فَصْل
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً
قَتَلَهُ سُمِّيَ قَتْلًا، وَإِنْ أَصَابَ الْكُوزَ وَكَسَرَهُ سُمِّيَ كَسْرًا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَحَلٍّ عَمْدًا وَبِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ خَطَأً، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِأَسَامٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحَالِّ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنْ يَتَعَدَّدَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ فَيَصِيرُ فِعْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ انْتَهَى.
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ تَسْمِيَةُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِحَيْثِيَّاتِ انْضِمَامِ قُيُودٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَوْصَافٍ مُتَضَادَّةٍ إلَيْهِ بِأَسَامٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا تَسْمِيَةَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الْأَسَامِي الْمُخْتَلِفَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الرَّمْيَ مِنْ حَيْثُ أَصَابَ الْكُوزَ لَا يُسَمَّى جُرْحًا وَلَا قَتْلًا بَلْ يُسَمَّى كَسْرًا، وَكَذَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَصَابَ حَيَوَانًا وَمَزَّقَ جِلْدَهُ أَوْ قَتَلَهُ لَا يُسَمَّى كَسْرًا بَلْ يُسَمَّى جُرْحًا أَوْ قَتْلًا.
وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ اخْتِلَافَ تِلْكَ الْأَسَامِي بِاخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ الْمُنْضَمَّةِ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ تَقَرَّرَ اخْتِلَافُ مُسَمَّيَاتِ تِلْكَ الِأَسَامِي أَيْضًا فَكَانَ مُنَاسِبًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ مُفِيدًا لَهُ.
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنْ يَتَعَدَّدَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ فَيَصِيرُ فِعْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي أَنْ يَتَعَدَّدَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِحَسَبِ الذَّاتِ بِحَيْثُ يَصِيرُ فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ بَلْ لَا نُسَلِّمُ إمْكَانَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي أَنْ يَتَعَدَّدَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِتَعَدُّدِ الْأَوْصَافِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُنْضَمَّةِ إلَيْهِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ هَذَا التَّعَدُّدَ يَحْصُلُ قَطْعًا بِتَعَدُّدِ الْأَسَامِي تَعَدُّدًا نَاشِئًا مِنْ تَعَدُّدِ الْمُسَمَّيَاتِ بِالْحَيْثِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَمُرَادُ ذَلِكَ الْقَائِلِ كَمَا عَرَفْت آنِفًا. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْخَطَأُ يَسْتَلْزِمُ إبَاحَةً لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا أَمْرًا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَطَأَ هُوَ تَحَقُّقُ الْجِنَايَةِ فِي إنْسَانٍ مُخَالِفٍ لِظَنِّ الْجَانِي كَمَنْ رَمَى إلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ إنْسَانٌ، أَوْ لِقَصْدِهِ مُطْلَقًا كَمَنْ رَمَى إلَى هَدَفٍ فَأَصَابَ إنْسَانًا وَكَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَالرَّمْيُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخَالِفِ لَهُمَا كَالرَّمْيِ لَا إلَى مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ مُبَاحٌ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي تَحْرِيرِ جَوَابِهِ نَوْعُ خَلَلٍ، فَإِنَّ تَمْثِيلَ قَوْلِهِ أَوْ لِقَصْدِهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ كَمَنْ رَمَى إلَى هَدَفٍ فَأَصَابَ إنْسَانًا، وَكَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ يُشْعِرُ بِأَنْ تَكُونَ الْإِصَابَةُ لِإِنْسَانٍ عِنْدَ الرَّمْيِ إلَى هَدَفٍ وَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ قَبِيلِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ كَمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ.
(فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْفِعْلَيْنِ)
لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَ الْفِعْلَيْنِ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (قَوْلُهُ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ إلَخْ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ الْفِعْلَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَمْدًا
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
فَبَرَأَتْ يَدُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَبَرَأَتْ ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجِرَاحَاتِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ تَتْمِيمًا لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي الْأَعَمِّ يَقَعُ بِضَرَبَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَفِي اعْتِبَارِ كُلِّ ضَرْبَةٍ بِنَفْسِهَا بَعْضُ الْحَرَجِ، إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ لِلْجَمْعِ فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ فِي الْأَوَّلَيْنِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْفِعْلَيْنِ، وَفِي الْآخَرَيْنِ لِتَخَلُّلِ الْبُرْءِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ وَقَدْ تَجَانَسَا بِأَنْ كَانَا خَطَأَيْنِ يَجْمَعُ بِالْإِجْمَاعِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ وَاكْتَفَى بِدِيَّةٍ وَاحِدَةٍ (وَإِنْ كَانَ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ، فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَالَ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ اُقْتُلُوهُ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ: اُقْتُلُوهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُقْتَلُ وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ لِتَجَانُسِ الْفِعْلَيْنِ وَعَدَمِ تَخَلُّلِ الْبُرْءِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ مُتَعَذِّرٌ، إمَّا لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ هَذَيْنِ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْقَوَدُ وَهُوَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْفِعْلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعُ بِالْقَطْعِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ، أَوْ لِأَنَّ الْحَزَّ يَقْطَعُ إضَافَةَ السِّرَايَةِ إلَى الْقَطْعِ، حَتَّى لَوْ صَدَرَ مِنْ شَخْصَيْنِ يَجِبُ.
وَالْآخَرُ خَطَأً يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ سَوَاءٌ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا الْبُرْءُ أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ كَمَا سَيَنْكَشِفُ فِي الْأَصْلِ الْآتِي ذِكْرُهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ فِي وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَدْرَكًا لِتَمَامِ جَوَابِهَا، وَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا بِدُونِ ذِكْرِ ذَلِكَ الْقَيْدِ، بَلْ يُوهِمُ ذِكْرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ فِي الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً بِدُونِ ذِكْرِ ذَلِكَ الْقَيْدِ.
