قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ عَلَى قِيمَةِ نَفْسِهِ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْلِمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ فَلَا يَصْلُحُ بَدَلًا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مَجْهُولَةٌ قَدْرًا وَجِنْسًا وَوَصْفًا فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ وَصَارَ كَمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ، وَلِأَنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقِيمَةِ. قَالَ (فَإِنْ أَدَّى الْخَمْرَ عَتَقَ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ،
فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحِلِّ: أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابَةِ لُغَةً وَهُوَ الضَّمُّ فَيَضُمُّ مَالِكِيَّةَ يَدِهِ الْحَاصِلَةِ فِي الْحَالِ إلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ. وَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: ضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُودَهُمَا وَمَالِكِيَّةُ النَّفْسِ فِي الْحَالِ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الضَّمُّ؟ أُجِيبُ بِأَنْ مَالِكِيَّةَ النَّفْسِ قَبْلَ الْأَدَاءِ ثَابِتَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ الْمَوْلَى وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ، وَإِنْ وَطِئَ الْمُكَاتَبَةَ لَزِمَهُ الْعُقْرُ فَيَتَحَقَّقُ الضَّمُّ، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، لِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ يُنَافِي قَوْلَهُ فِيمَا قَبْلُ إلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُومُ وَالْمَضْمُومُ إلَيْهِ مَوْجُودِينَ فِي الْحَالِ، وَالْمَدْلُولُ مَا قَالَهُ أَوَّلًا أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُومُ إلَيْهِ حَاصِلًا عِنْدَ الْأَدَاءِ لَا فِي الْحَالِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ لَغْوًا مَحْضًا كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ أَنْ تَنَبَّهَ لِمَا قُلْنَا قَالَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَيْضًا أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الضَّمُّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ حِينَ وُجُودِ مَالِكِيَّةِ النَّفْسِ عَلَى قِيَاسِ ضَمِّ النَّجْمِ إلَى النَّجْمِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، إذْ لَوْ كَفَى تَحَقُّقُ الضَّمِّ حِينَ مَالِكِيَّةِ النَّفْسِ لَبَطَلَ أَصْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ الضَّمُّ، فَإِنَّ تَحَقُّقَ الضَّمِّ حِينَ مَالِكِيَّةِ النَّفْسِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ يَدِهِ فِي الْحَالِ، بَلْ يَتَيَسَّرُ بِالْخُرُوجِ مِنْ يَدِهِ حِينَ مَالِكِيَّةِ النَّفْسِ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ عَلَى مَا مَرَّ، وَمَبْنَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ عَلَى تَصْحِيحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الضَّمِّ فِي الْحَالِ.
(فَصْلٌ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ)
أَخَّرَ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ عَنْ الصَّحِيحَةِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ الْفَاسِدَةِ عَنْ الصَّحِيحَةِ (قَوْلُهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْلِمُ) عَبَّرَ عَنْ مَسْأَلَتَيْ الْكِتَابَةِ عَلَى الْخَمْرِ وَالْكِتَابَةِ عَلَى الْخِنْزِيرِ بِالْأَوَّلِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ لِاتِّحَادِهِمَا فِي جِهَةِ الْفَسَادِ وَهِيَ عَدَمُ تَحَقُّقِ الْمَالِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَكَأَنَّمَا صَارَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً، وَإِلَّا فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي بَسْطِ نَفْسِ الْمَسَائِلِ أَيْضًا حَيْثُ أَعَادَ كَلِمَةَ عَلَى عِنْدَ ذِكْرِ الْقِيمَةِ دُونَ ذِكْرِ الْخِنْزِيرِ كَمَا تَرَى، وَلِهَذَا عَبَّرَ عَنْ عَقْدِ الْكِتَابَةِ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ بِالثَّانِي فَقَالَ: وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مَجْهُولًا إلَخْ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ
[ ٩ / ١٦١ ]
لِأَنَّ الْبَدَلَ هُوَ الْقِيمَةُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ صُورَةً، وَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ هُوَ الْبَدَلُ مَعْنًى.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ إذَا قَالَ إنْ أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْعِتْقُ بِالشَّرْطِ لَا بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَصَارَ كَمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ وَلَا فَصْلَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَيْتَةِ أَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ، وَمُوجِبُهُ الْعِتْقُ عِنْدَ أَدَاءِ الْعِوَضِ الْمَشْرُوطِ.
وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَيْسَتْ بِمَالٍ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ (وَإِذَا عَتَقَ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ
مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ بِلَا رَيْبٍ.
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ صُورَةً، وَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ هُوَ الْبَدَلُ مَعْنًى) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَخُصَّ أَبَا يُوسُفَ وَأَنْ لَا يَذْكُرَ بِكَلِمَةِ " عَنْ " انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ: قُلْت صَحِيحٌ إنْ كَانَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْقِيمَةِ بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَدَلًا عَنْ الْخَمْرِ كَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَيْرَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ جَمِيعًا قُلْت: سَوَاءٌ جَعَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْقِيمَةِ بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ الْخَمْرِ فَعِتْقُهُ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ هُوَ ظَاهِرُ الرَّاوِيَةِ عِنْدَهُمْ، وَالشُّرَّاحُ مَا جَعَلُوا الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْقِيمَةِ إلَّا بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُ انْتَهَى. أَقُولُ: مَا قَالَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ إنَّمَا هُوَ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ وَبِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هَاهُنَا بِكَلِمَةِ عَنْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْقِيمَةِ بَدَلًا عَنْ الْخَمْرِ إنَّمَا يَكُونُ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ وَبِأَدَاءِ قِيمَةِ الْخَمْرِ، وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَطْعًا، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاكِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ وَهُوَ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ اتِّحَادُهُمَا ضَرُورَةً اخْتِلَافَهُمَا بِالْجُزْءِ الْآخَرِ وَهُوَ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعِتْقُهُ بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْخَمْرِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
فَقَوْلُهُ سَوَاءٌ جَعَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْقِيمَةِ بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ الْخَمْرِ فَعِتْقُهُ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَهُمْ لَغْوٌ مَحْضٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ الشُّرَّاحِ جَعَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْقِيمَةِ بَدَلًا عَنْ الْخَمْرِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَامِ: وَأَبُو يُوسُفَ قَالَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَيْنِ الْخَمْرِ وَقِيمَتِهَا بَدَلُ الْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فَعَتَقَ إذَا أَدَّى أَيَّهُمَا كَانَ انْتَهَى. وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ بَدَلًا
[ ٩ / ١٦٢ ]
وَقَدْ تَعَذَّرَ بِالْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ. قَالَ (وَلَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُسَمَّى وَيُزَادُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَ هَلَاكِ الْمُبْدَلِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ،
عَنْ الْخَمْرِ كَمَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَقَوْلُ الْعَيْنِيِّ وَالشُّرَّاحِ مَا جَعَلُوا الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْقِيمَةِ إلَّا بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ إنْ أَرَادَ بِهِ الْكُلِّيَّةَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ (قَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَهَذَا أَيْ وُجُوبُ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُسَمَّى أَوْ فِي الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِلْكُهُ فِي مُقَابَلَةِ بَدَلٍ فَلَا يَرْضَى بِالنُّقْصَانِ لِأَنَّ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ يَبْقَى مِلْكُهُ عَلَى مَا كَانَ فَلَا يَفُوتُ لَهُ شَيْءٌ، وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْقِيمَةِ أَوْ فِي الْمُسَمَّى كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا يَمْتَنِعُ الْمَوْلَى عَنْ الْعَقْدِ فَيُفَوِّتُ لَهُ إدْرَاكَ شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: هَذَا الشَّرْحُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَشْرُوحِ وَغَيْرُ تَامٍّ فِي نَفْسِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ كَلِمَةَ هَذَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُسَمَّى وَيُزَادُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى وَهَذَا: أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ النُّقْصَانِ عَنْ الْمُسَمَّى وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ عَنْ الْمُسَمَّى وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ بِالْكُلِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ الدَّلِيلُ وَالْمُدَّعِي بِلَا كُلْفَةٍ أَصْلًا، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَلَا تَنْقُصُ عَنْ الْمُسَمَّى وَتُزَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ رَضِيَ بِالْمُسَمَّى وَزِيَادَةً كَيْ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا، وَالْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ عَنْهُ اهـ. وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ كَوْنِ كَلِمَةِ هَذِهِ إشَارَةً إلَى وُجُوبِ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فَيَحْتَمِلُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ. لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنُّقْصَانِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ هُوَ النُّقْصَانُ عَنْ الْقِيمَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِيمَا قَبْلُ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُسَمَّى خَالِيًا عَنْ التَّعْلِيلِ وَالْبَيَانِ
[ ٩ / ١٦٣ ]
وَفِيمَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَدَلُ.
وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ وَأَثَرُ الْجَهَالَةِ فِي الْفَسَادِ،
بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ مَطْلَبٌ مَقْصُودٌ بِالْبَيَانِ هَاهُنَا كَمَا لَا يَخْفَى.
أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ هُوَ النُّقْصَانُ عَنْ الْمُسَمَّى فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُطَابِقَ الدَّلِيلَ الْمُدَّعَى وَأَنْ لَا يُفِيدَهُ، إذْ لَا يَسْتَدْعِي عَدَمُ رِضَا الْمَوْلَى بِالنَّقْصِ عَنْ الْمُسَمَّى إلَّا وُجُوبَ الْمُسَمَّى دُونَ وُجُوبِ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ هُوَ النُّقْصَانُ عَنْ الْمُسَمَّى وَالْقِيمَةِ جَمِيعًا كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْمَزْبُورِ، لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُسَمَّى أَوْ فِي الْقِيمَةِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: إنْ عُدِمَ رِضَاهُ بِالنُّقْصَانِ عَنْ الْمُسَمَّى مِمَّا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فَمَا مَعْنَى تَعْمِيمِ النُّقْصَانِ هَاهُنَا لِلنُّقْصَانِ عَنْ الْمُسَمَّى، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ الْمَزْبُورَ إنَّمَا اغْتَرَّ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فَتَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَلَكِنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ إلَخْ لَا عَلَى مَجْمُوعِ الدَّلِيلِ فَلَا وَجْهَ لِلِاغْتِرَارِ بِذَلِكَ أَيْضًا.
وَأَمَّا الثَّانِي: أَيْ أَنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ فِي نَفْسِهِ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُسَمَّى أَوْ فِي الْقِيمَةِ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَتَنْصِيصُ الْمَوْلَى عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مُسَمًّى دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِهِ قَطْعًا سَوَاءٌ كَانَ نَاقِصًا عَنْ الْقِيمَةِ أَمْ لَا، فَمَا يُخَالِفُ رِضَاهُ إنَّمَا هُوَ النُّقْصَانُ عَنْ الْمُسَمَّى لَا غَيْرُ، وَلَئِنْ سَلِمَ فَيُنْتَقَضُ بِالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ إذَا كَانَ الْبَدَلُ الْمُسَمَّى فِيهَا أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ هُنَاكَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ الْقِيمَةِ قَطْعًا مَعَ جَرَيَانِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ تَعْمِيمِ النُّقْصَانِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ لِلنُّقْصَانِ الْكَائِنِ فِي الْمُسَمَّى وَفِي الْقِيمَةِ تَأَمَّلْ تَقِفْ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَعَلَّ التَّصَوُّرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُسْقِطُ مَا قِيلَ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُ حَقِّهِ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا بِعَدَمِ الرِّضَا بِالزِّيَادَةِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا فِي بَقَائِهِ اهـ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا بِالزِّيَادَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ ثُبُوتِ الْعِتْقِ لَهُ رَأْسًا لَا بُطْلَانُ حَقِّهِ فِي الْعِتْقِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ فِيهِ كَمَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَهِيَ قَوْلُهُ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ بُطْلَانَ حَقِّ شَخْصٍ فِي شَيْءٍ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ أَوَّلًا. وَمَوْرِدُ مَا قِيلَ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَكَيْفَ يَسْقُطُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الشَّارِحِ الْمَزْبُورِ: الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ؟ وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ وَاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْبُطْلَانَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُ حَقِّهِ فِي الْعِتْقِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي يَرَى صِحَّةَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا كَاتَبَهُ عَلَى الْخَمْرِ وَلَمْ يَقُلْ إنْ أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَدَّى الْخَمْرَ لَا يُعْتَقُ، فَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ يَبْطُلُ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ عِلَّةً لِعَدَمِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ لَا لِرِضَا الْعَبْدِ بِالزِّيَادَةِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ خِلَافُهُ، وَالْكَلَامُ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَلَا يَتِمُّ ذَاكَ الْجَوَابُ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةٍ إنْ لَمْ يَقُلْ الْمَوْلَى لِلْمُكَاتَبِ عَلَى الْخَمْرِ إنْ أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، لَا فِي صُورَةٍ إنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، إذْ لَا رِوَايَةَ لِعَدَمِ الْعِتْقِ عِنْدَ أَدَاءِ الْخَمْرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلَا رَأْيَ لِلْقَاضِي فِيهَا مَعَ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ يَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَيَبْقَى السُّؤَالُ فِي صُورَةٍ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ رَدَّا عَلَى الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا حَيْثُ قَالَا: ثُمَّ قَوْلُهُ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ لَا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ
[ ٩ / ١٦٤ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ حَيْثُ لَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ فِيهِ عَلَى مُرَادِ الْعَاقِدِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثَّوْبِ فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِدُونِ إرَادَتِهِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
يَكُونَ الْعَبْدُ غَيْرَ رَاضٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسَمَّى وَإِنْ بَطَلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ مَشُوبٌ بِالضَّرَرِ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الزِّيَادَةِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ نَفْعًا لَهُ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ تَحَمُّلَ الزِّيَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ ضَرَرًا عَلَيْهِ لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِ عِنْدَ عَدَمِ تَحَمُّلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الرِّقِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّهُ إذَا اخْتَارَ الرِّقَّ يَصِيرُ جَمِيعُ مَا اكْتَسَبَهُ مِلْكًا لِمَوْلَاهُ، وَيَقْدِرُ الْمَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ كَيْفَ يَشَاءُ فَيَحْصُلُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ فِي رِضَا الْعَبْدِ بِالزِّيَادَةِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَلَا فِي عَدَمِ رِضَاهُ بِهَا نَفْعٌ لَهُ أَصْلًا. ثُمَّ قَالَا: وَالْأَوْلَى فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا عَقَدَ عَقْدَ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ مَعَ مَوْلَاهُ كَانَ قَابِلًا قِيمَةَ نَفْسِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجَبُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ أَقْدَمَ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ وَرِضَاهُ، ثُمَّ قِيمَةُ نَفْسِهِ قَدْ تَرْبُو عَلَى الْمُسَمَّى فَكَانَ رَاضِيًا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسَمَّى ضَرُورَةً اهـ.
أَقُولُ: وَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ فِي التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَاهُ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَإِنَّا بِصَدَدِ أَنْ يَثْبُتَ بِدَلِيلِ أَنَّ مُوجَبَ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ قِيمَةُ نَفْسِ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَمِنْ جُمْلَةِ مُقَدِّمَاتِ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ، فَلَوْ عَلَّلْنَا هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ بِمَا يُبْتَنَى عَلَى كَوْنِ الْوَاجِبِ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ قِيمَةُ نَفْسِ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لَزِمَ الْمُصَادَرَةُ قَطْعًا.
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ شَيْءٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ إلَخْ دَلِيلٌ شَافٍ مُفِيدٌ لِتَمَامِ الْمُدَّعِي وَهُوَ أَنْ لَا تَنْقُصَ الْقِيمَةُ عَنْ الْمُسَمَّى وَتُزَادَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَ هَلَاكِ الْمُبْدَلِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُرَى مُسْتَدْرَكًا هَاهُنَا لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَقَدْ تَعَذَّرَ بِالْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ وَلَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى تَمَامِ الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَنْقُصَ الْقِيمَةُ عَنْ الْمُسَمَّى فَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ فَكَانَ الْأَوْلَى طَرْحُهُ مِنْ الْبَيِّنِ كَمَا فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ فِيهِ عَلَى مُرَادِ الْعَاقِدِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثَّوْبِ فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِدُونِ إرَادَتِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الثَّوْبَ عِوَضٌ وَالْعِوَضُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ فَلَا يَكُونُ مُرَادًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَيَّنُ مُرَادًا، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ فَلَا يُعْتَقُ بِدُونِ إرَادَتِهِ، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مُرَادِهِ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْمُطْلَقِ فِي قَوْلِهِ وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ فَرَدَّا مُبْهَمًا مِنْ الثَّوْبِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ، إذْ الْإِبْهَامُ إنَّمَا يُنَافِي التَّعْيِينَ لَا الْوُجُودَ فِي الْخَارِجِ، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ جُزِمَ بِوُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنَ خُصُوصِيَّتُهُ عِنْدَنَا وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَفْهُومَهُ الْكُلِّيَّ فَنُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَيِّنُ مُرَادًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الْمُبْهَمُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ بُطْلَانِ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَيْضًا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ إمْكَانَ اسْتِدْرَاكِ مُرَادِهِ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فِي صُورَةِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقِيمَةِ بِنَاءً عَلَى تَقْرِيرِهِ فِي صُورَةِ الْكِتَابَةِ عَلَى الثَّوْبِ، إذْ قَدْ حَكَمَ فِيهِ بِتَعَيُّنِ كَوْنِ الْمُتَعَيِّنِ مُرَادًا وَبِتَعَذُّرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ
[ ٩ / ١٦٥ ]
وَمُرَادُهُ شَيْءٍ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، حَتَّى لَوْ قَالَ كَاتَبْتُك عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ الدَّرَاهِمِ وَهِيَ لِغَيْرِهِ جَازَ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ فَيَتَعَلَّقُ بِدَرَاهِمِ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ فَيَجُوزُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ، حَتَّى إذَا مَلَكَهُ وَسَلَّمَهُ يُعْتَقُ، وَإِنْ عَجَزَ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَالٌ وَالْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ مَوْهُومٌ فَأَشْبَهَ الصَّدَاقَ. قُلْنَا: إنَّ الْعَيْنَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ إذَا كَانَ الْعَقْدُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَمَا فِي الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَعَلَى مَا هُوَ تَابِعٌ فِيهِ أَوْلَى.
