لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ تَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ الْهِبَةُ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ، وَقَدَّمَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَنَافِعِ؛ وَلِأَنَّ فِي الْأُولَى عَدَمَ الْعِوَضِ، وَالْعَدَمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُجُودِ. ثُمَّ لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ مُنَاسَبَةٌ خَاصَّةٌ بِفَصْلِ الصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا يَقَعَانِ لَازِمَيْنِ فَلِذَلِكَ أَوْرَدَ كِتَابَ الْإِجَارَاتِ مُتَّصِلًا بِفَصْلِ الصَّدَقَةِ، كَذَا
[ ٩ / ٥٧ ]
كِتَابُ الْإِجَارَاتِ
(الْإِجَارَةُ: عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ)
فِي الشُّرُوحِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَإِنَّمَا جَمَعَهَا إشَارَةً إلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ ذَاتُ أَفْرَادٍ. فَإِنَّ لَهَا نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَرِدُ عَلَى مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ، وَالْأَرَاضِيِ، وَالدَّوَابِّ، وَنَوْعٌ يَرِدُ عَلَى الْعَمَلِ كَاسْتِئْجَارِ الْمُحْتَرَفِينَ لِلْأَعْمَالِ نَحْوَ الْقِصَارَةِ، وَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهِمَا. اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ اخْتِلَالٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْأَفْرَادِ فِي قَوْلِهِ ذَاتُ أَفْرَادٍ الْأَشْخَاصَ الْجُزْئِيَّةَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْأَفْرَادِ لَمْ تَحْصُلْ فَائِدَةٌ فِي جَمْعِهَا، إذْ لَا يَحْتَمِلُ عِنْدَ أَحَدٍ أَنْ يَكُونَ لِحَقِيقَتِهَا فَرْدٌ وَاحِدٌ شَخْصِيٌّ أَوْ فَرْدَانِ شَخْصِيَّانِ فَقَطْ حَتَّى يَجْمَعَهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهَا ذَاتُ أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ. عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنَّ لَهَا نَوْعَيْنِ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى حِينَئِذٍ كَمَا لَا يَخْفَى. وَإِنْ أَرَادَ بِالْأَفْرَادِ فِي قَوْلِهِ الْمَزْبُورِ الْأَنْوَاعُ الْكُلِّيَّةُ لَمْ يَتِمَّ بَيَانُهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ لَهَا نَوْعَيْنِ إلَخْ، إذْ بِمُجَرَّدِ تَحَقُّقِ النَّوْعَيْنِ لَهَا لَا يَصِحُّ إيرَادُهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ مِنْ كَوْنِ أَقَلِّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةً.
وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ السَّخِيفُ جِدًّا مِنْ كَوْنِ أَقَلِّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْتَكَبَ وَيُبْنَى عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ عَلَمٌ فِي التَّحْقِيقِ. فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا جَمَعَهَا إشَارَةً إلَى أَنَّ لَهَا أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً: نَوْعٌ تَصِيرُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ مَعْلُومَةً بِالْمُدَّةِ كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ لِلسُّكْنَى، وَنَوْعٌ تَصِيرُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ مَعْلُومَةً بِالتَّسْمِيَةِ كَاسْتِئْجَارِ رَجُلٍ عَلَى صَبْغِ ثَوْبٍ أَوْ خِيَاطَتِهِ.