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فَائِدَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ الْقَيْدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى التَّنْبِيهُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ تَخَلُّلَ الْبُرْءِ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْفِعْلَانِ فَإِنَّهُ إذَا أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ نَفْسِهِ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ الْبُرْءُ فَفِيمَا إذَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إيهَامُ أَنْ لَا يَكُونَ الْجَوَابُ فِيمَا إذَا تَخَلَّلَ الْبُرْءُ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ إنَّمَا يَدُلُّ فِي الرِّوَايَاتِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ إنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا عَدَاهُ أَوْلَى بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لَهُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ فَيَدُلُّ عَلَى اشْتَرَاكِ مَا عَدَاهُ مَعَهُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ بِلَا رَيْبٍ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا حَصَلَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَصَلَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اخْتِلَافِ الْفِعْلَيْنِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْقَيْدَ فِيهَا. ثُمَّ لَمَّا جَاءَ إلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
الْقَوَدُ عَلَى الْحَازِّ فَصَارَ كَتَخَلُّلِ الْبُرْءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ وَسَرَى لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا خَطَأَيْنِ لِأَنَّ الْمُوجَبَ الدِّيَةُ وَهِيَ بَدَلُ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ، وَلِأَنَّ أَرْشَ الْيَدِ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ أَثَرِ الْفِعْلِ وَذَلِكَ بِالْحَزِّ الْقَاطِعِ لِلسِّرَايَةِ فَيَجْتَمِعُ ضَمَانُ الْكُلِّ وَضَمَانُ الْجُزْءِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَجْتَمِعَانِ. أَمَّا الْقَطْعُ وَالْقَتْلُ قِصَاصًا يَجْتَمِعَانِ. .
قَالَ (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ فَبَرِأَ مِنْ تِسْعِينَ وَمَاتَ مِنْ عَشَرَةٍ فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا بَرَأَ مِنْهَا لَا تَبْقَى مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْأَرْشِ وَإِنْ بَقِيَتْ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ التَّعْزِيرِ فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ لِلْعَشَرَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ.
قَيَّدَهُمَا بِتَخَلُّلِ الْبُرْءِ لِتَجَانُسِ الْفِعْلَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً فِيهِمَا فَلَا بُدَّ فِي الْأَخْذِ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ تَخَلُّلِ الْبُرْءِ فِي الْبَيْنِ (قَوْلُهُ فَصَارَ كَتَخَلُّلِ الْبُرْءِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا كَانَ كِلَاهُمَا خَطَأً.
أَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ مَنْقُوضًا بِذَلِكَ وَقَدْ تَدَارَكَهُ الْمُصَنِّفُ صَرَاحَةً فِيمَا بَعْدُ حَيْثُ قَالَ: وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا خَطَأَيْنِ، وَعَلَّلَهُ بِتَعْلِيلَيْنِ بِإِزَاءِ تَعْلِيلَيْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا إذَا كَانَا عَمْدَيْنِ، وَتَعْلِيلُهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ أَرْشَ الْيَدِ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ أَثَرِ الْفِعْلِ إلَخْ دَافِعٌ قَطْعًا لِتَوَهُّمِ انْتِقَاضِ قَوْلِهِ فَصَارَ كَتَخَلُّلِ الْبُرْءِ بِمَا إذَا كَانَا خَطَأَيْنِ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ. وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ تَخَلُّلِ الْبُرْءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْإِمَامِ خِيَارٌ كَمَا لَوْ تَخَلَّلَ الْبُرْءُ. قُلْنَا: الْمَسْأَلَةُ مُجْتَهَدٌ فِيهَا، فَالْقَاضِي يَقْضِي عَلَى مَا وَافَقَ رَأْيَهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ بَيَانِ خِيَارِ الْإِمَامِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَأْبَى هَذَا الْجَوَابَ جِدًّا فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا عَلَى مَا وَافَقَ رَأْيَهُ لَيْسَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَطْ بَلْ صَاحِبَاهُ أَيْضًا يَقُولَانِ بِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِ بِمَسَائِلِ الْفِقْهِ. ثُمَّ إنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِلْإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْوَلِيِّ عِنْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَنَقَلَ عَنْهُ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ مَعْنَاهُ يُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ الْخِيَارَ، فَلَا تَمْشِيَةَ رَأْسًا لِلسُّؤَالِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.
نَعَمْ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ لِلْوَلِيِّ الْخِيَارَ مَعَ الْجَزْمِ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ بِأَنْ يُؤْخَذَ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا،
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
جِرَاحَةٍ انْدَمَلَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي مِثْلِهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَجِبُ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ (وَإِنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ وَجَرَحَتْهُ وَبَقِيَ لَهُ أَثَرٌ تَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ) لِبَقَاءِ الْأَثَرِ وَالْأَرْشِ إنَّمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْأَثَرِ فِي النَّفْسِ. .