فَلَوْ أَجَازَ صَاحِبُ الْعَيْنِ ذَلِكَ فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِحَالِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ مِلْكَ الْمَكَاسِبِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ مِنْهَا
وَلَا حَاجَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَدَلُ عَيْنًا مُعَيَّنًا، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهِ
فِي صُورَةِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقِيمَةِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ: وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مَجْهُولَةٌ قَدْرًا وَجِنْسًا وَوَصْفًا فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ وَصَارَ كَمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ اهـ.
فَكَيْفَ يُمْكِنُ اطِّلَاعُ الْمُقَوِّمِينَ عَلَى مُرَادِهِ فِي صُورَةِ الْكِتَابَةِ عَلَى
[ ٩ / ١٦٦ ]
عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجُزْ، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ يَجِبُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا يَجِبُ تَسْلِيمُ قِيمَتِهِ كَمَا فِي النِّكَاحِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ لِكَوْنِهِ مَالًا، وَلَوْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ ذَلِكَ الْعَيْنَ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا أَدَّاهُ لَا يُعْتَقُ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ إلَّا إذَا قَالَ لَهُ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ بِحُكْمِ الشَّرْطِ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ قَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ مَعَ الْفَسَادِ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى مَالًا فَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْمَشْرُوطِ.
وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ) فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جَائِزَةٌ، وَيُقَسَّمُ الْمِائَةُ الدِّينَارِ عَلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ وَعَلَى قِيمَةِ عَبْدٍ وَسَطٍ فَيَبْطُلُ مِنْهَا حِصَّةُ الْعَبْدِ فَيَكُونُ مُكَاتَبًا بِمَا بَقِيَ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُطْلَقَ يَصْلُحُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ، فَكَذَا يَصْلُحُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي أَبْدَالِ الْعُقُودِ.
وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى الْعَبْدُ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَإِنَّمَا تُسْتَثْنَى قِيمَتُهُ وَالْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ بَدَلًا فَكَذَلِكَ مُسْتَثْنًى.
الْقِيمَةِ حَتَّى تَتَعَيَّنَ بِتَعْيِينِهِمْ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى الْعَبْدُ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَإِنَّمَا تُسْتَثْنَى قِيمَتُهُ وَالْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ بَدَلًا فَكَذَلِكَ مُسْتَثْنًى) يَعْنِي أَنَّهُمَا يُسَلِّمَانِ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ، وَلَكِنْ يَقُولَانِ ذَلِكَ فِيمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُورِدَ فَسَادَ الْعَقْدِ، وَهَاهُنَا اسْتِثْنَاءُ الْعَبْدِ عَيْنِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ وَهِيَ لَا تَصْلُحُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ لِتَفَاحُشِ جَهَالَتِهَا قَدْرًا وَجِنْسًا وَوَصْفًا كَمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، فَكَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقَعَ مُسْتَثْنًى مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَالْكَافِي.
أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْكِتَابَةُ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ عَبْدًا مُعَيَّنًا أَيْضًا لِجَرَيَانِهِ فِيهِ أَيْضًا بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ أَيْضًا مَجْهُولَةٌ جَهَالَةً فَاحِشَةً، وَلِهَذَا لَوْ كَاتَبَ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، وَعَدَمُ الْمُجَانَسَةِ بَيْنَ عَيْنِ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ وَبَيْنَ الدَّرَاهِمِ أَيْضًا ظَاهِرٌ، مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ صَحِيحَةٌ بِالِاتِّفَاقِ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا مُعَيَّنًا. وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ أَنَّهُ عَلَّلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَعَزَاهُ إلَى الزَّيْلَعِيِّ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ النَّقْضَ بِمَا إذَا
[ ٩ / ١٦٧ ]
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ) مَعْنَاهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْجِنْسَ وَلَا يُبَيِّنَ النَّوْعَ وَالصِّفَةَ (وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْقِيمَةِ) وَقَدْ مَرَّ فِي النِّكَاحِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْجِنْسَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ دَابَّةٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً فَتُتَفَاحَشُ الْجَهَالَةُ، وَإِذَا بَيَّنَ الْجِنْسَ كَالْعَبْدِ وَالْوَصِيفِ فَالْجَهَالَةُ يَسِيرَةٌ وَمِثْلُهَا يُتَحَمَّلُ فِي الْكِتَابَةِ فَتُعْتَبَرُ جَهَالَةُ الْبَدَلِ بِجَهَالَةِ الْأَجَلِ فِيهِ.
شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا مُعَيَّنًا وَجَعَلَ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ هُوَ الصَّوَابُ، وَعَزَاهُ إلَى الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ اشْتَمَلَ عَلَى بَيْعٍ وَكِتَابَةٍ، لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْمِائَةِ بِإِزَاءِ الْوَصِيفِ الَّذِي يَرُدُّهُ الْمَوْلَى بَيْعٌ وَمَا كَانَ مِنْهَا بِإِزَاءِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةٌ فَيَكُونُ صَفْقَةً فِي صَفْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ النَّهْيُ عَنْهَا، كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ.
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْعَقْدِ إذَا شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا مُعَيَّنًا أَوْ أَمَةً مُعَيَّنَةً، وَالْقَوْمُ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْكَافِي وَهُوَ أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَجْهُولُ الْقَدْرِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَةِ الْوَصِيفِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَإِنَّمَا تُسْتَثْنَى قِيمَتُهُ، وَالْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ لِجَهَالَتِهَا، فَكَذَا لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي فَطَانَةٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَجْهِ الَّذِي عَزَاهُ إلَى الزَّيْلَعِيِّ وَالْوَجْهِ الَّذِي عَزَاهُ إلَى الْكَافِي فِي وُرُودِ النَّقْضِ بِالصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ عَلَيْهِمَا، فَرَدُّ الْأَوَّلِ بِوُرُودِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاسْتِصْوَابُ الثَّانِي لَيْسَ بِمَعْقُولِ الْمَعْنَى
(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْجِنْسَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ دَابَّةٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَجْنَاسًا فَتَتَفَاحَشُ الْجَهَالَةُ، وَإِذَا بَيَّنَ الْجِنْسَ كَالْعَبْدِ وَالْوَصِيفِ فَالْجَهَالَةُ يَسِيرَةٌ وَمِثْلُهَا يُتَحَمَّلُ فِي الْكِتَابَةِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ لِلْأَجْنَاسِ لَوْ مَنَعَ الْجَوَازَ لَمَا جَازَتْ فِيمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى عَبْدٍ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّفْظَ إنْ شَمِلَ أَجْنَاسًا عَالِيَةً كَالدَّابَّةِ مَثَلًا أَوْ مُتَوَسِّطَةً كَالْمَرْكُوبِ مَنَعَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا فِي الْكِتَابَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ شَمِلَ أَجْنَاسًا سَافِلَةً كَالْعَبْدِ مَنَعَهُ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ كَالْبَيْعِ وَالْوَكَالَةِ لَا فِيمَا بُنِيَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ كَالْكِتَابَةِ وَالنِّكَاحِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ السُّؤَالُ بِشَيْءٍ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ لِلْأَجْنَاسِ إنْ مَنَعَ الْجَوَازَ مَا جَازَتْ فِيمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى عَبْدٍ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا وَلِهَذَا
[ ٩ / ١٦٨ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَلَنَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِمَالٍ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ الْمِلْكُ فِيهِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ فَهُوَ جَائِزٌ) مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا وَالْعَبْدُ كَافِرًا لِأَنَّهَا مَالٌ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِّ فِي حَقِّنَا (وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ فَلِلْمَوْلَى قِيمَةُ الْخَمْرِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلَّكَهَا، وَفِي التَّسْلِيمِ ذَلِكَ إذْ الْخَمْرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيَعْجَزُ عَنْ تَسْلِيمِ الْبَدَلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَايَعَ الذِّمِّيَّانِ خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا حَيْثُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَعْضُ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَصْلُحُ بَدَلًا فِي الْكِتَابَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَاتِب عَلَى وَصِيفٍ وَأَتَى بِالْقِيمَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ فَجَازَ أَنْ يَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى الْقِيمَةِ، فَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يَنْعَقِدُ
لَمْ يُجَوِّزْ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ فِرْيَةً بِلَا مِرْيَةٍ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا ذَكَرَ قَطُّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الْعَبْدَ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا، وَأَنَّ مَا يَشْمَلُ أَنْوَاعًا لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ إلَّا بِبَيَانِ الثَّمَنِ أَوْ النَّوْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: ثُمَّ إنْ كَانَ اللَّفْظُ يَجْمَعُ أَجْنَاسًا أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ، لِأَنَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ فَلَا يُدْرَى مُرَادُ الْآمِرِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ، وَإِنْ كَانَ جِنْسًا يَجْمَعُ أَنْوَاعًا لَا يَصِحُّ إلَّا بِبَيَانِ الثَّمَنِ أَوْ النَّوْعِ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ يَصِيرُ النَّوْعُ مَعْلُومًا، وَبِذِكْرِ النَّوْعِ تَقِلُّ الْجَهَالَةُ فَلَا يَمْتَنِعُ الِامْتِثَالُ.
