قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْكِتَابِ بِكِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي مَسَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ مَا يُكْرَهُ وَمَا لَا يُكْرَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ كِتَابٌ مِنْ الْكُتُبِ يَخْلُو عَمَّا يُكْرَهُ وَمَا لَا يُكْرَهُ انْتَهَى. أَقُولُ: بَلْ مَا ذَكَرَهُ نَفْسَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوا فِي تَرْتِيبِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ مِنْ الْمُنَاسَبَاتِ مَلْحُوظَةٌ فِيمَا ذَكَرُوا هَاهُنَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ هَذَا الْكِتَابِ وَكِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ هَاهُنَا مَعَ مُلَاحَظَةِ تِلْكَ الْمُنَاسَبَاتِ تَقْتَضِي ذِكْرَ هَذَا الْكِتَابِ عَقِيبَ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لَوْ غُيِّرَ ذَلِكَ لَفَاتَ بَعْضٌ مِنْ الْمُنَاسَبَاتِ السَّابِقَةِ
[ ١٠ / ٦٨ ]
(كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ)
قَالَ (الْمَوَاتُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْأَرَاضِيِ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهُ أَوْ لِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الزِّرَاعَةَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُطْلَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. قَالَ (فَمَا كَانَ مِنْهَا عَادِيًّا لَا مَالِكَ لَهُ أَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فِي الْإِسْلَامِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ الْقَرْيَةِ بِحَيْثُ إذَا وَقَفَ إنْسَانٌ مِنْ أَقْصَى الْعَامِرِ فَصَاحَ لَا يُسْمَعُ الصَّوْتُ فِيهِ فَهُوَ مَوَاتٌ) قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ، وَمَعْنَى الْعَادِيِّ مَا قَدُمَ خَرَابُهُ.
وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مَعَ انْقِطَاعِ الِارْتِفَاقِ بِهَا لِيَكُونَ مَيْتَةً مُطْلَقًا، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَا تَكُونُ مَوَاتًا، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ تَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالِكٌ يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ الزَّارِعُ نُقْصَانَهَا، وَالْبُعْدُ عَنْ الْقَرْيَةِ عَلَى مَا قَالَ شَرَطَهُ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْقَرْيَةِ لَا يَنْقَطِعُ ارْتِفَاقُ أَهْلِهَا عَنْهُ فَيُدَارِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ. وَمُحَمَّدٌ ﵀ اعْتَبَرَ انْقِطَاعَ ارْتِفَاقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَنْهَا حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْقَرْيَةِ
كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ
أَوْ اللَّاحِقَةِ، وَلْيَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّهُ يَنْفَعُك فِي مَوَاضِعَ شَتَّى (قَوْلُهُ الْمَوَاتُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْأَرَاضِيِ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهُ، أَوْ لِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الزِّرَاعَةَ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا تَعْرِيفٌ بِالْأَعَمِّ لِصِدْقِهِ عَلَى مَا لَهُ مَالِكٌ مَعْرُوفٌ، لَكِنْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِأَحَدِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: هَذَا تَفْسِيرُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ انْتَهَى. أَقُولُ: تَوْجِيهُهُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَك أَنْ تَقُولَ إلَى آخِرِهِ لَيْسَ بِتَامٍّ. فَإِنَّ قَيْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَالِكٌ مُعْتَبَرٌ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ أَيْضًا. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْمَوَاتُ بِالْفَتْحِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَالْمَوَاتُ أَيْضًا الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْمُوَاتُ كَغُرَابٍ الْمَوْتُ وَكَسَحَابٍ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَأَرْضٌ لَا مَالِكَ لَهَا انْتَهَى. فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي الْكِتَابِ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ يَكُونُ تَفْسِيرًا بِالْأَعَمِّ أَيْضًا. لَا يُقَالُ: أَصْلُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلْمَوَاتِ مَا لَا رَوْحَ فِيهِ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ ثَانِيًا هُوَ مَعْنَاهُ الْعُرْفِيُّ أَوْ الشَّرْعِيُّ فَلَمْ يَكُنْ قَيْدُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَالِكٌ مُعْتَبَرًا فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. لِأَنَّا نَقُولُ: الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ مَعْنَى اللَّفْظِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ بِلَا إضَافَةٍ إلَى الْعُرْفِ أَوْ الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، سِيَّمَا مِنْ قَيْدٍ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ فِي الصِّحَاحِ: وَالْمَوَاتُ أَيْضًا الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَلْ كَانَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ أَوَّلًا. فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا لَا رَوْحَ
[ ١٠ / ٦٩ ]
﵀ اعْتَمَدَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ (ثُمَّ مَنْ أَحْيَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: يَمْلِكُهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ فَيَمْلِكُهُ كَمَا فِي الْحَطَبِ وَالصَّيْدِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ نَفْسُ إمَامِهِ بِهِ» وَمَا رَوَيَاهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذْنٌ لِقَوْمٍ لَا نَصْبٌ لِشَرْعٍ، وَلِأَنَّهُ مَغْنُومٌ لِوُصُولِهِ إلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ كَمَا فِي سَائِرِ
فِيهِ أَعَمُّ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا بَلْ مِنْ مُطْلَقِ الْأَرْضِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي الْكِتَابِ عَلَى تَعْرِيفِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ يَكُونُ تَعْرِيفًا بِالْأَخَصِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَقَلَّ قُبْحًا مِنْ التَّعْرِيفِ بِالْأَعَمِّ، وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا يَظْهَرُ أَنَّهُ يُشْكِلُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَا: قَوْلُهُ الْمَوَاتُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ تَحْدِيدٌ لُغَوِيٌّ، وَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ أَشْيَاءُ أُخَرُ بَيَانُهَا فِي قَوْلِهِ فَمَا كَانَ عَادِيًا لَا مَالِكَ لَهُ أَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فِي الْإِسْلَامِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ الْقَرْيَةِ، بِحَيْثُ إذَا وَقَفَ إنْسَانٌ فِي أَقْصَى الْعَامِرِ فَصَاحَ لَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ فَهُوَ مَوَاتٌ انْتَهَى.
تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ نَفْسُ إمَامِهِ بِهِ») أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ اُعْتُبِرَ عُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَمْلِكَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الْأَمْلَاكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ مَعَ ظُهُورِ خِلَافِهِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَسْتَبِدُّ فِي التَّمْلِيكِ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إذْنِ الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ عُمُومُهُ لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا. فَإِنْ قُلْت: عُمُومُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. قُلْت: كَوْنُ التَّمْلِيكِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ فَيَلْزَمُ الْمُصَادَرَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ.
(قَوْلُهُ وَمَا رَوَيَاهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذْنٌ لِقَوْمٍ لَا نَصْبٌ لِشَرْعٍ) تَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا نَصْبُ الشَّرْعِ، وَالْآخَرُ إذْنٌ بِالشَّرْعِ. فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ» وَالْآخَرُ كَقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ» أَيْ لِلْإِمَامِ وِلَايَةٌ أَنْ يَأْذَنَ لِلْغَازِي بِهَذَا الْقَوْلِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إذْنًا لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ وَتَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ لَا نَصْبَ شَرْعٍ، فَكَذَلِكَ فِي يَوْمِنَا هَذَا مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَا يَكُونُ سَلْبُهُ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ بِهِ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مُفَسَّرٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فَكَانَ رَاجِحًا، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: مَا رَوَاهُ عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ. وَمَا رَوَيَاهُ لَمْ يُخَصَّ فَيَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى. قُلْت: مَا ذُكِرَ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا الِافْتِيَاتُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَالْحَطَبُ وَالْحَشِيشُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا عُمُومُ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَصِرْ مَخْصُوصًا، وَالْأَرْضُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ الْغَنَائِمِ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَإِيضَاعِ الرِّكَابِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فَكَانَ مَا قُلْنَا أَوْلَى انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَالْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ كَوْنَ مَا رَوَاهُ عَامًّا خَصَّ مِنْهُ الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ إنَّمَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْعَمَلِ بِمَا رَوَيَاهُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مِمَّا لَمْ يَخُصَّ أَنْ لَوْ خَصَّ الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ مِمَّا رَوَاهُ بِكَلَامٍ مَوْصُولٍ بِهِ، إذْ يَصِيرُ الْعَامُّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ حِينَئِذٍ ظَنِّيًّا كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَأَمَّا إذَا خُصَّ الْحَطَبُ
[ ١٠ / ٧٠ ]
الْغَنَائِمِ. وَيَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ إبْقَاءُ الْخَرَاجِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَاءِ. فَلَوْ أَحْيَاهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا فَزَرَعَهَا غَيْرُهُ فَقَدْ قِيلَ الثَّانِي أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلَكَ اسْتِغْلَالَهَا لَا رَقَبَتَهَا، فَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَوَّلَ يَنْزِعُهَا مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْإِحْيَاءِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ، إذْ الْإِضَافَةُ فِيهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ وَمِلْكُهُ لَا يَزُولُ بِالتَّرْكِ. وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ أَحَاطَ الْإِحْيَاءُ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَلَى التَّعَاقُبِ؛ فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ طَرِيقَ الْأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ لِتَعَيُّنِهَا لِتَطَرُّقِهِ وَقَصَدَ الرَّابِعُ إبْطَالَ حَقِّهِ.
