فَصْلٌ
قَالَ: (وَمَنْ وَهَبَ جَارِيَةً إلَّا حَمْلَهَا صَحَّتْ الْهِبَةُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَعْمَلُ إلَّا فِي مَحَلٍّ يَعْمَلُ فِيهِ الْعَقْدُ، وَالْهِبَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ وَصْفًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ فَانْقَلَبَ شَرْطًا فَاسِدًا، وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِهَا.
فَصْلٌ) لَمَّا كَانَتْ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُتَعَلِّقَةً بِالْهِبَةِ بِنَوْعٍ مِنْ التَّعَلُّقِ وَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ مَسَائِلَ شَتَّى ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (قَوْلُهُ: وَمَنْ وَهَبَ جَارِيَةً إلَّا حَمْلَهَا صَحَّتْ الْهِبَةُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَعْمَلُ إلَّا فِي مَحَلٍّ يَعْمَلُ فِيهِ الْعَقْدُ، وَالْهِبَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ وَصْفًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ فَانْقَلَبَ شَرْطًا فَاسِدًا، وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ). تَوْضِيحُ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَعْمَلُ إلَّا فِي مَحَلٍّ يَعْمَلُ فِيهِ الْعَقْدُ، وَالْهِبَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الْحَمْلِ؛ لِكَوْنِهِ وَصْفًا، وَالْعَقْدُ لَا يَرُدُّ عَلَى الْأَوْصَافِ مَقْصُودًا، حَتَّى لَوْ وَهَبَ الْحَمْلَ لِآخَرَ لَا يَصِحُّ، فَكَذَا إذَا اسْتَثْنَى عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبُيُوعِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِثْنَاءُ عَامِلًا انْقَلَبَ شَرْطًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ اسْمَ
[ ٩ / ٥٠ ]
وَلَوْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الْجَنِينُ عَلَى مِلْكِهِ فَأَشْبَهَ الِاسْتِثْنَاءَ، وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَمْ يَكُنْ شَبِيهَ الِاسْتِثْنَاءِ،
الْجَارِيَةِ يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ تَبَعًا لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْهَا، فَلَمَّا اسْتَثْنَى الْحَمْلَ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ مَعْنَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي بَابِ الْهِبَةِ مُعَلَّقٌ بِفِعْلٍ حِسِّيٍّ وَهُوَ الْقَبْضُ، وَالْقَبْضُ لَا يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ الشُّرُوطُ فِي الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ. هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الشُّرُوحِ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى بُطْلَانِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا فِي الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ فَلَا يَعْمَلُ إلَّا فِي الْمَلْفُوظِ، وَالْحَمْلُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْأَوْصَافِ، وَاللَّفْظُ يُرَدُّ عَلَى الذَّاتِ لَا عَلَى الْأَوْصَافِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَلْفُوظٍ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لَوْ صَحَّ هَذَا الدَّلِيلُ لَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ اسْتِثْنَاءِ الْحَمْلِ فِي الْوَصِيَّةِ أَيْضًا لِجَرَيَانِهِ فِيهِ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً، وَسَيَأْتِي فِي وَصَايَا هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ إلَّا حَمْلَهَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ لَفْظًا وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْإِطْلَاقِ تَبَعًا، فَإِذَا أَفْرَدَ الْأُمَّ بِالْوَصِيَّةِ صَحَّ إفْرَادُهَا؛ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُ الْحَمْلِ بِالْوَصِيَّةِ فَجَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ. اهـ. وَقَالَ فِي الْكَافِي هُنَاكَ: فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَلْفُوظِ. قُلْنَا: يَكْفِي لِصِحَّةِ التَّزَيِّي بِزِيِّهِ كَمَا فِي اسْتِثْنَاءِ إبْلِيسَ، عَلَى أَنَّ صِحَّتَهُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى التَّنَاوُلِ اللَّفْظِيِّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ قَفِيزِ حِنْطَةٍ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ. اهـ. فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ مَا فِي الْكِفَايَةِ هَاهُنَا، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ هَاهُنَا بَيْنَ الْحَمْلِ وَبَيْنَ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، فَإِنَّهُ إذَا وَهَبَ لِرَجُلٍ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ مِنْ الصُّوفِ أَوْ مَا فِي الضَّرْعِ مِنْ اللَّبَنِ وَأَمَرَهُ بِجَزِّ الصُّوفِ وَحَلْبِ اللَّبَنِ، وَقَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْحَمْلِ لَا يَجُوزُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا وَلَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ حَقِيقَةً. بِخِلَافِ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ، وَبِأَنَّ إخْرَاجَ الْوَلَدِ مِنْ الْبَطْنِ لَيْسَ إلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ نَائِبًا عَنْ الْوَاهِبِ، بِخِلَافِ الْجِزَازِ فِي الصُّوفِ، وَالْحَلْبِ فِي اللَّبَنِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ، وَعَزَاهُ فِي النِّهَايَةِ إلَى الْمَبْسُوطِ. أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ وَجْهَيْ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ. أَمَّا فِي وَجْهِهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالًا أَصْلًا، وَلَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ حَقِيقَةً لَمَا صَحَّ إعْتَاقُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَإِيصَاؤُهُ، وَقَدْ صَحَّ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْأَوَّلَيْنِ أَيْضًا الْمَسْأَلَتَانِ الْآتِيَتَانِ هَاهُنَا، وَهُمَا قَوْلُهُ: وَلَوْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا جَازَ، وَقَوْلُهُ وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا لَمْ يَجُزْ. وَأَمَّا فِي وَجْهِهِ الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ إخْرَاجِ الْوَلَدِ لَيْسَ إلَيْهِ إنَّمَا يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْهِبَةِ فِيمَا إذَا أَمَرَهُ الْوَاهِبُ بِقَبْضِ الْحَمْلِ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا فِيمَا إذَا أَمَرَهُ الْوَاهِبُ بِقَبْضِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلَا، إذْ يُمْكِنُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْبِضَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَصَالَةً بِدُونِ النِّيَابَةِ عَنْ الْوَاهِبِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ أَمَرَهُ فِي الْحَمْلِ بِقَبْضِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَقَبَضَ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الصُّوفِ، وَاللَّبَنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي أَوَّلِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ: وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْحَمْلِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ لَيْسَ بِمَالٍ إلَخْ. ثُمَّ أَقُولُ: عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ بِوَجْهَيْهِ سَالِمًا عَمَّا ذَكَرْنَاهُ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ السُّؤَالُ الْمَزْبُورُ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَ ذَلِكَ السُّؤَالِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالْهِبَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ وَصْفًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبُيُوعِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوفَ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، وَاللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ أَيْضًا مِنْ أَوْصَافِ الْحَيَوَانِ كَالْحَمْلِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْلِ وَبَيْنَ الصُّوفِ، وَاللَّبَنِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ حَتَّى تَصِحَّ الْهِبَةُ فِيمَا دُونَ الْحَمْلِ، وَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يُفِيدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى، وَذَا لَا يُجْدِي شَيْئًا يَنْدَفِعُ بِهِ مُطَالَبَةُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ.
[ ٩ / ٥١ ]
وَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ الْهِبَةِ فِيهِ لِمَكَانِ التَّدْبِيرِ فَبَقِيَ هِبَةُ الْمُشَاعِ أَوْ هِبَةُ شَيْءٍ هُوَ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْمَالِكِ. قَالَ: (فَإِنْ وَهَبَهَا لَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهَا أَوْ أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ أَوْ وَهَبَ دَارًا أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ).
لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَكَانَتْ فَاسِدَةً، وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِهَا، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَجَازَ الْعُمْرَى وَأَبْطَلَ شَرْطَ الْمُعَمِّرِ» بِخِلَافِ
قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ الْهِبَةِ فِيهِ لِمَكَانِ التَّدْبِيرِ فَبَقِيَ هِبَةُ الْمُشَاعِ أَوْ هِبَةُ شَيْءٍ هُوَ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْمَالِكِ) فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّهَا هِبَةُ مُشَاعٍ لَكِنَّهَا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَهِيَ جَائِزَةٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ عَرْضِيَّةَ الِانْفِصَالِ فِي ثَانِي الْحَالِ ثَابِتَةٌ لَا مَحَالَةَ فَأُنْزِلَ مُنْفَصِلًا فِي الْحَالِ مَعَ أَنَّ الْجَنِينَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ فَكَانَ فِي حُكْمٍ مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ أَقُولُ: لَيْسَ الْجَوَابُ بِسَدِيدٍ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْحَمْلَ مُفَصَّلًا فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ فِي عَرْضِيَّةِ الِانْفِصَالِ فِي ثَانِي الْحَالِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُفْرَزِ الْمَقْسُومِ لَا فِي حُكْمِ الْمُشَاعِ الْمُحْتَمِلِ لِلْقِسْمَةِ فَكَانَ أَوْلَى بِجَوَازِ هِبَتِهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ خُرُوجِ الْجَنِينِ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ كَوْنُهُ فِي حُكْمٍ مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ احْتِمَالَ الْقِسْمَةِ وَعَدَمَ احْتِمَالِهَا لَا يَدُورَانِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ، وَالْخُرُوجِ عَنْهُ بَلْ عَلَى عَدَمِ إضْرَارِ التَّبْعِيضِ، وَإِضْرَارُهُ كَمَا عُرِفَ فِيمَا مَرَّ، فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُهُ: فَكَانَ فِي حُكْمٍ مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ.
نَعَمْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ خُرُوجِ الْجَنِينِ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ كَوْنُ الْجَارِيَةِ الْمَوْهُوبَةِ مَشْغُولَةً بِمِلْكِهِ كَمَا فِي هِبَةِ الْجَوَالِقِ الَّذِي فِيهِ طَعَامُ الْوَاهِبِ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ وَرَاءَ احْتِمَالِ الْقِسْمَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَكَانَ فِي حُكْمٍ مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ هِبَةٍ مَشْغُولَةٍ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا أَنَّهُ كَانَ مُشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا قَالَ: فَكَانَ فِي حُكْمٍ مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَلَمْ يَقُلْ فَكَانَ مُشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَكَانَ فِي حُكْمٍ مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَمَا فِي هِبَةِ الْجَوَالِقِ وَفِيهِ طَعَامُ الْوَاهِبِ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ هِبَةَ مَا هُوَ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ بِمَنْزِلَةِ الشُّيُوعِ فِي الْهِبَةِ حُكْمًا لِوُجُودِ اخْتِلَاطِ الْمِلْكِ فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا. انْتَهَى. قُلْتُ: مَوْرِدُ أَصْلِ السُّؤَالِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَبَقِيَ هِبَةُ الْمُشَاعِ لَا قَوْلُهُ: أَوْ هِبَةُ شَيْءٍ هُوَ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ، وَمَا ذَكَرْتَهُ إنَّمَا يَصْلُحُ تَوْجِيهًا لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ، تَأَمَّلْ تَقِفْ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ السُّؤَالَ، وَالْجَوَابَ الْمَزْبُورَيْنِ قَالَ: وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا اسْتَشْعَرَ هَذَا السُّؤَالَ أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ أَوْ هِبَةُ شَيْءٍ مَشْغُولٍ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ فَهُوَ كَمَا إذَا وَهَبَ الْجَوَالِقَ، وَفِيهِ طَعَامُ الْوَاهِبِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ كَهِبَةِ الْمُشَاعِ الْحَقِيقِيِّ. انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ رَكَاكَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ الْمَزْبُورَ إنْ كَانَ مَقْبُولًا عِنْدَهُ فَاسْتِشْعَارُ السُّؤَالِ الْمَسْفُورِ لَا يَقْتَضِي إرْدَافَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِشَيْءٍ آخَرَ لِكَوْنِ ذَلِكَ السُّؤَالِ مُنْدَفِعًا عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ غَيْرَ وَارِدٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ كَانَ عَلَيْهِ بَيَانُ خَلَلِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ قَطُّ (قَوْلُهُ: أَوْ وَهَبَ دَارًا أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ، وَالنَّشْرِ وَإِلَّا
[ ٩ / ٥٢ ]
الْبَيْعِ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَلِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ فِي مَعْنَى الرِّبَا، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دُونَ التَّبَرُّعَاتِ.
