قَالَ (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ ﷿ دُونَ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» وَقَالَ ﵊ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» (وَقَدْ تُؤَكَّدُ بِذِكْرِ أَوْصَافِهِ) وَهُوَ التَّغْلِيظُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: قُلْ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ، مَا لِفُلَانٍ هَذَا عَلَيْك وَلَا قِبَلَك هَذَا الْمَالُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ. وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى هَذَا وَلَهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ فِيهِ كَيْ لَا يَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَالِاسْتِحْلَافِ).
لَمَّا ذَكَرَ نَفْسَ الْيَمِينِ أَيْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَحْلِفُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ صِفَتَهَا لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الشَّيْءِ وَهِيَ مَا يَقَعُ بِهِ الْمُشَابَهَةُ واللَّامُشَابَهَةُ صِفَتُهُ وَالصِّفَةُ تَقْتَضِي سَبْقَ الْمَوْصُوفِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ») أَقُولُ: هَاهُنَا كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ آخَرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا عُرْفًا كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْيَمِينَ كَمَا تَكُونُ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَكُونُ أَيْضًا بِصِفَاتِهِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا فِي الْمُتَعَارَفِ، وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ هَاهُنَا وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. وَأَيْضًا قَالَ هُنَاكَ: وَإِنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت هَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ يَكُونُ يَمِينًا، وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ هَاهُنَا يُنَافِيهِ أَيْضًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ وَلَا غَيْرَهَا، فَعَلَى هَذَا لَا يُنَافِي قَوْلُهُ دُونَ غَيْرِهِ صِحَّةَ الْيَمِينِ بِصِفَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُنَافِيهَا أَيْضًا اخْتِصَاصُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنًى لَا بِغَيْرِهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي ظَاهِرِ الْحَالِ إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ بِهِ فِي الْمَآلِ فَتَأَمَّلْ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: إنَّ الْحُرَّ وَالْمَمْلُوكَ وَالرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّالِحَ وَالْكَافِرَ وَالْمُسْلِمَ فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ، وَهَؤُلَاءِ فِي اعْتِقَادِ الْحُرْمَةِ فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ سَوَاءٌ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَقَدْ تُؤَكَّدُ) أَيْ الْيَمِينُ (بِذِكْرِ أَوْصَافِهِ) أَيْ بِذِكْرِ أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى، هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهُوَ التَّغْلِيظُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ قُلْ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ) وَالْخَفَاءِ (مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ مَا لِفُلَانٍ هَذَا عَلَيْك وَلَا قِبَلَك هَذَا الْمَالُ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ وَلَهُ) أَيْ وَلِلْقَاضِي (أَنْ يَزِيدَ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى الْمَذْكُورِ (وَلَهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ، وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ إذَا غُلِّظَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَيَتَجَاسَرُ إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ فَقَطْ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ بِأَدْنَى تَغْلِيظٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ إلَّا بِزِيَادَةِ تَغْلِيظٍ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَالَ النَّاسِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي «الَّذِي حَلَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَابَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» (إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ كَيْ لَا يَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ) وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِيَاطِ أَنْ يَذْكُرَ بِغَيْرِ وَاوٍ، إذْ لَوْ ذَكَرَ:
[ ٨ / ١٩٥ ]
لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ غَلَّظَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُغَلِّظْ فَيَقُولُ: قُلْ بِاَللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ، وَقِيلَ: لَا يُغَلِّظُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ وَيُغَلِّظُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُغَلِّظُ فِي الْخَطِيرِ مِنْ الْمَالِ دُونَ الْحَقِيرِ.
قَالَ (وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ سَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْلِفَ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَكَثْرَةِ الِامْتِنَاعِ بِسَبَبِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ.
وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ بِالْوَاوَاتِ صَارَتْ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ، وَتَكْرَارُ الْيَمِينِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ (لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَالْقَاضِي بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ غَلَّظَ) فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا (وَإِنْ شَاءَ) الْقَاضِي (لَمْ يُغَلِّظْ فَيَقُولُ: قُلْ بِاَللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ النُّكُولُ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ شَتَّى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ بِدُونِ التَّغْلِيظِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَالرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْقَاضِي (وَقِيلَ: لَا يُغَلَّظُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ) إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِدُونِ التَّغْلِيظِ (وَيُغَلِّظُ عَلَى غَيْرِهِ) لِكَوْنِ أَمْرِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ (وَقِيلَ يُغَلِّظُ فِي الْخَطِيرِ مِنْ الْمَالِ دُونَ الْحَقِيرِ) لِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي الْقِيلِ الْأَوَّلِ
. (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ لِمَا رَوَيْنَا) وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» (وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ سَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَ بِذَلِكَ) أَيْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ (لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَكَثْرَةِ الِامْتِنَاعِ بِسَبَبِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ) أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَإِنْ أَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ التَّحْلِيفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَرَامٌ. وَبَعْضُهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا، وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ انْتَهَى. وَفِي الذَّخِيرَةِ: التَّحْلِيفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ لَمْ يُجَوِّزْهُ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا وَأَجَازَهُ الْبَعْضُ، فَيُفْتَى بِأَنَّهُ يَجُوزُ إنْ مَسَّتْهُ الضَّرُورَةُ، وَإِذَا بَالَغَ الْمُسْتَفْتِي فِي الْفَتْوَى يُفْتِي بِأَنَّ الرَّأْيَ إلَى الْقَاضِي انْتَهَى.
وَفِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ: وَلَوْ حَلَّفَ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ فَنَكَلَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا انْتَهَى. وَفِي الْخُلَاصَةِ: التَّحْلِيفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ لَا يُجَوِّزُهُ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا فَإِنْ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ يُفْتَى بِأَنَّ الرَّأْيَ إلَى الْقَاضِي، فَلَوْ حَلَّفَ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ فَنَكَلَ وَقَضَى بِالْمَالِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ انْتَهَى. أَقُولُ: قَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عِنْدَ إلْحَاحِ الْخَصْمِ، وَأَنْ يُفْتِيَ بِجَوَازِ ذَلِكَ إنْ مَسَّتْهُ الضَّرُورَةُ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِالنُّكُولِ عَنْهُ، وَإِنْ قَضَى بِهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ بِهِ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَلَوْ قَضَى بِهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ انْتَهَى.
لَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّحْلِيفِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ عَمَّا ذُكِرَ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّحْلِيفُ بِهِ، أَلَّا يَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي بَيَانِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ الْعَدِيدَةِ عِنْدَهُ مِنْ أَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَفَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ فَلَا يَسْتَحْلِفُ فِيهَا حَيْثُ جَعَلُوا عَدَمَ
[ ٨ / ١٩٦ ]
قَالَ (وَيَسْتَحْلِفُ الْيَهُودِيَّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ﵇، وَالنَّصْرَانِيَّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى ﵇) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنِ صُورِيَّا الْأَعْوَرِ أَنْشُدُك بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَنَّ حُكْمَ الزِّنَا فِي كِتَابِكُمْ هَذَا» وَلِأَنَّ الْيَهُودِيَّ يَعْتَقِدُ نُبُوَّةَ مُوسَى وَالنَّصْرَانِيَّ نُبُوَّةَ عِيسَى ﵉ فَيُغَلِّظُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ (وَ) يَسْتَحْلِفُ (الْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) وَهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ. يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ أَحَدًا إلَّا بِاَللَّهِ خَالِصًا. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ ﵀ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ غَيْرَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إلَّا بِاَللَّهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لِأَنَّ فِي ذِكْرِ النَّارِ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَظَّمَ، بِخِلَافِ الْكِتَابَيْنِ لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ مُعَظَّمَةٌ (وَالْوَثَنِيُّ لَا يَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ) لِأَنَّ الْكَفَرَةَ بِأَسْرِهِمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ قَالَ (وَلَا يَحْلِفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَتِهِمْ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا
تَرَتُّبِ فَائِدَةِ الِاسْتِحْلَافِ وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ عِلَّةً لِعَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَهُ فَتَأَمَّلْ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَيَسْتَحْلِفُ الْيَهُودِيَّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالنَّصْرَانِيَّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى لِقَوْلِهِ) أَيْ لِقَوْلِ نَبِيِّنَا (ﷺ لِابْنِ صُورِيَّا الْأَعْوَرِ) وَفِي الْمُغْرِبِ: ابْنُ صُورِيَّا بِالْقَصْرِ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ «أَنْشُدُك بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَنَّ حُكْمَ الزِّنَا فِي كِتَابِكُمْ هَذَا» أَيْ التَّحْمِيمُ، هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْحُدُودِ مُسْنَدًا إلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ ﵊ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَا فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا فَقَالَ: نَشَدْتُك اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ﵇ هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَا فِي كِتَابِكُمْ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا، فَلَوْلَا أَنَّك نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْك، حَدُّ الزِّنَا فِي كِتَابِنَا الرَّجْمُ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إذَا أَخَذْنَا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَنَجْتَمِعَ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ وَتَرَكْنَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَك إذْ أَمَاتُوهُ، فَأُمِرَ بِهِ فَرُجِمَ» وَقَالَ شُرَّاحُهُ: وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا، وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: يَعْنِي لِابْنِ صُورِيَّا، الْحَدِيثُ.