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَعَفَا الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ عَنْ الْقَطْعِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى الْقَاطِعِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَفْوٌ عَنْ النَّفْسِ، ثُمَّ إنْ كَانَ خَطَأً فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَهُوَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إذَا عَفَا عَنْ الْقَطْعِ فَهُوَ عَفْوٌ عَنْ النَّفْسِ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا عَفَا عَنْ الشَّجَّةِ ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ وَمَاتَ، لَهُمَا أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقَطْعِ عَفْوٌ عَنْ مُوجِبِهِ، وَمُوجِبُهُ الْقَطْعُ لَوْ اقْتَصَرَ أَوْ الْقَتْلُ إذَا سَرَى، فَكَانَ الْعَفْوُ عَنْهُ عَفْوًا عَنْ أَحَدِ مُوجِبَيْهِ أَيُّهُمَا كَانَ، وَلِأَنَّ اسْمَ الْقَطْعِ يَتَنَاوَلُ السَّارِيَ وَالْمُقْتَصَرَ فَيَكُونُ الْعَفْوُ عَنْ قَطْعٍ عَفْوًا عَنْ نَوْعَيْهِ وَصَارَ كَمَا إذَا عَفَا عَنْ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجِنَايَةَ السَّارِيَةَ وَالْمُقْتَصِرَةَ. كَذَا هَذَا. وَلَهُ أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ قَتْلُ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ مُتَقَوِّمَةٍ وَالْعَفْوُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ بِصَرِيحِهِ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْ الْقَطْعِ وَهُوَ غَيْرُ الْقَتْلِ، وَبِالسِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاقِعَ قَتْلٌ وَحَقُّهُ فِيهِ وَنَحْنُ نُوجِبُ ضَمَانَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْعَمْدِ، إلَّا أَنَّ
وَعِلَّةُ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْكُلِّ عِنْدَهُ بِلَا تَفَاوُتٍ كَمَا تَبَيَّنَ فِي الْكِتَابِ؟
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ اسْمَ الْقَطْعِ يَتَنَاوَلُ السَّارِي وَالْمُقْتَصِرَ فَكَانَ الْعَفْوُ عَنْهُ عَفْوًا عَنْ نَوْعَيْهِ) أَقُولُ: أُسْلُوبُ التَّحْرِيرِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا سَبَقَ دَلِيلًا تَامًّا لَهُمَا وَهَذَا أَيْضًا دَلِيلًا آخَرَ مُسْتَقِلًّا لَهُمَا، لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ مَا سَبَقَ لَا يَتِمُّ دَلِيلًا لَهُمَا بِدُونِ انْضِمَامِ هَذَا إلَيْهِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَقَرَّرْ أَنَّ اسْمَ الْقَطْعِ يَتَنَاوَلُ السَّارِي وَالْمُقْتَصَرَ لَا يَتَقَرَّرُ كَوْنُ الْقَتْلِ أَحَدَ مُوجِبِي الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْ اسْمَ الْقَطْعِ السَّارِي أَيْضًا لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْقَتْلِ أَحَدَ مُوجِبِي الْقَطْعِ، إذْ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ الْمُقْتَصَرُ مُوجِبًا لِلْقَتْلِ أَيْضًا تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ وَهُوَ الْقِيَاسُ) قُلْت: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ بَدَلَ قَوْلِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ، لِأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي هُوَ مُوجِبُ الِاسْتِحْسَانِ
[ ١٠ / ٢٥١ ]
فِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ، لِأَنَّ صُورَةَ الْعَفْوِ أَوْرَثَتْ شُبْهَةً وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّارِيَ نَوْعٌ مِنْ الْقَطْعِ، وَأَنَّ السِّرَايَةَ صِفَةٌ لَهُ، بَلْ السَّارِي قَتْلٌ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَكَذَا لَا مُوجِبَ لَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ قَطْعًا فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَفْوُ، بِخِلَافِ الْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وَبِخِلَافِ الْعَفْوِ عَنْ الشَّجَّةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعَفْوِ عَنْ السِّرَايَةِ وَالْقَتْلِ، وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً فَقَدْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْعَمْدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وِفَاقًا وَخِلَافًا،
دُونَ مُوجِبِ الْقِيَاسِ، إلَّا أَنَّ مُوجِبَ الْقِيَاسِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً فَقَدْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْعَمْدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وِفَاقًا وَخِلَافًا) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْوُجُوهِ: وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي هِيَ الْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ مُطْلَقًا، وَالْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ، وَالْعَفْوُ عَنْ الشَّجَّةِ، وَالْعَفْوُ عَنْ الْجِنَايَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ أَجْرَى الْقَطْعَ خَطَأً مَجْرَى الْعَمْدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْعَفْوُ عَنْ الشَّجَّةِ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَطُّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي الضَّرْبِ وَالشَّجَّةِ وَالْجِرَاحَةِ فِي الْيَدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْهِدَايَةِ دُونَ الْبِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا عَفَا عَنْ الشَّجَّةِ ثُمَّ سَرَّى إلَى النَّفْسِ وَمَاتَ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا بِصَدَدِ بَيَانِ مَا يَتَنَاوَلُهُ كَلَامُ مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ دَرْجُ الْعَفْوِ عَنْ الشَّجَّةِ فِي مَضْمُونِ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ حَيْثُ فَسَرُّوا هَذِهِ الْوُجُوهَ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْعَمْدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ بِمَا يَشْمَلُ الْعَفْوَ عَنْ الشَّجَّةِ أَيْضًا، فَالْوَجْهُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ هِيَ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ، وَهِيَ الْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ مُطْلَقًا، وَالْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ، وَالْعَفْوُ عَنْ الْجِنَايَةِ،
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
آذَنَ بِذَلِكَ إطْلَاقَهُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ خَطَأً فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَهُوَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْصَى بِإِعَارَةِ أَرْضِهِ.
لِأَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَأَمَّا الْعَفْوُ عَنْ الشَّجَّةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ اسْتِطْرَادًا وَبَيَّنَ أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِ مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (قَوْلُهُ آذَنَ بِذَلِكَ إطْلَاقُهُ) أَيْ أَعْلَمَ بِذَلِكَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَعَفَا الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ عَنْ الْقَطْعِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعَمْدِ وَلَا لِلْخَطَإِ فَكَانَ مُتَنَاوِلًا لَهُمَا، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ.
قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ الْمَقَامَ كَذَلِكَ: هَذَا تَقْرِيرُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَيَّدَهُ بِالْعَمْدِ فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كَمَا ذَكَرْنَا رِوَايَتَهُ، وَكَذَلِكَ قَيَّدَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَغَيْرُهُمْ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْعَمْدِ فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ دَعْوَى الْإِطْلَاقِ اهـ.
وَأَمَّا مَا عَدَا صَاحِبَ الْغَايَةِ مِنْ الشُّرَّاحِ فَسَأَلُوا هَاهُنَا وَأَجَابُوا حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَهُ مُطْلَقٌ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِالْقَطْعِ الْعَمْدِ بِدَلِيلِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَعَلَى الْقَاطِعِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَمْدُ، لِأَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ عَلَى الْعَاقِلَةِ: قُلْنَا: وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقٌ بِلَا شَكٍّ إذْ الْقَيْدُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ، لَكِنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا هُوَ لِأَحَدِ نَوْعَيْ الْقَطْعِ فَتَقْدِيرُهُ فَعَلَى الْقَاطِعِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا، انْتَهَى كَلَامُهُمْ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ جَوَابَهُمْ هَذَا لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ هُنَا بَيَانُ إجْرَاءِ مُحَمَّدٍ الْقَطْعَ خَطَأً مَجْرَى الْعَمْدِ فِي أَحْكَامِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وِفَاقًا وَخِلَافًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِهَا، وَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ فِي لَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَخْصُوصًا بِصُورَةِ الْعَمْدِ فَكَيْفَ يُؤْذَنُ مُجَرَّدُ إطْلَاقِ وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ بِاشْتِرَاكِ نَوْعَيْ الْقَطْعِ فِي الْحُكْمِ، إذْ لَوْ آذَنَ ذَلِكَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُكْمِ لَآذَنَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْجَوَابِ، وَقَوْلُهُ فِيمَا لَهُ مَانِعٌ عَنْ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَلَا مُؤْذِنَ لِلِاشْتِرَاكِ قَطُّ فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ آذَنَ بِذَلِكَ إطْلَاقَهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ مَوْرُوثٌ بِالِاتِّفَاقِ فَكَيْفَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ نَفَى تَعَلُّقَ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِهِ لَا كَوْنُهُ مَوْرُوثًا، وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ، وَحُكْمُ الْخَلْفِ لَا يَثْبُتُ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْمَالِ أَيْضًا أَلَّا يَثْبُتَ فِيهِ تَعَلُّقُ حَقِّهِمْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ، لَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ شَرْعًا بِقَوْلِهِ ﵊ «لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» وَتَرْكُهُمْ أَغْنِيَاءَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْغِنَى وَهُوَ الْمَالُ، فَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِتَصَرُّفِهِ فِيهِ لَتَرَكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لَكِنَّهُ مَوْرُوثٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ خَلَلٌ فَاحِشٌ، وَفِي تَحْرِيرِ الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ الْتِزَامُ ذَلِكَ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ سَيَجِيءُ فِي أَوَّلِ بَابِ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِوَرَثَةِ الْقَتِيلِ ابْتِدَاءً لَا بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ مِنْ الْمَقْتُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَثْبُتُ لِلْقَتِيلِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ يَنْتَقِلُ بِمَوْتِهِ إلَى وَرَثَتِهِ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ مِنْهُ كَالدَّيْنِ وَالدِّيَةِ، فَقَوْلُهُ ﵀
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
أَمَّا الْخَطَأُ فَمُوجِبُهُ الْمَالُ، وَحَقُّ الْوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ. .
قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَتْ الْمَرْأَةُ يَدَ رَجُلٍ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى يَدِهِ ثُمَّ مَاتَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَعَلَى عَاقِلَتِهَا الدِّيَةُ إنْ كَانَ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِي مَالِهَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَفْوًا عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُ فَالتَّزَوُّجُ عَلَى الْيَدِ لَا يَكُونُ تَزَوُّجًا عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهُ. ثُمَّ الْقَطْعُ إذَا كَانَ عَمْدًا يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَصْلُحُ مَهْرًا،
إنَّ الْقِصَاصَ مَوْرُوثٌ بِالِاتِّفَاقِ كَذِبٌ صَرِيحٌ.
وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُ هَذَا مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ وَبَيَّنْتُ بُطْلَانَهُ هُنَاكَ أَيْضًا فَتَذَكَّرْ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ التَّعَرُّضُ فِيهِ لِكَوْنِ الْقِصَاصِ غَيْرُ مَوْرُوثٍ مِنْ الْمَقْتُولِ عِنْدَ إمَامِنَا الْأَعْظَمِ ﵀، بَلْ سِيقَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِكَوْنِهِ مَوْرُوثًا بِالِاتِّفَاقِ؛ أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِهِ فِي خَاتِمَتِهِ وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لَكِنَّهُ مَوْرُوثٌ (قَوْلُهُ أَمَّا الْخَطَأُ فَمُوجِبُهُ الْمَالُ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: فَإِنْ قِيلَ: الْقَاتِلُ وَاحِدٌ مِنْ الْعَاقِلَةِ فَكَيْفَ جَوَّزَ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ هَاهُنَا حَتَّى صَحَّ فِي نَصِيبِ الْقَاتِلِ أَيْضًا مَعَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَصِحُّ لِلْقَاتِلِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجْرُوحَ لَمْ يَقُلْ أَوْصَيْت لَك بِثُلُثِ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا عَفَا عَنْهُ الْمَالَ بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ فَكَانَ تَبَرُّعًا مُبْتَدَأً وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْقَاتِلِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا وَسَلَّمَ جَازَ انْتَهَى كَلَامُهُمْ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا وَسَلَّمَ جَازَ بِأَنْ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي الْمَرَضِ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: إنْ أَرَادَ أَنَّ الْهِبَةَ فِي الْمَرَضِ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْهِبَةَ عَقْدٌ مُنَجَّزٌ وَالْوَصِيَّةُ فِي الْمَرَضِ عَقْدٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ كَكَوْنِهَا مُعْتَبِرَةٌ مِنْ الثُّلُثِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَصِحَّ هِبَةُ الْمَجْرُوحِ لِلْقَاتِلِ كَعَدَمِ صِحَّةِ وَصِيَّتِهِ لَهُ فَلَا يُجْدِي قَدْحًا فِيمَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ فِي تَنْوِيرِ جَوَابِهِمْ
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْقَطْعُ إنْ كَانَ عَمْدًا يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَصْلُحُ مَهْرًا) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: فَإِنْ قِيلَ؛ الْقِصَاصُ لَا يَجْرِي بَيْنَ
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
لَا سِيَّمَا عَلَى تَقْدِيرِ السُّقُوطِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَلَيْهَا الدِّيَةُ فِي مَالِهَا لِأَنَّ التَّزَوُّجَ وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ الْعَفْوَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ عَنْ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ،.
الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْأَطْرَافِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى الْقِصَاصِ.
قُلْنَا: الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ فِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ قَضِيَّةً لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ وَهُوَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ طَرَفَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، لِأَنَّ إطْلَاقَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ لِمِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَعَنْ هَذَا إذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ الْمِفْصَلِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ إمْكَانِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ، وَقَدْ حَقَّقَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ بَابِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِصَدَدِ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي قَطْعِ يَدِ غَيْرِهِ عَمْدًا مِنْ الْمِفْصَلِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْأَطْرَافِ فَلَا يَنْدَرِجُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وَلَئِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَنْتَقِضَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ بِمَا إذَا قَطَعَتْ الْمَرْأَةُ يَدَ رَجُلٍ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى يَدِهِ فَاقْتَصَرَ الْقَطْعُ فَإِنَّهُ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فِيهِ، وَيَصِيرُ أَرْشُ الْيَدِ وَهُوَ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ مَهْرًا لَهَا بِالْإِجْمَاعِ، صَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَعَزَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلَى الْإِمَامِ قَاضِي خَانَ وَالْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ، وَقَالُوا: أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ مَاتَ، وَلَوْ كَانَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ الْوَاقِعِ بَيْنَ أَطْرَافِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَيْضًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ التَّزَوُّجُ فِي صُورَةِ الِاقْتِصَارِ أَيْضًا تَزَوُّجًا عَلَى الْقِصَاصِ، فَلَزِمَ أَنْ لَا يَتِمَّ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَلُزُومِ الْأَرْشِ مَهْرًا لَهَا بِالْإِجْمَاعِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَتَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قِيلَ: الْوَاجِبُ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ هُوَ الْأَرْشُ وَأَرْشُ الْيَدِ مَعْلُومٌ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَهْرُ؟ قُلْنَا: أَرْشُ الْيَدِ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ مَجْهُولًا فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ أَيْضًا نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ أَيْضًا قَطْعًا بِالتَّزَوُّجِ عَلَى يَدِهِ فِي صُورَةِ الِاقْتِصَارِ، فَإِنَّ أَرْشَ الْيَدِ يَصِيرُ مَهْرًا لَهَا هُنَاكَ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مَعَ تَحَقُّقِ الْجَهَالَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ عَدَمِ تَعَيُّنِ أَرْشِ الْيَدِ هُنَاكَ أَيْضًا.
ثُمَّ أَقُولُ: لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ صُورَةِ الْعَمْدِ أَيْضًا مِنْ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ مِثْلَ مَا قَالَهُ فِي صُورَةِ الْخَطَإِ مِنْهَا مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى أَرْشِ الْيَدِ، إذْ الْقِصَاصُ لَا يَجْرِي فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْعَمْدِ أَيْضًا عِنْدَنَا، وَإِذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لِلْيَدِ وَأَنَّ الْمُسَمَّى مَعْدُومٌ فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لَصَحَّ وَكَانَ سَالِمًا عَنْ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ السُّؤَالَانِ الْمَذْكُورَانِ وَلَمْ
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
وَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَفْوُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ وَتَجِبُ فِي مَالِهَا لِأَنَّهُ عَمْدٌ. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَإِذَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَعَلَيْهَا الدِّيَةُ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ إنْ كَانَا عَلَى السَّوَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الدِّيَةِ فَضْلٌ تَرُدُّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَهْرِ فَضْلٌ يَرُدُّهُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى أَرْشِ الْيَدِ، وَإِذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لِلْيَدِ وَأَنَّ الْمُسَمَّى مَعْدُومٌ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا فِي الْيَدِ وَلَا شَيْءَ فِيهَا. وَلَا يَتَقَاصَّانِ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ وَالْمَهْرُ لَهَا. .
قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْيَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا أَوْ عَلَى الْجِنَايَةِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ وَالْقَطْعُ عَمْدٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِأَنَّ هَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى الْقِصَاصِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَصَارَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْقِصَاصَ مَهْرًا فَقَدْ رَضِيَ بِسُقُوطِهِ بِجِهَةِ الْمَهْرِ فَيَسْقُطُ أَصْلًا كَمَا إذَا أَسْقَطَ الْقِصَاصَ بِشَرْطِ أَنْ يَصِيرَ مَالًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ أَصْلًا (وَإِنْ كَانَ خَطَأً يُرْفَعُ عَنْ الْعَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَهُمْ
يَحْتَجْ إلَى جَوَابَيْهِمَا الْمَذْكُورَيْنِ فِي الشُّرُوحِ الْمُخْتَلَّيْنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (قَوْلُهُ وَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَفْوُ فَيَجِبُ الدِّيَةُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ هَاهُنَا عَلَى الْمَرْأَةِ مَعَ أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ عَمْدًا وَهُوَ قَتْلٌ مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ ظَهَرَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقِصَاصُ وَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ الْقِصَاصَ مَهْرًا لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَالْمَهْرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَالًا، وَلَمَّا لَمْ يَصْلُحْ الْقِصَاصُ مَهْرًا صَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا وَفِيهِ الْقِصَاصُ فَكَذَا هُنَا.
قُلْت: نَعَمْ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْقِصَاصَ مَهْرًا جَعَلَ وِلَايَةَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِلْمَرْأَةِ، وَلَوْ اسْتَوْفَتْ الْمَرْأَةُ الْقِصَاصَ إنَّمَا تَسْتَوْفِي عَنْ نَفْسِهَا لِنَفْسِهَا، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ عَنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُطَالِبًا لِلْقِصَاصِ وَمُطَالَبًا بِهِ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ لِاسْتِحَالَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَمَّا سَقَطَ الْقِصَاصُ بَقِيَ النِّكَاحُ بِلَا تَسْمِيَةٍ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ ابْتِدَاءً انْتَهَى. أَقُولُ: لَا السُّؤَالُ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ وَجْهَ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ هَاهُنَا عَلَى الْمَرْأَةِ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَإِنَّهُ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِيمَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ هَاهُنَا دُونَ الْقِصَاصِ عَلَى مُوجِبِ الِاسْتِحْسَانِ، فَإِنَّ صُورَةَ الْعَفْوِ أَوْرَثَتْ شُبْهَةً وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ فَلَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ لِلسُّؤَالِ عَنْ لَمِّيِّةِ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ هَاهُنَا عَلَى الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْقِصَاصَ الَّذِي جُعِلَ مَهْرًا وَجُعِلَ وِلَايَةَ اسْتِيفَائِهِ لِلْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ قِصَاصُ الْيَدِ دُونَ قِصَاصِ النَّفْسِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ، وَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ وِلَايَةُ الْمَرْأَةِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي عَدَمِ تَنَاوُلِهِ الْعَفْوَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّزَوُّجُ، فَبَقِيَ السُّؤَالُ عَنْ وَجْهِ عَدَمِ وُجُوبِ قِصَاصِ النَّفْسِ عَلَى الْمَرْأَةِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ أَنَّ قَطْعَهَا صَارَ قَتْلَ النَّفْسِ وَلَغَا مَا ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ، إذْ لَمْ يَجْعَلْ حَدَّ وِلَايَةِ اسْتِيفَاءِ قِصَاصِ النَّفْسِ لِلْمَرْأَةِ قَطُّ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ وُجُوبِ قِصَاصِ النَّفْسِ عَلَيْهَا اسْتِيفَاؤُهَا الْقِصَاصَ عَنْ نَفْسِهَا لِنَفْسِهَا
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ خَطَأً يُرْفَعُ عَنْ الْعَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَهُمْ
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
ثُلُثُ مَا تَرَكَ وَصِيَّةً) لِأَنَّ هَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى الدِّيَةِ وَهِيَ تَصْلُحُ مَهْرًا إلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مَرِيضٌ مَرَضَ الْمَوْتِ وَالتَّزَوُّجُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ مُحَابَاةٌ فَيَكُونُ وَصِيَّةً فَيُرْفَعُ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ عَنْهَا، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ جِنَايَتِهَا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَصِيَّةٌ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَصِيَّةِ لِمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِقَتَلَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ تَسْقُطُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ يَسْقُطُ ثُلُثُهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: كَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْيَدِ، لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ عَفْوٌ عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فَاتَّفَقَ جَوَابُهُمَا فِي الْفَصْلَيْنِ. .
ثُلُثُ مَا تَرَكَ وَصِيَّةً) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحِلِّ: قَوْلُهُ وَيُرْفَعُ عَنْ الْعَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا: أَيْ قَدْرُ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَقَوْلُهُ وَلَهُمْ ثُلُثُ مَا تَرَكَ وَصِيَّةً: أَيْ وَلِلْعَاقِلَةِ ثُلُثُ مَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ إلَى تَمَامِ الدِّيَةِ يَكُونُ وَصِيَّةً انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي التَّفْسِيرِ الثَّانِي خَلَلٌ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ فَصَّلَ فِيمَا بَعْدَ حَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَجَعَلَهَا صُورَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ تَسْقُطُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ يَسْقُطُ ثُلُثُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا الصُّورَةَ الْأُولَى مِنْ الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِيمَا بَعْدُ، فَإِنَّ مَا يَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا جَمِيعُ مَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لَا إلَى تَمَامِ الدِّيَةِ ثُلُثُهُ فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَوْلُهُ يُرْفَعُ عَنْ الْعَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا: أَيْ قَدْرُ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَقَوْلُهُ وَلَهُمْ ثُلُثُ مَا تَرَكَ وَصِيَّةً لَهُمْ: أَيْ لِلْعَاقِلَةِ ثُلُثُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ الدِّيَةِ وَصِيَّةً انْتَهَى.