قَالَ: (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَهِيَ لَك أَوْ أَنْتَ مِنْهَا بَرِيءٌ. أَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ النِّصْفَ فَلَكَ نِصْفُهُ أَوْ أَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ النِّصْفِ الْبَاقِي فَهُوَ بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ إسْقَاطٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ إبْرَاءٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ تَمْلِيكًا،
لَا يَصِحُّ: أَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ أَوْ وَهَبَ لَهُ دَارًا، وَقَوْلُهُ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدَارٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ قَوْلَهُ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا بِقَوْلِهِ أَوْ وَهَبَ دَارًا كَانَ هِبَةً بِشَرْطِ الْعِوَضِ، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ صَحِيحٌ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْعِوَضِ فِي الصَّدَقَةِ لَا فِي الْهِبَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ اشْتِرَاطُ التَّعْوِيضِ مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدَارٍ، اللَّهُمَّ إلَّا إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا أَنْ يَرُدَّ بَعْضَ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ عَلَى الْوَاهِبِ بِطَرِيقِ الْعِوَضِ لِكُلِّ الدَّارِ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ صَرْفُ قَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا إلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا وَهَبَ دَارًا إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ الْمَحْضُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةِ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَمَا هُوَ دَأَبُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ. أَقُولُ: فِي تَحْرِيرِهِمَا قُصُورٌ إذْ لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا سِيَّمَا بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا إنَّمَا هُوَ أَنْ يَرُدَّ بَعْضَ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ عَلَى الْوَاهِبِ بِطَرِيقِ الْعِوَضِ عَنْ كُلِّ الدَّارِ، وَالْمَعْنَى الْآخَرُ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ إلَّا بِتَعَسُّفٍ بَعِيدٍ، وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا إلَى مَا هُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ هَاهُنَا أَصْلًا كَلَفْظِ الْأَعْوَاضِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْ الْأَعْوَاضِ لَا مِنْ الدَّارِ، فَاسْتِبْعَادُ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظَةُ اللَّهُمَّ إلَّا إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا أَنْ يَرُدَّ بَعْضَ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ عَلَى الْوَاهِبِ بِطَرِيقِ الْعِوَضِ لِكُلِّ الدَّارِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيٌّ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ هِبَةً أَوْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ثُلُثَهَا أَوْ رُبُعَهَا أَوْ بَعْضَهَا أَوْ يُعَوِّضَهُ ثُلُثَهَا أَوْ رُبُعَهَا قَالَ: الْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ وَلَا يُعَوِّضُهُ شَيْئًا مِنْهَا، إلَى هُنَا لَفْظُهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ ثُلُثَ الدَّارِ أَوْ رُبُعَهَا بَعْضٌ مِنْهَا، فَاسْتِبْعَادُ إرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ تَجْوِيزُ إرَادَةِ مَعْنًى آخَرَ بِالنَّظَرِ إلَى لَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الَّذِي هُوَ مَأْخَذُ عِبَارَةِ الْكِتَابِ خَطَأٌ ظَاهِرٌ، لَكِنْ بَقِيَ لُزُومُ التَّكْرَارِ وَسَنَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَكَأَنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ تَنَبَّهَ لِسَمَاجَةِ الِاسْتِبْعَادِ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ لَفْظَةُ اللَّهُمَّ الْوَاقِعَةُ فِي كَلَامِ الشَّارِحَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ حَيْثُ غَيَّرَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ أُسْلُوبَ تَحْرِيرِهِمَا فَقَالَ وَقَوْلُهُ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا فِيهِ إشْكَالٌ، فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَهِيَ، وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: بَطَلَ الشَّرْطُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا شَيْئًا مِنْ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ فَهُوَ تَكْرَارٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا. انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: وَلَوْ اطَّلَعَ عَلَى أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَتَرَكَ التَّرْدِيدَ أَيْضًا، بَلْ قَصَرَ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي لِكَوْنِ ذَلِكَ نَصًّا فِي هَذَا الشِّقِّ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ آنِفًا. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ كَأَنَّهُ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلشِّقِّ الْأَوَّلِ أَصْلًا، بَلْ سَاقَ كَلَامَهُ عَلَى أَنْ يَتَقَرَّرَ الشِّقُّ الثَّانِي وَلَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ فَقَالَ: وَلَا يُتَوَهَّمُ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا أَوْ يُعَوِّضَهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ
[ ٩ / ٥٣ ]
وَوَصْفٌ مِنْ وَجْهٍ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ إسْقَاطًا، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ.
لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ عِوَضًا، فَإِنَّ كَوْنُهُ عِوَضًا إنَّمَا هُوَ بِأَلْفَاظٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا انْتَهَى. أَقُولُ: فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ التَّعْوِيضَ أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ إلَّا أَنَّهُ يَشْمَلُ ذَلِكَ وَيَعُمُّهُ، إذْ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ عِوَضًا عَنْ كُلِّ الدَّارِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى الْوَاهِبِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا مُغْنِيًا عَنْ قَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ الثَّانِي فَائِدَةٌ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ ادَّعَى لُزُومَ التَّكْرَارِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا مَصْرُوفًا أَيْضًا إلَى الْهِبَةِ دُونَ التَّصَدُّقِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ ادِّعَاءَ لُزُومِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَفْهُومِ أَوْ فِي الصِّدْقِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمَزْبُورَيْنِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَتَّى يُفِيدَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ.
قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا يَرْجِعُ إلَى التَّصَدُّقِ، فَإِنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَإِذَا وَهَبَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَالشَّرْطُ صَحِيحٌ. أَقُولُ: إذَا وَهَبَ بِشَرْطِ أَنْ يُعَوِّضَ شَيْئًا فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَشَرْطُ الْعِوَضِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مَعْلُومًا، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ يُعَوِّضَهُ يَرْجِعُ إلَى الْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَأَقُولُ: التَّوْجِيهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ خِلَافُ مَا أَرَادَهُ وَاضِعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ وَاضِعَهَا الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ ﵀ وَمَوْضِعُهَا الْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَلَفْظُهُ فِيهِ: أَوْ يُعَوِّضَهُ ثُلُثَهَا أَوْ رُبُعَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ثُلُثَ الدَّارِ أَوْ رُبُعَهَا أَمْرٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ، فَكَانَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا، إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا الْمُصَنِّفِينَ لَمَّا قَصَدُوا الْإِجْمَالَ غَيَّرُوا عِبَارَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالُوا: أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا، فَلَفْظُ شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِمْ لَا مِنْ كَلَامِ الْوَاهِبِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ اشْتِرَاطُ الْعِوَضِ الْمَجْهُولِ.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ رَدَّ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا وَهَبَ بِشَرْطِ أَنْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ الْمَوْهُوبِ يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَعْلُومٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ قَدْ صَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ إذَا وَهَبَ دَارًا أَوْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ بِشَرْطِ أَنْ يُعَوِّضَهُ بَيْتًا مُعَيَّنًا مِنْهَا أَوْ دِرْهَمًا وَاحِدًا مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ تَصِحُّ الْهِبَةُ، وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْهِبَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا وَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ لِانْعِدَامِ الْعِوَضِ. وَقَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ مَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى. أَقُولُ: كَلَامُهُ نَاشِئٌ مِنْ عَدَمِ تَحْقِيقِ الْمَقَامِ وَفَهْمِ الْمُرَادِ، فَإِنَّ مَدَارَ مَا رَآهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي وَمَا ذَكَرَهُ نَفْسُهُ فِي رَدِّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّعْوِيضِ فِي قَوْلِهِ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا هُوَ التَّعْوِيضُ بِعِوَضٍ خَارِجٍ عَنْ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ، فَالْمَفْهُومُ مِمَّا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَمِمَّا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي إنَّمَا هُوَ كَوْنُ شَرْطِ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ الْخَارِجِ عَنْ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ صَحِيحًا، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ.
وَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بَلْ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ هُوَ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الْوَاهِبُ أَنْ يُعَوِّضَهُ بَعْضًا مِنْ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَيَفْسُدُ الشَّرْطُ، وَهَذَا أَيْضًا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ إلَّا عِنْدَ زُفَرَ، وَلَكِنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ صَحِيحًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ بِمَفْهُومٍ مِمَّا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَلَا مِمَّا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي، فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِمَا مَا تَوَهَّمَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ. نَعَمْ يَرُدُّ عَلَى مَدَارِهِمَا أَنَّهُ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ أَصْلًا فِي أَصْلِ وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَلَكِنَّهُ كَلَامٌ آخَرُ فَلْيُتَأَمَّلْ جِدًّا، فَإِنَّ تَحْقِيقَ هَذَا الْمَقَامِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، وَالتَّدْقِيقَ فِيمَا صَدَرَ عَنْ الْقَوْمِ مِنْ
[ ٩ / ٥٤ ]
وَالتَّعْلِيقُ بِالشُّرُوطِ يَخْتَصُّ بِالْإِسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا.
قَالَ: (وَالْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعَمَّرِ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) لِمَا رَوَيْنَا. وَمَعْنَاهُ أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ لَهُ عُمُرَهُ. وَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ التَّمْلِيكُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ لِمَا رَوَيْنَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (وَالرُّقْبَى بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: جَائِزَةٌ)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ دَارِي لَك تَمْلِيكٌ. وَقَوْلُهُ رُقْبَى شَرْطٌ فَاسِدٌ كَالْعُمْرَى. وَلَهُمَا «أَنَّهُ ﵊ أَجَازَ الْعُمْرَى وَرَدَّ الرُّقْبَى» وَلِأَنَّ مَعْنَى الرُّقْبَى عِنْدَهُمَا إنْ مِتَّ قَبْلَكَ فَهُوَ لَكَ، وَاللَّفْظُ مِنْ الْمُرَاقَبَةِ كَأَنَّهُ يُرَاقِبُ مَوْتَهُ، وَهَذَا تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ فَبَطَلَ. وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ تَكُونُ عَارِيَّةً عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إطْلَاقَ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
الْأَقْوَالِ مِمَّا لَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ، فَأَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّعْلِيقُ بِالشُّرُوطِ يَخْتَصُّ بِالْإِسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ مَا لَا يُحْلَفُ بِهَا كَالْحَجْرِ عَلَى الْمَأْذُونِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ مِنْهَا اهـ. أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ: وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ مِنْهَا خَبْطٌ ظَاهِرٌ، إذْ قَدْ مَرَّ آنِفًا أَنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ إسْقَاطٌ مِنْ وَجْهٍ. فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ قَيْدِ الْمَحْضَةِ، وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ دَارِي لَك تَمْلِيكٌ وَقَوْلُهُ رُقْبَى شَرْطٌ فَاسِدٌ كَالْعُمْرَى) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ دَارِي لَك هِبَةً وَقَوْلُهُ رُقْبَى شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِالْخَطَرِ إنْ كَانَ الرُّقْبَى مَأْخُوذًا مِنْ الْمُرَاقَبَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ الْإِرْقَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ رَقَبَةُ دَارِي لَك فَصَارَ كَالْعُمْرَى. انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بَحْثٌ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ دَارِي لَكَ رُقْبَى عِنْدَ كَوْنِ الرُّقْبَى مَأْخُوذًا مِنْ الرَّقَبَةِ رَقَبَةُ دَارِي لَكَ لَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ رُقْبَى شَرْطٌ فَاسِدٌ إذْ لَا فَسَادَ؛ لَأَنْ يُقَالَ رَقَبَةُ دَارِي لَكَ فِي شَيْءٍ كَمَا تَرَى وَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ: فَصَارَ كَالْعُمْرَى كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ مَعْنَى الرُّقْبَى عِنْدَهُمَا إنْ مِتَّ قَبْلَكَ فَهُوَ لَك، وَاللَّفْظُ مِنْ الْمُرَاقَبَةِ إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: يُشِيرُ إلَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ بِجَوَازِهَا لَا بِهَذَا التَّفْسِيرِ بَلْ بِتَفْسِيرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ الرَّقَبَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ اشْتِقَاقَ الرُّقْبَى مِنْ الرَّقَبَةِ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِبْدَاعُ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا
[ ٩ / ٥٥ ]
فَصْلٌ فِي الصَّدَقَةِ
قَالَ: (وَالصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْقَبْضِ)؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ (فَلَا تَجُوزُ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْهِبَةِ (وَلَا رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الثَّوَابُ وَقَدْ حَصَلَ. وَكَذَا إذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْغَنِيِّ الثَّوَابَ. وَكَذَا إذَا وَهَبَ الْفَقِيرَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّوَابُ وَقَدْ حَصَلَ.
