قَدَّمَ الْإِقْرَارَ بِالْمَالِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْأَوَّلِ وَقِلَّةِ وُقُوعِ الثَّانِي، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ مَا هُوَ كَثِيرُ الدَّوَرَانِ أَهَمُّ بِالْبَيَانِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الثَّانِي بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِانْفِرَادِهِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ وَالْأَحْكَامِ، كَمَا سَيَظْهَرُ، (وَمَنْ أَقَرَّ بِغُلَامٍ يُولَدُ مِثْلهُ)، أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الْغُلَامِ (لِمَثَلِهِ)، أَيْ: لِمِثْلِ الْمُقِرِّ، يَعْنِي: هُمَا فِي السِّنِّ، بِحَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْمُقِرِّ، (وَلَيْسَ لَهُ)، أَيْ: لِلْغُلَامِ (نَسَبٌ مَعْرُوفٌ) بَلْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ (أَنَّهُ ابْنُهُ)، أَيْ: أَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. (وَصَدَّقَهُ الْغُلَامُ)، أَيْ: فِيمَا إِذَا كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً. (ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ، أَيْ: ثَبَتَ نَسَبُ الْغُلَامِ مِنَ الْمُقِرِّ، (وَإِنْ كَانَ) الْمُقِرُّ (مَرِيضًا) إِلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: (لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا يَلْزَمُهُ خَاصَّةً) يَعْنِي أَنَّ النَّسَبَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ خَاصَّةً، لَيْسَ فِيهِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، (فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهِ)، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ إِنَّمَا لَا يَصِحُّ فِيمَا فِيهِ التُّهْمَةُ لِحَقِّ الْغَيْرِ وَلَا تُهْمَةَ هَاهُنَا. (وَشَرْطٌ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ كَيْ لَا يَكُونَ مُكَذَّبًا فِي الظَّاهِرِ)، فَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ.
(وَشَرْطٌ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ كَوْنَ نَسَبِهِ مَعْرُوفًا (يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ مِنْ غَيْرِهِ)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. (وَإِنَّمَا شَرَطَ تَصْدِيقَهُ)، أَيْ: تَصْدِيقَ الْغُلَامِ. (لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ؛ إِذِ الْمَسْأَلَةُ فِي غُلَامٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ) وَإِذَا
[ ٨ / ٣٩٣ ]
بِخِلَافِ الصَّغِيرِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَمْتَنِعُ بِالْمَرَضِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ (وَيُشَارِكُ الْوَرَثَةَ فِي الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ صَارَ كَالْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ فَيُشَارِكُ وَرَثَتَهُ.
قَالَ (وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَوْلَى) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ.
كَانَ فِي يَدِ نَفْسِهِ يُعَبِّرُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ تَصْدِيقِهِ، كَذَا ذَكَرَ فِي التَّبْيِينِ.
أَقُولُ: يَنْتَقِضُ هَذَا التَّعْلِيلُ بِالْإِقْرَارِ بِغَيْرِ النَّسَبِ كَالْمَالِ وَنَحْوِهِ؛ إِذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ مَا أَقَرَّ بِهِ هُنَاكَ تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَكِنْ يُرَدُّ التَّعْلِيلُ بِإِقْرَارٍ بِرَدِّهِ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مَعَ جَرَيَانِ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا: إِنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ بِدُونِ تَصْدِيقِهِ، وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّ إِقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ يَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ إِلَّا بِرِضَاهُ، انْتَهَى.
أَقُولُ: تَضَمَّنَ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ إِبْطَالَ يَدِ الْمُقَرِّ لَهُ مَحَلَّ الْمَنْعِ، فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ فِي التَّسْهِيلِ: لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِ حُقُوقِ النَّسَبِ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا أَظْهَرُ الْوُجُوهِ وَهُوَ الْحَقُّ عِنْدِي؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ حُقُوقٌ كَثُبُوتِ الْإِرْثِ وَلُزُومِ النَّفَقَةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَفِي بَعْضِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَفِي الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ إِلْزَامُ تِلْكَ الْحُقُوقِ، فَلَا بُدَّ مِنِ الْتِزَامِ الْمُقَرِّ لَهُ إِيَّاهَا حَتَّى لَا يَتَضَرَّرَ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَنَحْوِهِ؛ إِذْ هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ فَفِيهِ بُدٌّ مِنِ الْتِزَامِهِ، (بِخِلَافِ الصَّغِيرِ) الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ (عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ)، أَيْ: فِي بَابِ دَعْوَى النَّسَبِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى.
(وَلَا يَمْتَنِعُ بِالْمَرَضِ)، أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ؛ (لِأَنَّ النَّسَبَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ)، فَصَارَ كَالنِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، (وَيُشَارِكُ الْوَرَثَةُ فِي الْمِيرَاثِ)، هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، أَيْ: وَيُشَارِكُ الْغُلَامُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْبُنُوَّةِ سَائِرَ الْوَرَثَةِ فِي مِيرَاثِ الْمُقِرِّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ صَارَ كَالْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ فَيُشَارِكُ وَرَثَتَهُ)، أَيْ: وَرَثَةَ الْمُقِرِّ بِالنَّسَبِ.
(قَالَ)، أَيِ: الْقُدُورِيَّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ)، أَيْ: بِالشَّرَائِطِ الَّتِي مَرَّ بَيَانُهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُنْدَرِجَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ إِذْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا صَرَاحَةً قَوْلُهُ هَاهُنَا: وَالْوَلَدِ، فَإِذَا كَانَتِ الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ هُنَاكَ مُعْتَبَرَةٌ هَاهُنَا أَيْضًا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا قَبْلُ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، كَمَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتُونِ فَائِدَةٌ يَعْتَدُّ بِهَا، كَمَا لَا يَخْفَى، وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ وَالْمُحِيطِ وَعَامَّةِ مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى.
