(وَلَوْ قَالَ لَهُ مِنْ دَارِي مَا بَيْنَ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا لَوْ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْحَائِطَيْنِ شَيْءٌ) وَقَدْ مَرَّتْ الدَّلَائِلُ فِي الطَّلَاقِ.
(فَصْلٌ)
(وَمَنْ قَالَ: لِحَمْلِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَإِنْ قَالَ أَوْصَى لَهُ فُلَانٌ أَوْ مَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبٍ صَالِحٍ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ (ثُمَّ إذَا جَاءَتْ بِهِ فِي مُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَزِمَهُ،
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْأَصْلُ مَا قَالَهُ زُفَرُ مِنْ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ، وَمَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ حَدٌّ ذِكْرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، إلَّا أَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِهَا لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الثَّانِي بِدُونِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ يَسْتَدْعِي ابْتِدَاءً، فَإِذَا أَخْرَجْنَا الْأَوَّلَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا صَارَ الثَّانِي هُوَ الِابْتِدَاءُ فَيَخْرُجُ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا ثُمَّ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَهَكَذَا بَعْدَهُ، فَلِأَجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ أَدْخَلْنَا فِيهِ الْغَايَةَ الْأُولَى، وَلَا ضَرُورَةَ فِي إدْخَالِ الْغَايَةِ الثَّانِيَةِ فَأَخَذْنَا فِيهَا بِالْقِيَاسِ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَايَةِ الْأُولَى اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْغَايَةِ الثَّانِيَةِ قِيَاسٌ وَمَا قَالَاهُ فِي الْغَايَتَيْنِ اسْتِحْسَانٌ وَمَا قَالَهُ زُفَرُ فِيهِمَا قِيَاسٌ كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ مِنْ دَارِي مَا بَيْنَ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَلَهُ) أَيْ لِلْمُقَرِّ لَهُ (مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ مَا بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْحَائِطَيْنِ شَيْءٌ) أَيْ لَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقَدْ مَرَّتْ الدَّلَائِلُ) أَيْ دَلَائِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ (فِي الطَّلَاقِ) أَيْ فِي بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ فَمَنْ شَاءَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا فَلْيُرَاجِعْهُ.
(فَصْلٌ) لَمَّا كَانَتْ مَسَائِلُ الْحَمْلِ مُغَايِرَةً لِغَيْرِهَا صُورَةً وَمَعْنًى ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَلْحَقَ بِهَا مَسْأَلَةَ الْخِيَارِ اتِّبَاعًا لِلْمَبْسُوطِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَمَنْ قَالَ لِحَمْلِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ) فَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبًا أَوْ لَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ، فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ صَالِحًا أَوْ غَيْرَ صَالِحٍ، فَإِنْ كَانَ صَالِحًا وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ قَالَ أَوْصَى بِهَا) أَيْ بِالْأَلْفِ (لَهُ) أَيْ لِلْحَمْلِ وَهُوَ الْجَنِينُ (فُلَانٌ أَوْ) قَالَ: (مَاتَ أَبُوهُ) أَيْ أَبُو الْحَمْلِ (فَوَرِثَهُ) أَيْ وَرِثَ الْحَمْلُ الْأَلْفَ، أَنَّثَ ضَمِيرَ الْأَلْفِ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ الدَّرَاهِمِ، وَذَكَّرَهُ ثَانِيًا لِكَوْنِ الْأَلْفِ مُذَكَّرًا فِي الْأَصْلِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْأَلْفُ مِنْ الْعَدَدِ مُذَكَّرٌ، وَلَوْ أُنِّثَ بِاعْتِبَارِ الدَّرَاهِمِ جَازَ انْتَهَى (فَالْإِقْرَارُ) فِي هَذَا الْوَجْهِ (صَحِيحٌ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبٍ صَالِحٍ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ) أَيْ لِلْحَمْلِ: يَعْنِي أَنَّهُ بَيَّنَ سَبَبًا صَالِحًا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْحَمْلِ، فَلَوْ عَايَنَّاهُ حَكَمْنَا بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ وَلَمْ يُتَيَقَّنْ بِكَذِبِهِ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فَكَانَ صَحِيحًا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ لِأَنَّ الْجَنِينَ أَهْلٌ لَأَنْ يَسْتَحِقَّ الْمَالَ بِالْإِرْثِ أَوْ الْوَصِيَّةِ (ثُمَّ إذَا) وُجِدَ السَّبَبُ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُقَرِّ لَهُ عِنْدَهُ، فَإِنْ (جَاءَتْ) أَيْ فُلَانَةُ (بِهِ) أَيْ بِالْوَلَدِ (فِي مُدَّةٍ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ) أَيْ الْوَلَدَ (كَانَ قَائِمًا) أَيْ مَوْجُودًا (وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ الْمُقِرَّ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّ الْوَلَدَ
