(فَصْلٌ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْمُضَارِبُ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُذْكَرَ الْفَصْلُ هُنَا بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ
[ ٨ / ٤٧١ ]
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ فَيَنْتَظِمُهُ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ إِلَّا إِذَا بَاعَ إِلَى أَجَلٍ لَا يَبِيعُ التُّجَّارُ إِلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ الْأَمْرَ الْعَامَّ الْمَعْرُوفَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سَفِينَةً لِلرُّكُوبِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَكْرِيَهَا اعْتِبَارًا لِعَادَةِ التُّجَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِ الْمُضَارَبَةِ فِي التِّجَارَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ.
وَلَوْ بَاعَ بِالنَّقْدِ ثُمَّ أَخَّرَ الثَّمَنَ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ ذَلِكَ فَالْمُضَارِبُ أَوْلَى، إِلَّا أَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُقَايِلَ ثُمَّ يَبِيعَ نَسِيئَةً، وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ ثُمَّ الْبَيْعَ بِالنَّسَاءِ. بِخِلَافِ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ. وَلَوِ احْتَالَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ أَوِ الْأَعْسَرِ جَازَ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ يَحْتَالُ بِمَالِ الْيَتِيمِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَنْظَرُ، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُضَارِبُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ يَمْلِكُهُ بِمُطْلَقِ الْمُضَارَبَةِ وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُضَارَبَةِ وَتَوَابِعِهَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ جُمْلَتِهِ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَالرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ لِأَنَّهُ إِيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ وَالْإِجَارَةُ وَالِاسْتِئْجَارُ وَالْإِيدَاعُ وَالْإِبْضَاعُ وَالْمُسَافَرَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
وَنَوْعٌ لَا يَمْلِكُهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ وَيَمْلِكُهُ إِذَا قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فَيَلْحَقَ عِنْدَ وُجُودِ الدَّلَالَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ دَفْعِ الْمَالِ مُضَارَبَةً أَوْ شَرِكَةً إِلَى غَيْرِهِ وَخَلْطِ مَالِ
عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِذَا صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ مُطْلَقَةً جَازَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيُوَكِّلَ وَيُسَافِرَ وَيُبْضِعَ وَيُودِعَ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْفَصْلَ هُنَا لِزِيَادَةِ الْإِفَادَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا مَا لَمْ يَذْكُرْ ثَمَّةَ، انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْفَصْلَ هُنَا لِزِيَادَةِ الْإِفَادَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا مَا لَمْ يَذْكُرْ ثَمَّةَ لَا يُجْدِي شَيْئًا فِي دَفْعِ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْإِفَادَةِ إِنَّمَا تَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، بَلْ بِذَكَرِ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَ هُنَا وَمَا ذَكَرَ ثَمَّةَ وَلَا تَقْتَضِي أَنْ يَذْكُرَ بَعْضَهَا ثَمَّةَ وَبَعْضَهَا هُنَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ فَبَقِيَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ عَلَى حَالِهِ تَبَصَّرْ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ: ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي أَوَّلِ الْمُضَارَبَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُضَارِبِ زِيَادَةً لِلْإِفَادَةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى مَقْصُودِيَّةِ أَفْعَالِ الْمُضَارِبِ بِالْإِعَادَةِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ مَا يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ يَجِبُ حَلُّهُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَتَنْبِيهًا عَلَى مَقْصُودِيَّةِ أَفْعَالِ الْمُضَارِبِ بِالْإِعَادَةِ يُنَافِي فِي الظَّاهِرِ قَوْلَهُ ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، مَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي أَوَّلِ الْمُضَارَبَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ تَقْتَضِي الذِّكْرَ مَرَّةً أُولَى، وَقَدْ قَالَ أَوَّلًا مَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي أَوَّلِ الْمُضَارَبَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُضَارِبِ. وَحَلُّ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِعَادَةِ إِعَادَةُ جِنْسِ أَفْعَالِ الْمُضَارِبِ لَا إِعَادَةَ خُصُوصِ مَا ذَكَرَ هَاهُنَا، وَإِعَادَةُ جِنْسِهَا إِنَّمَا تَقْتَضِي ذِكْرَ جِنْسِهَا مَرَّةً أُولَى لَا ذِكْرَ خُصُوصَ مَا يُعَادُ مِنْ جِنْسِهَا.
