أَنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا. ثُمَّ قَالَ: وَفِي فَتَاوَى الصُّغْرَى: رَجُلٌ أَتْلَفَ شِرْبَ رَجُلٍ بِأَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِشِرْبِ غَيْرِهِ، قَالَ الْإِمَامُ الْبَزْدَوِيُّ: ضَمِنَ، وَقَالَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ: لَا يَضْمَنُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى انْتَهَى.
وَأَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْكَافِي أَيْضًا هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ شِرْبَ إنْسَانٍ بِأَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ لَا يَضْمَنُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَإِنْ اخْتَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَضْمَنُ انْتَهَى.
قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: ذَكَرَ الْأَشْرِبَةَ بَعْدَ الشُّرْبِ لِأَنَّهُمَا شُعْبَتَا عِرْقٍ وَاحِد لَفْظًا وَمَعْنَى، وَقَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَلَّ مُرَادِهِمْ
[ ١٠ / ٨٨ ]
سُمِّيَ بِهَا وَهِيَ جَمْعُ شَرَابٍ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهَا
قَالَ (الْأَشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ أَرْبَعَةٌ: الْخَمْرُ وَهِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، وَالْعَصِيرُ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ) وَهُوَ الطِّلَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَهُوَ السَّكَرُ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى)
أَمَّا الْخَمْرُ فَالْكَلَامُ فِيهَا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ:
بِعِرْقٍ وَاحِدٍ لَفْظًا وَمَعْنًى فَقَالَ: الْعِرْقُ اللَّفْظِيُّ ظَاهِرٌ وَهُوَ الشُّرْبُ مَصْدَرُ شَرِبَ، وَالْعِرْقُ الْمَعْنَوِيُّ لَعَلَّهُ الْأَرْضُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَخْرُجُ مِنْهُ إمَّا بِالْوَاسِطَةِ أَوْ بِدُونِهَا انْتَهَى. أَقُولُ: حُمِلَ مُرَادُهُمْ بِالْعِرْقِ الْمَعْنَوِيِّ هَاهُنَا عَلَى الْأَرْضِ بِنَاءً عَلَى خُرُوجِ الشُّرْبِ مِنْهَا بِالذَّاتِ، وَخُرُوجُ الْأَشْرِبَةِ مِنْهَا بِالْوَاسِطَةِ تَعَسُّفٌ جِدًّا لَا تَقْبَلُهُ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْعِرْقِ الْمَعْنَوِيِّ هَاهُنَا هُوَ مَعْنَى لَفْظِ الشُّرْبِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ شَرِبَ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ الْمَصْدَرِ، وَلَا بُدَّ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْمُشْتَقِّ وَالْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى؛ وَهَاهُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِمَا شُعْبَتَيْ عِرْقٍ وَاحِدٍ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: ذَكَرَ كِتَابَ الْأَشْرِبَةِ بَعْدَ الشُّرْبِ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الِاشْتِقَاقِ وَهُوَ اشْتِرَاكُ اللَّفْظَيْنِ فِي الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ وَالْحُرُوفِ وَالْأُصُولِ اهـ. ثُمَّ إنَّ مِنْ مَحَاسِنِ ذِكْرِ الْأَشْرِبَةِ بَيَانَ حُرْمَتِهَا؛ إذْ لَا شُبْهَةَ فِي حُسْنِ تَحْرِيمِ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ الَّذِي هُوَ مَلَاكُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشُكْرِ إنْعَامِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُهُ حَلَّ لِلْأُمَمِ السَّابِقَةِ مَعَ احْتِيَاجِهِمْ أَيْضًا إلَى الْعَقْلِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، وَحُرِّمَ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْ الْخَمْرِ عَلَيْنَا كَرَامَةً لَنَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِئَلَّا نَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ بِأَنْ يَدْعُوَ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْهَا إلَى شُرْبِ الْكَثِيرِ وَنَحْنُ مَشْهُودٌ لَنَا بِالْخَيْرِيَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا حُرِّمَتْ عَلَيْنَا ابْتِدَاءً، وَالدَّاعِي الْمَذْكُورُ مَوْجُودٌ؟ أُجِيبَ إمَّا بِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْخَيْرِيَّةِ لَمْ تَكُنْ إذْ ذَاكَ، وَإِمَّا لِتَدْرِيجِ الضَّارِي لِئَلَّا يَنْفِرَ مِنْ الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ وَجْهَيْ الْجَوَابِ الثَّانِي نَظَرٌ. أَمَّا فِي وَجْهِهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْخَيْرِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّ نَفْسَ خَيْرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَتْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي الْكَرَامَةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
وَأَمَّا فِي وَجْهِهِ الثَّانِي فَلِأَنَّ نُفْرَةَ الضَّارِي بِالْخَمْرِ: أَيْ الْمُعْتَادِ بِهَا مِنْ الْإِسْلَامِ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ يُوجَدُ بِتَحْرِيمِهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، فَإِنَّهَا إذَا لَمْ تُحَرَّمْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ الضَّارِي بِهَا عَلَى حَالِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا، فَإِذَا حَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَنْفِرَ عَنْهُ عَلَى مُقْتَضَى صُعُوبَةِ تَرْكِ الْمُعْتَادِ، وَأَيْضًا احْتِمَالُ كَوْنِ الِاعْتِيَادِ بِخَبِيثٍ بَاعِثًا عَلَى التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ عِنْدَ النَّهْيِ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ الْخَبِيثِ مُتَحَقِّقٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ ظُهُورِ شَرَفِ الْإِسْلَامِ فَهَاهُنَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَالْوَجْهُ الْوَجِيهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ؟ قُلْنَا: أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَايَنَ الْفَسَادُ فِي الْخَمْرِ، حَتَّى إذَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ عَرَفُوا مِنَّة الْحَقَّ لَدَيْهِمْ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ انْتَهَى (قَوْلُهُ سُمِّيَ بِهَا وَهِيَ جَمْعُ شَرَابٍ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهَا) يَعْنِي سُمِّيَ
[ ١٠ / ٨٩ ]
أَحَدُهَا فِي بَيَانِ مَائِيَّتِهَا وَهِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا وَهَذَا عِنْدَنَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»: وَقَوْلُهُ ﵊ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» وَأَشَارَ إلَى الْكَرْمَةِ وَالنَّخْلَةِ، وَلِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ
وَلَنَا أَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ بِإِطْبَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِهَذَا اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ غَيْرُهُ،
هَذَا الْكِتَابُ بِالْأَشْرِبَةِ: أَيْ أُضِيفَ إلَيْهَا، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ جَمْعُ شَرَابٍ، وَهُوَ اسْمٌ فِي اللُّغَةِ لِكُلِّ مَا يُشْرَبُ مِنْ الْمَائِعَاتِ سَوَاءٌ كَانَ حَرَامًا أَوْ حَلَالًا، وَفِي اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا هُوَ حَرَامٌ مِنْهُ وَكَانَ مُسْكِرًا لِمَا فِيهِ: أَيْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهَا: أَيْ حُكْمِ الْأَشْرِبَةِ كَمَا سُمِّيَ كِتَابَ الْحُدُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْحُدُودِ، وَكَمَا سُمِّيَ كِتَابُ الْبُيُوعِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْبُيُوعِ، هَذَا زُبْدَةُ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا فِي جُمْلَةِ الشُّرُوحِ وَالْكَافِي مَعَ نَوْعِ زِيَادَةٍ فِي حَلِّ الْأَلْفَاظِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهَا: أَيْ بَيَانِ حُكْمِ أَنْوَاعِهَا، وَقَالَ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ تَمْهِيدُ الْعُذْرِ لِعِنْوَانِهِ الْكِتَابَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ: يَعْنِي إنَّمَا عَنْوَنَ بِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ أَحْكَامِ أَنْوَاعِهَا كَمَا فِي الْبُيُوعِ، أَوْ لِإِضَافَةِ الْكِتَابِ إلَى الْأَعْيَانِ، وَالْفِقْهُ يَبْحَثُ عَنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَوَجْهُهُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْحُرْمَةُ هَا هُنَا وَصْفٌ لِلْأَعْيَانِ لَا لِلْأَفْعَالِ فَلِذَلِكَ عَنْوَنَ بِالْأَعْيَانِ وَيُعْلَمُ مِنْهُ حَالُ الْأَفْعَالِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ خُصُوصًا التَّلْوِيحَ فِي أَوَائِلِ الْقِسْمِ الثَّانِي، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَيْسَ لِتَوْجِيهِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِإِضَافَةِ الْكِتَابِ إلَى الْأَعْيَانِ مَعْنًى مُحَصَّلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْحُرْمَةُ هَا هُنَا وَصْفٌ لِلْأَعْيَانِ حَقِيقَةً لَا لِلْأَفْعَالِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ سِيَّمَا فِي التَّلْوِيحِ فِي أَوَائِلِ الْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ إضَافَةَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إلَى الْأَعْيَانِ كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْأُمَّهَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَجَازٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ، أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ حَرُمَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَنِكَاحُ الْأُمَّهَاتِ لِدَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى الْحَذْفِ، وَالْمَقْصُودُ الْأَظْهَرُ عَلَى تَعْيِينِ الْمَحْذُوفِ، وَأَمَّا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ إضَافَةُ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إلَى الْأَعْيَانِ حَقِيقَةً لِوَجْهَيْنِ مُفَصَّلَيْنِ فِي مَحَلِّهِ، إلَّا أَنَّ كَوْنَ إضَافَتِهِمَا إلَى الْأَفْعَالِ حَقِيقَةً مِمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ قَطُّ، بَلْ مَنْ يَقُولُ بِكَوْنِ إضَافَتِهِمَا إلَى الْأَعْيَانِ حَقِيقَةً إنَّمَا يَقِيسُ إضَافَتَهُمَا إلَى الْأَعْيَانِ عَلَى إضَافَتِهِمَا إلَى الْأَفْعَالِ فِي كَوْنِهَا حَقِيقَةً، وَيَسْتَمِدُّ بِذَلِكَ فِي تَوْجِيهِ مَذْهَبِهِ، فَلَا مَجَالَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُرْمَةَ وَصْفٌ لِلْأَعْيَانِ حَقِيقَةً لَا لِلْأَفْعَالِ عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْحُرْمَةَ هَا هُنَا وَصْفٌ لِلْأَعْيَانِ مَجَازًا لَا لِلْأَفْعَالِ لَا يَتِمُّ قَوْلُهُ فَلِذَلِكَ عَنْوَنَ بِالْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُرْمَةِ وَصْفًا لِلْأَعْيَانِ مَجَازًا لَا يَقْتَضِي أَنْ يُعَنْوِنَ الْكِتَابَ بِالْأَعْيَانِ، بَلْ رِعَايَةُ جَانِبِ الْحَقِيقَةِ فِي الْعِنْوَانِ أَوْلَى وَأَحْسَنُ بِلَا رَيْبٍ، فَكَانَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَنْوَنَ بِالْفِعْلِ بِأَنْ يُقَالَ كِتَابُ شُرْبِ الْأَشْرِبَةِ حَتَّى يُرَاعَى كَوْنُ الْفِقْهِ بَاحِثًا عَنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِلَا كُلْفَةٍ أَنْ يُقَالَ وَيُعْلَمَ مِنْهُ حَالُ الْأَفْعَالِ.
وَبِالْجُمْلَةِ تَوْجِيهُهُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَى كُلِّ حَالٍ
(قَوْلُهُ أَحَدُهَا فِي بَيَانِ مَاهِيَّتِهَا) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَائِيَّتِهَا بَدَلَ مَاهِيَّتِهَا.
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: الْمَائِيَّةُ بِمَعْنَى الْمَاهِيَّةِ، وَهِيَ مَا بِهِ الشَّيْءُ هُوَ كَمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَهِيَ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ انْتَهَى.
قُلْت: وَفِي نُسْخَةٍ مَائِيَّتِهَا هَا هُنَا إيهَامٌ لَطِيفٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ وَهِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ تَبَصَّرْ تَقِفْ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ بِإِطْبَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ) أَقُولُ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ إطْبَاقَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي قَامُوسِ اللُّغَةِ: الْخَمْرُ مَا أَسْكَرَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوْ عَامٍّ.
وَقَالَ: وَالْعُمُومُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ وَمَا بِالْمَدِينَةِ خَمْرُ عِنَبٍ.