(وَالزَّوْجَةِ)، أَيْ: وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالزَّوْجَةِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ هَاهُنَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ خَالِيَةً عَنْ زَوْجٍ آخَرَ وَعِدَّتِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ تَحْتَ الْمُقِرِّ أُخْتُهَا وَلَا أَرْبَعٌ سِوَاهَا. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشُّرُوحِ.
(وَالْمَوْلَى)، أَيْ: وَيَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْمَوْلَى: يَعْنِي مَوْلَى الْعَتَاقَةِ سَوَاءً كَانَ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَاؤُهُ ثَابِتًا مِنَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، وَثُبُوتُ النَّسَبِ مِنَ الْغَيْرِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا مِنْ صِحَّةِ إِقْرَارِ الْمُقِرِّ بِالْأُمِّ؛ حَيْثُ قَالَ: بِالْوَالِدَيْنِ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ وَرِوَايَةِ شَرْحِ الْفَرَائِضِ لِلْإِمَامِ سِرَاجِ الدِّينِ وَالْمُصَنِّفِ، وَمُخَالِفٌ لِعَامَّةِ النُّسَخِ مِنَ الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ وَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: (لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ) فَتَحَقَّقَ الْمُقْتَضَى وَانْتَفَى الْمَانِعُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهَذَا الدَّلِيلُ، كَمَا تَرَى يَدُلُّ
[ ٨ / ٣٩٤ ]
(وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى)؛ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يُقْبَلُ بِالْوَلَدِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ
عَلَى صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ كَصِحَّتِهِ بِالْأَبِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وَقَدْ عَرَفْتَ صِحَّتَهُ بِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، انْتَهَى. يَعْنِي: أَنَّ صِحَّتَهُ مُقَرَّرَةٌ بِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا، فَلَا وَجْهَ لِتَرَدُّدِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِيهَا، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ: أَمَّا أَوَّلًا؛ فَلِأَنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ مَمْنُوعَةٌ؛ فَإِنَّ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ تَصْدِيقَ الْأُمِّ إِيَّاهُ، وَفِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ الزَّوْجُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْأُمِّ بِالْوَلَدِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، كَمَا سَيَأْتِي، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ تَصْدِيقُهَا إِيَّاهُ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ بِهَا لِاسْتِلْزَامِ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ، وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ تَرَدُّدَ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِي صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ إِنَّمَا نَشَأَ مِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ إِقْرَارَ الرَّجُلِ يَصِحُّ بِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْمَرْأَةِ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَذِكْرُ الْعَدَدِ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ بِالْأُمِّ عَلَى مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ جَازَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لِلْجَوَازِ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ عَدَمِ الْجَوَازِ هُوَ النَّصُّ أَوِ الْإِجْمَاعُ أَوِ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ الَّذِي هُوَ الِاسْتِحْسَانُ، وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُتْرَكُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ ذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ أَيْضًا فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَعَدَمُ اطِّلَاعِنَا عَلَى دَلِيلِ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَالْمَدَارُ فِي صِحَّةِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ صِحَّةُ النَّقْلِ عَنْهُمْ لَا غَيْرُ، فَتَأَمَّلْ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِأُمُومِيَّةِ الْمَرْأَةِ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ إِذَا كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ.
فَإِنْ قُيِّدَ بِعَدَمِ الزَّوْجِ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِقْرَارِهَا بِالْوَلَدِ؛ فَإِنَّ إِقْرَارَهَا بِالْوَلَدِ يَصِحُّ أَيْضًا إِذَا أُخِذَ بِهَذَا الْقَيْدِ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِإِثْبَاتِ هَذَا وَنَفْيِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأُمُومِيَّةِ الْمَرْأَةِ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً، بَلْ فِيهِ تَحْمِيلُ أُبُوَّةِ الزَّوْجِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ، فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَبِ صَرَاحَةً: إِنَّ الْمُقِرَّ بِالْأَبِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ نَسَبِ نَفْسِهِ عَلَى الْغَيْرِ، بِخِلَافِ إِقْرَارِ الْمَرْأَةِ بِالْوَلَدِ فَإِنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ نَسَبُ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجِ، وَالْإِقْرَارُ الَّذِي فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ دَعْوَى أَوْ شَهَادَةٌ، وَالدَّعْوَى الْمُفْرَدَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، وَشَهَادَةُ الْمُفْرَدِ فِيمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ حُقُوقِ الْعِبَادِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ.
(وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى؛ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَالْأُنُوثَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ إِقْرَارِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَيَسْتَوِي فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ حَالَةَ الصِّحَّةِ، وَحَالَةَ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ إِنَّمَا تُخَالِفُ حَالَةَ الصِّحَّةِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ بِالتَّرِكَةِ، فَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ، وَالنَّسَبُ وَالنِّكَاحُ وَالْوَلَاءُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، (وَلَا يُقْبَلُ)، أَيْ: لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ (بِالْوَلَدِ) وَإِنْ صَدَّقَهَا؛ (لِأَنَّ فِيهِ)، أَيْ: فِي إِقْرَارِهَا بِالْوَلَدِ (تَحْمِيلَ النَّسَبِ)، أَيْ: تَحْمِيلَ نَسَبِ الْوَلَدِ
[ ٨ / ٣٩٥ ]
عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْهُ (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا الزَّوْجُ)؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (أَوْ تَشْهَدَ بِوِلَادَتِهِ قَابِلَةٌ)؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَابِلَةِ فِي هَذَا مَقْبُولٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي إِقْرَارِ الْمَرْأَةِ تَفْصِيلًا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَلَا بُدَّ مِنْ
(عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْهُ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا الزَّوْجُ)، اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يُقْبَلُ بِالْوَلَدِ، يَعْنِي: إِذَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ يُقْبَلُ إِقْرَارُهَا بِالْوَلَدِ؛ (لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ)، أَيْ: لِلزَّوْجِ، فَيَثْبُتُ بِتَصْدِيقِهِ، (أَوْ تَشْهَدَ بِوِلَادَتِهِ قَابِلَةٌ)، أَيْ: أَوْ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ قَابِلَةٌ بِوِلَادَتِهِ، أَيْ: بِتَوَلُّدِ ذَلِكَ الْوَلَدِ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِوِلَادَتِهَا، أَيْ: بِوِلَادَتِهَا إِيَّاهُ، فَفِي هَذِهِ النُّسْخَةِ أُضِيفَ الْمَصْدَرُ إِلَى الْفَاعِلِ وَتُرِكَ الْمَفْعُولُ، وَفِي الْأُولَى عَكْسُ الْأَمْرِ؛ (لِأَنَّ قَوْلَ الْقَابِلَةِ فِي هَذَا)، أَيْ: فِي هَذَا الْخُصُوصِ (مَقْبُولٌ)؛ إِذِ الْفَرْضُ أَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ، فَيُحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ، وَشَهَادَتُهَا فِي ذَلِكَ مَقْبُولَةٌ.
(وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ)، أَيْ: فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَإِنَّ جَحْدَ الْوِلَادَةِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، تَشَهَدُ بِالْوِلَادَةِ حَتَّى لَوْ نَفَاهُ الزَّوْجُ يُلَاعِنُ؛ لَأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ، (وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي إِقْرَارِ الْمَرْأَةِ تَفْصِيلًا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى) مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَذَلِكَ التَّفْصِيلُ هُوَ أَنَّ إِقْرَارَهَا بِالْوَلَدِ إِنَّمَا لَا يَصِحُّ بِدُونِ شَهَادَةِ قَابِلَةٍ بِالْوِلَادَةِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ تَامَّةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً قَالُوا: يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهَا بِقَوْلِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إِلْزَامًا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِقْرَارُهُ مَقْبُولٌ، كَمَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ يَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ، كَمَا لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِأَيِّ مَعْنًى يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنَ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ وُلِدَ مِنْهُمَا، وَمَا فَائِدَةُ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنَ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ، وَمَا فَائِدَةُ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنَ الرَّجُلِ فِي الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَقَرَّ بِالْأَخِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ يُشَارِكُهُ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْأَخِ الْمُقَرِّ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ.
قُلْتُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْوَلَدَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾؛ حَيْثُ أَضَافَ الْوَلَدَ إِلَى الْأَبِ بِلَامِ الْمِلْكِ، وَلِذَلِكَ اخْتُصَّ الْأَبُ بِالنَّسَبِ.
وَأَمَّا فَائِدَةُ اخْتِصَاصِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنَ الْأَبِ فَهِيَ صِحَّةُ إِقْرَارِ الْأَبِ بِالْوَلَدِ، وَوُجُوبُ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ حَتَّى لَا يُشَارِكَهُ فِيهَا أَحَدٌ، كَمَا لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي نَسَبِهِ.
وَأَمَّا فَائِدَةُ ثُبُوتِ النَّسَبِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ فَهِيَ ثُبُوتٌ عَلَى طَرِيقِ الْعُمُومِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْخُصُوصِ، أَيْ: أَنَّ حُقُوقَ الْمُقَرِّ لَهُ، كَمَا تَلْزَمُ عَلَى الْمُقِرِّ كَذَلِكَ تَلْزَمُ عَلَى غَيْرِ الْمُقِرِّ تَقْرِيرًا لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ، حَتَّى أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالِابْنِ مَثَلًا، فَالِابْنُ الْمُقَرُّ لَهُ يَرِثُ مِنَ الْمُقَرِّ مَعَ سَائِرِ وَرَثَتِهِ، وَإِنْ جَحَدَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ ذَلِكَ، وَيَرِثُ مِنْ أَبِي الْمُقِرِّ وَهُوَ جَدُّ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْجَدُّ يَجْحَدُ بُنُوَّتَهُ لِابْنِهِ.
وَأَمَّا فِيمَا سِوَى الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُ الْمُقِرِّ بِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ اعْتِبَارِ إِقْرَارِهِ فِيمَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلَهُ وَرَثَةٌ سِوَاهُ يَجْحَدُونَ أُخُوَّتَهُ فَمَاتَ الْمُقِرُّ لَا يَرِثُ الْأَخُ مَعَ سَائِرِ وَرَثَتِهِ، وَلَا يَرِثُ مِنْ أَبِي الْمُقِرِّ وَأُمِّهِ، بِخِلَافِ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي حَقِّهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي: صِحَّةُ رُجُوعِ الْمُقِرِّ عَمَّا أَقَرَّ فِي حَقٍّ مِنْ سِوَى الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَمَّا أَقَرَّ يَصِحُّ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِإِنْسَانٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِأَخٍ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ كَانَ إِقْرَارُهُ بِالْأَخِ وَقَعَ بَاطِلًا، فَيَصِحُّ رُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ، وَأَمَّا أَخْذُ الْأَخِ الْمُقَرِّ لَهُ تَرِكَةُ الْمُقِرِّ عِنْدَ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ، فَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُوصِي بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ إِقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا بِاسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ لَهُ النَّفَقَةَ عَلَى الْمُقِرِّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، إِلَى هَذَا كُلِّهِ أَشَارَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا بُدَّ مِنْ
[ ٨ / ٣٩٦ ]
تَصْدِيقِ هَؤُلَاءِ، وَيَصِحُّ التَّصْدِيقُ فِي النَّسَبِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ بَاقٍ، وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ مِنْ أَحْكَامِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ، وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ غَسْلُهَا عِنْدَنَا، وَلَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّصْدِيقُ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ.