قَالَ (وَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ)؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذْنُ الْإِمَامِ مِنْ شَرْطِهِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ كَمَا فِي سَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ حَتَّى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَصْلِنَا
وَالْحَشِيشُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ مَفْصُولٌ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُ أَوْلَوِيَّةُ الْعَمَلِ بِمَا رَوَيَاهُ، إذْ يَصِيرُ الْعَامُّ حِينَئِذٍ مَنْسُوخًا فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ وَيَصِيرُ قَطْعِيًّا فِي الْبَاقِي كَسَائِرِ الْقَطْعِيَّاتِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَيْضًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَخْصِيصَ الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ مِمَّا رَوَاهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ مَوْصُولٍ بِهِ، بَلْ إنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ آخَرُ مَفْصُولٌ عَنْهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ مُطْلَقًا مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ الْإِمَامَانِ فِي الْأَرْضِ الْمَوَاتِ، فَبِنَاءُ الْجَوَابِ عَلَيْهِ يُؤَدِّي إلَى الْمُصَادَرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يُؤَدِّي إلَى الْمُصَادَرَةِ لَوْ لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ الْغَنَائِمِ إلَخْ. قُلْنَا: كَوْنُهَا مِنْ الْغَنَائِمِ دَلِيلٌ آخَرُ عَقْلِيٌّ لِأَبِي حَنِيفَةَ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ بَعْدَهُ، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي تَمْشِيَةِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، فَبِالْمَصِيرِ إلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ هُنَا يَلْزَمُ خَلْطُ الدَّلِيلَيْنِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ (قَوْلُهُ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ) أَقُولُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ مُسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ، وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ دُونَ الذِّمِّيِّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَوَّلَ يَنْزِعُهَا مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْإِحْيَاءِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ، إذْ الْإِضَافَةُ فِيهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ وَمِلْكُهُ لَا يَزُولُ بِالتَّرْكِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَذْهَبِهِمَا صَحِيحٌ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى كَوْنِهِ إذْنًا لَا شَرْعًا فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ إذْنًا لَكِنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ كَانَ شَرْعًا؛ أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لَهُ الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ مَلَكَ سَلْبَ مَنْ قَتَلَهُ انْتَهَى.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِوُجُودِ دَلَالَةِ التَّمْلِيكِ فِي لَفْظِ الْإِمَامِ هُنَا، بِخِلَافِ الْإِذْنِ فِي الْإِحْيَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ انْتَهَى. أَقُولُ: الْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ لَامَ التَّمْلِيكِ مَذْكُورَةٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِي الْمَقَامَيْنِ، فَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَحْمُولًا عَلَى الْإِذْنِ فَجَعْلُ وُجُودِ لَفْظِ التَّمْلِيكِ
[ ١٠ / ٧١ ]
قَالَ (وَمَنْ حَجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يَعْمُرْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ أَخَذَهَا الْإِمَامُ وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى الْأَوَّلِ كَانَ لِيَعْمُرَهَا فَتَحْصُلُ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْعُشْرُ أَوْ الْخَرَاجُ. فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ يَدْفَعُ إلَى غَيْرِهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، وَلِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ لِيَمْلِكَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ إنَّمَا هُوَ الْعِمَارَةُ وَالتَّحْجِيرُ الْإِعْلَامُ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَهُ بِوَضْعِ الْأَحْجَارِ حَوْلَهُ أَوْ يُعَلِّمُونَهُ لِحَجْرِ غَيْرِهِمْ عَنْ إحْيَائِهِ فَبَقِيَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ كَمَا كَانَ هُوَ الصَّحِيحُ. وَإِنَّمَا شَرَطَ تَرْكَ ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَقٌّ. وَلِأَنَّهُ إذَا أَعْلَمَهُ لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى وَطَنِهِ وَزَمَانٍ يُهَيِّئُ أُمُورَهُ فِيهِ، ثُمَّ زَمَانٍ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى مَا يَحْجُرُهُ فَقَدَّرْنَاهُ بِثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا مِنْ السَّاعَاتِ وَالْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ لَا يَفِي بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَرَكَهَا. قَالُوا: هَذَا كُلُّهُ دِيَانَةً، فَأَمَّا إذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَلَكَهَا لِتَحَقُّقِ الْإِحْيَاءِ مِنْهُ دُونَ الْأَوَّلِ وَصَارَ كَالِاسْتِيَامِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَلَوْ فُعِلَ يَجُوزُ الْعَقْدُ. ثُمَّ التَّحْجِيرُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الْحَجَرِ بِأَنْ غَرَزَ حَوْلَهَا أَغْصَانًا يَابِسَةً أَوْ نَقَّى الْأَرْضَ وَأَحْرَقَ مَا فِيهَا مِنْ الشَّوْكِ أَوْ خَضَدَ مَا فِيهَا مِنْ الْحَشِيشِ أَوْ الشَّوْكِ، وَجَعَلَهَا حَوْلَهَا
شَرْطًا فِي إذْنِ الْإِمَامِ فِي أَحَدِ الْمَقَامَيْنِ دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّرْعِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ حَجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يَعْمُرْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ أَخَذَهَا الْإِمَامُ وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ التَّحْجِيرِ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُفِيدُ مِلْكًا مُؤَقَّتًا إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُفِيدُ. وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ هُوَ الصَّحِيحُ.
