(فَصْلٌ فِي الْبَيْعِ)
قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ
إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ بِعْنِي نَفْسِي لَا يُنَافِي الْمُعَاوَضَةَ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ بَيْعُ نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ وَبَيْعُ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُعَاوَضَةُ، بَلْ الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ نَظَرًا إلَى الْحَقِيقَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَا يُقَالُ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ صَحِيحًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الِاحْتِمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إطْلَاقُ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْكَارَ وَالتَّرْجِيحَ مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى نَفْسِهِ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا إضَافَةَ إلَى نَفْسِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ فِيمَا أُطْلِقَ وَلَمْ يُضِفْ إلَى أَحَدٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّرْجِيحُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى نَفْسِهِ. وَأَيْضًا إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ مَجْمُوعِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْ الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ بِعْنِي نَفْسِي فَأَيْنَ تُوجَدُ الْإِضَافَةُ إلَى نَفْسِهِ حَتَّى تَكُونَ قَرِينَةً لِلْمَجَازِ؟ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ بَعْضِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْهُ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ بِعْنِي فَقَطْ فَلَا يُجْدِي شَيْئًا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِطْلَاقِ مَجْمُوعُ مَا صَدَرَ عَنْ الْعَبْدِ، إذْ بِهِ تَمْتَازُ هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ صُورَتَيْ الْإِضَافَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِ قَيْدِ الْإِضَافَةِ عَنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ حَتَّى يُوجَدَ الْإِطْلَاقُ الْمَفْرُوضُ وَيَصِحُّ الِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ. وَبِالْجُمْلَةِ لَا حَاصِلَ لِهَذَا الْجَوَابِ وَلَا مُطَابَقَةَ فِيهِ لِمَا فِي الْكِتَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ.
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ أَصْلِ الْمُعَاوَضَةِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَا: فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِحَقِيقَتِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَوْ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِمُوَكِّلِهِ كَانَ الشِّرَاءُ مَعْمُولًا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهِيَ الْمُعَاوَضَةُ، وَلَوْ وَقَعَ لِلْعَبْدِ كَانَ مَعْمُولًا بِمَجَازِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْإِعْتَاقِ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْمُعَاوَضَةِ. قُلْنَا: عَارَضَتْ جِهَةُ أَصَالَةِ الْحَقِيقَةِ جِهَةَ أَصَالَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي تَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَقَعَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَّحْنَا هَذِهِ الْجِهَةَ بِحَسَبِ مَقْصُودِ الْبَائِعِ ظَاهِرًا وَهُوَ أَنْ لَا يَفُوتَ وَلَاءُ الْعَبْدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الشِّرَاءِ لِلْمُوَكِّلِ يَفُوتُ هَذَا الْغَرَضُ، أَوْ نَقُولُ: لَمَّا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ رَجَّحْنَا جَانِبَ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالْمُعَاوَضَةُ مُبَاحَةٌ مَحْضَةٌ انْتَهَى.
(فَصْلٌ فِي الْبَيْعِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَمَا ذَكَرَ لِتَقْدِيمِ فَصْلِ الشِّرَاءِ ثَمَّةَ فَهُوَ وَجْهُ تَأْخِيرِ فَصْلِ الْبَيْعِ هُنَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُول: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَثِيرٌ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ، وَلِمَ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ: مِنْهَا قَوْلُهُ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ إلَخْ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَالتَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ حُكْمُ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ إلَخْ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ أَيْضًا حُكْمُ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ؛ فَقَوْلُهُمْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ مَحَلُّ مُنَاقَشَةٍ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِنَوْعِ عِنَايَةٍ فَتَأَمَّلْ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ
[ ٨ / ٧٣ ]
أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إلَّا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ)
أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) أَيْ وَسَائِرُ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَعَبِيدِهِ وَمُكَاتَبِهِ، صَرَّحَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ. إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ الْإِجْمَالَ فَقَالَ بَدَلَهَا: وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ. قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ فِي تَمْثِيلِ قَوْلِهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ مِثْلُ ابْنِهِ وَأَخِيهِ. أَقُولُ: فِي تَمْثِيلِهِ الثَّانِي خَبْطٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي مُطْلَقِ الْوَكَالَةِ. وَأَمَّا إذَا قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِعُمُومِ الْمَشِيئَةِ بِأَنْ قَالَ بِعْ مِمَّنْ شِئْت فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ مَعَ هَؤُلَاءِ بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ، وَنُقِلَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
(وَقَالَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: تَخْصِيصُ الْبَيْعِ بِالذِّكْرِ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِهِ مِنْ الشِّرَاءِ وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: خُصَّ قَوْلُهُمَا فِي الْكِتَابِ فِي حَقِّ جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا فِي الْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مِثْلِ الْقِيمَةِ فَائِدَةٌ. وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْبَيْعَ مِنْهُمْ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا فَكَانَ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ مُلْحَقًا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَقَالَ فِيهَا الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ إنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ؛ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، فِي رِوَايَةِ الْوَكَالَةِ وَالْبُيُوعِ لَا يَجُوزُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُضَارَبَةِ يَجُوزُ، وَبَيْعُ الْمُضَارِبِ وَشِرَاؤُهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَيْعُهُ مِنْهُ بِأَكْبَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَشِرَاؤُهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَبِمِثْلِ الْقِيمَةِ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ. فَأَبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ عَلَى رِوَايَةِ الْوَكَالَةِ وَالْبُيُوعِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الْفَرْقِ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ حَيْثُ جَوَّزَ بَيْعَ الْمُضَارِبِ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ ظَهَرَ الرِّبْحُ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مَعَ أَنَّ لَهُ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ حُكْمَ الْوَكِيلِ. أُجِيبُ بِأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ أَعَمُّ تَصَرُّفًا مِنْ الْوَكِيلِ فَقَدْ يَسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ نَهْيُهُ، وَقَدْ يَكُونُ نَائِبًا مَحْضًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَلِشَبَهِهِ بِالْمُسْتَبِدِّ بِالتَّصَرُّفِ جَازَ تَصَرُّفُهُ مَعَ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَلِشَبَهِهِ بِالنَّائِبِ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ مَعَهُمْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَنَائِبٌ مَحْضٌ فِي تَصَرُّفٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي تَصَرُّفِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ (إلَّا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا، قَيَّدَ فِي الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ إلَّا مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي
[ ٨ / ٧٤ ]
لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَلَا تُهْمَةَ إذْ الْأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةٌ وَالْمَنَافِعُ مُنْقَطِعَةٌ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لِلْمَوْلَى
لَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ فَبَيْعَهُ مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ عِنْدَ تَعْمِيمِ الْمُشَبَّهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَلَا يَظْهَرُ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: نَعَمْ إنَّ الْعَبْدَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ يَمْلِكُ مَوْلَاهُ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ، حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ مَوْلَاهُ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا يَعْتِقُ عِنْدَهُمَا وَلَكِنْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَمْلِكُ مَوْلَاهُ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا لَا يَعْتِقُ. فَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ تَظْهَرُ بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَا فِي يَدِهِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا حَتَّى يَصِيرَ مَوْلَاهُ مَمْنُوعًا عَنْ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ يَدِهِ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ مَوْلَاهُ شَيْئًا مِنْ أَكْسَابِهِ وَبَيْعُ مَوْلَاهُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الْغَيْرِ الْمَدْيُونِ شَيْئًا مِنْ مَوْلَاهُ وَلَا يَبِيعُ مَوْلَاهُ شَيْئًا مِنْهُ عِنْدَهُمْ أَصْلًا، وَسَيَنْكَشِفُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ، فَقَوْلُهُ فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ فَبَيْعُهُ مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ كَسْبَهُ مِلْكٌ خَالِصٌ لِمَوْلَاهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَبَيْعُهُ مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ جَانِبِهِمَا (لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ) أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِشَخْصِ دُونَ آخَرَ، وَالْمُطْلَقُ يُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ فَكَانَ الْمُقْتَضَى مَوْجُودًا وَالْمَانِعُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ التُّهْمَةُ (وَلَا تُهْمَةَ هَاهُنَا)؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَيْثُ إيثَارُ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ حَيْثُ إيثَارُ الْمَالِيَّةِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِمَوْجُودٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَمَّا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (إذْ الْأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةٌ) أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلِابْنِ وَطْءُ جَارِيَةِ نَفْسِهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةِ أَبِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكُهُ مُتَبَايِنًا عَنْ مِلْكِ أَبِيهِ لَكَانَتْ جَارِيَتُهُ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً وَلَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ (وَالْمَنَافِعُ مُنْقَطِعَةٌ)؛ لِأَنَّ تَبَايُنَ الْأَمْلَاكِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ الْمَنَافِعِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا نَفْعَ لَهُ مِنْ حَيْثُ إيثَارُ الْعَيْنِ فَلَا تُهْمَةَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ يَنْفِيهِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُقْتَضَى وَانْتَفَى الْمَانِعُ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ كَمَا فِي الْبَيْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ (بِخِلَافِ الْعَبْدِ) يَعْنِي الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لِمَا عَرَفْتَ (لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْوَكِيلِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَبْدِ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ (لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ) أَيْ مَا فِي يَدِ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَبْدِ (لِلْمَوْلَى) أَيْ مِلْكٌ خَالِصٌ لِلْمَوْلَى لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَيْرِ، فَصَارَ الْبَيْعُ
[ ٨ / ٧٥ ]
وَكَذَا لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةً بِالْعَجْزِ. وَلَهُ أَنَّ مَوَاضِعَ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ الْوَكَالَاتِ، وَهَذَا مَوْضِعُ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ فَصَارَ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
مِنْهُ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ، وَالْبَيْعُ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ إذَا تَوَلَّى طَرَفَيْ الْبَيْعِ كَانَ مُسْتَزِيدًا مُسْتَنْقِصًا قَابِضًا مُسَلِّمًا مُخَاصَمًا مُخَاصِمًا فِي الْعَيْبِ، وَفِيهِ مِنْ التَّضَادِّ مَا لَا يَخْفَى (وَكَذَا لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ) حَتَّى لَا تَصِحَّ تَبَرُّعَاتُهُ وَلَا تَزْوِيجُ عَبْدِهِ (وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةً بِالْعَجْزِ) يَعْنِي وَقَدْ يَنْقَلِبُ حَقُّ الْمَوْلَى فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَصَارَ كَالْعَبْدِ (وَلَهُ) أَيْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّ مَوَاضِعَ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْوَكَالَاتِ) يَعْنِي مَنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ لَكِنَّ مَوَاضِعَ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْوَكَالَاتِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْإِعَانَةِ فَكَانَتْ مَوَاضِعَ أَمَانَةٍ (وَهَذَا) أَيْ مَا نَحْنُ فِيهِ (مَوْضِعُ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ (وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِمَالِ الْآخَرِ عَادَةً فَصَارَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَالِ صَاحِبِهِ مِنْ وَجْهٍ (فَصَارَ) أَيْ بَيْعُ الْوَكِيلِ مِنْ هَؤُلَاءِ (بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ) فَكَانَ فِيهِ تُهْمَةُ إيثَارِ الْعَيْنِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ.