مِثَالُهُ: إذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَشْمَلَ أَنْوَاعًا، فَإِنَّ بَيَّنَ النَّوْعَ كَالتُّرْكِيِّ وَالْحَبَشِيِّ وَالْمُوَلَّدِ جَازَ، وَكَذَا إذَا بَيَّنَ الثَّمَنَ لِمَا ذَكَرْنَا اهـ.
فَهَلْ يَتَوَهَّمُ الْعَاقِلُ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا حَتَّى يَجْعَلَهُ مَدَارًا لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا، وَقَدْ سَبَقَ إلَى هَذَا التَّوَهُّمِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ؟ وَلَعَمْرِي إنَّهُ مِنْ الْعَجَائِبِ مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الْفُحُولِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْجَوَابَ الْمَزْبُورَ مَعَ ابْتِنَائِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَرَاتِبِ الْأَجْنَاسِ الَّذِي هُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْمَعْقُولِ دُونَ اصْطِلَاحَاتِ أَهْلِ الْفِقْهِ بِمَعْزِلٍ عَمَّا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَقَامَيْنِ: أَيْ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ، أَمَّا هُنَاكَ فَلِمَا عَرَفْت آنِفًا، وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ مَا فِي الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ لَزِمَهُ أَنْ يُقَيِّدَ بِالْجِنْسِ فِي قَوْلِهِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْجِنْسَ بِالْجِنْسِ الْعَالِي وَالْمُتَوَسِّطِ، إذًا بَيَانُ الْجِنْسِ الْأَسْفَلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الْجَوَابِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِمَالٍ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ الْمِلْكُ فِيهِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ.
[ ٩ / ١٦٩ ]
صَحِيحًا عَلَى الْقِيمَةِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ (وَإِذَا قَبَضَهَا عَتَقَ) لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ.
فَإِذَا وَصَلَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ إلَى الْمَوْلَى سَلَّمَ الْعِوَضَ الْآخَرَ لِلْعَبْدِ وَذَلِكَ بِالْعِتْقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا حَيْثُ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الْخَمْرِ، وَلَوْ أَدَّاهَا عَتَقَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا يَعْنِي مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ قِيَاسَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْبَيْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ ابْتِدَاؤُهَا أَوْ مِنْ حَيْثُ الِانْتِهَاءُ وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَالْكِتَابَةُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ فَكِّ الْحَجْرِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الِانْتِهَاءِ مُعَاوَضَةَ مَالٍ بِمَالٍ وَهُوَ الرَّقَبَةُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ الْمِلْكُ فِيهِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَفِي أَنَّ مَبْنَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ كَافٍ فِي إلْحَاقِهَا بِالنِّكَاحِ.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ لِزِيَادَةِ اسْتِظْهَارٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ مُتَفَرِّعًا عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَلَيْسَ بِتَامٍّ لِأَنَّ كَوْنَ النِّكَاحِ فِي الِابْتِدَاءِ مُعَاوَضَةَ مَالٍ وَهُوَ الْمَهْرُ بِغَيْرِ مَالٍ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ ظَاهِرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ فِي مَحِلِّهِ.
أَمَّا كَوْنُهُ فِي الِانْتِهَاءِ مُعَاوَضَةَ مَالٍ بِمَالٍ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ وَمِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا سِوَى تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَالْعَيْنِيِّ فَإِنَّهُمَا قَالَا فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ مَالٌ عِنْدَ الدُّخُولِ فَيَكُونُ مُعَاوَضَةَ مَالٍ بِمَالٍ انْتَهَى، فَكَانَ حَقُّ الْمَقَامِ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ مُتَفَرِّعًا إمَّا عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ فَقَطْ أَوْ عَلَى مَجْمُوعِ الشِّقَّيْنِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا
[ ٩ / ١٧٠ ]
بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالسَّفَرُ) لِأَنَّ مُوجَبَ الْكِتَابَةِ أَنْ يَصِيرَ حُرًّا يَدًا، وَذَلِكَ بِمَالِكِيَّةِ التَّصَرُّفِ مُسْتَبِدًّا بِهِ تَصَرُّفًا يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصُودِهِ وَهُوَ نَيْلُ الْحُرِّيَّةِ بِأَدَاءِ الْبَدَلِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَكَذَا السَّفَرُ لِأَنَّ التِّجَارَةَ رُبَّمَا لَا تَتَّفِقُ فِي الْحَضَرِ فَتَحْتَاجُ إلَى الْمُسَافَرَةِ، وَيَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْمُحَابَاةِ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، فَإِنَّ التَّاجِرَ
الْمِقْدَارُ كَافٍ فِي إلْحَاقِهَا بِالنِّكَاحِ، وَجُعِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ لِزِيَادَةِ الِاسْتِظْهَارِ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَامٍّ أَيْضًا لِأَنَّ مُجَرَّدَ مُشَابَهَةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ فِي وَجْهٍ لَا يُنَافِي مُشَابَهَتَهُ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ فِي وَجْهٍ آخَرَ، فَمُشَابَهَةُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لِلنِّكَاحِ فِيمَا ذُكِرَ لَا يُنَافِي مُشَابَهَتَهُ لِلْبَيْعِ أَيْضًا.
فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ لَمَا ظَهَرَ اخْتِصَاصُ هَاتِيكَ الْمُشَابَهَةِ بِالنِّكَاحِ حَتَّى يَثْبُتَ عَدَمُ صِحَّةِ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْبَيْعِ كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ عَلَى مَا أَفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْمَزْبُورِ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ قِيَاسَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْبَيْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ الِابْتِدَاءُ أَوْ مِنْ حَيْثُ الِانْتِهَاءُ إلَخْ، فَكَانَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ عُمْدَةً فِي إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ وَلَمْ يَكُنْ لِزِيَادَةِ الِاسْتِظْهَارِ فَقَطْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ)
الظَّاهِرُ أَنَّ اكْتِفَاءَ الْمُصَنِّفِ فِي عِنْوَانِ هَذَا الْبَابِ بِمَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ لِكَوْنِهِ الْعُمْدَةَ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ، وَإِلَّا فَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ كَمَا تَرَى.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ، فَإِنَّ جَوَازَ التَّصَرُّفِ يُبْتَنَى عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ اهـ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ سَمَاجَةُ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِمَا فَإِنَّ جَوَازَ التَّصَرُّفِ يُبْتَنَى عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَا يَقْتَضِي تَأْخِيرَ هَذَا الْبَابِ عَنْ أَحْكَامِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، بَلْ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ عَلَيْهَا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا سَالِمٌ مِمَّا يُتَّجَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحَانِ الْمَسْفُورَانِ، لَكِنْ فِيهِ أَيْضًا سَمَاجَةٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ فِي حَيِّزِ يَجُوزُ وَعَطَفَهُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ فَصَارَ الْمَعْنَى شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُكَاتَبُ وَمَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَصَدَ بَيَانَهُ إنَّمَا هُوَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُكَاتَبُ وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ وَلَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَهَبُ وَلَا يَتَصَدَّقُ وَلَا يَتَكَفَّلُ وَلَا يُقْرِضُ لَا مُجَرَّدَ مَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، فَإِنَّ جَوَازَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا لَا يُنَافِي جَوَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا كَمَا فِي الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا جَانِبَا الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالسَّفَرُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ، وَكَأَنَّهُ أَعَادَهَا تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ اسْتِحْسَانًا فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ بِبَيَانِهِ ثَمَّةَ اهـ.