قِيلَ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا جَاءَ إنْسَانٌ آخَرُ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَحْيَاهُ، فَإِنَّهُ مَلَكَهُ عَلَى الثَّانِي وَلَمْ يَمْلِكْهُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁: لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ حَقٌّ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ. نَفْيُ الْحَقِّ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَيَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَالْحَقُّ الْكَامِلُ هُوَ الْمِلْكُ، وَوَجْهُ الصَّحِيحِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَأَجَابَ حَيْثُ قَالَ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَدَلَّ عَلَى التَّرْكِ سِنِينَ بِهَذَا الطَّرِيقِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ لَيْسَ بِالْحَدِيثِ بَلْ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى. أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الْحَقِّ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِالْحَدِيثِ بَلْ بِالْإِجْمَاعِ لَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِنَّمَا شَرَطَ تَرْكَ ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَقٌّ، فَإِنَّ حَاصِلَهُ الِاسْتِدْلَال بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْمُتَحَجِّرِ قَبْلَ ثَلَاثِ سِنِينَ، إذْ هُوَ الْمُقْتَضِي اشْتِرَاطَ تَرْكِ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَمَدَارُ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ بِمَفْهُومِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِتَامٍّ لِعَدَمِ كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً عِنْدَنَا فَلَا يَدْفَعُهُ الْجَوَابُ الْمَزْبُورُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى الْأَوَّلِ كَانَ لِيَعْمُرَهَا فَتَحْصُلُ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَدِيثِ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ يَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ تَمَّ هَذَا التَّعْلِيلُ لَاقْتَضَى أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ وَيَدْفَعَهَا إلَى الْغَيْرِ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ أَيْضًا إذَا لَمْ يَزْرَعْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ تَحْصِيلًا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْعُشْرُ أَوْ الْخَرَاجُ وَتَخْلِيصًا لَهَا عَنْ التَّعْطِيلِ. فَإِنْ قُلْت: يَمْلِكُهَا الْإِنْسَانُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَا يَمْلِكُهَا بِمُجَرَّدِ التَّحْجِيرِ بَلْ يَصِيرُ أَحَقَّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا مِنْ الْغَيْرِ، وَالْإِمَامُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ مَمْلُوكَ أَحَدٍ إلَى غَيْرِهِ لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَ مَمْلُوكِ الْيَدِ لِذَلِكَ.
قُلْت: فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ
[ ١٠ / ٧٢ ]
وَجَعَلَ التُّرَابَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتِمَّ الْمُسَنَّاةَ لِيَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ، أَوْ حَفَرَ مِنْ بِئْرٍ ذِرَاعًا أَوْ ذِرَاعَيْنِ، وَفِي الْأَخِيرِ وَرَدَ الْخَبَرُ. وَلَوْ كَرَبَهَا وَسَقَاهَا فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إحْيَاءٌ، وَلَوْ فَعَلَ أَحَدَهُمَا يَكُونُ تَحْجِيرًا، وَلَوْ حَفَرَ أَنْهَارَهَا وَلَمْ يَسْقِهَا يَكُونُ تَحْجِيرًا، وَإِنْ سَقَاهَا مَعَ حَفْرِ الْأَنْهَارِ كَانَ إحْيَاءً لِوُجُودِ الْفِعْلَيْنِ، وَلَوْ حَوَّطَهَا أَوْ سَنَّمَهَا بِحَيْثُ يَعْصِمُ الْمَاءَ يَكُونُ إحْيَاءً؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْبِنَاءِ، وَكَذَا إذَا بَذَرَهَا.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَيُتْرَكُ مَرْعًى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ) لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا حَقِيقَةً أَوْ دَلَالَةً عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ وَالنَّهْرِ. عَلَى هَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مَا لَا غِنًى بِالْمُسْلِمِينَ عَنْهُ كَالْمِلْحِ وَالْآبَارِ الَّتِي يَسْتَقِي النَّاسُ مِنْهَا لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ (وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي بَرِّيَّةٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا) وَمَعْنَاهُ إذَا حَفَرَ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ عِنْدَهُ أَوْ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ إحْيَاءٌ. قَالَ (فَإِنْ كَانَتْ لِلْعَطَنِ فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» ثُمَّ قِيلَ: الْأَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ فِي الْأَرَاضِيِ رَخْوَةً وَيَتَحَوَّلُ الْمَاءُ
بِإِحْيَاءٍ لِيَمْلِكَهُ بِهِ فَلَا يَكُونُ التَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ مُفِيدًا لِلْمُدَّعِي بِدُونِ الثَّانِي مَعَ أَنَّ أُسْلُوبَ تَحْرِيرِهِ يَأْبَى ذَلِكَ كَمَا تَرَى
(قَوْلُهُ لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا حَقِيقَةً أَوْ دَلَالَةً عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) قَالَ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ فِي حَلِّ هَذَا التَّعْلِيلِ: لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا حَقِيقَةً: أَيْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، أَوْ دَلَالَةً: أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ قَوْلَهُ وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ انْقِطَاعَ ارْتِفَاقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَنْهَا حَقِيقَةً إلَخْ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ، أَقُولُ: لَمْ يُصِبْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي حَمْلِهِمْ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ الْمَزْبُورِ مَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ: وَالْبُعْدُ عَنْ الْقَرْيَةِ عَلَى مَا قَالَ شَرَطَهُ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْقَرْيَةِ لَا يَنْقَطِعُ ارْتِفَاقُ أَهْلِهَا عَنْهُ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ انْقِطَاعَ ارْتِفَاقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَنْهَا حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْقَرْيَةِ انْتَهَى. إذْ يَصِيرُ قَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ حِينَئِذٍ نَاظِرًا إلَى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا حَقِيقَةً أَوْ دَلَالَةً فَيَحْسُنُ، وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ الْمَزْبُورُ نَاظِرًا إلَى قَوْلِهِ لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا حَقِيقَةً فَقَطْ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الرَّكَاكَةِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي إذْ ذَاكَ أَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ دَلَالَةً كَمَا لَا يُشْتَبَهُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقْصِرَ حَوَالَةَ الْبَيَانِ عَلَى صُورَةِ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا مَعَ مُرُورِ بَيَانِ صُورَةِ دَلَالَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا أَيْضًا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي الْأَرَاضِيِ رَخْوَةً وَيَتَحَوَّلُ الْمَاءُ
[ ١٠ / ٧٣ ]
إلَى مَا حُفِرَ دُونَهَا (وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّاضِحِ فَحَرِيمُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَهَذَا عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) لَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ. وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا» وَلِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَنْ يُسَيِّرَ دَابَّتَهُ لِلِاسْتِقَاءِ، وَقَدْ يَطُولُ الرِّشَاءُ وَبِئْرُ الْعَطَنِ لِلِاسْتِقَاءِ مِنْهُ بِيَدِهِ فَقَلَّتْ الْحَاجَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفَاوُتِ. وَلَهُ مَا رَوَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَالْعَامُّ الْمُتَّفَقُ عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ
إلَى مَا حُفِرَ دُونَهَا) أَقُولُ: كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: فَيَتَحَوَّلُ الْمَاءُ بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ تَحَوُّلِ الْمَاءِ إلَى مَا حُفِرَ دُونَهَا إنَّمَا هُوَ رَخْوَةُ الْأَرَاضِيِ لَا غَيْرُ، إذْ لَوْ كَانَتْ فِيهَا صَلَابَةٌ لَمْ يَتَحَوَّلْ الْمَاءُ إلَى مَا حُفِرَ دُونَهَا قَطْعًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَاةِ التَّفْرِيعِ.