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ الْتِزَامُ مَا يَلْزَمُهُ الْمُعَلِّلُ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ، وَهَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ قِبَلِهِمَا أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَالتُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ لِتَبَايُنِ الْأَمْلَاكِ وَانْقِطَاعِ الْمَنَافِعِ.
وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ قِبَلِهِ أَنَّ التُّهْمَةَ مُتَحَقِّقَةٌ وَالْمَنَافِعَ مُتَّصِلَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَآلَ هَذَا مَنْعٌ لِمَا عُلِّلَ بِهِ مِنْ قِبَلِهِمَا لَا تَسْلِيمَ وَالْتِزَامَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ فِي شَيْءٍ. نَعَمْ فِيهِ تَسْلِيمٌ لِمُقَدَّمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ وَهِيَ أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ لَكِنْ لَا يَتِمُّ بِهَا وَحْدَهَا مَطْلُوبُهُمَا فَلَا يَكُونُ تَسْلِيمُهَا تَسْلِيمًا لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ قِبَلِهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) يَعْنِي أَنَّ الْوَكَالَةَ بِالْإِجَارَةِ وَالصَّرْفِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ شُرِعَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ مَعْدُومَةً، وَالصَّرْفَ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ عَرِيَ عَنْهَا غَيْرُهُ فَكَانَا مِمَّا يَظُنُّ عَدَمُ جَوَازِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا كَالْحُكْمِ فِيمَا سِوَاهُمَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: السَّلَمُ أَيْضًا شُرِعَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَهُ شُرُوطٌ مُخَالِفَةٌ لِلْغَيْرِ، فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَذْكُرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَهُمَا، كَمَا قَالَ فِي الْمُخْتَلِفِ حَيْثُ
[ ٨ / ٧٦ ]
قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْعَرَضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ)؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا، وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِالنُّقُودِ وَلِهَذَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجُمْدِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ هِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الْبَيْعِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ. وَلَهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ،
قَالَ فِيهِ بَعْدَ بَيَانِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ: وَالسَّلَمُ وَالصَّرْفُ وَالْإِجَارَةُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْعَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ أَيْضًا عِنْدَهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَقَبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِمَا عَزَّ وَهَانَ وَبِأَيِّ مَنْ كَانَ وَإِلَى أَجَلٍ كَانَ مُتَعَارَفًا وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ كَذَا قَالُوا (وَقَالَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَيَجُوزُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ (وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) أَيْ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالنُّقُودِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمَا إلَّا بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا بَاعَ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ جَازَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا، وَإِنْ بَاعَ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ بِأَنْ بَاعَ مَثَلًا إلَى خَمْسِينَ سَنَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ وَقَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الْعَبْدَ فَاقْضِ دَيْنِي، أَوْ قَالَ بِعْ فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُلَازِمُونَنِي، أَوْ قَالَ بِعْ فَإِنِّي أَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةِ عِيَالِي فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ انْتَهَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ جَانِبِهِمَا (لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ) أَيْ بِمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ (لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا) أَيْ فَتَتَقَيَّدُ التَّصَرُّفَاتُ بِمَوَاقِعِ الْحَاجَاتِ (وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِالنُّقُودِ وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَجْلٍ تَقَيُّدِ التَّصَرُّفَاتِ بِمَوَاقِعِهَا (يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ اللَّحْمِ مَكَانَ الْفَحْمِ، لَكِنَّ الْفَحْمَ أَلْيَقُ لِقِرَانِ قَوْلِهِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ، إذْ كُلُّ الْأَزْمَانِ زَمَانُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّحْمِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَالْجَمْدُ) بِسُكُونِ الْمِيمِ لَا غَيْرُ هُوَ مَا جَمَدَ مِنْ الْمَاءِ فَكَانَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ لِلِاسْمِ بِالْمَصْدَرِ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالدِّيوَانِ (وَالْأُضْحِيَّةُ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَتَقَيَّد: أَيْ يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ بِأَيَّامِ الْبَرْدِ، وَبِشِرَاءِ الْجَمْدِ بِأَيَّامِ الصَّيْفِ، وَبِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهَا، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَى ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرُ (وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ) وَلِهَذَا لَوْ حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ، وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكَانِهِ، وَهُوَ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ دُونَ الْهِبَةِ.
(وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ) أَيْ الْبَيْعُ بِالْعَرَضِ (بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ إخْرَاجَ السِّلْعَةِ مِنْ الْمِلْكِ بَيْعٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ السِّلْعَةِ فِي الْمِلْكِ شِرَاءٌ (فَلَا يَتَنَاوَلُهُ) أَيْ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَبَيْعَ الْمُقَايَضَةِ (مُطْلَقُ اسْمِ الْبَيْعِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ)؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ) أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ (فَيَجْرِي) أَيْ يَجْرِي الْمُطْلَقُ (عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ) فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ: أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّ
[ ٨ / ٧٧ ]
وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ وَالتَّبَرُّمِ مِنْ الْعَيْنِ، وَالْمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ
التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ لَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ.
أَقُولُ: هَذَا أَقْبَحُ مِمَّا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، إذْ لَمْ يَقُلْ الْخَصْمُ هُنَا قَطُّ إنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ، بَلْ قَالَ إنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ: يَعْنِي أَنَّ مَا هُوَ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ مِنْ الْآمِرِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِالْمُتَعَارَفِ، فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ الْحُكْمُ بِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ حَتَّى يَصِيرَ مَحَلًّا لِلْمَنْعِ أَوْ التَّسْلِيمِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا قَوْلًا بِالْمُوجَبِ بِتَسْلِيمِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ.
وَالْحَقُّ أَنَّ حَاصِلَ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ مَنْعٌ لِكَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ هَاهُنَا مُقَيَّدًا بِالْمُتَعَارَفِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ لُزُومِ إجْرَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَأَنَّ حَاصِلَ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ) أَيْ الْعَرَضِ (مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ وَالتَّبَرُّمِ) أَيْ السَّآمَةِ (مِنْ الْعَيْنِ) تَنْزِلُ فِي الْجَوَابِ مِنْ الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ: يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ، لَكِنَّ الْبَيْعَ بِالْغَبْنِ أَوْ الْعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ لِتِجَارَةٍ رَابِحَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَعِنْدَ التَّبَرُّمِ مِنْ الْعَيْنِ، وَفِي هَذَا لَا يُبَالِي بِقِلَّةِ الثَّمَنِ وَكَثْرَتِهِ وَنَقْدِيَّةِ الثَّمَنِ وَعَرْضِيَّتِهِ فَكَانَ الْعُرْفُ مُشْتَرَكًا فَلَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (وَالْمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا مِنْ قِبَلِ الْخَصْمِ، وَهِيَ مَسَائِلُ شِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجَمْدِ وَالْأُضْحِيَّةِ لَيْسَتْ بِمُسَلَّمَةٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ هِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِيَ عَلَى إطْلَاقِهَا لَا تَتَقَيَّدُ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ.
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا تَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فَنَقُولُ: إنَّمَا تَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ لَا بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ شِرَاءِ الْفَحْمِ دَفْعُ ضَرَرِ الْبَرْدِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالشِّتَاءِ، وَالْغَرَضُ مِنْ شِرَاءِ الْجُمْدِ دَفْعُ ضَرَرِ الْحَرِّ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالصَّيْفِ، حَتَّى لَوْ انْعَدَمَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ بِأَنْ وُجِدَ التَّوْكِيلُ مِمَّنْ يَعْتَادُ تَرَبُّصَ الْفَحْمِ كَالْحَدَّادِينَ أَوْ تَرَبُّصَ الْجَمْدِ كَالْفَقَّاعِينَ لَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ، كَذَا قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ. وَكَذَا التَّوْكِيلُ بِالْأُضْحِيَّةِ يَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ بِالْغَرَضِ لَا بِالْعَادَةِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُوَكِّلِ خُرُوجُهُ عَنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي أَيَّامِ تِلْكَ السَّنَةِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَلِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الْوَقْتِ لَا عَامٌّ فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا وَاحِدًا،
[ ٨ / ٧٨ ]
وَأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ لَا يَمْلِكَانِهِ مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَر فِيهِ، وَالْمُقَايَضَةُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَدْ صَارَ الْمُتَعَارَفُ مُرَادًا فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا، فَأَمَّا هَذَا فَعَامٌّ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ أَيْضًا (وَأَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ (بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ) أَيْ بِالْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، فَلَمَّا جُعِلَ هَذَا بَيْعًا مُطْلَقًا فِي الْيَمِينِ جُعِلَ فِي الْوَكَالَةِ كَذَلِكَ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ الْعُرْفِ فِي الْيَمِينِ فِي نَوْعِ جَرَيَانِهِ فِي الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ قَدِيدًا حَنِثَ، وَفِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ لَحْمًا قَدِيدًا وَقَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْآمِرِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى لَحْمٍ يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْقَدِيدُ لَا يُبَاعُ بِهَا عَادَةً فَلَا يَقَعُ التَّوْكِيلُ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ اخْتَلَفَ فِي حَقِّهِمَا فَاخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا حَقِيقَةً وَعُرْفًا، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عُرْفًا فَيُقَالُ بَيْعٌ رَابِحٌ وَبَيْعٌ خَاسِرٌ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ.
وَأَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ الِاعْتِرَافُ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ فِي حَقِّ الْيَمِينِ وَالْبَيْعِ وَالتَّشَبُّثِ بِادِّعَاءِ أَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَاهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ إذْ هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا يَقُولُ بِهِ الْخَصْمُ بَلْ يَدَّعِي أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَنَحْنُ بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَنْهُ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ، فَإِذَا وَرَدَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَالْحُكْمِ مِنْ حَقِّ الْيَمِينِ وَالْبَيْعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِالْمَصِيرِ إلَى الْأَصْلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ لَا يَمْلِكَانِهِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْرِيرُهُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَلَكَهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ: يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ إنَّمَا لَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ (مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ) أَيْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا) أَيْ وِلَايَةَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ (نَظَرِيَّةٌ) أَيْ بِشَرْطِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الصَّغِيرِ بِالشَّفَقَةِ وَإِيصَالِ النَّفْعِ إلَيْهِ (وَلَا نَظَرَ فِيهِ) أَيْ فِي الْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ.
(وَالْمُقَايَضَةُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا، وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ، بَلْ هِيَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ
[ ٨ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ. قَالَ: وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ وَالْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هُوَ الْبَيْعُ الْمُقَابِلُ لِلشِّرَاءِ وَهُوَ وَصْفُ الْبَائِعِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرَاءِ فِي قَوْلِهِ الْمَزْبُورُ هُوَ الشِّرَاءُ الْمُقَابِلُ لِلْبَيْعِ وَهُوَ وَصْفٌ لِلْمُشْتَرِي، وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ: أَعْنِي مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ إنَّمَا هُوَ حَدُّ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ عَقْدٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعَ الِارْتِبَاطِ الشَّرْعِيِّ الْحَاصِلِ بَيْنَهُمَا، فَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ قَوْلِهِ لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ هَذَا الْحَدَّ حَدًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْبِيَاعَاتِ الْغَيْرِ الِاضْطِرَارِيَّةِ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إذْ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ صِدْقِ هَذَا الْحَدِّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَطُّ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوَجْهٍ آخَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِمَالٍ هِيَ بَاءُ الْمُقَابَلَةِ وَالْعِوَضِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْحَدُّ الشِّرَاءَ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ بَاءَ الْمُقَابَلَةِ وَالْعِوَضِ لَا تُنَافِي تَنَاوُلَ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ الشِّرَاءَ، فَإِنَّ الْمُقَابَلَةَ وَالْمُعَاوَضَةَ يَتَحَقَّقَانِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَدَلَيْنِ بِلَا تَفَاوُتٍ، وَإِنَّمَا بَقِيَ حَدِيثُ دُخُولِ الْبَاءِ عَلَى الثَّمَنِ وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْبَيْعُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْرَاجِ مِلْكِهِ مُتَوَصِّلًا بِهِ إلَى تَحْصِيلِ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَالشِّرَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ مِلْكِ غَيْرِهِ مُتَوَصِّلًا إلَيْهِ بِإِخْرَاجِ مِلْكِهِ، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى تَحْرِيرِهِ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا عِنْدَهُ، إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ عَلَى بَدَلَيْ الْمُقَايَضَةِ مَعًا فَلَا يُنْتَقَضُ بِسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ، فَإِنَّ صِدْقَ الْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الْمَزْبُورِ فِي سَائِرِهَا مُخْتَصٌّ بِالسِّلْعَةِ وَصِدْقَ الشِّرَاءِ فِيهَا مُخْتَصٌّ بِالثَّمَنِ فَيَسْقُطُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْبِيَاعَاتِ فَفِي تَقْرِيرِهِ قُصُورٌ انْتَهَى فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ يُطْلَقَانِ عَلَى عَقْدٍ شَرْعِيٍّ يُرَدُّ عَلَى مَجْمُوعِ مَالَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ
[ ٨ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ انْتَهَى. أَقُولُ: وَفِيهِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ وَمَعْنَى الشِّرَاءِ مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ وَمُتَغَايِرَانِ بِالِاعْتِبَارِ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَفْظُ الْبَيْعِ فِي الْبَيْعِ وَلَفْظُ الشِّرَاءِ فِي الشِّرَاءِ، فَيَمْتَازُ بِهِ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ وَلَفْظَ الشِّرَاءِ مِنْ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى كُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَصَرَّحُوا بِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ حَتَّى صَرَّحَ نَفْسَهُ أَيْضًا هُنَاكَ بِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مِنْ الْأَضْدَادِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا.
وَقَالَ: يُقَالُ بَاعَ الشَّيْءَ إذَا شَرَاهُ أَوْ اشْتَرَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَتَيَسَّرُ اخْتِصَاصُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَزْبُورَيْنِ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَعَيُّنُ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِإِطْلَاقِ أَحَدِ ذَيْنِك اللَّفْظَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ يَصِحُّ إطْلَاقَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْهِ، عَلَى أَنَّ اتِّحَادَ مَعْنَيَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالذَّاتِ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ وَلَا يُرَى لَهُ وَجْهٌ سَدِيدٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْبَيْعَ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يَنْعَقِدُ أَيْضًا بِالتَّعَاطِي كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْبُيُوعِ، وَفِي صُورَةِ التَّعَاطِي لَا يَلْزَمُ إطْلَاقُ لَفْظٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا، فَكَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُهُ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ وَامْتَازَ بِهِ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي لَكَانَ الصَّادِرُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَيْعًا وَمِنْ الْآخَرِ شِرَاءً أَلْبَتَّةَ فَلَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ هِيَ حِينَئِذٍ إمَّا بَيْعٌ وَإِمَّا شِرَاءٌ لَا غَيْرُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا بَيْعًا وَشِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى أَنَّهَا صَالِحَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَ صُدُورِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا بَعْدَ صُدُورِهِ فَيَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ.
ثُمَّ إنَّهُ فَرْعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ سُقُوطُ بَعْضِ مَا قِيلَ هَاهُنَا. وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْأَصْلُ كَمَا عَرَفْته لَمْ يَصِحَّ الْفَرْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْفَرْعِ فَرْعُ صِحَّةِ الْأَصْلِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا أَسْئِلَةً وَأَجْوِبَةً يَسْتَدْعِي بَسْطُهَا تَحْقِيقَ الْمَقَامِ فَنَقُولُ: إنْ قِيلَ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُوصَفَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِصِفَةٍ وَبِضِدِّهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّ بَيْعَ الْمُقَايَضَةِ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَزِمَ هَذَا الْمُحَالُ. قُلْنَا إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُحَالُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ نَفْسِهِ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي أَنْ يُجْعَلَ هُوَ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا، فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ وَثَمَنًا بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ الْبَاءِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَحَقُّقِ إلْصَاقِ الْبَدَلِ بِالْمُبْدَلِ وَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءُ يَتَعَيَّنُ لِلثَّمَنِيَّةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْبَاءَ تَصْحَبُ الْأَثْمَانَ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِكَوْنِهِ مَبِيعًا بِحِيَالِهِ. قُلْنَا: قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْبَاءَ إنَّمَا تُعَيِّنُ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِيَّةِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ الْمَكِيلَاتِ أَوْ الْمَوْزُونَاتِ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلثَّمَنِيَّةِ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ، وَالْعُرُوضُ الْمُعَيَّنَةُ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْمَبِيعِيَّةِ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ. أَمَّا الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةٍ، فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ تَتَعَيَّنُ لِلثَّمَنِيَّةِ، كَمَا إذَا قَالَ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا الْبَاءُ فَلَا تَتَعَيَّنُ لَهَا أَيْضًا. ثُمَّ إنَّ كَلَامَنَا هَاهُنَا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَهِيَ تُنَبِّئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ يُقَالُ هُمَا قَيْضَانِ: أَيْ مُسَاوِيَانِ، فَكَانَ كِلَا الْبَدَلَيْنِ مُتَعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلْمَبِيعِيَّةِ وَلَا لِلثَّمَنِيَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا، وَإِنْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي أَحَدِهِمَا.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ بَيْعُ الْمُقَايَضَةِ شِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ رَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ جَانِبَ الْبَيْعِ فِيهِ حَتَّى نَفِدَ الْبَيْعُ عَلَى الْآمِرِ عِنْدَهُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ بِعَرْضٍ مَعَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ؟ قُلْنَا: رَجَّحَ هُوَ جَانِبَ الْبَيْعِ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ عَلَى جَانِبِ الشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ بِعَرَضٍ، أَلَا يُرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُضَارِبَيْنِ لَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ؟ فَإِنْ بَاعَهُ بِعَرَضٍ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا، حَتَّى لَوْ أَجَازَ صَاحِبُهُ كَانَ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
[ ٨ / ٨١ ]
قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ)
فَإِنْ قُلْت: كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَاقِدَيْ عَقْدِ الْمُقَايَضَةِ بَائِعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَرْضِ نَفْسِهِ مُشْتَرِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَرْضِ الْآخَرِ كَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَاقِدَيْ عَقْدِ الصَّرْفِ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ لِمَا أَنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ بَيْعٌ وَالْبَيْعُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي جَعْلِهِ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا، فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا، ثُمَّ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ يُتَحَمَّلُ فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِرِوَايَةِ الْحَسَنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ فِي بَيْعِ الصَّرْفِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالصَّرْفِ مِنْ صَرْفِ الْمَبْسُوطِ، فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْعِلَّةِ؟ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَيْثُ وُرُودُ عِلَّةِ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ هُنَا أَيْضًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ إنَّمَا لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِلتُّهْمَةِ، فَإِنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ عَقَدَ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِالْغَبْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ ذَلِكَ الْمُوَكِّلَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ عَقْدَ الصَّرْفِ لِنَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَأَمَّا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ عَرَضَ الْآخَرِ بِمُقَابَلَةِ عَرَضِ الْمُوَكِّلِ، فَلَمْ تُرَدَّ التُّهْمَةُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَلَمْ يُمْنَعْ الْجَوَازُ لِذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالصَّرْفِ إذَا اشْتَرَى بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ، إلَّا أَنَّ الشِّرَاءَ أَصْلٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَصْلٌ وَالْعِبْرَةُ لِلْأَصْلِ فَكَانَ شِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ لَا يَتَحَمَّلُ فِي الشِّرَاءِ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةُ. وَلَا يَلْزَمُ الْوَكِيلُ بِالصَّرْفِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالْأَقَلِّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالنَّصِّ فَكَذَا وَكِيلُهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ إنَّمَا لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْأَقَلِّ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْبَدَلَانِ فِي الْجِنْسِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِيهِ فَيَمْلِكُهُ قَطْعًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِ الْوَكِيلِ بِالصَّرْفِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي صُورَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، بَلْ يَعُمُّ صُورَتَيْ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهِ، بَلْ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي صَرْفِ الْمَبْسُوطِ بِصُورَةِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ فَبَاعَهَا بِدَنَانِيرَ وَحَطَّ عَنْهُ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ انْتَهَى.