[ ٩ / ١٧١ ]
قَدْ يُحَابِي فِي صَفْقَةٍ لِيَرْبَحَ فِي أُخْرَى.
قَالَ (فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِبْدَادِ وَثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فَبَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَبِمِثْلِهِ لَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ، وَهَذَا
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ جَوَازُ السَّفَرِ لِلْمُكَاتَبِ لَا جَوَازُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَحَدِيثُ الْإِعَادَةِ لِلتَّمْهِيدِ لَا يَتِمُّ عُذْرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَسْأَلَتَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَمَا تَرَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ اسْتِطْرَادًا، وَإِنَّمَا مَحِلُّ ذِكْرِهِ هُنَا وَهَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ هَاهُنَا انْتَهَى. أَقُولُ: وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ هُنَا لَيْسَ بِلَفْظِ الْقُدُورِيِّ، وَإِنَّمَا لَفْظُهُ: فَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالسَّفَرُ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِهِ وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ، وَبِإِضْمَارِ الْمُكَاتَبِ دُونَ إظْهَارِهِ، وَاَلَّذِي ذُكِرَ هُنَا بِالْوَاوِ بَدَلِ فَاءِ التَّفْرِيعِ، وَبِإِظْهَارِ لَفْظِ الْمُكَاتَبِ إنَّمَا هُوَ لَفْظُ الْبِدَايَةِ.
نَعَمْ حَاصِلُ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، لَكِنْ هَذَا مُتَحَقِّقٌ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: فَيَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالْخُرُوجَ إلَى السَّفَرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حَاصِلَ مَعْنَاهُ مُتَّحِدٌ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَعَ بَيَانُهَا مُكَرَّرًا لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبِدَايَةِ ثَمَّةَ قَوْلِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالسَّفَرُ، وَذَكَرَ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالسَّفَرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْبِدَايَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ فِي الْهِدَايَةِ وَهِيَ شَرْحُ الْبِدَايَةِ هَذَا الْمَوْضِعَ سَاقَ الْكَلَامَ كَمَا سَاقَ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ وَإِنْ كَانَ ذَكَرَ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالسَّفَرِ فِي الْهِدَايَةِ قَبْلَ هَذَا اهـ فَتَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ وَصَحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ بِمِثْلِهِ لَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحِلِّ: يَعْنِي أَنَّ الشَّرْطَ الْبَاطِلَ إنَّمَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ إذَا تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ، كَمَا إذَا قَالَ كَاتَبْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي مُدَّةً أَوْ زَمَانًا، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا شَرْطَ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا فِيمَا يُقَابِلُهُ فَلَا تَفْسُدُ بِهِ الْكِتَابَةُ انْتَهَى. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ وَلَا فِيمَا يُقَابِلُهُ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ مُقَابِلُهُ فَكُّ الْحَجْرِ وَحُرِّيَّةُ الْيَدِ وَالْمَنْعُ مِنْ الْخُرُوجِ تَخْصِيصٌ لِلْفَكِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّ مُرَادَهُ بِمَا يُقَابِلُهُ هُوَ الْمُكَاتَبُ، إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَخْتَصُّ بِهِ أَيْضًا كَمَا سَيَجِيءُ بَعْدَ أَسْطُرٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ كَوْنَ الْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ تَخْصِيصًا لِلْفَكِّ وَالْحُرِّيَّةِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ دَاخِلًا فِيهِمَا، فَإِنَّهُ تَخْصِيصُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ أَخَصَّ مِنْهُ، كَمَا إذَا عَرَّفْنَا الْإِنْسَانَ بِالْحَيَوَانِ الضَّاحِكِ فَإِنَّ قَيْدَ الضَّاحِكِ يُخَصِّصُ الْحَيَوَانَ بِالْإِنْسَانِ مَعَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ قَطْعًا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَإِذْ لَا رَيْبَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْخُرُوجِ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْفَكِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَكَذَا الْحَالُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَا يُقَابِلُهُ هُوَ الْمُكَاتَبُ، فَإِنَّ اخْتِصَاصَ هَذَا الشَّرْطِ بِهِ لَا يَقْتَضِي دُخُولَهُ فِيهِ، بَلْ لَا مَجَالَ لِدُخُولِهِ فِيهِ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى.
وَاَلَّذِي نَفَاهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ إنَّمَا هُوَ دُخُولُ هَذَا الشَّرْطِ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ أَوْ فِيمَا يُقَابِلُهُ، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ التَّمَكُّنُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَمَا عَيَّنَهُ (قَوْلُهُ وَهَذَا
[ ٩ / ١٧٢ ]
لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُشْبِهُ الْبَيْعَ وَتُشْبِهُ النِّكَاحَ فَأَلْحَقْنَاهُ بِالْبَيْعِ فِي شَرْطٍ تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، كَمَا إذَا شَرَطَ خِدْمَةً مَجْهُولَةً لِأَنَّهُ فِي الْبَدَلِ وَبِالنِّكَاحِ فِي شَرْطٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ. أَوْ نَقُولُ: إنَّ الْكِتَابَةَ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يَخُصُّ الْعَبْدَ فَاعْتُبِرَ إعْتَاقًا فِي حَقِّ هَذَا الشَّرْطِ، وَالْإِعْتَاقُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
قَالَ (وَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى)
لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُشْبِهُ الْبَيْعَ وَتُشْبِهُ النِّكَاحَ فَأَلْحَقْنَاهُ بِالْبَيْعِ فِي شَرْطٍ تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، كَمَا إذَا شَرَطَ خِدْمَةً مَجْهُولَةً لِأَنَّهُ فِي الْبَدَلِ وَبِالنِّكَاحِ فِي شَرْطٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ مَرَّ قُبَيْلَ هَذَا الْبَابِ فِي مَسْأَلَةِ جَوَازِ الْكِتَابَةِ عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ أَنَّ أَئِمَّتَنَا قَالُوا بِمُشَابَهَةِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لِلنِّكَاحِ وَعَمِلُوا بِهَا.
وَرَدُّوا عَلَى الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ بِمُشَابَهَتِهِ لِلْبَيْعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُمْ الْعَمَلُ هَاهُنَا بِشَبَهِهِ بِالْبَيْعِ أَيْضًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّبَهَيْنِ مَعًا فِيمَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يُنَافِي الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ لِرُجْحَانِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا مَعًا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ نَقُولُ إنَّ الْكِتَابَةَ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يَخُصُّ الْعَبْدَ إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: لَوْ قَالَ فِي جَانِبِ الْمَوْلَى إعْتَاقٌ أَوْ قَالَ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ عِتْقٌ كَانَ أَوْلَى انْتَهَى.
أَقُولُ: كُلُّ مَنْ شِقَّيْ كَلَامِهِ مَنْظُورٌ فِيهِ. أَمَّا شِقُّهُ الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي جَانِبِ الْمَوْلَى إعْتَاقٌ لَمْ يَتِمَّ الْمَطْلُوبُ، لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَخُصُّ الْعَبْدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْكِتَابَةِ إعْتَاقًا فِي جَانِبِ الْمَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ مُفَسَّرًا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ إعْتَاقًا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ كَمَا لَا يَخْفَى فَلِهَذَا قَالَ: إنَّ الْكِتَابَةَ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ.