ثُمَّ أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ التَّعْلِيلَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَكَيْفَ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِمَا ذَكَرَهُ عَلَى كَوْنِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَرِيمِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الْبِئْرِ، وَالضَّرَرُ لَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِعَشْرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لَزِمَهُ الْحَرَجُ وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ، فَكَانَ مَآلُ هَذَا التَّعْلِيلِ هُوَ الِاسْتِدْلَال بِالنَّصِّ الدَّالِّ عَلَى دَفْعِ الْحَرَجِ، وَقَدْ اكْتَفَى فِيهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الضَّرَرِ الْمُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ، وَيُرْشِدُك إلَيْهِ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الْبِئْرِ الْأَوَّلِ لِكَيْ لَا يَحْفِرَ أَحَدٌ فِي حَرِيمِهِ بِئْرًا أُخْرَى فَيَتَحَوَّلَ إلَيْهَا مَاءُ بِئْرِهِ، وَهَذَا الضَّرَرُ لَا يَنْدَفِعُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَإِنَّ الْأَرَاضِيَ تَخْتَلِفُ صَلَابَةً وَرَخَاوَةً، فَرُبَّمَا يَحْفِرُ بِحَرِيمِهِ أَحَدٌ بِئْرًا أُخْرَى فَيَتَحَوَّلُ مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى إلَيْهِ فَيَتَعَطَّلُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ بِئْرِهِ، وَفِي مِقْدَارِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يَنْدَفِعُ هَذَا الضَّرَرُ بِيَقِينٍ انْتَهَى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَهُ مَا رَوَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَالْعَامُّ الْمُتَّفَقُ عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ) يُرِيدُ بِقَوْلِهِ مَا رَوَيْنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» وَبِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ: أَيْ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعَطَنِ وَالنَّاضِحِ، وَيُرِيدُ بِالْعَامِّ الْمُتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» وَبِقَوْلِهِ أَوْلَى عِنْدَهُ، أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَيُرِيدُ بِالْخَاصِّ الْمُخْتَلَفَ فِي قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ «حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا» كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا.
أَقُولُ: هَذَا الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ عَيْنًا، فَإِنَّ حَرِيمَهَا خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ أَنَّ مَا رَوَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» لَا يُفَصِّلُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنَّ كَوْنَ الْعَامِّ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَرِيمُهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا عِنْدَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ،
[ ١٠ / ٧٤ ]
أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْحَفْرِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ بِهِ، فَفِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَانِ تَرَكْنَاهُ وَفِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ حَفِظْنَاهُ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَقَى مِنْ الْعَطَنِ بِالنَّاضِحِ وَمِنْ بِئْرِ النَّاضِحِ بِالْيَدِ فَاسْتَوَتْ الْحَاجَةُ فِيهِمَا، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُدْبِرَ الْبَعِيرَ حَوْلَ الْبِئْرِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى زِيَادَةِ مَسَافَةٍ: قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَحَرِيمُهَا خَمْسمِائَةِ ذِرَاعٍ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ فِيهِ إلَى زِيَادَةِ مَسَافَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تُسْتَخْرَجُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ وَمِنْ حَوْضٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ.