وَنَوْعٌ تَصِيرُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ، وَالْإِشَارَةِ كَاسْتِئْجَارِ رَجُلٍ لِيَنْقُلَ هَذَا الطَّعَامَ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ. وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْهَا فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ، وَالْمَنَافِعُ تَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالْمُدَّةِ وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّسْمِيَةِ، وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ، وَالْإِشَارَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا عَنْ قَرِيبٍ. (قَوْلُهُ: الْإِجَارَةُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلَوْ قَالَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ أَوْ نَحْوُهُ لَكَانَ أَوْلَى لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ النِّكَاحَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِبَاحَةُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ بِخِلَافِ تَعْرِيفِ الْكِتَابِ حَيْثُ يَشْمَلُهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ بِقَرِينَةِ الشُّهْرَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، إذْ لَوْ قَالَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ وَنَحْوُهُ لَمْ يَتَفَاوَتْ الْأَمْرُ، فَإِنَّ النِّكَاحَ أَيْضًا تَمْلِيكٌ قَطْعًا لَا اسْتِبَاحَةٌ مَحْضَةٌ، وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بَلْ لَمَا جَازَ، وَقَدْ أَفْصَحُوا عَنْ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ فَسَّرُوا النِّكَاحَ فِي الشَّرْعِ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ بَلْ الْمُتُونِ بِأَنَّهُ عَقْدٌ مَوْضُوعٌ لِتَمْلِيكِ الْمُتْعَةِ، وَقَالُوا: الْمُسْتَوْفَى بِالنِّكَاحِ مَمْلُوكٌ لِلْعَاقِدِ بِدَلَالَةِ جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ وَبِدَلَالَةِ أَنَّهُ اخْتَصَّ بِهِ انْتِفَاعًا وَحَجْرًا. وَقَالُوا: لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ، وَالْإِحْلَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ مِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ هَاهُنَا فِي شَرْحِهِ لِلْكَنْزِ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِبَاحَةُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ مُنَاقِضٍ لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ تَمْلِيكٌ، حَتَّى أَنَّ صَاحِبَ الْكَنْزِ نَفْسَهُ أَيْضًا صَرَّحَ فِي أَوَّلِ النِّكَاحِ بِأَنَّهُ عَقْدٌ يَرِدُ عَلَى تَمْلِيكِ الْمُتْعَةِ قَصْدًا وَمُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ الِاعْتِيَاضَ لَا يَجُوزُ فِي الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَبَاحَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يُتْلِفُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِمَّا يُعْتَدُّ بِهِ وَيُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ قَالَ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمَزْبُورِ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ النِّكَاحُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ بَلْ هُوَ إبَاحَةٌ
[ ٩ / ٥٨ ]
لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي اللُّغَةِ بَيْعُ الْمَنَافِعِ،
مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ أَنَّهُ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَيْنَ كَلَامَيْهِ تَدَافُعًا، فَإِنَّ مَدَارَ الْأَوَّلِ صِحَّةُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَمُقْتَضَى الثَّانِي عَدَمُ صِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَا تَقَرَّرَ فِيمَا سَبَقَ. ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِ تَنَاوُلِ تَعْرِيفِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ لِلنِّكَاحِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النِّكَاحِ: وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي، وَالشُّرَّاحُ هُنَاكَ: وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالنِّكَاحِ مَنْفَعَةٌ حَقِيقَةٌ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْعِوَضَ فِي النِّكَاحِ أَجْرًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مُشَاكِلٌ لِلْإِجَارَةِ.
وَلَنَا أَنَّ الْمَمْلُوكَ بِالنِّكَاحِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ إلَّا مُؤَبَّدًا، وَالْإِجَارَةُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا مُؤَقَّتَةً فَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ فَأَنَّى تَصِحُّ الِاسْتِعَارَةُ؟. انْتَهَى كَلَامُهُمْ. فَإِذَا كَانَ الْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ بِذَلِكَ جَعْلُ لَفْظِ الْإِجَارَةِ اسْتِعَارَةً لِلنِّكَاحِ لَمْ يَتَنَاوَلْ تَعْرِيفَ الْإِجَارَةِ بِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ، أَوْ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ لِلنِّكَاحِ تَأَمَّلْ تَقِفْ. وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يُبْطِلُهُ. اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ كَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ التَّعْرِيفِ كَثِيرٌ مِنْ الْإِجَارَاتِ كَمَا يَخْرُجُ النِّكَاحُ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَاتِ تَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالْمُدَّةِ كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ لِلسُّكْنَى، وَالْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ، وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّسْمِيَةِ كَاسْتِئْجَارِ رَجُلٍ عَلَى صَبْغِ ثَوْبٍ أَوْ خِيَاطَتِهِ، وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ، وَالْإِشَارَةِ كَاسْتِئْجَارِ رَجُلٍ؛ لِيَنْقُلَ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، وَتَعْيِينُ الْمُدَّةِ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا، فَتَخْرُجُ الْإِجَارَاتُ الْمُنْدَرِجَةُ تَحْتَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ تَعْرِيفِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَيَخْتَلُّ قَطْعًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي اللُّغَةِ بَيْعُ الْمَنَافِعِ) قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ: قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ وَهِيَ مَا أَعْطَيْت مِنْ كِرَاءِ الْأَجِيرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. قُلْتُ: قَدْ بَيَّنْتُ لَكَ عَنْ قَرِيبٍ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرًا فَيَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ. اهـ. أَقُولُ: النَّظَرُ الْمَزْبُورُ ظَاهِرُ الْوُرُودِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الْإِجَارَةَ اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ لَا أَمْرٌ آخَرُ، وَإِنَّمَا الَّذِي هُوَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ الْإِيجَارُ، وَقَدْ كَانَ هَذَا خَطِرَ بِبَالِي حَتَّى كَتَبْتُهُ فِي مُسْوَدَّاتِي مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَرَى مَا كَتَبَهُ غَيْرِي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ قُلْتُ قَدْ بَيَّنْتُ لَكَ عَنْ قَرِيبٍ إلَخْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ قَدْ بَيَّنْتُ لَكَ إلَخْ مَا ذَكَرَهُ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْإِجَارَاتِ بِقَوْلِهِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرًا مِنْهُ كَمَا تَقُولُ كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابَةً بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ جَمْعُ إجَارَةٍ عَلَى فِعَالَةٍ بِالْكَسْرِ اسْمُ لِلْأَجْرِ بِمَعْنَى الْأُجْرَةِ، مِنْ أَجَرَهُ إذَا أَعْطَاهُ أَجْرَهُ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْدِي شَيْئًا فِي الْجَوَابِ عَنْ النَّظَرِ الْمَزْبُورِ. إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ أَنَّ مَصْدَرَ الثُّلَاثِيِّ سَمَاعِيٌّ لَا قِيَاسَ فِيهِ، فَكَوْنُ الْكِتَابَةِ مَصْدَرًا مِنْ كَتَبَ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْإِجَارَةِ أَيْضًا مَصْدَرًا مِنْ أَجَرَ، فَإِنَّ الْكِتَابَةَ سُمِعَتْ مَصْدَرًا مِنْ كَتَبَ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَلَمْ تُسْمَعْ مَصْدَرًا قَطُّ.
وَالْكَلَامُ فِيمَا سُمِعَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا فِي الِاحْتِمَالِ الْعَقْلِيِّ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ مَجِيءُ الْإِجَارَةِ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرًا مِنْ أَجَرَهُ إذَا أَعْطَاهُ أَجْرَهُ كَمَجِيءِ الْأَجْرِ مَصْدَرًا مِنْهُ لَمْ يَسْتَقِمْ الْكَلَامُ أَيْضًا، إذْ لَا تَكُونُ
[ ٩ / ٥٩ ]
وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ، وَإِضَافَةُ التَّمْلِيكِ إلَى مَا سَيُوجَدُ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَقَدْ شَهِدَتْ بِصِحَّتِهَا الْآثَارُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنْفَعَةِ، وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهَا لِيَرْتَبِطَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ،
الْإِجَارَةُ حِينَئِذٍ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ بَيْعَ الْمَنَافِعِ بَلْ تَكُونُ إعْطَاءَ الْأَجْرِ، وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّ الْإِجَارَةَ فِي اللُّغَةِ بَيْعُ الْمَنَافِعِ فَلَا اسْتِقَامَةَ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ هَاهُنَا: بَيَّنَ الْمَفْهُومَ الشَّرْعِيَّ قَبْلَ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ اللُّغَوِيَّ هُوَ الشَّرْعِيُّ بِلَا مُخَالَفَةٍ، وَهُوَ فِي بَيَانِ شَرْعِيَّتِهَا فَالشَّرْعِيُّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ. اهـ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِي بَيَانِ شَرْعِيَّتِهَا لَوْ تَمَّ لَاقْتَضَى تَقْدِيمَ الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ مُوَافِقًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، مَعَ أَنَّ دَأَبَ الْمُصَنَّفِينَ عَنْ آخِرِهِمْ جَرَى عَلَى تَقْدِيمِ بَيَانِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عَلَى بَيَانِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِكَوْنِ اللُّغَوِيِّ هُوَ الْأَصْلَ الْمُتَقَدِّمَ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي هَاهُنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ سَلَكَ مَسْلَكَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الْإِجَارَةِ فِي الشَّرْعِ عَقْدًا عَلَى الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ، وَلَكِنْ طَوَى الصُّغْرَى فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ مَعْنَى الْإِجَارَةِ فِي الشَّرْعِ هُوَ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ. وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ بَيْعُ الْمَنَافِعِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ مَفْهُومِهَا الشَّرْعِيِّ بِنَاءً عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُدَّعَى عَلَى الدَّلِيلِ، تَدَبَّرْ فَإِنَّهُ وَجْهٌ حَسَنٌ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ وَقَدْ شَهِدَتْ بِصِحَّتِهِ الْآثَارُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: إلَّا أَنَّهَا جُوِّزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ لِحَاجَةِ النَّاسِ فَكَانَ اسْتِحْسَانًا بِالْأَثَرِ. اهـ. أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِهِ قُصُورٌ، إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهَا جُوِّزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ، وَمِنْ قَوْلِهِ فَكَانَ اسْتِحْسَانًا بِالْأَثَرِ أَنْ يَنْحَصِرَ دَلِيلُ شَرْعِيَّتِهَا فِي الْأَثَرِ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ فَائِدَةٌ فِي ذِكْرِ قَيْدِ الْأَثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْحَصِرٍ فِي الْأَثَرِ بَلْ الْكِتَابُ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ وَكَذَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ الْمُتَأَمِّلِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ قَوْلُهُ: ﵊ «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ») قَالَ الشُّرَّاحُ: فَإِنَّ الْأَمْرَ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: سَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا أَجْرُ الْمِثْلِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَاجِبَ الشَّرْعِيَّ مَأْمُورٌ بِإِعْطَائِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ، فَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ بِإِعْطَائِهِ الْأَجْرَ دَلِيلَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: وَقَعَ الْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ الْمُضَافِ إلَى الْأَجِيرِ حَيْثُ قَالَ «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ» وَذَلِكَ يُفِيدُ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالْأَجْرِ الْمَأْمُورِ بِإِعْطَائِهِ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى لِلْأَجِيرِ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ مُطْلَقًا، وَالْأَمْرُ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى لِلْأَجِيرِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ تَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنْفَعَةِ، وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْعَقْدِ لِيَرْتَبِطَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا بُدَّ أَنْ يُتَأَمَّلَ فِي هَذَا
[ ٩ / ٦٠ ]
ثُمَّ عَمَلُهُ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَنْفَعَةِ مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا حَالَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ.
(وَلَا تَصِحُّ حَتَّى تَكُونَ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً، وَالْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَبَدَلِهِ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فِي الْبَيْعِ (وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ)؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ، فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ.
الْمَقَامِ، فَإِنَّ الِانْعِقَادَ هُوَ ارْتِبَاطُ الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ، فَإِذَا حَصَلَ الِارْتِبَاطُ بِإِقَامَةِ الدَّارِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ يَتَحَقَّقُ الِانْعِقَادُ، فَأَيُّ مَعْنًى لِلِانْعِقَادِ سَاعَةً فَسَاعَةً بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: جَوَابُ هَذَا الْإِشْكَالِ يَنْكَشِفُ جِدًّا بِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: وَالْمُرَادُ مِنْ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ سَاعَةً فَسَاعَةً فِي كَلَامِ مَشَايِخِنَا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ هُوَ عَمَلُ الْعِلَّةِ وَنَفَاذُهَا فِي الْمَحَلِّ سَاعَةً فَسَاعَةً لَا ارْتِبَاطُ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ كُلَّ سَاعَةٍ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ يُوهِمُ ذَلِكَ. وَالْحُكْمُ تَأَخَّرَ مِنْ زَمَانِ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ إلَى حُدُوثِ الْمَنَافِعِ سَاعَةً فَسَاعَةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَابِلٌ لِلتَّرَاخِي كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ. وَفَسَّرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: اللَّفْظَانِ الصَّادِرَانِ مِنْهُمَا مُضَافَيْنِ إلَى مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ الدَّارُ صَحَّا كَلَامًا، وَهُوَ عَقْدُ بَيْنِهِمَا، إذْ الْعَقْدُ فِعْلُهُمَا وَلَا فِعْلَ يَصْدُرُ مِنْهُمَا سِوَى تَرْتِيبِ الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ، ثُمَّ لِانْعِقَادِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَثْبُتُ وَصْفًا لِكَلَامَيْهِمَا شَرْعًا، وَالْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مُغَايِرَةٌ لِلْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَنْفَكَّ عَنْ مَعْلُولَاتِهَا، فَجَازَ أَنْ يُقَالَ: الْعَقْدُ وُجِدَ وَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامَيْهِمَا، وَالِانْعِقَادُ تَرَاخَى إلَى وُجُودِ الْمَنَافِعِ سَاعَةً فَسَاعَةً، بِخِلَافِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ. فَإِنَّ الِانْكِسَارَ لَا يَصِحُّ انْفِكَاكُهُ عَنْ الْكَسْرِ، إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ الْغَايَةِ.