وَأَمَّا شِقُّهُ الثَّانِي فَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ فِي قَوْلِهِ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ مَصْدَرٌ مِنْ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ دُونَ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ فَيَئُولُ إلَى الْعِتْقِ، فَكَانَ قَوْلُهُ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ وَقَوْلُهُ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ عِتْقٌ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيفٌ، إذْ حَاصِلُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْكِتَابَةَ تُشْبِهُ الْعِتْقَ وَالْعِتْقُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَلَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ أَيْضًا بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ لِشُبْهَةٍ بِالْعِتْقِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ لِشُبْهَةٍ بِالْعِتْقِ أَثَرٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَفْسُدَ الْكِتَابَةُ أَيْضًا إذَا دَخَلَ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ مِنْ الْبَيَانِ ضَعِيفٌ. وَالْأَوْلَى مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا مِنْ رِعَايَةِ الشَّبَهَيْنِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ اعْتِرَاضِ صَاحِبِ الْغَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ بِمُلَاحَظَةِ قَوْلِهِ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى مُعَاوَضَةٌ فَلِذَلِكَ فَسَدَتْ بِالدَّاخِلِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، أَوْ نَقُولُ يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ هَذَا الشَّرْطِ انْتَهَى. أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ وَجْهَيْ دَفْعِهِ غَيْرُ سَالِمٍ. أَمَّا وَجْهُهُ الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الْكِتَابَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى مُعَاوَضَةً مُتَحَقِّقٌ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ الْكِتَابَةِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِلَّةً لِلْفَسَادِ لَفَسَدَتْ بِغَيْرِ الدَّاخِلِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ أَيْضًا، وَإِنْ
[ ٩ / ١٧٣ ]
لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فَكُّ الْحَجْرِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ ضَرُورَةَ التَّوَسُّلِ إلَى الْمَقْصُودِ، وَالتَّزَوُّجُ لَيْسَ وَسِيلَةً إلَيْهِ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ (وَلَا يَهَبُ وَلَا يَتَصَدَّقُ إلَّا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ) لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ تَبَرُّعٌ وَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ لَيُمَلِّكَهُ، إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ ضِيَافَةٍ وَإِعَارَةٍ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْمُجَاهِزُونَ.
وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ وَتَوَابِعِهِ (وَلَا يَتَكَفَّلُ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ، فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ وَالِاكْتِسَابِ وَلَا يَمْلِكُهُ بِنَوْعَيْهِ نَفْسًا وَمَالًا لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ (وَلَا يُقْرِضُ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَيْسَ مِنْ تَوَابِعِ الِاكْتِسَابِ (فَإِنْ وَهَبَ
رُجِعَ إلَى الْعَمَلِ بِكَوْنِهَا مُعَاوَضَةً فِيمَا دَخَلَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَبِكَوْنِهَا إعْتَاقًا فِي غَيْرِ مَا دَخَلَ فِيهِ رِعَايَةً لِلشَّبَهَيْنِ رُجِعَ هَذَا الْوَجْهُ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا وَجْهُهُ الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ هَذَا الشَّرْطِ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ الْمَذْكُورَ. إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ لِشَبَهِهِ بِالْعِتْقِ أَثَرٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ إعْتَاقًا فِي غَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فَكُّ الْحَجْرِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ ضَرُورَةَ التَّوَسُّلِ إلَى الْمَقْصُودِ وَالتَّزَوُّجُ لَيْسَ وَسِيلَةً إلَيْهِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: تَأَمَّلْ هَلْ يُمْكِنُ تَعْمِيمُ هَذَا الدَّلِيلِ لِعَدَمِ جَوَازِ تَزْوِيجِ الْمُكَاتَبَةِ نَفْسَهَا؟ وَقَالَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ انْتَهَى.
أَقُولُ: بَلْ يُمْكِنُ تَعْمِيمُهُ لَهُ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَدَارَ حُكْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ هُوَ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ بِتَزْوِيجِ نَفْسَهَا تَتَمَلَّكُ الْمَهْرَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَمَأْخَذُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ جَوَازِ تَزْوِيجِ الْمُكَاتَبِ أَمَتَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ اكْتِسَابُ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَتَمَلَّكُ بِهِ الْمَهْرَ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ انْتَهَى. لَكِنَّهُ لَيْسَ بِتَامٍّ، فَإِنَّ بَيْنَ تَزْوِيجِ الْمُكَاتَبَةِ نَفْسَهَا وَتَزْوِيجِ الْمُكَاتَبِ أَمَتَهُ فَرْقًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ مَسْأَلَةِ تَزْوِيجِ الْمُكَاتَبِ أَمَتَهُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ أَوْضَحَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ سَأَلَ هُنَاكَ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمَّا مَلَكَ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تَمْلِكَ الْمُكَاتَبَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا لِوُجُودِ هَذِهِ الْعِلَّةِ فِيهَا لِأَنَّهَا تَكْسِبُ بِهِ الْمَهْرَ وَتُسْقِطُ نَفَقَتَهَا عَنْ نَفْسِهَا.
وَمَعَ ذَلِكَ ذَكَرَ فِي بَابِ جِنَايَةِ رَقِيقِ الْمُكَاتَبِ وَوَلَدِهِ مِنْ كِتَابِ عَتَاقِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى. وَأَجَابَ بِأَنَّ تَزْوِيجَ الْمُكَاتَبَةِ نَفْسَهَا لَيْسَ لِاكْتِسَابِ الْمَالِ بَلْ لِلتَّحْصِينِ وَالْعِفَّةِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهَا مِنْ تَزْوِيجِ نَفْسِهَا شَيْءٌ آخَرُ سِوَى الْمَالِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْعَقْدُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْفَكُّ الثَّابِتُ بِالْكِتَابَةِ. وَقَالَ: وَبِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ، وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ.
فَتَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ الْجَوَابِ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ هَاهُنَا يُمْكِنُ تَعْمِيمُهُ لِعَدَمِ جَوَازِ تَزْوِيجِ الْمُكَاتَبَةِ نَفْسَهَا أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى تَأَمَّلْ تَقِفْ. نَعَمْ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الشُّرَّاحِ وَصَاحِبِ الْكَافِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالتَّزَوُّجُ لَيْسَ وَسِيلَةً إلَيْهِ بَلْ فِيهِ الْتِزَامُ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِ هَذَا الدَّلِيلِ بِالْمُكَاتَبِ، فَإِنَّ الْتِزَامَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ دُونَ الْمُكَاتَبَةِ، لَكِنْ الْكَلَامُ فِي إمْكَانِ تَعْمِيمِ الدَّلِيلِ الْوَاقِعِ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ إنَّ الدَّلِيلَ الْأَظْهَرَ الْخَالِيَ عَنْ شَائِبَةٍ تُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ بِالْمُذَكَّرِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ
[ ٩ / ١٧٤ ]
عَلَى عِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً (وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ جَازَ) لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ لِلْمَالِ فَإِنَّهُ يَتَمَلَّكُ بِهِ الْمَهْرَ فَدَخَلَ تَحْتَ الْعَقْدِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ مَآلَهُ الْعِتْقُ وَالْمُكَاتَبُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ كَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ عَقْدُ اكْتِسَابٍ لِلْمَالِ فَيَمْلِكُهُ كَتَزْوِيجِ الْأَمَةِ وَكَالْبَيْعِ وَقَدْ يَكُونُ هُوَ أَنْفَعَ لَهُ مِنْ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ إلَّا بَعْدَ وُصُولِ الْبَدَلِ إلَيْهِ وَالْبَيْعُ يُزِيلُهُ قَبْلَهُ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ ثُمَّ هُوَ يُوجِبُ لِلْمَمْلُوكِ مِثْلَ مَا هُوَ ثَابِتٌ لَهُ. بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ لِأَنَّهُ يُوجِبُ فَوْقَ مَا هُوَ ثَابِتٌ لَهُ. قَالَ: فَإِنْ أَدَّى الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الْأَوَّلُ فَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَوْعَ مِلْكٍ. وَتَصِحُّ إضَافَةُ الْإِعْتَاقِ إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ إضَافَتُهُ إلَى مُبَاشِرِ الْعَقْدِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ أُضِيفَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا (فَلَوْ أَدَّى الْأَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَتَقَ لَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ إلَيْهِ) لِأَنَّ الْمَوْلَى جُعِلَ مُعْتِقًا وَالْوَلَاءُ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْمُعْتِقِ (وَإِنْ أَدَّى الثَّانِي بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ فَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِأَنَّ الْعَاقِدَ مِنْ أَهْلِ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ وَهُوَ الْأَصْلُ فَيَثْبُتُ لَهُ.