[ ٨ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا حَقِيقِيٌّ وَالْآخَرُ حُكْمِيٌّ. فَالْحَقِيقِيُّ مَا إذَا وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالْحُكْمِيُّ مَا إذَا وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى سَنَتَيْنِ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً، إذْ حِينَئِذٍ يُحْكَمُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً وَجَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا كَذَا قَالُوا. ثُمَّ إنَّ الشُّرَّاحَ افْتَرَقُوا هَاهُنَا فِي تَعْيِينِ أَوَّلِ مُدَّةٍ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَئِذٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ حَيْثُ قَالَ بِأَنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ كَمَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوَرِّثِ حَيْثُ قَالَ بِأَنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُذْ مَاتَ الْمُورَثُ وَالْمُوصِي كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي، وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا أَقُولُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ أَوْفَقَ بِالْمَشْرُوحِ فِي الظَّاهِرِ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ كَوْنَ الْوَلَدِ قَائِمًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّحْقِيقِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ لَا إنْشَاءُ الْحَقِّ ابْتِدَاءً كَمَا تَقَرَّرَ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَقَرَّرَ وُجُودُ الْمُقَرِّ لَهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الْمِلْكِ لَا عِنْدَ مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ، وَسَبَبُ الْمِلْكِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوَرِّثِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْتَبَرَ أَوَّلُ مُدَّةٍ يَعْلَمُ بِهَا وُجُودَ الْحَمْلِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوَرِّثِ لِيَتَقَرَّرَ وُجُودُهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ إذَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ فِي مُدَّةٍ هِيَ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ وَأَكْثَرُ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوَرِّثِ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوَرِّثِ فِي غَيْرِ الْمُعْتَدَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ لِلْحَمْلِ شَيْءٌ، أَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوَرِّثِ فَلِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْجَنِينَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الْمِلْكِ فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الْمَالِ، وَلَا يُفِيدُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا عِنْدَ مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِسَبَبٍ سَابِقٍ لَا إنْشَاءُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ.
وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوَرِّثِ فِي غَيْرِ الْمُعْتَدَّةِ فَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْجَنِينِ مَوْجُودًا عِنْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الْمِلْكِ بَلْ يَبْقَى عَلَى مُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ لَهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ كَمَا إذَا بَيَّنَ سَبَبًا غَيْرَ صَالِحٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي. لَكِنْ بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْجَنِينِ بِالطَّرِيقِ الْحُكْمِيِّ لَا الْحَقِيقِيِّ وَذَلِكَ بِأَنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى سَنَتَيْنِ وَكَانَتْ مُعْتَدَّةً قَالُوا يُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِثُبُوتِ النَّسَبِ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ حِينَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ حِينَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَوَقْتُ الْفِرَاقِ أَقَلَّ مِنْهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: اُعْتُبِرَ أَوَّلُ الْمُدَّةِ فِي الطَّرِيقِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ وَقْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي فَفِي الطَّرِيقِ الْحُكْمِيِّ
[ ٨ / ٣٤٦ ]
فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مَيِّتًا فَالْمَالُ لِلْمُوصِي وَالْمُوَرِّثِ حَتَّى يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُمَا، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْجَنِينِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ (وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ حَيَّيْنِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ بَاعَنِي أَوْ أَقْرَضَنِي لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ بَيَّنَ مُسْتَحِيلًا.
أَيْضًا كَذَلِكَ فَلَا يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَإِلَّا لَا يَكُونُ طَرِيقًا لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ أَصْلًا.