وَمَا كَانَ شَرَابُهُمْ إلَّا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ انْتَهَى
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخَمْرَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ يَعُمُّ
[ ١٠ / ٩٠ ]
وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ وَهِيَ فِي غَيْرِهَا ظَنِّيَّةٌ،
مَاءَ الْعِنَبِ وَغَيْرَهُ، وَأَنَّ الْعُمُومَ أَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ وَهِيَ فِي غَيْرِهَا ظَنِّيَّةٌ) قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: بَيَانُهُ أَنَّ النِّيءَ الْمُسْكِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ خَمْرٌ قَطْعًا وَيَقِينًا لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُرْمَةُ الْقَطْعِيَّةُ، فَأَمَّا سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ فَفِي تَسْمِيَتِهَا خَمْرًا شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الِاخْتِلَافِ إيرَاثُ الشُّبْهَةِ فَكَيْفَ تَتَرَتَّبُ الْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ قَطْعًا عَلَى مَا فِيهِ شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّ بِالشُّبْهَةِ لَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ انْتَهَى
أَقُولُ: فِي هَذَا الْبَيَانِ خَلَلٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَ فِيهِ مَدَارَ كَوْنِ الْحُرْمَةِ فِي غَيْرِ النِّيءِ الْمُسْكِرِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ ظَنِّيَّةً اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ خَمْرًا وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ إذْ الْمُصَنِّفُ بِصَدَدِ بَيَانِ بُطْلَانِ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ وَإِثْبَاتِ أَنَّ غَيْرَ النِّيءِ الْمُسْكِرِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا
فَلَوْ كَانَ مَدَارُ ظَنِّيَّةِ حُرْمَةِ غَيْرِ ذَلِكَ اخْتِلَافَهُمْ فِي تَسْمِيَتِهِ خَمْرًا لَزِمَ الْمُصَادَرَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْخَمْرُ هِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا، وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِخَمْرٍ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ وَحُرْمَةَ غَيْرِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّا خَالَفْنَا فِي كَوْنِ غَيْرِ ذَلِكَ خَمْرًا وَقُلْنَا: إنَّ اسْمَ الْخَمْرِ مَخْصُوصٌ بِالنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَوْرَثَ خِلَافُنَا فِي ذَلِكَ شُبْهَةً فِي كَوْنِهِ خَمْرًا فَلَمْ تَكُنْ حُرْمَتُهُ قَطْعِيَّةً
وَفِي هَذَا مُصَادَرَةٌ كَمَا تَرَى
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي بَيَانِ هَذَا الْمَقَامِ: يَعْنِي أَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَتَكُونُ قَطْعِيَّةً، وَمَا هُوَ قَطْعِيٌّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَطْعِيٍّ، وَكَوْنُ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ خَمْرًا قَطْعِيٌّ بِلَا خِلَافٍ فَيَثْبُتُ بِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الِاخْتِلَافِ إيرَاثُ الشُّبْهَةِ فَتَكُونُ الْحُرْمَةُ قَطْعِيَّةً وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا ظَنِّيٌّ انْتَهَى
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا خَلَلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ اسْتِلْزَامِهِ الْمُصَادَرَةَ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: وَكَوْنُ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ خَمْرًا قَطْعِيٌّ بِلَا خِلَافٍ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي غَيْرِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ اخْتِلَافَهُمْ فِي كَوْنِهِ خَمْرًا فَيَئُولُ إلَى مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَتَكُونُ الْحُرْمَةُ قَطْعِيَّةً وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا ظَنِّيٌّ كَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا ارْتِبَاطَ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ غَيْرَ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حَقِّهِ، فَاللَّازِم مِنْهُ أَنْ تَكُونَ حُرْمَتُهُ ظَنِّيَّةً، فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: فَتَكُونُ الْحُرْمَةُ قَطْعِيَّةً فَتَكُونُ حُرْمَةُ غَيْرِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ قَطْعِيَّةً لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيعُ صَحِيحًا قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ فَتَكُونُ حُرْمَةُ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةً لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا ظَنِّيٌّ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ دَلِيلَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ قَطْعِيٌّ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي صَدْرِ بَيَانِهِ حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي أَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَتَكُونُ قَطْعِيَّةً، وَمَا هُوَ قَطْعِيٌّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَطْعِيٍّ
فَالْحَقُّ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا مَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَا: يَعْنِي فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُصْرَفَ تَحْرِيمُهَا إلَّا إلَى عَيْنٍ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ قَطْعًا، وَغَيْرُ النِّيءِ لَيْسَ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ لِمَكَانِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ انْتَهَى
فَإِنَّهُمَا لَمْ يُرِيدَا بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ الِاجْتِهَادَ فِي تَسْمِيَتِهِ خَمْرًا حَتَّى يَلْزَمَ الْمُصَادَرَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، بَلْ أَرَادَا بِهِ الِاجْتِهَادَ فِي عَدَمِ حُرْمَتِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ حَيْثُ قَالَ فِي الْعَصِيرِ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ بَعْدَ بَيَانِ أَنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَنَا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنَّهُ مُبَاحٌ، وَقَالَ فِي نَقِيعِ التَّمْرِ بَعْدَ بَيَانٍ: إنَّهُ حَرَامٌ
وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهُ مُبَاحٌ، وَقَالَ فِي نَقِيعِ الزَّبِيبِ بَعْدَ بَيَانٍ: إنَّهُ حَرَامٌ إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى، وَيَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافُ الْأَوْزَاعِيِّ
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ طَعَنَ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ
[ ١٠ / ٩١ ]
وَإِنَّمَا سُمِّيَ خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ لَا لِمُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يُنَافِي كَوْنَ الِاسْمِ خَاصًّا فِيهِ
مِنْ قَبْلِنَا حَيْثُ قَالَ: لَا يَقُولُ الْخَصْمُ بِقَطْعِيَّةِ حُرْمَةِ غَيْرِ النِّيءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ مُسْتَحِلَّهُ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ الْإِلْزَامُ، هَذَا كَالرِّبَا فَإِنَّ حُرْمَتَهُ قَطْعِيَّةٌ، وَحُرْمَةُ بَيْعِ الْحَفْنِ بِالْحَفْنِ مُتَفَاضِلًا مَثَلًا لَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ انْتَهَى، أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ قَوْلِ الْخَصْمِ بِقَطْعِيَّةِ حُرْمَةِ غَيْرِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لَا يُنَافِي تَوَجُّهَ الْإِلْزَامِ عَلَيْهِمْ، بَلْ بِذَلِكَ يَتَوَجَّهُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ بِلَا رَيْبٍ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ أَنَّ اللَّهَ ﷾ سَمَّى الْخَمْرَ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ رِجْسًا وَالرِّجْسُ مَا هُوَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ مُتَوَاتِرَةً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَمَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ قَطْعِيٌّ جَزْمًا، فَإِذَا لَمْ يَقُلْ الْخَصْمُ بِقَطْعِيَّةِ حُرْمَةِ غَيْرِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ تَعَيَّنَ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُ النِّيءِ خَمْرًا؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ قَطْعِيَّةَ الْحُرْمَةِ وَعَدَمَ قَطْعِيَّتِهَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ
فَقَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ الْإِلْزَامُ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَتَنْظِيرُهُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ، وَهَذَا كَالرِّبَا إلَى آخِرِهِ لَا يُجْدِي شَيْئًا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا عِنْدَنَا الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ، أَوْ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطَّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ، فَفِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَةِ مُتَفَاضِلًا لَا يُوجَدُ الرِّبَا عِنْدَنَا لِعَدَمِ وُجُودِ عِلَّتِهِ فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ الْبَيْعُ
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيُوجَدُ فِيهِ الرِّبَا لِوُجُودِ عِلَّتِهِ فَيَحْرُمُ فَكَوْنُ حُرْمَةِ الرِّبَا قَطْعِيَّةً يَصِيرُ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ هُنَاكَ أَيْضًا لِمِثْلِ مَا قُلْنَا هَا هُنَا فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّنْظِيرِ أَصْلًا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ لَا لِمُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلَك أَنْ تَقُولَ هَذَا مَنْعٌ لَا يَضُرُّ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَوَّلًا أَنَّ هَذَا مَنْعٌ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَارَضَةً: يَعْنِي إنَّمَا سُمِّيَ خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ: أَيْ لِتَشَدُّدِهِ وَقُوَّتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ فَلَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ خَمْرًا، وَيُشِيرُ إلَيْهِ تَفْسِيرُ تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبِ الْكِفَايَةِ هَا هُنَا حَيْثُ قَالَا: أَيْ لِتَشَدُّدِهِ وَقُوَّتِهِ فَإِنَّ لَهَا شِدَّةً وَقُوَّةً لَيْسَتْ لِغَيْرِهَا حَتَّى سُمِّيَتْ أُمَّ الْخَبَائِثِ انْتَهَى
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ ذَاكَ مَنْعٌ لَا مُعَارِضَةً فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْخَصْمِ عَلَى كَوْنِ الْخَمْرِ اسْمًا لِكُلِّ مُسْكِرٍ بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ، فَإِنَّهُ إذَا مُنِعَ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ تَسْقُطُ هَذِهِ الْمُقَدَّمَةُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَتِمُّ دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَيْنَا وَهُوَ عَيْنُ الضَّرَرِ لَهُ
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: هَذَا وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَعْنِي غَيْرَ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ: أَيْ لِصَيْرُورَتِهِ مُرًّا كَالْخَمْرِ لَا لِمُخَامَرَتِهِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ سُمِّيَ خَمْرًا لِمُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا شَرْحٌ فَاسِدٌ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ أَصْلًا؛ إذْ حِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ وَلَا يَرْتَبِطُ بِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يُنَافِي كَوْنَ الِاسْمِ خَاصًّا فِيهِ، وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا الشَّرْحَ عَجِيبٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الشَّارِحِ، وَكَانَ لَنَا أَنْ نَحْمِلَ كَلِمَةَ: غَيْرَ فِي قَوْلِهِ: يَعْنِي غَيْرَ النِّيءِ عَلَى السَّهْوِ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ الْأَوَّلِ لَوْلَا قَوْلُهُ كَالْخَمْرِ فِي قَوْلِهِ أَيْ لِصَيْرُورَتِهِ مُرًّا كَالْخَمْرِ، فَإِنَّ التَّشْبِيهَ بِالْخَمْرِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ غَيْرَ الْخَمْرِ وَهُوَ غَيْرُ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ
وَالصَّوَابُ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ: يَعْنِي إنَّمَا سَمَّى النِّيءَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ: أَيْ لِتَغَيُّرِهِ وَاشْتِدَادِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي غَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ خَمْرًا لَا لِمُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ: أَيْ لَيْسَتْ التَّسْمِيَةُ لِمُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ: أَيْ سِتْرِهِ الْعَقْلَ حَتَّى يُوجَدَ وَجْهُ التَّسْمِيَةِ فِي غَيْرِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ أَيْضًا فَيَكُونُ خَمْرًا
فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ الِارْتِبَاطُ بِالسَّبَّاقِ وَاللَّحَاقِ كَمَا لَا يَخْفَى
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِتَخَمُّرِهِ: أَيْ لِصَيْرُورَتِهِ خَمْرًا
أَقُولُ: هَذَا تَفْسِيرٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ مُؤَدٍّ إلَى
[ ١٠ / ٩٢ ]
فَإِنَّ النَّجْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ النُّجُومِ وَهُوَ الظُّهُورُ، ثُمَّ هُوَ اسْمٌ خَاصٌّ لِلنَّجْمِ الْمَعْرُوفِ لَا لِكُلِّ مَا ظَهَرَ وَهَذَا كَثِيرُ النَّظِيرِ
وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ طَعَنَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ﵀، وَالثَّانِي أُرِيدَ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ؛ إذْ هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِ الرِّسَالَةِ
وَالثَّانِي فِي حَقِّ ثُبُوتِ هَذَا الِاسْمِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا إذَا اشْتَدَّ صَارَ خَمْرًا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَذْفُ بِالزَّبَدِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَثْبُتُ بِهِ، وَكَذَا الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْفَسَادِ
إلَى تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ التَّأَمُّلُ الصَّادِقُ (قَوْلُهُ فَإِنَّ النَّجْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ النُّجُومِ وَهُوَ الظُّهُورُ، ثُمَّ هُوَ اسْمٌ خَاصٌّ لِلنَّجْمِ الْمَعْرُوفِ لَا لِكُلِّ مَا ظَهَرَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: فَإِنَّ النَّجْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ نَجَمَ إذَا ظَهَرَ ثُمَّ هُوَ خَاصٌّ بِالثُّرَيَّا انْتَهَى، وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ
أَقُولُ: هَذَا شَرْحٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ؛ لِأَنَّ النَّجْمَ إنَّمَا كَانَ اسْمًا خَاصًّا لِجِنْسِ الْكَوْكَبِ مَوْضُوعًا لَهُ لِظُهُورِهِ، ثُمَّ صَارَ عَلَمًا لِلثُّرَيَّا بِلَا وَضْعِ وَاضِعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ جِنْسِهِ كَمَا هُوَ حَالُ سَائِرِ الْأَعْلَامِ الْغَالِبَةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ هُوَ اسْمٌ خَاصٌّ لِلنَّجْمِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ لِلظَّاهِرِ الْمَخْصُوصِ وَهُوَ جِنْسُ الْكَوْكَبِ لَا أَنَّهُ عَلَمٌ خَاصٌّ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَفْرَادِ جِنْسِ الْكَوْكَبِ وَهُوَ الثُّرَيَّا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الظُّهُورِ إنَّمَا لُوحِظَ فِي مَرْتَبَةِ كَوْنِ النَّجْمِ اسْمًا مَوْضُوعًا لِجِنْسِ الْكَوْكَبِ لَا فِي مَرْتَبَةِ كَوْنِهِ عَلَمًا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَهُوَ الثُّرَيَّا، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَمًا لَهُ إنَّمَا كَانَ بِمُجَرَّدِ الْغَلَبَةِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ لَا لِمُلَاحَظَةِ مَعْنًى فِيهِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْأَعْلَامِ الْغَالِبَةِ أَعْلَامٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَهُ دُرْبَةٌ بِالْعُلُومِ الْأَدَبِيَّةِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ إنَّمَا اغْتَرَّ بِلَفْظِ الْمَعْرُوفِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اسْمٌ خَاصٌّ لِلنَّجْمِ الْمَعْرُوفِ، إلَّا أَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّجْمِ الْمَعْرُوفِ الْجِنْسُ الْمَخْصُوصُ الْمَعْرُوفُ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ النَّجْمِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ مَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الظُّهُورِ مُطْلَقًا وَهُوَ جِنْسُ الْكَوْكَبِ تَأَمَّلْ تَرْشُدْ
