قَالَ (لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَقَالَ: إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَإِنَّمَا حَلَّ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ وَبِإِحْدَى يَدَيْهِ حَرِيرٌ وَبِالْأُخْرَى ذَهَبٌ وَقَالَ: هَذَانِ مُحَرَّمَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهِمْ» وَيُرْوَى «حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ»
(فَصْلٌ فِي اللُّبْسِ)
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لَمَّا ذَكَرَ مُقَدِّمَاتِ مَسَائِلِ الْكَرَاهِيَةِ ذَكَرَ مَا يَتَوَارَدُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِالْفُصُولِ فَقَدَّمَ اللُّبْسَ عَلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى اللُّبْسِ أَشَدُّ مِنْهُ إلَى الْوَطْءِ، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَلَكِنْ بِعِبَارَةٍ أَقْصَرَ.
أَقُولُ: صُدُورُ هَذَا التَّوْجِيهِ مِنْهُمَا فِي غَايَةِ الِاسْتِبْعَادِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ الْغَفْلَةُ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمَعْقُودِ لِبَيَانِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِيهِ مِنْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَقْصُودَةٍ بِالذَّاتِ غَيْرِ صَالِحَةٍ لَأَنْ تَكُونَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَسَائِلِ الْكَرَاهِيَةِ كَمَا تَرَى. وَالصَّوَابُ فِي وَجْهِ التَّرْتِيبِ أَنْ يُقَالَ: قَدَّمَ فَصْلَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ احْتِيَاجَ الْإِنْسَانِ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَشَدُّ، وَعَقَّبَهُ بِفَصْلِ اللُّبْسِ فَقَدَّمَهُ عَلَى فَصْلِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ احْتِيَاجَ الْإِنْسَانِ إلَى اللُّبْسِ أَكْثَرُ مِنْ احْتِيَاجِهِ إلَى الْوَطْءِ لِتَحَقُّقِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ دُونَ الثَّانِي، وَقَدْ أُشِيرَ إلَى هَذَا التَّوْجِيهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا حَلَّ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثٍ آخَرَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى آخِرِهِ) لَمَّا ذَكَرَ حُرْمَةَ لُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ وَحِلَّهُ لِلنِّسَاءِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْحُرْمَةِ بِمَا يَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: وَإِنَّمَا حَلَّ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثٍ آخَرَ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُحَرَّمُ وَالْمُبِيحُ إذَا اجْتَمَعَا يُجْعَلُ الْمُحَرَّمُ مُتَأَخِّرًا كَيْ لَا يَلْزَمُ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ، وَهُنَا لَوْ تَأَخَّرَ قَوْلُهُ ﵊ هَذَانِ حَرَامَانِ الْحَدِيثَ، يَلْزَمُ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ فِي حَقِّ الْإِنَاثِ فَيَجْعَلُ قَوْلَهُ ﵊ «حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» مُقَدَّمًا.
قُلْنَا: قَوْلُهُ «إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ «حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي»؛ لِأَنَّ هَذَا وَعِيدٌ لَا بَيَانُ حُكْمٍ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ " هَذَانِ حَرَامَانِ " الْحَدِيثُ نَصٌّ لِبَيَانِ التَّفْرِقَةِ فِي
[ ١٠ / ١٧ ]
(إلَّا أَنَّ الْقَلِيلَ عَفْوٌ وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعَةٍ كَالْأَعْلَامِ وَالْمَكْفُوفِ بِالْحَرِيرِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ» أَرَادَ الْأَعْلَامَ.
وَعَنْهُ ﵊ «أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ جُبَّةً مَكْفُوفَةً بِالْحَرِيرِ»
. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِتَوَسُّدِهِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُكْرَهُ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ،
حَقِّ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ. وَقَوْلُهُ «إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» لِبَيَانِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّ مَنْ لَبِسَ الْحَرَامَ فَكَانَا كَالظَّاهِرِ وَالنَّصِّ، وَالنَّصُّ رَاجِحٌ عَلَى الظَّاهِرِ. أَوْ نَقُولُ: الدَّلِيلُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الْحِلِّ لِلْإِنَاثِ مُتَأَخِّرٌ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاثِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَهَذَا آيَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى تَأَخُّرِهِ، كَذَا ذُكِرَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَالْكِفَايَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِ السُّؤَالِ: وَالْجَوَابُ هُنَا. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ الدَّالُّ عَلَى حِلِّهِ لَهُنَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْأَوَّلِ فَيُنْسَخُ بِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ كَالْخَاصِّ فِي إفَادَةِ الْقَطْعِ عِنْدَنَا أَوْ لَا يُعْلَمُ التَّارِيخُ فَيُجْعَلُ الْمُحَرَّمَ مُتَأَخِّرًا لِئَلَّا يَلْزَمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ بَعْدَهُ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهِنَّ إيَّاهُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَذَلِكَ آيَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى تَأَخُّرِهِ فَيُنْسَخُ بِهِ الْمُحَرَّمُ، وَتَكْرَارُ النَّسْخِ بِالدَّلِيلِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: تَقْرِيرُ السُّؤَالِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ التَّرْدِيدَ الْمُثَلَّثَ الْمَذْكُورَ فِيهِ قَبِيحٌ جِدًّا بَلْ مُخْتَلُّ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الشِّقِّ الثَّانِي فَيَتَعَارَضَانِ أَنَّهُمَا حِينَئِذٍ يَتَعَارَضَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ الْمُؤَخَّرُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْمُقَدَّمِ أَلْبَتَّةَ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالتَّسَاوِي فِي الْقُوَّةِ، وَإِنَّمَا التَّسَاقُطُ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِ الْمُخَلِّصِ كَمَا تَقَرَّرَ كُلُّ ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ وَيَكُونُ الْمُؤَخَّرُ نَاسِخًا لِلْمُقَدَّمِ فَهُوَ يَدْفَعُ السُّؤَالَ عَنْ الْمَقَامِ فَلَا وَجْهَ لِدَرْجِهِ فِي جَانِبِ السُّؤَالِ.
وَأَقُولُ: فِي الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَيْضًا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الشُّرُوحِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لُبْسُ الْحَرِيرِ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا لِعُمُومِ النَّهْيِ. وَلِمَا حَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو ذُبْيَانَ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ سِيَّمَا ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵂ أَنْكَرُوا اسْتِعْمَالَ النِّسَاءِ الْحَرِيرِ فَكَيْفَ يَتِمُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ إنَّهُ بَعْدَهُ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهِنَّ إيَّاهُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ " هَذَانِ حَرَامَانِ " إشَارَةٌ إلَى جُزْئِيَّيْنِ، فَمِنْ أَيْنَ الْعُمُومُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ، وَلَئِنْ كَانَ شَخْصًا فَغَيْرُهُ مُلْحَقٌ بِهِ بِالدَّلَالَةِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ تُرَجَّحُ عَلَى إشَارَتِهِ وَإِشَارَتُهُ تُرَجَّحُ عَلَى دَلَالَتِهِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الشَّخْصِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﵊ " هَذَانِ حَرَامَانِ " الْحَدِيثَ مُلْحَقًا بِهِ بِالدَّلَالَةِ يَلْزَمُ أَنْ يُرَجَّحَ الْحَدِيثُ الدَّالُّ عِبَارَةً أَوْ إشَارَةً عَلَى حُرْمَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ مُطْلَقًا عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَقَوْلِهِ ﵊ «إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي حَقِّ مَا أَفَادَهُ دَلَالَةً، وَهُوَ حِلُّ لُبْسِ الْحَرِيرِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الشَّخْصِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلنِّسَاءِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَنْتَهِضَ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةً لِحِلِّ لُبْسِ الْحَرِيرِ الْغَيْرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ لِلنِّسَاءِ فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ الْعُمُومُ
(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِتَوَسُّدِهِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُكْرَهُ) قَالَ الشُّرَّاحُ: يَعْنِي لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا بِخِلَافِ اللُّبْسِ، وَمَأْخَذُهُمْ الْخُلَاصَةُ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، بِخِلَافِ اللُّبْسِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. أَقُولُ: تَعْمِيمُ قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ هُنَا لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا
[ ١٠ / ١٨ ]
وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي سِتْرِ الْحَرِيرِ وَتَعْلِيقِهِ عَلَى الْأَبْوَابِ. لَهُمَا الْعُمُومَاتُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْأَكَاسِرَةِ وَالْجَبَابِرَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ حَرَامٌ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إيَّاكُمْ وَزِيَّ الْأَعَاجِمِ.
وَلَهُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ»، وَقَدْ كَانَ عَلَى بِسَاطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِرْفَقَةُ حَرِيرٍ، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْمَلْبُوسِ مُبَاحٌ كَالْأَعْلَامِ فَكَذَا الْقَلِيلَ مِنْ اللُّبْسِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُ نَمُوذَجًا عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ عِنْدَهُمَا) لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ «أَنَّهُ ﵊ رَخَّصَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ» وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً فَإِنَّ الْخَالِصَ مِنْهُ أَدْفَعُ لِمَعَرَّةِ السِّلَاحِ وَأَهْيَبُ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ لِبَرِيقِهِ (وَيُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّهُ لَا فَصْلَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ، وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِالْمَخْلُوطِ وَهُوَ الَّذِي لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ وَسَدَّاهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
مُشْكِلٌ، فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ " حَلَالٌ لِإِنَاثِهِمْ " لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ بِاللُّبْسِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُمُّ التَّوَسُّدَ وَالنَّوْمَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَهُمَا مَعَ كَوْنِهِمَا مُسْتَدِلِّينَ عَلَى مُدَّعَاهُمَا هَاهُنَا بِالْعُمُومَاتِ كَيْفَ يَتْرُكَانِ الْعَمَلَ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي رَوَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ (قَوْلُهُ لَهُمَا الْعُمُومَاتُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ» وَقَوْلِهِ «إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵂ أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ جَيْشًا مِنْ الْغُزَاةِ رَجَعُوا بِغَنَائِمَ وَلَبِسُوا الْحَرِيرَ فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِمْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقَالُوا: لِمَ أَعْرَضَتْ عَنَّا؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْت عَلَيْكُمْ ثِيَابَ أَهْلِ النَّارِ انْتَهَى.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ الْعُمُومَاتِ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، أَقُولُ: حَمْلُ الْعُمُومَاتِ عَلَى هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَكَادُ يَتِمُّ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إنَّمَا هُوَ حُرْمَةُ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي تَوَسُّدِهِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِلُبْسٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لِمَنْ تَوَسَّدَ شَيْئًا أَوْ نَامَ عَلَيْهِ إنَّهُ لَبِسَهُ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ فَأَنَّى يُوجَدُ الْعُمُومُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّوَسُّدُ وَالِافْتِرَاشُ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا لُبْسًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ اللُّبْسِ فِي تَحَقُّقِ الِاسْتِعْمَالِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِمَا فَصَارَ مُلْحَقَيْنِ بِاللُّبْسِ عِنْدَهُمَا، وَكَانَ مُرَادُهُمَا بِالْعُمُومِ هُوَ الْعُمُومُ دَلَالَةً لَا عِبَارَةً لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ جِدًّا كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي بَيَانِ الْعُمُومَاتِ. هِيَ " وَهَذَانِ حَرَامَانِ " الْحَدِيثَ، وَقَوْلُهُ ﵊ «لَأَنْ أَتَّكِئَ عَلَى جَمْرَةِ الْغَضَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَّكِئَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ» وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أَتَى بِدَابَّةٍ عَلَى سَرْجِهَا حَرِيرٌ فَقَالَ: هَذَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ فِي هَذَا الْبَيَانِ. أَقُولُ: هَذَا أَشْبَهُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ، فَإِنَّ الْعُمُومَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْ الْحُرْمَةَ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ اللُّبْسِ وَالتَّوَسُّدِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَيْنِ فَلَا، لِأَنَّ الثَّانِيَ مَخْصُوصٌ بِالِاتِّكَاءِ وَالثَّالِثَ مَخْصُوصٌ بِمَا يَفْعَلُ فِي السَّرْجِ مِنْ الْقُعُودِ وَالِافْتِرَاشِ فَلَمْ يَظْهَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا الْعُمُومُ إلَّا أَنْ يَنْظُرَ فِي الثَّالِثِ إلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ هَذَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا قَبْلَهُ فَحِينَئِذٍ يَتَحَمَّلُ الْعُمُومَ كَمَا تَرَى
(قَوْلُهُ وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: قَوْلُهُ وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ يُوهِمُ أَنَّهُ مَا لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ وَسَدَّاهُ غَيْرُهُ مُبَاحٌ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ أَيْضًا. فَحَقَّ التَّعْبِيرُ وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِإِبَاحَةِ الْأَدْنَى فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْأَعْلَى، وَلَوْ حَمَلْنَا الْمَعْنَى عَلَى الْمَحْظُورِ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِذَا أَمْكَنَ انْدِفَاعُهَا بِالْأَدْنَى مِنْهُ لَا يُصَارُ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْأَعْلَى
[ ١٠ / ١٩ ]
وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَخْلُوطِ قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ مَا سُدَاه حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ حَرِيرٍ كَالْقُطْنِ وَالْخَزِّ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْخَزَّ، وَالْخَزُّ مُسْدًى بِالْحَرِيرِ، وَلِأَنَّ الثَّوْبَ إنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ وَالنَّسْجُ بِاللُّحْمَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ السَّدَى. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَكْرَهُ ثَوْبَ الْقَزِّ يَكُونُ بَيْنَ الْفَرْوِ وَالظِّهَارَةِ، وَلَا أَرَى بِحَشْوِ الْقَزِّ بَأْسًا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مَلْبُوسٌ وَالْحَشْوَ غَيْرُ مَلْبُوسٍ. قَالَ (وَمَا كَانَ لُحْمَتُهُ حَرِيرًا وَسَدَاهُ غَيْرَ حَرِيرٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْحَرْبِ)
لِلضَّرُورَةِ
(وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ) لِانْعِدَامِهَا، وَالِاعْتِبَارُ لِلُّحْمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
كَانَ الْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّ جَمِيعَ مُقَدِّمَاتِهِ مَجْرُوحٌ. أَمَّا قَوْلُهُ وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ يُوهِمُ أَنَّ مَا لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ وَسَدَّاهُ غَيْرُ مُبَاحٍ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ أَيْضًا، فَلِأَنَّ ذَلِكَ الْإِيهَامَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَوْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ أَيْضًا وَلَيْسَ فَلَيْسَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَحَقَّ التَّعْبِيرُ وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِإِبَاحَةِ الْأَدْنَى فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْأَعْلَى فَلِأَنَّ حَقَّ التَّعْبِيرِ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِبَاحَةُ الْأَعْلَى لِلتَّوْسِعَةِ بِهَا لَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا فَلَا بُدَّ فِي دَفْعِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَوْ حَمَلْنَا الْمَعْنَى إلَى قَوْلِهِ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ قَبِيلِ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ أَنْ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ فَإِذَا أَمْكَنَ انْدِفَاعُهَا بِالْأَدْنَى مِنْهُ لَا يُصَارُ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْأَعْلَى مُقَدَّرًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ مَضْمُونُ ذَلِكَ الْقَوْلِ مَفْهُومًا مِنْ الْمُقَدِّمَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِالْمَخْلُوطِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةُ الْحَالِ فَلَا يُوجَدُ الْإِيجَازُ الْمُخِلُّ فِي الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا لَا يَخْفَى؛ وَكَأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَمْ يُلَاحِظْ ارْتِبَاطَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ. أَعْنِي قَوْلَهُ وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِالْمُقَدِّمَةِ السَّابِقَةِ عَلَيْهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِالْمَخْلُوطِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِالْمَخْلُوطِ شُرُوعٌ فِي الْجَوَابِ عَنْ دَلِيلِهِمَا الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً إلَخْ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهِ ذَلِكَ الْبَعْضُ فِي شَرْحِهِ الْمُقَامِ. ثُمَّ لَا يَذْهَبُ عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ بِمُقَدِّمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَوْلُهُ وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ مِنْ تَمَامِ الْجَوَابِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحْظُورَ الشَّرْعِيَّ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَالضَّرُورَةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ قَدْ انْدَفَعَتْ بِالْمَخْلُوطِ الَّذِي لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ وَسَدَّاهُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا مَجَالَ لِاسْتِبَاحَةِ الْخَالِصِ مِنْهُ، فَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ مُقَدِّمَةٌ فِي الْمَعْنَى إلَّا أَنَّهُ أَخَّرَهَا فِي الذِّكْرِ لِكَوْنِ مِسَاسِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى بِدَلِيلِهَا الْعَقْلِيِّ أَكْثَرَ، وَتَأْثِيرِهَا فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَظْهَرَ، فَلَا غُبَارَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَصْلًا تَأَمَّلْ تَرْشُدْ.
(قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَخْلُوطِ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا رَوَاهُ تَرْخِيصُ النَّبِيِّ ﷺ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْمَخْلُوطِ إنْ صَحَّ فِي الْحَرِيرِ لَا يَصِحُّ فِي الدِّيبَاجِ؛ لِأَنَّ الدِّيبَاجَ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ مَا كَانَ كُلُّهُ حَرِيرًا. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ الدِّيبَاجُ الَّذِي سَدَّاهُ وَلُحْمَتُهُ إبْرَيْسَمُ. وَقَالَ الشُّرَّاحُ: جُمْلَةُ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مَا يَكُونُ كُلُّهُ حَرِيرًا وَهُوَ الدِّيبَاجُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا فِي الْحَرْبِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ. وَالثَّانِي مَا يَكُونُ سَدَّاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرَهُ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ عَكْسُ الثَّانِي وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرْبِ دُونَ غَيْرِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا فِي كَلَامِهِمْ هَذَا بِأَنَّ الدِّيبَاجَ مَا كَانَ كُلُّهُ حَرِيرًا فَلَا مَجَالَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَخْلُوطِ فِي حَقِّهِ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الثَّوْبَ إنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ وَالنَّسْجُ بِاللُّحْمَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ السَّدَى) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي تَعْلِيلِ هَذَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا
[ ١٠ / ٢٠ ]
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَلَا بِالْفِضَّةِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ (إلَّا بِالْخَاتَمِ وَالْمِنْطَقَةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ مِنْ الْفِضَّةِ) تَحْقِيقًا لِمَعْنَى النَّمُوذَجِ، وَالْفِضَّةُ أَغْنَتْ عَنْ الذَّهَبِ إذْ هُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَيْفَ
تَعَلَّقَ بَعْلَةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى آخِرِهِمَا، وَاللُّحْمَةُ آخِرُهُمَا انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَقَدْ يُقَالُ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يَكُونُ ثَوْبًا إلَّا بِهِمَا، وَالشَّيْءُ إذَا تَعَلَّقَ وُجُودُهُ بِشَيْئَيْنِ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي التَّعْلِيلِ كَوْنَ اللُّحْمَةِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الثَّوْبِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ فِيهِ إلَى الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ: إذَا تَعَلَّقَ وُجُودُ شَيْءٍ بِشَيْئَيْنِ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا، فَيَكُونُ كُلٌّ مِمَّا مَا ذَكَرَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا مُنْقَطِعًا عَلَى الْآخِرِ يُرْشِدُك إلَيْهِ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ: لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يَصِيرُ ثَوْبًا إلَّا بِالنَّسْجِ وَالنَّسْجُ بِاللُّحْمَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ. أَوْ نَقُولُ: الثَّوْبُ لَا يَكُونُ ثَوْبًا إلَّا بِهِمَا فَتَكُونُ الْعِلَّةُ ذَاتَ وَجْهَيْنِ فَيُعْتَبَرُ آخِرُهُمَا وَهُوَ اللُّحْمَةُ انْتَهَى.
لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّسْجَ يَكُونُ بِاللُّحْمَةِ وَهْمٌ بَلْ هُوَ بِاللُّحْمَةِ وَالسَّدَى مَعًا فَالتَّعْوِيلُ عَلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي، وَلِهَذَا عَدَلَ عَنْهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَقَالَ: وَلِأَنَّهُ بِالنَّسْجِ يَصِيرُ ثَوْبًا وَهُوَ بِاللُّحْمَةِ وَالسَّدَى فَيُضَافُ كَوْنُهُ ثَوْبًا إلَى آخِرِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ اللُّحْمَةُ، وَجُعِلَتْ حُكْمًا فِي الْإِبَاحَةِ. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبَيْنَ مَا نَقَلْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا خُفِيَ عَلَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ حَيْثُ عَلَّلَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي، إلَى هُنَا لَفْظُ ذَلِكَ الْبَعْضِ. أَقُولُ: لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ فِي رَأْيِهِ هَاهُنَا، بَلْ خَرَجَ عَنْ سُنَنِ السَّدَادِ، إذْ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يُفِيدُ الْمُدَّعِيَ بِدُونِ الْمَصِيرِ إلَى الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ إنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِشَيْئَيْنِ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّسْجَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِاللُّحْمَةِ وَالسَّدَى مَعًا لَا بِاللُّحْمَةِ وَحْدَهَا إذْ النَّسْجُ إنَّمَا هُوَ تَرْكِيبُ اللُّحْمَةِ بِالسَّدَى كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُ الِاعْتِبَارِ بِاللُّحْمَةِ دُونَ السَّدَى إلَّا بِمُلَاحَظَةِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الْمُدَّعِيَ بِدُونِ الْمَصِيرِ إلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ لَمْ يَبْقَ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ هَذَا دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا وَتِلْكَ الْمُقَدَّمَةُ دَلِيلًا آخَرَ، فَلَا جَرَمَ نَبَّهَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ عَلَى كَوْنِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ مُعْتَبَرَةً فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِضَمِّهِمْ إيَّاهَا إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ السَّدَى وَأَصَابُوا فِيمَا فَعَلُوا حَيْثُ حَمَلُوا الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَعْنَى الصَّحِيحِ التَّامِّ مَعَ تَحَمُّلِ كَلَامِهِ إيَّاهُ، فَإِنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ فِي التَّعْلِيلِ كَوْنَ اللُّحْمَةِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الثَّوْبِ لَيْسَ اعْتِبَارًا لِعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ فِيهِ إلَى التَّصْرِيحِ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ اعْتِبَارِهَا فِيهِ وَاعْتِمَادًا عَلَى تَقَرُّرِهِ فِي كَلِمَاتِ الْمَشَايِخِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَمْنَعُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالنَّسْجُ بِاللُّحْمَةِ بِدُونِ الْقَصْرِ عَلَيْهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَتَمَامُ النَّسْجِ أَوْ آخِرُ النَّسْجِ بِاللُّحْمَةِ.
وَالْعَجَبُ مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ أَنَّهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِبُطْلَانِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِدُونِ اعْتِبَارِ حَدِيثِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى آخِرِ الْجُزْأَيْنِ حَيْثُ قَالَ: لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّسْجَ يَكُونُ بِاللُّحْمَةِ وَهْمٌ، بَلْ هُوَ بِاللُّحْمَةِ وَالسَّدَى مَعًا جَعَلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا بِدُونِ الْمَصِيرِ إلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ فَاخْتَارَ بُطْلَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْلِيلِ حِينَئِذٍ، وَشَنَّعَ عَلَى الشُّرَّاحِ الْمُصْلِحِينَ كَلَامَهُ بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَمَا غَرَّهُ إلَّا عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ، وَلَمْ يَنْظُرْ أَوْ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ فُحُولِ الْمَشَايِخِ مِنْ جَعْلِ الْمَجْمُوعِ دَلِيلًا وَاحِدًا مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ إنَّ الثَّوْبَ يَصِيرُ ثَوْبًا بِاللُّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ، وَالنَّسْجُ تَرْكِيبُ اللُّحْمَةِ بِالسَّدَى فَكَانَتْ اللُّحْمَةُ كَالْوَصْفِ الْأَخِيرِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ فَإِنَّهُ أَيْضًا قَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ: لِأَنَّ الثَّوْبَ إنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ، وَالنَّسْجُ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِاللُّحْمَةِ آخِرُهُمَا فَيُضَافُ صَيْرُورَتُهُ ثَوْبًا عَلَى اللُّحْمَةِ، فَإِذَا كَانَتْ اللُّحْمَةُ مِنْ الْحَرِيرِ كَانَ الْكُلُّ حَرِيرًا حُكْمًا انْتَهَى.
وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْكَافِي فَإِنَّهُ أَيْضًا جَمَعَ كَمَا نَقَلَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ، ثُمَّ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الزَّيْلَعِيِّ بِقَوْلِهِ أَوْ نَقُولُ إلَخْ تَقْرِيرُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَيْدِ النَّسْجِ لَا ذِكْرُ دَلِيلٍ آخَرَ مُسْتَقِلٍّ مُغَايِرٍ لِلْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى وَالْمَآلِ، يُرْشِدُ إلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلِأَنَّ اللُّحْمَةَ هِيَ الَّتِي تَظْهَرُ فِي الْمَنْظَرِ فَتَكُونُ الْعِبْرَةُ بِمَا يَظْهَرُ دُونَ مَا يَخْفَى انْتَهَى حَيْثُ أَعَادَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ وَهِيَ اللَّامُ فِي هَذَا الدَّلِيلِ إشَارَةً إلَى اسْتِقْلَالِهِ.
فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ بِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ أَوْ نَقُولُ إلَخْ إيرَادَ دَلِيلٍ آخَرَ مُسْتَقِلٍّ لَأَعَادَ اللَّامَ فِيهِ أَيْضًا تَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّحَلِّيَ بِالذَّهَبِ لِمَا رَوَيْنَا وَلَا بِالْفِضَّةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ) أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَهُ
[ ١٠ / ٢١ ]
وَقَدْ جَاءَ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ آثَارٌ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَا يَتَخَتَّمُ إلَّا بِالْفِضَّةِ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ حَرَامٌ. «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ عَلَى رَجُلٍ خَاتَمَ صُفْرٍ فَقَالَ: مَالِي أَجِدُ مِنْك رَائِحَةَ الْأَصْنَامِ. وَرَأَى عَلَى آخَرَ خَاتَمَ حَدِيدٍ فَقَالَ: مَالِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ» وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَطْلَقَ الْحَجَرَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَشْبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَرٍ، إذْ لَيْسَ لَهُ ثِقَلُ الْحَجَرِ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ (وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ حَرَامٌ) لِمَا رَوَيْنَا. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَالْإِبَاحَةُ ضَرُورَةُ الْخَتْمِ أَوْ النَّمُوذَجِ، وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالْأَدْنَى وَهُوَ الْفِضَّةُ، وَالْحَلْقَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ؛ لِأَنَّ قِوَامَ الْخَاتَمِ بِهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَصِّ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ
فِي مَعْنَاهُ، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ فِيمَا بَعْدُ بِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْهُ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيلِ حُرْمَةِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَالْإِبَاحَةُ ضَرُورَةُ التَّخَتُّمِ أَوْ النَّمُوذَجُ وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالْأَدْنَى وَهُوَ الْفِضَّةُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَدْنَى لَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْأَعْلَى. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ إثْبَاتُ عَدَمِ جَوَازِ التَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ الْوَارِدِ فِي حُرْمَةِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ شَرْطَ دَلَالَةِ النَّصِّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى مِنْ الْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمَنْطُوقِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدْنَى مِنْهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْفِضَّةِ كَذَلِكَ لِمَا عَرَفْت (قَوْلُهُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَطْلَقَ فِي الْحَجَرِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَشْبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَرٍ، إذْ لَيْسَ لَهُ ثِقَلُ الْحَجَرِ) أَقُولُ: الِاسْتِدْلَال عَلَى عَدَمِ حُرْمَةِ التَّخَتُّمِ بِالْيَشْبِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَرٍ مِمَّا لَا حَاصِلَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِحَجَرٍ قَدْ يَكُونُ مِمَّا يَحْرُمُ التَّخَتُّمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ كَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي حُرْمَةِ التَّخَتُّمِ بِالْحَجَرِ كَوُرُودِهِ فِي الذَّهَبِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ حَتَّى يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ حَجَرًا هُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ كَوْنِهِ مَوْرِدَ نَصِّ الْحُرْمَةِ، بَلْ وَرَدَ النَّصُّ فِي جَوَازِ التَّخَتُّمِ بِبَعْضِ الْأَحْجَارِ كَالْعَقِيقِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ بِالْعَقِيقِ» وَقَالَ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
فَكَانَ التَّشَبُّثُ بِكَوْنِهِ حَجَرًا أَظْهَرَ نَفْعًا فِي إثْبَاتِ مُدَّعِي مَنْ قَالَ بِعَدَمِ حُرْمَةِ التَّخَتُّمِ بِهِ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ حَجَرًا، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِي فَتَاوَاهُ: ظَاهِرُ لَفْظِ الْكِتَابِ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ التَّخَتُّمِ بِالْحَجَرِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَشْبُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَهَبٍ وَلَا حَدِيدٍ وَلَا صُفْرٍ، بَلْ هُوَ حَجَرٌ، وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ»، انْتَهَى كَلَامُهُ (قَوْلُهُ وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ حَرَامٌ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا بِالْخَاتَمِ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا فَصَّلَهُ مِنْ دَلَائِلِهِ انْتَهَى.
[ ١٠ / ٢٢ ]
حَجَرٍ وَيَجْعَلَ الْفَصَّ إلَى بَاطِنِ كَفِّهِ بِخِلَافِ النِّسْوَانِ؛ لِأَنَّهُ تَزَيُّنٌ فِي حَقِّهِنَّ، وَإِنَّمَا يَتَخَتَّمُ الْقَاضِي
وَالسُّلْطَانُ لِحَاجَتِهِ
إلَى الْخَتْمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ
. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِمِسْمَارِ الذَّهَبِ يُجْعَلُ فِي حَجَرِ الْفَصِّ) أَيْ فِي ثُقْبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ كَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ فَلَا يُعَدُّ لَابِسًا لَهُ. قَالَ (وَلَا تُشَدُّ الْأَسْنَانُ بِالذَّهَبِ وَتُشَدُّ بِالْفِضَّةِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِالذَّهَبِ أَيْضًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلَ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا. لَهُمَا «أَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ الْكِنَانِيَّ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ. فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵊ بِأَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ
لِلضَّرُورَةِ
، وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالْفِضَّةِ وَهِيَ الْأَدْنَى فَبَقِيَ الذَّهَبُ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَالضَّرُورَةُ فِيمَا رُوِيَ لَمْ تَنْدَفِعْ فِي الْأَنْفِ دُونَهُ حَيْثُ أَنْتَنَ. قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الذُّكُورُ مِنْ الصِّبْيَانِ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ)؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمَّا ثَبَتَ فِي حَقِّ الذُّكُورِ وَحَرُمَ اللُّبْسُ حَرُمَ الْإِلْبَاسُ كَالْخَمْرِ لَمَّا حَرُمَ شُرْبُهَا حَرُمَ سَقْيُهَا. قَالَ (وَتُكْرَهُ الْخِرْقَةُ الَّتِي تُحْمَلُ فَيُمْسَحُ بِهَا الْعَرَقُ)؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ وَتَكَبُّرٍ (وَكَذَا الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا الْوُضُوءَ أَوْ يُمْتَخَطُ بِهَا) وَقِيلَ إذَا كَانَ عَنْ حَاجَةٍ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ عَنْ تَكَبُّرٍ وَتَجَبُّرٍ وَصَارَ كَالتَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْبِطَ الرَّجُلُ فِي أُصْبُعِهِ أَوْ خَاتَمِهِ الْخَيْطَ لِلْحَاجَةِ) وَيُسَمَّى ذَلِكَ الرَّتَمُ وَالرَّتِيمَةُ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ. قَالَ قَائِلُهُمْ: لَا يَنْفَعَنَّكَ الْيَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهِمْ كَثْرَةُ مَا تُوصِي وَتَعْقَادُ الرَّتَمِ
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا بِالْخَاتَمِ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّحَلِّيَ بِالْخَاتَمِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ التَّحَلِّيَ بِالذَّهَبِ وَلَا بِالْفِضَّةِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ بِلَا رَيْبٍ، وَمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا حُرْمَةُ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا تَصْرِيحًا بِمَا عَلِمَ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا بِالْخَاتَمِ.
وَالتَّخَالُفُ بَيْنَ نَفْيِ جَوَازِ الشَّيْءِ وَإِثْبَاتِهِ ضَرُورِيٌّ. وَلَوْ قَالَ هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْفِضَّةِ فِي قَوْلِهِ إلَّا بِالْخَاتَمِ وَالْمِنْطَقَةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ مِنْ الْفِضَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الرِّوَايَاتِ بِالِاتِّفَاقِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ تَأَمَّلْ.
[ ١٠ / ٢٣ ]
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبَثٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ عَنْدَ النِّسْيَانِ.
فَصْلٌ فِي الْوَطْءِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ، وَالْمُرَادُ مَوْضِعُهُمَا وَهُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفُّ، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّينَةِ الْمَذْكُورَةِ مَوْضِعُهَا، وَلِأَنَّ فِي إبْدَاءِ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ ضَرُورَةً لِحَاجَتِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ مَعَ الرِّجَالِ أَخْذًا وَإِعْطَاءً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى قَدِمَهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ
(فَصْلٌ فِي الْوَطْءِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ)
لَا يَذْهَبُ عَلَى النَّاظِرِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْوَطْءِ إنَّمَا هِيَ مَسْأَلَةُ جَوَازِ الْعَزْلِ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَعَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا، وَأَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ مَعَ كَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا بَيَانَ مَحَلِّ جَوَازِ الْعَزْلِ وَغَيْرِ مَحَلِّهِ لَا بَيَانَ حَالِ الْوَطْءِ نَفْسِهِ، قَدْ ذُكِرَتْ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذِكْرَ الْوَطْءِ فِي عِنْوَانِ الْفَصْلِ أَيْضًا فَيُقَالُ: فَصْلٌ فِي النَّظَرِ وَاللَّمْسِ وَالْوَطْءِ عَلَى تَرْتِيبِ ذِكْرِ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ كَمَا وَقَعَ فِي الْكَافِي.
وَالْأَنْسَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُبَدِّلَ الْوَطْءَ بِالْعَزْلِ فِي التَّعْبِيرِ بَعْدَ التَّأْخِيرِ لِيَحْصُلَ تَمَامُ الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ عِنْوَانِ الْفَصْلِ وَمَسَائِلِهِ. ثُمَّ إنَّ مَسَائِلَ النَّظَرِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى الْمَرْأَةِ، وَنَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ، وَنَظَرُ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ، وَنَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ: وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَيْضًا: نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ الْحُرَّةِ، وَنَظَرِهِ إلَى مَنْ يَحِلُّ لَهُ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَنَظَرِهِ إلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، وَنَظَرِهِ إلَى أَمَةِ الْغَيْرِ.
فَبَدَأَ فِي الْكِتَابِ بِأَوَّلِ الْأَقْسَامِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَا ظَهَرَ مِنْهَا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ، وَالْمُرَادُ مَوْضِعُهُمَا وَهُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفُّ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَقْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ الِاسْتِدْلَال عَلَى جَوَازِ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا
[ ١٠ / ٢٤ ]
يُبَاحُ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ الضَّرُورَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى ذِرَاعِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْدُو مِنْهَا عَادَةً قَالَ (فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ الشَّهْوَةَ لَا يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهَا إلَّا لِحَاجَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ نَظَرَ إلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ شَهْوَةٍ صُبَّ فِي عَيْنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَإِذَا خَافَ الشَّهْوَةَ لَمْ يَنْظُرْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ تَحَرُّزًا عَنْ الْمُحَرَّمِ. وَقَوْلُهُ لَا يَأْمَنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إذَا شَكَّ فِي الِاشْتِهَاءِ كَمَا إذَا عَلِمَ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ ذَلِكَ
(وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَمَسَّ وَجْهَهَا وَلَا كَفَّيْهَا وَإِنْ كَانَ يَأْمَنُ الشَّهْوَةَ) لِقِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى، بِخِلَافِ النَّظَرِ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى. وَالْمُحَرَّمُ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهَذَا إذَا كَانَتْ شَابَّةً تُشْتَهَى، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى فَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَتِهَا وَمَسِّ يَدِهَا لِانْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ يُدْخِلُ بَعْضَ الْقَبَائِلِ الَّتِي كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِيهِمْ وَكَانَ يُصَافِحُ الْعَجَائِزَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ اسْتَأْجَرَ عَجُوزًا لِتُمَرِّضَهُ، وَكَانَتْ تَغْمِزُ رِجْلَيْهِ
بِقَوْلِهِمَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فَإِنَّ فِي تَفْسِيرِهِ أَقْوَالًا مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْهَا سِوَى قَوْلِهِمَا، لَكِنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِمَا عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاضِحٍ أَيْضًا، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَوْضِعَ الْكُحْلِ هُوَ الْعَيْنُ لَا الْوَجْهُ كُلُّهُ، وَكَذَا مَوْضِعُ الْخَاتَمِ هُوَ الْأُصْبُعُ لَا الْكَفُّ كُلُّهُ، وَالْمُدَّعَى جَوَازُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ كُلِّهِ وَإِلَى كَفَّيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْأَوْلَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْمَصِيرُ إلَى مَا جَاءَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الرُّخْصَةِ فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا: مِنْهَا مَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إلَى وَجْهِهَا وَلَمْ يَرَ فِيهَا رَغْبَةً». وَمِنْهَا مَا رُوِيَ «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: يَا أَسْمَاءُ إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ» وَمِنْهَا مَا رُوِيَ " أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ لَمَّا نَاوَلَتْ أَحَدَ ابْنَيْهَا بِلَالًا أَوْ أَنَسًا قَالَ: رَأَيْت كَفَّهَا كَأَنَّهَا فَلْقَةُ قَمَرٍ ": أَيْ قِطْعَتُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ وَكَفِّهَا
(الْمَرْأَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ) (قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ شَابَّةً تُشْتَهَى، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى فَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَتِهَا وَمَسِّ يَدِهَا لِانْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يُرِيدُ أَنَّ حُرْمَةَ مَسِّ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ تَخْتَصُّ بِمَا إذَا كَانَتْ شَابَّةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى فَلَا بَأْسَ بِمَسِّهِمَا انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَرْحٍ صَحِيحٍ، إذْ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ عَدَمُ الْبَأْسِ بِمَسِّ وَجْهِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ هُنَا وَفِي سَائِرِ الْكُتُبِ عَدَمُ الْبَأْسِ بِمَسِّ كَفِّهَا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَافِحُ الْعَجَائِزَ فِي الْبَيْعَةِ وَلَا يُصَافِحُ الشَّوَابَّ» كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. نَعَمْ ظَاهِرُ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ لِانْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ لَا يَأْبَى عَنْ التَّعْمِيمِ، لَكِنْ لَا مَجَالَ لِاخْتِرَاعِ مَسْأَلَةٍ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بِدُونِ أَنْ تُذْكَرَ فِي الْكُتُبِ نَقْلًا عَنْ الْأَئِمَّةِ أَوْ الْمَشَايِخِ. ثُمَّ إنَّ تَاجَ الشَّرِيعَةِ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِهِ لِانْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَأَجَابَ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قُلْت: الْمُرَادُ امْرَأَةٌ تَدْعُو النَّفْسُ إلَى مَسِّهَا، أَمَّا إذَا تَهَرَّبَتْ الْعَيْنُ مِنْ رُؤْيَتِهَا وَانْزَوَى الْخَاطِرُ مِنْ لِقَائِهَا فَلَا، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ. أَقُولُ: يُرَدُّ الِاعْتِرَاضُ الْمَذْكُورُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ، وَكَذَا إذَا كَانَ شَيْخًا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا لِمَا قُلْنَا. فَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَا قُلْنَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِانْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَلَا يَتَمَشَّى الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ
[ ١٠ / ٢٥ ]
وَتُفَلِّي رَأْسَهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ شَيْخًا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهَا لَا تَحِلُّ مُصَافَحَتُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْفِتْنَةِ. وَالصَّغِيرَةُ إذَا كَانَتْ لَا تُشْتَهَى يُبَاحُ مَسُّهَا وَالنَّظَرُ إلَيْهَا لِعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا وَلِلشَّاهِدِ إذَا أَرَادَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَإِنْ خَافَ أَنْ يَشْتَهِيَ) لِلْحَاجَةِ إلَى إحْيَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ بِوَاسِطَةِ الْقَضَاءِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ بِهِ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ أَوْ الْحُكْمَ عَلَيْهَا لَا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ تَحَرُّزًا عَمَّا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَهُوَ قَصْدُ الْقَبِيحِ. وَأَمَّا النَّظَرُ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ إذَا اشْتَهَى قِيلَ يُبَاحُ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مَنْ لَا يَشْتَهِي فَلَا ضَرُورَةَ، بِخِلَافِ حَالَةِ الْأَدَاءِ.
(وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَشْتَهِيهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهِ «أَبْصِرْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ السُّنَّةِ لَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ.
(وَيَجُوزُ لِلطَّبِيبِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَوْضِعِ الْمَرَضِ مِنْهَا) لِلضَّرُورَةِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَ امْرَأَةً مُدَاوَاتَهَا) لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَسْهَلُ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا يَسْتُرُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا سِوَى مَوْضِعِ الْمَرَضِ) ثُمَّ يَنْظُرُ وَيَغُضُّ بَصَرَهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَصَارَ كَنَظَرِ الْخَافِضَةِ وَالْخَتَّانِ.
(وَكَذَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ الِاحْتِقَانِ مِنْ الرَّجُلِ)
إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا كَانَتْ شَابَّةً تُشْتَهَى، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَطْفُهَا عَلَى قَوْلِهِ إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّابَّةَ الْمُشْتَهَاةَ مِمَّنْ تَدْعُو النَّفْسُ إلَى مَسِّهَا فَكَانَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ النَّصِّ الْمَذْكُورِ فَلَا مَحَالَةَ يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِمَا قُلْنَا تَعْلِيلًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. فَإِنْ قُلْت: تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا فَلَا تَتَحَقَّقُ دَعْوَتُهَا النَّفْسَ إلَى مَسِّهَا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ.
قُلْت: إنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ دَعْوَتُهَا النَّفْسَ إلَى مَسِّهَا بِالْفِعْلِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ فَمِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ هِيَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ لَأَنْ تَدْعُوَ النَّفْسَ إلَى مَسِّهَا لَا الَّتِي تَحَقَّقَتْ فِيهَا دَعْوَتُهَا إلَيْهِ بِالْفِعْلِ.
وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُرْمَةُ مَسِّ الرَّجُلِ الشَّابِّ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ الشَّابَّةَ إذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا تَأَمَّلْ تَقِفْ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا كَانَ شَيْخًا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: اشْتِرَاطُ أَمْنِهِ عَلَيْهَا مَحَلُّ تَأَمُّلٍ لِعَدَمِ كَوْنِ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِ لِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ اهـ. أَقُولُ: يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ أَوْ بِالتَّجْرِبَةِ فِي نَظَائِرِهَا، فَجَازَ اشْتِرَاطُ أَمْنِهِ عَلَيْهَا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهَا لَا تَحِلُّ مُصَافَحَتُهَا) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: تَخْصِيصُ عَدَمِ أَمْنِهِ بِكَوْنِهِ عَلَيْهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ أَيْضًا، فَإِنْ جَعَلْنَا الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهَا لِلنَّفْسِ يَلْزَمُ التَّخْصِيصُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ انْتَهَى.
أَقُولُ: الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهَا لِلْمَرْأَةِ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَيْهَا بِالذِّكْرِ ظَاهِرٌ وَهُوَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِحُكْمِ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَى نَفْسِهِ دَلَالَةً مِنْ بَيَانِ حُكْمِ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَيْهَا عِبَارَةً، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ تَحِلَّ مُصَافَحَتُهَا عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الْغَيْرِ لِلْفِتْنَةِ فَلَأَنْ لَا تَحِلَّ مُصَافَحَتُهَا عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلْفِتْنَةِ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا، وَلِلشَّاهِدِ إذَا أَرَادَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَشْتَهِيَ لِلْحَاجَةِ إلَى إحْيَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ بِوَاسِطَةِ الْقَضَاءِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَقَدْ يُنَوَّرُ ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ عِنْدَ
[ ١٠ / ٢٦ ]
لِأَنَّهُ مُدَاوَاةٌ وَيَجُوزُ لِلْمَرَضِ وَكَذَا لِلْهُزَالِ الْفَاحِشِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَمَارَةُ الْمَرَضِ. قَالَ (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ» وَيُرْوَى «مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ رُكْبَتَيْهِ» وَبِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ أَبُو عِصْمَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ، وَمَا دُونَ السُّرَّةِ إلَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْكَمَارِيُّ
الزِّنَا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: خَطَرَ بِبَالِي هَاهُنَا إشْكَالٌ. وَهُوَ أَنَّ شُهُودَ الزِّنَا كَمَا صَرَّحُوا فِي الْكُتُبِ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ: إقَامَةِ الْحَدِّ، وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الْهَتْكِ، وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَّذِي شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ: «لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك لَكَانَ خَيْرًا لَك» وَلَيْسَ فِي الْحُدُودِ حُقُوقُ النَّاسِ إلَّا فِي السَّرِقَةِ، وَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمَالِ فَيَقُولُ أَخَذَ إحْيَاءً لِحَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَلَا يَقُولُ سَرَقَ مُحَافَظَةً عَلَى السَّتْرِ، فَلَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّنْوِيرِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا لِانْعِدَامِ الْحَاجَةِ وَانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا.
ثُمَّ دَفَعْته بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ أَنَّ هَذَا: يَعْنِي كَوْنَ السَّتْرِ أَفْضَلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدَّ الزِّنَا وَلَمْ يَهْتِكْ بِهِ، وَأَمَّا إذَا وَصَلَ الْحَالُ إلَى إشَاعَتِهِ وَالتَّهَتُّكِ بِهِ بَلْ بَعْضُهُمْ رُبَّمَا افْتَخَرَ بِهِ فَيَجِبُ كَوْنُ الشَّهَادَةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا؛ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الشَّارِعِ إخْلَاءُ الْأَرْضِ مِنْ الْفَوَاحِشِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّوْبَةِ وَبِالزَّجْرِ. فَإِذَا ظَهَرَ الشَّرَهُ فِي الزِّنَا مَثَلًا وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِهِ بِإِشَاعَتِهِ. فَإِخْلَاءُ الْأَرْضِ بِالتَّوْبَةِ احْتِمَالٌ يُقَابِلُهُ ظُهُورُ عَدَمِهَا. فَيَجِبُ تَحْقِيقُ السَّبَبِ الْآخَرِ لِلْإِخْلَاءِ وَهُوَ الْحَدُّ بِخِلَافِ مَنْ زَلَّ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا مُتَسَتِّرًا مُتَخَوِّفًا مُتَنَدِّمًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ سَتْرِ الشَّاهِدِ انْتَهَى. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِ ذَلِكَ الْقَائِلِ إلَّا فِي مَادَّةٍ جُزْئِيَّةٍ، وَهِيَ مَا إذَا وَصَلَ الْحَالُ إلَى إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ وَالتَّهَتُّكِ بِهَا لَا فِيمَا سِوَاهَا، فَإِنَّ السَّتْرَ فِيهِ أَفْضَلُ بِلَا شُبْهَةٍ. مَعَ أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ عِنْدَ الزِّنَا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مُبَاحٌ هُنَاكَ أَيْضًا فَكَفَى بِذَلِكَ إشْكَالًا. فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُهُ ثُمَّ دَفَعْته بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ.
ثُمَّ أَقُولُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ بِالْكُلِّيَّةِ: إنَّ الْحَاجَةَ إلَى النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ عِنْدَ الزِّنَا وَالضَّرُورَةِ مُتَحَقَّقَانِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا مُطْلَقًا فِي تَحْصِيلِ إحْدَى الْحِسْبَتَيْنِ وَهِيَ إقَامَةُ الْحَدِّ بِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا، إذْ لَا يَتَيَسَّرُ إقَامَةُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِدُونِ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ عِنْدَ الزِّنَا، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلَا الضَّرُورَةُ فِي تَحْصِيلِ الْحِسْبَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّهَتُّكِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَالَ الْحِسْبَةَ الْأُولَى يَحْتَاجُ وَيَضْطَرُّ إلَى النَّظَرِ إلَيْهَا فَيُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا إذْ ذَاكَ، إذْ يَكْفِي فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَالضَّرُورَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَحْصِيلِ خُصُوصِ الْحِسْبَةِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ إبَاحَتُهُ عَلَى الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالضَّرُورَةِ الْمُطْلَقَتَيْنِ: أَيْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ فَوْقَ تِلْكَ الْحِسْبَةِ حِسْبَةٌ أُخْرَى أَفْضَلُ مِنْهَا؛ أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَا بَأْسَ لَهُ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَشْتَهِيهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ السُّنَّةِ لَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النَّظَرِ إلَيْهَا وَالضَّرُورَةَ إنَّمَا يَتَحَقَّقَانِ فِي إقَامَةِ تِلْكَ السُّنَّةِ لَا مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ تَرْكِ تَزَوُّجِهَا الدَّاعِي إلَى النَّظَرِ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَ فَوْقَ تِلْكَ السُّنَّةِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ بَلْ مِنْ بَعْضِ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ فَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ الْإِشْكَالُ بِحَذَافِيرِهِ.
(قَوْلُهُ وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَصْلِ التَّقْسِيمِ. أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْهُ كَمَا لَا يُشْتَبَهُ عَلَى مَنْ نَظَرَ إلَى تَقْسِيمِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْفَصْلِ (قَوْلُهُ وَبِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ أَبُو عِصْمَةَ وَالشَّافِعِيُّ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَأَبُو عِصْمَةَ هُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَرْوَزِيِّ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّ السُّرَّةَ
[ ١٠ / ٢٧ ]
مُعْتَمِدًا فِيهِ الْعَادَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا مَعَ النَّصِّ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «الرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ» وَأَبْدَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵁ سُرَّتَهُ فَقَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁
أَحَدُ حَدَّيْ الْعَوْرَةِ فَتَكُونُ مِنْ الْعَوْرَةِ كَالرُّكْبَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ وَالشَّافِعِيُّ بِالْعَطْفِ عَلَى أَبِي عِصْمَةَ فِي إثْبَاتِ أَنَّ السُّرَّةَ عَوْرَةٌ عِنْدَهُمَا كَأَنَّهُ وَقَعَ سَهْوًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعْلِيلِ أَبِي عِصْمَةَ فِي إثْبَاتِ أَنَّ السُّرَّةَ عَوْرَةٌ بِقَوْلِهِ إنَّهَا أَحَدُ حَدَّيْ الْعَوْرَةِ فَتَكُونُ عَوْرَةً كَالرُّكْبَةِ، فَإِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ لِمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الرُّكْبَةَ عَوْرَةٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَقُولُ بِكَوْنِ الرُّكْبَةِ عَوْرَةً. وَالثَّانِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَّلَ فِي إثْبَاتِ أَنَّ الرُّكْبَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ بِقَوْلِهِ إنَّهَا حَدٌّ لِلْعَوْرَةِ فَلَا تَكُونُ مِنْ الْعَوْرَةِ كَالسُّرَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ اهـ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ عَطْفُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَبِي عِصْمَةَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ، وَهَذَا سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُعَلِّلْ بِهَذَا التَّعْلِيلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَذْهَبَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُمَا وَاحِدًا وَالْمَأْخَذُ مُتَعَدِّدًا، فَالْمَذْكُورُ يَكُونُ تَعْلِيلًا لِأَبِي عِصْمَةَ، وَتَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ السُّرَّةَ مَحَلُّ الِاشْتِهَاءِ انْتَهَى.