قُلْنَا: فَعَلَى ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ رَأْسًا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمًا بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ حِينَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي أَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَوَقْتُ الْفِرَاقِ أَكْثَرَ مِنْهُمَا فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ بِثُبُوتِ النَّسَبِ فَلْيُتَأَمَّلْ (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أَيْ إنْ جَاءَتْ فُلَانَةُ بِالْوَلَدِ (مَيِّتًا فَالْمَالُ لِلْمُوصِي) فِيمَا إذَا قَالَ أَوْصَى بِهِ لَهُ فُلَانٌ (وَالْمُوَرِّثِ) فِيمَا إذَا قَالَ: مَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ (حَتَّى يُقَسَّمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ) أَيْ يُقَسَّمَ الْمَالُ بَيْنَ وَرَثَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوصِي وَالْمُوَرِّثِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ مَا قَالَهُ (إقْرَارٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُمَا) أَيْ لِلْمُوصِي وَالْمُوَرِّثِ (وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ) مِنْهُمَا (إلَى الْجَنِينِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ) إلَيْهِ هَاهُنَا لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ (وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ حَيَّيْنِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ إنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى فَفِي الْوَصِيَّةِ كَذَلِكَ، وَفِي الْمِيرَاثِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ أَوْلَادِ أُمِّ الْمَيِّتِ لِمَا صَرَّحُوا مِنْ أَنَّ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْقِسْمَةِ سَوَاءٌ. أَقُولُ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ بِالنَّظَرِ إلَى وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ: إنْ قَالَ الْمُقِرُّ مَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ فَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ شُرَّاحُ الْكِتَابِ وَصَاحِبُ الْكَافِي وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى مُطْلَقِ الْإِرْثِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ غَيْرَ صَالِحٍ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ بَاعَنِي أَوْ أَقْرَضَنِي) أَيْ بَاعَنِي الْحَمْلُ أَوْ أَقْرَضَنِي (لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ بَيَّنَ مُسْتَحِيلًا) أَيْ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بَيَّنَ سَبَبًا مُسْتَحِيلًا فِي الْعَادَةِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْبَيْعُ وَالْإِقْرَاضُ مِنْ الْجَنِينِ لَا حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا حُكْمًا لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَى الْجَنِينِ حَتَّى يَكُونَ تَصَرُّفُهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِ الْجَنِينِ فَيَصِيرُ مُضَافًا إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِذَا كَانَ مَا بَيَّنَهُ مِنْ السَّبَبِ مُسْتَحِيلًا صَارَ كَلَامُهُ لَغْوًا فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بَيَانُ سَبَبٍ مُحْتَمَلٍ
[ ٨ / ٣٤٧ ]
قَالَ (وَإِنْ أُبْهِمَ الْإِقْرَارُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَصِحُّ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ الْحُجَجِ فَيَجِبُ إعْمَالُهُ وَقَدْ أَمْكَنَ بِالْحَمْلِ عَلَى السَّبَبِ الصَّالِحِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْإِقْرَارَ مُطْلَقَهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْإِقْرَارِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ، وَلِهَذَا حُمِلَ إقْرَارُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَأَحَدِ الْمُتَفَاوِضِينَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَمَا إذَا صَرَّحَ بِهِ.
وَقَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى الْجَاهِلِ فَيَظُنُّ أَنَّ الْجَنِينَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ كَالْمُنْفَصِلِ فَيُعَامِلُهُ ثُمَّ يُقِرُّ بِذَلِكَ الْمَالِ لِلْجَنِينِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَيُبَيِّنُ سَبَبَهُ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ كَانَ بَاطِلًا فَكَانَ كَلَامُهُ هَذَا بَيَانًا لَا رُجُوعًا فَلِهَذَا كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَأَكْثَرِ الشُّرَّاحِ.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ، بَلْ ظَهَرَ كَذِبُهُ بِيَقِينٍ كَمَا لَوْ قَالَ: قَطَعْت يَدَ فُلَانٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَيَدُ فُلَانٍ صَحِيحَةٌ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَإِنَّمَا ظَهَرَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ السَّبَبِ الْغَيْرِ الصَّالِحِ لَا فِي أَصْلِ إقْرَارِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ بَيَانِ السَّبَبِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ رُجُوعًا عَنْ أَصْلِ إقْرَارِهِ الْوَاقِعِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي إقْرَارِهِ بِأَنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ صَالِحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَكِنْ قَصَدَ الرُّجُوعَ فَبَيَّنَ سَبَبًا مُسْتَحِيلًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ قَطَعْت يَدَ فُلَانٍ وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ هُنَاكَ فِي أَصْلِ إقْرَارِهِ بِيَقِينٍ، فَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ.