أَقُولُ: مَآلُ هَذَا أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَارَةُ مُغَايِرَةً فِي التَّفْسِيرِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ فِي قَوْلِهِ ثُلُثُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ بِقَوْلِهِ مِنْ الدِّيَةِ تَعَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا يُرَدُّ عَلَى مَا ذَكَرَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ كُلَّ الدِّيَةِ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَزْبُورِ.
ثُمَّ أَقُولُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا احْتِمَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَلِلْعَاقِلَةِ ثُلُثُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ جَمِيعِ مَا لَهُ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فَيَتَنَاوَلُ الصُّورَتَيْنِ الْآتِيَتَيْنِ فِي التَّفْصِيلِ مَعًا، لِأَنَّ جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ يَشْمَلُ الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ الدِّيَةَ كُلَّهَا مِنْ ثُلُثِ جَمِيعِ مَا لَهُ، لَكِنْ يُتَّجَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا زَادَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْ الدِّيَةِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ، فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ وَصِيَّةً لِأَنَّ مَا يَكُونُ وَصِيَّةً لِلْعَاقِلَةِ إنَّمَا هُوَ مِقْدَارُ مَا زَادَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ.
وَبِالْجُمْلَةِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا لَيْسَتْ بِخَالِيَةٍ عَنْ الْقُصُورِ فِي إفَادَةِ تَمَامِ الْمُرَادِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الرَّشَادِ، فَالْأَوْلَى فِي تَحْرِيرِ الْمَقَامِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْخَطَإِ رُفِعَ عَنْ الْعَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَالْبَاقِي وَصِيَّةً لَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ وَإِلَّا سَقَطَ ثُلُثُ الْمَالِ انْتَهَى تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: كَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْيَدِ، لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ عَفْوٌ عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فَاتَّفَقَ جَوَابُهُمَا فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيْ فِي التَّزَوُّجِ عَلَى الْيَدِ، وَفِي التَّزَوُّجِ عَلَى الْيَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا أَوْ عَلَى الْجِنَايَةِ، كَذَا قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَزَادَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا فِي شَرْحِهِ حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي فِي التَّزَوُّجِ عَلَى الْيَدِ إذَا كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً، وَفِي التَّزَوُّجِ عَلَى الْيَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا أَوْ عَلَى الْجِنَايَةِ انْتَهَى.
وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِشَيْءٍ، إذْ لَا وَجْهَ لِتَقْيِيدِ الْقَطْعِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بِالْخَطَأِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا وَمِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً فَقَدْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْعَمْدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وِفَاقًا وَخِلَافًا، وَكَذَا مِمَّا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فِي الْفَصْلَيْنِ سَوَاءٌ، وَلَقَدْ صَرَّحَ بِهِ هَاهُنَا صَاحِبُ الْغَايَةِ نَقْلًا عَنْ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ: فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْجَوَابُ فِيهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ، أَوْ عَلَى الْجِنَايَةِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَذَا فِي شُرُوحِ
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
قَالَ: (وَمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَاقْتُصَّ لَهُ مِنْ الْيَدِ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ قَتْلَ عَمْدٍ وَحَقُّ الْمُقْتَصِّ لَهُ الْقَوَدُ، وَاسْتِيفَاءُ الْقَطْعِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَوَدِ كَمَنْ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ إذَا اسْتَوْفَى طَرَفَ مَنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى الْقَطْعِ فَقَدْ أَبْرَأَهُ عَمَّا وَرَاءَهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى الْقَطْعِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ حَقَّهُ فِيهِ وَبَعْدَ السِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الْقَوَدِ فَلَمْ يَكُنْ مُبْرِئًا عَنْهُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا فَقَطَعَ يَدَ قَاتِلِهِ ثُمَّ عَفَا وَقَدْ قَضَى لَهُ بِالْقِصَاصِ أَوْ لَمْ يَقْضِ فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدِ دِيَةُ الْيَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إتْلَافَ النَّفْسِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَعْفُ لَا يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إذَا سَرَى وَمَا بَرَأَ أَوْ مَا عَفَا وَمَا سَرَى، أَوْ قَطَعَ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ قِصَاصٌ فِي الطَّرَفِ فَقَطَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ عَفَا لَا يَضْمَنُ الْأَصَابِعَ. وَلَهُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَتْلِ. وَهَذَا قَطْعٌ وَإِبَانَةٌ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُتْلِفَهُ تَبَعًا، وَإِذَا سَقَطَ وَجَبَ الْمَالُ،.
الْجَامِعِ الصَّغِيرِ انْتَهَى
(قَوْلُهُ وَمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَاقْتُصَّ لَهُ مِنْ الْيَدِ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا مَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ الْقَطْعِ. وَحُكْمُهُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ. لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ هُنَا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ مِنْهُ مُؤَاخَذَةَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ تِلْكَ الصُّورَةِ مَعَ كَوْنِ ذِكْرِهَا أَيْضًا مِمَّا يُهِمُّ فَلَا وَجْهَ لَهُ إذْ قَدْ ذَكَرَهَا أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ مِنْهُ مُؤَاخَذَةَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ الصُّورَةَ هُنَا مَعَ كَوْنِ حَقِّهَا أَنْ تُذْكَرَ هُنَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ مِنْ قَبِيلِ اسْتِيفَاءِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكِتَابِ فِيمَا بَعْدُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ اسْتِيفَاءِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ اسْتِيفَاءِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَيْضًا كَمَا تَرَى ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِيبَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَأَخَّرَ تِلْكَ الصُّورَةَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ مِنْهُ مُجَرَّدَ بَيَانِ حُكْمِ تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا دُونَ مُؤَاخَذَةِ الْمُصَنِّفِ بِشَيْءٍ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، إذْ قَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهَا فِيمَا سَيَجِيءُ مُفَصَّلًا وَمُدَلَّلًا فَيَلْغُو بَيَانُ ذَلِكَ الشَّارِحِ إيَّاهُ هَاهُنَا (قَوْلُهُ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى الْقَطْعِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ حَقَّهُ فِيهِ وَبَعْدَ السِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الْقَوَدِ فَلَمْ يَكُنْ مُبَرِّئًا عَنْهُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ: وَفِيهِ إشْكَالٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ صُورَةَ الْعَفْوِ تَكْفِي فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ لِأَنَّهَا تُورِثُ شُبْهَةً وَبِذَلِكَ تَمَسَّكُوا فِي سُقُوطِهِ فِيمَا إذَا عَفَا عَنْ الْقَطْعِ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا ثَمَّةَ إلَى الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ إنَّهُ لَا يَكُونُ مُبْرِئًا عَنْهُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: جَوَابُهُ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشُّبْهَةَ مُعْتَبَرَةٌ دُونَ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ، فَفِيمَ نَحْنُ فِيهِ يَكُونُ الْإِبْرَاءُ عَنْ النَّفْسِ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ، لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْقَطْعِ لَا يَقْتَضِيَ الْفَرَاغَ مِمَّا وَرَاءَهُ رَأْسًا لِجَوَازِ أَنْ يُسْتَوْفَى الْقَتْلُ أَيْضًا بَعْدَ الْقَطْعِ كَمَنْ لَهُ الْقَوَدُ يَسْتَوْفِي طَرَفَ مَنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ثُمَّ يَقْتُلُهُ فَتَحَقَّقَتْ شُبْهَةٌ، ثُمَّ إنَّ الْفَرَاغَ مِمَّا وَرَاءَ الْقَطْعِ لَا يَقْتَضِي الْإِبْرَاءَ عَنْهُ أَيْضًا لِجَوَازِ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ ظَنًّا أَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَطْعِ لَا إبْرَاءً عَمَّا وَرَاءَهُ فَتَحَقَّقَتْ شُبْهَةٌ بَعْدَ شُبْهَةٍ فَصَارَتْ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ فَلَمْ تُعْتَبَرْ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَفَا عَنْ الْقَطْعِ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُ فَإِنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقَطْعِ هُنَا مُقَرَّرٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ.
وَإِنَّمَا بَقِيَتْ شُبْهَةُ أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ عَفْوًا عَنْ الْقَتْلِ فَاعْتُبِرَتْ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ بِهَا لِكَوْنِ الشُّبْهَةِ دَارِئَةً لَهُ فَافْتَرَقَا تَأَمَّلْ، فَإِنَّ هَذَا مَعْنًى
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا بِالسِّرَايَةِ فَيَكُونُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَمِلْكُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ الْعَفْوِ أَوْ الِاعْتِيَاضِ لِمَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَرَى لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْفُ وَمَا سَرَى، قُلْنَا: إنَّمَا يَتَبَيَّنُ كَوْنُهُ قَطْعًا بِغَيْرِ حَقٍّ بِالْبُرْءِ حَتَّى لَوْ قَطَعَ وَمَا عَفَا وَبَرَأَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَإِذَا قَطَعَ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ فَهُوَ اسْتِيفَاءٌ وَلَوْ حَزَّ بَعْدَ الْبُرْءِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْأَصَابِعُ وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً قِيَامًا بِالْكَفِّ فَالْكَفُّ تَابِعَةٌ لَهَا غَرَضًا، بِخِلَافِ الطَّرَفِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. .
قَالَ: (وَمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إذَا اسْتَوْفَاهُ ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ وَمَاتَ يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ بَابِ الْقِصَاصِ، إذْ الِاحْتِرَازُ عَنْ السِّرَايَةِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَصَارَ كَالْإِمَامِ وَالْبَزَّاغِ وَالْحَجَّامِ وَالْمَأْمُورِ بِقَطْعِ الْيَدِ. وَلَهُ أَنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَطْعِ وَهَذَا وَقَعَ قَتْلًا وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ ظُلْمًا كَانَ قَتْلًا. وَلِأَنَّهُ جُرْحٌ أَفْضَى إلَى فَوَاتِ الْحَيَاةِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ وَهُوَ مُسَمَّى الْقَتْلِ، إلَّا أَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَوَجَبَ الْمَالُ بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَا بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ إلَّا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ فِيهَا بِالْفِعْلِ، إمَّا تَقَلُّدًا كَالْإِمَامِ أَوْ عَقْدًا كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْهَا.
عَمِيقٌ وَفَرْقٌ دَقِيقٌ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهِدَا بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فِيهَا بِالْفِعْلِ، إمَّا تَقَلُّدًا كَالْإِمَامِ، أَوْ عَقْدًا كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْهَا) أَقُولُ: فِيهِ تَسَاهُلٌ، لِأَنَّ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ مَا لَا يَجِبُ فِعْلُهُ لَا تَقَلُّدًا وَلَا عَقْدًا وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِقَطْعِ الْيَدِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا إذَا
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
وَالْوَاجِبَاتُ لَا تَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ كَالرَّمْيِ إلَى الْحَرْبِيِّ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا الْتِزَامَ وَلَا وُجُوبَ، إذْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى الْعَفْوِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ فَأَشْبَهَ الِاصْطِيَادَ.