أَقُولُ: قَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْعَطْفِ الْمَزْبُورِ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَحَدَ ذَيْنِكَ الْوَجْهَيْنِ وَأَجَابَ عَنْهُ كَمَا تَرَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَجْهِ الْآخَرِ أَصْلًا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِالْجَوَابِ عَنْهُ فَبَقِيَ الْإِشْكَالُ فِي الْعَطْفِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِهِ. فَأَقُولُ: فِي الْجَوَابِ الْقَاطِعِ لِعِرْقِ الْإِشْكَالِ: إنَّ فِي السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ: إحْدَاهَا أَنَّ السُّرَّةَ عَوْرَةٌ وَالرُّكْبَةَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ كَمَا هُوَ مَدْلُولُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَيْضًا. وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ كَمَا ذُكِرَ فِي وَجِيزِ الشَّافِعِيَّةِ. وَالثَّالِثَةُ أَنَّهُمَا عَوْرَةٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْغَايَةِ هَاتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَقَالَ: لِلْأُولَى مِنْهُمَا. وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ. وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ هَذَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ فِي إثْبَاتِ أَنَّ الرُّكْبَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ بِقَوْلِهِ إنَّهَا حَدٌّ لِلْعَوْرَةِ فَلَا تَكُونُ مِنْ الْعَوْرَةِ كَالسُّرَّةِ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي اشْتِرَاكَهُ مَعَ أَبِي عِصْمَةَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ الْوَاقِعِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ عَنْهُ، بَلْ لَا يُنَافِي أَيْضًا اشْتِرَاكَهُ مَعَهُ فِي تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ إنَّهَا أَحَدُ حَدَّيْ الْعَوْرَةِ فَتَكُونُ عَوْرَةً كَالرُّكْبَةِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ فَلَا مَحْذُورَ فِي الْعَطْفِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا تَأَمَّلْ تَقِفْ.
(قَوْلُهُ وَأَبْدَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ سُرَّتَهُ فَقَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي عِصْمَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْت أَمْشِي مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: اكْشِفْ لِي عَنْ بَطْنِك جُعِلْت فِدَاءَك حَتَّى أُقَبِّلَ حَيْثُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُهُ، قَالَ: فَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ فَقَبَّلَ سُرَّتَهُ. وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ لَمَا كَشَفَهَا. قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ بَيَانِ هَذَا الْمَحَلِّ بِهَذَا الْمِنْوَالِ: وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ خِلَافُ هَذَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَقِيَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵃ فَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ ثَوْبَك حَتَّى أُقَبِّلَ حَيْثُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ، فَرَفَعَ عَنْ
[ ١٠ / ٢٨ ]
وَقَالَ لِجَرْهَدٍ: «وَارِ فَخِذَك، أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ؟» وَلِأَنَّ الرُّكْبَةَ مُلْتَقَى عَظْمِ الْفَخِذِ وَالسَّاقِ فَاجْتَمَعَ الْمُحَرَّمُ وَالْمُبِيحُ وَفِي مِثْلِهِ يَغْلِبُ الْمُحَرَّمُ، وَحُكْمُ الْعَوْرَةِ فِي الرُّكْبَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْفَخِذِ، وَفِي الْفَخِذِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي السَّوْأَةِ، حَتَّى أَنَّ كَاشِفَ الرُّكْبَةِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ وَكَاشِفَ الْفَخِذِ يُعَنَّفُ عَلَيْهِ وَكَاشِفَ السَّوْءَةِ يُؤَدَّبُ إنْ لَجَّ
(وَمَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ لِلرَّجُلِ مِنْ الرَّجُلِ يُبَاحُ الْمَسُّ) لِأَنَّهُمَا فِيمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ سَوَاءٌ. قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ إلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَيْهِ مِنْهُ إذَا أَمِنَتْ الشَّهْوَةَ) لِاسْتِوَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي النَّظَرِ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ. وَفِي كِتَابِ الْخُنْثَى مِنْ الْأَصْلِ: أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ بِمَنْزِلَةِ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى مَحَارِمِهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ أَغْلَظُ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِهَا شَهْوَةٌ أَوْ أَكْبَرُ رَأْيِهَا أَنَّهَا تَشْتَهِي أَوْ شَكَّتْ فِي ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا، وَلَوْ كَانَ النَّاظِرُ هُوَ الرَّجُلُ إلَيْهَا وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَنْظُرْ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الشَّهْوَةَ عَلَيْهِنَّ غَالِبَةٌ وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ اعْتِبَارًا، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ كَانَتْ الشَّهْوَةُ مَوْجُودَةً فِي الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِكَ إذَا اشْتَهَتْ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي جَانِبِهِ حَقِيقَةً وَاعْتِبَارًا فَكَانَتْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَالْمُتَحَقِّقُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْمُحَرَّمِ أَقْوَى مِنْ الْمُتَحَقِّقِ فِي جَانِبٍ
بَطْنِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى سُرَّتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَمَا نَقَلَ مَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ: قُلْت لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَسِّ وَالتَّقْبِيلِ. وَلَوْ سَلَّمَ فَذَلِكَ لَا يَضُرُّنَا بَلْ يُثْبِتُ مُدَّعَانَا بِالْأَوْلَوِيَّةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: كَأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ خَبْطٌ فِي اسْتِخْرَاجِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ حَيْثُ حَسِبَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى سُرَّتِهِ وَوَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدَهُ عَلَى سُرَّةِ الْحَسَنِ فَبَنَى عَلَيْهِ عَدَمَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَسِّ وَالتَّقْبِيلِ: يَعْنِي أَنَّ وَضْعَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدَهُ عَلَى سُرَّةِ الْحَسَنِ مَسٌّ لَهَا، وَهُوَ لَا يُنَافِي تَقْبِيلَهُ إيَّاهَا فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ أَيْضًا كَلَامَهُ التَّسْلِيمِيِّ: يَعْنِي لَوْ سَلَّمَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا فَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ لَا يَضُرُّنَا، بَلْ يُثْبِتُ مُدَّعَانَا هَاهُنَا وَهُوَ أَنْ لَا تَكُونَ السُّرَّةُ مِنْ الْعَوْرَةِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ، فَإِنَّ عَدَمَ جَوَازِ مَسِّ الْعَوْرَةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ عَدَمِ جَوَازِ تَقْبِيلِهَا، فَإِذَا وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدَهُ عَلَى سُرَّةِ الْحَسَنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْحَسَنُ ثَبَتَ أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى سُرَّتِهِ وَضَعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَدَهُ عَلَى سُرَّةِ نَفْسِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ: وَوَضَعَ يَدَهُ، بِالْوَاوِ دُونَ فَوَضَعَ يَدَهُ بِالْفَاءِ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَقَبَّلَ سُرَّتَهُ، وَالْأُسْلُوبُ الْمُقَرَّرُ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ الِاثْنَيْنِ إدْخَالُ الْفَاءِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ إلَى حِكَايَةِ قَوْلِ الْآخَرِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِ الْعَاطِفِ وَالسُّلُوكُ مَسْلَكُ الِاسْتِئْنَافِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ وَإِذْ قَدْ كَانَ مَعْنَى رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَوَضَعَ الْحَسَنُ يَدَهُ عَلَى سُرَّتِهِ كَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةً لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى لِعَدَمِ تَيَسُّرِ تَقْبِيلِ سُرَّةِ الْحَسَنِ عِنْدَ وَضْعِهِ يَدَهُ عَلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ إنْ كَانَ مَقْصُودُ الْحَسَنِ ﵁ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى سُرَّتِهِ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ التَّحَرُّزَ عَنْ انْكِشَافِ نَفْسِ السُّرَّةِ عِنْدَ رَفْعِ ثَوْبِهِ عَنْ بَطْنِهِ يُشْعِرُ فِعْلُهُ الْمَذْكُورُ بِكَوْنِ السُّرَّةِ مِنْ الْعَوْرَةِ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ مِنْهُ التَّحَرُّزَ عَنْ انْكِشَافِ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ لَا يَدُلُّ فِعْلُهُ الْمَذْكُورُ عَلَى كَوْنِ نَفْسِ السُّرَّةِ مِنْ الْعَوْرَةِ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ جَزْمٌ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَمَا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الرَّجُلِ يُبَاحُ الْمَسُّ؛ لِأَنَّهُمَا فِيمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ سَوَاءٌ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ
[ ١٠ / ٢٩ ]
وَاحِدٍ.
قَالَ (وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ الرَّجُلِ) لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ، وَانْعِدَامِ الشَّهْوَةِ غَالِبًا كَمَا فِي نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ، وَكَذَا الضَّرُورَةُ قَدْ تَحَقَّقَتْ إلَى الِانْكِشَافِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى مَحَارِمِهِ، بِخِلَافِ نَظَرِهَا إلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ
مَرَّ أَنَّ وَجْهَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ حَيْثُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِمَا إذَا أَمِنَ الشَّهْوَةَ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمَسَّهُمَا وَإِنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ فَلَمْ يَسْتَوِ النَّظَرُ وَالْمَسُّ فِيهَا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ مَا لَمْ يَرِدْ النَّصُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْمَارَّةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا مِنْ حَدِيثِ الِاسْتِوَاءِ مُقْتَضًى الْقِيَاسَ، وَمَا مَرَّ مُوجِبٌ النَّصَّ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ إلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَيْهِ مِنْهُ إذَا أَمِنَ الشَّهْوَةَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ إلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَيْهِ مِنْهُ عَكْسُ هَذَا الْقِسْمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ. إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِسْمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ قُبَيْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَعْنِي قَوْلَهُ وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ فَإِنَّهُ الصَّالِحُ لَأَنْ يُعْنَوْنَ بِمَا نَحْنُ فِيهِ. وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ هُنَا لَيْسَ بِعَكْسِ ذَاكَ. وَإِنَّمَا هَذَا عَكْسُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ فِي صَدْرِ الْفَصْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْقِسْمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْمَذْكُورُ فِي صَدْرِ الْفَصْلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا لَمْ يَسْتَوْفِ بَعْدُ أَقْسَامَ ذَلِكَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَلْ أَدْخَلَ فِي خِلَالِهَا الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ الْأُخَرَ مِنْ أَصْلِ التَّقْسِيمِ كَمَا سَتُحِيطُ بِهِ خَبَرًا لَمْ يَكُنْ فَارِغًا عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ الْقِسْمِ بِالْكُلِّيَّةِ. بَلْ كَانَ فِي عُهْدَتِهِ الْآنَ بَيَانُ مَا بَقِيَ مِنْهُ، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ جَازَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ بِالْقِسْمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَبْعَدًا عِنْدَ مَنْ لَهُ سَلَامَةُ الْفِطْرَةِ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ طَعَنَ فِي تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ نَكَرَ الرَّجُلُ الثَّانِي كَانَ أَوْلَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ إذْ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيَانُ حَالِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا لَا بَيَانُ بَعْضٍ مَنْ أَفْرَادِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَرَّفَ الرَّجُلُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعًا تَعْرِيفَ الْجِنْسِ لَا أَنْ يُنَكَّرَ الثَّانِي وَلَا الْأَوَّلُ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ الرَّجُلِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَصْلِ التَّقْسِيمِ. أَقُولُ: بَلْ هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْهُ كَمَا لَا يُشْتَبَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُولِي النُّهَى، وَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَدْ اُبْتُلِيَ بِمِثْلَيْهِ فِيمَا مَرَّ كَمَا عَرَفْته وَأَصَرَّ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ زَلَّتِهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا بَعْدُ: وَالتَّسَامُحُ فِي رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فَصَدَرَ مِنْ نَفْسِهِ مَا هُوَ أَشَدُّ قُبْحًا مِنْهُ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى مَحَارِمِهِ) يَعْنِي لَا تَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْكَافِي: حَتَّى لَا يُبَاحَ لَهَا النَّظَرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: يَعْنِي لَا تَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَفَخِذِهَا كَمَا سَيَأْتِي انْتَهَى. أَقُولُ: ذِكْرُ الْفَخِذِ هَاهُنَا مُسْتَدْرَكٌ
[ ١٠ / ٣٠ ]
يَحْتَاجُونَ إلَى زِيَادَةِ الِانْكِشَافِ لِلِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ أَمَتِهِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ وَزَوْجَتِهِ إلَى فَرْجِهَا) وَهَذَا إطْلَاقٌ فِي النَّظَرِ إلَى سَائِرِ بَدَنِهَا عَنْ شَهْوَةٍ وَغَيْرِ شَهْوَةٍ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ «غُضَّ بَصَرَك إلَّا عَنْ أَمَتِك وَامْرَأَتِك» وَلِأَنَّ مَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسِّ وَالْغَشَيَانِ مُبَاحٌ فَالنَّظَرُ أَوْلَى، إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَتَجَرَّدَانِ تَجَرُّدَ الْعِيرِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ النِّسْيَانَ لِوُرُودِ الْأَثَرِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَعْنَى اللَّذَّةِ.