فَإِنْ قُلْت: كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِقْرَاضَ لَا يُتَصَوَّرَانِ مِنْ الْجَنِينِ كَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرَانِ مِنْ الرَّضِيعِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِهَذَا الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ بِسَبَبِ الْبَيْعِ أَوْ الْإِقْرَاضِ أَوْ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ يُؤَاخَذُ بِهِ.
قُلْت: الرَّضِيعُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَّجِرُ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَحِقَّ الدَّيْنَ بِهَذَا السَّبَبِ بِتِجَارَةِ وَلِيِّهِ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَاضُ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ لَكِنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْ نَائِبِهِ وَهُوَ الْقَاضِي أَوْ الْأَبُ بِإِذْنِ الْقَاضِي، وَإِذَا تُصُوِّرَ ذَلِكَ مِنْ نَائِبِهِ جَازَ لِلْمُقِرِّ إضَافَةُ الْإِقْرَارِ إلَيْهِ لِأَنَّ فِعْلَ النَّائِبِ قَدْ يُضَافُ إلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ سَبَبًا أَصْلًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ أُبْهِمَ الْإِقْرَارُ لَمْ يَصِحَّ) أَيْ الْإِقْرَارُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) قِيلَ وَأَبُو حَنِيفَةَ مَعَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَصِحُّ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ الْحُجَجِ) الشَّرْعِيَّةِ (فَيَجِبُ إعْمَالُهُ) مَهْمَا أَمْكَنَ، وَذَلِكَ إذَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ (وَقَدْ أَمْكَنَ) إعْمَالُهُ هَاهُنَا، إذْ لَا نِزَاعَ فِي صُدُورِهِ عَنْ أَهْلِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْرُوضُ وَأَمْكَنَ إضَافَتُهُ إلَى مَحَلِّهِ (بِالْحَمْلِ عَلَى السَّبَبِ الصَّالِحِ) وَهُوَ الْمِيرَاثُ أَوْ الْوَصِيَّةُ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ وَتَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ فَإِنَّ إقْرَارَهُ وَإِنْ احْتَمَلَ الْفَسَادَ بِكَوْنِهِ صَدَاقًا أَوْ دَيْنَ كَفَالَةٍ بِكَوْنِهِ مِنْ التِّجَارَةِ كَانَ جَائِزًا تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْإِقْرَارَ مُطْلَقَهُ) أَيْ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ (يَنْصَرِفُ إلَى الْإِقْرَارِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ، وَلِهَذَا حُمِلَ إقْرَارُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَأَحَدِ الْمُتَفَاوِضِينَ فِي الشَّرِكَةِ) (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِغَيْرِ سَبَبِ التِّجَارَةِ كَدَيْنِ الْمَهْرِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ حَتَّى يُؤَاخَذُ بِهِ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فِي حَالِ رِقِّهِ وَالشَّرِيكُ الْآخَرُ فِي الْحَالِ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِدَيْنِ الْمَهْرِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ لَا يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فِي حَالِ رِقِّهِ وَلَا الشَّرِيكُ الْآخَرُ أَبَدًا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (فَيَصِيرُ) أَيْ فَيَصِيرُ الْمُقِرُّ فِيمَا إذَا أُبْهِمَ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ (كَمَا إذَا صُرِّحَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ، وَلَوْ صُرِّحَ بِهِ كَانَ فَاسِدًا، فَكَذَا إذَا أُبْهِمَ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَلِأَبِي يُوسُفَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَالثَّانِي مَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ فَقَالَ: إنَّ هَذَا إقْرَارٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ لِأَهْلِهِ وَقَدْ احْتَمَلَ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ كَمَا قَالَهُ، إلَّا أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْجَوَازِ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ الْجَوَازَ لَهُ وَجْهَانِ: الْوَصِيَّةُ، وَالْمِيرَاثُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَنْ يُعْتَبَرَ سَبَبًا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَتَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْجَوَازِ فَيُحْكَمُ بِالْفَسَادِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مَعَ عَبْدٍ آخَرَ لَهُ مِنْ الْبَائِعِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَقِيمَتُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ كَانَ الْبَيْعُ فِي الَّذِي اشْتَرَى مِنْ الْبَائِعِ فَاسِدًا وَإِنْ احْتَمَلَ الْجَوَازَ لِأَنَّ لِلْجَوَازِ وَجْهَيْنِ، بِأَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ مِثْلُ