(قَوْلُهُ وَالثَّانِي أُرِيدَ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ: يَعْنِي إذَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ كَانَ حُكْمُهُ فِي الْإِسْكَارِ حُكْمَ الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ وَثُبُوتِ الْحَدِّ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ تَفْسِيرُ الْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ وَالثَّانِي أُرِيدَ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ بِالْحُرْمَةِ وَثُبُوتِ الْحَدِّ عِنْدَ إسْكَارِ كَثِيرِهِ وَلَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» يُفِيدُ الْحَصْرَ كَقَوْلِهِ ﵊ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ
فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ بَيَانَ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي ذَيْنِك الشَّرْحَيْنِ لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ الْحَصْرُ وَالتَّخْصِيصُ بِهَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَى الْكَرْمَةِ وَالنَّخْلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ فِيهِمَا وَهُوَ الْحُرْمَةُ وَثُبُوتُ الْحَدِّ عِنْدَ إسْكَارِ الْكَثِيرِ يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ تَيْنِكِ الشَّجَرَتَيْنِ أَيْضًا، فَإِنَّ نَبِيذَ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَنَبِيذَ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إذَا لَمْ يَصِلْ مَرْتَبَةَ الْإِسْكَارِ وَكَانَ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ صَارَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ، وَيَثْبُتُ بِهِ الْحَدُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ
وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ الَّذِي أُرِيدَ بَيَانُهُ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ حُرْمَةُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُتَّخَذِ مِنْ غَيْرِ تَيْنِكِ الشَّجَرَتَيْنِ فَيَصِحُّ الْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ بِلَا غُبَارٍ، وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي تَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِالْحُكْمِ هَا هُنَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً فِي حُرْمَةِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مَعًا، إلَّا أَنَّهَا بِإِجْمَالِهَا لَا تُنَافِيهَا بَلْ تُسَاعِدُهَا حَيْثُ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي بَيَانُ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ لَا بَيَانَ الْحَقِيقَةِ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَثْبُتُ بِهِ، وَكَذَا الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْفَسَادِ بِالِاشْتِدَادِ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ
[ ١٠ / ٩٣ ]
بِالِاشْتِدَادِ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْغَلَيَانَ بِدَايَةُ الشِّدَّةِ، وَكَمَالُهَا بِقَذْفٍ بِالزَّبَدِ وَسُكُونِهِ؛ إذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الصَّافِي مِنْ الْكَدِرِ، وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ قَطْعِيَّةٌ فَتُنَاطُ بِالنِّهَايَةِ كَالْحَدِّ وَإِكْفَارِ الْمُسْتَحِلِّ وَحُرْمَةِ الْبَيْعِ
وَقِيلَ يُؤْخَذُ فِي حُرْمَةِ الشُّرْبِ بِمُجَرَّدِ الِاشْتِدَادِ احْتِيَاطًا
وَالثَّالِثُ أَنَّ عَيْنَهَا حَرَامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ وَلَا مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ حُرْمَةَ عَيْنِهَا، وَقَالَ: إنَّ السُّكْرَ مِنْهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْفَسَادُ وَهُوَ الصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ جُحُودُ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ رِجْسًا وَالرِّجْسُ مَا هُوَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ مُتَوَاتِرَةً أَنَّ النَّبِيَّ ﵊
قَوْلَهُ: لِأَنَّ الِاسْمَ يَثْبُتُ بِهِ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ مُدَّعَاهُمَا ثُبُوتُ هَذَا الِاسْمِ بِمُجَرَّدِ الِاشْتِدَادِ بِدُونِ اشْتِرَاطِ الْقَذْفِ بِالزَّبَدِ وَلَا يُسَلِّمُهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بَلْ يَقُولُ بِاشْتِرَاطِ الْقَذْفِ بِالزَّبَدِ
فَتَعْلِيلُ مُدَّعَاهُمَا بِثُبُوتِ هَذَا الِاسْمِ بِالِاشْتِدَادِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ
وَقَوْلُهُ وَكَذَا الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْفَسَادِ بِالِاشْتِدَادِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ مَعْلُولَةً، وَهَذَا يُنَافِي مَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ أَنَّ عَيْنَهَا حَرَامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ وَلَا مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ
وَقَدْ شَرَحَ الشَّارِحُ الْكَاكِيُّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هَذَا بِمَا هُوَ أَظْهَرُ فِي الْمُنَافَاةِ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَا الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ وَهُوَ الْإِسْكَارُ يَحْصُلُ بِالِاشْتِدَادِ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْفَسَادِ: أَيْ الْإِسْكَارُ مُؤَثِّرٌ فِي إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ
إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُلَائِمُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّهَا مَعْلُولَةٌ بِالسُّكْرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ حُرْمَةَ عَيْنِهَا، وَقَالَ: السُّكْرُ مِنْهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْفَسَادُ وَهُوَ الصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْغَلَيَانَ بِدَايَةُ الشِّدَّةِ وَكَمَالُهَا بِقَذْفِ الزَّبَدِ وَسُكُونِهِ؛ إذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الصَّافِي مِنْ الْكَدِرِ وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ قَطْعِيَّةٌ فَتُنَاطُ بِالنِّهَايَةِ كَالْحَدِّ وَإِكْفَارِ الْمُسْتَحِلِّ وَحُرْمَةِ الْبَيْعِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي حَدِّ ثُبُوتِ اسْمِ الْخَمْرِ لَا فِي حَدِّ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ اسْمُ الْخَمْرِ فِي بِدَايَةِ الشِّدَّةِ وَيُشْتَرَطُ تَرَتُّبُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ بِكَمَالِهَا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ هَا هُنَا فِي حَدِّ
ثُبُوتِ اسْمِ الْخَمْرِ فِي الشَّرْعِ لَا فِي حَدِّ ثُبُوتِهِ فِي اللُّغَةِ فَقَطْ، فَإِذَا ثَبَتَ اسْمُهَا الشَّرْعِيُّ يَلْزَمُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ بِلَا تَرَاخٍ فِيهِ فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ تَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ أَنَّ عَيْنَهَا حَرَامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَرْقٌ مَا بَيْنَ السُّكْرِ وَالْإِسْكَارِ فَلَا يُخَالَفُ هَذَا الْقَوْلُ لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ انْتَهَى أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَازِمُ الْإِسْكَارِ وَمُطَاوِعُهُ فَلَا يَفْتَرِقَانِ فِي التَّحْقِيقِ، فَالتَّعْلِيلُ بِأَحَدِهِمَا يُؤَدِّي إلَى التَّعْلِيلِ بِالْآخَرِ، وَمُجَرَّدُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَفْهُومِ لَا يُجْدِي شَيْئًا فِقْهِيًّا هَا هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى، كَيْفَ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بَيَانُ كَوْنِ حُرْمَتِهَا لِعَيْنِهَا غَيْرَ مَعْلُولَةٍ بِشَيْءٍ مَا أَصْلًا
لَا أَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُولَةٍ بِالسُّكْرِ وَلَكِنَّهَا مَعْلُولَةٌ بِشَيْءٍ آخَرَ كَالْإِسْكَارِ
لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ لُزُومِ الْكُفْرِ وَجُحُودِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ادِّعَاءِ كَوْنِهَا مَعْلُولَةً بِمَا يُنَافِي كَوْنَهَا مُحَرَّمَةَ الْعَيْنِ مُطْلَقًا لَا عَلَى ادِّعَاءِ كَوْنِهَا مَعْلُولَةً بِالسُّكْرِ فَقَطْ
وَإِنَّمَا قَالَ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ لِكَوْنِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ
[ ١٠ / ٩٤ ]
حَرَّمَ الْخَمْرَ؛ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ الْخَمْرِ، وَلِهَذَا تَزْدَادُ لِشَارِبِهِ اللَّذَّةُ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ
ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مَعْلُولٍ عِنْدَنَا حَتَّى لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى سَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُعَدِّيهِ إلَيْهَا، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَتَعْلِيلُهُ لِتَعَدِّيهِ الِاسْمَ، وَالتَّعْلِيلُ فِي الْأَحْكَامِ لَا فِي الْأَسْمَاءِ
وَالرَّابِعُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً كَالْبَوْلِ لِثُبُوتِهَا بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
وَالْخَامِسُ أَنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا لِإِنْكَارِهِ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ.
وَالسَّادِسُ سُقُوطُ تَقَوُّمِهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ حَتَّى لَا يَضْمَنَ مُتْلِفُهَا وَغَاصِبُهَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَجَّسَهَا فَقَدْ أَهَانَهَا وَالتَّقَوُّمُ يُشْعِرُ بِعِزَّتِهَا
وَقَالَ ﵊
الْمُنْكِرِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَبَصَّرْ تَفْهَمْ (قَوْلُهُ وَالشَّافِعِيُّ يُعَدِّيهِ إلَيْهَا، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: وَهِيَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» وَقَالُوا: وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَتُهَا لِعَيْنِهَا لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ انْتَهَى
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ تَعْلِيلُهَا وَتَعْدِيَتُهَا إلَى غَيْرِهَا مُنَافِيًا لِحُرْمَةِ عَيْنِهَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْلِيلِهَا وَتَعْدِيَتِهَا إلَى سَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ الْمُخَالَفَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا فَإِنَّهُ سَمَّاهُ رِجْسًا، وَالرِّجْسُ مَا هُوَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ كَمَا مَرَّ، وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ أَيْضًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى جُحُودِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَحَاشَى لِلشَّافِعِيِّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيلُهَا وَتَعْدِيَتُهَا إلَى غَيْرِهَا مُنَافِيًا لِحُرْمَةِ عَيْنِهَا بَلْ كَانَتْ حُرْمَةُ عَيْنِهَا ثَابِتَةً بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَحُرْمَةُ عَيْنِ غَيْرِهَا ثَابِتَةً بِتَعَدِّيهِ حُرْمَةَ عَيْنِهَا إلَى حُرْمَةِ عَيْنِ غَيْرِهَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لَمْ يَتِمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ إنَّمَا هُوَ حُرْمَةُ عَيْنِ الْخَمْرِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ تَعْدِيَتَهَا إلَى غَيْرِهَا لَا يُنَافِي حُرْمَةَ عَيْنِهَا
ثُمَّ أَقُولُ: الْحَقُّ عِنْدِي هَا هُنَا تَعْلِيلُهَا بِالْإِسْكَارِ يُنَافِي حُرْمَةَ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّ قَلِيلَهَا لَيْسَ بِمُسْكِرٍ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ قَلِيلُهَا حَرَامًا عَلَى مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِالْإِسْكَارِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَيْنُهَا حَرَامًا، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَقُلْ بِتَعْلِيلِهَا بِالْإِسْكَارِ، وَأَمَّا تَعْلِيلُهَا بِمَا هُوَ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْ عَيْنِهَا بَلْ هُوَ لَازِمٌ لَهَا كَالْمُخَامَرَةِ وَنَحْوِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُنَافِي حُرْمَةَ عَيْنِهَا، وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا قَالَ بِتَعْلِيلِهَا بِالْمُخَامَرَةِ فَعَدَّى حُكْمَهَا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ حَتَّى أَوْجَبَ الْحَدَّ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنْ الْبَاذَقِ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشُّرُوحِ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُهُ الْمُخَالِفَةُ لِلسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ
(قَوْلُهُ: وَالرَّابِعُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً كَالْبَوْلِ لِثُبُوتِهَا بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا مَرَّ آنِفًا إنَّمَا هُوَ حُرْمَتُهَا، فَإِنْ اسْتَلْزَمَتْ حُرْمَتُهَا الْقَطْعِيَّةُ كَوْنُهَا نَجِسَةً نَجَاسَةً غَلِيظَةً فَمَا مَعْنَى جَعْلِ كَوْنِهَا نَجِسَةً نَجَاسَةً غَلِيظَةً مَوْضِعًا رَابِعًا مَبْحُوثًا عَنْهُ بِالْأَصَالَةِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَلْزِمْهُ فَمَا مَعْنَى الْحَوَالَةِ عَلَى تِلْكَ الدَّلَائِلِ الْمَارَّةِ
نَعَمْ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الدَّلَائِلِ وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى يَدُلُّ صَرَاحَةً عَلَى كَوْنِهَا نَجِسَةً، فَإِنَّهُ سَمَّاهَا رِجْسًا، وَالرِّجْسُ هُوَ الْقَذَرُ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي عَامَّةِ كُتُبِ اللُّغَةِ، إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي صِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ لِثُبُوتِهَا بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَالْأَوْلَى هَا هُنَا تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَهِيَ نَجِسَةٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّهَا سُمِّيَتْ رِجْسًا بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ انْتَهَى
(قَوْلُهُ: وَالسَّادِسُ سُقُوطُ تَقَوُّمِهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ حَتَّى لَا يَضْمَنَ مُتْلِفُهَا وَغَاصِبُهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَجَّسَهَا فَقَدْ أَهَانَهَا وَالتَّقَوُّمُ يُشْعِرُ بِعِزَّتِهَا)
[ ١٠ / ٩٥ ]
«إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَأَكْلَ ثَمَنِهَا» وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ مَالِيَّتِهَا
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَالٌ؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ تَمِيلُ إلَيْهَا وَتَضِنُّ بِهَا
وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ دَيْنٌ فَأَوْفَاهُ ثَمَنَ خَمْرٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَلَا لِلْمَدْيُونِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ بَيْعٍ بَاطِلٍ وَهُوَ غَصْبٌ فِي يَدِهِ أَوْ أَمَانَةٌ عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا فِي بَيْعِ الْمَيْتَةِ
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى ذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيهِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ، وَالْمُسْلِمُ الطَّالِبُ يَسْتَوْفِيهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ جَائِزٌ.