قَالَ (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إلَى الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ. وَلَا يَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَفَخِذِهَا).
بَلْ مُخِلٍّ؛ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى فَخِذِ الْمَرْأَةِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَيْهِ مِنْ الرَّجُلِ. وَاَلَّذِي لَا بُدَّ لَهُ هُنَا مِنْهُ بَيَانُ مَا يَمْتَازُ بِهِ الْقَوْلُ الثَّانِي عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ أَنْ لَا تَنْظُرَ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا أَيْضًا، وَذِكْرُ الْفَخِذِ فِي هَذَا. الْأَثْنَاءِ يُوهِمُ جَوَازَ النَّظَرِ إلَيْهِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ «غُضَّ بَصَرَك إلَّا عَنْ أَمَتِك وَامْرَأَتِك») قَالَ فِي الْكَافِي بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكُنْت أَقُولُ بَقِّ لِي بَقِّ لِي. وَهُوَ يَقُولُ بَقِّ لِي بَقِّ لِي» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ النَّظَرُ مُبَاحًا لَمَا تَجَرَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِهِ انْتَهَى.
وَقَصَدَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ تَزْيِيفَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمُدَّعَى هَاهُنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ بِذَلِكَ: قُلْت: لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اغْتِسَالُهُمَا مَعًا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَاقِبَيْنِ وَلَكِنْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَنْظُرُ إلَى فَرْجِ الْآخَرِ. كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرَ مِنِّي وَلَمْ أَرَ مِنْهُ» انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ الْمَنْفِيِّ وَالتَّسْلِيمِيِّ بِصَحِيحٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَهَا ﵂ وَكُنْت أَقُولُ بَقِّ لِي بَقِّ لِي وَهُوَ يَقُولُ لِي بَقِّ لِي يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنْ يَكُونَ اغْتِسَالُهُمَا مَعًا. إذْ لَوْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَمَا صَحَّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا طَلَبُ تَبْقِيَةِ الْمَاءِ مِنْ الْآخَرِ، إذْ الْمُبَاشِرُ أَوَّلًا هُوَ الْمُتَقَدِّمُ فَالتَّبْقِيَةُ وَظِيفَتُهُ لَا وَظِيفَةُ الْآخَرِ، فَلَا مَعْنَى لِطَلَبِهَا مِنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُدَّعَى هَاهُنَا مُجَرَّدُ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ لَا لُزُومُ وُقُوعِهِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَجَرُّدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّجَرُّدَ سَبَبٌ لِرُؤْيَةِ الْعَوْرَةِ عَادَةً، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ النَّظَرُ إلَيْهَا مُبَاحًا لِلزَّوْجِ لَمَا وَقَعَ التَّجَرُّدُ مِنْهُمَا لِلْقَطْعِ بِتَحَرُّزِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مَظَانِّ الْحُرْمَةِ.
ثُمَّ إنَّ مُجَرَّدَ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى فَرْجِ الزَّوْجِ لَا يُنَافِي عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنْهُمَا تَأَدُّبًا عَلَى مُقْتَضَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. فَلَا تَدَافُعَ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إلَى الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ. وَلَا يَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَفَخِذِهَا) أَقُولُ: كَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْفَخِذَ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ لَمَّا
[ ١٠ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ عَدَمُ جَوَازِ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ مُطْلَقًا: أَيْ وَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ إلَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ عُلِمَ عَدَمُ جَوَازِ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إلَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا بِالْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ أَغْلَظُ، وَعَنْ هَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِذَكَرِ شَيْءٍ مِمَّا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى بَطْنِهَا وَلَا إلَى ظَهْرِهَا وَلَا إلَى جَنْبِهَا، وَلَا يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَظَهَرَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ ذِكْرَ الْجَنْبِ أَحَقُّ مِنْ ذِكْرِ الْفَخِذِ هَاهُنَا. فَإِنْ قُلْت: الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الْفَخِذِ فِي الْكِتَابِ بَيَانُ الْوَاقِعِ وَالتَّصْرِيحُ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا مِمَّا تَقَدَّمَ. قُلْت: فَحِينَئِذٍ كَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يُقَالَ: بَدَلُ وَفَخِذِهَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَإِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْهَا وَمَسُّهَا انْتَهَى، فَإِنَّ فِيهِ عُمُومَ الْإِفَادَةِ. فَإِنْ قُلْت: الْمَقْصُودُ بِالِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ الْفَخِذِ هُوَ السُّلُوكُ مَسْلَكَ الدَّلَالَةِ فِي إفَادَةِ حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَى مَا عَدَاهُ أَيْضًا مِمَّا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ. قُلْت: فَحِينَئِذٍ كَانَ الْأَحَقُّ الِاكْتِفَاءَ بِذِكْرِ الرُّكْبَةِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْعَوْرَةِ فِي الرُّكْبَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْفَخِذِ، وَفِي الْفَخِذِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي السَّوْءَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ، فَبِذِكْرِ الْفَخِذِ لَا يُعْلَمُ حُكْمُ الرُّكْبَةِ دَلَالَةً لِكَوْنِهَا أَخَفَّ مِنْهُ فِي حُرْمَةِ النَّظَرِ. وَأَمَّا بِذِكْرِ الرُّكْبَةِ فَيُعْلَمُ حُكْمُ الْفَخِذِ والسَّوْءَةِ أَيْضًا دَلَالَةً بِالْأَوْلَوِيَّةِ لِكَوْنِهِمَا أَقْوَى مِنْهَا فِي حُرْمَةِ النَّظَرِ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَصَدَ حِلَّ بَعْضِ عِبَارَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ ذَوَاتُ الرَّحِمِ الْمَحَارِمِ عَلَى أَنَّ الْمَحَارِمَ صِفَةُ الذَّوَاتِ، وَقَدْ يُحْذَفُ الرَّحِمُ فَيُقَالُ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ بِطَرِيقِ الْمُسَامَحَةِ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ شُمُولُ الْمَسْأَلَةِ لِلْمَحْرَمِ بِسَبَبٍ كَمَا سَيَجِيءُ، وَجَعْلُ الْمَحْرَمَ هَاهُنَا مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ لَا يُلَائِمُهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا سَيَجِيءُ فَتَأَمَّلْ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصْلُ التَّرْكِيبِ الْمَذْكُورِ ذَوَاتَ الرَّحِمِ الْمَحَارِمِ عَلَى أَنَّ الْمَحَارِمَ صِفَةُ الذَّوَاتِ فَحُذِفَ الرَّحِمُ وَأُضِيفَتْ الذَّوَاتُ إلَى الْمَحَارِمِ بِطَرِيقِ الْمُسَامَحَةِ كَانَ مَدْلُولُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخْتَصًّا بِالْمَحْرَمِ بِنَسَبٍ، إذْ الرَّحِمُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ النَّسَبِ فَلَا مَجَالَ؛ لَأَنْ تَكُونَ النُّكْتَةُ فِي حَذْفِ الرَّحِمِ وَإِضَافَةِ الذَّوَاتِ إلَى الْمَحَارِمِ شُمُولَ الْمَسْأَلَةِ لِلْمَحْرَمِ بِسَبَبٍ؛ لِأَنَّ النُّكْتَةَ فِي الْعِبَارَةِ لَا تَصْلُحُ أَنَّ تُغَيِّرَ الْمَعْنَى بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى تَنْقُلَهُ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ. وَبِالْجُمْلَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى التَّرْكِيبِ الْمَذْكُورِ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحَارِمِ، وَبَيْنَ أَنْ تَشْمَلَ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ الْمَحْرَمَ بِسَبَبِ تَنَافٍ لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَجَعْلُ الْمَحْرَمِ هَاهُنَا مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ لَا يُلَائِمُهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا سَيَجِيءُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ قَوْلِهِ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَمِنْ قَوْلِهِ لَا يُلَائِمُهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا سَيَجِيءُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَالْمَحْرَمُ الْحَرَامُ وَالْحُرْمَةُ أَيْضًا. وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: النِّسَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ. نَوْعٌ مِنْهُنَّ الْمَنْكُوحَاتُ، وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ الْمَمْلُوكَاتُ، وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الْمَحْرَمِ بِلَا رَحِمٍ وَهُنَّ الْمَحَارِمُ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ، وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ مَمْلُوكَاتُ الْأَغْيَارِ، وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ مَنْ لَا رَحِمَ لَهُنَّ وَلَا مَحْرَمَ وَهُنَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ الْحَرَائِرُ، وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الرَّحِمِ بِلَا مَحْرَمٍ كَبِنْتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ الْمَحْرَمَ الْمَذْكُورَ ثَمَّةَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ إنَّمَا يَصْلُحُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْحَرَامِ مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ ذَوَاتَ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَالْبَاقِي مِنْهُ بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ لَا غَيْرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ذَوَاتَ الْمَحْرَمِ بِلَا رَحِمٍ، وَقَوْلِهِ مَنْ لَا رَحِمَ لَهُنَّ وَلَا مَحْرَمَ، وَقَوْلِهِ ذَوَاتُ الرَّحِمِ بِلَا مَحْرَمٍ يَظْهَرُ كُلُّ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ وَالذَّوْقِ الصَّحِيحِ.
وَقَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ الْبَالِغَةِ وَكُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ كَالْجَدَّاتِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ إلَى شَعْرِهَا وَرَأْسِهَا وَصَدْرِهَا وَبَدَنِهَا وَعُنُقِهَا وَعَضُدِهَا وَسَاقِهَا، وَلَا يَنْظُرْ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَلَا إلَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا إلَى أَنْ تُجَاوِزَ الرُّكْبَةَ، وَكَذَا إلَى كُلِّ ذَاتِ مَحْرَمٍ بِرَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ كَزَوْجَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا وَزَوْجَةِ الِابْنِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَابْنَةِ الْمَرْأَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ انْتَهَى.
[ ١٠ / ٣٢ ]
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَوَاضِعُ الزِّينَةِ وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ السَّاعِدُ وَالْأُذُنُ وَالْعُنُقُ وَالْقَدَمُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الزِّينَةِ، بِخِلَافِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَوَاضِعِ الزِّينَةِ، وَلِأَنَّ الْبَعْضَ يَدْخُلُ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَاحْتِشَامٍ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا عَادَةً، فَلَوْ حَرُمَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ، وَكَذَا الرَّغْبَةُ
وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَيْضًا أَنَّ الْمَحْرَمَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ وَكَذَا إلَى كُلِّ ذَاتِ مَحْرَمٍ بِرَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ دُونَ الْحَرَامِ، إذْ لَا مَعْنَى لَأَنْ يُقَالَ: كُلُّ ذَاتِ حَرَامٍ: أَيْ صَاحِبَةِ حَرَامٍ؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ هِيَ صَاحِبَةُ الْحُرْمَةِ نَفْسِهَا فَلَا مَعْنَى لِإِضَافَةِ الذَّاتِ إلَيْهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يُلَائِمُهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا سَيَجِيءُ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِمَا سَيَجِيءُ تَفْسِيرَ الْمَحْرَمِ الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ الْمَحَارِمِ فِي قَوْلِهِ وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ تَفْسِيرَ الْمَحْرَمِ بِمَعْنَى الْحَرَامِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَجْمُوعِ قَوْلِهِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ لَا مِنْ قَوْلِهِ مَحَارِمِهِ فَقَطْ فَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ الْمُلَاءَمَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هُوَ الثَّانِي. وَيُعَضِّدُهُ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ فَنَقُولُ: يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ زِينَتِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَذَوَاتُ الْمَحَارِمِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنَّ بِالنَّسَبِ نَحْوَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْجَدَّاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَبَنَاتِ الْأُخْتِ، أَوْ بِالسَّبَبِ كَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ انْتَهَى.
فَإِنَّهُ فَسَّرَ ذَوَاتَ الْمَحَارِمِ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ الْمَحْرَمَ نَفْسَهُ. ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ فِي مَعْنَى التَّرْكِيبِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ ذَوَاتُ مَحَارِمِهِ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنَّ بِالنَّسَبِ وَحْدَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحَارِمِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَحَارِمُ صِفَةَ الذَّوَاتِ وَتَكُونَ جَمْعَ مَحْرَمٍ بِمَعْنَى حَرَامٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذَوَاتِ الْحُرُمَاتِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَحَارِمُ جَمْعَ مَحْرَمٍ بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ. وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنَّ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَلَا مَجَالَ لِتَقْدِيرِ الرَّحِمِ لِكَوْنِهِ مُنَافِيًا لِلتَّعْمِيمِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَعْنَى الثَّانِي.