فَتَلْزَمُ هَذِهِ الصُّورَةُ قَطْعًا وَتَكْفِي فِي وُرُودِ السُّؤَالِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، وَلَعَمْرِي إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَدْ خَرَجَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ، وَغَبَنَ فِي تَصَرُّفَاتِهِ غَبْنًا فَاحِشًا، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: فَعَلَيْك بِهَذَا وَتَطْبِيقِهِ عَلَى مَا فِي الْكُتُبِ مُلَاحَظًا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ تُحْمَدُ الْمُتَصَدِّي لِتَلْفِيقِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا) وَهِيَ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ (وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) وَهُوَ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ
[ ٨ / ٨٢ ]
لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا مَرَّ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ إذَا زَوَّجَهُ امْرَأَةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْمُوَكِّلِ فِي الْعَقْدِ فَلَا تَتَمَكَّنُ هَذِهِ التُّهْمَةُ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ الْعَقْدُ.
لِعُمُومِ الْأَمْرِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ) أَيْ فِي الشِّرَاءِ (مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ) أَيْ فَلَعَلَّ الْوَكِيلَ (اشْتَرَاهُ) أَيْ اشْتَرَى الشَّيْءَ الَّذِي وَكَّلَ بِهِ (لِنَفْسِهِ) أَيْ لِأَجْلِ نَفْسِهِ (فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ) وَهُوَ الْمُوَكِّلُ (عَلَى مَا مَرَّ) إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ انْتَهَى.
وَالتُّهْمَةُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مُعْتَبَرَةٌ، وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ يَسْتَوْجِبُ الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ وَيُوجِبُ لِنَفْسِهِ مِثْلَهُ فِي ذِمَّةِ الْآمِرِ، وَالْإِنْسَانُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَلْزَمَ الْآمِرَ الثَّمَنُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ بِإِزَائِهِ مَا يَعْدِلُهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ وَقَبَضْتُ وَهَلَكَ فِي يَدِي فَهَاتِ الثَّمَنَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ عِنْدِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلِأَنَّ أَمْرَهُ بِالشِّرَاءِ يُلَاقِي مِلْكَ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ إطْلَاقُ أَمْرِهِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ أَمْرَهُ يُلَاقِي مِلْكَ نَفْسِهِ وَلَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ أَوْ الْإِطْلَاقَ فِي التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لَاشْتَرَى ذَلِكَ الْمَتَاعَ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ وَبِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَالِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَفِي جَانِبِ الْبَيْعِ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ، وَالْإِطْلَاقُ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ سِوَى الْمَبِيعِ الَّذِي رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ.
وَهَذِهِ فُرُوقٌ أَرْبَعَةٌ بَيْنَ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْمَبْسُوطِ (حَتَّى لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ) أَيْ يَنْفُذُ الْعَقْدُ عَلَى الْآمِرِ وَإِنْ كَانَ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ) أَيْ شِرَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ (لِنَفْسِهِ) وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ قَالُوا عَامَّةَ الْمَشَايِخِ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: يَتَحَمَّلُ فِيهِ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ لَا الْفَاحِشُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَحَمَّلُ فِيهِ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ أَيْضًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا (وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ إذَا زَوَّجَهُ) أَيْ زَوَّجَ مُوَكِّلَهُ (امْرَأَةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْوَكَالَةِ فِي النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ زَادَهَا عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إذَا زَوَّجَهَا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ زَادَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ يَرْضَاهُ، وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَتَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ فَهُوَ جَائِزٌ وَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الشِّرَاءُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ كَانَ الْعَبْدُ لِلْآمِرِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَصْلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا فِي الْكِتَابِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ (لَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْمُوَكِّلِ فِي الْعَقْدِ) أَيْ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (فَلَا تَتَمَكَّنُ هَذِهِ التُّهْمَةُ) أَيْ تُهْمَةُ أَنْ يَعْقِدَ أَوَّلًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَلْحَقُهُ بِغَيْرِهِ (وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلِقُ الْعَقْدَ) أَيْ لَا يُضِيفُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ حَيْثُ يَقُولُ اشْتَرَيْتُ وَلَا يَقُولُ اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ، يَعْنِي يَجُوزُ لَهُ الْإِطْلَاقُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِضَافَةُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَتَتَمَكَّنُ تِلْكَ التُّهْمَةُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ: جَوَازُ عَقْدِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا فِيمَا لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْبَلَدِ كَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَالَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَهُمْ كَالْخُبْزِ
[ ٨ / ٨٣ ]
قَالَ (وَاَلَّذِي لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ " ده نيم " وَفِي الْحَيَوَانَاتِ " ده يازده " وَفِي الْعَقَارَاتِ " ده دوازده ")
وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِذَا زَادَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرُ وَإِنْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ كَالْفَلْسِ مَثَلًا (قَالَ) فِي بُيُوعِ التَّتِمَّةِ وَبِهِ يُفْتِي (وَاَلَّذِي لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مُقَابِلَهُ مِمَّا يَتَغَابَنُ فِيهِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: تَكَلَّمُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ كُلَّ غَبْنٍ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهُوَ يَسِيرٌ، وَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهُوَ فَاحِشٌ. قَالَ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْجَامِعِ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ " ده نيم " وَفِي الْحَيَوَانَاتِ " ده يازده " وَفِي الْعَقَارَاتِ " ده دوازده ") اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ سَوْقِ الْكَلَامِ هَاهُنَا يُشْعِرُ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِذِكْرِ هَذَا الْقَوْلِ تَفْسِيرَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ مَا ذَكَرَهُ سَابِقًا كَانَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْفَاحِشِ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ إلَخْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَيْضًا تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَأَمَّا الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّطْبِيقُ لِمَا عَيَّنَ فِي سَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَعَنْ هَذَا كَانَ الشُّرَّاحُ هَاهُنَا فِرْقَتَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ تَرَدَّدَ فِي تَعْيِينِ مُرَادِهِ وَجَعَلَ كَلَامَهُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ وَلَكِنْ ذَكَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِيلَ لَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِالثَّانِي فَقَالَ هَذَا بَيَانُ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ.
وَقَالَ الشَّارِحُ الْكَاكِيُّ مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ: وَكَانَ قَوْلُهُ وَقِيلَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِهِمْ كَانَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِهِمْ غَبْنًا يَسِيرًا. وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ فِي كُتُبِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ الْبَارِعُ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَرُوِيَ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: قَدْرُ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي الْعُرُوضِ " ده نيم " وَفِي الْحَيَوَانِ " ده يازده " وَفِي الْعَقَارِ " ده دوازده " انْتَهَى. وَمِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ قَلِيلٌ
[ ٨ / ٨٤ ]
لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الْأَوَّلِ وَيَقِلُّ فِي الْأَخِيرِ وَيَتَوَسَّطُ فِي الْأَوْسَطِ وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ.
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀)؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِافْتِرَاقِ وَالِاجْتِمَاعِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْكُلَّ بِثَمَنِ النِّصْفِ يَجُوزُ عِنْدَهُ فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ أَوْلَى (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا)؛ لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ جُمْلَةً فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ، فَإِذَا بَاعَ الْبَاقِيَ قَبْلَ نَقْضِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةً، وَإِذَا لَمْ يَبِعْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةً فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ عِنْدَهُمَا.
وَمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ كَثِيرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهُوَ قَلِيلٌ وَمَا لَا يَدْخُلُ فَهُوَ كَثِيرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي. وَمُحَمَّدٌ قَدَّرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: يَعْنِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِدَهٍ نيم وَمَشَايِخُ بَلْخٍ فَصَلُّوا ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ شُعَيْبٍ. حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدَّرُوا الْيَسِيرَ فِي الْعَقَارِ بِدَهٍ دوازده، وَفِي الْحَيَوَانِ بِدَهٍ يازده، وَفِي الْعُرُوضِ بِدَهٍ نيم انْتَهَى كَلَامُهُ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ الْمُتَّفِقِينَ عَلَى جَعْلِ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْيَسِيرِ.