وَالسَّابِعُ حُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالنَّجَسِ حَرَامٌ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبُ الِاجْتِنَابِ وَفِي الِانْتِفَاعِ بِهِ اقْتِرَابٌ.
وَالثَّامِنُ أَنْ يُحَدَّ شَارِبُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ مِنْهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ» إلَّا أَنَّ حُكْمَ الْقَتْلِ قَدْ انْتَسَخَ فَبَقِيَ الْجَلْدُ مَشْرُوعًا، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَتَقْدِيرُهُ ذَكَرْنَاهُ فِي الْحُدُودِ.
وَالتَّاسِعُ أَنَّ الطَّبْخَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لِلْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ لَا لِرَفْعِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا، إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِيهِ مَا لَمْ يَسْكَرْ مِنْهُ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ بِالْقَلِيلِ فِي النِّيءِ خَاصَّةً، لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا قَدْ طُبِخَ.
وَالْعَاشِرُ جَوَازُ تَخْلِيلِهَا وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَسَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي الْخَمْرِ.
وَأَمَّا الْعَصِيرُ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ وَهُوَ الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَيُسَمَّى الْبَاذَقَ وَالْمُنَصَّفَ وَهُوَ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ
فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ عِنْدَنَا إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ
أَوْ إذَا اشْتَدَّ عَلَى الِاخْتِلَافِ
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَنْتَقِضُ بِالسِّرْقِينِ فَإِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْبَيْعِ مِنْ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ السِّرْقِينِ وَيُكْرَهُ بَيْعُ الْعَذِرَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْقِينِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَشَابَهَ الْعَذِرَةَ، وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ
وَلَنَا أَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْقَى فِي الْأَرَاضِيِ لِاسْتِكْثَارِ الرِّيعِ فَكَانَ مَالًا وَالْمَالُ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ بِخِلَافِ الْعَذِرَةِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَالسَّابِعُ حُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالنَّجَسِ حَرَامٌ) أَقُولُ: انْتِقَاضُ هَذَا التَّعْلِيلِ بِالسِّرْقِينِ أَظْهَرُ مِمَّا مَرَّ آنِفًا فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْعَصِيرُ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ وَهُوَ الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَيُسَمَّى الْبَاذَقَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْبَاذَقُ بِكَسْرِ الذَّالِ وَفَتْحِهَا: مَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ فَصَارَ شَدِيدًا
وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْبَاذَقُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ: مَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ فَصَارَ شَدِيدًا، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: هُوَ تَعْرِيبٌ بَاذَّهُ وَهُوَ الْخَمْرُ
وَنَقَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مَا فِي الْمُغْرِبِ وَمَا فِي الْفَائِقِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ
أَقُولُ: فِيمَا ذَكَرَ فِي الْفَائِقِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ عَلَى مَا مَرَّ هِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا، وَالْمَطْبُوخُ لَيْسَ بِنِيءٍ قَطْعًا، وَالْبَاذِقُ اسْمٌ لِمَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ فَلَيْسَ بِخَمْرٍ لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا الْعَصِيرُ إذَا طُبِخَ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ وَأَمَّا الْخَمْرُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْبَاذَقُ تَعْرِيبَ بَاذَّهُ بِمَعْنَى الْخَمْرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ فِي الْفَائِقِ مَبْنِيًّا عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الْخَمْرَ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ لَا عَلَى مَا هُوَ الْمُحَقَّقُ عِنْدَنَا مِنْ كَوْنِهَا اسْمًا خَاصًّا لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ (قَوْلُهُ وَالْمُصَنِّفَ وَهُوَ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: قَوْلُهُ: وَالْمُنَصَّفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: الْبَاذَقَ: أَيْ يُسَمَّى الْعَصِيرُ الذَّاهِبُ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ
[ ١٠ / ٩٦ ]
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنَّهُ مُبَاحٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوبٌ طَيِّبٌ وَلَيْسَ بِخَمْرٍ
وَلَنَا أَنَّهُ رَقِيقٌ مُلِذٌّ مُطْرِبٌ وَلِهَذَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْفُسَّاقُ فَيَحْرُمُ شُرْبُهُ دَفْعًا لِلْفَسَادِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ وَهُوَ السُّكْرُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ: أَيْ الرَّطْبِ
الْبَاذَقَ وَيُسَمَّى الْمُنَصَّفَ أَيْضًا
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ أَبَا اللَّيْثِ فَسَّرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الذَّاهِبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ بِالْمُنَصَّفِ
وَأَيْضًا أَنَّهُ قَدْ حَصَرَ الْأَشْرِبَةَ الْمُحَرَّمَةَ
عَلَى أَرْبَعَةٍ وَهِيَ الْخَمْرُ وَالْعَصِيرُ الذَّاهِبُ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ
فَلَوْ كَانَ الْمُنَصَّفُ غَيْرَ الْبَاذَقِ الَّذِي هُوَ الْمَطْبُوخُ الذَّاهِبُ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ لَكَانَتْ الْأَشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ خَمْسَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُنَصَّفُ بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الذَّاهِبِ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنَصَّفًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا جَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ الْبَاذَقَ قِسْمًا وَالْمُنَصَّفَ قِسْمًا انْتَهَى
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَضْمُونِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ مَعْنًى وَهَذَا أَوْجَهُ لَفْظًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْصُوبًا لَقَالَ أَيْضًا انْتَهَى
أَقُولُ: لَعَلَّ الْأَوَّلَ لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَوْجَهَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ تَقْدِيرَ الْعَصِيرِ الَّذِي طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ يُسَمَّى بِاسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا الْبَاذَقُ وَالْآخَرُ الْمُنَصَّفُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاذَقُ وَالْمُنَصَّفُ مُتَّحِدِينَ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْعَصِيرُ الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ، مَعَ أَنَّ تَحْرِيرَ الْمُنَصَّفِ يُنَافِي ذَلِكَ
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ فَسَّرَ الْمُنَصَّفَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَخَصُّ مِنْ الْعَصِيرِ الْمَطْبُوخِ أَدْنَى طَبْخَةٍ لِتَنَاوُلِ ذَلِكَ مَا ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ بِالطَّبْخِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الِاتِّحَادُ فِي الْمَعْنَى
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ قَالَ: فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ عِنْدَنَا إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ إلَخْ
وَلَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ كُلٍّ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَا بِحَسَبِ الِاسْمِ فَقَطْ، فَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مَرْفُوعٌ لَا غَيْرُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَطْبُوخِ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعَصِيرَ الْمَطْبُوخَ الذَّاهِبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ الْمُسَمَّى الْبَاذَقُ، وَالْآخَرُ الْمُنَصَّفُ وَهُوَ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَرَامٌ عِنْدَنَا إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ إذَا اشْتَدَّ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّ الْمُنَصَّفَ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْبَاذَقِ لَكَانَتْ الْأَشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ خَمْسَةً وَقَدْ حَصَرُوهَا فِي الْأَرْبَعَةِ فَعَلَى طَرَفِ الثُّمَامِ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي حَصَرُوا الْأَشْرِبَةَ الْمُحَرَّمَةَ فِيهَا إنَّمَا هِيَ أُصُولُ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَأَقْسَامُهَا الْأَوَّلِيَّةُ، وَالْبَاذِقُ وَالْمُنَصَّفُ لَيْسَا كَذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا هُمَا قِسْمَانِ مِنْ أَحَدِ تِلْكَ الْأُصُولِ
وَالْأَقْسَامُ الْأَوَّلِيَّةُ وَهُوَ الطِّلَاءُ الْعَامُّ لِلْبَاذِقِ وَالْمُنَصَّفِ
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ أَوْرَدَ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَهَذَا أَوْجَهُ لَفْظًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْصُوبًا لَقَالَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْمُسَمَّى بِالْبَاذِقِ غَيْرُ الْمُسَمَّى بِالْمُنَصَّفِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَقَامُ مَقَامَ قَوْلِهِ وَأَيْضًا انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُسَمَّى بِالْبَاذِقِ غَيْرُ الْمُسَمَّى بِالْمُنَصَّفِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَالْمُنَصَّفُ مَرْفُوعًا، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا كَمَا هُوَ مَحَلُّ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فَلَا مَجَالَ لَأَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى بِأَحَدِهِمَا غَيْرُ الْمُسَمَّى بِالْآخَرِ، بَلْ مُقْتَضَى مَعْنَى التَّرْكِيبِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّمَا هُوَ تَعَدُّدُ الِاسْمِ دُونَ الْمُسَمَّى كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُنَاقَشَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْصُوبًا لَقَالَ أَيْضًا بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ فِي قَوْلِهِ: وَالْمُنَصَّفَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا مَعْطُوفًا عَلَى: " الْبَاذَقَ " تُغْنِي غِنَاءَ كَلِمَةٍ أَيْضًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْصُوبًا لَقَالَ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ وَهُوَ السُّكْرُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ: أَيْ الرُّطَبُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَتَفْسِيرُهُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ التَّمْرَ بِالرُّطَبِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ إذَا نُقِعَ فِي الْمَاءِ يُسَمَّى نَقِيعًا فَلَا حَاجَةَ إلَى
[ ١٠ / ٩٧ ]
فَهُوَ حَرَامٌ مَكْرُوهٌ
وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهُ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ اُمْتُنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَهُوَ بِالْمُحَرَّمِ لَا يَتَحَقَّقُ
وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ إذْ كَانَتْ الْأَشْرِبَةُ مُبَاحَةً كُلُّهَا، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ التَّوْبِيخَ، مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَتَدَّعُونَ رِزْقًا حَسَنًا
وَأَمَّا نَقِيعُ الزَّبِيبِ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ فَهُوَ حَرَامٌ إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى وَيَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى مِنْ قَبْلُ، إلَى أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهَا، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا اجْتِهَادِيَّةٌ، وَحُرْمَةُ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ،
أَنْ يُنْقَعَ الرُّطَبُ لَا مَحَالَةَ حَتَّى يُسَمَّى نَقِيعًا، وَقِيَاسُ كَلَامِهِ هُنَا أَنْ يَقُولَ فِي نَقِيعِ الزَّبِيبِ: أَيْ نَقِيعِ الْعِنَبِ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ انْتَهَى
وَقَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ دَفْعًا لِذَلِكَ النَّظَرِ: وَإِنَّمَا فَسَّرَ التَّمْرَ بِالرُّطَبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ التَّمْرِ اسْمُهُ نَبِيذُ التَّمْرِ لَا السَّكَرُ، وَهُوَ حَلَالٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى مَا سَيَجِيءُ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ اسْمُهُ نَبِيذَ التَّمْرِ وَكَانَ حَلَالًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنَّمَا هُوَ مَا اُتُّخِذَ مِنْ التَّمْرِ وَطُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَسَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ وَإِنْ اشْتَدَّ إذَا شُرِبَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُهُ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ حَرَامٌ انْتَهَى
وَاَلَّذِي ذَكَرَ هَا هُنَا إنَّمَا هُوَ نَقِيعُ التَّمْرِ إذَا لَمْ يُطْبَخْ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالسَّكَرِ لَا غَيْرُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَلَالٍ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا أَصْلًا، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَفْسِيرِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ (قَوْلُهُ فَهُوَ حَرَامٌ مَكْرُوهٌ) قَالَ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ: أَرْدَفَ الْحَرَامَ بِالْكَرَاهَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ حُرْمَتَهُ لَيْسَتْ كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِلَّ الْخَمْرِ يَكْفُرُ وَمُسْتَحِلَّ غَيْرِهَا لَا يَكْفُرُ اهـ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ بِإِرْدَافِ الْحَرَامِ بِالْمَكْرُوهِ الْإِشَارَةَ إلَى مَا ذَكَرُوهُ لَأَرْدَفَهُ بِذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ الْخَمْرِ؛ إذْ لَيْسَتْ حُرْمَةُ شَيْءٍ مِنْهَا كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ، وَلَوْ اكْتَفَى بِإِرْدَافِهِ بِذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ لَكَانَ الْقِسْمُ الْمَذْكُورُ عَقِيبَ الْخَمْرِ أَحَقَّ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيُصَرِّحُ بِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهَا وَيَكْفُرَ مُسْتَحِلُّ الْخَمْرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِشَارَةِ إلَى ذَلِكَ هَا هُنَا (قَوْلُهُ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ التَّوْبِيخَ مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَتَدَّعُونَ رِزْقًا حَسَنًا) قَالَ الشُّرَّاحُ: أَيْ أَنْتُمْ لِسَفَاهَتِكُمْ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا حَرَامًا وَتَتْرُكُونَ رِزْقًا حَسَنًا
أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا حَرَامًا، وَالْخَمْرُ وَقْتَئِذٍ مِمَّا لَمْ يُوصَفْ بِالْحُرْمَةِ فَأَيْنَ السَّكَرُ الْحَرَامُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهَا وَيَكْفُرَ مُسْتَحِلُّ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا اجْتِهَادِيَّةٌ، وَحُرْمَةُ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ نَقِيعُ التَّمْرِ وَهُوَ السَّكَرُ، وَقَدْ قَالَ فِي إثْبَاتِ حُرْمَتِهِ: وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ سِيَّمَا إجْمَاعُ
[ ١٠ / ٩٨ ]
وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِهَا حَتَّى يَسْكَرَ، وَيَجِبُ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنْ الْخَمْرِ، وَنَجَاسَتُهَا خَفِيفَةٌ فِي رِوَايَةٍ وَغَلِيظَةٌ فِي أُخْرَى، وَنَجَاسَةُ الْخَمْرِ غَلِيظَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، وَمَا شَهِدْت دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِسُقُوطِ تَقَوُّمِهَا، بِخِلَافِ الْخَمْرِ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَهُ يَجِبُ قِيمَتُهَا لَا مِثْلُهَا عَلَى مَا عُرِفَ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا إذَا كَانَ الذَّاهِبُ بِالطَّبْخِ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ دُونَ الثُّلُثَيْنِ (وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) قَالُوا: هَذَا الْجَوَابُ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ وَالْبَيَانِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ وَالذُّرَةِ حَلَالٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ عِنْدَهُ وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ وَمَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حَرَامٌ وَيُحَدُّ شَارِبُهُ وَيَقَعُ طَلَاقُهُ إذَا سَكِرَ مِنْهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ
الصَّحَابَةِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، فَكَيْفَ يَتِمُّ الْقَوْلُ هَا هُنَا بِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا لِكَوْنِ حُرْمَتِهَا اجْتِهَادِيَّةً لَا قَطْعِيَّةً؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ نَقْلَ الْإِجْمَاعِ قَدْ لَا يَكُونُ بِالتَّوَاتُرِ، فَلَا يُفِيدُ مِثْلُ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعَ لِعَدَمِ الْقَطْعِ فِي طَرِيقِ نَقْلِهِ إلَيْنَا كَمَا تَقَرَّرَ هَذَا أَيْضًا فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ فِي حَقِّ حُرْمَةِ السَّكَرِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ وَيَكُونَ هَذَا بَاعِثًا عَلَى وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَمَا شَهِدَتْ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِسُقُوطِ تَقَوُّمِهَا بِخِلَافِ الْخَمْرِ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَعْنَى تَقَوُّمِ الْمَالِ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا
وَسَيَجِيءُ التَّصْرِيحُ عَنْ قَرِيبٍ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّقَوُّمُ فِيهَا
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْقَطْعِيَّةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ دُونَ وُجُوبِ الْعَمَلِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مِنْ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بَلْ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ
وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ غَلَبَةِ الظَّنِّ، كَيْفَ لَا، وَقَدْ اكْتَفَى بِهِ فِي الْحُكْمِ بِحُرْمَةِ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ إذْ هِيَ أَيْضًا اجْتِهَادِيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ آنِفًا (قَوْلُهُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ) أَقُولُ: فِي التَّعْلِيلِ بَحْثٌ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ تَنَاوُلِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ السِّرْقِينَ نَجَسُ الْعَيْنِ مُحَرَّمُ التَّنَاوُلِ قَطْعًا مَعَ أَنَّهُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ حَيْثُ يُلْقَى فِي الْأَرَاضِيِ لِاسْتِكْثَارِ الرِّيعِ وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْبَيْعِ مِنْ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ، وَكَذَا الدُّهْنُ النَّجَسُ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، وَقَدْ مَرَّ هُنَا غَيْرَ مَرَّةٍ نَظِيرُ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا إذَا كَانَ الذَّاهِبُ بِالطَّبْخِ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ دُونَ الثُّلُثَيْنِ) أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ حَقَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ تُذْكَرَ قَبْلَ قَوْلِهِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شُعَبِ جَوَازِ بَيْعِ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ
وَقَوْلُهُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَى آخِرِهِ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ دَخَلَتْ
[ ١٠ / ٩٩ ]
(وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ يَبْقَى بَعْدَ مَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَفْسُدُ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إلَّا أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَبْلُغُ: يَغْلِي وَيَشْتَدُّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَفْسُدُ: لَا يُحَمَّضُ وَوَجْهُهُ أَنَّ بَقَاءَهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَمَّضَ دَلَالَةُ قُوَّتِهِ وَشِدَّتِهِ فَكَانَ آيَةَ حُرْمَتِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ حَقِيقَةَ الشِّدَّةِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيمَا يَحْرُمُ أَصْلُ شُرْبِهِ وَفِيمَا يَحْرُمُ السُّكْرُ مِنْهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَأَبُو يُوسُفَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَمْ يُحَرِّمْ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَرَجَعَ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا (وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ وَإِنْ اشْتَدَّ إذَا شُرِبَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُهُ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ وَلَا طَرِبٍ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ حَرَامٌ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْمُثَلَّثِ الْعِنَبِيِّ
وَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالْخَلِيطَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: سَقَانِي ابْنُ عُمَرَ ﵁ شَرْبَةً مَا كِدْت أَهْتَدِي إلَى مَنْزِلِي فَغَدَوْت إلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ فَقَالَ: مَا زِدْنَاك عَلَى عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْخَلِيطَيْنِ وَكَانَ مَطْبُوخًا؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ حُرْمَةُ نَقِيعِ الزَّبِيبِ وَهُوَ النِّيءُ مِنْهُ، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالزَّبِيبِ وَالرُّطَبِ، وَالرُّطَبِ وَالْبُسْرِ» مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الشِّدَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ.
قَالَ (وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَنَبِيذُ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وَأَشَارَ إلَى الْكَرْمَةِ وَالنَّخْلَةِ» خَصَّ التَّحْرِيمَ بِهِمَا
وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ، ثُمَّ قِيلَ يُشْتَرَطُ الطَّبْخُ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ، وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ
فِي الْبَيْنِ كَمَا تَرَى
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالْخَلِيطَيْنِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: سَقَانِي ابْنُ عُمَرَ شَرْبَةً مَا كِدْت أَهْتَدِي إلَى أَهْلِي، فَغَدَوْت إلَيْهِ مِنْ الْغَدِ وَأَخْبَرْته بِذَلِكَ فَقَالَ: مَا زِدْنَاك عَلَى عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ) وَابْنُ عُمَرَ كَانَ مَعْرُوفًا بِالزُّهْدِ وَالْفِقْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ
فَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْقِي غَيْرَهُ مَا لَا يَشْرَبُهُ أَوْ يَشْرَبُ مَا كَانَ حَرَامًا، كَذَا فِي الْكَافِي وَالشُّرُوحِ
أَقُولُ: هَا هُنَا كَلَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ اتِّفَاقُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافُهُمْ فِيهِ، وَلَمْ تَكُنْ الْحَادِثَةُ مِمَّا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ أَوْ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَزْبُورَةِ دَلِيلًا عَلَى حِلِّ الْخَلِيطَيْنِ
وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ زِيَادٍ مَا كِدْت أَهْتَدِي إلَى أَهْلِي يُشْعِرُ بِإِسْكَارِ الشَّرْبَةِ الَّتِي سَقَاهُ ابْنُ عُمَرَ إيَّاهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى الْحِلِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الثَّانِي بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَشَارَ إلَيْهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا قَالَ: مَا كِدْت أَهْتَدِي إلَى أَهْلِي عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي بَيَانِ التَّأْثِيرِ فِيهِ لَا حَقِيقَةِ السُّكْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ انْتَهَى
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مُجَرَّدُ أَنْ يَسْقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ زِيَادٍ تِلْكَ الشَّرْبَةَ
فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَرَامًا لَمَا أَقْدَمَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ كَمَالِ زُهْدِهِ وَفِقْهِهِ عَلَى أَنْ يَسْقِيَهُ إيَّاهَا، وَأَمَّا تَأْثِيرُهَا فِي الشَّارِبِ بَعْدَ أَنْ شَرِبَهَا بِحَيْثُ يَصِلُ إلَى مَرْتَبَةِ الْإِسْكَارِ فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ مُقَدَّرٌ؛ إذْ هُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ وَالْأَوْقَاتِ، وَلِلشَّارِبِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ مَهْمَا أَمْكَنَ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْغَفْلَةِ، وَالْعُهْدَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الشَّارِبِ لَا السَّاقِي تَأَمَّلْ تَفْهَمْ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ
[ ١٠ / ١٠٠ ]
فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ لَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ كَيْفَمَا كَانَ
وَهَلْ يُحَدُّ فِي الْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ إذَا سَكِرَ مِنْهُ؟ قِيلَ لَا يُحَدُّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ مِنْ قَبْلُ
قَالُوا: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ سَكِرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفُسَّاقَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ، بَلْ فَوْقَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُتَّخَذُ مِنْ الْأَلْبَانِ إذَا اشْتَدَّ فَهُوَ عَلَى هَذَا
وَقِيلَ: إنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ لَبَنِ الرِّمَاكِ لَا يَحِلُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا بِلَحْمِهِ؛ إذْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ
قَالُوا: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ لَحْمِهِ لِمَا فِي إبَاحَتِهِ مِنْ قَطْعِ مَادَّةِ الْجِهَادِ أَوْ لِاحْتِرَامِهِ فَلَا يُتَعَدَّى إلَى لَبَنِهِ
قَالَ (وَعَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ حَلَالٌ
فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ لَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ كَيْفَمَا كَانَ) أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ مَنْظُورٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ أَنْ لَا يَدْعُوَ قَلِيلُهُ إلَى كَثِيرِهِ لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الطَّبْخُ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مِمَّا يُشْتَرَطُ الطَّبْخُ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ بِلَا اخْتِلَافٍ، مَعَ أَنَّ قَلِيلَ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ كَيْفَمَا كَانَ، فَإِنَّ دُعَاءَ الْقَلِيلِ إلَى الْكَثِيرِ مِنْ خَوَاصِّ الْخَمْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا مَرَّ
وَالْأَظْهَرُ فِي التَّعْلِيلِ هَا هُنَا مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ حَالَ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ دُونَ نَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ
فَإِنَّ نَقِيعَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ اُتُّخِذَ مِمَّا هُوَ أَصْلٌ لِلْخَمْرِ شَرْعًا، فَإِنَّ أَصْلَ الْخَمْرِ شَرْعًا التَّمْرُ وَالْعِنَبُ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» وَقَدْ شَرَطَ أَدْنَى طَبْخَةٍ فِي نَقِيعِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ أَدْنَى طَبْخَةٍ فِي هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ لِيَظْهَرَ نُقْصَانُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ عَنْ نَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ انْتَهَى
(قَوْلُهُ وَهَلْ يُحَدُّ فِي الْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ إذَا سَكِرَ مِنْهُ؟ قِيلَ: لَا يُحَدُّ) أَقُولُ: قَدْ مَرَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرَّةً أَثْنَاءَ بَيَانِ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِيمَا قَبْلُ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ وَالذُّرَةِ حَلَالٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ عِنْدَهُ، وَإِنْ سَكِرَ فَالتَّعَرُّضُ لَهَا مَرَّةً أُخْرَى يُشْبِهُ التَّكْرَارَ
فَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ هَا هُنَا ذِكْرُ قَوْلِهِ قَالُوا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ، وَمَا قَبْلَهُ تَوْطِئَةً لَهُ
نَعَمْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ ذَكَرَ أَيْضًا هُنَاكَ قَوْلَهُ قَالُوا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ لَاسْتَغْنَى عَنْ الْإِعَادَةِ هَا هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ (قَوْلُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ مِنْ قَبْلُ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: هُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ لَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ
وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ لَيْسَتْ بِمُتَّخَذَةٍ مِمَّا هُوَ أَصْلُ الْخَمْرِ فَلَا جَرَمَ لَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ مِنْهَا انْتَهَى، وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: قَوْلُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ مِنْ قَبْلُ الْإِشَارَةُ إلَى مَا ذَكَرَ أَنَّ السَّكْرَانَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ، وَمَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ اهـ