[ ٨ / ٤٧٢ ]
الْمُضَارَبَةِ بِمَالِهِ أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ رَضِيَ بِشَرِكَتِهِ لَا بِشَرِكَةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التِّجَارَةُ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْعَقْدِ وَلَكِنَّهُ جِهَةٌ فِي التَّثْمِيرِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُوَافِقُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ عِنْدَ وُجُودِ الدَّلَالَةِ وَقَوْلُهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَنَوْعٌ لَا يَمْلِكُهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ وَلَا بِقَوْلِهِ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ إِلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ وَهُوَ الِاسْتِدَانَةُ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بَعْدَمَا اشْتَرَى بِرَأْسِ الْمَالِ السِّلْعَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَالُ زَائِدًا عَلَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْمُضَارَبَةُ وَلَا يَرْضَى بِهِ وَلَا يَشْغَلُ ذِمَّتَهُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ بِالِاسْتِدَانَةِ صَارَ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِمَنْزِلَةِ شَرِكَةِ الْوُجُوهِ وَأَخَذَ السَّفَاتِجَ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ، وَكَذَا إِعْطَاؤُهَا لِأَنَّهُ إِقْرَاضٌ وَالْعِتْقُ بِمَالٍ وَبِغَيْرِ مَالٍ وَالْكِتَابَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ وَالْإِقْرَاضُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ.
قَالَ (وَلَا يُزَوِّجُ عَبْدًا وَلَا أَمَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِسَابِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ الْمَهْرَ وَسُقُوطَ النَّفَقَةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ وَالْعَقْدُ لَا يَتَضَمَّنُ إِلَّا التَّوْكِيلَ بِالتِّجَارَةِ وَصَارَ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ فَإِنَّهُ اكْتِسَابٌ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ تِجَارَةً لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُضَارَبَةِ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ (فَإِنْ دَفَعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ إِلَى رَبِّ الْمَالِ بِضَاعَةً فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ وَبَاعَ فَهُوَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ)
فَلَا مُنَافَاةَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ رَضِيَ بِشَرِكَتِهِ لَا بِشَرِكَةِ غَيْرِهِ … إِلَخْ).
أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ قَاصِرٌ عَنْ إِفَادَةِ تَمَّامِ الْمُدَّعَى؛ إِذْ لَا يَجْرِي فِي صُورَةِ خَلْطِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِمَالِهِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ أَيْضًا فِي الْمُدَّعَى، كَمَا تَرَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ دَفَعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ إِلَى رَبِّ الْمَالِ بِضَاعَةً فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ وَبَاعَ فَهُوَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ اخْتِصَاصَ الْإِبْضَاعِ بِبَعْضِ الْمَالِ؛ حَيْثُ قَالَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ كَوْنِهِ بَعْضًا أَوْ كُلًّا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ فِي بَيَانِ إِيهَامِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اخْتِصَاصُ الْإِبْضَاعِ بِبَعْضِ الْمَالِ أَنْ يُقَالَ: حَيْثُ
[ ٨ / ٤٧٣ ]
وَقَالَ زُفَرٌ: تَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ وَكِيلًا فِيهِ فَيَصِيرُ مُسْتَرَدًّا وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ إِذَا شَرَطَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً. وَلَنَا أَنَّ التَّخْلِيَةَ فِيهِ قَدْ تَمَّتْ وَصَارَ التَّصَرُّفُ حَقًّا لِلْمُضَارِبِ فَيَصْلُحُ رَبُّ الْمَالِ وَكِيلًا عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ وَالْإِبْضَاعُ تَوْكِيلٌ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ اسْتِرْدَادًا، بِخِلَافِ شَرْطِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ الْمَالَ إِلَى رَبِّ الْمَالِ مُضَارَبَةً حَيْثُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَنْعَقِدُ شَرِكَةً عَلَى مَالِ رَبِ الْمَالِ وَعَمَلِ الْمُضَارِبِ وَلَا مَالَ هَاهُنَا، فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ الْمَوْضُوعِ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ بَقِيَ عَمَلُ رَبِّ الْمَالِ بِأَمْرِ الْمُضَارِبِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الْمُضَارَبَةُ الْأُولَى.