وَهَذَا مُرْسَلٌ (وَلِأَنَّ الْيَهُودِيَّ يَعْتَقِدُ نُبُوَّةَ مُوسَى وَالنَّصْرَانِيَّ نُبُوَّةَ عِيسَى) أَيْ يَعْتَقِدُ نُبُوَّةَ عِيسَى ﵇ (فَيُغَلِّظُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ) لِيَكُونَ رَادِعًا لَهُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ (وَيَحْلِفُ الْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَعْتَقِدُ الْحُرْمَةَ فِي النَّارِ فَيَمْتَنِعُ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ أَحَدًا إلَّا بِاَللَّهِ خَالِصًا) تَفَادِيًا عَنْ تَشْرِيكِ الْغَيْرِ مَعَهُ فِي التَّعْظِيمِ (وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ غَيْرَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إلَّا بِاَللَّهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا، لِأَنَّ فِي ذِكْرِ النَّارِ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمَهَا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَظَّمَ) لِأَنَّ النَّارَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ، فَكَمَا لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُسْلِمَ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الشَّمْسَ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَحْلِفُ الْمَجُوسِيَّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ النَّارَ تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ، فَلِمَقْصُودِ النُّكُولِ قَالَ: تُذْكَرُ النَّارُ فِي الْيَمِينِ انْتَهَى (بِخِلَافِ الْكِتَابَيْنِ) أَيْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ (لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ مُعَظَّمَةٌ) فَجَازَ أَنْ تُذْكَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْوَثَنِيُّ لَا يَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ، لِأَنَّ الْكَفَرَةَ بِأَسْرِهِمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) لَا يُقَالُ: لَوْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ. لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَعْبُدُونَهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى زَعْمِهِمْ؛ أَلَا يَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ تَعَالَى يَمْتَنِعُونَ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَتَحْصُلُ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ الْيَمِينِ وَهِيَ النُّكُولُ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَلَا يَحْلِفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَتِهِمْ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا) أَيْ لَا يَحْضُرُ بُيُوتَ عِبَادَتِهِمْ لِلْحَرَجِ
[ ٨ / ١٩٧ ]
بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ. .
قَالَ (وَلَا يَجِبُ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَفِي إيجَابِ ذَلِكَ حَرَجٌ عَلَى الْقَاضِي حَيْثُ يُكَلَّفُ حُضُورَهَا وَهُوَ مَدْفُوعٌ.
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ هَذَا عَبْدَهُ بِأَلْفٍ فَجَحَدَ اسْتَحْلَفَ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيهِ وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْت) لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاعُ الْعَيْنُ ثُمَّ يُقَالُ فِيهِ
(وَيَسْتَحْلِفُ فِي الْغَصْبِ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْك رَدَّهُ وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا غَصَبْت) لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُ ثُمَّ يَفْسَخُ بِالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ (وَفِي النِّكَاحِ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ)
بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ) لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالْحَلِفُ يَقَعُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْمَكَانِ، فَفِي أَيِّ مَكَان حَلَّفَهُ جَازَ.
وَفِي الْأَجْنَاسِ قَالَ فِي الْمَأْخُوذِ لِلْحَسَنِ: وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْقَاضِيَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إلَى بَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ فَيُحَلِّفُهُ هُنَاكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْعَلَهُ إذَا اتَّهَمَهُ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلَا يَجِبُ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ) أَيْ بِدُونِ تَعْيِينِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (وَفِي إيجَابِ ذَلِكَ حَرَجٌ عَلَى الْقَاضِي حَيْثُ يُكَلِّفُ حُضُورَهَا) أَيْ حُضُورُ الْأَزْمَانِ الْمُعَيَّنَةِ وَالْأَمَاكِنِ الْمَخْصُوصَةِ (وَهُوَ مَدْفُوعٌ) أَيْ الْحَرَجُ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ فِي قَسَامَةٍ أَوْ فِي لِعَانٍ أَوْ فِي مَالٍ عَظِيمٍ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ؛ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَعِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﵊، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَفِي سَائِرِ الْبِلَادِ فِي الْجَوَامِعِ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ وَشَرْحِ الْأَقْطَعِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ هَذَا عَبْدَهُ بِأَلْفٍ فَجَحَدَ اسْتَحْلَفَ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيهِ وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْت) يَعْنِي يَسْتَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ دُونَ السَّبَبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْيَمِينُ عَلَى الْحَاصِلِ أَوْ السَّبَبِ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ، إمَّا إنْ كَانَ مِمَّا يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنْ تَضَرَّرَ الْمُدَّعِي بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْحَاصِلِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعَلَى السَّبَبِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إلَّا إذَا عَرَضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِرَفْعِ السَّبَبِ وَسَيَظْهَرُ الْكُلُّ مِنْ الْكِتَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ (لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاعُ الْعَيْنُ ثُمَّ يُقَالُ فِيهِ) مِنْ الْإِقَالَةِ: أَيْ ثُمَّ تَطْرَأُ عَلَيْهِ الْإِقَالَةُ فَلَا يَبْقَى الْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ، فَلَوْ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْبَيْعُ هَاهُنَا لَتَضَرَّرَ بِهِ فَاسْتَحْلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ.
(وَيَسْتَحْلِفُ فِي الْغَصْبِ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ رَدَّهُ) أَيْ رَدُّ الْمُدَّعِي (وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا غَصَبْت) هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ (لِأَنَّهُ قَدْ يُغْصَبُ) أَيْ قَدْ يُغْصَبُ الشَّيْءُ (ثُمَّ يُفْسَخُ) أَيْ يُفْسَخُ الْغَصْبُ (بِالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ) فَلَوْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ هَاهُنَا لَتَضَرَّرَ بِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ (وَفِي النِّكَاحِ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ) وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَأَكْثَرُ الشُّرَّاحِ: هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا لِمَا أَنَّ الِاسْتِحْلَافَ فِي النِّكَاحِ قَوْلُهُمَا.
أَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ فِي النِّكَاحِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَى قَوْلِهِمَا مَعًا إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْلَافَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى الْحَاصِلِ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَقَطْ، إذْ الِاسْتِحْلَافُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا هُوَ عَلَى السَّبَبِ كَمَا يُنَادِي عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَيَأْتِي، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَحْلِفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى السَّبَبِ. نَعَمْ سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ أَيْضًا إلَّا إذَا عَرَضَ
[ ٨ / ١٩٨ ]
لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْخُلْعُ (وَفِي دَعْوَى الطَّلَاقِ بِاَللَّهِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْك السَّاعَةَ بِمَا ذَكَرْت وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقَهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ يُجَدَّدُ بَعْدَ الْإِبَانَةِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ يَتَضَرَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَحْلِفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ
بِمَا ذَكَرْنَا فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الِاسْتِحْلَافِ عَلَى الْحَاصِلِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ عَرَضَ أَوْ لَمْ يَعْرِضْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا بَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ بِقَوْلِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ إذْ لَا خِلَافَ فِي صُورَةِ التَّعْرِيضِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْلِيلِ (لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْخُلْعُ) أَيْ يَطْرَأُ عَلَى النِّكَاحِ الْخُلْعُ، فَلَوْ حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ النِّكَاحِ هَاهُنَا لَتَضَرَّرَ بِهِ فَحَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ (وَفِي دَعْوَى الطَّلَاقِ بِاَللَّهِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْك السَّاعَةَ بِمَا ذَكَرْت وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقَهَا) وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ، فَكَأَنَّهُ زَادَ ذِكْرَ دَعْوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ أُخْرَى الْمَسَائِلِ الْمُتَنَاسِبَةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا إيمَاءً إلَى أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهَا تَرَكَتْ فِيهَا اعْتِمَادًا عَلَى انْفِهَامِهَا بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ يُجَدَّدُ بَعْدَ الْإِبَانَةِ) وَفَرَّعَ عَلَى جُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ قَوْلَهُ (فَيَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ لَتَضَرَّرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ (وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) أَيْ التَّحْلِيفُ عَلَى الْحَاصِلِ فِي الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلُهُمَا. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَاهُنَا كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَكُونُ التَّحْلِيفُ فِيهِ عَلَى الْحَاصِلِ عِنْدَهُ كَمَا لَا يُخْفَى انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَيْضًا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا عَلَى التَّغْلِيبِ: أَيْ تَغْلِيبُ حُكْمِ سَائِرِ الْوُجُوهِ عَلَى حُكْمِ وَجْهِ النِّكَاحِ اعْتِمَادًا عَلَى ظُهُورِ عَدَمِ جَرَيَانِ الِاسْتِحْلَافِ فِي النِّكَاحِ مِمَّا مَرَّ.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَصَدَ تَوْجِيهَ الْكَلَامِ وَدَفْعَ الِاعْتِرَاضِ عَنْ الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ: أَيْ التَّحْلِيفُ عَلَى الْحَاصِلِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى الْحَاصِلِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَا يُخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَحْلِفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى السَّبَبِ يَأْبَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ، إذْ قَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ تَعْيِينًا لِكَوْنِ الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَصَاحِبَيْهِ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ لَا فِي كَيْفِيَّةِ التَّحْلِيفِ فِي الْجُمْلَةِ فَتَدَبَّرْ (أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَحْلِفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ
[ ٨ / ١٩٩ ]
عَلَى السَّبَبِ إلَّا إذَا عَرَّضَ بِمَا ذَكَرْنَا فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ. وَقِيلَ: يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ. فَالْحَاصِلُ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ سَبَبًا يَرْتَفِعُ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنْ تَدَّعِيَ مَبْتُوتَةٌ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ وَالزَّوْجُ مِمَّنْ لَا يَرَاهَا، أَوْ ادَّعَى شُفْعَةً بِالْجِوَارِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَرَاهَا، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ يَصْدُقُ فِي يَمِينِهِ فِي مُعْتَقَدِهِ فَيَفُوتُ النَّظَرُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَا يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ (كَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إذَا ادَّعَى الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ،
مِنْ الْوُجُوهِ (عَلَى السَّبَبِ إلَّا إذَا عَرَّضَ بِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ إلَّا إذَا عَرَّضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ارْتِفَاعِ السَّبَبِ.
وَصِفَةُ التَّعْرِيضِ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْقَاضِي إذَا عَرَضَ الْقَاضِي الْيَمِينَ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ مَا بِعْت أَيَّهَا الْقَاضِي أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ شَيْئًا ثُمَّ يُقِيلُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا بَاقِي أَخَوَاتِ الْبَيْعِ فَتَدَبَّرْ (فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ) أَيْ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى حُكْمِ الشَّيْءِ فِي الْحَالِ، وَصَارَ الْعُدُولُ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى مُقْتَضَى الدَّعْوَى حَقًّا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ طَالَبَ بِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْأَقْطَعِ (وَقِيلَ يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ رُوِيَ عَنْهُ إنَّهُ يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ) وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: هَذَا أَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدِي وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُضَاةِ.