تَصْدِيقِ هَؤُلَاءِ)، أَيْ: لَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُمُ الْمَذْكُورِينَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي أَيْدِي أَنْفُسِهِمْ فَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُ الْإِقْرَارِ عَلَى تَصْدِيقِهِمْ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ صَغِيرًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ وَهُوَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَبْدًا لَهُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ مَوْلَاهُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، (وَيَصِحُّ التَّصْدِيقُ فِي النَّسَبِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ)، يَعْنِي: أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ بِالنَّسَبِ إِذَا صَدَّقَ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُقِرِّ يَصِحُّ، فَكَذَا إِذَا صَدَّقَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ (لِأَنَّ النَّسَبَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ)، فَيَصِحُّ تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ حَتَّى يَثْبُتَ بِهِ أَحْكَامُ النِّسَبِ بِأَسْرِهَا، قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِإِيجَابِ الْبَائِعِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ تَامٌّ فِي نَفْسِهِ وَالتَّصْدِيقَ شَرْطٌ، فَكَانَ كَمَا إِذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، ثُمَّ مَاتَ الْبَائِعُ لَا يَبْطُلُ، أَمَّا الْإِيجَابُ ثَمَّةَ فَلَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ، انْتَهَى.
(وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ)، أَيْ: وَكَذَا يَصِحُّ تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا فِي الْإِقْرَارِ بِالزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ الْمُقِرِّ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا الْمَهْرُ وَالْمِيرَاثُ؛ (لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ) وَهُوَ الْعِدَّةُ (بَاقٍ) بَعْدَ الْمَوْتِ؛ فَإِنَّ الْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهِيَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ، أَلَا يُرَى أَنَّهَا تُغَسِّلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِقِيَامِ النِّكَاحِ مِنْ وَجْهٍ.
(وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا)، أَيْ: وَكَذَا يَصِحُّ تَصْدِيقُ الزَّوْجِ الْمَرْأَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي الْإِقْرَارِ بِالزَّوْجِيَّةِ فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا وَلَهُ الْمِيرَاثُ مِنْهَا؛ (لِأَنَّ الْإِرْثَ مِنْ أَحْكَامِهِ)، أَيْ: مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَهُوَ مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْعِدَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
(وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ) تَصْدِيقُ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ (لِأَنَّ النِّكَاحَ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ)، حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا؛ (وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ لَهُ غَسْلُهَا) بَعْدَ مَوْتِهَا (عِنْدَنَا) وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهِ لِيَصِحَّ بِاعْتِبَارِهَا، كَمَا فِي الْعَكْسِ، (وَلَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِرْثِ) هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْرِيرَهُ: سَلَّمْنَا أَنَّ تَصْدِيقَ الزَّوْجِ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا لَا يَصِحُّ نَظَرًا إِلَى انْقِطَاعِ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا، وَلَكِنْ لِمَ لَا يَصِحُّ تَصْدِيقُهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا نَظَرًا إِلَى الْإِرْثِ الَّذِي هُوَ مِنْ حَقِّ آثَارِ النِّكَاحِ أَيْضًا؟ فَقَالَ: لَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِرْثِ؛ (لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ الْإِرْثَ (مَعْدُومٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ)، أَيْ: حَالَةَ إِقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِالنِّكَاحِ، (وَإِنَّمَا يَثْبُتُ)، أَيِ: الْإِرْثَ (بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّصْدِيقُ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ).
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ النِّكَاحِ الْمُوجِبِ لِلْإِرْثِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِرْثِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنَّ التَّصْدِيقَ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ بِالنِّكَاحِ، وَالْإِرْثُ مَعْدُومٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ صِحَّةِ
[ ٨ / ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّصْدِيقِ بِاعْتِبَارِ الْإِرْثِ الْمَعْدُومِ وَقْتَئِذٍ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَمَعَ كَوْنِهِ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَصْلًا لَيْسَ بِسَدِيدٍ هَاهُنَا.
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ التَّصْدِيقَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِرْثِ حَتَّى يَتِمَّ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ التَّصْدِيقُ بِالْإِرْثِ لِثُبُوتِ الْإِرْثِ بِهِ، بَلْ قِيلَ: صِحَّةُ التَّصْدِيقِ بِاعْتِبَارِ مُصَادَفَتِهِ وَقْتَ الْإِرْثِ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ، وَلَا يُنَافِيهِ ثُبُوتُ نَفْسِ الْإِرْثِ بِالتَّصْدِيقِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ ذَلِكَ يَنْتَقِضُ بِمَا إِذَا كَانَ التَّصْدِيقُ قَبْلَ مَوْتِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ اتِّفَاقًا لِمُصَادَفَتِهِ وَقْتَ ثُبُوتِ النِّكَاحِ مَعَ أَنَّهُ يَجْرِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ النِّكَاحِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا: فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ ضَائِعًا مُسْتَدْرِكًا لِجَرَيَانِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْإِرْثَ مَوْجُودٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ، تَدَبَّرْ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يُعَارِضَ فَيَقُولَ: لَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّصْدِيقُ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ، وَيُفَسَّرُ بِمَا ذَكَرْتُمْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْعِدَّةَ لَازِمَةٌ لِلْمَوْتِ عَنْ نِكَاحٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ النِّكَاحُ الْمُعَايِنُ قَائِمًا بِاعْتِبَارِهِمَا، فَكَذَا الْمُقَرُّ بِهِ، وَأَمَّا الْإِرْثُ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً فَلَمْ يُعْتَبَرْ قَائِمًا بِاعْتِبَارِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَيْضًا غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْمَوْتِ عَنْ نِكَاحٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا الذِّمِّيُّ، أَوْ تَكُونَ حَرْبِيَّةً خَرَجَتْ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَوْ مُسْتَأْمِنَةً أَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً، فَإِنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَالْمُعَارَضَةُ الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا تَرُدُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَالْجَوَابُ الْمَزْبُورُ لَا يَدْفَعُهَا عَلَى أَصْلِهِ.
ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: الظَّاهِرُ أَنًّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَسْتَنِدُ إِلَى حَالَةِ الْإِقْرَارِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَجِبُ الْإِرْثُ بَلْ هُوَ حُكْمٌ يَجِبُ وَيَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَمَتَى صَحَّحْنَا الْإِقْرَارَ صَحَّحْنَا لِإِثْبَاتِ الْإِرْثِ ابْتِدَاءً، فَيَكُونُ التَّصْدِيقُ وَاقِعًا فِي شَيْءٍ، وَهُوَ فِي الْحَالِ مَعْدُومٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ النِّكَاحُ، وَأُشِيرَ إِلَى هَذَا فِي النِّهَايَةِ، فَلَا تَرِدُ الْمُعَارَضَةُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا يَكُونُ التَّصْدِيقُ وَاقِعًا فِي نِكَاحٍ مَعْدُومٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إِلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: نَعَمْ، أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ: فَلَا تَرُدُّ الْمُعَارَضَةُ أَصْلًا مَمْنُوعٌ، قَوْلُهُ: لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ وُجُوبَهَا ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالطَّلَاقِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُجْدِي نَفْعًا؛ إِذِ الْكَلَامُ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ وُجُوبَهَا ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالْمَوْتِ أَيْضًا فَمَمْنُوعٌ، بَلْ وُجُوبُهَا فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالْمَوْتِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا لَا يَخْفَى وَصَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ مَدْفُوعَةٌ عَنِ الْمُصَنِّفِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حُكْمِ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ: حُكْمُ النِّكَاحِ بَاقٍ، هُوَ الْعِدَّةُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مِثْلَ حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ وَحِلِّ غَسْلِهَا؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي حَالِ النِّكَاحِ أَيْضًا، وَلَوْ عَيَّنَهُ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْعِدَّةِ مَا يُلَازِمُهَا مِنْ أَمْثَالِ مَا ذَكَرْنَا مَجَازًا، فَلَا إِشْكَالَ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ مِثْلِ حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ وَحِلِّ غَسْلِهَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ لِلنِّكَاحِ بَعْدَ الْمَوْتِ بَلْ هُوَ مِنْ مُتَفَرِّعَاتَ الْعِدَّةِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِ بِالْفِقْهِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ مَا هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْأَصْلِ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْفَرْعِ عَنْ حَيِّزِ ذَلِكَ أَيْضًا فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، فَمَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ كَسْبًا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ اسْتَحَقَّ الْكَسْبَ وَالْإِرْثَ فِي مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ.
قُلْنَا: الْكَسْبُ يَقَعُ مِلْكًا مِنْ الِابْتِدَاءِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَنْفَعَةِ. وَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً مَلَكَ مَنَافِعَهَا حُكْمًا لَهَا، فَيَصِيرُ الْإِقْرَارً بِالْعَبْدِ إِقْرَارًا بِأَنَّ الْكَسْبَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَيَصِيرُ قِيَامُهُ بِمَنْزِلَةِ قِيَامِ الْعَبْدِ، فَأَمَّا الْإِرْثُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْهَا بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ لَا بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ، وَالْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ يَفُوتُ بِمَوْتِهَا، فَيَبْقَى تَصْدِيقُهَا بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَى إِرْثٍ مُبْتَدَأٍ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا
[ ٨ / ٣٩٨ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مِنْ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ نَحْوَ الْأَخِ وَالْعَمِّ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي النَّسَبِ) لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ فَهُوَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْمُقَرِّ لَهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ لَا يُزَاحِمُ الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ اسْتَحَقَّ الْمُقَرُّ لَهُ مِيرَاثَهُ) لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِهِ فَيَسْتَحِقَّ جَمِيعَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْلِ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ وَصِيَّةً حَقِيقَةً حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ ثُمَّ أَوْصَى لِآخَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ وَصِيَّةً لَاشْتَرَكَا نِصْفَيْنِ لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ وِرَاثَتَهُ ثُمَّ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِإِنْسَانٍ كَانَ مَالُهُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ وَلَوْ لَمْ يُوصِ لِأَحَدٍ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ رُجُوعَهُ
(قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مِنْ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ) الصُّلْبِيِّ، (نَحْوَ الْأَخِ وَالْعَمِّ)، وَنَحْوَ الْجَدِّ وَابْنِ الِابْنِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِمَا أَيْضًا فِي الْكَافِي (لَا يُقْبَلُ إِقْرَارهُ فِي النَّسَبِ)، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْبَيِّنَةِ، كَمَا ذَكَرَ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا؛ (لِأَنَّ فِيهِ)، أَيْ: فِي هَذَا الْإِقْرَارِ (حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ)؛ فَإِنَّ فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْأَبِ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ مَا لَمْ يَكُنِ ابْنَ أَبِي الْمُقِرِّ لَا يَكُونُ أَخًا لَهُ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْعَمِّ حَمَلُ النَّسَبِ عَلَى الْجَدِّ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْعُمُومَةِ مَا لَمْ يَكُنِ ابْنَ جَدِّ الْمُقِرِّ لَا يَكُونُ عَمًّا لَهُ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِابْنِ الِابْنِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الِابْنِ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ لَا يَكُونُ ابْنَ ابْنِ الْمُقِرِّ مَا لَمْ يَثْبُتْ بُنُوَّتُهُ مِنِ ابْنِ الْمُقِرِّ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْجَدِّ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْأَبِ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ لَا يَكُونُ جَدَّ الْمُقِرِّ مَا لَمْ يَثْبُتْ أُبُوَّتُهُ مِنْ أَبِيهِ.
(فَإِنْ كَانَ لَهُ)، أَيْ: لِلْمُقِرِّ - بِنَحْوِ مَا ذَكَرَ - (وَارِثٌ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ) كَأَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ، (أَوْ بَعِيدٌ) كَذَوِي الْأَرْحَامِ، (فَهُوَ)، أَيِ: الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ (أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْمُقَرِّ لَهُ) حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلَهُ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ، فَالْإِرْثُ لِلْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ؛ (لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ)، أَيْ: نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ. (مِنْهُ)، أَيْ: مِنَ الْمُقَرِّ (لَا يُزَاحِمُ الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ).