قَالَ (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ الْكَسْبِ وَلَا مِنْ تَوَابِعِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ عَنْ رَقَبَتِهِ
بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ» لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبُ يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ وَمَكَاسِبَهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ وَاحِدُهُمَا بِالنِّكَاحِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ بِعِبَارَتِهِ وَرَدَ فِي الْمُذَكَّرِ وَلَكِنْ بِدَلَالَتِهِ يَعُمُّ الْمُؤَنَّثَ أَيْضًا لَا مَحَالَةَ
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ الْكَسْبِ وَلَا مِنْ تَوَابِعِهِ)
[ ٩ / ١٧٥ ]
وَإِثْبَاتُ الدَّيْنِ فِي ذَمِّهِ الْمُفْلِسِ فَأَشْبَهَ الزَّوَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَذَا الثَّانِي لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ فِي الْحَقِيقَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ تَنْقِيصٌ لِلْعَبْدِ وَتَعْيِيبٌ لَهُ وَشَغْلُ رَقَبَتِهِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ لِاسْتِفَادَتِهِ الْمَهْرَ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ) لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ الِاكْتِسَابَ كَالْمُكَاتَبِ، وَلِأَنَّ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ وَالْكِتَابَةِ نَظَرًا لَهُ، وَلَا نَظَرَ فِيمَا سِوَاهُمَا وَالْوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ. قَالَ (فَأَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ)
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حِلِّ هَذَا الْمَحَلِّ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ مَا كَانَ مِنْ التِّجَارَةِ أَوْ مِنْ ضَرُورَاتِهَا، وَإِعْتَاقُ الْعَبْدِ عَلَى مَالٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ هَاهُنَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَمْلِكُهُ اهـ.
أَقُولُ: قَدْ أَخَلَّ الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ بِحَقِّ الْمَقَامِ فِي تَقْرِيرِ الْكَلَامِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْمُكَاتَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ مَا كَانَ مِنْ التِّجَارَةِ أَوْ مِنْ ضَرُورَاتِهَا مَعَ أَنَّهُ يَمْلِكُ أَيْضًا مَا كَانَ مِنْ الِاكْتِسَابِ دُونَ التِّجَارَةِ وَضَرُورَاتِهَا كَتَزْوِيجِ أَمَتِهِ وَكِتَابَةِ عَبْدِهِ عَلَى مَا مَرَّ فَإِنَّ الِاكْتِسَابَ أَعَمُّ مِنْ التِّجَارَةِ كَمَا سَيَجِيءُ. فَالْحَقُّ هَاهُنَا عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ الْكَسْبِ وَلَا مِنْ تَوَابِعِهِ. لَا يُقَالُ: إنَّ مِثْلَ تَزْوِيجِ أَمَتِهِ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَفْسِ التِّجَارَةِ فَانْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ أَوْ مِنْ ضَرُورَاتِهَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِهَا أَيْضًا لِأَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ يَمْلِكُ التِّجَارَةَ إجْمَاعًا وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ كَمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِهَا لَمَلَكَهُ الْمَأْذُونُ لَهُ أَيْضًا إجْمَاعًا. فَلَا مَحِيصَ عَنْ الْمَحْذُورِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْمَزْبُورِ إلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ لَفْظَ التِّجَارَةِ فِي كَلَامِهِ مَجَازًا عَنْ مُطْلَقِ الْكَسْبِ إطْلَاقًا لِلْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ) يَعْنِي يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ فِي رَقِيقِ نَفْسِهِ، وَلَا يَمْلِكَانِ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ مَا لَا يَمْلِكُهُ فِي رَقِيقِ نَفْسِهِ فَيَمْلِكَانِ تَزْوِيجَ أَمَةِ الصَّغِيرِ وَكِتَابَةَ عَبْدِهِ لَا تَزْوِيجَهُ وَلَا بَيْعَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا إعْتَاقَهُ عَلَى مَالٍ، كَذَا قَالُوا.
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ فِي الْحَاشِيَةِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ أَنْفَعُ مِنْ الْبَيْعِ عَلَى مَا مَرَّ وَلَا مَانِعَ هَاهُنَا، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ كَوْنَ الْعِتْقِ فَوْقَ الْكِتَابَةِ مَانِعٌ ثَمَّةَ فَإِذَا مَلَكَا الْبَيْعَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَا الْعِتْقَ عَلَى مَالٍ أَيْضًا اهـ.
أَقُولُ: لَمْ يَمُرَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا فِي كِتَابِهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْعِتْقَ أَنْفَعُ مِنْ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي مَرَّ وَتَقَرَّرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّ الْكِتَابَةَ أَنْفَعُ مِنْ الْبَيْعِ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ إلَّا بَعْدَ وُصُولِ الْبَدَلِ إلَى الْمَالِكِ وَالْبَيْعُ يُزِيلُهُ قُبَيْلَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِعْتَاقَ عَلَى مَالٍ يُزِيلُهُ قَبْلَهُ أَيْضًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ كَمَا مَرَّ آنِفًا فَلَمْ يَكُنْ أَنْفَعَ مِنْ الْبَيْعِ لَا مَحَالَةَ وَلَا نَظِيرَ الْبَيْعِ فَبَطَلَ قَوْلُهُ فَإِذَا مَلَكَا الْبَيْعَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَا الْعِتْقَ عَلَى مَالٍ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ فَأَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ) أَقُولُ: فِي هَذَا التَّحْرِيرِ نَوْعُ إشْكَالٍ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ قُبَيْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ أَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ لَمْ يَجُزْ، فَمَعَ كَوْنِ كَلِمَةِ أَمَّا فِي قَوْلِهِ فَأَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَأْبَاهُ، إذْ حُكْمُ مَا ذَكَرَ قُبَيْلَهُ أَيْضًا عَدَمُ الْجَوَازِ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ، فَإِنَّ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي هَاتِيكَ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ
[ ٩ / ١٧٦ ]
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُضَارِبُ وَالْمُفَاوِضُ وَالشَّرِيكُ شَرِكَةَ عِنَانٍ هُوَ قَاسَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَاعْتَبَرَهُ بِالْإِجَارَةِ.
قُبَيْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَا مَعْنَى بَيَانِ خِلَافِ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ مَجْمُوعَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ فَيُتَّجَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَعْضُ ذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَإِنَّهُمَا يَجُوزَانِ لِلْمَأْذُونِ لَهُ قَطْعًا كَمَا يَجُوزَانِ لِلْمُكَاتَبِ فَلَا مَعْنَى لِلسَّلْبِ الْكُلِّيِّ.
فَإِنْ قُلْت: الْمُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَالَةً، وَمَسْأَلَةُ جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالسَّفَرِ إنَّمَا ذُكِرَتْ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَخْ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ ثَمَّةَ. قُلْت: قَدْ عَرَفْت هُنَاكَ أَنَّ مَا يَصْلُحُ لِلتَّمْهِيدِ إنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةُ جَوَازِ السَّفَرِ دُونَ مَسْأَلَتَيْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَجَوَازِ الشِّرَاءِ، فَحَدِيثُ الذَّكَرِ لِلتَّمْهِيدِ دُونَ الْأَصَالَةِ لَا يَتِمُّ عُذْرًا لَا هُنَاكَ وَلَا هُنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْوِقَايَةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَوَّلًا مَا يَصِحُّ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْمُكَاتَبِ بِقَوْلِهِ صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَسَفَرُهُ وَإِنْ شَرَطَ ضِدَّهُ وَإِنْكَاحُ أَمَتِهِ وَكِتَابَةُ عَبْدِهِ. وَثَانِيًا مَا لَا يَصِحُّ مِنْهَا بِقَوْلِهِ لَا تَزَوُّجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا هِبَتُهُ وَلَوْ بِعِوَضٍ وَتَصَدُّقُهُ إلَّا بِيَسِيرٍ وَتَكَفُّلُهُ وَإِقْرَاضُهُ وَإِعْتَاقُ عَبْدِهِ وَلَوْ بِمَالٍ. ثُمَّ لَمَّا قَالَ: وَشَيْءٌ مِنْ ذَا لَا يَصِحُّ مِنْ مَأْذُونٍ وَمُضَارِبٍ وَشَرِيكٍ تَفَطَّنَ شَارِحُهَا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ لِمَا فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالْإِشْكَالِ.
فَحَمَلَ الْإِشَارَةَ عَلَى الْمَنْفِيَّاتِ فَقَطْ وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِ لَا تَزَوُّجُهُ إلَخْ لِكَوْنِهَا عَلَى قَرْنٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَحْمِلْهَا عَلَى مَجْمُوعِ الْمَنْفِيَّاتِ وَالْمُثْبَتَاتِ لِعَدَمِ تَمَامِهَا فِي صُورَتَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْ الْمُثْبَتَاتِ. وَأَمَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَلَا يَتَيَسَّرُ هَذَا التَّوْجِيهُ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمَنْفِيَّاتِ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ عَلَى قَرْنٍ وَاحِدٍ بَلْ ذُكِرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَنْفِيَّاتِ وَالْمُثْبَتَاتِ مُخْتَلِطَةً مَعَ الْأُخْرَى فَلَا تُفْهَمُ الْإِشَارَةُ إلَى الْبَعْضِ دُونَ الْآخَرِ مِنْ اللَّفْظِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ يَمْنَعُ ذَلِكَ. لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمُثْبَتَاتِ فِي الْمُكَاتَبِ، وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ كَيْفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَاهُنَا لَا لِلتَّوْجِيهِ وَلَا لِلِاسْتِشْكَالِ مَعَ ظُهُورِ الرَّكَاكَةِ فِي التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ هُوَ قَاسَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَاعْتَبَرَهُ بِالْإِجَارَةِ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ قَاسَ الْمَأْذُونَ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ فَكَذَلِكَ الْمَأْذُونُ لَهُ، وَاعْتَبَرَ التَّزْوِيجَ بِالْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ كَذَا فِي الشُّرُوحِ. أَقُولُ: فِي كُلٍّ
[ ٩ / ١٧٧ ]
وَلَهُمَا أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ يَمْلِكُ التِّجَارَةَ وَهَذَا لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ يَتَمَلَّكُ الِاكْتِسَابَ وَهَذَا اكْتِسَابٌ،
مِنْ قِيَاسِهِ وَاعْتِبَارِهِ نَظَرٌ.
أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ قِيَاسُ الْمَأْذُونِ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ لَصَحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابَةِ عَبْدِهِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِلْمَأْذُونِ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، مَعَ أَنَّ كِتَابَةَ الْمَأْذُونِ لَهُ عَبْدَهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَإِنَّهُ لَوْ تَمَّ اعْتِبَارُ التَّزْوِيجِ بِالْإِجَارَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ جَوَازَهَا لِلْمَأْذُونِ لَهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ لَهُ أَيْضًا لَزِمَ أَنْ يَجُوزَ تَزْوِيجُ عَبْدِهِ أَيْضًا كَمَا يَجُوزُ إجَارَةُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُ عَبْدِهِ بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ قَالَ: ثُمَّ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْقِيَاسِ فِي الْعَيْنَيْنِ وَهُمَا الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ، وَلَفْظَ الِاعْتِبَارِ فِي الْفِعْلَيْنِ وَهُمَا التَّزْوِيجُ وَالْإِجَارَةُ، لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْعَيْنَيْنِ ظَاهِرَةٌ، وَإِذْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَكُّ الْحَجْرِ وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ فَكَانَ شَرْطُ الْقِيَاسِ مَوْجُودًا فَاسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْقِيَاسِ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ فَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْفِعْلِيَّةِ لَا غَيْرُ، لِمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّ لِلْمَنْفَعَةِ حُكْمَ الْمَالِيَّةِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَةِ الْمَنَافِعِ كَمَا لَا يَثْبُتُ دَيْنًا بِمُقَابَلَةِ الْأَمْوَالِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي الْبَيْعِ فَكَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الِاعْتِبَارِ هُنَاكَ أَلْيَقَ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إذْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَكُّ الْحَجْرِ وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَّ الْحَجْرِ وَإِطْلَاقَ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، إذْ لَا يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى مَا فُصِّلَ فِي كِتَابَيْهِمَا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَّ الْحَجْرِ وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ الَّذِي أُطْلِقَ فِي الْآخَرِ أَيْضًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَأْذُونِ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَّ الْحَجْرِ وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ بَعْضٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْجُمْلَةِ فَبِهَذَا الْقَدْرِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ الْمُصَحِّحَةُ لِلْقِيَاسِ فَضْلًا عَنْ ظُهُورِهَا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لِمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ إلَخْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ ذَيْنَكَ الْفِعْلَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلِيَّةُ لَا غَيْرُ، فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْمُمَاثَلَةِ الْغَيْرِ الْفِعْلِيَّةِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ لَا يَسْتَدْعِي انْتِفَاءَهَا مِنْ الْحَيْثِيَّاتِ الْأُخَرِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْكَسْبِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَاسِ إنْ كَانَ هُوَ الشَّرْعِيُّ فَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ أَوْلَوِيَّتَهُ اهـ. أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ مُنْدَفِعٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَاسِ هُوَ الشَّرْعِيُّ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَوْلُهُ فَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيْنِ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَ نَفْسَيْ الْعَيْنَيْنِ مِنْ حَيْثُ ذَاتَيْهِمَا فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ مُرَادُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ اسْتِعْمَالَهُ بَيْنَهُمَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، بَلْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ عَمَلُهُمَا وَتَصَرُّفُهُمَا، وَلَا رَيْبَ فِي جَرَيَانِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ بِحَيْثِيَّةٍ مِنْ الْحَيْثِيَّاتِ فَهُوَ فَاسِدٌ اسْتِعْمَالًا فِي مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ مِنْ لَفْظِ الِاعْتِبَارِ، حَتَّى أَنَّ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي أَصْلِ مَعْنَى الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ: قَاسَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ قَدَّرَهُ عَلَى مِثَالِهِ، فَكَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْقِيَاسِ فِي الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا مُمَاثَلَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ الِاعْتِبَارِ فِي الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا مُمَاثَلَةٌ خَفِيَّةٌ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ قَطْعًا، لِأَنَّ فِيهِ تَوْفِيَةَ الْأَقْوَى لِلْأَقْوَى وَالْأَضْعَفِ لِلْأَضْعَفِ.
ثُمَّ إنْ رَأَى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْقِيَاسِ وَلَفْظُ الِاعْتِبَارِ مُتَرَادِفَيْنِ حَيْثُ قَالَ قَبْلَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ: وَقَاسَهُ وَاعْتَبَرَهُ مُتَرَادِفَانِ اهـ.
أَقُولُ: إنْ أَرَادَ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ جِدًّا، وَإِنْ أَرَادَ
[ ٩ / ١٧٨ ]
وَلِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ فَيُعْتَبَرُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ الْإِجَارَةِ، إذْ هِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ أَوْ الْمُصَنَّفِينَ فَلَا وَجْهَ فَلْيُتَّبَعْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ فَيُعْتَبَرُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ الْإِجَارَةِ إذْ هِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ) أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِ إذْ هِيَ: أَيْ الْإِجَارَةُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يُنْتَقَضَ تَعْرِيفُهُمْ الْبَيْعَ بِمُبَادَلَةِ الْمَالِ بِمَالٍ بِالْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّهُ تَعْرِيفٌ مُسَلَّمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ فِي وَجْهِ مُنَاسَبَةِ الْكِتَابَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. أَقُولُ: يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ فِي وَجْهِ مُنَاسَبَةِ الْكِتَابَةِ بِالْإِجَارَةِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ أَوْرَدَ عَقْدَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ يُسْتَفَادُ بِهِ الْمَالُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ اهـ، بِأَنَّ مُرَادَهُمْ مَا لَيْسَ بِمَالٍ مَا لَيْسَ بِمَالٍ حَقِيقَةً، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَالِ فِي قَوْلِهِ إذْ هِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ مَا هُوَ مَالٌ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا حَقِيقَةً، فَإِنَّ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ جُعِلَ فِي حُكْمِ الْمَالِ بِتَسْلِيمِ رَقَبَةِ الْعَيْنِ وَإِقَامَتِهَا مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَيُفْصِحُ عَنْ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْمَالِ فِي قَوْلِهِ إذْ هِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ مَا قُلْنَا قَوْلُ صَاحِبِ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي الْإِجَارَةِ فِي حُكْمِ الْمَالِ اهـ.
ثُمَّ أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْمَالُ فِي تَعْرِيفِهِمْ الْبَيْعَ بِمُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى الْمَالِ الْحَقِيقِيِّ دُونَ مَا يَتَنَاوَلُ الْحُكْمِيَّ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ انْصِرَافِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْكَمَالِ، فَحِينَئِذٍ لَا يُرَدُّ انْتِقَاضُ تَعْرِيفِ الْبَيْعِ بِالْإِجَارَةِ لِأَنَّ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ هُنَاكَ مَالٌ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً كَمَا عَرَفْتَهُ آنِفًا. ثُمَّ إنَّ عَامَّةَ الشُّرَّاحِ قَالُوا فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذْ هِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ مَالٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ التَّعْلِيلِ: وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ تَصْلُحُ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ مَعَ أَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ ابْتِغَاؤُهُ بِالْمَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ اهـ وَهَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ تَصْلُحُ مَهْرًا فِي بَابِ النِّكَاحِ بَلْ جَعَلَهُ عِلَّةً لِمَا قَبْلَهُ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْمَهْرِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا حَيْثُ قَالَ بَعْدَ بَيَانِ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ: وَلَنَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ إنَّمَا هُوَ الِابْتِغَاءُ بِالْمَالِ وَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَكَذَا الْمَنَافِعُ عَلَى أَصْلِنَا اهـ. فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِمَالٍ عَلَى أَصْلِنَا سِيَّمَا فِي بَابِ النِّكَاحِ فَتَأَمَّلْ.
[ ٩ / ١٧٩ ]