قَالَ: (وَإِذَا عَمِلَ الْمُضَارِبُ فِي الْمِصْرِ
قَالَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنَّ مَنْشَأَ الْإِيهَامِ إِنَّمَا هُوَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، لَا قَوْلُهُ: مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَقَطْ؛ لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ بِكَلِمَةٍ مِنَ الْبَيَانِ لَا التَّبْعِيضُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فَإِنْ دَفَعَ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ إِلَى رَبِّ الْمَالِ بِضَاعَةً تَعَيَّنَ الْبَيَانُ وَارْتَفَعَ الْإِيهَامُ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: فَإِنْ دَفَعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ إِلَى رَبِّ الْمَالِ بِضَاعَةً فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ التَّصْرِيحِ بِبَعْضِ الْمَالِ، كَمَا لَا يُشْتَبَهُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ. وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا اللَّفْظُ، كَمَا تَرَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَدْفُوعُ إِلَى رَبِّ الْمَالِ بَعْضَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَلَمْ يَقُلْ: حَيْثُ قَالَ: مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْكَافِي فَلَمَّا رَأَى لَفْظَ الْمُصَنَّفِ مُوهِمًا لِلِاخْتِصَاصِ بِإِبْضَاعِ بَعْضِ الْمَالِ غَيْرَهُ فَقَالَ: فَإِنْ دَفَعَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ إِلَى رَبِّ الْمَالِ بِضَاعَةً وَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ وَبَاعَ فَهِيَ مُضَارَبَةٌ بِحَالِهَا، انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ: تَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ وَكِيلًا فِيهِ فَيَصِيرُ مُسْتَرَدًّا، وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ إِذَا شَرَطَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: قَالَ زُفَرُ: رَبُّ
[ ٨ / ٤٧٤ ]
فَلَيْسَتْ نَفَقَتُهُ فِي الْمَالِ، وَإِنْ سَافَرَ فَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَكِسْوَتُهُ وَرُكُوبُهُ) وَمَعْنَاهُ شِرَاءٌ وَكِرَاءٌ فِي الْمَالِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِإِزَاءِ الِاحْتِبَاسِ كَنَفَقَةِ الْقَاضِي وَنَفَقَةِ الْمَرْأَةِ، وَالْمُضَارِبُ فِي الْمِصْرِ سَاكِنٌ بِالسُّكْنَى الْأَصْلِيِّ، وَإِذَا سَافَرَ صَارَ مَحْبُوسًا بِالْمُضَارَبَةِ فَيَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِيهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْبَدَلَ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَتَضَرَّرُ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ، أَمَّا الْمُضَارِبُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الرِّبْحُ وَهُوَ فِي حَيِّزِ التَّرَدُّدِ، فَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَبِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَبِخِلَافِ الْبِضَاعَةِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
قَالَ (فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فِي يَدِهِ بَعْدَمَا قَدِمَ مِصْرَهُ رَدَّهُ فِي الْمُضَارَبَةِ) لِانْتِهَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ دُونَ السَّفَرِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَغْدُو ثُمَّ يَرُوحُ فَيَبِيتُ بِأَهْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السُّوقِيِّ فِي الْمِصْرِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَبِيتُ بِأَهْلِهِ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ لِلْمُضَارَبَةِ، وَالنَّفَقَةُ هِيَ مَا يُصْرَفُ إِلَى الْحَاجَةِ الرَّاتِبَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ ذَلِكَ غَسْلُ ثِيَابِهِ وَأُجْرَةُ أَجِيرٍ يَخْدُمُهُ وَعَلَفُ دَابَّةٍ يَرْكَبُهَا وَالدُّهْنُ فِي مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَادَةً كَالْحِجَازِ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى يَضْمَنَ الْفَضْلَ إِنْ جَاوَزَهُ اعْتِبَارًا لِلْمُتَعَارَفِ بَيْنَ التُّجَّارِ. قَالَ (وَأَمَّا الدَّوَاءُ فَفِي مَالِهِ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ لِإِصْلَاحِ بَدَنِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التِّجَارَةِ إِلَّا بِهِ فَصَارَ كَالنَّفَقَةِ، وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى النَّفَقَةِ مَعْلُومَةُ الْوُقُوعِ وَإِلَى الدَّوَاءِ بِعَارِضِ الْمَرَضِ، وَلِهَذَا كَانَتْ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى
الْمَالِ تَصَرَّفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فَيَكُونُ مُسْتَرِدًّا لِلْمَالِ وَلِهَذَا لَا يَصْلُحُ اشْتِرَاطُ الْعَمَلِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
أَقُولُ: هَذَا الشَّرْحُ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ عِلَّةَ فَسَادِ الْمُضَارَبَةِ عِنْدَ زُفَرَ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ كَوْنُ تَصَرُّفِ رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَصْرِيحِ الْمُضَارِبِ بِالتَّوْكِيلِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ لَوْ صَرَّحَ بِالتَّوْكِيلِ تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الشُّرُوحِ أَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَوْنُ رَبِّ الْمَالِ مُتَصَرِّفًا فِي مَالِ نَفْسِهِ غَيْرُ صَالِحٍ لِأَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَصْلُحُ وَكِيلًا لِغَيْرِهِ فِيمَا يَعْمَلُ فِي مَلِكِ نَفْسِهِ، وَلَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْكَافِي؛ حَيْثُ قَالَ: قَالَ زُفَرُ: تَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ وَكِيلًا فِيهِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ فِيمَا يَعْمَلُ فِي مِلْكِهِ لَا يَصْلُحُ
[ ٨ / ٤٧٥ ]
الزَّوْجِ وَدَوَاؤُهَا فِي مَالِهَا. قَالَ (وَإِذَا رَبِحَ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَا أَنْفَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ بَاعَ الْمَتَاعَ مُرَابَحَةً حَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى الْمَتَاعِ مِنِ الْحِمْلَانِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَحْتَسِبُ مَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ) لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِإِلْحَاقٍ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْمَالِيَّةِ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ وَالثَّانِيَ لَا يُوجِبُهَا.
قَالَ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ فَاشْتَرَى بِهَا ثِيَابًا فَقَصَّرَهَا أَوْ حَمَلَهَا بِمِائَةٍ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ) لِأَنَّهُ اسْتِدَانَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَلَا يَنْتَظِمُهُ هَذَا الْمَقَالُ عَلَى مَا مَرَّ (وَإِنْ صَبَغَهَا أَحْمَرَ فَهُوَ شَرِيكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ وَلَا يَضْمَنُ) لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ بِهِ حَتَّى إِذَا بِيعَ كَانَ لَهُ حِصَّةُ الصَّبْغِ وَحِصَّةُ الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِخِلَافِ الْقِصَارَةِ وَالْحَمْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنِ مَالٍ قَائِمٍ بِهِ، وَلِهَذَا إِذَا فَعَلَهُ الْغَاصِبُ ضَاعَ وَلَا يَضِيعُ إِذَا صَبَغَ الْمَغْصُوبَ، وَإِذَا صَارَ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ انْتِظَامَهُ الْخُلْطَةَ فَلَا يَضْمَنُهُ.
وَكِيلًا لِغَيْرِهِ فَصَارَ مُسْتَرَدًّا، انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ فَاشْتَرَى بِهَا ثِيَابًا فَقَصَّرَهَا أَوْ حَمَلَهَا بِمِائَةٍ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا بَعْدَ مَا مَرَّ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ وَإِنْ صَبَغَهَا أَحْمَرَ فَهُوَ شَرِيكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ.
أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَرَّتْ بِعَيْنِهَا وَخُصُوصِهَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مَرَّتْ فِي ضِمْنِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فِمَا مَرَّ؛ حَيْثُ انْدَرَجَتْ تَحْتَ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ أَيْضًا مَرَّتْ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ حَيْثُ انْدَرَجَتْ تَحْتَ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ الْأُولَى تَمْهِيدًا لِلثَّانِيَةِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمُرُورِ بِالْمَعْنَى الْمَزْبُورِ، بَلْ لَمْ تَكُنْ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ مَا يَفْعَلُهُ الْمُضَارِبُ خَارِجَةً مِنْ أَحَدِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْأَصْلِ فَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا زَعَمَهُ فَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَقْصُورَةٌ بِالْبَيَانِ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصِيَّتُهُمَا كَسَائِرِ الْمَسَائِلِ، وَلَا يُنَافِيهِ انْدِرَاجُهُمَا تَحْتَ أَصْلٍ كُلِّيٍّ مَارٍّ، كَيْفَ وَتَفْرِيعُ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَعَ أَنَّهُ الْمَسْلَكُ الْمُعْتَادُ فِي عَامَّةِ الْمَوَاقِعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا صَارَ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ انْتِظَامَهُ الْخُلْطَةَ فَلَا يَضْمَنُهُ). قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: الْمُضَارِبُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الصَّبْغِ كَانَ بِهِ مُخَالِفًا غَاصِبًا فَيَجِبُ أَنْ يَضْمَنَ كَالْغَاصِبِ بِلَا تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُضَارِبٍ قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْخَلْطَ، وَبِالصَّبْغِ اخْتَلَطَ مَالُهُ بِمَالِ الْمُضَارِبِ فَصَارَ شَرِيكًا فَلَمْ يَكُنْ غَاصِبًا فَلَا يَضْمَنُ. وَقَالَ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ: الْمُضَارِبُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا بِهَذَا الْفِعْلِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا وَقَعَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضِمْنَ الْمُضَارِبُ كَالْغَاصِبِ لِمَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ غَاصِبًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِدَانَةً عَلَى الْمَالِكِ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ، اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي آخِرِ كَلَامِهِ اضْطِرَابٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَعْلِيلِ انْدِفَاعِ مَا قِيلَ بِقَوْلِهِ: لِمَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ
[ ٨ / ٤٧٦ ]
(فَصْلٌ آخَرٌ)
قَالَ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى بِهَا بَزًّا فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ عَبْدًا فَلَمْ يَنْقُدْهُمَا حَتَّى
كَوْنِهِ غَاصِبًا، أَنَّهُ اخْتَارَ كَوْنَهُ غَيْرَ مَأْذُونٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ غَاصِبًا إِنَّمَا جُعِلَ فِيمَا قَبْلُ فَرْعًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ: فَتَعْلِيلُ انْدِفَاعِ ذَلِكَ بِتَبَيُّنِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ غَاصِبًا يَقْتَضِي اخْتِيَارَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فَحِينَئِذٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ قَوْلِهِ: لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمُضَارَبَةِ … إِلَخْ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ إِنَّمَا جُعِلَ فِيمَا قَبْلُ فَرْعًا لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا، فَإِذَا اخْتَارَ كَوْنَهُ غَيْرَ مَأْذُونٍ كَانَ اسْتِدْرَاكُ عَدَمِ وُقُوعِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ مُسْتَدْرَكًا.
فَإِنْ قُلْتَ: مُرَادُهُ أَنَّ لِفِعْلِ الْمُضَارِبِ هَاهُنَا وَهُوَ صَبْغُهَا أَحْمَرَ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أُولَاهُمَا خَلْطُ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَثَانِيَتُهُمَا الِاسْتِدَانَةُ عَلَى الْمَالِكِ، وَأَنَّ الْمُضَارِبَ مَأْذُونٌ بِهَذَا الْفِعْلِ وَغَيْرُ مَأْذُونٍ بِاعْتِبَارِ تَيْنِكَ الْجِهَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَفَصَّلَهُ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: مَعَ عَدَمِ مُسَاعَدَةِ آخِرِ كَلَامِ هَذَا الشَّارِحِ، وَلَا أَوَّلِهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ لِذَلِكَ التَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَفَصَّلَهُ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَامٍّ فِي نَفْسِهِ؛ إِذْ لَا يُرَى وَجْهٌ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِفِعْلِ الْمُضَارِبِ هَذَا جِهَةُ الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْمَالِكِ عَلَى أَنَّ الْجِهَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مُتَضَادَّتَانِ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَصِيرَ الْمُضَارِبُ بِاعْتِبَارِهِمَا مَأْذُونًا فِي فِعْلِهِ هَذَا أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ.