لِأَجْلِ مَا عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ. إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ إلَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ بِجَوَازِهَا لَا بِهَذَا التَّفْسِيرِ بَلْ بِتَفْسِيرٍ آخَرَ. وَلَكِنْ لَيْسَ مُرَادُهُ بِتَفْسِيرٍ آخَرَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ الرَّقَبَةِ حَتَّى يَتَّجِهَ عَلَيْهِ أَنَّ اشْتِقَاقَ الرُّقْبَى مِنْ الرَّقَبَةِ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، بَلْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْكَافِي وَجُمْهُورُ الشُّرَّاحِ بِقَوْلِهِمْ: وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ رَاجِعٌ إلَى تَفْسِيرِ الرُّقْبَى مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهَا مِنْ الْمُرَاقَبَةِ. فَحَمَلَ أَبُو يُوسُفَ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْحَالِ مَعَ انْتِظَارِ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ، فَالتَّمْلِيكُ جَائِزٌ وَانْتِظَارُ الرُّجُوعِ بَاطِلٌ كَمَا فِي الْعُمْرَى وَقَالَا: الْمُرَاقَبَةُ فِي نَفْسِ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الرُّقْبَى هَذِهِ الدَّارُ لِآخِرِنَا مَوْتًا كَأَنَّهُ يَقُولُ: أُرَاقِبُ مَوْتَكَ وَتُرَاقِبُ مَوْتِي فَإِنْ مِتَّ قَبْلَك فَهِيَ لَكَ وَإِنْ مِتَّ قَبْلِي فَهِيَ لِي، فَكَانَ هَذَا تَعْلِيقَ التَّمْلِيكِ ابْتِدَاءً بِالْخَطَرِ، وَهُوَ مَوْتُ الْمَالِكِ قَبْلَهُ وَذَا بَاطِلٌ. انْتَهَى قَوْلُهُمْ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أَصْلًا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ اشْتِقَاقَ الرُّقْبَى مِنْ الرَّقَبَةِ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ إلَخْ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَعِنْدِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَصَحُّ، إذْ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ الشَّرْطُ فَاسِدٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الشَّرْطِ فَسَادُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَمَا فِي الْعُمْرَى انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ إنَّمَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ الشَّرْطُ ثُبُوتَ التَّمْلِيكِ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا إذَا مَنَعَ ذَلِكَ فَلَا مَجَالَ لَأَنْ لَا تَبْطُلَ الْهِبَةُ بِهِ لِضَرُورَةِ امْتِنَاعِ تَحَقُّقِ الْهِبَةِ بِدُونِ تَحَقُّقِ التَّمْلِيكِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَمْنَعُ الرُّقْبَى ثُبُوتُ التَّمْلِيكِ ابْتِدَاءً عَلَى تَفْسِيرِهِمَا إيَّاهَا كَمَا تَحَقَّقْتُهُ آنِفًا وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَصَحَّ الْعُمْرَى لِلْمُعَمَّرِ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَوْ قَالَ دَارِي لَكَ رُقْبَى أَوْ حَبِيسٌ فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ
[ ٩ / ٥٦ ]