[ ٨ / ٣٤٨ ]
قَالَ (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ أَوْ حَمْلِ شَاةٍ لِرَجُلٍ صَحَّ إقْرَارُهُ وَلَزِمَهُ) لِأَنَّ لَهُ وَجْهًا صَحِيحًا وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَتَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْجَوَازِ فَحُكِمَ بِالْفَسَادِ لِهَذَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا أَقَرَّ حَيْثُ يَجُوزُ لِأَنَّ لِلْجَوَازِ جِهَةً وَاحِدَةً وَهِيَ التِّجَارَةُ وَلِلْفَسَادِ جِهَاتٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَيَّنَ سَبَبًا يَسْتَقِيمُ بِهِ وُجُوبُ الْمَالِ لِلْجَنِينِ وَصِيَّةً أَوْ مِيرَاثًا حَيْثُ كَانَ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا لِأَنَّ جِهَةَ الْجَوَازِ مُتَعَيِّنَةٌ، وَهِيَ مَا صَرَّحَ بِهِ فَكَانَ مَحْكُومًا بِالْجَوَازِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: الْوَجْهُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ مَنْظُورٌ فِيهِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَجْهًا صَالِحًا لِجَوَازِ الْإِقْرَارِ لِلْحَمْلِ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَعَدَمُ تَعَيُّنِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صُورَةِ إبْهَامِ الْإِقْرَارِ لَهُ يَقْتَضِي تَعَذُّرَ الْحَمْلِ عَلَى الْجَوَازِ فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ لِمَ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْحَمْلِ عَلَى الْجَوَازِ صَلَاحِيَةُ وَجْهٍ مَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِلْجَوَازِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ خُصُوصِيَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ أَلَا يَرَى أَنَّ جَهَالَةَ نَفْسِ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَيْفَ يَمْنَعُهَا جَهَالَةُ سَبَبِ الْمُقَرِّ بِهِ؟ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَلْزَمَ الْمُقِرَّ بَيَانُ خُصُوصِيَّةِ وَجْهٍ مِنْ ذَيْنَك الْوَجْهَيْنِ كَمَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ خُصُوصِيَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ الْمَجْهُولِ، فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَهُ، فَإِنَّ هَذَا إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْفَسَادَ بِأَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ دَمٍ أَوْ مَيْتَةٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ لِجَوَازِ الدَّيْنِ أَسْبَابًا كَثِيرَةً مُتَعَذِّرَةَ الِاجْتِمَاعِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ التَّنْظِيرَ الْمَذْكُورَ فِيهِ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى مَعَ عَبْدٍ آخَرَ مِنْ الْبَائِعِ لَيْسَتْ فِي السَّبَبِ بَلْ فِي قَدْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهُ بِوَجْهَيْنِ بِأَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ مِثْلُ الثَّمَنِ وَبِأَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُ ذَيْنِك الْوَجْهَيْنِ بِخُصُوصِهِ وَقَعَتْ الْجَهَالَةُ فِي ثَمَنِهِ وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ مُفْسِدَةٌ بِلَا كَلَامٍ، بِخِلَافِ جَهَالَةِ السَّبَبِ فِي الْإِقْرَارِ كَمَا تَحَقَّقْته، عَلَى أَنَّ تَعْلِيلَ فَسَادِ الْبَيْعِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِمَا ذُكِرَ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِصِحَّةِ بَيْعِ عَبْدٍ آخَرَ لَهُ، فَإِنَّ لِجَوَازِ بَيْعِهِ أَيْضًا وَجْهَيْنِ: بِأَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ مِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ لِلْعَبْدِ الْمُشْتَرَى مِنْ الْبَائِعِ، أَوْ مَا بَقِيَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إذَا صُرِفَ إلَى أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى لَهُمَا يَكُونُ الْبَاقِي مِنْهُ مَصْرُوفًا إلَى الْآخَرِ ضَرُورَةً، فَتَعَدُّدُ وَجْهِ الْجَوَازِ فِي أَحَدِهِمَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ وَجْهِ الْجَوَازِ فِي الْآخَرِ أَيْضًا مَعَ أَنَّ بَيْعَ عَبْدٍ آخَرَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَزْبُورَةِ لَيْسَ بِفَاسِدٍ إجْمَاعًا، وَيُنْتَقَضُ أَيْضًا بِصِحَّةِ بَيْعِ الْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا فِيمَا إذَا بَاعَ الْعَبْدُ الْمُشْتَرَى بِأَلْفٍ بَعْدَ نَقْدِ الثَّمَنِ مَعَ عَبْدٍ آخَرَ لَهُ مِنْ الْبَائِعِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَإِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ يَجْرِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا بِعَيْنِهِ بَلْ مَعَ زِيَادَةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ إلَى الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى مِنْ الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى فَازْدَادَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ آخَرُ لِلْجَوَازِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِيهَا. وَيُمْكِنُ تَعْلِيلُ فَسَادِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى مِنْ الْبَائِعِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِوَجْهٍ آخَرَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مَا مِنْ مَادَّتَيْ النَّقْضِ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ مَحَلَّهَا.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ أَوْ حَمْلِ شَاةٍ لِرَجُلٍ صَحَّ إقْرَارُهُ وَلَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ الْمُقِرَّ مَا أَقَرَّ بِهِ (لِأَنَّ لَهُ) أَيْ لِإِقْرَارِهِ (وَجْهًا صَحِيحًا وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِهِ) أَيْ بِالْحَمْلِ (مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُقِرِّ بِأَنْ أَوْصَى بِالْحَمْلِ مَالِكُ الْجَارِيَةِ وَمَالِكُ الشَّاةِ لِرَجُلٍ وَمَاتَ فَأَقَرَّ وَارِثُهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِوَصِيَّةِ مُوَرِّثِهِ بِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ لِفُلَانٍ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ الْوَجْهُ وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (فَحُمِلَ عَلَيْهِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: وَلَا وَجْهَ لِلْمِيرَاثِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ مَنْ لَهُ مِيرَاثٌ فِي الْحَمْلِ لَهُ مِيرَاثٌ فِي الْحَامِلِ.
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ إلَّا حَمْلَهَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مِنْ هَذَا
[ ٨ / ٣٤٩ ]
قَالَ (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ وَالْإِخْبَارُ لَا يَحْتَمِلُهُ (وَلَزِمَهُ الْمَالُ) لِوُجُودِ الصِّيغَةِ الْمُلْزِمَةِ وَلَمْ تَنْعَدِمْ بِهَذَا الشَّرْطِ الْبَاطِلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْكِتَابِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ مَالِكُ الْحَامِلِ بِالْحَامِلِ لِرَجُلٍ وَيَسْتَثْنِيَ حَمْلَهَا وَيَمُوتَ، فَإِذَنْ تَصِيرُ الْحَامِلُ لِلْمُوصَى لَهُ وَالْحَمْلُ لِوَارِثِ الْمَيِّتِ، فَلَوْ أَقَرَّ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ الْحَامِلَ بِاسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهَا بِأَنَّ حَمْلَ هَذِهِ الْحَامِلِ لِوَارِثِ الْمَيِّتِ الْمَزْبُورِ صَحَّ إقْرَارُهُ وَكَانَ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمِيرَاثُ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِمْ لَا وَجْهَ لِلْمِيرَاثِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا لِتَعْلِيلِهِمْ إيَّاهُ بِأَنَّ مَنْ لَهُ مِيرَاثٌ فِي الْحَمْلِ لَهُ مِيرَاثٌ فِي الْحَامِلِ، تَأَمَّلْ جِدًّا فَإِنَّ مَا ذَكَرْته وَجْهٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ الْجُمْهُورُ. ثُمَّ أَقُولُ: يُشْكِلُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوَجْهُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ قِبَلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي صُورَةِ إبْهَامِ الْإِقْرَارِ، فَإِنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ لَمْ يُصْرَفْ هَاهُنَا إلَى الْإِقْرَارِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ بِأَنْ يَبِيعَ الْحَمْلُ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْغَيْرِ الصَّالِحَةِ فِي حَقِّ الْحَمْلِ بَلْ صُرِفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا إلَى الْإِقْرَارِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ غَيْرِ سَبَبِ التِّجَارَةِ فَلَمْ يَتِمَّ مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْ أَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ يَنْصَرِفُ إلَى الْإِقْرَارِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ فَيَصِيرُ كَمَا إذَا صَرَّحَ بِهِ فَتَدَبَّرْ، وَقَدْ رَامَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ بَيَانَ الْفَرْقِ لِأَبِي يُوسُفَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَالْفَرْقُ لِأَبِي يُوسُفَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ جَوَّزَ الْإِقْرَارَ بِالْحَمْلِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَيْثُ لَمْ يَجُزْ الْإِقْرَارُ لِلْحَمْلِ إذَا أُبْهِمَ الْإِقْرَارُ أَنَّ هَاهُنَا طَرِيقَ التَّصْحِيحِ مُتَعَيَّنٌ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، بِخِلَافِ الْأَوْلَى فَإِنَّ طَرِيقَ التَّصْحِيحِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِازْدِحَامِ الْمِيرَاثِ الْوَصِيَّةَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ لِأَبِي يُوسُفَ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً كَيْفَ يُقْسَمُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا؟ أَثْلَاثًا بِاعْتِبَارِ الْمِيرَاثِ، أَمْ نِصْفَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْوَصِيَّةِ؟ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ جَوَازَ الْإِقْرَارِ مُتَعَذِّرٌ لِاحْتِمَالِهِ وَجْهَيْنِ إرْثًا وَوَصِيَّةً انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ جِهَةُ الْجَوَازِ مُتَعَذِّرَةً لَا يُحْمَلُ عَلَى الْجَوَازِ لِتَزَاحُمِ جِهَاتِ الْجَوَازِ وَلَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَتْ جِهَةُ الْجَوَازِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ مُزَاحَمَةَ الْمِيرَاثِ الْوَصِيَّةَ فِي حَقِّ الْحَمْلِ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْوَارِثَ إذَا كَانَ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْحَمْلِ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ أَيْضًا فِي الْأُمِّ لِشُيُوعِ حَقِّهِ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ أَوْ بِحَمْلِ شَاةٍ لَا تَكُونُ وَصِيَّةً بِالْأُمِّ فَتَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ جِهَةً لِلْجَوَازِ فَيَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ لِأَبِي يُوسُفَ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ مُطْلَقًا بِحَمْلِ جَارِيَةٍ لِإِنْسَانٍ وَعَدَمِ صِحَّةِ إقْرَارِهِ مُطْلَقًا لِلْحَمْلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هُنَاكَ لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ مُطْلَقًا جِهَتَيْنِ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ، وَلَيْسَ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَيَبْقَى عَلَى الْبُطْلَانِ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْفَرْقَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ أَيْضًا. أَقُولُ: مَدَارُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفُرُوقِ عَلَى حَرْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ تَعَدُّدَ جِهَةِ الْجَوَازِ يُنَافِي الْحَمْلَ عَلَى الْجَوَازِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ جِهَةَ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَقَامَيْنِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَطَلَ الشَّرْطُ) يَعْنِي وَمَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي إقْرَارِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صَحَّ الْإِقْرَارُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ، أَمَّا بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَهُوَ الْأَهَمُّ بِالْبَيَانِ فَلِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ) أَيْ لِأَجْلِ الْفَسْخِ (وَالْإِخْبَارُ لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ: يَعْنِي أَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ وَالْإِخْبَارُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنْ كَانَ صَادِقًا فَهُوَ وَاجِبُ الْعَمَلِ بِهِ اخْتَارَهُ أَوْ لَمْ يَخْتَرْهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ وَاجِبُ الرَّدِّ لَا يَتَغَيَّرُ بِاخْتِيَارِهِ وَعَدَمِ اخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فِي الْعُقُودِ لِيَتَغَيَّرَ بِهِ صِفَةُ الْعَقْدِ وَيَتَخَيَّرَ بِهِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِهِ وَإِمْضَائِهِ، وَأَمَّا صِحَّةُ الْإِقْرَارِ الَّتِي حُكْمُهَا لُزُومُ الْمُقَرِّ بِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَزِمَهُ الْمَالُ) أَيْ وَلَزِمَ الْمُقِرَّ الْمَالُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فَلَمَّا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِوُجُودِ الصِّيغَةِ الْمُلْزِمَةِ) وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيَّ وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَلَمْ يَنْعَدِمْ) أَيْ اللُّزُومُ، وَقِيلَ: أَيْ الْإِخْبَارُ (بِهَذَا الشَّرْطِ الْبَاطِلِ) يَعْنِي شَرْطَ الْخِيَارِ إذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْبَاطِلِ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فِيمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ، إلَّا أَنَّ التَّعْلِيقَ يَدْخُلُ عَلَى أَصْلِ السَّبَبِ فَيَمْنَعُ كَوْنَ الْكَلَامِ إقْرَارًا وَالْخِيَارُ يَدْخُلُ
[ ٨ / ٣٥٠ ]