ثُمَّ أَقُولُ: الصَّوَابُ عِنْدِي فِي دَفْعِ مَا قِيلَ: الْمُضَارِبُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِهَذَا الْفِعْلِ مَأْذُونًا أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ … إِلَخْ. أَنْ نَخْتَارَ كَوْنَهُ مَأْذُونًا بِهِ بِقَوْلِهِ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ وَيُمْنَعُ وُقُوعُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ حِينَئِذٍ؛ إِذِ الْإِذْنُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلَى أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُضَارِبُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَحْدَهُ، بَلْ يَعُمُّ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُنْضَمًّا إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَهُ جِهَةٌ فِي التَّثْمِيرِ كَخَلْطِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِمَالِهِ أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي بَيَانِ النَّوْعِ الثَّانِي مِنَ الْأَصْلِ الْمَارِّ ذِكْرُهُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ: وَإِذَا صَارَ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ انْتِظَامَهُ الْخُلْطَةِ فَلَا يَضْمَنُهُ تَدَبَّرْ.
(فَصْلٌ آخَرُ)
[ ٨ / ٤٧٧ ]
ضَاعَا يَغْرَمُ رَبُّ الْمَالِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَالْمُضَارِبُ خَمْسَمِائَةٍ وَيَكُونُ رُبْعُ الْعَبْدِ لِلْمُضَارِبِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ) قَالَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ حَاصِلُ الْجَوَابِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ عَلَى الْمُضَارِبِ إِذْ هُوَ الْعَاقِدُ، إِلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي الْأُجْرَةِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا نَضَّ الْمَالُ ظَهَرَ الرِّبْحُ وَلَهُ مِنْهُ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ، فَإِذَا اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ عَبْدًا صَارَ مُشْتَرِيًا رُبْعَهُ لِنَفْسِهِ وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ لِلْمُضَارَبَةِ عَلَى حَسَبِ انْقِسَامِ الْأَلْفَيْنِ، وَإِذَا ضَاعَتِ الْأَلْفَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ فِيهِ وَيَخْرُجُ نَصِيبُ الْمُضَارِبِ وَهُوَ الرُّبْعُ مِنَ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَمَالُ الْمُضَارَبَةِ أَمَانَةٌ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وَيَبْقَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي الْمُضَارَبَةَ (وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ) لِأَنَّهُ دَفَعَ مَرَّةً أَلْفًا وَمَرَّةً أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ (وَلَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً إِلَّا عَلَى أَلْفَيْنِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا بِيعَ الْعَبْدُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَحِصَّةُ الْمُضَارَبَةِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ يَرْفَعُ رَأْسَ الْمَالِ وَيَبْقَى خَمْسُمِائَةٍ رِبْحٌ بَيْنَهُمَا.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ وَبَاعَهُ إِيَّاهُ بِأَلْفٍ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى خَمْسِمِائَةٍ) لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مَقْضِيٌّ بِجَوَازِهِ لِتَغَايُرِ الْمَقَاصِدِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ بِيعَ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْعَدَمِ، وَمَبْنَى الْمُرَابَحَةِ عَلَى الْأَمَانَةِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ شُبْهَةِ الْخِيَانَةِ فَاعْتُبِرَ أَقَلُّ الثَّمَنَيْنِ، وَلَوِ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ عَبْدًا بِأَلْفٍ وَبَاعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ بَاعَهُ مُرَابَحَةً بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ لِأَنَّهُ اعْتُبِرَ عَدَمًا فِي حَقِّ نِصْفِ الرِّبْحِ وَهُوَ نَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ وَقَدْ مَرَّ فِي الْبُيُوعِ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفَانِ فَقَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا خَطَأً فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْفِدَاءِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَرُبْعُهُ عَلَى الْمُضَارِبِ) لِأَنَّ الْفِدَاءَ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ فَيُتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ وَقَدْ كَانَ الْمِلْكُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا، لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْمَالُ عَيْنًا