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَقَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَيْ فِي جَوَازِ مَا جَازَ وَعَدَمِ جَوَازِ مَا لَمْ يَجُزْ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الْآيَةَ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مَا جَازَ وَهُوَ النَّظَرُ إلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ. وَلَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ مَا لَمْ يَجُزْ. وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةٌ أُخْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَلَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْهَا وَمَسُّهَا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمَحَارِمِ النَّظَرَ إلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ، فَبَقِيَ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا وَرَاءَهَا مَأْمُورًا بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ النَّظَرُ فَالْمَسُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى انْتَهَى، أَوْ آيَةُ الظِّهَارِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى بَطْنِهَا وَلَا إلَى ظَهْرِهَا وَلَا إلَى جَنْبِهَا وَلَا يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الظِّهَارَ فِي كِتَابِهِ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا. وَصُورَةُ الظِّهَارِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي، وَلَوْلَا أَنَّ ظَهْرَهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ نَظَرًا وَمَسًّا لَمَا سَمَّى الظِّهَارَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الظَّهْرِ ثَبَتَ فِي الْبَطْنِ وَالْجَنْبَيْنِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْبَعْضَ يَدْخُلُ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَاحْتِشَامٍ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا عَادَةً، فَلَوْ حَرُمَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ وَاضِحٌ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ يُشْكِلُ بِمَا ذَكَرَهُ
[ ١٠ / ٣٣ ]
تَقِلُّ لِلْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ فَقَلَّمَا تُشْتَهَى، بِخِلَافِ مَا وَرَاءَهَا، لِأَنَّهَا لَا تَنْكَشِفُ عَادَةً. وَالْمَحْرَمُ مِنْ لَا تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ كَانَ أَوْ بِسَبَبٍ كَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُصَاهَرَةُ بِنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ فِي الْأَصَحِّ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ مَا جَازَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْهَا) لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فِي الْمُسَافَرَةِ وَقِلَّةِ الشَّهْوَةِ لِلْمَحْرَمِيَّةِ، بِخِلَافِ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا حَيْثُ لَا يُبَاحُ الْمَسُّ وَإِنْ أُبِيحَ النَّظَرُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مُتَكَامِلَةٌ (إلَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِ الشَّهْوَةَ) فَحِينَئِذٍ لَا يَنْظُرُ وَلَا يَمَسُّ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ»، وَحُرْمَةُ الزِّنَا بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَغْلَظُ فَيُجْتَنَبُ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْخَلْوَةِ وَالْمُسَافَرَةِ بِهِنَّ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا»
صَاحِبُ الْبَدَائِعِ فِي مَسَائِلِ الدُّخُولِ فِي بَيْتِ الْغَيْرِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ مَحَارِمِهِ فَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَرُبَّمَا كَانَتْ مَكْشُوفَةَ الْعَوْرَةِ فَيَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهَا فَيَكْرَهَانِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِآثَارٍ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ إنَّ الْبَعْضَ يَدْخُلُ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى دُخُولِ بَعْضِ الْمَحَارِمِ عَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، لَا أَنَّهُ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ فِي الشَّرْعِ وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حُكْمُ الشَّرْعِ فِي أَمْرِ الدُّخُولِ فِي بَيْتِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ قَالَ. وَأَمَّا حُكْمُ الدُّخُولِ: فِي بَيْتِ الْغَيْرِ فَالدَّاخِلُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا أَوْ مِنْ مَحَارِمِهِ، فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَلَا يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِنْ مَحَارِمِهِ فَلَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الْمَحَارِمِ أَسْهَلُ وَأَيْسَرُ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ مُطْلَقُ النَّظَرِ إلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ مِنْهَا شَرْعًا انْتَهَى. فَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْهُ أَنَّ الدُّخُولَ فِي بَيْتِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ حَرَامٌ، وَالدُّخُولَ فِي بَيْتِ مَحَارِمِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مَكْرُوهٌ، وَيَكْفِي فِي التَّأَدِّي إلَى الْحَرَجِ جَرَيَانُ الْعَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ بِدُخُولِ بَعْضِ الْمَحَارِمِ عَلَى بَعْضِهِمْ بِلَا اسْتِئْذَانٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْدَحُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ شَرْعًا فَلَا إشْكَالَ (قَوْلُهُ وَالْمَحْرَمُ مَنْ لَا تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ كَانَ أَوْ سَبَبٍ كَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ) يَعْنِي بِالْمَعْنَيَيْنِ الضَّرُورَةَ وَقِلَّةَ الرَّغْبَةِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ: يَعْنِي الْحَرَجَ وَقِلَّةَ الرَّغْبَةِ.
قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ إذَا سَرَقَ الْمَرْءُ مِنْ بَيْتِ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ لِجَوَازِ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ احْتِشَامٍ وَاسْتِئْذَانٍ فَوَقَعَ نُقْصَانٌ فِي الْحِرْزِ. قُلْت: لَا يُقْطَعُ عِنْدَ الْبَعْضِ. وَأَمَّا جَوَازُ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَمَمْنُوعٌ، ذَكَرَ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الْمَحَارِمَ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ لَا يَكُونُ لَهُمْ الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ حِشْمَةٍ وَاسْتِئْذَانٍ وَلِهَذَا يُقْطَعُونَ بِسَرِقَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي ذِكْرِ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بِعَيْنِهِمَا. أَقُولُ: لَيْسَ الْجَوَابُ بِتَامٍّ، أَمَّا قَوْلُهُ قُلْت لَا يُقْطَعُ عِنْدَ الْبَعْضِ فَلِأَنَّ عَدَمَ الْقَطْعِ عِنْدَ الْبَعْضِ هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
[ ١٠ / ٣٤ ]
وَقَوْلُهُ ﵊ «أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» وَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى الْإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَيَأْخُذَ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا دُونَ مَا تَحْتَهُمَا إذَا أَمِنَا الشَّهْوَةَ، فَإِنْ خَافَهَا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهَا تَيَقُّنًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا فَلْيَجْتَنِبْ ذَلِكَ بِجَهْدِهِ، ثُمَّ إنْ أَمْكَنَهَا الرُّكُوبَ بِنَفْسِهَا يَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا يَتَكَلَّفُ بِالثِّيَابِ كَيْ لَا تُصِيبَهُ حَرَارَةُ عُضْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الثِّيَابَ يَدْفَعُ الشَّهْوَةَ عَنْ قَلْبِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
قَالَ (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ مَمْلُوكَةِ غَيْرِهِ إلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) لِأَنَّهَا تَخْرُجُ لِحَوَائِجِ مَوْلَاهَا وَتَخْدُمُ أَضْيَافَهُ وَهِيَ فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا، فَصَارَ حَالُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ كَحَالِ الْمَرْأَةِ دَاخِلَهُ فِي حَقِّ مَحَارِمِهِ الْأَقَارِبِ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ إذَا رَأَى جَارِيَةً مُتَقَنِّعَةً عَلَاهَا بِالدُّرَّةِ، وَقَالَ: أَلْقِي عَنْك الْخِمَارَ يَا دَفَارُ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ؟ وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ يُبَاحُ إلَّا إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ كَمَا فِي الْمَحَارِمِ، بَلْ أَوْلَى لِقِلَّةِ الشَّهْوَةِ فِيهِنَّ وَكَمَالِهَا فِي الْإِمَاءِ. وَلَفْظَةُ الْمَمْلُوكَةِ تَنْتَظِمُ الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ، وَالْمُسْتَسْعَاةُ كَالْمُكَاتَبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ، وَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِهَا وَالْمُسَافَرَةُ مَعَهَا
عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ فَإِنَّ كَوْنَ الْمَحْرَمِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ فِي حُكْمِ الْمَحْرَمِ بِالنَّسَبِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ وُجُودَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ، وَلَا يَدْفَعُهُ عَدَمُ الْقَطْعِ عِنْدَ الْبَعْضِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَمَّا جَوَازُ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَمَمْنُوعٌ، وَتَأْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فَلِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحَارِمِ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ حِشْمَةٍ وَاسْتِئْذَانٍ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ، فَإِنَّ وُجُودَ أَحَدِ ذَيْنِك الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ حِشْمَةٍ وَاسْتِئْذَانٍ كَمَا تَحَقَّقْته، وَمَبْنَى السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ الْفَاءُ فِي قَوْلِ السَّائِلِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ إذَا سَرَقَ الْمَرْءُ مِنْ بَيْتِ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَالْأَوْلَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الْمَحْرَمِ بِسَبَبٍ فِي حُكْمِ الْمَحْرَمِ بِنَسَبٍ أَنْ يُصَارَ إلَى الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ وَهُوَ ذَوَاتُ الْمَحْرَمِ بِلَا رَحِمٍ فَحُكْمُهُنَّ حُكْمُ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَرُوِيَ «أَنَّ أَفْلَحَ اسْتَأْذَنَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ﵊: لِيَلِجَ عَلَيْك فَإِنَّهُ عَمُّك أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِيهِ» انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ حُكْمَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِالنَّسَبِ وَالْمُحَرَّمَةِ بِالرَّضَاعِ وَكَذَلِكَ الْمُحَرَّمَةُ بِالْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾.
(ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ) (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ ﵊ «أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» وَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُ الْمُرَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا لَيْسَ بِأَجْلَى مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا، فَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ كَيْفَ
[ ١٠ / ٣٥ ]
فَقَدْ قِيلَ يُبَاحُ كَمَا فِي الْمَحَارِمِ، وَقَدْ قِيلَ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِيهِنَّ، وَفِي الْإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ اعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ الضَّرُورَةَ فِيهِنَّ وَفِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مُجَرَّدَ الْحَاجَةِ. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ الشِّرَاءَ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَشْتَهِيَ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَأَطْلَقَ أَيْضًا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يُفَصِّلْ. قَالَ مَشَايِخُنَا ﵏: يُبَاحُ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ اشْتَهَى لِلضَّرُورَةِ، وَلَا يُبَاحُ الْمَسُّ إذَا اشْتَهَى أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ، وَفِي غَيْرِ حَالَةِ الشِّرَاءِ يُبَاحُ النَّظَرُ وَالْمَسُّ بِشَرْطِ عَدَمِ الشَّهْوَةِ.
قَالَ (وَإِذَا حَاضَتْ الْأَمَةُ لَمْ تَعْرِضْ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ) وَمَعْنَاهُ بَلَغَتْ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ مِنْهَا عَوْرَةٌ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُشْتَهَى وَيُجَامَعُ مِثْلُهَا فَهِيَ كَالْبَالِغَةِ لَا تَعْرِضُ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ لِوُجُودِ الِاشْتِهَاءِ.
قَالَ (وَالْخَصِيُّ فِي النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ كَالْفَحْلِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: الْخِصَاءُ مِثْلُهُ فَلَا يُبِيحُ مَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَهُ وَلِأَنَّهُ فَحْلٌ يُجَامِعُ. وَكَذَا الْمَجْبُوبُ؛ لِأَنَّهُ يَسْحَقُ وَيُنْزِلُ،
يَثْبُتُ الْمُدَّعَى، وَلَئِنْ سَلَّمَ كَوْنَ الْمُرَادِ ذَلِكَ فَجَوَازُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا.
(قَوْلُهُ وَالْخَصِيُّ فِي النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ كَالْفَحْلِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: الْخِصَاءُ مِثْلُهُ فَلَا يُبِيحُ مَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَهُ) قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ: هَا هُنَا إيرَادَانِ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنِّفِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَضْلٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خِصَاءُ الْبَهَائِمِ مِثْلُهُ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنِّفِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْخِصَاءُ مِثْلُهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
الثَّانِي أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى مُدَّعَاكُمْ، فَإِنَّ كَوْنَ الْخِصَاءِ مِثْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَظَرَ الْخَصِيِّ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ كَالْفَحْلِ، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ إيرَادَيْهِ سَاقِطٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ حَاصِلَهُ عَدَمُ ثُبُوتِ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ بِطَرِيقِ الْإِسْنَادِ أَوْ بِطَرِيقِ الْإِرْسَالِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي عَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا بِطَرِيقِ الْإِرْسَالِ، وَتَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمُرْسَلَ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِدُونِ أَنْ يَثْبُتَ اتِّصَالُهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إلَّا أَنَّهُ يُقْبَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، حَتَّى قَالُوا إنَّهُ فَوْقَ الْمُسْنَدِ، وَمُرْسَلُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ يُقْبَلُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَيُرَدُّ عِنْدَ الْبَعْضِ، فَهَذَا الْقَوْلُ الْمُرْسَلُ إلَى عَائِشَةَ ﵂ إنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ الْقَرْنِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مَقْبُولًا عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ مَنْ دُونَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ فَهُوَ أَيْضًا مَقْبُولٌ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَلَا يُبِيحُ مَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرَاتُ الثِّقَاتِ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، فَدَلَالَةُ أَثَرِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى الْمُدَّعَى أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى.