فَكَأَنَّ ذَلِكَ الْمُسْتَشْكِلَ لَمْ يَرَ هَذَا الْكَلَامَ أَوْ لَمْ يَقْنَعْ بِهِ، وَكِلَاهُمَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ جَعَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ، وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ إلَخْ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ رُجُوعُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ فِيهَا، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ شَهْرًا مَثَلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِلَا عُذْرٍ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ، وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْعَقْدِ لِيَرْتَبِطَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ إلْزَامًا لِلْعَقْدِ فِي الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ تَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ انْعِقَادُ الْعَقْدِ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ كُلِّهِ بِمُجَرَّدِ إقَامَةِ الدَّارِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْعَقْدِ لِيَرْتَبِطَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ لَمْ يَظْهَرْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ، إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ تَنْعَقِدَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، وَهِيَ سَاعَةُ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ وَارْتِبَاطُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الِانْعِقَادُ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الْإِقَامَةِ بَلْ حَصَلَ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ يُرَدُّ السُّؤَالُ الْمُقَدَّرُ الْمَزْبُورُ عَلَى قَوْلِهِمْ وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَلَا يَتِمُّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ.
وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ إلَخْ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ آخَرَ كَمَا لَا يَخْفَى، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ الْجَوَابَ عَنْ السُّؤَالِ الْمَزْبُورِ، بَلْ مُرَادُهُ بِهِ تَوْجِيهُ صِحَّةِ الْعَقْدِ
[ ٩ / ٦١ ]
وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالْأَعْيَانِ.
فِي الْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى أَصْلِ أَئِمَّتِنَا كَمَا فَصَّلَ فِي الْكَافِي وَسَائِرِ الشُّرُوحِ، سِيَّمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: بَيَانُ مَا قُلْنَا هُوَ أَنَّ الْعَقْدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ شَرْطُ صِحَّةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تَصِحُّ بِلَا مَحَلٍّ، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمَحَالُّ شُرُوطٌ، وَمَحَلُّ الْعَقْدِ هَاهُنَا هِيَ الْمَنَافِعُ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ، وَلَا يَصْلُحُ الْمَعْدُومُ مَحَلًّا لِلْعَقْدِ فَجُعِلَتْ الدَّارُ مَحَلًّا لِلْعَقْدِ بِإِقَامَتِهَا مَقَامَ الْمَنَافِعِ الَّتِي سَتُوجَدُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ مَحَلُّ الْمَنَافِعِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ حَتَّى يَرْتَبِطَ الْكَلَامَانِ وَهُمَا الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونَانِ عِلَّةً صَالِحَةً فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ وَهُوَ مِلْكُ الْمَنَافِعِ الَّتِي سَتُوجَدُ.