وَمِنْ مَوْضِعٍ يُجْرَى فِيهِ إلَى الْمَزْرَعَةِ فَلِهَذَا يُقَدَّرُ بِالزِّيَادَةِ، وَالتَّقْدِيرُ بِخَمْسِمِائَةٍ بِالتَّوْقِيفِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَطَنِ، وَالذِّرَاعُ هِيَ الْمُكَسَّرَةُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْحَفْرِ وَالِاسْتِحْقَاقُ بِهِ فَفِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَانِ تَرَكْنَاهُ، وَفِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ حَفِظْنَاهُ) يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ اتَّفَقَا فِي الْأَرْبَعِينَ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ، وَفِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ تَعَارَضَا، لِأَنَّ الْعَامَّ يَنْفِيهِ، وَالْخَاصَّ يُثْبِتُهُ فَتَسَاقَطَا فَعَمِلْنَا بِالْقِيَاسِ، كَذَا فِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمُتَعَارِضَيْنِ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ إنَّمَا يَتَسَاقَطَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا رُجْحَانٌ عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا رُجْحَانٌ عَلَى الْآخَرِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَتَرْكُ الْآخَرِ، وَالْأَمْرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ إنَّمَا يَنْفِي مَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ يَنْفِي ذَلِكَ بِمَنْطُوقِهِ فَإِنَّمَا يَنْفِيهِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ، وَالْخَاصُّ يُثْبِتُهُ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ تُرَجَّحُ عَلَى إشَارَتِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ فَلَزِمَ أَنْ لَا يَسْقُطَ الْخَاصُّ بَلْ وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَيُتْرَكَ الْقِيَاسُ لِظُهُورِ أَنْ يُتْرَكَ الْقِيَاسُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ. قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَتَعَارَضَانِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَبُولَ فِي أَحَدِهِمَا وَالِاخْتِلَافَ فِي الْآخَرِ؟ قُلْت: يَعْنِي بِهِ صُورَةَ الْمُعَارَضَةِ، كَمَا يُقَالُ إذَا تَعَارَضَ الْمَشْهُورُ مَعَ خَبَرِ الْوَاحِدِ تَرَجَّحَ الْمَشْهُورُ وَعَدَمُ التَّعَارُضِ مَعْلُومٌ انْتَهَى.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: الْجَوَابُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِتَعَارُضِهِمَا هَاهُنَا صُورَةَ التَّعَارُضِ الَّتِي لَا تُنَافِي رُجْحَانَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَمَا تَمَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَفِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ حَفِظْنَاهُ. وَلَمَّا صَحَّ قَوْلُهُمْ فِي شَرْحِ ذَلِكَ وَفِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ تَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا فَعَمِلْنَا بِالْقِيَاسِ، إذْ التَّسَاقُطُ وَالْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِيقَةِ التَّعَارُضِ بِأَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْقُوَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُخَلِّصُ. وَأَمَّا فِي صُورَةِ التَّعَارُضِ مَعَ رُجْحَانِ أَحَدِهَا عَلَى الْآخَرِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَتَرْكُ الْآخَرِ وَالْقِيَاسِ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. ثُمَّ أَقُولُ: الظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: مَدَارُ هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى التَّنْزِيلِ عَمَّا ذُكِرَ فِي الدَّلِيلِ السَّابِقِ مِنْ كَوْنِ الْعَامِّ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ: يَعْنِي لَوْ سُلِّمَ عَدَمُ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَتَسَاقُطُهُمَا فِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ، وَهُوَ مَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ حَفِظْنَا الْقِيَاسَ فِيهِ وَهُوَ يَكْفِينَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَأَمَّلْ تُرْشَدْ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِي مِنْ بِئْرِ الْعَطَنِ بِالنَّاضِحِ وَمِنْ بِئْرِ النَّاضِحِ بِالْيَدِ فَاسْتَوَتْ الْحَاجَةُ فِيهِمَا)
[ ١٠ / ٧٥ ]
وَقِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَرَاضِيهِمْ لِصَلَابَةٍ بِهَا وَفِي أَرَاضِيِنَا رَخَاوَةٌ فَيُزَادُ كَيْ لَا يَتَحَوَّلَ الْمَاءُ إلَى الثَّانِي فَيَتَعَطَّلَ الْأَوَّلُ. قَالَ (فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا مُنِعَ مِنْهُ) كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ حَقِّهِ وَالْإِخْلَالِ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِالْحَفْرِ مَلَكَ الْحَرِيمَ ضَرُورَةً تُمَكِّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ؛ فَإِنْ احْتَفَرَ آخَرُ بِئْرًا فِي حَرِيمِ الْأَوَّلِ لِلْأَوَّلِ أَنْ يُصْلِحَهُ وَيَكْبِسَهُ تَبَرُّعًا، وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ الثَّانِي فِيهِ قِيلَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَكْبِسَهُ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ جِنَايَةِ حَفْرِهِ بِهِ كَمَا فِي الْكُنَاسَةِ يُلْقِيهَا فِي دَارِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِرَفْعِهَا، وَقِيلَ يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ ثُمَّ يَكْبِسُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا إذَا هَدَمَ جِدَارَ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ.
وَذَكَرَ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ، وَمَا عَطِبَ فِي الْأَوَّلِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ عِنْدَهُمَا. وَالْعُذْرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَعَلَ فِي الْحَفْرِ تَحْجِيرًا وَهُوَ بِسَبِيلٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ بِدُونِهِ، وَمَا عَطِبَ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ حَيْثُ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنْ حَفَرَ الثَّانِي بِئْرًا وَرَاءِ حَرِيمِ الْأَوَّلِ فَذَهَبَ مَاءُ الْبِئْرِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي حَفْرِهَا، وَلِلثَّانِي الْحَرِيمُ مِنْ الْجَوَانِبِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْجَانِبِ الْأَوَّلِ لِسَبْقِ مِلْكِ الْحَافِرِ الْأَوَّلِ فِيهِ
(وَالْقَنَاةُ لَهَا حَرِيمٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا) وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَرِيمِ. وَقِيلَ هُوَ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَهُ لَا حَرِيمَ لَهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ نَهْرٌ فِي التَّحْقِيقِ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّهْرِ الظَّاهِرِ. قَالُوا: وَعِنْدَ ظُهُورِ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ فَوَّارَةٍ فَيُقَدَّرُ حَرِيمُهُ بِخَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ (وَالشَّجَرَةُ تُغْرَسُ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَهَا حَرِيمٌ أَيْضًا حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرًا فِي حَرِيمِهَا)؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى حَرِيمٍ لَهُ يَجِدُ فِيهِ ثَمَرَهُ وَيَضَعُهُ فِيهِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، بِهِ وَرَدَ الْحَدِيثُ.
قَالَ (وَمَا تَرَكَ الْفُرَاتُ أَوْ الدِّجْلَةُ وَعَدَلَ عَنْهُ الْمَاءُ وَيَجُوزُ عَوْدُهُ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ) لِحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى كَوْنِهِ نَهْرًا (وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ، لِأَنَّ قَهْرَ
أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ بِئْرِ الْعَطَنِ مَا يُسْتَقَى مِنْهُ بِالْيَدِ، وَمِنْ بِئْرِ النَّاضِحِ مَا يُسْتَقَى مِنْهُ بِالْبَعِيرِ فَكَيْفَ يَتِمُّ أَنْ يُقَالَ: قَدْ يُسْتَقَى مِنْ بِئْرِ الْعَطَنِ بِالنَّاضِحِ وَمِنْ بِئْرِ النَّاضِحِ بِالْيَدِ، وَلَئِنْ سَلِمَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى النُّدْرَةِ فَكَيْفَ يَتِمُّ أَنْ يُقَالَ: فَاسْتَوَتْ الْحَاجَةُ فِيهِمَا (قَوْلُهُ وَقِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَرَاضِيهِمْ لِصَلَابَةٍ بِهَا وَفِي أَرَاضِيِنَا رَخَاوَةٌ فَيُزَادُ كَيْ لَا يَتَحَوَّلَ الْمَاءُ إلَى الثَّانِي فَيَتَعَطَّلَ الْأَوَّلُ) أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ، إذْ الْمَقَادِيرُ مِمَّا لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلرَّأْيِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا مَدَارُهَا النَّصُّ مِنْ الشَّارِعِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وَاَلَّذِي ثَبَتَ بِالنَّصِّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَا ذُكِرَ فِيمَا قَبْلُ لَا غَيْرُ، فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالرَّأْيِ فِيمَا هُوَ مِنْ الْمَقَادِيرِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ (قَوْلُهُ وَمَا عَطِبَ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ حَيْثُ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) أَقُولُ: فِي التَّعْلِيلِ قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا حَفَرَ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْحَفْرَ هُنَاكَ تَحْجِيرًا كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَبِمُجَرَّدِ التَّحْجِيرِ لَا تَصِيرُ الْبِئْرُ الْأُولَى وَلَا حَرِيمُهَا مِلْكًا لِلْمُحَجِّرِ فَلَا يَصْدُقُ هُنَاكَ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ يُقَالَ إنَّ الثَّانِيَ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ حَيْثُ حَفَرَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِالتَّحْجِيرِ كَمَا يَثْبُتُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَقْدِرُ
[ ١٠ / ٧٦ ]
الْمَاءِ يَدْفَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ وَهُوَ الْيَوْمَ فِي يَدِ الْإِمَامِ.
قَالَ (وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَا: لَهُ مُسْنَاةُ النَّهْرِ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ) قِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ حَفَرَ نَهْرًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَرِيمَ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ النَّهْرَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْحَرِيمِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَشْيِ لِتَسْيِيلِ الْمَاءِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَادَةً فِي بَطْنِ النَّهْرِ وَإِلَى إلْقَاءِ الطِّينِ، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّقْلُ إلَى مَكَان بَعِيدٍ إلَّا بِحَرَجٍ فَيَكُونُ لَهُ الْحَرِيمُ اعْتِبَارًا بِالْبِئْرِ. وَلَهُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَفِي الْبِئْرِ عَرَفْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْحَرِيمِ فِيهِ فَوْقَهَا إلَيْهِ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمَاءِ فِي النَّهْرِ مُمْكِنٌ بِدُونِ الْحَرِيمِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي الْبِئْرِ إلَّا بِالِاسْتِقَاءِ وَلَا اسْتِقَاءَ إلَّا بِالْحَرِيمِ فَتَعَذَّرَ الْإِلْحَاقُ.
وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ الْحَرِيمِ تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا تَبَعًا لِلنَّهْرِ، وَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَبِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ تَنْعَدِمُ الْيَدُ، وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً مُبْتَدَأَةً فَلَهُمَا أَنَّ الْحَرِيمَ فِي يَدِ صَاحِبِ النَّهْرِ بِاسْتِمْسَاكِهِ الْمَاءَ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ نَقْضَهُ.
وَلَهُ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْأَرْضِ صُورَةً وَمَعْنًى، أَمَّا صُورَةً فَلِاسْتِوَائِهِمَا، وَمَعْنًى مِنْ حَيْثُ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْغَرْسِ وَالزِّرَاعَةِ، وَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِمَنْ فِي يَدِهِ مَا هُوَ أَشْبَهُ بِهِ.
الْإِمَامُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْمُحَجِّرِ وَيَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ إلَّا إذَا حَجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يَعْمُرْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ كَمَا مَرَّ فَيَتَمَشَّى التَّعْلِيلُ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا عَلَى أَصْلِ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْأَرْضِ صُورَةً وَمَعْنًى، أَمَّا صُورَةً فَلِاسْتِوَائِهِمَا، وَمَعْنًى مِنْ حَيْثُ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْغَرْسِ وَالزِّرَاعَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَوْلُهُ لِاسْتِوَائِهِمَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمُسَنَّاةُ مُرْتَفِعَةً عَنْ الْأَرْضِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُسَنَّاةُ أَرْفَعَ مِنْ الْأَرْضِ فَهِيَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ارْتِفَاعَهُ لِإِلْقَاءِ طِينِهِ انْتَهَى.
وَتَبِعَهُ
[ ١٠ / ٧٧ ]
كَاثْنَيْنِ تَنَازَعَا فِي مِصْرَاعِ بَابٍ لَيْسَ فِي يَدِهِمَا، وَالْمِصْرَاعُ الْآخَرُ مُعَلَّقٌ عَلَى بَابِ أَحَدِهِمَا يُقْضَى لِلَّذِي فِي يَدِهِ مَا هُوَ أَشْبَهُ بِالْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَالْقَضَاءُ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ قَضَاءُ تَرْكٍ، وَلَا نِزَاعَ فِيمَا بِهِ اسْتِمْسَاكُ الْمَاءِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا وَرَاءَهُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْغَرْسِ، عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مُسْتَمْسِكًا بِهِ مَاءُ نَهْرِهِ فَالْآخَرُ دَافِعٌ بِهِ الْمَاءَ عَنْ أَرْضِهِ، وَالْمَانِعُ مِنْ نَقْضِهِ تَعَلُّقُ حَقِّ صَاحِبِ النَّهْرِ لَا مِلْكُهُ. كَالْحَائِطِ لِرَجُلٍ وَلِآخَرَ عَلَيْهِ جُذُوعٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِهِ وَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَهْرٌ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ مُسَنَّاةٌ وَلِآخَرَ خَلْفَ الْمُسَنَّاةِ أَرْضٌ تَلْزَقُهَا، وَلَيْسَتْ الْمُسَنَّاةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ). وَقَالَا: هِيَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَرِيمًا لِمُلْقَى طِينِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ وَلَيْسَتْ الْمُسَنَّاةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مَعْنَاهُ: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ غَرْسٌ وَلَا طِينٌ مُلْقًى فَيَنْكَشِفُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، أَمَّا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَصَاحِبُ الشُّغْلِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَرْسٌ لَا يُدْرَى مَنْ غَرَسَهُ فَهُوَ مِنْ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ أَيْضًا.
وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ وِلَايَةَ الْغَرْسِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لِصَاحِبِ النَّهْرِ. وَأَمَّا إلْقَاءُ الطِّينِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَقِيلَ إنَّ لِصَاحِبِ النَّهْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْحِشْ. وَأَمَّا الْمُرُورُ فَقَدْ قِيلَ يُمْنَعُ صَاحِبُ النَّهْرِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ لَا يُمْنَعُ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: آخُذُ بِقَوْلِهِ فِي الْغَرْسِ وَبِقَوْلِهِمَا فِي إلْقَاءِ الطِّينِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ حَرِيمَهُ مِقْدَارُ نِصْفِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِقْدَارُ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَهَذَا أَرْفَقُ بِالنَّاسِ.
الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَرْحٍ سَدِيدٍ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِاسْتِوَائِهِمَا فِي قَوْلِهِ صُورَةً لِاسْتِوَائِهِمَا اسْتِوَاءَهُمَا فِي الِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ: أَيْ الِاسْتِوَاءَ الْمَكَانِيَّ. وَلَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الِاسْتِوَاءُ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَرْضِيَّةِ. كَيْفَ لَا وَالِاسْتِوَاءُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَدْ يَتَحَقَّقُ بَيْنَ النَّهْرِ وَالْحَرِيمِ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَيْك، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَاخْتَلَّ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ تَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ وِلَايَةَ الْغَرْسِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لِصَاحِبِ النَّهْرِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ. إذْ لَا يَظْهَرُ كَوْنُ مَا ذَكَرَهُ ثَمَرَةً لِمَا تَقَدَّمَهُ، بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ الْعَكْسَ انْتَهَى. أَقُولُ: لَا وَجْهَ لِكَلَامِهِ هَذَا أَصْلًا فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَرِيمٌ عِنْدَهُ بَلْ كَانَ طَرَفَا النَّهْرِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَكَانَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَرِيمٌ عِنْدَهُمَا ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ وِلَايَةَ الْغَرْسِ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الْحَرِيمِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَهُ وَلِصَاحِبِ النَّهْرِ عِنْدَهُمَا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ وِلَايَةَ الْغَرْسِ فِي مَوْضِعٍ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ، فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْقَائِلِ.
[ ١٠ / ٧٨ ]