لَمَّا كَانَتْ مَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ مُتَفَرِّقَةً ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ مِنْ نَفْسِ مَسَائِلِ الْمُضَارَبَةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا
[ ٨ / ٤٧٨ ]
وَاحِدًا ظَهَرَ الرِّبْحُ وَهُوَ أَلْفٌ بَيْنَهُمَا وَأَلْفٌ لِرَبِّ الْمَالِ بِرَأْسِ مَالِهِ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفَانِ، وَإِذَا فَدَيَا خَرَجَ الْعَبْدُ عَنِ الْمُضَارَبَةِ، أَمَّا نَصِيبُ الْمُضَارِبِ فَلَمَّا بَيَّنَّاهُ، وَأَمَّا نَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ فَلِقَضَاءِ الْقَاضِي بِانْقِسَامِ الْفِدَاءِ عَلَيْهِمَا لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا وَالْمُضَارَبَةُ تَنْتَهِي بِالْقِسْمَةِ، بِخِلَافٍ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِيهِ عَلَى الْمُضَارِبِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقِسْمَةِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ كَالزَّائِلِ عَنْ مِلْكِهِمَا بِالْجِنَايَةِ، وَدَفْعُ الْفِدَاءِ كَابْتِدَاءِ الشِّرَاءِ فَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا لَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ يَخْدُمُ الْمُضَارِبَ يَوْمًا وَرَبَّ الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا فَلَمْ يَنْقُدْهَا حَتَّى هَلَكَتْ يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ ذَلِكَ الثَّمَنَ وَرَأْسُ الْمَالِ جَمِيعُ مَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ) لِأَنَّ الْمَالَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا، وَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ وَحُكْمُ الْأَمَانَةِ يُنَافِيهِ فَيَرْجِعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا مَرَّةً لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ. مُسْتَوْفِيًا، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تُجَامِعُ الضَّمَانَ كَالْغَاصِبِ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ،
لِلْمُضَارَبَةِ أَخَّرَ ذِكْرَهَا. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تُجَامِعُ الضَّمَانَ كَالْغَاصِبِ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ)، يَعْنِي: أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ
[ ٨ / ٤٧٩ ]
ثُمَّ فِي الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَرْجِعُ مَرَّةً، وَفِيمَا إِذَا اشْتَرَى ثُمَّ دَفَعَ الْمُوَكِّلُ إِلَيْهِ الْمَالَ فَهَلَكَ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجُعِلَ مُسْتَوْفِيًا بِالْقَبْضِ بَعْدَهُ، أَمَّا الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْأَمَانَةِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا، فَإِذَا هَلَكَ رَجَعَ عَلَيْهِ مَرَّةً ثُمَّ لَا يَرْجِعُ لِوُقُوعِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا مَرَّ
يَصِيرُ وَكِيلًا وَلَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ بِمُجَرَّدِ الْوَكَالَةِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَغْصُوبُ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ أَمِينًا. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ هُوَ تَعَدٍّ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى قَبْضِ الْأَمَانَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَا جَمِيعًا، وَلَيْسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ سَبَبٌ سِوَى الْقَبْضِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ صَلَاحِيَتَهُ لِإِثْبَاتِ حُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ دَفْعُ اسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُسْتَوْفِيًا فَثَابِتٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ مُسْتَوْفِيًا لَبَطَلَ حَقُّ الْمُوَكِّلِ إِذَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ أُخْرَى أَصْلًا.