ثُمَّ أَقُولُ: وَلَكِنْ بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ اتِّفَاقُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَلَا اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ إنَّمَا يُوجِبُ التَّقْلِيدَ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا السَّمَاعُ أَوْ الْكَذِبُ، وَالثَّانِي مُنْتَفٍ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لَا فِيمَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ مَشْهُورٌ وَالْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي مَرْجِعُهُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ حَيْثُ قَالُوا: وَلِأَنَّهُ فَحْلٌ يُجَامِعُ، وَلَمْ يُعْلَمْ اتِّفَاقُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَوْلِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ هُنَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُوجِبَ التَّقْلِيدَ فَكَيْفَ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْمَجْبُوبُ لِأَنَّهُ يَسْحَقُ وَيُنْزِلُ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ:
[ ١٠ / ٣٦ ]
وَكَذَا الْمُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ فَحْلٌ فَاسِقٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِمُحْكَمِ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ فِيهِ، وَالطِّفْلُ الصَّغِيرُ مُسْتَثْنًى بِالنَّصِّ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ سَيِّدَتِهِ إلَّا مَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْهَا). وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالْمَحْرَمِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مُتَحَقِّقَةٌ لِدُخُولِهِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ. وَلَنَا أَنَّهُ فَحْلٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجٍ، وَالشَّهْوَةُ مُتَحَقِّقَةٌ لِجَوَازِ النِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ وَالْحَاجَةُ قَاصِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ خَارِجَ الْبَيْتِ.
وَيَسْحَقُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُنْزِلُ بِضَمِّهَا: أَيْ يَفْعَلُ الْإِنْزَالَ. وَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ كَمَا فَعَلَهُ الْعَيْنِيُّ حَيْثُ قَالَ الْمَنِيَّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَيُنْزِلُ انْتَهَى.
أَقُولُ: الصَّوَابُ مَا فَعَلَهُ الْعَيْنِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى يُنْزِلُ هُنَا يَفْعَلُ الْإِنْزَالَ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِلْقَصْدِ إلَى نَفْسِ الْفِعْلِ كَمَا فِي نَحْوِ قَوْلِك فُلَانٌ يُعْطِي: أَيْ يَفْعَلُ الْإِعْطَاءَ. وَيُوجَدُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِصَحِيحٍ هُنَا، إذْ لَا يَثْبُتُ الْمَطْلُوبُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْمَجْبُوبِ فَاعِلَ حَقِيقَةِ الْإِنْزَالِ. فَإِنَّ هَذَا يَتَحَقَّقُ بِإِنْزَالِهِ الْبَوْلَ وَنَحْوِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ لِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ لَهَا شَهْوَةُ الْمَنِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَفْعُولِ يُنْزِلُ هُنَا بِالْمَنِيِّ حَتَّى يَتِمَّ الْمَطْلُوبُ (قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِمُحْكَمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلِ فِيهِ) أَيْ يُؤْخَذُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، كَذَا فِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: أَيْ فِي الْمُخَنَّثِ الَّذِي فِي أَعْضَائِهِ لِينٌ وَتَكَسُّرٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَلَا يَشْتَهِي النِّسَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ انْتَهَى. أَقُولُ: الْحَقُّ مَا قَالَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ الْمَارَّةِ: أَعْنِي الْخَصِيَّ وَالْمَجْبُوبَ وَالْمُخَنَّثَ بِمُحْكَمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا رَيْبٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ، فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالثَّالِثِ وَحْدِهِ مَعَ إمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا، وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا بَيَانُ دَلِيلٍ آخَرَ أَقْوَى مِمَّا ذَكَرَهُ.
أَوَّلًا جَامِعٍ لِلصُّوَرِ الثَّلَاثِ مَعًا كَمَا تَرَى.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ كَلِمَةَ الْحَاصِلِ تَقْتَضِي فِي الِاسْتِعْمَالِ تَفْصِيلًا سَابِقًا يَكُونُ مَا ذُكِرَ فِي حَيِّزِهَا تَلْخِيصًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ، وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ هُنَا إذَا كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا نَاظِرًا إلَى مَجْمُوعِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَارَّةِ لَا إلَى الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ وَحْدَهَا، سِيَّمَا لَوْ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ يُؤْخَذُ فِيهِ الْمُخَنَّثُ بِالْمَعْنَى الْغَيْرِ الْمَذْكُورِ فِيمَا مَرَّ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ كَمَا زَعَمَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ لِلْكَلِمَةِ الْحَاصِلِ مِسَاسٌ بِمَا قَبْلَهَا أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْنَةٍ.
[ ١٠ / ٣٧ ]
وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ الْإِمَاءُ، قَالَ سَعِيدٌ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَغُرَّنَّكُمْ سُورَةُ النُّورِ فَإِنَّهَا فِي الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ
قَالَ (وَيَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَلَا يَعْزِلُ عَنْ زَوْجَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهَا) «؛ لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ
قَوْلُهُ وَالْمُرَاد بِالنَّصِّ الْإِمَاء قَالَ سَعِيدٌ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا لَا تَغُرَّنَّكُمْ سُورَةُ النُّورِ فَإِنَّهَا فِي الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَطْلَقَ اسْمَ سَعِيدٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالنِّسْبَةِ لِيَصِحَّ تَنَاوُلُهُ لِلسَّعِيدَيْنِ عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ انْتَهَى. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي هَذَا التَّوْجِيهِ. وَرَدَّهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ حَيْثُ قَالَ: أَرَادَ بِهِ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ الْكَشَّافِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي شَرْحِهِ: إنَّمَا أَطْلَقَ السَّعِيدَ لِيَتَنَاوَلَ السَّعِيدَيْنِ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرَكِ عُمُومٌ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ وَهُوَ فَاسِدٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ بِالتَّنَاوُلِ فِي قَوْلِهِمْ لِيَتَنَاوَلَ السَّعِيدَيْنِ هُوَ التَّنَاوُلُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا التَّنَاوُلُ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ وَالْعُمُومِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَتَنَاوَلُ مَعَانِيَهُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَلَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ حَتَّى قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي التَّلْوِيحِ: وَالْمُشْتَرَكُ مُسْتَغْرِقٌ لِمَعَانِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَاَلَّذِي لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا دُونَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ لِمُعَايَنَةٍ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ فِي إطْلَاقِ وَاحِدٍ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ عِبَارَةِ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ: وَنَظَرَ صَاحِبُ الْغَايَةِ فِيهِ. قُلْت: نَظَرُهُ وَارِدٌ وَلَكِنَّ تَعْلِيلَهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، أَمَّا وُرُودُهُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ لَفْظَ سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ، وَأَرَادَ بِهِ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَوْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ. وَأَمَّا أَنَّ تَعْلِيلَهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَلِأَنَّهُ ادَّعَى فِيهِ لُزُومَ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ الِاشْتِرَاكِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ مَا وُضِعَ لَمَعَانٍ انْتَهَى. أَقُولُ: كِلَا دَخْلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ لَفْظُ سَعِيدٍ لَا مَجْمُوعُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَعَدَمُ اسْتِعْمَالِ السَّلَفِ لَفْظَ سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَيْسَ لِعَدَمِ صِحَّةِ إطْلَاقِ لَفْظِ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا، وَإِلَّا لَمَا كَانَ عَلَمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ لِقَصْدِهِمْ زِيَادَةَ إظْهَارِ الْمُرَادِ وَتَعْيِينِهِ، وَإِذَا كَانَ مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ تَنَاوُلَ لَفْظِ سَعِيدٍ هَاهُنَا لِلسَّعِيدَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ لَزِمَهُ تَرْكُ النِّسْبَةِ وَصَحَّ الْإِطْلَاقُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ لَفْظَ سَعِيدٍ عَلَمٌ مُشْتَرَكٌ، وَالْأَعْلَامُ الْمُشْتَرَكَةُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَمَرَهُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ ثُبُوتُ الِاشْتِرَاكِ هَاهُنَا. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ مَا وُضِعَ لَمَعَانٍ لَا يُجْدِي شَيْئًا، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْمَعَانِي مَا يُسْتَفَادُ مِنْ اللَّفْظِ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْعَلَمِ الْمُشْتَرَكِ أَيْضًا بِلَا رَيْبٍ. وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الصُّوَرَ الْعَقْلِيَّةَ الْمُقَابِلَةَ لِلْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةَ فَلَيْسَتْ تِلْكَ بِمُعْتَبَرَةٍ فِي مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ مَا وُضِعَ لِمُتَعَدِّدٍ بِوَضْعِ مُتَعَدِّدٍ: أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الْمُتَعَدِّدُ الْمَوْضُوعُ لَهُ، وَالْأَمْرُ فِي الْعَلَمِ الْمُشْتَرَكِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مُسَمَّيَاتِهِ بِوَضْعٍ وَاحِدٍ بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَضْعٌ مُسْتَقِلٌّ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ عَلَّلَ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالنَّصِّ الْإِمَاءَ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الذُّكُورَ مُخَاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فَلَوْ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ ﷿ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ لَزِمَ التَّعَارُضُ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِصَحِيحٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ
[ ١٠ / ٣٨ ]
الْعَزْلِ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا، وَقَالَ لِمَوْلَى أَمَةٍ: اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت»، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّ الْحُرَّةِ قَضَاءً لِلشَّهْوَةِ وَتَحْصِيلًا لِلْوَلَدِ وَلِهَذَا تُخَيِّرُ فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَلَا حَقَّ لِلْأَمَةِ فِي الْوَطْءِ فَلِهَذَا لَا يُنْقَصُ حَقُّ الْحُرَّةِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَيَسْتَبِدُّ بِهِ الْمَوْلَى وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةَ غَيْرِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ.
بِخِطَابِ الْإِنَاثِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فَإِنَّ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ أَنْ لَا تَدْخُلَ الْإِمَاءُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ ﷿ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ بِنَاءً عَلَى لُزُومِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ مَعَ أَنَّ دُخُولَ الْإِمَاءِ فِيهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ اللَّازِمَ مِنْ كَوْنِ الذُّكُورِ مِنْ الْمَمَالِيكِ مُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ دُخُولُهُمْ فِي جَانِبِ الْغَاضِّينَ مِنْ أَبْصَارِهِمْ لَا فِي جَانِبِ مَنْ يَجِبُ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي مُنِعَ النَّظَرُ إلَيْهِ، فَإِنَّ كَلِمَةَ مِنْ فِي قَوْله تَعَالَى مِنْ أَبْصَارِهِمْ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُفَسِّرُونَ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى يَغُضُّوا بَعْضًا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَكَانَتْ تِلْكَ الْآيَةُ مُجْمَلَةً فِي حَقِّ مَنْ مُنِعَ النَّظَرُ إلَيْهِ، فَلَوْ دَخَلَ الذُّكُورُ مِنْ الْمَمَالِيكِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ لَمْ يَلْزَمْ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ إحْدَى الْآيَتَيْنِ مُبَيِّنَةً لِمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى مِنْ الْإِجْمَالِ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ حَسَنٌ مُقَرَّرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ ذُكُورُ الْمَمَالِيكِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَكَذَا نَظَائِرُهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إلَى آخِرِ الْآيَةِ كُلِّهَا مُبَيِّنَةً لِلْإِجْمَالِ الْوَاقِعِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ دَقَّقَ النَّظَرَ وَحَقَّقَ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةُ غَيْرِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً فَالْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ إلَى الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِذْنَ إلَيْهَا. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ لَهَا حَقًّا فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَالْعَزْلُ يُوجِبُ النَّقْصَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ الْبَخْسُ بِحَقِّ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ فِي الْحُرَّةِ لِمَكَانِ خَوْفِ فَوْتِ الْوَلَدِ الَّذِي لَهَا فِيهِ حَقٌّ. وَالْحَقُّ هَاهُنَا فِي الْوَلَدِ لِلْمَوْلَى دُونَ الْأَمَةِ، وَقَوْلُهُمَا فِيهِ نُقْصَانُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ. قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ حَقَّهَا فِي أَصْلِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ لَا فِي وَصْفِ الْكَمَالِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ لَا مَاءَ لَهُ وَهُوَ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ وَلَا يَكُونُ لَهَا حَقُّ الْخُصُومَةِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ حَقَّهَا فِي أَصْلِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ لَا فِي وَصْفِ الْكَمَالِ انْتَهَى. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالَ: أَقُولُ: إنَّمَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ الْخُصُومَةِ لِعَدَمِ صُنْعِ الزَّوْجِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْعَزْلِ فَإِنَّهُ بِصُنْعِهِ وَلِهَذَا يَحْتَاجُ إلَى رِضَاهَا، فِي الْعَزْلِ لَا فِيهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ صُنْعِ الزَّوْجِ فِيهِ لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا حَقُّ الْخُصُومَةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ حَقَّهَا لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ صُنْعِ الزَّوْجِ فِيمَا يُبْطِلُ حَقَّهَا؛ أَلَا يَرَى أَنَّ لِلزَّوْجَةِ حَقَّ الْخُصُومَةِ فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا بِصُنْعِ الزَّوْجِ، فَتَعَيَّنَّ أَنَّ الْوَجْهَ فِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا حَقُّ الْخُصُومَةِ فِيمَنْ لَا مَاءَ لَهُ وَهُوَ يُجَامِعُهَا مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ كَوْنُ حَقِّهَا فِي أَصْلِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ لَا فِي وَصْفِ الْكَمَالِ، فَكَذَا فِي الْعَزْلِ تَدَبَّرْ.
[ ١٠ / ٣٩ ]