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ بِالْفَاءِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي النَّسَبِ وَقْعَ فِي مَحَزِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَتِيجَةُ ذَلِكَ، فَصُورَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ لَهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ أَوْ بِابْنِ ابْنٍ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَهُ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ أَوْ مَوْلَى مُوَالَاةٍ، فَالْمِيرَاثُ لِلْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ أَوِ الْمَوْلَى، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ وَارِثٍ مَعْرُوفٍ، انْتَهَى.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ)، أَيْ: لِمُقِرٍّ (وَارِثٌ) مَعْرُوفٌ (اسْتَحَقَّ الْمُقَرُّ لَهُ مِيرَاثَهُ)؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ بِالنَّسَبِ وَبِاسْتِحْقَاقِ مَالِهِ بَعْدَهُ، وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ إِذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَفَى الثَّانِي مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ؛ (لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، أَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِهِ)، أَيْ: بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَقَدْ جَعَلَ مَالَهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِإِقْرَارِهِ بِاسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ بَعْدَهُ، (فَيَسْتَحِقُّ) الْمُقَرُّ لَهُ (جَمِيعَ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ) مِنَ الْمُقِرِّ؛ (لِمَا فِيهِ)، أَيْ: فِي الْإِقْرَارِ الْمَزْبُورِ (مِنْ حَمْلِ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ)، أَيْ: هَذِهِ الصُّورَةُ أَوِ الْقَضِيَّةُ: يَعْنِي الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ (وَصِيَّةً حَقِيقَةً)
أَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ ثُمَّ أَوْصَى لِآخَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلْثُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ)، يَعْنِي: الْإِقْرَارُ بِالْأَخِ (وَصِيَّةً لَاشْتَرَكَا)، أَيِ: الْأَخَ وَالْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ (نِصْفَيْنِ، لَكِنَّهُ)، اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ وَصِيَّةً حَقِيقَةً، أَيْ: لَكِنَّ الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ (بِمَنْزِلَتِهِ)، أَيْ: بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الْإِيصَاءِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ الْمُصَنِّفَ يُفْرِطُ فِي الْمُسَاهَلَةِ فِي أَمْرِ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ فِي كِتَابِهِ هَذَا، كَمَا تَرَى، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَشَارَ فِيمَا مَرَّ آنِفًا إِلَى الْإِقْرَارِ بِلَفْظَةِ هَذِهِ، وَأَرْجَعَ هَاهُنَا إِلَى الْوَصِيَّةِ ضَمِيرَ الْمُذَكَّرِ، (حَتَّى لَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ وِرَاثَتَهُ، ثُمَّ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِإِنْسَانٍ) وَمَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ. (كَانَ مَالُهُ) جَمِيعًا. (لِلْمُوصَى لَهُ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ لِأَحَدٍ كَانَ) مَالُهُ. (لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ)، أَيْ: رُجُوعَ الْمُقِرِّ الْمَزْبُورِ
[ ٨ / ٣٩٩ ]
صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ فَبَطَلَ إِقْرَارُهُ.
قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بِأَخٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ أَخِيهِ)؛ لِمَا بَيَّنَّا (وَيُشَارِكُهُ فِي الْإِرْثِ)؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاشْتِرَاكُ فِي الْمَالِ وَلَهُ فِيهِ وِلَايَةٌ فَيَثْبُتُ كَالْمُشْتَرِي، وَإِذَا أَقَرَّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعِتْقِ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، وَلَكِنَّهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْعِتْقِ
(صَحِيحٌ)، يَعْنِي: أَنَّ إِنْكَارَهُ رُجُوعٌ، وَالرُّجُوعُ عَنْ مِثْلِ هَذَا صَحِيحٌ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ؛ (لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ فَبَطَلَ إِقْرَارُهُ)، وَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ ثُبُوتِ النَّسَبِ، كَمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ لِكَوْنِهِ تَحْمِيلًا عَلَى الْغَيْرِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
(قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيَّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بِأَخٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ أَخِيهِ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، (وَيُشَارِكُهُ فِي الْإِرْثِ)، أَيْ: يُشَارِكُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ الْمُقِرَّ فِي الْإِرْثِ مِنْ أَبِيهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُشَارِكُهُ فِي الْإِرْثِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ الْمُشَارَكَةِ: (لِأَنَّ إِقْرَارَهُ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ) أَحَدُهُمَا: (حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ)، أَيْ: لِلْمُقِرِّ. (عَلَيْهِ)، أَيْ: عَلَى الْغَيْرِ فَلَا يَثْبُتُ. (وَ) الثَّانِي: (الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَالِ وَلَهُ فِيهِ وِلَايَةٌ)؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ وَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ، (فَيَثْبُتُ) وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، (كَالْمُشْتَرِي إِذَا أَقَرَّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعِتْقِ)، أَيْ: بِعِتْقِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَائِعِ (لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ) فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ (حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ)؛ لِكَوْنِهِ إِقْرَارًا عَلَى الْغَيْرِ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، (وَلَكِنَّهُ يُقْبَلُ) إِقْرَارُهُ (فِي حَقِّ الْعِتْقِ)، حَتَّى يَعْتِقَ عَلَيْهِ مَا اشْتَرَاهُ؛ لِكَوْنِهِ إِقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فِي حَقِّ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا قُبِلَ إِقْرُارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ الْمُقَرُّ لَهُ نِصْفَ نَصِيبِ الْمُقِرِّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى يُجْعَلُ إِقْرَارُهُ شَائِعًا فِي التَّرِكَةِ، فَيُعْطِي الْمُقِرُّ مِنْ نَصِيبِهِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ مَاتَ أَبُوهُ أَخٌ مَعْرُوفٌ، فَأَقَرَّ بِأَخٍ آخَرَ فَكَذَّبَهُ أَخُوهُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ، أَعْطَى الْمُقِرُّ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمَا ثُلْثُ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِثُلْثٍ شَائِعٍ فِي النِّصْفَيْنِ فَيَنْفُذُ إِقْرَارُهُ فِي حِصَّتِهِ، وَبَطَلَ مَا كَانَ فِي حِصَّةِ أَخِيهِ، فَيَكُونُ لَهُ ثُلْثُ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ سُدْسُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالسُّدْسُ الْآخَرُ فِي نَصِيبِ أَخِيهِ فَبَطَلَ إِقْرَارُهُ فِيهِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمُنْكِرُ ظَالِمٌ بِإِنْكَارِهِ، فَيُجْعَلُ مَا فِي يَدِهِ كَالْهَالِكِ فَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ تَأْخُذُ ثُلْثَ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمَا تَأْخُذُ خُمُسَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ ابْنٌ وَبِنْتٌ بِأَخٍ وَكَذَّبَهُمَا ابْنٌ آخَرُ مَعْرُوفٌ يُقَسَّمُ نَصِيبُ الْمُقِرِّينَ عِنْدَنَا أَخْمَاسًا، وَعِنْدَهُمَا أَرْبَاعًا، وَالتَّخْرِيجُ ظَاهِرٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِامْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَةُ أَبِيهِ أَخَذَتْ ثُمُنَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِجَدَّةٍ صَحِيحَةٍ أَخَذَتْ سُدْسَ مَا فِي يَدِهِ فَيُعَامَلُ فِيمَا فِي يَدِهِ، كَمَا يُعَامَلُ لَوْ ثَبَتَ مَا أَقَرَّ بِهِ وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِامْرَأَةٍ أَنَّهُمَا زَوْجَةُ أَبِيهِمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ أَخَذَتْ تُسْعَيْ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى لَهُمَا ثُمُنُ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثُمُنَ مَا فِي يَدَيْ الِابْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ إِقْرَارَهُ صَحَّ فِيمَا بِيَدِ نَفْسِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، وَإِذَا صَحَّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يُعْطِيهَا ثُمُنَ مَا فِي يَدِهِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ زَعْمَ الْمُقِرِّ أَنَّ التَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلزَّوْجَةِ سَهْمَانِ وَلِكُلِّ ابْنٍ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ، فَلَمَّا أَخَذَ أَخُوهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِمَا صَارَ ذَلِكَ كَالْهَالِكِ، فَيُقَسَّمُ النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ الْمُقِرِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا
[ ٨ / ٤٠٠ ]
قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبُوهُ قَبَضَ مِنْهَا خَمْسِينَ لَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ وَلِلْآخَرِ خَمْسُونَ)؛ لِأَنَّ هَذَا إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ، فَإِذَا كَذَّبَهُ أَخُوهُ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ نَصِيبَهُ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا،
عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، وَيُجْعَلُ مَا يَحْصُلُ لِلْمُقِرِّ وَهُوَ سَبْعَةٌ عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ. فَتَضْرِبُ هِيَ بِقَدْرِ حَقِّهَا وَهُوَ سَهْمَانِ، وَيَضْرِبُ الْمُقِرُّ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَهُوَ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْبَدَائِعِ وَالْإِيضَاحِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ بِإِقْرَارِ وَارِثٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ بِإِقْرَارِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ مِنَ الْوَرَثَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَنْ يَحُوزُ الْمِيرَاثَ يُثْبِتُ النَّسَبَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِلْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْأَقْطَعِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْإِقْرَارَ، بِنَحْوِ الْأُخُوَّةِ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْلِ نَسَبِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَانَ شَهَادَةً، وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي النَّسَبِ مَقْبُولَةٌ.
(قَالَ)، أَيْ: مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، وَلَهُ)، أَيْ: وَلِلْمَيِّتِ (عَلَى آخَرَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا)، أَيْ: أَحَدُ الِابْنَيْنِ (أَنَّ أَبَاهُ قَبَضَ مِنْهَا)، أَيْ: مِنَ الْمِائَةِ (خَمْسِينَ) دِرْهَمًا (لَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ)، أَيْ: لَا شَيْءَ مِنَ الْمِائَةِ لِلِابْنِ الْمُقِرِّ. (وَلِلْآخَرِ)، أَيْ: وَلِلِابْنِ الْآخَرِ (خَمْسُونَ) مِنْهَا، يَعْنِي: كَانَ لِلِابْنِ الْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ مِنَ الْغَرِيمِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ قَبَضَ مِنْهُ الْمِائَةَ؛ (لِأَنَّ هَذَا)، أَيْ: لِأَنَّ إِقْرَارَ أَحَدِ الِابْنَيْنِ بِمَا ذُكِرَ (إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ)، أَيِ: اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ (إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَجِبُ لِلْمَدْيُونِ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ مِثْلُ مَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا، وَإِقْرَارُ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ يُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ حِصَّتِهِ خَاصَّةً.
(فَإِذَا كَذَّبَهُ)، أَيْ: كَذَّبَ الْمُقِرَّ. (أَخُوهُ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ نَصِيبَهُ)، أَيْ: نَصِيبَ الْمُقِرِّ، (كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا)، احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ فَإِنَّ هَلَاكَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَيْرِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ يَخْتَصُّ عِنْدَنَا بِنَصِيبِ الْمُقِرِّ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَشِيعُ فِي النَّصِيبَيْنِ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. فَعِنْدَهُ يَشِيعُ فِي النَّصِيبَيْنِ.
وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَبِمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَأَحْمَدُ: يَلْزَمُهُ نِصْفُ الدَّيْنِ وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ مَالِكٍ،، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ، انْتَهَى.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَعُورِضَ بِأَنَّ صَرْفَ إِقْرَارِهِ إِلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً يَسْتَلْزِمُ قِسْمَةَ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهِيَ لَا تَجُوزُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ قِسْمَةَ الدَّيْنِ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الدَّيْنِ، وَإِذَا أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِقَبْضِ خَمْسِينَ قَبْلَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَنْتَقِلْ عَلَى زَعْمِهِ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا الْخَمْسُونَ فَلَمْ تَتَحَقَّقِ الْقِسْمَةُ، انْتَهَى.