انْتَهَى فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالْأَعْيَانِ) أَيْ كَالْأَعْيَانِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ مَثَلًا، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً صَلُحَ أَنْ تَكُونَ أُجْرَةً كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا، لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْبُيُوعِ أَنَّ الْأَمْوَالَ ثَلَاثَةٌ: ثَمَنٌ مَحْضٌ كَالدَّرَاهِمِ وَمَبِيعٌ مَحْضٌ كَالْأَعْيَانِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا كَالْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْعَيْنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلَوْ لَمْ تَصْلُحْ الْعَيْنُ ثَمَنًا كَانَتْ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّظَرَ عَلَى الْمِثَالِ لَيْسَ مِنْ دَأَبِ الْمُنَاظِرَيْنِ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ صَحِيحًا جَازَ أَنْ يُمَثَّلَ بِمِثَالٍ آخَرَ فَلْيُمَثَّلْ بِالْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ أُجْرَةً إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَنَافِعِ. كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ سُكْنَى دَارٍ بِرَكُوبِ دَابَّةٍ وَلَا تَصْلُحُ ثَمَنًا أَصْلًا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: لَا النَّظَرُ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا النَّظَرُ فَلِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالثَّمَنِ هَاهُنَا مَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَعَنْ هَذَا تَرَى صَاحِبَ الْكَافِي وَكَثِيرًا مِنْ الشُّرَّاحِ يَقُولُونَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: لِأَنَّ الْأُجْرَةَ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَيَعْتَمِدُ وُجُودَ الْمَالِ. وَأَمَّا الثَّمَنُ فَهُوَ مَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ. وَلَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ نَفْسُهُ أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الثَّمَنَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مِمَّا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ فَيَخْتَصُّ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ، وَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ لَأَنْ تَكُونَ ثَمَنًا بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَا فِي عَدَمِ بُطْلَانِ أَنْ تَكُونَ الْمُقَايَضَةُ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ بِهَذَا الْمَعْنَى، أَلَا يُرَى أَنَّ الشَّارِحَ الْمَذْكُورَ نَفْسَهُ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ: وَأَنْوَاعُ الْبَيْعِ أَرْبَعَةٌ: بَيْعُ السِّلْعَةِ بِمِثْلِهَا وَيُسَمَّى مُقَايَضَةً، وَبَيْعُهَا بِالدَّيْنِ أَعْنِي الثَّمَنَ، وَبَيْعُ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ كَبَيْعِ النَّقْدَيْنِ وَيُسَمَّى الصَّرْفَ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ، وَيُسَمَّى سَلَمًا انْتَهَى.
حَيْثُ جَعَلَ الدَّيْنَ مُقَابِلًا لِلْعَيْنِ، وَفَسَّرَ الدَّيْنَ بِالثَّمَنِ، وَجَعَلَ أَحَدَ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُقَايَضَةِ مَا لَا ثَمَنَ فِيهِ أَصْلًا. نَعَمْ لِلثَّمَنِ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ مَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ الْمَبِيعِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى يَعُمُّ الدَّيْنَ، وَالْعَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ الْبَيْعُ بِدُونِهِ، وَيَبْطُلُ كَوْنُ الْمُقَايَضَةِ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ بِالثَّمَنِ فِي قَوْلِهِ وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالْأَعْيَانِ، فَلَا يُرَدُّ النَّظَرُ الْمَزْبُورُ عَلَيْهِ جِدًّا. وَأَمَّا الْجَوَابُ فَلِأَنَّهُ مِنْ ضِيقِ الْعَطَنِ إذْ فِيهِ اعْتِرَافٌ بِبُطْلَانِ الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَحَاشَا لَهُ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالثَّمَنِ فِي قَوْلِهِ وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا هُوَ مَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَأَنَّ تَمْثِيلَهُ مَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا بِقَوْلِهِ كَالْأَعْيَانِ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُرَادِ،
[ ٩ / ٦٢ ]
فَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَنْفِي صَلَاحِيَّةَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَالِيٌّ (وَالْمَنَافِعُ تَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالْمُدَّةِ كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ، لِلسُّكْنَى وَالْأَرْضِينَ لِلزِّرَاعَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ)؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً كَانَ قَدْرُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا مَعْلُومًا إذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لَا تَتَفَاوَتُ. وَقَوْلُهُ أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً وَلِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا عَسَى،
إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ الثَّمَنَ الْوَاقِعَ فِي لَفْظِ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَعُمُّ الدَّيْنَ، وَالْعَيْنَ، وَهُوَ الْعِوَضُ الْمُقَابِلُ لِلْمَبِيعِ كَمَا حَمَلَ الزَّيْلَعِيُّ الثَّمَنَ الْوَاقِعَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْكَنْزِ، وَمَا صَحَّ ثَمَنًا صَحَّ أُجْرَةً عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ، مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ يَتَحَمَّلُ التَّعْمِيمَ لِصُورَتَيْ الدَّيْنِ، وَالْعَيْنِ كَمَا تَرَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الثَّمَنِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ مَعْنَى مَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَكَانَ لَفْظُ الْقُدُورِيِّ غَيْرَ مُوَفٍّ حَقَّ الْمَقَامِ عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ الْعَامِّ لِلْعَيْنِ أَيْضًا فَإِنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ عَلَى الْمَعْنَى الْعَامِّ لِلْعَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً أَيْضًا كَالْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ أَصْلًا وَتَصْلُحُ أُجْرَةً فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَنَافِعِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. حَمَلَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ الثَّمَنِ الْوَاقِعِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ وَقَالَ: تَتْمِيمًا لِهَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالْأَعْيَانِ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْحَدِّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَكُونُ أَثْمَانًا وَتَكُونُ أُجْرَةً، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ. وَلَكِنَّ الْإِنْصَافَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ كَانَتْ حَقِيقًا بِأَنْ تُذْكَرَ فِي تَمْثِيلِ مَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا وَيَصْلُحُ أُجْرَةً، فَإِنَّ كَوْنَ الْمَنْفَعَةِ مِمَّا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَخْفَى مِنْ كَوْنِ الْأَعْيَانِ مِنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ، بِخِلَافِ كَوْنِ الْأَعْيَانِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْهَا بِحَمْلِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَعْنَى الْعَامِّ لِلْعَيْنِ أَيْضًا كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَالِيٌّ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَجْرِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَيُعْتَمَدُ وُجُودُ الْمَالِ، وَالْأَعْيَانَ مَالٌ فَتَصِحُّ أَنْ تَكُونَ أُجْرَةً، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَمَا شَرَحَ الْمَحَلَّ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الثَّمَنُ عِوَضٌ مَالِيٌّ إلَخْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الثَّمَنَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مِمَّا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ فَيَخْتَصُّ بِذَلِكَ كَالنُّقُودِ، وَالْمُقَدَّرَاتِ الْمَوْصُوفَةِ الَّتِي تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ:
[ ٩ / ٦٣ ]
إلَّا أَنَّ فِي الْأَوْقَافِ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ الطَّوِيلَةُ كَيْ لَا يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ مِلْكَهَا وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ هُوَ الْمُخْتَارُ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِنَفْسِهِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى صَبْغِ ثَوْبِهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً؛ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مَعْلُومًا أَوْ يَرْكَبَهَا مَسَافَةً سَمَّاهَا)؛ لِأَنَّهُ إذَا بَيَّنَ الثَّوْبَ وَلَوْنَ الصَّبْغِ وَقَدْرَهُ وَجِنْسَ الْخِيَاطَةِ وَالْقَدْرَ الْمَحْمُولَ وَجِنْسَهُ وَالْمَسَافَةَ صَارَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَصِحُّ الْعَقْدُ،
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ مِمَّا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ كَانَتْ الْأُجْرَةُ أَيْضًا مَشْرُوطَةً بِكَوْنِهَا ثَمَنَ الْمَنْفَعَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمَشْرُوطَ بِذَلِكَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ لَا ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ. قُلْنَا: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا كَانَ ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ مُخَالِفًا لِثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَشْرُوطًا بِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ، فَهَلْ يَتِمُّ الْقِيَاسُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فَيَلْزَمُ خُلُوُّ الْبَيْعِ عَنْ الثَّمَنِ فِيمَا إذَا بِيعَ الدَّارُ بِالدَّارِ، إذْ لَا يَجِبُ الْعَقَارُ فِي الذِّمَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
أَقُولُ: إنْ كَانَ مُرَادُهُ بِهَذَا الْكَلَامِ مُجَرَّدَ إلْزَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ فِي نَظَرِهِ السَّابِقِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَصْلُحْ الْعَيْنُ ثَمَنًا كَانَتْ الْمُقَايَضَةُ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ وَهُوَ بَاطِلٌ فَلَهُ وَجْهٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِهِ إيرَادَ إشْكَالٍ عَلَى ذَلِكَ الْجَوَابِ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ اللَّازِمُ مِنْ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ خُلُوُّ الْبَيْعِ عَنْ الثَّمَنِ بِمَعْنَى مَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ فِيمَا إذَا بِيعَ الدَّارُ بِالدَّارِ لَا خُلُوُّهُ عَنْ الثَّمَنِ بِمَعْنَى الْعِوَضِ الْمُقَابِلِ لِلْمَبِيعِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، وَالْمَحْذُورُ خُلُوُّهُ عَنْ الثَّمَنِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي دُونَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ (قَوْلُهُ: وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِنَفْسِهِ) أَيْ بِنَفْسِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، كَذَا ذَكَرَ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً وَلَمْ يَنْقُلْ عَامَّتُهُمْ نُسْخَةً أُخْرَى.
وَأَمَّا صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ: وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّسْمِيَةِ. أَقُولُ: لَعَلَّ الصَّوَابَ هَذِهِ النُّسْخَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً فِي هَذَا النَّوْعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَقَطْ، بَلْ إنَّمَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِتَسْمِيَةِ أُمُورٍ كَبَيَانِ الثَّوْبِ وَأَلْوَانِ الصَّبْغِ وَقَدْرِهِ فِي اسْتِئْجَارِ رَجُلٍ عَلَى صَبْغِ ثَوْبٍ وَبَيَانِ الثَّوْبِ وَجِنْسِ الْخِيَاطَةِ فِي اسْتِئْجَارِ رَجُلٍ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبَيَانِ الْقَدْرِ الْمَحْمُولِ وَجِنْسِهِ، وَالْمَسَافَةِ فِي اسْتِئْجَارِ رَجُلٍ دَابَّةً لِلْحَمْلِ أَوْ الرُّكُوبِ عَلَى مَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا بَيَّنَ الثَّوْبَ وَأَلْوَانَ الصَّبْغِ وَقَدْرَهُ وَجِنْسَ الْخِيَاطَةِ، وَالْقَدْرَ الْمَحْمُولِ وَجِنْسَهُ، وَالْمَسَافَةَ صَارَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَصَحَّ الْعَقْدُ، فَكَمَا أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً فِي النَّوْعِ السَّابِقِ، وَالنَّوْعِ اللَّاحِقِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَقَطْ بَلْ إنَّمَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً فِي النَّوْعِ السَّابِقِ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، وَفِي النَّوْعِ اللَّاحِقِ بِالتَّعْيِينِ وَالْإِشَارَةِ، كَذَلِكَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً فِي هَذَا النَّوْعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَقَطْ، بَلْ إنَّمَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً فِيهِ بِتَسْمِيَةِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ الْبَيَانِ كَمَا أُشِيرَ إلَى بَعْضِهَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِنِسْبَةِ صَيْرُورَةِ الْمَنَافِعِ مَعْلُومَةً فِي هَذَا النَّوْعِ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ.
وَعَنْ هَذَا لَا تَرَى عِبَارَةَ بِنَفْسِهِ مَذْكُورَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ سِوَى نُسْخَةِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ مَوْضِعٌ بِنَفْسِهِ بِالتَّسْمِيَةِ كَمَا وَقَعَ فِي الْكَنْزِ، وَالْمُخْتَارِ، أَوْ بِذِكْرِ الْعَمَلِ كَمَا وَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ وَبَعْضِ الْمُتُونِ.
(قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا يُقَالُ الْإِجَارَةُ
[ ٩ / ٦٤ ]
وَرُبَّمَا يُقَالُ: الْإِجَارَةُ قَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى الْعَمَلِ كَاسْتِئْجَارِ الْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا وَذَلِكَ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى الْمَنْفَعَةِ كَمَا فِي أَجِيرِ الْوَحْدِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْوَقْتِ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ وَالْإِشَارَةِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا، لِيَنْقُلَ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ)؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَاهُ مَا يَنْقُلُهُ وَالْمَوْضِعَ الَّذِي يَحْمِلُ إلَيْهِ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَصِحُّ الْعَقْدُ.