وَفِي الْكَافِي: قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي (فَالْحَاصِلُ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا) أَيْ التَّحْلِيفُ عَلَى الْحَاصِلِ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا (إذَا كَانَ سَبَبًا) أَيْ إذَا كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ سَبَبًا (يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ) أَيْ فِي التَّحْلِيفِ عَلَى الْحَاصِلِ (تَرْكُ النَّظَرِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ) أَيْ مَا كَانَ فِي التَّحْلِيفِ عَلَى السَّبَبِ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي (مِثْلُ أَنْ تَدَّعِيَ مَبْتُوتَةٌ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ وَالزَّوْجُ مِمَّنْ لَا يَرَاهَا) أَيْ لَا يَرَى نَفَقَةَ الْعِدَّةِ لِلْمَبْتُوتَةِ (أَوْ ادَّعَى شُفْعَةً بِالْجِوَارِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَرَاهَا) بِأَنْ كَانَ شَافِعِيًّا (لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ يَصْدُقُ فِي يَمِينِهِ فِي مُعْتَقِدِهِ فَيَفُوتُ النَّظَرُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي) فَإِنْ قِيلَ: فِي التَّحْلِيفِ عَلَى السَّبَبِ ضَرَرٌ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْضًا لِجَوَازِ أَنَّهُ اشْتَرَى وَلَا شُفْعَةَ لَهُ بِأَنْ سَلَّمَ أَوْ سَكَتَ عَنْ الطَّلَبِ. قُلْنَا: الْقَاضِي لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِأَحَدِهِمَا، فَكَانَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمُدَّعِي أَوْلَى لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَقِّ وَهُوَ الشِّرَاءُ إذَا ثَبَتَ يَثْبُتُ الْحَقُّ لَهُ، وَسُقُوطُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْعَارِضِ، كَذَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَإِنْ كَانَ سَبَبًا) أَيْ إنْ كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ سَبَبًا (لَا يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ كَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إذَا ادَّعَى الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ) وَجَحَدَ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا أَعْتَقَهُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى التَّحْلِيفِ
[ ٨ / ٢٠٠ ]
بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ الْكَافِرِ) لِأَنَّهُ يُكَرِّرُ الرِّقَّ عَلَيْهَا بِالرِّدَّةِ وَاللِّحَاقِ وَعَلَيْهِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَاللِّحَاقِ، وَلَا يُكَرِّرُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ. .
قَالَ: (وَمَنْ وَرِثَ عَبْدًا وَادَّعَاهُ آخَرُ يَسْتَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ) لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا صَنَعَ الْمُوَرِّثُ فَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ (وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ) لِوُجُودِ الْمُطْلَقِ لِلْيَمِينِ إذْ الشِّرَاءُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ وَضْعًا وَكَذَا الْهِبَةُ.
عَلَى الْحَاصِلِ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ رَقِيقًا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، كَيْفَ وَلَوْ تَصَوَّرَ عَوْدَ الرِّقِّ فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ الِارْتِدَادِ.
وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالِارْتِدَادِ (بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ الْكَافِرِ) حَيْثُ يَحْلِفُ فِيهِمَا عَلَى الْحَاصِلِ: أَيْ مَا هِيَ حُرَّةٌ أَوْ مَا هُوَ حُرٌّ فِي الْحَالِ كَذَا فِي الْكَافِي (لِأَنَّهُ يُكَرِّرُ الرِّقَّ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَمَةِ (بِالرِّدَّةِ وَاللِّحَاقِ) بِدَارِ الْحَرْبِ وَالسَّبْيِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ وَيُكَرِّرُ الرِّقَّ عَلَى الْعَبْدِ الْكَافِرِ (بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَاللِّحَاقِ) بِدَارِ الْحَرْبِ وَالسَّبْيِ أَيْضًا (وَلَا يُكَرِّرُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: (وَمَنْ وَرِثَ عَبْدًا وَادَّعَاهُ آخَرُ) وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ (اُسْتُحْلِفَ) أَيْ الْوَارِثُ (عَلَى عِلْمِهِ) أَيْ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا عَبْدُ الْمُدَّعِي (لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ) أَيْ لِلْوَارِثِ (بِمَا صَنَعَ الْمُوَرِّثُ فَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ) إذْ لَوْ حَلَّفْنَا عَلَيْهِ لَامْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ كَوْنِهِ صَادِقًا فِيهَا فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي (وَإِنْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ) يَعْنِي إنْ وَهَبَ لَهُ عَبْدًا أَوْ اشْتَرَاهُ وَادَّعَاهُ آخَرُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ (لِوُجُودِ الْمُطْلَقِ) أَيْ الْمُجَوِّزِ (لِلْيَمِينِ) أَيْ لِلْيَمِينِ عَلَى الْبَتَاتِ (إذْ الشِّرَاءُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ وَضْعًا وَكَذَا الْهِبَةُ) فَإِنْ قِيلَ: بِهَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْثِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْإِرْثَ أَيْضًا سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِلْمِلْكِ شَرْعًا كَالْهِبَةِ فَكَيْفَ يُسْتَحْلَفُ فِيهِ عَلَى الْعِلْمِ؟ قُلْنَا: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الشِّرَاءُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ وَضْعًا أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ يُثْبِتُ الْمِلْكَ بِاخْتِيَارِهِ الْمُشْتَرِيَ وَمُبَاشَرَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْعَيْنَ الَّذِي
[ ٨ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اشْتَرَاهُ مِلْكُ الْبَائِعِ لَمَا بَاشَرَ الشِّرَاءَ اخْتِيَارًا وَكَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي قَبُولِ الْهِبَةِ، بِخِلَافِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْوَارِثِ جَبْرًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِحَالِ مِلْكِ الْمُوَرِّثِ فَلِذَلِكَ يَحْلِفُ الْوَارِثُ بِالْعِلْمِ وَالْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْبَتَاتِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ أَيْضًا مِنْ كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ، وَهُوَ الْيَمِينُ عَلَى الْعِلْمِ أَوْ الْبَتَاتِ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّحْلِيفَ إنْ كَانَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ يَكُونُ عَلَى الْبَتَاتِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ. فَإِنْ قِيلَ: أَنَّى يَسْتَقِيمُ هَذَا. لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ إبَاقَ عَبْدٍ قَدْ بَاعَهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ الْإِبَاقَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ مَعَ أَنَّ الْإِبَاقَ فِعْلُ غَيْرِهِ؟ قُلْنَا: لِلْمُدَّعِي يَدَّعِي عَلَيْهِ تَسْلِيمَ غَيْرِ السَّلِيمِ عَنْ الْعَيْبِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَأَنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
قَالَ الْإِمَامُ الْأُسْرُوشَنِيُّ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ فُصُولِهِ: وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّحْلِيفِ فَنَقُولُ: إنْ وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى فِعْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّك سَرَقْت هَذَا الْعَيْنَ مِنِّي أَوْ غَصَبْت هَذَا الْعَيْنَ مِنِّي يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْبَتَاتِ، وَإِنْ وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ، حَتَّى لَوْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ بِحَضْرَةِ وَارِثِهِ بِسَبَبِ الِاسْتِهْلَاكِ أَوْ ادَّعَى أَنَّ أَبَاك سَرَقَ هَذَا الْعَيْنَ مِنِّي أَوْ غَصَبَ هَذَا الْعَيْنَ مِنِّي يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: هَذَا الْأَصْلُ مُسْتَقِيمٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا أَنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ إلَّا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا ادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ سَارِقٌ أَوْ آبِقٌ وَأَثْبَتَ إبَاقَهُ أَوْ سَرِقَتَهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَبَقَ أَوْ سَرَقَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْبَائِعِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ بِاَللَّهِ مَا سَرَقَ فِي يَدِك، وَهَذَا تَحْلِيفٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبَائِعَ ضَمِنَ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ سَلِيمًا عَنْ الْعُيُوبِ وَالتَّحْلِيفُ يَرْجِعُ إلَى مَا ضَمِنَ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ عَلَى الْبَتَاتِ.
وَكَانَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ يَزِيدُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ حَرْفًا، وَهُوَ أَنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ عَلَى الْبَتَاتِ وَعَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْعِلْمِ، إلَّا إذَا كَانَ شَيْئًا يَتَّصِلُ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ، خَرَجَ عَلَى هَذَا فَصْلُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَّصِلُ بِهِ، لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْعَبْدِ سَلِيمًا وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى فِعْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ وَعَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنِّي اسْتَأْجَرْت مِنِّي اسْتَقْرَضْت مِنِّي، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ فِعْلُهُ وَفِعْلُ غَيْرِهِ فَإِنَّهَا تَقُومُ بِاثْنَيْنِ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ إذَا قَالَ الَّذِي اُسْتُحْلِفَ: لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: لِي عِلْمٌ بِذَلِكَ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ: قَبَضَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَةَ مِنِّي فَإِنَّهُ يُحَلِّفُ الْمُودِعَ عَلَى الْبَتَاتِ، وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ وَسَلَّمَ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ الثَّمَنَ وَجَحَدَ الْمُوَكِّلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ الْمُشْتَرِي وَيَحْلِفُ الْوَكِيلُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ لَقَدْ قَبَضَ الْمُوَكِّلُ، وَهَذَا تَحْلِيفٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي أَنَّهُ لَهُ عِلْمًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: قَبَضَ الْمُوَكِّلُ فَكَانَ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْفُصُولِ. كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، ذَكَرَ الْإِمَامُ اللَّامِشْتِيُّ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتَاتِ فَحَلَفَ عَلَى الْعِلْمِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا، وَإِذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ النُّكُولُ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَى الْعِلْمِ وَحَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَلِفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَلَوْ نَكَلَ يَقْضِي عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْبَتَاتِ أَقْوَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْفُصُولِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْبَتَاتِ فَحَلَفَ عَلَى الْعِلْمِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا حَتَّى لَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَلَا يَسْقُطُ الْيَمِينُ عَنْهُ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى الْعِلْمِ فَحَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ يُعْتَبَرُ الْيَمِينُ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُ الْيَمِينُ عَلَى الْعِلْمِ، وَيَقْضِيَ عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْبَتَاتِ آكَدُ فَيُعْتَبَرُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْعَكْسِ انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَلَا يَسْقُطُ الْيَمِينُ عَنْهُ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي، بَلْ اللَّائِقُ أَنْ يَقْضِيَ بِالنُّكُولِ، فَإِنَّهُ إذَا نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى الْعِلْمِ فَفِي الْحَلِفِ عَلَى الْبَتَاتِ أَوْلَى. وَالْجَوَابُ الْمَنْعُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نُكُولُهُ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ فَائِدَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ فَلَا يَحْلِفُ حَذَرًا عَنْ التَّكْرَارِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَيَقْضِي عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ، فَإِنَّهَا إذْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَيْفَ يَقْضِي عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ، إلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الْقَائِلِ. وَأَقُولُ: بَحْثُهُ الثَّانِي مُتَوَجِّهٌ فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ بِإِيرَادِهِ، بَلْ قَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَيْثُ
[ ٨ / ٢٠٢ ]
قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَافْتَدَى يَمِينَهُ أَوْ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى عَشْرَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ) وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُثْمَانَ ﵁.
ذَكَرَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ: وَفِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْبَتَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَهُمَا إلَيْهِ الْإِمَامُ عِمَادُ الدِّينِ حَيْثُ قَالَ فِي فُصُولِهِ: وَرَأَيْت فِيمَا كَتَبْتُهُ مِنْ نُسْخَةِ الْمُحِيطِ فِي فَصْلِ الْمُتَفَرِّقَاتِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي مِنْهُ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتَاتِ فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي عَلَى الْعِلْمِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا، وَإِذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ النُّكُولُ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْعِلْمِ فَحَلَّفَهُ عَلَى الْبَتَاتِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَلِفُ لِأَنَّ الْبَتَاتَ أَقْوَى، وَلَوْ نَكَلَ عَنْهُ يَقْضِي عَلَيْهِ.
قُلْت: وَهَذَا الْفَرْعُ مُشْكِلٌ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَهُ بِهَذَا الْفَرْعِ هُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ نَكَلَ عَنْهُ يَقْضِي عَلَيْهِ وَإِنَّ وَجْهَ إشْكَالِهِ تَوَجُّهُ مَا ذَكَرَاهُ. وَأَمَّا بَحْثُهُ الْأَوَّلُ وَجَوَابُهُ فَمَنْظُورٌ فِيهِمَا: أَمَّا الْبَحْثُ فَلِأَنَّ اللَّازِمَ مِنْ النُّكُولِ عَنْ الْحَلِفِ عَنْ الْعِلْمِ أَنْ يَفْهَمَ نُكُولَهُ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى الْبَتَاتِ لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ لَا أَنْ يَتَحَقَّقَ النُّكُولُ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى الْبَتَاتِ بِالْفِعْلِ، وَاَلَّذِي مِنْ أَسْبَابِ الْقَضَاءِ هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا الْجَوَابُ فَلِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِيَقِينٍ كَوْنَ نُكُولِهِ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ فَائِدَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ فَالْحُكْمُ أَيْضًا مَا ذُكِرَ، وَلَا يَجْرِي الْجَوَازُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ، عَلَى أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فَلَا يَحْلِفُ حَذَرًا عَنْ التَّكْرَارِ، إذْ الْمَحْذُورُ تَكْرَارُ التَّحْلِيفِ لَا تَكْرَارُ الْحَلِفِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَافْتَدَى يَمِينَهُ) أَيْ افْتَدَى الْآخَرُ عَنْ يَمِينِهِ (أَوْ صَالَحَهُ مِنْهَا) أَيْ صَالَحَ الْآخَرُ الْمُدَّعِيَ مِنْ الْيَمِينِ (عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَثَلًا فَهُوَ) أَيْ الِافْتِدَاءُ أَوْ الصُّلْحُ (جَائِزٌ) فَالِافْتِدَاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَالٍ هُوَ مِثْلُ الْمُدَّعِي، وَقَدْ يَكُونُ بِمَالٍ هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْمُدَّعِي. وَأَمَّا الصُّلْحُ مِنْ الْيَمِينِ فَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَالٍ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعِي فِي الْغَالِبِ لِأَنَّ الصُّلْحَ يُنْبِئُ عَنْ الْحَطِيطَةِ، وَكِلَاهُمَا مَشْرُوعٌ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَهُوَ) أَيْ الِافْتِدَاءُ عَنْ الْيَمِينِ (مَأْثُورٌ عَنْ عُثْمَانَ ﵁) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَفْظُ الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ.
ذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَأَعْطَى شَيْئًا وَافْتَدَى يَمِينَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ، فَقِيلَ أَلَا تَحْلِفُ وَأَنْتَ صَادِقٌ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرَ يَمِينِي فَيُقَالُ هَذَا بِسَبَبِ يَمِينِهِ الْكَاذِبَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ اسْتَقْرَضَ مِنْ عُثْمَانَ ﵁ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَضَاهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَتَرَافَعَا إلَى عُمَرَ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ: لِيَحْلِفْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا يَقُولُ وَلْيَأْخُذْ سَبْعَةَ آلَافٍ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ: أَنْصَفَك الْمِقْدَادُ احْلِفْ إنَّهَا كَمَا تَقُولُ وَخُذْهَا، فَلَمْ يَحْلِفْ عُثْمَانُ ﵁، فَلَمَّا خَرَجَ الْمِقْدَادُ قَالَ عُثْمَانُ لِعُمَرَ ﵄: إنَّهَا كَانَتْ سَبْعَةَ آلَافٍ، قَالَ: فَمَا مَنَعَك أَنْ تَحْلِفَ
[ ٨ / ٢٠٣ ]
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى تِلْكَ الْيَمِينِ أَبَدًا) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْك؟ فَقَالَ عُثْمَانُ ﵁ عِنْدَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ. فَيَكُونُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي الْإِيفَاءَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ وَبِهِ نَقُولُ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمِقْدَادَ ﵁ إذَا قَضَاهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ كَيْفَ قَالَ عُثْمَانُ ﵁ إنَّهَا كَانَتْ سَبْعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ إنَّ قِصَّةَ الْمِقْدَادِ لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، إذْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا النُّكُولُ لَا الِافْتِدَاءُ وَالصُّلْحُ انْتَهَى. وَأَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ بِشِقَّيْهِ، أَمَّا شِقُّهُ الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ ﵁ إنَّهَا كَانَتْ سَبْعَةَ آلَافٍ، أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ سَبْعَةَ آلَافٍ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ لَفْظُ كَانَتْ، لَا أَنَّ الْبَاقِيَ فِي ذِمَّتِهِ الْآنَ سَبْعَةُ آلَافٍ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَضَاءَ أَرْبَعَةِ آلَافٍ إنَّمَا يُنَافِي الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي. فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي الْإِيفَاءَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ إذْ النِّزَاعُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِي الْإِيفَاءِ وَالْقَبْضِ دُونَ مِقْدَارِ أَصْلِ الْقَرْضِ كَمَا ذَكَرْتُهُ. قُلْت: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي إيفَاءَ تَمَامِ الدَّيْنِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: بَلْ أَوْفَيْت الْبَعْضَ مِنْهُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَبَقِيَ الْبَعْضُ مِنْهُ فِي ذِمَّتِك وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النِّزَاعُ فِي الْإِيفَاءِ فَرْعَ النِّزَاعِ فِي أَصْلِ مِقْدَارِ الْقَرْضِ، فَتَسْلَمُ الْقِصَّةُ عَنْ تَعَارُضِ طَرَفَيْهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ النَّاظِرُ، وَيَخْرُجُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَأَمَّا شِقُّهُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ الْقِصَّةَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ مُدَّعِيًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَصَلَحَ أَنْ يَتَّخِذَهُ الشَّافِعِيُّ دَلِيلًا عَلَى مَذْهَبِهِ وَهُوَ جَوَازُ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ قِبَلِنَا، وَإِنَّمَا كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَمُفْتَدِيًا عَنْ يَمِينِهِ بِمَالٍ فِي رِوَايَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ، وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى رِوَايَةِ بَعْضِ الْكُتُبِ دُونَ رِوَايَةِ بَعْضِهَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ أَوَّلًا: وَلَفْظُ الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَذَكَرَ مَا ذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ، ثُمَّ نَقَلَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ: فَيَكُونُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ: قَدْ أَوْضَحَ الْمَرَامَ بِتَفْصِيلِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ: قَدْ اخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ الْكِتَابِ فِي أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ مُدَّعِيًا، فَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَأَعْطَى شَيْئًا وَافْتَدَى يَمِينَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ، فَقِيلَ: أَلَا تَحْلِفُ وَأَنْتَ صَادِقٌ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرَ يَمِينِي فَيُقَالُ هَذَا بِسَبَبِ يَمِينِهِ الْكَاذِبَةِ. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ دَعْوَى الْمَبْسُوطِ فِي احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ مُدَّعِيًا فَقَالَ: وَحُجَّتُهُ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي مَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ادَّعَى مَالًا عَلَى الْمِقْدَادِ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ ﵃، إلَى أَنْ قَالَ: لِيَحْلِفْ لِي عُثْمَانُ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ تَمَامَ الْقِصَّةِ فَقَالَ: رُوِيَ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ اسْتَقْرَضَ مِنْ عُثْمَانَ ﵄ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَضَاهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ. فَتَرَافَعَا إلَى عُمَرَ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ: لِيَحْلِفْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا يَقُولُ وَلْيَأْخُذْ سَبْعَةَ آلَافٍ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ: أَنْصَفَك الْمِقْدَادُ لِتَحْلِفْ أَنَّهَا كَمَا تَقُولُ وَخُذْهَا، فَلَمْ يَحْلِفْ عُثْمَانُ، فَلَمَّا خَرَجَ الْمِقْدَادُ قَالَ عُثْمَانُ لِعُمَرَ: إنَّهَا كَانَتْ سَبْعَةَ آلَافٍ، قَالَ: فَمَا مَنَعَك أَنْ تَحْلِفَ وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْك؟ فَقَالَ عُثْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ. ثُمَّ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ ادَّعَى الْإِيفَاءَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ وَبِهِ نَقُولُ، إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى تِلْكَ الْيَمِينِ) أَيْ لَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْيَمِينِ الَّتِي افْتَدَى عَنْهَا أَوْ صَالَحَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ (أَبَدًا) أَيْ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ (لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الِافْتِدَاءِ أَوْ الصُّلْحِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى يَمِينَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يُجْبَرْ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ لِأَنَّ الشِّرَاءَ عَقْدُ تَمْلِيكِ الْمَالِ بِالْمَالِ وَالْيَمِينُ لَيْسَتْ بِمَالٍ كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ. .
[ ٨ / ٢٠٤ ]