَاقِ لِئَلَّا يَلْغُوَ هَذَا الْقَوْلُ فِي التَّعْلِيلِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ زِيَادَةُ الشُّرَّاحِ قَيْدَ فِي قَوْلِهِمْ: جَمِيعًا، بَعْدَ قَوْلِهِ: فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا؛ حَيْثُ قَالُوا: فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا، فِي قَوْلِهِمْ: جَمِيعًا؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ زِيَادَةَ هَذَا الْقَيْدِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى تَحَقُّقِ الْخِلَافِ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا فِيمَا إِذَا كَانَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الْمُرْتَدَّ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَعْدَ اللُّحُوقِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ قَبْلَ اللُّحُوقِ؛ حَيْثُ يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُ مَضَارِبِهِ عِنْدَ أبي حنيفة وَلَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُمَا، بَلْ يَنْفُذُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوِفَاقِ فِي بَقَاءِ الْمُضَارَبَةِ عَلَى حَالِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُضَارِبُ هُوَ الْمُرْتَدَّ هُوَ الْوِفَاقُ فِيهِ قَبْلَ اللُّحُوقِ لِتَظْهَرَ فَائِدَةُ ذَلِكَ الْقَيْدِ تَدَبَّرْ.
[ ٨ / ٤٦٩ ]
وَعَلَى هَذَا مَوْتُ رَبِّ الْمَالِ وَلُحُوقُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ وَنَحْوِهَا. قَالَ (وَإِذَا افْتَرَقَا وَفِي الْمَالِ دُيُونٌ وَقَدْ رَبِحَ الْمُضَارِبُ فِيهِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى اقْتِضَاءِ الدُّيُونِ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ وَالرِّبْحُ كَالْأَجْرِ لَهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِبْحٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاقْتِضَاءُ) لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مَحْضٌ وَالْمُتَبَرِّعُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِيفَاءِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ،
(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا مَوْتُ رَبِّ الْمَالِ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ وَنَحْوِهَا)، وَفَى بَعْضِ النُّسَخِ: وَعَلَى هَذَا مَوْتُ رَبِّ الْمَالِ وَلُحُوقُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ وَنَحْوِهَا، فَكَلِمَةُ هَذَا فِي قَوْلِهِ وَعَلَى هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: لَا يَمْنَعُهُ الْعَزْلُ مِنْ ذَلِكَ: يَعْنِي لَا يَنْعَزِلُ الْمَضَارِبُ بِالْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ إِذَا كَانَ الْمَالِ عُرُوضًا بَلْ يَبِيعُهَا بَعْدَ الْعَزْلِ، كَمَا لَا يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ الْقَصْدِيِّ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ عَمَلِ الْعَزْلِ فِيهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ إِبْطَالُ حَقَّ الْمُضَارِبِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ ذَيْنِكِ الْعَزْلَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ ضَمِيرَ الْمُؤَنَّثِ فِي قَوْلِهِ: وَنَحْوُهَا رَاجِعٌ إِلَى الْعُرُوضِ، أَيْ: وَنَحْوُ الْعُرُوضِ فِي حَقِّ الْبَيْعِ بِأَنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ وَالنَّقْدُ دَنَانِيرَ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ.
هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي. وَأَمَّا صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فَقَالَ: وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَنَحْوُهَا مَا إِذَا ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا ثُمَّ بَاعَ الْمَضَارِبُ الْعُرُوضَ جَازَ بَيْعُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِمَا قُلْنَا. وَالضَّمِيرُ فِي " وَنَحْوُهَا " عَلَى هَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَنِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِرَفْعِ الْوَاوِ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَ ابْتِنَائِهِ عَلَى تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ مُخْتَلٌّ مِنْ حَيْتُ الْمَعْنَى، أَمَّا عَلَى النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ نَحْوُ الْمَوْتِ إِنَّمَا هُوَ اللُّحُوقُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا صَرِيحًا فِي تِلْكَ النُّسْخَةِ بِقَوْلِهِ: وَلُحُوقُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ، فَلَمْ يُبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَحَلٌّ؛ لِأَنْ يُقَالَ: وَنَحْوُ الْمَوْتِ.
وَأَمَّا عَلَى النُّسْخَةِ الْأَوْلَى فَلِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَجَ الْمَوْتَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَنَحْوُهَا؛ حَيْثُ قَالَ: وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَنَحْوُهَا، مَا إِذَا ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ نَحْوَ الْمَوْتِ وَهُوَ بَاطِلٌ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْعِ الْعُرُوضِ بِأَنْ يُعْطِيَ لِلْمُضَافِ حُكْمَ الْمُؤَنَّثِ بِاعْتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُؤَنَّثِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ فَعَلَى هَذَا يُقَالُ بِجَرِّ الْوَاوِ.
أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ تَعَسُّفًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ رَكِيكًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنْ يَجُوزَ لِلْمُضَارِبِ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ تَصَرُّفٌ آخَرُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ نَحْوَ تَصَرُّفِ بَيْعِ الْعُرُوضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْعُرُوضِ عَلَى مَعْنًى فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ وَفَى بَيْعِ نَحْوِ الْعُرُوضِ، كَمَا إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ وَالْمَالُ دَنَانِيرَ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهَا نَحْوُ الْعُرُوضِ فِي أَنَّ الْمَضَارِبَ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ. اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا أَبْعَدَ الِاحْتِمَالَاتِ مَعَ كَوْنِهِ أَقْرَبَهَا لَفْظًا وَمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِبْحٌ لَمْ يُلْزِمْهُ الِاقْتِضَاءُ؛ لِأَنَّهُ وَكَيْلٌ مَحْضٌ، وَالْمُتَبَرِّعُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِيفَاءِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ). قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِالْكَفِيلِ فَإِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَيُجْبَرُ عَلَى إِيفَاءِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ فَتَأَمَّلْ، اهـ.
أَقُولُ: هَذَا النَّقْضُ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُتَبَرِّعَ الْغَيْرَ الْمُلْتَزِمِ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِيفَاءِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ، وَالْكَفِيلُ مُلْتَزِمٌ؛ لَأَنْ يُطَالَبَ بِمَا عَلَى الْغَيْرِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِهِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُتَبَرِّعَ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِيفَاءِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ فِي الْعُقُودِ الْغَيْرِ اللَّازِمَةِ وَالْكَفَالَةُ عِقْدٌ لَازِمٌ عَلَى مَا عُرِفَ أَيْضًا فِي مَحَلِّهِ فَلَا انْتِقَاضَ. وَلَئِنْ سُلِّمَ إِطْلَاقُ الْكَلَامِ هَاهُنَا فَهُوَ مَجْرَى عَلَى مُوجَبِ الْقِيَاسِ وَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» عَلَى مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ، فَلَا ضَيْرَ فِي خُرُوجِهِ؛ إِذِ الْقِيَاسُ تُرِكَ فِيهِ بِالنَّصِّ وَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ فِيمَا عَدَاهُ فَتَأَمَّلْ.
[ ٨ / ٤٧٠ ]
(وَيُقَالُ لَهُ: وَكِّلْ رَبَّ الْمَالِ فِي الِاقْتِضَاءِ) لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْعَاقِدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْكِيلِهِ وَتَوَكُّلِهِ كَيْ لَا يَضِيعَ حَقُّهُ. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: يُقَالُ لَهُ: أَجِّلْ مَكَانَ قَوْلِهِ: وَكِّلْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْوَكَالَةُ وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْوَكَالَاتِ، وَالْبَيَّاعُ وَالسِّمْسَارُ يُجْبَرَانِ عَلَى التَّقَاضِي لِأَنَّهُمَا يَعْمَلَانِ بِأَجْرٍ عَادَةً.
قَالَ (وَمَا هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ مِنَ الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ وَصَرْفُ الْهَلَاكِ إِلَى مَا هُوَ التَّبَعُ أَوْلَى كَمَا يُصْرَفُ الْهَلَاكُ إِلَى الْعَفْوِ فِي الزَّكَاةِ (فَإِنْ زَادَ الْهَالِكُ عَلَى الرِّبْحِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَإِنْ كَانَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ، وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ تَرَادَّا الرِّبْحَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ الْمَالِ) لِأَنَّ قِسْمَةَ الرِّبْحِ لَا تَصِحُّ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَيْهِ وَتَبَعٌ لَهُ، فَإِذَا هَلَكَ مَا فِي يَدِ الْمُضَارِبِ أَمَانَةً تَبَيَّنَ أَنَّ مَا اسْتَوْفَيَاهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَيَضْمَنُ الْمُضَارِبُ مَا اسْتَوْفَاهُ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ وَمَا أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ مَحْسُوبٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ (وَإِذَا اسْتَوْفَى رَأْسَ الْمَالِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ رِبْحٌ وَإِنْ نَقَصَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ) لِمَا بَيَّنَّا
(وَلَوْ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ وَفَسَخَا الْمُضَارَبَةَ ثُمَّ عَقَدَاهَا فَهَلَكَ الْمَالُ لَمْ يَتَرَادَّا الرِّبْحَ الْأَوَّلَ) لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ الْأُولَى قَدِ انْتَهَتْ وَالثَّانِيَةَ عَقْدٌ جَدِيدٌ، وَهَلَاكُ الْمَالِ فِي الثَّانِي لَا يُوجِبُ انْتِقَاضَ الْأَوَّلِ كَمَا إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا آخَرَ.