فَأَمَّا هَاهُنَا فَحَقُّ رَبِّ الْمَالِ لَا يَضِيعُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيَسْتَوْفِيهِ مِنَ الرِّبْحِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ يَضُرُّ الْمُضَارِبَ فَاخْتَرْنَا أَهْوَنَ الْأَمْرَيْنِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ فَضَرَرُهُ بِهَلَاكِ الثَّمَنِ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُشْتَرِي، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ: أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: " لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تُجَامِعُ الضَّمَانَ، كَالْغَاصِبِ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْضُوبِ"، صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ إِمْكَانِ جَعْلِهِ مُسْتَوْفِيًا بِمُجَامَعَةِ الْوَكَالَةِ الضَّمَانُ فِي صُورَةِ تَوَكُّلِ الْغَاصِبِ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَقْصُودُهُ مُجَرَّدُ دَفْعِ اسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا. وَلَئِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ النَّظَرُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي صُورَةِ تَوْكِيلِ الْغَاصِبِ بِبَيْعٍ الْمَغْصُوبِ مُتَعَدِّدٌ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَاحِدٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا هُنَاكَ إِمْكَانُ اجْتِمَاعِهِمَا هَاهُنَا.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَمَّا كَوْنُهُ مُسْتَوْفِيًا فَثَابِتٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُوكِّلِ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ اللَّازِمَ لِلْمُوَكَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ الْوَكِيلُ بِأَلْفٍ أُخْرَى إِنَّمَا هُوَ الضَّرَرُ الضَّرُورِيُّ الْغَيْرُ النَّاشِئِ مِنْ صُنْعِ الْوَكِيلِ؛ إِذِ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ الْمَدْفُوعُ إِلَى الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا مَحْذُورَ شَرَعًا فِي مِثْلِ هَذَا الضَّرَرِ حَتَّى يَجْعَلَ الْمُوكِّلَ مُسْتَوْفِيًا لِأَجْلِ دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ مَعَ كَوْنِ يَدِهِ يَدَ أَمَانَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ إِذَا هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمُودَعِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ يَلْزَمُ الْمُودَعَ مِثْلُ هَذَا الضَّرَرِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُودِعِ الضَّمَانُ لِدَفْعِ ذَلِكَ عَنِ الْمُوَدَعِ بِلَا رَيْبٍ.
وَأَمَّا ثَالِثًا: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: "وَأَمَّا هَاهُنَا فَحَقُّ رَبِّ الْمَالِ لَا يَضِيعُ"، إِلَى قَوْلِهِ: "فَاخْتَرْنَا"، أَهْوَنُ الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مُتَمَشٍّ فِيمَا إِذَا هَلَكَ الْأَلْفُ وَالْعَبْدُ مَعًا؛ إِذْ لَا يَبْقَى حِينَئِذٍ شَيْءٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ حَتَّى يَلْحَقَ الْهَالِكَ مِنْهُ فَيَسْتَوْفِيهِ رَبُّ الْمَالِ مِنَ الرِّبْحِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ دَفْعُ رَبِّ الْمَالِ الثَّمَنَ الْهَالِكَ وَرُجُوعُ الْمُضَارِبِ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى جَارٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُويِىُّ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ لَمْ نَحْمِلْ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لَأَبْطَلْنَا حَقَّ الْمُوَكِّلِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ أُخْرَى ضَاعَ ذَلِكَ أَصْلًا، فَأَمَّا هَاهُنَا فَحَقُّ رَبِّ الْمَالِ لَا يَضِيعُ إِذَا حَمَلْنَا عَلَى الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيَسْتَوْفِيهِ مِنَ الرِّبْحِ. وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ يَلْحَقُ الْمُضَارِبَ ضَرَرٌ فَوَجَبَ اخْتِيَارُ أَهْوَنِ الْأَمْرَيْنِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَمَّا اشْتَرَى فَقَدِ انْعَزَلَ عَنِ الْوَكَالَةِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُوكِّلِ بَعْدَهُ، فَأَمَّا الْمُضَارِبُ فَلَا يَنْعَزِلُ بِالشِّرَاءِ وَيَتَصَرَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِرَبِّ الْمَالِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ نَظَرٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِمَا عَرَفْتَهُ آنِفًا: وَأَمَّا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرْجِعَ
[ ٨ / ٤٨٠ ]