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ أَوَّلًا
وَنَقَلَ مَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا بِقِيلَ، ثُمَّ نَقَلَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ أَقُولُ يُرَدُّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ عَدَمَ دُعَاءِ الْقَلِيلِ إلَى الْكَثِيرِ جَازَ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، فَإِنَّ دُعَاءَ الْقَلِيلِ إلَى الْكَثِيرِ مِنْ خَوَاصِّ الْخَمْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ الْخَمْرِ انْتَهَى مَعَ أَنَّهُ إذَا سَكِرَ مِمَّا سِوَى الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ يُحَدُّ بِلَا خِلَافٍ
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِعَدَمِ دُعَاءِ الْقَلِيلِ إلَى الْكَثِيرِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ السَّكْرَانِ، وَيُرَدُّ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» لَقَالَ لِمَا رَوَيْنَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُ الْمُسْتَمِرَّةُ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ إنَّ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُسْتَفَادًا مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ خَفَاءً جِدًّا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا هُنَاكَ، فَأَنَّى يَتَيَسَّرُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ هَا هُنَا بِقَوْلِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ مِنْ قَبْلُ، فَالْأَوْجَهُ هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَإِنْ أَخَّرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ فِي الذِّكْرِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ فِي سِيَاقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَرَاجَعَ كَلِمَاتِ السَّلَفِ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ قَالُوا: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ سَكِرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ) أَقُولُ: تَحْرِيرُ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا لَا يَخْلُو عَنْ رَكَاكَةٍ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ وَهَلْ يُحَدُّ فِي الْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ إذَا
[ ١٠ / ١٠١ ]
وَإِنْ اشْتَدَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: حَرَامٌ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا قَصَدَ بِهِ التَّقَوِّي، أَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التَّلَهِّيَ لَا يَحِلُّ بِالِاتِّفَاقِ
وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ قَوْلِهِمَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ
لَهُمْ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ قَوْلُهُ ﵊ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَقَوْلُهُ ﵊ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَيُرْوَى عَنْهُ ﵊ «مَا أَسْكَرَ الْجَرَّةُ مِنْهُ فَالْجَرْعَةُ مِنْهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّ الْمُسْكِرَ يُفْسِدُ الْعَقْلَ فَيَكُونُ حَرَامًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْخَمْرِ
وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا»
سَكِرَ أَنَّهُ هَلْ يُحَدُّ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيمَا قَبْلُ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُمَا، وَالْمُصَنِّفُ الْآنَ بِصَدَدِ التَّفْرِيعِ عَلَى ذَلِكَ وَتَكْمِيلِهِ فَيَسْتَدْعِي هَذَا أَنْ يَكُونَ مَدَارُ قَوْلِهِ قِيلَ لَا يُحَدُّ وَقَوْلُهُ قَالُوا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ عَلَى قَوْلِهِمَا، فَلَا يُنَاسَبُ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ سَكِرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُخَالِفُهُمَا فِي أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا يَقُولُ بِحِلِّ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بِوُجُوبِ الْحَدِّ إذَا سَكِرَ مِنْهُ، وَأَمَّا هُمَا فَيَقُولَانِ بِحِلِّ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فَلَا يَكُونُ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ حُجَّةً فِي حَقِّهِمَا
وَعَنْ هَذَا تَرَكَ صَاحِبُ الْكَافِيَةِ هَذَا التَّعْلِيلَ، وَاكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفُسَّاقَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ إلَخْ حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْإِسْبِيجَابِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْفُسَّاقَ يَجْتَمِعُونَ فِي زَمَانِنَا عَلَى شُرْبِهِ كَمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ انْتَهَى
(قَوْلُهُ وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ) أَقُولُ: فِيهِ ضَرْبُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، وَقَوْلُهُ هُنَا وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ صَرَّحَ فِيمَا قَبْلُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ بَيْنَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِحُرْمَتِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بِكَرَاهَتِهِ، فَيُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي أَوَائِلِ الْكَرَاهِيَةِ
فَإِنْ قُلْت: نَعَمْ إنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَكِنْ بِحُرْمَةٍ ظَنِّيَّةٍ لَا بِحُرْمَةٍ قَطْعِيَّةٍ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا قَاطِعًا فِي حُرْمَةِ شَيْءٍ لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَرَامِ بَلْ يُطْلِقُ عَلَيْهِ لَفْظَ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَرَّرَ أَيْضًا هُنَاكَ
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ رِوَايَةِ الْحُرْمَةِ وَرِوَايَةِ الْكَرَاهَةِ عَنْهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى قَطْعِيَّةِ الْحُرْمَةِ فِي إحْدَاهُمَا وَظَنِّيَّتِهَا فِي الْأُخْرَى فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ
قُلْت: لَا مَجَالَ لِلْقَوْلِ بِقَطْعِيَّةِ حُرْمَةِ الْمُثَلَّثِ الْعِنَبِيِّ عِنْدَ كَوْنِ اجْتِهَادِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي حِلِّهِ؛ لِأَنَّ قَطْعِيَّةَ حُرْمَةِ الشَّيْءِ تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهَا، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ اجْتِهَادٌ مَا فَضْلًا عَمَّا وَقَعَ فِيهِ اجْتِهَادٌ مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الثَّلَاثَةِ الْمُحَرَّمَةِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا أَجْمَعَ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهَا، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا اجْتِهَادِيَّةٌ وَحُرْمَةَ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ كَمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ فِي الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّ اجْتِهَادَ الْإِبَاحَةِ فِيهَا إنَّمَا وَقَعَ مِنْ نَحْوِ الْأَوْزَاعِيِّ وَشَرِيكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ، فَتَحَقَّقَ أَنَّ الْحُرْمَةَ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي حَقِّ الْمُثَلَّثِ الْعِنَبِيِّ إنَّمَا هِيَ الْحُرْمَةُ الِاجْتِهَادِيَّةُ الَّتِي مَدَارُهَا الظَّنُّ لَا الْحُرْمَةُ الْقَطْعِيَّةُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَرَاهَةِ عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: إنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لَكِنْ لَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ بَلْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ بِحَرَامٍ أَصْلًا عِنْدَهُمَا بَلْ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَهَذَا كُلُّهُ يَظْهَرُ بِمُرَاجَعَةِ كُتُبِ الْأُصُولِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ هُوَ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ وَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِلْحُرْمَةِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ فَيَنْدَفِعُ التَّنَافِي بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ تَأَمَّلْ قَوْلُهُ وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﷺ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا»
[ ١٠ / ١٠٢ ]
وَيُرْوَى «بِعَيْنِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» خَصَّ السُّكْرَ بِالتَّحْرِيمِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ؛ إذْ الْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ، وَلِأَنَّ الْمُفْسِدَ هُوَ الْقَدَحُ الْمُسْكِرُ وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَنَا
وَيُرْوَى «بِعَيْنِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَلَهُمَا أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الْآيَةَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى الْحِكْمَةَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ الصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِيرَاثُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَحْصُلُ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ، وَلَوْ خُلِّينَا وَظَاهِرَ الْآيَةِ لَقُلْنَا لَا يَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْ الْخَمْرِ أَيْضًا، وَلَكِنْ تَرَكْنَا قَضِيَّةَ ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي قَلِيلِ الْخَمْرِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا إجْمَاعَ فِيمَا عَدَاهُ فَبَقِيَ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ انْتَهَى
أَقُولُ: يَنْتَقِضُ هَذَا الِاسْتِدْلَال بِمَا عَدَا الْخَمْرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ قَلِيلَهَا أَيْضًا حَرَامٌ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا قَاطِبَةً وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، مَعَ أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْمَزْبُورَةِ لَا تَحْصُلُ بِشُرْبِ قَلِيلِهَا كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ خَصَّ السَّكَرَ بِالتَّحْرِيمِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ إذْ الْعَطْفُ لِلْمُغَايِرَةِ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ خَصَّ السَّكَرَ بِالتَّحْرِيمِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ قَصْرُ التَّحْرِيمِ عَلَى السَّكَرِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ دَاخِلَةً عَلَى الْمَقْصُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ خَصَصْت فُلَانًا بِالذِّكْرِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ؛ إذْ هُوَ الْمُفِيدُ لِمُدَّعَاهُمَا هَا هُنَا دُونَ الْعَكْسِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مَسْكَةٍ، لَكِنْ فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مُدَّعَاهُمَا فِي هَذَا الْوَجْهِ كَمَا يَقْتَضِي حِلَّ الْمُثَلَّثِ يَقْتَضِي أَيْضًا حِلَّ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ الثَّلَاثَةِ غَيْرِ الْخَمْرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لُزُومًا وَبُطْلَانًا، عَلَى أَنَّ اسْتِفَادَةَ قَصْرِ التَّحْرِيمِ عَلَى السَّكَرِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ مِنْ مَنْطُوقِ لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مُشْكِلٌ، وَاسْتِفَادَتُهُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمُفْسِدَ هُوَ الْقَدَحُ الْمُسْكِرُ وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَنَا) فَإِنْ قِيلَ: الْقَدَحُ الْأَخِيرُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْكِرًا بِمَا تَقَدَّمَهُ لَا بِانْفِرَادِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا
قُلْنَا: لَمَّا وُجِدَ السُّكْرُ بِشُرْبِ الْقَدَحِ الْأَخِيرِ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ عِلَّةً مَعْنًى وَحُكْمًا، كَذَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ
وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْعِلَّةِ اسْمًا وَمَعْنًى وَحُكْمًا أَوْلَى، وَالْمَجْمُوعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اهـ أَقُولُ: إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَالْمَجْمُوعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَجْمُوعِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ شَيْئًا مِمَّا قَبْلَ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ اسْمًا وَلَا مَعْنًى وَلَا حُكْمًا؛ إذْ الْعِلَّةُ اسْمًا مَا يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ، وَالْعِلَّةُ مَعْنًى مَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ، وَالْعِلَّةُ حُكْمًا مَا يَتَّصِلُ بِهِ الْحُكْمُ، وَلَا يَتَرَاخَى عَنْهُ كَمَا عُرِفَ كُلُّهُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا قَبْلَ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ لَيْسَ بِصِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَجْمُوعَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ لَا يَقْدَحُ فِي مَطْلُوبِنَا هُنَا، إذْ لَا نُنْكِرُ حُرْمَةَ مَجْمُوعِ الْأَقْدَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ عِنْدَ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْقَدَحِ الْمُسْكِرِ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ حُرْمَةَ مَا قَبْلَ الْقَدَحِ الْمُسْكِرِ بِانْفِرَادِهِ
نَعَمْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ أَوْلَى أَمْ إلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ وَحْدَهُ؟ وَالظَّاهِرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ وَحْدَهُ عِلَّةً وَمَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ اسْمًا، لَكِنَّ الْفَاضِلَ التَّفْتَازَانِيَّ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ فِي مَبَاحِثِ الْعِلَّةِ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ: ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَيَصِيرُ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ كَالْمَنِّ الْأَخِيرِ فِي أَثْقَالِ السَّفِينَةِ وَالْقَدَحِ الْأَخِيرِ فِي السُّكْرِ انْتَهَى
وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ عِلَّةً اسْمًا أَيْضًا: أَيْ كَمَا أَنَّهُ عِلَّةٌ مَعْنًى وَحُكْمًا فَيَنْتَظِمُ أَمْرُ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ
[ ١٠ / ١٠٣ ]
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِرِقَّتِهِ وَلَطَافَتِهِ إلَى الْكَثِيرِ فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ، وَالْمُثَلَّثُ لِغِلَظِهِ لَا يَدْعُو وَهُوَ فِي نَفْسِهِ غِذَاءٌ فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ: وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ إذْ هُوَ