هَذَا وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْعُرُوض (وَيَقِلُّ فِي الْأَخِيرِ) وَهُوَ الْعَقَارَاتُ (وَيَتَوَسَّطُ فِي الْأَوْسَطِ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ (وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ)؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ يَزِيدُ بِقِلَّةِ التَّجْرِبَةِ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَتِهَا، وَقِلَّتُهَا وَكَثْرَتُهَا بِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ وَكَثْرَتِهِ، ثُمَّ إنَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ نِصَابٌ تُقْطَعُ بِهِ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ فَجُعِلَتْ أَصْلًا وَالدِّرْهَمُ مَالٌ يُحْبَسُ لِأَجْلِهِ فَقَدْ لَا يُتَسَامَحُ بِهِ فِي الْمُمَاكَسَةِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيمَا كَثُرَ وُقُوعُهُ يَسِيرًا وَالنِّصْفُ مِنْ النَّصَفَةِ فَكَانَ يَسِيرًا وَضُوعِفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْوُقُوعِ، فَمَا كَانَ أَقَلَّ وُقُوعًا مِنْهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ ضِعْفُهُ، وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْأَقَلِّ اُعْتُبِرَ فِيهِ ضِعْفُ ضِعْفِهِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا وَكَّلَهُ) أَيْ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا (بِبَيْعِ عَبْدٍ) أَيْ بِبَيْعِ عَبْدٍ لَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِبَيْعِ عَبْدِهِ (فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) إنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعَبْدِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ،؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ نِصْفَ مَا وَكَّلَ بَيْعَهُ وَلَيْسَ فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِيضَاحِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِافْتِرَاقِ وَالِاجْتِمَاعِ) فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، وَنَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْكُلَّ) أَيْ كُلَّ الْعَبْدِ (بِثَمَنِ النِّصْفِ يَجُوزُ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الثَّمَنِ (أَوْلَى) أَيْ فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْبَعْضِ مَعَ بَيْعِ الْبَعْضِ بِمِقْدَارٍ مِنْ الثَّمَنِ أَنْفَعُ لِلْآمِرِ مِنْ بَيْعِ الْكُلِّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا لِكَوْنِهِ غَبْنًا فَاحِشًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ بِثَمَنِ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ عَيْبَ الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا بَيْعُ النِّصْفِ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ فَكَانَ هَذَا مُخَالَفَةً مِنْ الْوَكِيلِ إلَى شَرٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ. قُلْنَا: ضَرَرُ الشَّرِكَةِ أَقَلُّ وَأَهْوَنُ مِنْ ضَرَرِ بَيْعِ الْكُلِّ بِثَمَنِ النِّصْفِ، فَإِذَا جَازَ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ وَهُوَ أَهْوَنُ أَوْلَى (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ نِصْفِ ذَلِكَ الْعَبْدِ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ، وَبَيْعُ النِّصْفِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ (وَلِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ)؛ لِأَنَّهَا عَيْبٌ (إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا) أَيْ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ (لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيَهُ جُمْلَةً فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ، فَإِذَا بَاعَ الْبَاقِيَ قَبْلَ نَقْضِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ (وَقَعَ وَسِيلَةً) إلَى الِامْتِثَالِ (وَإِذَا لَمْ يَبِعْ) الْبَاقِيَ (ظَهَرَ أَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ (لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةً) إلَى الِامْتِثَالِ (فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الْبَيْعِ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ (اسْتِحْسَانٌ عِنْدَهُمَا) إذْ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ لِثُبُوتِ الْمُخَالَفَةِ بِبَيْعِ النِّصْفِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ: وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ
[ ٨ / ٨٥ ]
(وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ)؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ كَانَ مَوْرُوثًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ شِقْصًا شِقْصًا، فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ الْبَيْعَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةً فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَتَحَقَّقُ التُّهْمَةُ عَلَى مَا مَرَّ. وَآخَرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ يُصَادِفُ مِلْكَهُ فَيَصِحُّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ إطْلَاقُهُ وَالْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقْيِيدُ وَالْإِطْلَاقُ.
- ﵀ اهـ. وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَنْسَبُ بِعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ
(وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ كَانَ مَوْرُوثًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ شِقْصًا شِقْصًا) الشِّقْصُ: الْجُزْءُ مِنْ الشَّيْءِ وَالنَّصِيبِ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ (فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ الْبَيْعَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ) أَيْ شِرَاءُ الْبَعْضِ (وَسِيلَةً) إلَى الِامْتِثَالِ (فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ)؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ جُمْلَةً. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ جَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ كَوْنُ الشِّرَاءِ مَوْقُوفًا (بِالِاتِّفَاقِ) بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ إذَا اشْتَرَى نِصْفَهُ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ أَعْتَقَهُ الْآمِرُ جَازَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ لَمْ يَجُزْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ جَازَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَجُزْ.
فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ إنَّ الْعَقْدَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ صَرِيحًا نَفَذَ عَلَيْهِ وَالْإِعْتَاقُ إجَازَةٌ مِنْهُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفُذُ إعْتَاقُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَنَاوَلَتْ مَحَلًّا بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْوَكِيلُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى إجَازَتِهِ فَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ. وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: إنَّهُ قَدْ خَالَفَ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا التَّوَقُّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخِلَافَ يُتَوَهَّمُ رَفْعُهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، وَقَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بَقِيَ مُخَالِفًا فَإِذَا أَعْتَقَهُ الْآمِرُ لَمْ يَجُزْ.
كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِيضَاحِ (وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (أَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَتَحَقَّقُ التُّهْمَةُ عَلَى مَا مَرَّ) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ إلَخْ: يَعْنِي أَنَّ التُّهْمَةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ فَافْتَرَقَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ (وَآخَرُ) أَيْ وَفَرْقٌ آخَرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ) فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ (يُصَادِفُ مِلْكَهُ) أَيْ مِلْكَ الْآمِرِ (فَيَصِحُّ) أَيْ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ لِوِلَايَةِ الْآمِرِ عَلَى مِلْكِهِ (فَيُعْتَبَرُ فِيهِ إطْلَاقُهُ) أَيْ إطْلَاقُ الْأَمْرِ (وَالْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ) فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ (صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ) وَهُوَ مِلْكُ الْبَائِعِ (فَلَمْ يَصِحَّ) أَيْ الْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ (فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ التَّقْيِيدُ وَالْإِطْلَاقُ) أَيْ تَقْيِيدُ الْأَمْرِ وَإِطْلَاقُهُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُتَعَارَفُ، وَالْمُتَعَارَفُ فِيهِ أَنْ يَشْتَرِيَ
[ ٨ / ٨٦ ]
قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ فَرَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثْ مِثْلُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْآمِرِ)
الْعَبْدَ جُمْلَةً كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَاعِدُهُ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَمَا اكْتَفَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الشَّرْحِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ التَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ أَمْرٌ بِالشِّرَاءِ، وَقَدْ قَالَ الْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ صَحَّ بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِذَا صَحَّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ فَجَعَلْنَاهُ الثَّمَنَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ لِكَوْنِهِ مِلْكَهُ وَصَرَفْنَاهُ إلَى الْمُتَعَارَفِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَان، وَلَوْ عَمِلْنَا بِإِطْلَاقِهِ كَانَ ذَلِكَ إبْطَالًا لِلْقِيَاسِ وَالْعُرْفِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْإِعْمَالُ وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّا لَمْ نَعْمَلْ بِالْإِطْلَاقِ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لِئَلَّا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الدَّلَائِلِ، فَيَتَّجِهُ عَلَيْهِ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَعْمَلَ بِالْإِطْلَاقِ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ أَيْضًا لِئَلَّا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ يَعْمَلْ بِالْقِيَاسِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِالْعُرْفِ أَيْضًا لَزِمَ إبْطَالُ الدَّلِيلَيْنِ مَعًا، بِخِلَافِ صُورَةِ الْبَيْعِ حَيْثُ عَمِلَ فِيهَا بِالْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا صَادَفَ مِلْكَ الْآمِرِ. قُلْت: لَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْفَرْقِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ بِالنَّصِّ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ فَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْعُرْفِ، فَلَوْ جَازَ تَقْيِيدُ الْإِطْلَاقِ بِهِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لَجَازَ تَقْيِيدُهُ بِهِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي شَرْحِ الْفَرْقِ الثَّانِي: إنَّ الْأَمْرَ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ صَادَفَ مِلْكَ الْآمِرِ فَصَحَّ أَمْرُهُ لِوِلَايَتِهِ عَلَى مِلْكِهِ فَاعْتُبِرَ إطْلَاقُ الْأَمْرِ فَجَازَ بَيْعُ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ مُطْلَقًا عَنْ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَصَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ وَهُوَ مَالُ الْبَائِعِ فَلَمْ يَصِحَّ الْأَمْرُ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْآمِرِ فِي مَالِ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا صَحَّ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا عُمُومَ لِمَا ثَبَتَ ضَرُورَةً فَلَمْ يُعْتَبَرْ إطْلَاقُهُ فَلَمْ يَجُزْ شِرَاءُ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ يَتَأَدَّى بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ شِرَاءُ الْكُلِّ لَا الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْكُلِّ لَا يَحْصُلُ بِشِرَاءِ الْبَعْضِ إلَّا إذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا فَيَجُوزَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مَقْصُودُهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْبَيَانِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَفْهُومٍ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَا ارْتَكَبَهُ فِي جَوَابِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ) وَسَلَّمَهُ (وَقَبَضَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ فَرَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَائِعِ الْمُشْتَرِي (بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ) أَيْ لَا يَحْدُثْ مِثْلُهُ أَصْلًا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَالسِّنِّ الشَّاغِيَةِ، أَوْ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ (بِقَضَاءِ الْقَاضِي) مُتَعَلِّقٌ بِرَدِّهِ: أَيْ رَدِّهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ كَمَا سَيَأْتِي (بِبَيِّنَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَيْ قَضَائِهِ بِبَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي (أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ) أَيْ أَوْ قَضَائِهِ بِإِبَاءِ الْبَائِعِ عَنْ الْيَمِينِ عِنْدَ تَوَجُّهِهَا إلَيْهِ (أَوْ بِإِقْرَارِهِ) أَيْ أَوْ قَضَائِهِ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْبَائِعَ وَهُوَ الْمَأْمُورُ (يَرُدُّهُ) أَيْ يَرُدُّ الْعَبْدَ الَّذِي رُدَّ عَلَيْهِ (عَلَى الْآمِرِ) بِلَا حَاجَةٍ إلَى خُصُومَةٍ، إذْ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رَدٌّ
[ ٨ / ٨٧ ]
لِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ. وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا لَكِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ تَارِيخُ الْبَيْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ لِظُهُورِ التَّارِيخِ، أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ الْأَطِبَّاءُ،
عَلَى الْمُوَكِّلِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُهُ لَا مَحَالَةَ، فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي مَعَ الْإِقْرَارِ؟ قُلْنَا: يُمْكِنُ أَنْ يُقِرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ وَيَمْتَنِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْقَبُولِ، فَقَضَاءُ الْقَاضِي كَانَ إجْبَارًا عَلَى الْقَبُولِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: إنْ كَانَ الْوَكِيلُ مُقِرًّا بِالْعَيْبِ يُرَدُّ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ؟ قُلْت: الْكَلَامُ وَقَعَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا كَانَ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ بِإِقْرَارِهِ بِلَا قَضَاءٍ لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي عَامَّةِ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ فَظَهَرَتْ الْفَائِدَةُ إذًا فَافْهَمْهُ وَاغْتَنِمْهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ لَيْسَ بِشَافٍ، إذْ هُوَ لَا يَحْسِمْ عِرْقَ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ هَاتِيَك الْفَائِدَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى وُقُوعِ الْقَضَاءِ: أَيْ حَاصِلَةٌ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَكَلَامُ السَّائِلِ فِي سَبَبِ وُقُوعِ الْقَضَاءِ ابْتِدَاءً. يَعْنِي أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَرَفْعِ الْمُنَازَعَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فَصْلَ الْخُصُومَةِ وَرَفْعَ الْمُنَازَعَةِ فَرْعُ تَحَقُّقِ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ، وَفِيمَا إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ لَا خُصُومَةَ وَلَا مُنَازَعَةَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ رَأْسًا فَبِأَيِّ سَبَبٍ يَقَعُ الْقَضَاءُ حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْفَائِدَةَ؟ فَالْجَوَابُ الشَّافِي هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْمُقِرِّ بِالْعَيْبِ عَنْ قَبُولِ الْمَعِيبِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إلَى وُقُوعِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْجَبْرِ عَلَى الْقَبُولِ.
قَالَ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ (لِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ) إذْ الْكَلَامُ فِي عَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ (فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ) يَعْنِي الْبَيِّنَةَ وَالنُّكُولَ وَالْإِقْرَارَ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْعَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ لَمْ يَتَوَقَّفْ قَضَاءُ الْقَاضِي عَلَى وُجُودِ هَذِهِ الْحُجَجِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِدُونِهَا لِعِلْمِهِ قَطْعًا بِوُجُودِ هَذَا الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَائِعِ. فَأَجَابَ بِأَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ إلَخْ. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ صَحِيحٌ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ، إلَّا أَنَّ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِإِدْخَالِ الْفَاءِ عَلَيْهِ يَأْبَى ذَلِكَ جِدًّا؛ لِأَنَّ مَنْشَأَ السُّؤَالِ مَا سَبَقَ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَكَيْفَ يَتِمُّ تَفْرِيعُ الْجَوَابِ عَلَيْهِ؟ وَكَأَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَاقَ هَذِهِ الْبَشَاعَةَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ دَفْعٌ لِسُؤَالِ سَائِلٍ فَقَرَّرَ السُّؤَالُ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. ثُمَّ لَمَّا جَاءَ إلَى تَقْرِيرِ الْجَوَابِ قَالَ: فَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْلَمُ إلَخْ، فَجَعَلَ الْجَوَابَ قَوْلَهُ: وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكِتَابِ إلَخْ دُونَ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ، لَكِنْ لَا يُجْدِي ذَلِكَ طَائِلًا، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ اعْتَرَفَ ابْتِدَاءً فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ إلَى آخِرِهِ بِأَنَّ هَذَا دَفْعٌ لِذَلِكَ السُّؤَالِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِإِخْرَاجِ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ عَنْ جَوَابِ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَإِدْخَالُهُ فِي التَّعْلِيلِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ قَدْ تَمَّ بِدُونِ الْقَوْلِ الْمَزْبُورِ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ لَا يَتِمُّ بِدُونِ هَذَا كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرُهُ لَمَّا رَأَوْا مَعْنَى الْكَلَامِ بِمُقْتَضَى الْمَقَامِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلصَّرْفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ صَرَّحُوا بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَخْ جَوَابٌ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِبَيَانِ رَكَاكَةِ الْفَاءِ حِينَئِذٍ، فَتَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ بِتَبْدِيلِ الْفَاءِ بِالْوَاوِ لَكَانَ كَلَامُهُ أَسْلَمَ وَأَوْفَى (وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا) أَيْ اشْتِرَاطُ هَذِهِ الْحُجَجِ (فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الْعَيْبَ الْمَذْكُورَ (لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا لَكِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاضِي (تَارِيخُ الْبَيْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ) أَيْ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا (لِظُهُورِ التَّارِيخِ) أَيْ لِأَجْلِ ظُهُورِ التَّارِيخِ عِنْدَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيَرُدُّ الْمَبِيعَ عَلَيْهِ (أَوْ كَانَ عَيْبًا) إشَارَةً إلَى تَأْوِيلٍ آخَرَ: أَيْ أَوْ كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي يُرِيدُ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ بِهِ عَيْبًا (لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ) كَالْقَرَنِ فِي الْفَرْجِ وَنَحْوِهِ (أَوْ الْأَطِبَّاءُ) أَيْ أَوْ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَطِبَّاءُ
[ ٨ / ٨٨ ]
وَقَوْلُهُنَّ وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ لَا فِي الرَّدِّ فَيَفْتَقِرُ إلَيْهَا فِي الرَّدِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاضِي عَايَنَ الْبَيْعَ وَالْعَيْبُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يَحْتَاجُ الْوَكِيلُ إلَى رَدٍّ وَخُصُومَةٍ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ)؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ
كَالدِّقِّ وَالسُّعَالِ الْقَدِيمِ (وَقَوْلُهُنَّ) أَيْ قَوْلُ النِّسَاءِ.
(وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ) لِلْمُشْتَرِي (لَا فِي الرَّدِّ) أَيْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ (فَيَفْتَقِرُ) أَيْ الْقَاضِي (إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْحُجَجِ الْمَذْكُورَةِ (فِي الرَّدِّ) عَلَى الْبَائِعِ. أَقُولُ: فِي هَذَا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ، إذْ عَلَى هَذَا لَا يَتِمُّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا، فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ وَالِاحْتِيَاجِ، إلَى التَّأْوِيلِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ تَتْمِيمِ ذَلِكَ بَلْ عَلَى هَذَا لَا يَتِمُّ جَوَابُ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، إذْ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَأْمُورِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ مِثْلَ الْجَوَابِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي صُورَةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ النِّسَاءِ وَلَا قَوْلُ الْأَطِبَّاءِ حُجَّةً فِي حَقِّ الرَّدِّ بَلْ كَانَ الْقَاضِي فِيهِ مُفْتَقِرًا إلَى إحْدَى الْحُجَجِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَيْضًا كَانَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِإِقْرَارِهِ قَضَاءً بِحُجَّةٍ قَاصِرَةٍ لَمْ يُضْطَرَّ الْمَأْمُورُ إلَيْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَعَدَّى إلَى الْآمِرِ بِعَيْنٍ مَا ذَكَرُوا فِيمَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْكَافِي زَادَ هَاهُنَا تَأْوِيلًا ثَالِثًا وَقَدَّمَهُ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ: وَمَعْنَى شَرْطُ الْبَيِّنَةِ وَالنُّكُولِ وَالْإِقْرَارِ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَى الْقَاضِي أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ قَدِيمٌ أَمْ لَا. أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا، وَلَكِنْ لَا يَعْلَمْ تَارِيخَ الْبَيْعِ فَاحْتَاجَ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ لِيُظْهِرَ التَّارِيخَ، أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ الْأَطِبَّاءُ كَالْقَرَنِ فِي الْفَرْجِ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُنَّ وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ، وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِنَّ فَيَفْتَقِرُ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ لِلرَّدِّ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا: أَقُولُ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِمَّا لَا يُرَى لَهُ وَجْهُ صِحَّةٍ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الرَّدِّ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَالْعَيْبُ الَّذِي يُشْتَبَهُ عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ قَدِيمٌ أَمْ لَا مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا مَا يَتَعَيَّنُ حُدُوثُهُ عِنْدَهُ وَإِلَّا لَمَا صَحَّ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَاَلَّذِي يُشْتَبَهُ أَنَّهُ قَدِيمٌ أَمْ لَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ وَإِلَّا لَمَا اشْتَبَهَ حَالُهُ، فَإِنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ قَدِيمٌ أَلْبَتَّةَ (حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاضِي عَايَنَ الْبَيْعَ وَالْعَيْبُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ) أَيْ الْقَاضِي (إلَى شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْحُجَجِ (وَهُوَ) أَيْ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ (رَدٌّ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يَحْتَاجُ الْوَكِيلُ إلَى رَدٍّ وَخُصُومَةٍ) مَعَ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، وَالْفَسْخُ بِالْحُجَّةِ الْكَامِلَةِ عَلَى الْوَكِيلِ فَسْخٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ (قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا رَدَّهُ) أَيْ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ (بِعَيْبٍ) أَيْ بِسَبَبِ عَيْبٍ (يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِبَيِّنَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِرَدِّهِ: أَيْ رَدِّهِ عَلَيْهِ بِبَيِّنَهٍ (أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ) أَيْ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ (لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ) أَيْ كَامِلَةٌ فَتَتَعَدَّى، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقِيلَ: أَيْ مُثَبَّتَةٌ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً فَيَثْبُتُ بِهَا قِيَامُ الْعَيْبِ عِنْدَ الْمُوَكِّلِ فَيَنْفُذُ الرَّدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَخْذًا مِنْ الْكَافِي (وَالْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ خِلَافِ زُفَرٍ فِي إبَاءٍ عَنْ يَمِينٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ رَدَّ
[ ٨ / ٨٩ ]
لِبُعْدِ الْعَيْبِ عَنْ عِلْمِهِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُمَارَسَتِهِ الْمَبِيعَ فَلَزِمَ الْآمِرَ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ لَزِمَ الْمَأْمُورَ)؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ لِإِمْكَانِهِ السُّكُوتَ وَالنُّكُولَ، إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ فَيُلْزِمَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِنُكُولِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَالْعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ وَالْبَائِعُ ثَالِثُهُمَا، وَالرَّدُّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ
عَلَى الْوَكِيلِ بِنُكُولِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ وَجَدَ عَيْبًا فَرَدَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِنُكُولِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ، فَجَعَلَ هَذَا وَمَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاءً فِي حَقِّ الْبَائِعِ، فَكَذَا فِي حَقِّ الْوَكِيلِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي هَذَا النُّكُولِ (لِبُعْدِ الْعَيْبِ عَنْ عِلْمِهِ) أَيْ عَنْ عِلْمِ الْوَكِيلِ (اعْتِبَارُ عَدَمِ مُمَارَسَةِ الْمَبِيعِ) فَإِنَّهُ لَمْ يُمَارِسْ أَحْوَالَ الْمَبِيعِ وَهُوَ الْعَبْدُ فَلَا يَعْرِفُ بِعَيْبِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَيَخَافُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا فَيَنْكُلَ، وَالْمُوَكِّلُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ فَكَانَ الْخَلَاصُ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ (فَيَلْزَمُ الْآمِرَ) أَيْ فَيَلْزَمُ الْعَبْدُ الْآمِرَ أَوْ فَيَلْزَمُ حُكْمُ النُّكُولِ الْآمِرَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَيَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَيَكُونَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ مُخْتَارًا لَا مُضْطَرًّا، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى النُّكُولِ، وَلَكِنْ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْجِعْ بِعُهْدَةِ عَمَلِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِع الصَّغِيرِ (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ (بِإِقْرَارٍ) أَيْ بِإِقْرَارِهِ (لَزِمَ الْمَأْمُورَ) أَيْ لَزِمَ الْعَبْدُ الْمَأْمُورَ وَهُوَ الْوَكِيلُ (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ) فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَأْمُورُ (غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِقْرَارِ (لِإِمْكَانِهِ السُّكُوتُ وَالنُّكُولُ) بِرَفْعِ السُّكُوتِ وَالنُّكُولِ: يَعْنِي يُمْكِنُهُ السُّكُوتُ وَالنُّكُولُ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالسُّكُوتِ وَالنُّكُولِ (إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ) يَعْنِي لَكِنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ (فَيُلْزِمَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِنُكُولِهِ) أَيْ بِنُكُولِ الْمُوَكِّلِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمْ يَذْكُرْ الْإِقْرَارَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْمُخَاصَمَةِ هُنَا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِتَامٍّ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ بِالْعَيْبِ وَيَمْتَنِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْقَبُولِ، فَفَائِدَةُ الْخُصُومَةِ أَنْ يُجْبِرَهُ الْقَاضِي عَلَى الْقَبُولِ كَمَا قَالُوا فِي إقْرَارِ الْوَكِيلِ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ إقْرَارُ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ مُخَاصَمَةِ الْوَكِيلِ لَا قَبْلَهَا، فَلَا مَعْنًى لِقَوْلِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْمُخَاصَمَةِ هَاهُنَا إذَا كَانَ مُقِرًّا فَتَدَبَّرْ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الرَّدُّ) أَيْ الرَّدُّ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ (بِغَيْرِ قَضَاءٍ) يَعْنِي أَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ (وَالْعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ) فَبِخِلَافِهِ (حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ) يَعْنِي الْمُوَكِّلَ (لِأَنَّهُ) أَيْ الرَّدَّ بِالْإِقْرَارِ وَالرِّضَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ (بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ) وَإِنْ كَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (وَالْبَائِعُ) يَعْنِي الْمُوَكِّلَ (ثَالِثُهُمَا) أَيْ ثَالِثُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُمَا الْوَكِيلُ وَالْمُشْتَرِي. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَنْ يُخَاصِمَ مُوَكِّلَهُ أَوْ يَقُولَ آمُرَهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَقُولَ مَكَانَ قَوْلِهِ وَالْبَائِعُ ثَالِثُهُمَا وَالْمُوَكِّلُ ثَالِثُهُمَا أَوْ الْآمِرُ ثَالِثُهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُخَاصَمَةِ الْوَكِيلِ مَعَ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ لَيْسَ بِبَائِعٍ انْتَهَى.
وَاعْتَذَرَ عَنْهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِأَنْ قَالَ: عَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا انْتَقَلَ إلَى الْوَكِيلِ وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ بِأَمْرٍ قَدْ حَصَلَ مِنْ جِهَتِهِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ انْتَهَى (وَالرَّدُّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ) هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الْخُصُومَةِ مَعَ الْمُوَكِّلِ أَصْلًا فِيمَا إذَا حَصَلَ الرَّدُّ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ لِكَوْنِهِ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، فَقَالَ الرَّدُّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ
[ ٨ / ٩٠ ]
لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، غَيْرَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَاصِرَةٌ وَهِيَ الْإِقْرَارُ، فَمِنْ حَيْثُ الْفَسْخُ كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ، وَمِنْ حَيْثُ الْقُصُورُ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ الْعَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَالرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ بِإِقْرَارِهِ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ
لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي) يَعْنِي أَنَّ الرَّدَّ بِالْقَضَاءِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَقْدًا مُبْتَدَأً لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ التَّرَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَرُدُّهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ فَيُجْعَلُ فَسْخًا لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي (غَيْرَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَاصِرَةٌ وَهِيَ الْإِقْرَارُ) يَعْنِي لَكِنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى حُجَّةٍ قَاصِرَةٍ وَهِيَ الْإِقْرَارُ فَعَمِلْنَا بِالْجِهَتَيْنِ (فَمِنْ حَيْثُ الْفَسْخُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّدَّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ (كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (أَنْ يُخَاصِمَ) أَيْ مَعَ الْمُوَكِّلِ (وَمِنْ حَيْثُ الْقُصُورُ فِي الْحُجَّةِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ (لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلُ إلَّا بِحُجَّةٍ) أَيْ إلَّا بِإِقَامَةِ الْوَكِيلِ الْحُجَّةَ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهَذِهِ فَائِدَةُ الْحَاجَةِ إلَى الْقَضَاءِ مَعَ الْإِقْرَارِ فَيَسْقُطُ مَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ، لَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى قَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُهُ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ قَدْ عَرَفْت فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ أَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ فَائِدَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْقَضَاءِ حَاصِلَةٌ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَمَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِي أَصْلِ تَحَقُّقِ الْقَضَاءِ وَحُصُولِهِ ابْتِدَاءً، فَإِنَّهُ إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إلَى قَضَاءٍ، فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ الْقَضَاءُ حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَائِدَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَهَذَا كَلَامٌ جَيِّدٌ لَا يَسْقُطُ بِمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، فَإِنَّ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ ثَبِّتْ الْعُرْسَ ثُمَّ اُنْقُشْ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ بَلْ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ السُّؤَالِ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُقِرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ وَيَمْتَنِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْقَبُولِ، فَقَضَاءُ الْقَاضِي كَانَ جَبْرًا عَلَيْهِ عَلَى الْقَبُولِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرْنَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ الْجَوَابَ جَوَابٌ حَسَنٌ وَوَجْهٌ وَجِيهٌ، فَإِنَّ فِيهِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ التَّوْجِيهِ الَّذِي تَمَحَّلَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ خِيَارِ الْعَيْبِ فِي مَسْأَلَةِ رَدِّ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ: وَمَعْنَى الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِقْرَارَ فَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ انْتَهَى فَتَفَكَّرْ.
فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ الرَّدُّ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْإِجَارَةِ، فَإِنَّهُ إذَا أَجَّرَ وَسَلَّمَ ثُمَّ طَعَنَ الْمُسْتَأْجِرُ فِيهِ بِعَيْبٍ فَقَبِلَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَلَمْ يُعْتَبَرْ إجَارَةً جَدِيدَةً فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، فَكَذَا هَذَا. قُلْنَا: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي إجَارَةِ الدَّارِ لَا يَصِيرُ مَقْبُوضًا بِقَبْضِ الدَّارِ، وَلِهَذَا لَوْ تَلِفَ بِانْهِدَامِ الدَّارِ كَانَ فِي ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الْمَبِيعِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِلَهُ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَهُنَاكَ يَلْزَمُ الْآمِرَ فَكَذَا فِي الْإِجَارَةِ. وَقَالَ: شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَفِي الْكِتَابِ عَلَّلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، وَقَالَ: إنَّ فَسْخَ الْإِجَارَةِ لَيْسَ بِإِجَارَةٍ فِي حَقِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ الْإِجَارَةُ عُقُودٌ مُتَفَرِّقَةٌ يَتَجَدَّدُ انْعِقَادُهَا بِحَسَبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنَافِعِ، فَبَعْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يُمْتَنَعُ الِانْعِقَادُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ عَقْدًا مُبْتَدَأً.
وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى الْعَقْدُ مُنْعَقِدٌ بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ الدَّارِ مَقَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَهَذَا حُكْمٌ قَدْ ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَعْدُو مَوْضِعَهَا، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى أَنْ يُجْعَلَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ عَقْدًا مُبْتَدَأً لِقِيَامِ الدَّارِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَلَوْ كَانَ الْعَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَالرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ) أَيْ وَكَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ (يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ فِي رِوَايَةٍ) أَيْ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْأَصْلِ (لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا غَيْرَ مَا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي لَوْ رُفِعَ الْأَمْرُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُمَا لَوْ رَفَعَا الْأَمْرَ إلَيْهِ فِي عَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ وَلَا يُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِذَا تَعَيَّنَ الرَّدُّ صَارَ تَسْلِيمُ الْخَصْمِ وَتَسْلِيمُ
[ ٨ / ٩١ ]
وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْحَقُّ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الرَّدِّ ثُمَّ إلَى الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الرَّدُّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْكِفَايَةِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ أَمَرْتُك بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ أَمَرْتنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ)؛ لِأَنَّ الْآمِرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ)
الْقَاضِي سَوَاءً كَتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ (وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ) أَيْ عَامَّةِ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ (لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (أَنْ يُخَاصِمَهُ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلُ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ (وَالْحَقُّ) أَيْ حَقُّ الْمُشْتَرِي (فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي يَثْبُتُ أَوَّلًا فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ وَهُوَ وَصْفُ السَّلَامَةِ (ثُمَّ يَنْتَقِلُ) بِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ (إلَى الرَّدِّ، ثُمَّ) يَنْتَقِلُ بِامْتِنَاعِ الرَّدِّ بِحُدُوثِ عَيْبٍ أَوْ بِحُدُوثِ زِيَادَةٍ فِي الْمَبِيعِ (إلَى الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الرَّدُّ) وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْحَقُّ مُتَعَيَّنٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّحَوُّلَ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَتِمَّ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ الْجَامِعِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْكِفَايَةِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا) يُرِيدُ بِالْكِفَايَةِ كِفَايَةَ الْمُنْتَهَى وَهِيَ شَرْحٌ لِلْبِدَايَةِ: أَلَّفَهَا الْمُصَنِّفُ قَبْلَ الْهِدَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الدِّيبَاجَةِ، وَلَمْ نَعْلَمْ وُجُودَ نُسَخِهَا الْآنَ وَلَمْ نَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا رَآهَا. قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ بَعْدَ بَيَانِ الْمَقَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ: وَهَكَذَا ذُكِرَ الرِّوَايَتَانِ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهَا، وَبَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ نُزُولًا مِنْ اللُّزُومِ إلَى أَنْ لَا يُخَاصِمَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَانَ الْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُهُ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَلَعَمْرِي إنَّ رُتْبَتَهُ لَا تَتَحَمَّلُ الْإِقْدَامَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَّهُ أَقْرَبَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَرَاءَةُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ سِيَّمَا بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي مَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَلْبَتَّةَ لَا غَيْرُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ
(قَالَ) أَيْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ قَالَ لِأَخَرَ أَمَرْتُكَ بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ أَمَرْتَنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ) يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِي إطْلَاقِ التَّصَرُّفِ وَتَقْيِيدِهِ فَقَالَ الْآمِرُ أَمَرْتُك بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ بَلْ أَمَرْتَنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا زَائِدًا عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ (لِأَنَّ الْأَمْرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ، وَمَنْ يُسْتَفَادُ الْأَمْرُ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَهُ فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ، إلَّا إذَا كَانَ فِي الْعَقْدِ مَا يُخَالِفُ مُدَّعَاهُ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ) إذْ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ قَدْ يَكُونُ مُقَيَّدًا وَقَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ التَّقْيِيدُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّقْيِيدِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَقُلْ وَكَّلْتُك بِبَيْعِ هَذَا الشَّيْءِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِبَيْعِهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ وَكَّلْتُك بِمَالِي أَوْ فِي مَالِي لَا يَمْلِكُ إلَّا الْحِفْظَ وَكَانَ مُدَّعِيًا لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ (الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ) فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرْتُك بِالنَّقْدِ وَقَالَ الْمُضَارِبُ بَلْ دَفَعْت مُضَارَبَةً وَلَمْ تُعَيِّنْ شَيْئًا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَصْوِيرِ الِاخْتِلَافِ هَاهُنَا: فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرْتُك أَنْ تَعْمَلَ فِي الْبَزِّ وَقَالَ
[ ٨ / ٩٢ ]
لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِذِكْرِ لَفْظِ الْمُضَارَبَةِ فَقَامَتْ دَلَالَةُ الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ وَالْمُضَارِبُ فِي نَوْعٍ آخَرَ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الْإِطْلَاقُ بِتَصَادُقِهِمَا فَنَزَلَ إلَى الْوَكَالَةِ الْمَحْضَةِ ثُمَّ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ يَنْتَظِمُهُ نَقْدًا وَنَسِيئَةً إلَى أَيِّ أَجَلٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ وَالْوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا فَضَاعَ فِي يَدِهِ أَوْ أَخَذَ بِهِ كَفِيلًا فَتَوِيَ الْمَالُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)
الْمُضَارِبُ دَفَعْت إلَيَّ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا. أَقُولُ: هَذَا التَّصْوِيرُ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. فَإِنَّ صُورَتَهَا هَكَذَا: مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً فَاخْتَلَفَا فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَمَرْتُك أَنْ تَبِيعَهُ بِالنَّقْدِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَقَالَ الْمُضَارِبُ أَعْطَيْتنِي الْمَالَ مُضَارَبَةً وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا. قَالَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ. انْتَهَى لَفْظُ مُحَمَّدٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ) يَعْنِي أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ إلَّا أَنَّ فِي الْعَقْدِ مَا يُخَالِفُ دَعْوَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُضَارِبَ (يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِذِكْرِ لَفْظِ الْمُضَارَبَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَصِحُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَيَثْبُتُ الْإِذْنُ عَامًّا (فَقَامَتْ دَلَالَةُ الْإِطْلَاقِ) أَيْ فَقَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَمَنْ ادَّعَى الْإِطْلَاقَ فِي الْمُضَارَبَةِ كَانَ مُدَّعِيًا لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ) أَيْ فِي نَوْعٍ مُسَمًّى (وَالْمُضَارِبُ فِي نَوْعٍ آخَرَ) أَيْ وَادَّعَى الْمُضَارِبُ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ آخَرَ (حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الْإِطْلَاقُ فِيهِ بِتَصَادُقِهِمَا فَنَزَلَ) أَيْ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ (إلَى الْوَكَالَةِ الْمَحْضَةِ) وَفِيهَا الْقَوْلُ لِلْآمِرِ كَمَا مَرَّ آنِفًا (ثُمَّ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ) فِي صُورَةِ الْوَكَالَةِ (يَنْتَظِمُهُ) أَيْ يَنْتَظِمُ الْبَيْعَ (نَقْدًا وَنَسِيئَةً إلَى أَيِّ أَجَلٍ كَانَ) مُتَعَارَفٍ عِنْدَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ أَوْ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ فِيهَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ) حَتَّى لَوْ بَاعَ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ عِنْدَ التُّجَّارِ بِأَنْ بَاعَ إلَى خَمْسِينَ سَنَةٍ جَازَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا (وَالْوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ) أَيْ الْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ عَمِلَ بِالْإِطْلَاقِ وَهُمَا بِالْمُتَعَارَفِ.
قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَذْكُرَ مَسْأَلَةَ النَّسِيئَةِ فِي أَوَائِلِ الْفَصْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِقَوْلِهِ وَالْوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا فَضَاعَ) أَيْ الرَّهْنُ (فِي يَدِهِ أَوْ أَخَذَ بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (كَفِيلًا فَتَوْيُ الْمَالِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْكَفِيلِ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَأْمُورِ. قَالَ الْكَاكِيُّ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الْكَفِيلِ
[ ٨ / ٩٣ ]
لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهَا وَالْكَفَالَةُ تُوثَقُ بِهِ، وَالِارْتِهَانُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيَمْلِكُهُمَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ نِيَابَةً وَقَدْ أَنَابَهُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ دُونَ الْكَفَالَةِ وَأَخْذِ الرَّهْنِ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَقْبِضُ أَصَالَةً وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ حَجْرَهُ عَنْهُ.
وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا، إذْ الضَّمَانُ عَلَى الْكَفِيلِ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ لَيْسَ بِمَحَلِّ الشَّكِّ فَضْلًا عَنْ الْحُكْمِ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ عَلَى الْوَكِيلِ إذْ هُوَ مَحَلُّ شُبْهَةٍ فَهُوَ مَوْرِدُ الْبَيَانِ؛ أَلَا يَرَى قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ) أَيْ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ (وَقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحُقُوقِ (وَالْكَفَالَةُ تُوثَقُ بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (وَالِارْتِهَانُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ) أَيْ لِجَانِبِ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَقَدْ ازْدَادَ بِالْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ فَكَانَا مُؤَكَّدَيْنِ لِحَقِّ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ (فَيَمْلِكُهُمَا) أَيْ فَيَمْلِكُهُمَا الْوَكِيلُ، فَإِذَا ضَاعَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الرَّهْنِ كَاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدَلُهُ أُقِيمَ مَقَامَهُ. وَلَوْ هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ هَلَكَ أَمَانَةً فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَفَالَةِ هَاهُنَا الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ التَّوْيِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصِيلَ لَا يَبْرَأُ. وَقِيلَ بَلْ هِيَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَالتَّوَى فِيهَا بِأَنْ يَمُوتَ الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ مُفْلِسَيْنِ، وَقِيلَ التَّوَى فِيهَا بِأَنْ يُرْفَعَ الْأَمْرُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ فَيَحْكُمَ عَلَى مَا يَرَاهُ أَوْ يَمُوتَ الْكَفِيلُ مُفْلِسًا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: فَتَوْيِ الْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ بِأَنْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ يَرَى بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ بِنَفْسِ الْكَفَالَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَيَحْكُمُ بِبَرَاءَةِ الْأَصِيلِ فَتَوْيِ الْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ انْتَهَى.
وَإِنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ قَدْ اخْتَارَ ذَلِكَ، وَزَيَّفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَفِي النِّهَايَةِ الْمُرَادُ بِالْكَفَالَةِ هَاهُنَا الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ التَّوَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْكَفَالَةِ، وَقِيلَ الْكَفَالَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، فَإِنَّ التَّوَى يَتَحَقَّقُ فِيهَا بِأَنْ مَاتَ الْكَفِيلُ وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ مُفْلِسَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا تَوَى مُضَافٌ إلَى أَخْذِهِ الْكَفِيلَ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ كَفِيلًا أَيْضًا لَمْ يَتْوَ دَيْنُهُ كَمَا فِي الرَّهْنِ، وَالتَّوْيِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى أَخْذِ الْكَفِيلِ بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ كَفِيلًا أَيْضًا لَتَوِيَ بِمَوْتِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُفْلِسًا، وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَوَالَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتْوَى فِيهَا بِمَوْتِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا بَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ، وَإِنَّمَا يَتْوَى بِمَوْتِهِمَا مُفْلِسَيْنِ فَصَارَ كَالْكَفَالَةِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالتَّوْيِ تَوًى مُضَافٌ إلَى أَخْذِهِ الْكَفِيلَ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْمُرَافَعَةِ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ عَنْ الدَّيْنِ بِالْكَفَالَةِ وَلَا يَرَى الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصِيلِ بِمَوْتِهِ مُفْلِسًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مَالِكِيًّا وَيَحْكُمَ بِهِ ثُمَّ يَمُوتَ الْكَفِيلُ مُفْلِسًا إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ.
(بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ) إذَا أَخَذَ بِالدَّيْنِ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ (يَفْعَلُ نِيَابَةً) أَيْ يَتَصَرَّفُ نِيَابَةً عَنْ الْمُوَكِّلِ حَتَّى إذَا نَهَاهُ الْمُوَكِّلُ عَنْ الْقَبْضِ صَحَّ نَهْيُهُ (وَقَدْ أَنَابَهُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ دُونَ الْكَفَالَةِ وَأَخَذَ الرَّهْنَ) فَيَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَقْبِضُ) أَيْ يَقْبِضُ الثَّمَنَ (أَصَالَةً) لَا نِيَابَةً (وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ حَجْرَهُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ، فَيَنْزِلُ الْوَكِيلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ لَوْ أَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا أَخَذَ بِهِ كَفِيلًا جَازَ فَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ.
[ ٨ / ٩٤ ]