أَقُولُ. الْجَوَابُ الْمَزْبُورُ لَيْسَ بِشَافٍ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ عَدَمُ لُزُومِ قِسْمَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى زَعْمِ الْمُقِرِّ، وَزَعْمُ الْمُقِرِّ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ الْغَيْرِ فَيَكْفِي فِي الْمَحْذُورِ لُزُومُ ذَلِكَ عَلَى زَعْمِ الْآخَرِ؛ فَإِنَّ قِسْمَةَ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ بِالنَّظَرِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِنَّمَا لَا تَجُوزُ فِي الْقِسْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْقِسْمَةِ الْحُكْمِيَّةِ، كَمَا نَحْنُ فِيهِ فَعَدَمُ جَوَازِهَا مَمْنُوعٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي فَصْلِ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ كِتَابِ الصُّلْحِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ إِنَّمَا لَا تَجُوزُ قَصْدًا لَا ضِمْنًا فَتَأَمَّلْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا)، أَيْ: الِابْنَيْنِ. (تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا)، أَيْ: عَلَى كَوْنِ
[ ٨ / ٤٠١ ]
لَكِنَّ الْمُقِرَّ لَوْ رَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ بِشَيْءٍ لَرَجَعَ الْقَابِضُ عَلَى الْغَرِيمِ وَرَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْمُقِرِّ فَيُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ.
الْخَمْسِينَ الْبَاقِي عَلَى الْغَرِيمِ الَّذِي يَقْبِضُهُ الِابْنُ الْمُنْكِرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الِابْنِ الْمُقِرِّ وَالِابْنِ الْمُنْكِرِ، هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْرِيرُهُ أَنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَمَا هَلَكَ يَهْلَكُ مُشْتَرَكًا، وَمَا بَقِيَ يَبْقَى مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَالِابْنُ الْمُنْكِرُ لَمَّا جَحَدَ الْهَلَاكَ لَمْ يُنْكِرْ الِاشْتِرَاكَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَالِابْنُ الْمُقِرُّ وَإِنْ زَعْمَ أَنَّ بَعْضَ أَجْزَائِهِ هَالِكٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الِاشْتِرَاكَ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْهَلَاكِ، فَهُمَا مُتَصَادِقَانِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْبَاقِي الْمَقْبُوضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَرْجِعُ الْمُقِرُّ عَلَى الْقَابِضِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَهُ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُمَا وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، (لَكِنَّ الْمُقِرَّ) لَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ إِذْ (لَوْ رَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ بِشَيْءٍ لَرَجَعَ الْقَابِضُ عَلَى الْغَرِيمِ) بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِزَعْمِهِ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا مِنَ الْغَرِيمِ، وَلَهُ تَمَامُ الْخَمْسِينَ بِسَبَبٍ سَابِقٍ، (وَرَجَعَ الْغَرِيمُ) أَيْضًا (عَلَى الْمُقِرِّ) بِقَدْرِ ذَلِكَ لِانْتِقَاضٍ الْمُقَاصَّةِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَبَقَائِهِ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ بِمُوجَبِ إِقْرَارِهِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِرْثِ، (فَيُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ) وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَقَدْ قَرَّرَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ هَاهُنَا بِوَجْهٍ آخَرَ؛ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: زَعْمُ الْمُقِرِّ يُعَارِضُهُ زَعْمُ الْمُنْكِرِ، فَإِنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى التَّرِكَةِ، كَمَا فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ، وَالْمُنْكِرُ يَدَّعِي زِيَادَةً عَلَى الْمَقْبُوضِ، فَتَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَمَا الْمُرَجِّحُ لِزَعْمِ الْمُقِرِّ عَلَى زَعْمِ الْمُنْكِرِ حَتَّى انْصَرَفَ الْمُقَرُّ بِهِ إِلَى نَصِيبِ الْمُقِرِّ خَاصَّةً، وَلَمْ يَكُنِ الْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. أَجَابَ بِقَوْلِهِ: غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، لَكِنَّ الْمُقِرَّ لَوْ رَجَعَ، يَعْنِي أَنَّ الْمُرَجِّحَ هُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ زَعْمَ الْمُنْكِرِ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ بِلُزُومِ الدَّوْرِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تَقْرِيرَيِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُخْتَلٌّ، أَمَّا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ؛ فَلِأَنَّ حَدِيثَ مُعَارِضَةِ زَعْمَ الْمُقِرِّ لِزَعْمِ الْمُنْكِرِ، وَتَرْجِيحِ زَعْمِ الْمُقِرِّ عَلَى زَعْمِ الْمُنْكِرِ مِمَّا لَا مَسَاسَ لَهُ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّصَادُقَ يُنَافِي التَّعَارُضَ وَالتَّرْجِيحَ فَكَيْفَ يَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ أَدْرَجَ تَصَادُقَهُمَا أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ تَقْرِيرِ السُّؤَالِ، وَفَرَّعَ عَلَى تَعَارُضِ زَعْمَيْهِمَا؛ حَيْثُ قَالَ: فَتَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ طَلَبَ الْمُرَجِّحَ بِقَوْلِهِ: فَمَا الْمُرَجِّحُ لِزَعْمِ الْمُقِرِّ عَلَى زَعْمِ الْمُنْكِرِ؟ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي نَفْسِ هَذَا التَّقْرِيرِ تَعَارُضًا وَتَنَاقُضًا، وَأَمَّا تَقْرِيرُ الْجَوَابِ فَلِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ: يَعْنِي أَنَّ الْمُرَجِّحَ، هُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ زَعْمَ الْمُنْكِرِ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ بِلُزُومِ الدَّوْرِ هُوَ أَنَّ
[ ٨ / ٤٠٢ ]