وَحْدَهُ بِلَا غُبَارٍ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْحَرَامُ هُوَ الْمُسْكِرُ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَجَازٌ، وَعَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ مُرَادٌ فَلَا يَكُونُ الْمَجَازُ مُرَادًا انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى؛ إذْ لَيْسَ الْكَلَامُ هَا هُنَا فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الْمُسْكِرِ عَلَى شَيْءٍ وَعَدَمِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يُفِيدَ التَّشْبِيثَ بِرُجْحَانِ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ شَيْئًا بَلْ إنَّمَا الْكَلَامُ هُنَا فِي أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلْعَقْلِ هُوَ الْقَدَحُ الْمُسْكِرُ: أَيْ الْمُزِيلُ لِلْعَقْلِ سَوَاءٌ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُسْكِرِ حَقِيقَةً أَمْ لَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْدَاحِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَكَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْقَدَحَ الْمُزِيلَ لِلْعَقْلِ لَا غَيْرَ
وَبِالْجُمْلَةِ مَدَارُ الِاسْتِدْلَالِ هَا هُنَا عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ إزَالَةُ الْعَقْلِ دُونَ اللَّفْظِ، فَلَمَّا وَرَدَ السُّؤَالُ بِأَنَّ الْقَدَحَ الْأَخِيرَ لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ بِانْفِرَادِهِ بَلْ بِمَا تَقَدَّمَ فَكَانَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْدَاحِ مَدْخَلٌ أَيْضًا فِي إزَالَةِ الْعَقْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ أَيْضًا لَمْ يُفِدْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَفْظَ الْمُسْكِرِ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَجَازًا وَعَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ حَقِيقَةً شَيْئًا فِي دَفْعِ ذَلِكَ السُّؤَالِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَتَمَشَّى ذَلِكَ فِي الْجَوَابِ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْخَصْمِ بِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»
وَمَحَلُّهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ؛ إذْ هُوَ الْمُسْكِرُ حَقِيقَةً
وَقَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِ الْعِنَايَةِ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: إطْلَاقُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ وَمَا تَقَدَّمَهُ مَجَازٌ بِلَا شُبْهَةٍ
وَأَمَّا إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ الْقَدَحِ الْأَخِيرِ حَقِيقَةً وَهُوَ مُرَادٌ فَلَا يَكُونُ الْمَجَازُ مُرَادًا انْتَهَى
أَقُولُ: وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ إذَا كَانَ مَجَازًا بِلَا شُبْهَةٍ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْمَجْمُوعَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ أَيْضًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِمَّا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَمِمَّا هُوَ مَجَازٌ فِيهِ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ، وَالْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِمَّا وُضِعَتْ لَهُ وَمِمَّا لَمْ تُوضَعْ لَهُ لَيْسَ مِمَّا وُضِعَتْ لَهُ قَطْعًا
وَلَوْ سُلِّمَ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ حَقِيقَةً فَلَا يَضُرُّنَا؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ مُسْكِرًا كَوْنُ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ أَيْضًا مُسْكِرًا حَتَّى يَلْزَمَ كَوْنُ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ حَرَامًا أَيْضًا تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِرِقَّتِهِ وَلَطَافَتِهِ إلَى الْكَثِيرِ فَأُعْطِيَ حُكْمُهُ) أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ يَقْتَضِي كَوْنَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ مُعَلَّلَةً، وَقَدْ صَرَّحَ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّ الْخَمْرَ عَيْنُهُ حَرَامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ عِنْدَنَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» فَكَانَ الَّذِي يَنْبَغِي هَا هُنَا أَنْ يُقَالَ: وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْ الْخَمْرِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» الْحَدِيثَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا عَلَى التَّنَزُّلِ وَإِلْزَامِ الْخَصْمِ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ الْخَصْمِ، وَلِأَنَّ الْمُسْكِرَ يُفْسِدُ الْعَقْلَ فَيَكُونُ حَرَامًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ فَتَبَصَّرْ (قَوْلُهُ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْحَدِيثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا وَلَمْ يَفْعَلْ كَأَنَّهُ اكْتَفَى بِمُعَارَضَةِ مَا رَوَاهُ لَهُمَا انْتَهَى
أَقُولُ: تَوْجِيهُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا الْخَصْمُ
[ ١٠ / ١٠٤ ]
الْمُسْكِرُ حَقِيقَةً
وَاَلَّذِي يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ حَتَّى يَرِقَّ ثُمَّ يُطْبَخُ طَبْخَةً حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُثَلَّثِ؛ لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ لَا يَزِيدُهُ إلَّا ضَعْفًا، بِخِلَافِ مَا إذَا صُبَّ الْمَاءُ عَلَى الْعَصِيرِ ثُمَّ يُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَذْهَبُ أَوَّلًا لِلَطَافَتِهِ، أَوْ يَذْهَبُ مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ الذَّاهِبُ ثُلُثَيْ مَاءِ الْعِنَبِ
وَلَوْ طُبِخَ الْعِنَبُ كَمَا هُوَ ثُمَّ يُعْصَرُ يُكْتَفَى بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ قَائِمٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ فَصَارَ كَمَا بَعْدَ الْعَصْرِ.
وَلَوْ جُمِعَ فِي الطَّبْخِ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ
عَلَى حُرْمَةِ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ إنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ، وَدَلَالَةُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفِ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَى حِلِّ قَلِيلِ ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ أَوْ الِاقْتِضَاءِ
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ تُرَجَّحُ عَلَى إشَارَةِ النَّصِّ وَاقْتِضَائِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْقَائِلُ بِمُعَارَضَةِ مَا رَوَاهُ لَهُمَا الْمُعَارَضَةَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّسَاقُطِ، وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ بِدُونِ الرُّجْحَانِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْمُعَارَضَةَ مَعَ الرُّجْحَانِ فِي جَانِبِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا الْخَصْمُ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ بَلْ مُخِلٍّ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَاءَ يَذْهَبُ أَوَّلًا لِلَطَافَتِهِ أَوْ يَذْهَبُ مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ الذَّاهِبُ ثُلُثَيْ مَاءِ الْعِنَبِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: أَيْ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ أَيْ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ انْتَهَى
أَقُولُ: مَدَارُ هَذَا الْبَحْثِ عَلَى عَدَمِ فَهْمِ مُرَادِ الشَّارِحِ، فَإِنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: أَيْ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ تَقْيِيدُ الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلَا يَكُونُ الذَّاهِبُ ثُلُثَيْ مَاءِ الْعِنَبِ لَا تَقْيِيدَ النَّفْيِ
فَالْمَعْنَى أَنَّ ذَهَابَ ثُلُثَيْ مَاءِ الْعِنَبِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ ثُلُثَيْ مَاءِ الْعِنَبِ لَا يَكُونُ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَهَابَهُمَا الْقَطْعِيَّ لَمْ يَثْبُتْ؛ لِأَنَّ عَدَمَ ذَهَابِهِمَا قَطْعِيٌّ، فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ ذَهَابُهُمَا عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ بَلْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ أَقَلَّ مِنْهُمَا بِأَنْ يَذْهَبَ الْمَاءُ أَوَّلًا لِلَطَافَتِهِ قُلْنَا بِحُرْمَةِ شُرْبِ ذَلِكَ الْعَصِيرِ احْتِيَاطًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ فَلَا مَحَلَّ لِلْبَحْثِ الْمَذْكُورِ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَعَلُّقِ الْقَيْدِ بِالنَّفْيِ وَبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِالْمَنْفِيِّ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْمَقَامِ أَصْلٌ كَبِيرٌ قَدْ نُبِّهَ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى مِنْ عِلْمِ الْبَلَاغَةِ فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَى ذَلِكَ الْقَائِلِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ جُمِعَ فِي الطَّبْخِ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ) قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَنَا فِي قَوْلِهِ أَوْ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَاءَ الزَّبِيبِ كَمَاءِ التَّمْرِ يُكْتَفَى فِيهِمَا
[ ١٠ / ١٠٥ ]
لِأَنَّ التَّمْرَ إنْ كَانَ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فَعَصِيرُ الْعِنَبِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَيُعْتَبَرُ جَانِبُ الْعِنَبِ احْتِيَاطًا، وَكَذَا إذَا جُمِعَ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَقِيعِ التَّمْرِ لِمَا قُلْنَا.
وَلَوْ طُبِخَ نَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ ثُمَّ أُنْقِعَ فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ، إنْ كَانَ مَا أَنْقَعَ فِيهِ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُتَّخَذُ النَّبِيذُ مِنْ مِثْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يُتَّخَذُ النَّبِيذُ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ يَحِلَّ كَمَا إذَا صُبَّ فِي الْمَطْبُوخِ قَدَحٌ مِنْ النَّقِيعِ
وَالْمَعْنَى تَغْلِيبُ جِهَةِ الْحُرْمَةِ، وَلَا حَدَّ فِي شُرْبِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلِاحْتِيَاطِ وَهُوَ لِلْحَدِّ فِي دَرْئِهِ.
وَلَوْ طُبِخَ الْخَمْرُ أَوْ غَيْرُهُ بَعْدَ الِاشْتِدَادِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ قَدْ تَقَرَّرَتْ فَلَا تَرْتَفِعُ بِالطَّبْخِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ «فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ ظَرْفٍ، فَإِنَّ الظَّرْفَ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَلَا تَشْرَبُوا الْمُسْكِرَ» وَقَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَ عَنْ النَّهْيِ عَنْهُ فَكَانَ نَاسِخًا لَهُ، وَإِنَّمَا يُنْتَبَذُ فِيهِ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوِعَاءُ عَتِيقًا يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ، وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا لَا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِتَشَرُّبِ الْخَمْرِ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَتِيقِ
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ مَا لَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ، وَقِيلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: يُمْلَأُ مَاءً مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى إذَا خَرَجَ الْمَاءُ صَافِيًا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ.
قَالَ (وَإِذَا تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ حَلَّتْ سَوَاءٌ صَارَتْ
بِأَدْنَى طَبْخَةٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقُدُورِيُّ قَبْلَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ: وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ وَإِنْ اشْتَدَّ انْتَهَى
أَقُولُ: وَقَوْلُ الْقُدُورِيِّ بَعْدَهُ: وَلَا بَأْسَ بِالْخَلِيطَيْنِ أَظْهَرُ فِي تَرْوِيجِ نَظَرِ صَاحِبِ الْغَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ وَإِنْ اشْتَدَّ؛ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الِاجْتِمَاعِ مَا لَا يَكُونُ فِي الِانْفِرَادِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْحِلَّ فِي الثَّانِي الْحِلُّ فِي الْأَوَّلِ
وَقَدْ تَشَبَّثَ صَاحِبُ الْغَايَةِ فِي تَرْوِيجِ نَظَرِهِ بِقَوْلِ الْقُدُورِيِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِقَوْلِهِ الثَّانِي، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي فَهِمَ رَكَاكَةً فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَا هُنَا حَيْثُ غَيَّرَ عِبَارَتَهُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ: وَلَوْ جُمِعَ فِي الطَّبْخِ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ بِالطَّبْخِ مِنْهُ ثُلُثَاهُ انْتَهَى
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ لَفْظُ التَّمْرِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ بَدَلَ لَفْظِ الْعِنَبِ سَهْوًا مِنْ نَفْسِ الْمُصَنِّفِ أَوْ مِنْ النَّاسِخِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى نَوْعُ قُصُورٍ فِي التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَا هُنَا عَنْ إفَادَةِ الْمُدَّعَى فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ بِالزَّبِيبِ فِي التَّعْلِيلِ قَطُّ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَاجَ الشَّرِيعَةِ وَجَّهَ مَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْهِدَايَةِ هَا هُنَا حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: هَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَأَتَّى فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ عَلَى مَا قَالَ
[ ١٠ / ١٠٦ ]
خَلًّا بِنَفْسِهَا أَوْ بِشَيْءٍ يُطْرَحُ فِيهَا، وَلَا يُكْرَهُ تَخْلِيلُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ التَّخْلِيلُ وَلَا يَحِلُّ الْخَلُّ الْحَاصِلُ بِهِ إنْ كَانَ التَّخْلِيلُ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ فَلَهُ فِي الْخَلِّ الْحَاصِلِ بِهِ قَوْلَانِ
لَهُ أَنَّ فِي التَّخْلِيلِ اقْتِرَابًا مِنْ الْخَمْرِ عَلَى وَجْهِ التَّمَوُّلِ، وَالْأَمْرُ بِالِاجْتِنَابِ يُنَافِيه
وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَقَوْلُهُ ﵊ «خَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ» وَلِأَنَّ بِالتَّخْلِيلِ يَزُولُ الْوَصْفُ الْمُفْسِدُ وَتَثْبُتُ صِفَةُ الصَّلَاحِ مِنْ حَيْثُ تَسْكِينُ الصَّفْرَاءِ وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَالتَّغَذِّي بِهِ وَالْإِصْلَاحُ مُبَاحٌ، وَكَذَا الصَّالِحُ لِلْمَصَالِحِ اعْتِبَارًا بِالْمُتَخَلِّلِ بِنَفْسِهِ وَبِالدِّبَاغِ وَالِاقْتِرَابِ لِإِعْدَامِ الْفَسَادِ فَأَشْبَهَ الْإِرَاقَةَ، وَالتَّخْلِيلُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ إحْرَازِ مَالٍ يَصِيرُ حَلَالًا فِي الثَّانِي فَيَخْتَارُهُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ، وَإِذَا صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا يَطْهُرُ مَا يُوَازِيهَا مِنْ الْإِنَاءِ، فَأَمَّا أَعْلَاهُ وَهُوَ الَّذِي نَقَصَ مِنْهُ الْخَمْرُ قِيلَ يَطْهُرُ تَبَعًا
وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ خَمْرٌ يَابِسٌ إلَّا إذَا غُسِلَ بِالْخَلِّ فَيَتَخَلَّلُ مِنْ سَاعَتِهِ فَيَطْهُرُ، وَكَذَا إذَا صُبَّ فِيهِ الْخَمْرُ ثُمَّ مُلِئَ خَلًّا يَطْهُرُ فِي الْحَالِ عَلَى مَا قَالُوا.
قَالَ (وَيُكْرَهُ شُرْبُ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ وَالِامْتِشَاطُ بِهِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ، وَالِانْتِفَاعُ بِالْمُحَرَّمِ حَرَامٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُدَاوِيَ بِهِ جُرْحًا أَوْ دَبْرَةَ دَابَّةٍ وَلَا أَنْ يَسْقِيَ ذِمِّيًّا وَلَا أَنْ يَسْقِيَ صَبِيًّا لِلتَّدَاوِي، وَالْوَبَالُ عَلَى مَنْ سَقَاهُ، وَكَذَا لَا يَسْقِيهَا الدَّوَابَّ
وَقِيلَ: لَا تُحْمَلُ الْخَمْرُ إلَيْهَا، أَمَّا إذَا قُيِّدَتْ إلَى الْخَمْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي الْكَلْبِ وَالْمَيْتَةِ
وَلَوْ أُلْقِيَ
فِي الْمُخْتَصَرِ إنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِمَا بِأَدْنَى طَبْخَةٍ
قُلْت: إنَّ هَذَا عَلَى مَا رَوَى هِشَامٌ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ انْتَهَى
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الْعَيْنِيُّ
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِذَا طُبِخَ الزَّبِيبُ أَدْنَى طَبْخَةٍ فَهُوَ النَّبِيذُ، وَيَحِلُّ شُرْبُهُ مَا دَامَ حُلْوًا، وَأَمَّا إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَحِلُّ الشُّرْبُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ
وَرَوَى هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ الثُّلُثَانِ بِالطَّبْخِ لَا يَحِلُّ انْتَهَى، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
[ ١٠ / ١٠٧ ]
الدُّرْدِيُّ فِي الْخَلِّ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَلًّا لَكِنْ يُبَاحُ حَمْلُ الْخَلِّ إلَيْهِ لَا عَكْسُهُ لِمَا قُلْنَا.
قَالَ (وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ) أَيْ شَارِبُ الدُّرْدِيِّ (إنْ لَمْ يَسْكَرْ)
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ شَرِبَ جُزْءًا مِنْ الْخَمْرِ
وَلَنَا أَنَّ قَلِيلَهُ لَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ النَّبْوَةِ عَنْهُ فَكَانَ نَاقِصًا فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَلَا حَدَّ فِيهَا إلَّا بِالسُّكْرِ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الثُّفْلُ فَصَارَ كَمَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ بِالِامْتِزَاجِ
(وَيُكْرَهُ الِاحْتِقَانُ بِالْخَمْرِ وَإِقْطَارُهَا فِي الْإِحْلِيلِ)؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمُحَرَّمِ
وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ لِعَدَمِ الشُّرْبِ وَهُوَ السَّبَبُ، وَلَوْ جُعِلَ الْخَمْرُ فِي مَرَقَةٍ لَا تُؤْكَلُ لِتَنَجُّسِهَا بِهَا وَلَا حَدَّ مَا لَمْ يَسْكَرْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ الطَّبْخُ
وَيُكْرَهُ أَكْلُ خُبْزٍ عُجِنَ عَجِينُهُ بِالْخَمْرِ لِقِيَامِ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ فِيهِ.
فَصْلٌ فِي طَبْخِ الْعَصِيرِ
وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا ذَهَبَ بِغَلَيَانِهِ بِالنَّارِ وَقَذَفَهُ بِالزَّبَدِ يُجْعَلُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَيُعْتَبَرُ ذَهَابُ ثُلُثَيْ مَا بَقِيَ لِيَحِلَّ الثُّلُثُ الْبَاقِي، بَيَانُهُ عَشَرَةُ دَوَارِقَ مِنْ عَصِيرٍ طُبِخَ فَذَهَبَ دَوْرَقٌ بِالزَّبَدِ يُطْبَخُ الْبَاقِي حَتَّى يَذْهَبَ سِتَّةُ دَوَارِقَ وَيَبْقَى الثُّلُثُ فَيَحِلُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ زَبَدًا هُوَ الْعَصِيرُ أَوْ مَا يُمَازِجُهُ، وَأَيًّا مَا كَانَ جُعِلَ كَأَنَّ الْعَصِيرَ تِسْعَةُ دَوَارِقَ فَيَكُونُ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةً
وَأَصْلٌ آخَرُ أَنَّ الْعَصِيرَ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ قَبْلَ الطَّبْخِ ثُمَّ طُبِخَ بِمَائِهِ، إنْ كَانَ الْمَاءُ أَسْرَعَ ذَهَابًا لِرِقَّتِهِ وَلَطَافَتِهِ يُطْبَخُ الْبَاقِي بَعْدَ مَا ذَهَبَ مِقْدَارُ مَا صُبَّ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّ الذَّاهِبَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَاءُ وَالثَّانِي الْعَصِيرُ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذَهَابِ ثُلُثَيْ الْعَصِيرِ، وَإِنْ كَانَا يَذْهَبَانِ مَعًا تُغْلَى الْجُمْلَةُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى ثُلُثُهُ فَيَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ الثُّلُثَانِ مَاءً وَعَصِيرًا وَالثُّلُثُ الْبَاقِي مَاءٌ وَعَصِيرٌ فَصَارَ كَمَا إذَا صُبَّ الْمَاءُ فِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ مِنْ الْعَصِيرِ بِالْغَلْيِ ثُلُثَاهُ
بَيَانُهُ عَشَرَةُ دَوَارِقَ مِنْ عَصِيرٍ وَعِشْرُونَ دَوْرَقًا مِنْ مَاءٍ
فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ
(فَصْلٌ فِي طَبْخِ الْعَصِيرِ)
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: لَمَّا كَانَ طَبْخُ الْعَصِيرِ مِنْ أَسْبَابِ مَنْعِهِ عَنْ التَّخَمُّرِ أَلْحَقَهُ بِالْأَشْرِبَةِ تَعْلِيمًا لِإِبْقَاءِ مَا هُوَ حَلَالٌ عَلَى حِلِّهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا ذَكَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَصِيرَ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ شَرَعَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ طَبْخِ الْعَصِيرِ إلَى أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ زَبَدًا هُوَ الْعَصِيرُ أَوْ مَا يُمَازِجُهُ، وَأَيًّا مَا كَانَ جُعِلَ كَأَنَّ الْعَصِيرَ تِسْعَةٌ فَيَكُونُ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةً) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ
[ ١٠ / ١٠٨ ]
يُطْبَخُ حَتَّى يَبْقَى تُسْعُ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثُ الْعَصِيرِ؛ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا الْجُمْلَةِ لِمَا قُلْنَا، وَالْغَلْيُ بِدَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ سَوَاءٌ إذَا حَصَلَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُحَرَّمًا
وَلَوْ قُطِعَ عَنْهُ النَّارُ فَغَلَى حَتَّى ذَهَبَ الثُّلُثَانِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ النَّارِ
وَأَصْلٌ آخَرُ أَنَّ الْعَصِيرَ إذَا طُبِخَ فَذَهَبَ بَعْضُهُ ثُمَّ أُهْرِيقَ بَعْضُهُ كَمْ تُطْبَخُ الْبَقِيَّةُ حَتَّى يَذْهَبَ الثُّلُثَانِ فَالسَّبِيلُ فِيهِ أَنْ تَأْخُذَ ثُلُثَ الْجَمِيعِ فَتَضْرِبَهُ فِي الْبَاقِي بَعْدَ الْمُنْصَبِّ ثُمَّ تَقْسِمَهُ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَهَابِ مَا ذَهَبَ بِالطَّبْخِ قَبْلَ أَنْ يَنْصَبَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَمَا يَخْرُجُ بِالْقِسْمَةِ فَهُوَ حَلَالٌ
بَيَانُهُ عَشَرَةُ أَرْطَالِ عَصِيرٍ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ رِطْلٌ ثُمَّ أُهْرِيقَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ تَأْخُذُ ثُلُثَ الْعَصِيرِ كُلَّهُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ وَتَضْرِبُهُ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْمُنْصَبِّ هُوَ سِتَّةٌ فَيَكُونُ عِشْرِينَ ثُمَّ تَقْسِمُ الْعِشْرِينَ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بِالطَّبْخِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَبَّ مِنْهُ شَيْءٌ وَذَلِكَ تِسْعَةٌ، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ اثْنَانِ وَتُسْعَانِ، فَعَرَفْت أَنَّ الْحَلَالَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ رِطْلَانِ وَتُسْعَانِ، وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ الْمَسَائِلُ وَلَهَا طَرِيقٌ آخَرُ،
أَنَّ وَجْهَ جَعْلِ الْعَصِيرِ تِسْعَةَ دَوَارِقَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ زَبَدًا هُوَ الْعَصِيرُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ إذْ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فَرْقٌ بَيْنَ الذَّاهِبِ زَبَدًا مِنْ عَشَرَةِ دَوَارِقَ وَبَيْنَ الْبَاقِي مِنْهَا فِي كَوْنِهَا عَصِيرًا، فَإِذَا جَازَ اعْتِبَارُ بَعْضٍ مِنْهَا وَهُوَ الذَّاهِبُ زَبَدًا فِي حُكْمِ الْعَدَمِ بِلَا أَمْرٍ يُوجِبُهُ فَلِمَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ بَعْضٍ مِنْ التِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْهَا أَيْضًا فِي حُكْمِ الْعَدَمِ عِنْدَ ذَهَابِهِ بِالطَّبْخِ
وَالْأَظْهَرُ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ زَبَدًا جُعِلَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الزَّبَدَ لَيْسَ بِعَصِيرٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ صُبَّ فِيهِ دَوْرَقٌ مِنْ مَاءٍ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ الْمَاءُ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَيُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةُ نَقْلًا عَنْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: فِي الْأَصْلِ عَشَرَةُ دَوَارِقَ عَصِيرٍ تُصَبُّ فِي قِدْرٍ فَتُطْبَخُ فَتَغْلِي وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ ذَلِكَ الزَّبَدَ حَتَّى جَمَعَ مِنْ ذَلِكَ الزَّبَدِ قَدْرَ دَوْرَقٍ، ثُمَّ يُطْبَخُ الْبَاقِي حَتَّى يَبْقَى ثَلَاثَةُ دَوَارِقَ وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ الدَّوْرَقِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا أُخِذَ مِنْ الدَّوْرَقِ زَبَدٌ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الزَّبَدَ لَيْسَ بِعَصِيرٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الزَّبَدُ عَصِيرًا يُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ كَانَ صُبَّ فِيهِ دَوْرَقٌ مِنْ مَاءٍ، وَلَوْ
[ ١٠ / ١٠٩ ]
وَفِيمَا اكْتَفَيْنَا بِهِ كِفَايَةٌ وَهِدَايَةٌ إلَى تَخْرِيجِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ.