قَالَ (الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ)
قَوْلُهُ هَا هُنَا بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ اسْتَوْفَى؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ مَسْأَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْمُرْتَهِنِ الدَّيْنَ فِيمَا مَرَّ بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ مُسْتَوْفًى، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ هَا هُنَا بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ: وَلَوْ اسْتَوْفَى لَتَكَرَّرَ الْحَشْوُ فِي كَلَامِهِ، وَحَاشَا لَهُ عَنْ ارْتِكَابِ مِثْلِ ذَلِكَ
(كِتَابُ الْجِنَايَاتِ)
أَوْرَدَ الْجِنَايَاتِ عَقِيبَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْوِقَايَةِ وَالصِّيَانَةِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِصِيَانَةِ الْمَالِ، وَحُكْمُ الْجِنَايَةِ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ؛ أَلَا يَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وَلَمَّا كَانَ الْمَالُ وَسِيلَةً لِبَقَاءِ النَّفْسِ قُدِّمَ الرَّهْنُ عَلَى الْجِنَايَاتِ بِنَاءً عَلَى تَقَدُّمِ الْوَسَائِلِ عَلَى الْمَقَاصِدِ، كَذَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَكِنْ قَدَّمَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهَا مَحْظُورَةٌ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا هُوَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ دُونَ أَنْفُسِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَهَا مَشْرُوعَةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا فَلَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ
ثُمَّ إنَّ الْجِنَايَةَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا تَجْنِيهِ مِنْ شَرٍّ تَكْسِبُهُ
وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا جِنَايَةً، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَقْبُحُ وَيَسُوءُ، إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ خُصَّ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَلَّ بِالنُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ، وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى قَتْلًا وَهُوَ فِعْلٌ مِنْ الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ، وَالثَّانِي يُسَمَّى قَطْعًا وَجُرْحًا، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الْكِتَابِ وَالشُّرُوحِ
(قَوْلُهُ الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَجْهُ الِانْحِصَارِ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ هُوَ أَنَّ الْقَتْلَ إذَا صَدَرَ عَنْ إنْسَانٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، فَإِنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ قَصْدُ الْقَتْلِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ عَمْدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ خَطَأٌ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَصْدُ التَّأْدِيبِ وَالضَّرْبِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ، وَبِهَذَا
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ
الِانْحِصَارِ يُعْرَفُ أَيْضًا تَفْسِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْقَتْلَ الْخَطَأَ مَخْصُوصًا بِمَا حَصَلَ بِسِلَاحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ كَمَا يَكُونُ بِسِلَاحٍ يَكُونُ أَيْضًا بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ كَالْحَجَرِ الْعَظِيمِ وَالْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِنْ كَانَ هُوَ هُوَ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ لَيْسَ بِتَامٍّ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلَ بِسَبَبٍ أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلَ بِخَطَأٍ مَحْضٍ أَيْضًا فَلَا يَتِمُّ الْحَصْرُ فِي الْقَتْلِ بِسَبَبٍ
وَلَمَّا تَنَبَّهْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِمَا فِي وَجْهِ الْحَصْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ الْقُصُورِ قَالَ فِي بَيَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ اسْتَقْرَيْنَا فَوَجَدْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ، وَنَقَلَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ وَجْهِ الْحَصْرِ فَقَالَ: وَضَعْفُهُ وَرَكَاكَتُهُ ظَاهِرَانِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَتْلٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى ضَمَانِ الْقَتْلِ وَعَدَمِ ضَمَانِهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ: كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ، وَالْقَتْلِ قِصَاصًا، وَالْقَتْلِ رَجْمًا، وَالْقَتْلِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ جِنْسَ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ: يَمِينُ اللَّهِ، وَيَمِينٌ بِالطَّلَاقِ، وَيَمِينٌ بِالْعَتَاقِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْأَيْمَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى
أَقُولُ: فِيمَا قَالُوا نَظَرٌ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ، بَلْ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ، فَإِنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ يَكُونُ قَتْلَ عَمْدٍ إنْ تَعَمَّدَ الْقَاتِلُ ضَرْبَ الْمَقْتُولِ بِسِلَاحٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ، وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ إنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ، وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ، وَيَكُونُ خَطَأً إنْ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ التَّعَمُّدِ بَلْ كَانَ بِطَرِيقِ الْخَطَإِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ الْمُبَاحَةُ مِنْ الْقَتْلِ خَارِجَةً مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ لَا مِنْ نَفْسِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِأَنَّ أَنْوَاعَ الْقَتْلِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ خُرُوجُ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِلْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ لِلْقَتْلِ لَا مِنْ نَفْسِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ وَحُكْمُ الشَّيْءِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ؟ قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُوبَ الْقَوَدِ مِنْ أَحْكَامِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ مَعَ أَنَّ لَهُ شَرَائِطَ كَثِيرَةً: مِنْهَا كَوْنُ الْقَاتِلِ عَاقِلًا بَالِغًا إذْ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ أَصْلًا
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْتُولُ جُزْءَ الْقَاتِلِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الْأَبُ وَلَدَهُ عَمْدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ الْأُمُّ وَلَدَهَا وَكَذَا الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِلْكَ الْقَاتِلِ حَتَّى لَا يُقْتَلَ الْمَوْلَى بِعَبْدِهِ
وَمِنْهَا كَوْنُ الْمَقْتُولِ مَعْصُومَ الدَّمِ مُطْلَقًا فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ بِالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ، وَلَا بِالْمُرْتَدِّ لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ أَصْلًا، وَلَا بِالْمُسْتَأْمَنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ مَا ثَبَتَتْ مُطْلَقَةً بَلْ مُؤَقَّتَةً إلَى غَايَةِ مُقَامِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، فَكَذَا كَوْنُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ شَرْطًا لِتَرَتُّبِ كُلٍّ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِلْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوا مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمُبَاحَةِ لِلْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ بَلْ كُلُّهَا بِحَقٍّ، فَدُخُولُهَا فِي نَفْسِ أَوْجُهِ الْقَتْلِ دُونَ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لَهَا بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ شَرْطِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَهُوَ كَوْنُ الْقَتِيلِ مَعْصُومَ الدَّمِ، وَكَوْنُ الْقَتْلِ
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
قَالَ (فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَالْمَرْوَةِ الْمُحَدَّدَةِ وَالنَّارِ)؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فَكَانَ مُتَعَمِّدًا فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ
(وَمُوجِبُ ذَلِكَ الْمَأْثَمُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السُّنَّةِ، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ
بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَقْدَحُ فِي شَيْءٍ
فَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّق بِهِ الْأَحْكَامُ هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا هُوَ أَحْوَالُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ إذْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْجِنَايَاتِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا دُونَ أَحْوَالِ مُطْلَقِ الْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْجُهُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ تَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ (قَوْلُهُ فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ضَرَبَهُ: أَيْ ضَرَبَ الْمَقْتُولَ، وَقَالَ: فَيَخْرُجُ الْعَمْدُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ انْتَهَى
أَقُولُ: يَرِدُ عَلَيْهِ النَّقْضُ بِمَسْأَلَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْمُحِيطِ نَقْلًا عَنْ الْمُنْتَقَى، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدْ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَأَبَانَ رَأْسَهُ وَقَتَلَهُ فَهُوَ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ أَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ
وَجْهُ الْوُرُودِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ضَرْبَ الْمَقْتُولِ بَلْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ يَدِهِ، مَعَ أَنَّهُ جَعَلَ ضَرْبَهُ الْقَتْلَ الْعَمْدَ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حَكَمُ قَتْلِ النَّفْسِ، وَهُوَ الْقَوَدُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فَكَانَ مُتَعَمَّدًا فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ) أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّعْلِيلِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا اسْتَعْمَلَ الْآلَةَ الْقَاتِلَةَ فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ؛ كَمَا إذَا رَمَى شَخْصًا بِسَهْمٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ، أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ، وَكَمَا إذَا رَمَى غَرَضًا بِآلَةٍ قَاتِلَةٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ الَّذِي جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى الْقَصْدِ قَدْ تَحَقَّقَ هُنَاكَ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ بَلْ هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ قَاطِبَةً
فَإِنْ قُلْتَ: الْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فِي التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ لَا اسْتِعْمَالُهَا مُطْلَقًا فَفِيمَا إذَا رَمَى غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا لَمْ يَكُنْ اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِ الْآدَمِيِّ بَلْ كَانَ لِغَرَضٍ آخَرَ
قُلْتُ: هَذَا التَّأْوِيلُ إنَّمَا يُفِيدُ فِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ دُونَ نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِيهِ أَيْضًا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ لَكِنَّ الْخَطَأَ فِي وَصْفِ الْمَقْتُولِ
فَإِنْ قُلْتَ: الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ مِنْ حَيْثُ هُوَ آدَمِيٌّ لَا اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِهِ مُطْلَقًا، وَفِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْحَيْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ قُلْتُ: كَوْنُ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَمْرٌ مُضْمَرٌ رَاجِعٌ إلَى النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُوقَفُ عَلَى الْعَمْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ خَارِجِيٍّ لَمْ يُذْكَرْ فِي التَّعْلِيلِ الْمَزْبُورِ
ثُمَّ إنَّهُ لَوْ كَانَ مَدَارُ كَوْنِ الْقَتْلِ عَمْدًا مُجَرَّدَ اسْتِعْمَالِ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَزْبُورِ لَمَا كَانَ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ: الْقَتْلُ الْعَمْدُ ضَرْبُهُ قَصْدًا بِمَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَسِلَاحٍ وَمُحَدَّدٍ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ لِيطَةٍ أَوْ نَارٍ وَجْهٌ؛ إذْ يَلْزَمُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَكُونَ قَيَّدَ قَصْدًا زَائِدًا بَلْ لَغْوًا لِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ بِالْغَرَضِ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ وَهُوَ ضَرْبُهُ مِمَّا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ فَيَكْفِي ذِكْرُهُ، بَلْ لَمَّا كَانَ لِقَيْدِ تَعَمَّدَ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ وَجْهٌ، بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَالْعَمْدُ مَا ضَرَبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَمُوجِبُ ذَلِكَ الْمَأْثَمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةَ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الدَّلِيلُ خَاصٌّ وَالْمُدَّعِي عَامٌّ،
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
قَالَ (وَالْقَوَدُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلَّا أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ وَحِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا تَتَوَفَّرُ، وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ
لِأَنَّ إيجَابَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمَأْثَمُ، وَالْقَوَدُ يَعُمُّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقَادُ بِالذِّمِّيِّ عِنْدَنَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ وُجُوبَ الْقَوَدِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ لُزُومِ الْمَأْثَمِ، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ مَخْصُوصَةٌ بِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ أَفَادَتْ الْمَأْثَمَ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا فَقَطْ بِعِبَارَتِهَا إلَّا أَنَّهَا تُفِيدُ الْمَأْثَمَ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ عَمْدًا أَيْضًا بِدَلَالَتِهَا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعِصْمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ أَوْ الدَّارِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ
فَإِنْ قِيلَ: بَقِيَ خُصُوصُ الدَّلِيلِ مَعَ عُمُومِ الْمُدَّعِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وَإِنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَلَمْ يَتُبْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ يَقْتُلُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ بِدَلَالَةِ خَالِدًا فِيهَا فَكَانَ الْقَتْلُ بِدُونِ الِاسْتِحْلَالِ خَارِجًا عَنْ مَدْلُولِ الْآيَةِ
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِمَنْ يَقْتُلُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ الْمَذْكُورِ فِيهَا هُوَ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ كَمَا ذُكِرَ فِي التَّفَاسِيرِ، فَلَا يُنَافِي التَّعْمِيمُ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
وَلَئِنْ سُلِّمَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ وَفِي التَّفَاسِيرِ أَيْضًا فَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى عِظَمِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ، وَتَحَقُّقِ الْإِثْمِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا بِدُونِ الِاسْتِحْلَالِ أَيْضًا، وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ (قَوْلُهُ وَالْقَوَدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلَّا أَنَّهُ تَقَيُّدٌ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ) يَعْنِي أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يُوجِبُ الْقَوَدَ بِالْقِصَاصِ أَيْنَمَا يُوجَدُ الْقَتْلُ، وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ إلَّا أَنَّهُ تَقَيُّدٌ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ قَوَدٌ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: لَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» لَا يُوجِبُ التَّقْيِيدَ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ لَمْ يُوجِبْ هَذَا الْخَبَرُ تَقْيِيدَ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ الْقَوَدُ مُوجِبَ الْعَمْدِ فَقَطْ فَلَا يَكُونُ لِذِكْرِ لَفْظِ الْعَمْدِ فَائِدَةٌ انْتَهَى
أَقُولُ: سُؤَالُهُ ظَاهِرُ الْوُرُودِ يَنْبَغِي أَنْ يَخْطِرَ بِبَالِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا سِوَاهُ حَامَ حَوْلَ ذِكْرِهِ
وَأَمَّا جَوَابُهُ فَمَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﵊ عَنْ حُكْمِ الْعَمْدِ فَقَطْ بِأَنْ كَانَتْ الْحَادِثَةُ قَتْلَ الْعَمْدِ فَصَارَ قَوْلُهُ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ، فَفَائِدَةُ ذِكْرِ لَفْظِ الْعَمْدِ حِينَئِذٍ تَطْبِيقُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَيْفَ يَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ تَفَكَّرْ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ وَحِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا تَتَوَفَّرُ وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ) أَقُولُ: جَعَلَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ قَوْلَهُ: وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ وَحِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا تَتَوَفَّرُ حُجَّةً تَامَّةً
وَجَعَلَ قَوْلَهُ: وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ حُجَّةً أُخْرَى فَقَالَ فِي تَقْرِيرِ الْأُولَى: وَتَقْرِيرِ
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
قَالَ (إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ أَوْ يُصَالِحُوا)؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَخْذُ الدِّيَةِ إلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ الْعُدُولِ إلَى الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ فَيَجُوزُ بِدُونِ رِضَاهُ، وَفِي قَوْلِ الْوَاجِبِ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ شُرِعَ جَابِرًا وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ نَوْعُ جَبْرٍ فَيَتَخَيَّرُ
وَلَنَا مَا تَلَوْنَا مِنْ الْكِتَابِ وَرَوَيْنَا مِنْ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْقِصَاصُ يَصْلُحُ لِلتَّمَاثُلِ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الْأَحْيَاءِ زَجْرًا وَجَبْرًا فَيَتَعَيَّنُ، وَفِي الْخَطَإِ وُجُوبُ الْمَالِ ضَرُورَةَ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ،
حُجَّتِهِ أَنَّ الْعَمْدِيَّةَ تَتَكَامَلُ بِهَا الْجِنَايَةُ، وَكُلُّ مَا كَانَ يَتَكَامَلُ بِهِ الْجِنَايَةُ كَانَتْ حِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا أَكْمَلَ، وَقَالَ فِي تَقْرِيرِ الْأُخْرَى وَتَقْرِيرُهَا الْقَوَدَ عُقُوبَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ الْعَمْدِيَّةِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الْمُتَنَاهِيَةَ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ الْعَمْدِيَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى كَوْنِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مُقَيَّدَةً بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى إطْلَاقِهَا لَتَنَاوَلَتْ الْعَمْدَ وَشِبْهَهُ وَالْخَطَأَ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ كَامِلَةٌ مَشْرُوعًا دُونَ الْعَمْدِيَّةِ أَيْضًا بِمُقْتَضَى إطْلَاقِهَا، وَكَوْنُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مُقَيَّدَة بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ هُوَ الْمُدَّعَى هَا هُنَا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ حُجَّةً أُخْرَى يَلْزَمُ الْمُصَادَرَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ
وَأَيْضًا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُفِيدَ الْمُدَّعِي مَا جَعَلَهُ حُجَّةً أُولَى؛ لِأَنَّ نَتِيجَتَهَا عَلَى مُقْتَضَى تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْعَمْدِيَّةَ كَانَتْ حِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا أَكْمَلَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا أَنْ لَا تَتَحَقَّقَ حِكْمَةُ الزَّجْرِ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ أَصْلًا فَيَجُوزُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ أَيْضًا زَجْرًا عَنْهُ فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ
فَالصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ وَالْمَجْمُوعُ حُجَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ لَفْظَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى تَكَامُلِ الْجِنَايَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ أَوْ إلَى تَوَفُّرِ حِكْمَةِ الزَّجْرِ كَمَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَقْرَبُ لَا إلَى الْعَمْدِيَّةِ كَمَا زَعَمَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، فَيُفِيدُ مَجْمُوعُ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الْقَوَدَ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مَسْكَةٍ
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ فِي كَلَامِ
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
وَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْوَلِيِّ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ،
الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ مَرْجِعَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ بِأَسْرِهَا إلَى الْقِيَاسِ، وَبِهَذَا صَحَّحُوا انْحِصَارَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي أَرْبَعَةٍ، وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَالْقِيَاسُ
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ إلَخْ رَاجِعٌ إلَى الْقِيَاسِ، وَتَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ نَسْخٌ لِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْوَلِيِّ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ) يَعْنِي لَا يَتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْوَلِيِّ لِقَتْلِ الْقَاتِلِ بَعْدَ مَا أَخَذَ الدِّيَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَأْخُذَهَا الْوَلِيُّ مِنْ الْقَاتِلِ بِدُونِ رِضَاهَا ثُمَّ يَقْتُلَهُ
وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ
أَقُولُ: لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ شَرْعًا، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يَصِيرُ مَحْقُونَ الدَّمِ بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ الْوَلِيُّ بَعْدَهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ شَرْعًا يَكْفِي لِأَخْذِ الدِّيَةِ مِنْ الْقَاتِلِ بِدُونِ رِضَاهُ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَخْتَارُ الْهَلَاكَ الْمُقَرَّرَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْخَلَاصِ عَنْهُ شَرْعًا بِأَدَاءِ الْمَالِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْهَلَاكِ عَقْلًا بَعْدَ أَدَاءِ ذَلِكَ أَيْضًا، فَلَوْ اخْتَارَهُ الْقَاتِلُ وَامْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ يُعَدُّ ذَلِكَ سَفَهًا وَإِلْقَاءً لِنَفْسِهِ فِي التَّهْلُكَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ
ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: قِيلَ هَذَا الْوَهْمُ مَوْجُودٌ فِيمَا أَخَذَ الْمَالَ صُلْحًا وَقَدْ جَازَ
وَأُجِيبُ بِأَنَّ فِي الصُّلْحِ الْمُرَاضَاةَ، وَالْقَتْلُ بَعْدَهُ ظَاهِرُ الْعَدَمِ انْتَهَى
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ رِضَا الْقَاتِلِ لَا يُفِيدُ وَرِضَا الْوَلِيِّ مَوْجُودٌ
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ عِنْدَنَا: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ تَجِبُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّكْفِيرِ فِي الْعَمْدِ أَمَسُّ مِنْهَا إلَيْهِ فِي الْخَطَأِ فَكَانَ أَدْعَى إلَى إيجَابِهَا
وَلَنَا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا تُنَاطُ بِمِثْلِهَا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ الْمَقَادِيرِ،
فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ
وَالْأَوْلَى أَنْ يَكْتَفِيَ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: إنَّ فِي الصُّلْحِ الْمُرَاضَاةَ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ الْأَخْذِ فِيهِ بَعْدَ مَا وُجِدَ رِضَا الْقَاتِلِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ انْتَهَى
أَقُولُ: بَحْثُهُ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ رِضَا الْقَاتِلِ لَا يُفِيدُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ رِضَاهُ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ رِضَا الْوَلِيِّ يُفِيدُ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى رِضَا الْوَلِيِّ وَحْدَهُ، فَإِنَّ التَّصَالُحَ وَالتَّوَافُقَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَقْطَعُ مَادَّةَ الْعَدَاوَةِ وَالْبُغْضِ عَادَةً، وَعَنْ هَذَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بِخِلَافِ رِضَا الْوَلِيِّ وَحْدَهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَثِيرًا مَا يَنْدَمُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَحْدَهُ فَيَرْجِعُ عَنْهُ فَتَمَّ قَوْلُ الْمُجِيبِ وَالْقَتْلُ بَعْدَهُ ظَاهِرُ الْعَدَمِ، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَشَارَ إلَى مَا قُلْنَا حَيْثُ قَالَ فِي بَسْطِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ: قُلْتُ لَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَصَالَحَا بِرِضَاهُمَا عَلَى الْمَالِ كَانَ وَهُوَ قَصْدُ الْقَتْلِ مُنْدَفِعًا؛ لِأَنَّ لِلتَّرَاضِي وَالتَّصَالُحِ تَأْثِيرًا فِي دَفْعِ الشَّرِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وَلَمَّا وَرَدَ الْخَيْرُ انْتَفَى الشَّرُّ لَا مَحَالَةَ لِلتَّضَادِّ بَيْنَهُمَا انْتَهَى
ثُمَّ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إنْ أَحَبُّو قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّو أَخَذُوا الدِّيَةَ» وَبِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ لِمَعْنَى الِانْتِقَامِ وَتَشَفِّي صُدُورِ الْأَوْلِيَاءِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تُقْتَلُ بِوَاحِدٍ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ، فَكَانَ لِمَعْنَى النَّظَرِ لِلْوَلِيِّ وَذَلِكَ بِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَلَا يُعَارِضُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَنَّ الْقِصَاصَ لِمَعْنَى النَّظَرِ لِلْوَلِيِّ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ وَهُوَ الِانْتِقَامُ وَتَشَفِّي الصُّدُورِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ زَجْرًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ إفْنَاءِ قَبِيلَةٍ بِوَاحِدٍ، لَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً عِنْدَ قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بَلْ الْقَاتِلُ وَأَهْلُهُ لَوْ بَذَلُوا مَا مَلَكُوهُ وَأَمْثَالَهُ مَا رَضِيَ بِهِ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، فَكَانَ إيجَابُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ تَضْيِيعَ حِكْمَةِ الْقِصَاصِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا يَكُونُ إيجَابُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ تَضْيِيعًا لِحِكْمَةِ الْقِصَاصِ أَنْ لَوْ كَانَ إيجَابُهُ فِي مُقَابَلَتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ بَلْ عَلَى وَجْهِ تَخْيِيرِ الْوَلِيِّ بَيْنَ أَخْذِ الْمَالِ وَبَيْنَ الْقِصَاصِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْخَصْمِ فَلَا تَضْيِيعَ لِحِكْمَةِ الْقِصَاصِ؛ إذْ لِلْوَلِيِّ حِينَئِذٍ الْقُدْرَةُ عَلَى الِانْتِقَامِ وَتَشَفِّي الصُّدُورِ بِاخْتِيَارِ الْقِصَاصِ، فَإِذَا لَمْ يَخْتَرْهُ بَلْ اخْتَارَ الْمَالَ كَانَ تَارِكًا لِلِانْتِقَامِ بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ كَمَا إذَا عَفَا أَوْ صَالَحَ فِي إسْقَاطِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهِ (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا تُنَاطُ بِمِثْلِهَا) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْتَ: يُشْكِلُ بِكَفَّارَةِ قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ وَمَعَ هَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ
قُلْتُ: هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَحَلِّ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَكَ حَلَالَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ يَلْزَمُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ كَانَ جِنَايَةَ الْفِعْلِ لَوَجَبَ جَزَاءَانِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَحَلِّ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ انْتَهَى
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَهُ مَضْمُونُ الدَّلِيلِ الْمَزْبُورِ، وَهُوَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تُنَاطُ بِمَا هُوَ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ لَا أَصْلُ الْمُدَّعِي، وَهُوَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ، فَإِذَا سُلِّمَ كَوْنُ قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ كَبِيرَةً مَحْضَةً يَلْزَمُ أَنْ يُشْكِلَ الدَّلِيلُ الْمَزْبُورُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ جِنَايَةَ الْفِعْلِ أَوْ جِنَايَةَ الْمَحَلِّ، وَكَوْنُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَحَلِّ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ إنَّمَا يُفِيدُ لَوْ أَوْرَدَ السُّؤَالَ عَلَى أَصْلِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ حِينَئِذٍ بِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ فِي جِنَايَةِ الْفِعْلِ دُونَ جِنَايَةِ الْمَحَلِّ، وَقَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ جَزَاءُ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لَا جَزَاءُ الْمَحَلِّ أَصْلًا، فَلَوْ كَانَ قَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ جِنَايَةً عَلَى الْمَحَلِّ لَا جِنَايَةَ الْفِعْلِ لَزِمَ أَنْ لَا تَصْلُحَ الْكَفَّارَةُ لِكَوْنِ الْكَفَّارَةِ جَزَاءَ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لَا جَزَاءَ الْمَحَلِّ أَصْلًا (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ الْمَقَادِيرِ
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
وَتَعَيُّنُهَا فِي الشَّرْعِ لِدَفْعِ الْأَدْنَى لَا يُعَيِّنُهَا لِدَفْعِ الْأَعْلَى
وَمِنْ حُكْمِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ»
قَالَ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ
وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يَتَقَاصَرُ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يُقْتَلُ بِهَا غَالِبًا لِمَا أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهَا غَيْرَهُ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَلَا يَتَقَاصَرُ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَلْبَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ إلَّا الْقَتْلَ كَالسَّيْفِ فَكَانَ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقَوَدِ
وَتَعَيُّنَهَا فِي الشَّرْعِ لِدَفْعِ الْأَدْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِهَا لِدَفْعِ الْأَعْلَى) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي الْعَمْدِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْخَطَإِ يَعْنِي أَنَّ تَعَيُّنَ الْكَفَّارَةِ فِي الشَّرْعِ لِدَفْعِ الذَّنْبِ الْأَدْنَى، وَهُوَ الْخَطَأُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِهَا لِدَفْعِ الذَّنْبِ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَمْدُ، فَإِنَّ كَمْ مِنْ شَيْءٍ يَتَحَمَّلُ الْأَدْنَى لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَا يَتَحَمَّلُ الْأَعْلَى لِلْعَجْزِ عَنْهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ صِفَةِ الْعَمْدِيَّةِ وَهُوَ حَدِيثُ «وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصَاحِبٍ لَنَا قَدْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يَعْتِقْ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَإِيجَابُ النَّارِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْجَبَهَا بِشِبْهِ الْعَمْدِ كَالْقَتْلِ بِالْحَجَرِ أَوْ الْعَصَا الْكَبِيرَيْنِ
سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ لَا يُعَارِضُ إشَارَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فَإِنَّ الْفَاءَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ كُلَّ الْجَزَاءِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ لَكَانَ الْمَذْكُورُ بَعْضَهُ وَهُوَ خَلَفٌ انْتَهَى
أَقُولُ: لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ إذْ الْقِصَاصُ وَاجِبٌ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ اقْتَضَتْ الْفَاءُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا كُلَّ الْجَزَاءِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ أَيْضًا مَذْكُورًا فِي الْجَزَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَإِنْ حُمِلَ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْجَزَاءِ الْأُخْرَوِيِّ فَقَطْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ النَّظْمِ الشَّرِيفِ
وَقِيلَ الْقِصَاصُ جَزَاءٌ دُنْيَوِيٌّ فَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَ الْفَاءِ فَلْيَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي شَأْنِ الْكَفَّارَةِ
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عُرِفَ بِآيَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فَإِنْ دَلَّتْ إشَارَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ مِنْ جَزَاءِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ كَالْكَفَّارَةِ بِمُقْتَضَى كَوْنِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ الْفَاءِ كُلَّ الْجَزَاءِ فَقَدْ دَلَّتْ عِبَارَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ
[ ١٠ / ٢١٠ ]
وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَلِأَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْ الْمَقْصُودِ قَتْلُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْقَتْلُ غَالِبًا فَقُصِرَتْ الْعَمْدِيَّةُ نَظَرًا إلَى الْآلَةِ، فَكَانَ شِبْهُ الْعَمْدِ كَالْقَتْلِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ تُرَجَّحُ عَلَى إشَارَةِ النَّصِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ فَعَمِلْنَا بِعِبَارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْقِصَاصَ جَزَاءُ الْمَحَلِّ مِنْ وَجْهٍ وَجَزَاءُ الْفِعْلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا بَيَّنَ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَجَزَاءُ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَيْضًا
وَالظَّاهِرُ مِنْ الْجَزَاءِ الْمُضَافِ إلَى الْفَاعِلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ هُوَ جَزَاءُ فِعْلِهِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ مَذْكُورًا فِيهِ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ لَوْ أَوْجَبْنَاهَا
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ هَا هُنَا نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ: وَلَا وَجْهَ لِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ جَزَاءُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ كَانَ الْمَذْكُورُ جَزَاءَ الرِّدَّةِ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الِاسْتِحْلَالِ زِيَادَةٌ عَلَى الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ فَيَكُونُ نَسْخًا
وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْخُلُودِ فَعَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ عَامَلَهُ بِعَدْلِهِ أَوْ عَلَى مَعْنَى تَطْوِيلِ الْمُدَّةِ مَجَازًا يُقَالُ خَلَدَ فُلَانٌ فِي السِّجْنِ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ انْتَهَى
أَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَيْنِك الدَّلِيلَيْنِ الْمَسُوقَيْنِ لِعَدَمِ وَجْهِ حَمْلِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ بِمُسْتَقِيمٍ
أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْمَذْكُورِ فِي هَاتِيك الْآيَةِ جَزَاءَ قَتْلِ الْعَمْدِ مِمَّا لَا يُنَافِيهِ كَوْنُهُ جَزَاءَ الرِّدَّةِ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهَا عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، إذْ يَصِيرُ الْمَذْكُورُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ جَزَاءَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمَخْصُوصِ وَهُوَ الْقَتْلُ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْلَالِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَتْلَ بِهَذَا الطَّرِيقِ مُسْتَلْزِمٌ لِلرِّدَّةِ، فَفِي الْآيَةِ؛ إذْ ذَاكَ بَيَانُ جَزَاءِ الرِّدَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْقَتْلُ الْمَخْصُوصُ، وَفِي التَّعْبِيرِ فِي الشَّرْطِ بِمَنْ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ دُونَ مَنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَائِدَةُ التَّنْبِيهِ عَلَى سَبَبِيَّةِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْلَالِ لِلِارْتِدَادِ الَّذِي جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ عَلَى الْخُلُودِ، وَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ لَا يَخْفَى
وَأَمَّا الثَّانِي مِنْهُمَا فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ الْمَزْبُورَةِ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ زِيَادَةُ الِاسْتِحْلَالِ عَلَى الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ، بَلْ يَكُونُ الِاسْتِحْلَالُ حِينَئِذٍ مَدْلُولَ نَفْسِ الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ مَعْنَى مُسْتَحِلًّا مَجَازًا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْخُلُودِ، فِي الْجَزَاءِ، كَمَا أَنَّ أَئِمَّتَنَا حَمَلُوا مُتَعَمِّدًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» وَبِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مَنْ يَقْتُلُهُ لِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْعَقَائِدِ، فَيَكُونُ مَدَارُهُ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ يَقْتَضِي عَلَيْهِ الْمَأْخَذَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ الْمُؤْمِنِ لِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا يَقْتَضِي اسْتِحْلَالَ قَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ مِنْ نَظْمِ النَّصِّ الْمَزْبُورِ فَلَا يَلْزَمُ النَّسْخُ أَصْلًا، وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَجِلَّاءِ وَهُوَ أَصْحَابُ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ وَالنِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَا
قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَهُوَ عِنْدَنَا إمَّا مَخْصُوصٌ بِالْمُسْتَحِلِّ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ «أَنَّهُ نَزَلَ فِي مِقْيَسِ بْنِ حُبَابَةَ وَجَدَ أَخَاهُ هِشَامًا قَتِيلًا فِي بَنِي النَّجَّارِ وَلَمْ يَظْهَرْ قَاتِلُهُ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ فَدَفَعُوا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا»
أَوْ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ، فَإِنَّ الدَّلَائِلَ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ عُصَاة الْمُؤْمِنِينَ
[ ١٠ / ٢١١ ]
قَالَ (وَمُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْإِثْمُ)؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ وَهُوَ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ (وَالْكَفَّارَةُ) لِشَبَهِهِ بِالْخَطَأِ (وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بُعْدٍ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ اعْتِبَارًا بِالْخَطَأِ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَتَجِبُ مُغَلَّظَةً، وَسَنُبَيِّنُ صِفَةَ التَّغْلِيظِ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْقَتْلِ، وَالشُّبْهَةُ تُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ دُونَ حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ
لَا يَدُومُ عَذَابُهُمْ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْقَاضِي
(قَوْلُهُ وَمُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْإِثْمُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ وَهُوَ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ، وَالْكَفَّارَةُ لِشَبَهِهِ بِالْخَطَإِ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ لِشَبَهِهِ بِالْخَطَإِ قِيَاسُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْخَطَإِ أَوْ إلْحَاقُ وُجُوبِهَا فِي شِبْهِ الْعَمْدِ دَلَالَةً بِوُجُوبِهَا فِي الْخَطَإِ، وَأَيًّا مَا كَانَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَعَيُّنَهَا لِدَفْعِ الذَّنْبِ الْأَدْنَى فِي الشَّرْعِ لَا يُعَيِّنُهَا لِدَفْعِ الذَّنْبِ الْأَعْلَى كَمَا سَبَقَ فِي الْجَوَابِ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي الْعَمْدِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْخَطَإِ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ أَيْضًا أَعْلَى ذَنْبًا مِنْ الْخَطَإِ الْمَحْضِ، فَإِنَّ الْجَانِيَ فِي الْأَوَّلِ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي الْأَوَّلِ: وَمُوجِبُهُ الْمَأْثَمُ وَفِي الثَّانِي وَلَا إثْمَ فِيهِ
فَالْأَوْلَى فِي بَيَانِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ نَظَرًا إلَى الْآلَةِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الْآيَةَ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ اعْتِبَارًا بِالْخَطَإِ) أَقُولُ: مَدْلُولُ قَوْلِهِ اعْتِبَارًا بِالْخَطَإِ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ هُوَ الْخَطَأُ، وَأَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا عَلَيْهِمْ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَطَإِ، وَلَيْسَ ذَاكَ بِوَاضِحٍ؛ إذْ الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْمَعَاقِلِ: وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ «حَمَلِ بْنِ مَالِكِ ﵁ لِلْأَوْلِيَاءِ قُومُوا فَدُوهُ» انْتَهَى
وَقَدْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ شِبْهَ عَمْدٍ لَا خَطَأً فَإِنَّ تَفْصِيلَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً فِي فَصْلِ الْجَنِينِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ «حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنْتُ بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ أَوْ بِمُسَطَّحِ خَيْمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَاخْتَصَمَ أَوْلِيَاؤُهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ﵊ لِأَوْلِيَاءِ الضَّارِبَةِ: دُوهُ، فَقَالَ أَخُوهَا: أَنَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَلَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَدَمُ مِثْلِهِ يُطَلَّ، فَقَالَ ﵊: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ» وَفِي رِوَايَةٍ «دَعْنِي وَأَرَاجِيزَ الْعَرَبِ قُومُوا فَدُوهُ» وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا كَانَ بِجِنَايَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ دُونَ الْخَطَإِ، فَكَانَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ دُونَ الْقِيَاسِ، وَكَانَ الْأَصْلُ فِي هَذَا
[ ١٠ / ٢١٢ ]
وَمَالِكٌ وَإِنْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ
قَالَ (وَالْخَطَأُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ، أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الْآيَةَ، وَهِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ،
الْحُكْمِ هُوَ شِبْهَ الْعَمْدِ لَا الْخَطَأَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ ﵊ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا» وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: وَلَكِنْ الْمَعْهُودُ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَيْنَاهُ، وَقَالَ: وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا قَالَ أَسْلَفْنَاهُ نَظَرًا إلَى الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الْمَعْقُولِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ حَاصِلَ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِيمَا قَبْلُ قِيَاسُ الْعَصَا الْكَبِيرَةِ عَلَى الْعَصَا الصَّغِيرَةِ فِي كَوْنِهِمَا غَيْرَ مَوْضُوعَتَيْنِ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَتَيْنِ لَهُ، وَمَالِكٌ مُنْكِرٌ كَوْنَ الْقَتْلِ بِالْعَصَا الصَّغِيرَةِ أَيْضًا شِبْهَ عَمْدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا الْقَتْلُ نَوْعَانِ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ؛ إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ فَكَذَا فِي هَذَا الْفِعْلِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَعْنَى الْمَعْقُولُ الْمَذْكُورُ حُجَّةً عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَالْخَطَأُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ، أَوْ يَظُنَّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا) أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ هَا هُنَا تَسَامُحٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ: وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا إلَخْ
وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ: وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا
وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ نَوْعَيْ الْخَطَإِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ بِمَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِهِ، بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ فَكَانَ أَخَصَّ مِنْهُ جِدًّا فَلَمْ يَصْلُحْ لَأَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لَهُ، فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ نَحْوُ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ هُوَ كَأَنْ يَرْمِيَ إشَارَةً إلَى الْعُمُومِ، كَمَا تَدَارَكَهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْخَطَإِ قَصْدًا كَرَمْيِهِ مُسْلِمًا ظَنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا وَفِعْلًا كَرَمْيِهِ غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا انْتَهَى
ثُمَّ إنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: الْخَطَأُ ضَرْبَانِ: خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ، وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ
فَالْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ أَنْ يَقْصِدَ فِعْلًا فَصَدَرَ مِنْهُ فِعْلٌ آخَرُ، كَمَا إذَا رَمَى الْغَرَضَ فَأَخْطَأَ وَأَصَابَ غَيْرَهُ وَالْخَطَأُ فِي الْقَصْدِ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْخَطَأُ فِي قَصْدِهِ، فَإِنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا الْفِعْلِ حَرْبِيًّا لَكِنْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ الْقَصْدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَا قَصَدَهُ انْتَهَى
وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ: مَنْ قَالَ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُ الْفِعْلُ الَّذِي قَصَدَهُ بَلْ يَصْدُرُ فِعْلٌ آخَرُ فَكَأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُ الْفِعْلُ الَّذِي قَصَدَهُ بَلْ يَصْدُرُ عَنْهُ فِعْلٌ آخَرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا رَمَى غَرَضًا فَأَصَابَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ أَوْ تَجَاوَزَ عَنْهُ إلَى مَا وَرَاءَهُ فَأَصَابَ رَجُلًا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ، وَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ مَفْقُودٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ أَخْطَأَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ اعْتَبَرَ الْقَصْدَ فِيهِ وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّهُ إذَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ خَشَبَةٌ أَوْ لَبِنَةٌ فَقَتَلَ رَجُلًا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ وَلَا قَصْدَ فِيهِ انْتَهَى
أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ وَجْهَيْ رَدِّهِ سَاقِطٌ جِدًّا
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُ الْفِعْلُ الَّذِي قَصَدَهُ، بَلْ قَالَ: فَالْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ أَنْ يَقْصِدَ فِعْلًا فَصَدَرَ عَنْهُ فِعْلٌ آخَرُ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ الْفِعْلُ الَّذِي قَصَدَهُ كَمَا صَدَرَ عَنْهُ فِعْلٌ آخَرُ، وَمِنْ أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُ الْفِعْلُ الَّذِي قَصَدَهُ
مِثَالُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَهُ الرَّادُّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ، وَمِثَالُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَكْثَرُ وُقُوعًا مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ كَمَا
[ ١٠ / ٢١٣ ]
لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَلَا إثْمَ فِيهِ) يَعْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ
قَالُوا: الْمُرَادُ إثْمُ الْقَتْلِ، فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَعْرَى عَنْ الْإِثْمِ مِنْ حَيْثُ تَرْكُ الْعَزِيمَةِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي التَّثَبُّتِ فِي حَالِ الرَّمْيِ، إذْ شَرْعُ الْكَفَّارَةِ يُؤْذِنُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى (وَيُحْرَمُ عَنْ الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ إثْمًا فَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحِرْمَانِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَمَّدَ الضَّرْبَ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ مَوْضِعًا آخَرَ فَمَاتَ حَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ وُجِدَ بِالْقَصْدِ إلَى بَعْضِ بَدَنِهِ، وَجَمِيعُ الْبَدَنِ كَالْمَحَلِّ الْوَاحِدِ
قَالَ (وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَمُوجِبُهُ إذَا تَلِفَ فِيهِ آدَمِيٌّ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ)؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَأُنْزِلَ مَوْقِعًا دَافِعًا فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُلْحَقُ بِالْخَطَإِ فِي أَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَنْزَلَهُ قَاتِلًا
وَلَنَا أَنَّ الْقَتْلَ مَعْدُومٌ مِنْهُ حَقِيقَةً فَأُلْحِقَ بِهِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ إنْ كَانَ يَأْثَمُ بِالْحَفْرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَا يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ عَلَى مَا قَالُوا، وَهَذِهِ كَفَّارَةُ ذَنْبِ الْقَتْلِ وَكَذَا الْحِرْمَانُ بِسَبَبِهِ (وَمَا يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، وَمَا دُونَهَا لَا يَخْتَصُّ إتْلَافُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ
إذَا رَمَى الْغَرَضَ فَأَخْطَأَ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَمَا إذَا رَمَى الْغَرَضَ فَأَخْطَأَ عَامًّا كَصُورَتَيْ صُدُورِ مَا قَصَدَهُ أَيْضًا وَعَدَمِ صُدُورِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فَطَانَةٍ
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ تَحَقُّقَ الْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ فِي صُورَةِ إنْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ خَشَبَةٌ أَوْ لَبِنَةٌ فَقَتَلَ رَجُلًا مَمْنُوعٌ، بَلْ الْمُتَحَقَّقُ هُنَاكَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ كَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ لَا نَفْسُ الْخَطَأِ؛ إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ صُدُورِ فِعْلٍ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَفِي صُورَةِ إنْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ شَيْءٌ فَقَتَلَ رَجُلًا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ فِعْلٌ بِاخْتِيَارِهِ بَلْ وَقَعَ السُّقُوطُ بِفِعْلِهِ لَا بِاخْتِيَارٍ فَصَارَ لَا مَحَالَةَ مِنْ قَبِيلِ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي نَفْسِ الْخَطَإِ لَا فِيمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ فَإِنَّهُ قِسْمٌ آخَرُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ لِلْجِنَايَةِ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ مُسْتَقِلًّا فِيمَا بَعْدُ (قَوْلُهُ وَلَا إثْمَ فِيهِ: يَعْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ) أَقُولُ: كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: يَعْنِي فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ؛ إذْ يَحْصُلُ حِينَئِذٍ إصْلَاحُ إفْرَادِ الضَّمِيرِ أَيْضًا
[ ١٠ / ٢١٤ ]
بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ
قَالَ (الْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ إذَا قَتَلَ عَمْدًا) أَمَّا الْعَمْدِيَّةُ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ، وَأَمَّا حَقْنُ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلِتَنْتَفِيَ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ وَتَتَحَقَّقَ الْمُسَاوَاةُ
قَالَ (وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْحُرُّ بِالْعَبْدِ) لِلْعُمُومَاتِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ طَرَفُ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ مِنْ الْقَتْلِ وَمَا لَا يُوجِبُهُ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ (قَوْلُهُ أَمَّا الْعَمْدِيَّةُ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ) مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَمِنْ أَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ عَلَى مَا مَرَّ فِي وَجْهِ كَوْنِ مُوجِبِ الْقَتْلِ الْقَوَدَ عَيْنًا اهـ
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ
وَأَمَّا كَوْنُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ خَاصَّةً فَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَحْدَهَا لِإِطْلَاقِهَا، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ
[ ١٠ / ٢١٥ ]
الْحُرِّ بِطَرَفِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ، وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ حَيْثُ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ تَفَاوُتٌ إلَى نُقْصَانٍ
وَلَنَا أَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ وَهِيَ بِالدِّينِ وَبِالدَّارِ وَيَسْتَوِيَانِ فِيهِمَا، وَجَرَيَانُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ، وَالنَّصُّ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ فَلَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ
- ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا قَبْلُ حَيْثُ قَالَ: وَالْقَوَدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وَقَالَ: إلَّا أَنَّهُ تَقَيُّدٌ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ إلَخْ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْدَرِجَ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ إلَخْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا أَمَّا الْعَمْدِيَّةُ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ تَبَصَّرْ (قَوْلُهُ وَجَرَيَانُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: فَإِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: جَازَ أَنْ تَكُونَ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ مَانِعَةً، وَهِيَ ثَابِتَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ وَحَقِيقَةُ الْكُفْرِ تَمْنَعُ مِنْهُ كَمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ فَكَذَا أَثَرُهُ
أَجَابَ بِقَوْلِهِ: وَجَرَيَانُ الْقِصَاصِ وَمَعْنَاهُ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ مَانِعًا؛ إذْ لَوْ صَحَّ لَمَا جَرَى بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ
أَقُولُ: هَذَا الشَّرْحُ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ مَنْعُ مَانِعِيَّةِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ عَنْ الْقِصَاصِ
وَحَاصِلُ الْمَشْرُوحِ مَنْعُ ثُبُوتِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ فِي الْعَبْدِ، وَمِنْ النَّصِّ فِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ
فَالصَّوَابُ فِي الشَّرْحِ أَنْ يُقَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنَّ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الْعَبْدِ وَإِلَّا لَمَا جَرَى بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ (قَوْلُهُ: وَالنَّصُّ تَخْصِيصٌ بِالذَّكَرِ فَلَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ مِنْ مُقَابَلَةِ الْحُرِّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِالْعَبْدِ فِي الْآيَةِ
وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي أَنْ يُقْتَلَ الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ وَلَا الْعَكْسُ بِالْإِجْمَاعِ
وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَرَادَ قَتْلَ غَيْرِ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ
وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَبِيلَتَيْنِ مِنْ الْعَرَبِ اقْتَتَلَتَا وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا تَدَّعِي الْفَضْلَ عَلَى الْأُخْرَى فَقَالَتْ: لَا نَرْضَى إلَّا بِقَتْلِ الذَّكَرِ مِنْهُمْ بِالْأُنْثَى مِنَّا وَالْحُرِّ مِنْهُمْ بِالْعَبْدِ مِنَّا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ كَذَا فِي الشُّرُوحِ
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ التَّخْصِيصَ بِالذَّكَرِ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ إلَّا أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ يُفِيدُ الْقَصْرَ نَحْوَ: الْكَرَمُ التَّقْوَى: أَيْ لَا غَيْرُهَا، وَالْأَمِيرُ الشُّجَاعُ؟ أَيْ لَا الْجَبَانُ، وَنَحْوَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَ«الْإِمَامُ مِنْ قُرَيْشٍ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ كَمَا عُرِفَ
[ ١٠ / ٢١٦ ]
قَالَ (وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ
لَهُ قَوْلُهُ ﵊ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَلِأَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَقْتَ الْجِنَايَةِ، وَكَذَا الْكُفْرُ مُبِيحٌ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ
وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ» وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ ثَابِتَةٌ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ وَالدَّارِ وَالْمُبِيحُ كُفْرُ الْمُحَارِبِ دُونَ الْمُسَالِمِ، وَالْقَتْلُ بِمِثْلِهِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ
فِي عِلْمِ الْأَدَبِ
وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مُوجَبَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ هُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا لَا وَاحِدٌ مِنْ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ لَا بِعَيْنِهِ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَقَالُوا: وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ الْأَلْفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ الْعَمْدُ لِلْجِنْسِ فَتُفِيدُ الْقَصْرَ عَلَى الْقَوَدِ فَلْيَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ
وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّامَ إنَّمَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى الْجِنْسِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَعْهُودٌ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ وَعِلْمِ الْأُصُولِ أَيْضًا، وَفِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ تَحَقُّقُ الْمَعْهُودِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَتُحْمَلُ اللَّامُ عَلَيْهِ دُونَ الْجِنْسِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَا يَقْتَضِي الْقَصْرَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ فَائِدَةِ الْمُقَابَلَةِ بِبَيَانِ سَبَبِ النُّزُولِ فَكَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ لَا لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْكُفْرُ مُبِيحٌ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: إنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِدَمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ فِتْنَةُ الْكُفْرِ فَيُورِثُ شُبْهَةَ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ اهـ
أَقُولُ: قَدْ حَمَلَ الشُّبْهَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْكِتَابِ هُنَا عَلَى شُبْهَةِ الْمُسَاوَاةِ وَهُوَ خَبْطٌ ظَاهِرٌ
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ صَرَّحَ قُبَيْلَ هَذَا بِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا عَلَى طَرِيقِ الْجَزْمِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَقْتَ الْجِنَايَةِ فَكَيْفَ يَتِمُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ: كَوْنُ الْكُفْرِ مُبِيحًا يُورِثُ شُبْهَةَ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ وَيَجْعَلُهَا اسْتِدْلَالًا آخَرَ فَهَلَّا يَكُونُ هَذَا مُنَافِيًا لِمَا سَبَقَ أَوْ مُسْتَدْرِكًا
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ سَيَقُولُ فِي الْجَوَابِ مِنْ قَبْلِنَا عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ: وَالْمُبِيحُ كُفْرُ الْمُحَارِبِ دُونَ الْمُسْلِمِ، وَالْقَتْلُ بِمِثْلِهِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، وَذَلِكَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ، عَلَى أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشُّبْهَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا شُبْهَةَ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ الذِّمِّيِّ بِمِثْلِهِ لَا يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَإِنَّمَا يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ فِي دَمِ الذِّمِّيِّ
فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشُّبْهَةِ هُوَ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تَفْرِيعِ قَوْلِهِ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ عَلَى قَوْلِهِ، وَكَذَا الْكُفْرُ مُبِيحٌ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ السِّبَاقُ وَاللِّحَاقُ بِلَا غُبَارٍ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ ثَابِتَةٌ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ أَوْ الدَّارِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ هَذَا التَّعْلِيلِ: وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ نَظَرًا إلَى
[ ١٠ / ٢١٧ ]
الشُّبْهَةِ، وَالْمُرَادُ بِمَا رَوَى الْحَرْبِيَّ لِسِيَاقِهِ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ
التَّكْلِيفِ: يَعْنِي عِنْدَهُ، أَوْ الدَّارِ: يَعْنِي عِنْدَنَا اهـ
أَقُولُ: وَزَّعَ الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ أَوْ الدَّارِ إلَى الْمَذْهَبَيْنِ كَمَا تَرَى، فَحَمَلَ قَوْلَهُ إلَى التَّكْلِيفِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلَهُ أَوْ الدَّارِ عَلَى مَذْهَبِنَا، لَكِنَّهُ مَحَلُّ نَظَرٍ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا قَالَ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ
وَلَنَا أَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ وَهِيَ بِالدِّينِ أَوْ بِالدَّارِ
قَالَ الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ وَسَائِرُ الشُّرَّاحِ أَيْضًا هُنَاكَ، وَهِيَ أَيْ الْعِصْمَةُ بِالدِّينِ: يَعْنِي عِنْدَهُ، أَوْ بِالدَّارِ: يَعْنِي عِنْدَنَا، فَقَدْ حَمَلُوا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بِالدِّينِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ الدِّينُ فَكَيْفَ يَتِمُّ الْقَوْلُ هُنَا بِثُبُوتِهَا عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ التَّكْلِيفِ بِدُونِ تَحَقُّقِ دِينِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَقْتَضِيهِ شَرْحُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ
ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ كَلِمَةَ أَوْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ، أَوْ الدَّارِ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: سِيَّانِ كَسْرُ رَغِيفِهِ أَوْ كَسْرُ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ عَلَى مَذْهَبِنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كَلِمَةِ الْوَاوِ بَدَلَ كَلِمَةِ أَوْ، وَعِبَارَةُ الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ أَيْضًا فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِمَا فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ نَظَرًا إلَى الدَّارِ وَإِلَى التَّكْلِيفِ اهـ
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ لَمْ تَحْمِلْ الْمَجْمُوعَ عَلَى مَذْهَبِنَا مَعَ إبْقَاءِ كَلِمَةِ أَوْ عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهَا؟ قُلْتُ: لِأَنَّ التَّكْلِيفَ وَحْدَهُ لَا يَقْتَضِي الْعِصْمَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْقِصَاصِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ إذَا قُتِلَ مُكَلَّفٌ وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِمَا رَوَى الْحَرْبِيُّ لِسِيَاقِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ
[ ١٠ / ٢١٨ ]
قَالَ (وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَكَذَلِكَ كُفْرُهُ بَاعِثٌ عَلَى الْحِرَابِ؛
بِالْكَافِرِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» هُوَ الْحَرْبِيُّ بِدَلِيلِ سِيَاقِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى: مُؤْمِنٌ، فَالْمَعْنَى: وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ بِكَافِرٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَا الْعَهْدِ وَهُوَ الذِّمِّيُّ إنَّمَا لَا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ دُونَ الذِّمِّيِّ، فَإِنَّ جَرَيَانَ الْقِصَاصِ بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذِي الْعَهْدِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْمُسْلِمَ دُونَ الذِّمِّيِّ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَلَا جَرَمَ يَكُونُ الْمُرَادُ بِذِي الْعَهْدِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ غَيْرَ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ
فَإِنْ قِيلَ: وَلَمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَلَا ذُو عَهْدِ فِي عَهْدِهِ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ: أَوْ لَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدِ فِي مُدَّةِ عَهْدِهِ
قُلْنَا: لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ حَقِيقَةً خُصُوصًا فِيمَا لَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ
وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ نَفْيُ الْقَتْلِ قِصَاصًا لَا نَفْيُ مُطْلَقِ الْقَتْلِ، فَكَذَا فِي الثَّانِي تَحْقِيقًا لِمُقْتَضَى الْعَطْفِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ، هَذَا جُمْلَةُ مَا فِي الْكَافِي وَأَكْثَرِ الشُّرُوحِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَخْذًا مِنْ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ: إنَّ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ مُفْرَدًا، وَلَوْ كَانَ مُفْرَدًا لَاحْتَمَلَ مَا قَالُوا وَلَكِنْ كَانَ مَوْصُولًا بِغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لِسِيَاقِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَطَفَ هَذَا عَلَى الْأَوَّلِ وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ فَيَكُونُ كَلَامًا تَامًّا فِي نَفْسِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَدَائِهِ إلَّا أَنْ لَا يُقْتَلَ ذُو عَهْدٍ مُدَّةَ عَهْدِهِ وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيُقَدَّرُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو عَهْدٍ هُوَ الْحَرْبِيُّ بِالْإِجْمَاعِ فَيُقَدَّرُ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ، وَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ حَرْبِيٍّ يُقَدَّرُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ أَعَمَّ، وَالْأَعَمُّ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْأَخَصِّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَمَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لَا يَكُونُ دَلِيلًا هَذَا خُلْفٌ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ مِنْ الْوُجُوهِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَعَمَّ إنَّمَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ حَيْثُ خُصُوصِيَّةُ الْأَخَصِّ: أَيْ لَا يَدُلُّ الْأَعَمُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ هُوَ الْأَخَصَّ وَحْدَهُ، وَهَذَا مَعْنَى مَا يُقَالُ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ: لَا دَلَالَةَ لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ بِإِحْدَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ انْدِرَاجُ الْأَخَصِّ تَحْتَ ذَلِكَ الْأَعَمِّ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا بِوَاسِطَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَعْنَاهُ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِذَلِكَ الْأَخَصِّ وَلِغَيْرِهِ أَيْضًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّا إذَا قُلْنَا كُلُّ حَيَوَانٍ مُتَحَرِّكٍ بِالْإِرَادَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْإِنْسَانِ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ لِانْدِرَاجِهِ تَحْتَ الْحَيَوَانِ، وَكَذَا حَالُ سَائِرِ الْكُلِّيَّاتِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا تَحْتَهَا مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا سُتْرَةَ بِهِ، فَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ حَرْبِيٌّ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَكَانَ كَافِرٌ أَعَمَّ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ لَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكَافِرِ وَحَصَلَ مَطْلُوبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونَ مَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ دَلِيلًا لَهُ عَلَى مُدَّعَاهُ كَمَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ
وَالثَّانِي أَنَّ عَدَمَ كَوْنِ مَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ دَلِيلًا لَهُ لَا يَقْتَضِي تَقْدِيرَ شَيْءٍ فِي الْحَدِيثِ؛ إذْ لَا يَتْبَعُ تَعَيُّنُ مَعْنَى الْحَدِيثِ جَعْلَ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ دَلِيلًا عَلَى مُدَّعَاهُ، بَلْ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ تَعَيُّنِ مَعْنَاهُ، فَمَا مَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى عَدَمِ عُمُومِ الْكَافِرِ فِي الْحَدِيثِ بِلُزُومِ أَنْ لَا يَكُونَ مَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ دَلِيلًا لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ عُمُومِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تَقْرِيرِ الشَّارِحِ الْمَزْبُورِ
وَالثَّالِثُ أَنَّ مَا عَدَّهُ مَحْذُورًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ دَلِيلًا لَهُ لَازِمٌ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُقَدَّرَ حَرْبِيٌّ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ مُبَايِنٌ لِلذِّمِّيِّ لَا مَحَالَةَ، وَعَدَمُ دَلَالَةِ أَحَدِ الْمُتَبَايِنَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَظْهَرُ مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، فَإِنْ لَزِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرٌ فِي الْحَدِيثِ أَعَمَّ أَنْ لَا يَكُونَ مَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ دَلِيلًا لَهُ فَلَأَنْ لَزِمَ مِنْ أَنْ يُقَيَّدَ كَافِرٌ فِي الْحَدِيثِ بِحَرْبِيٍّ أَنْ لَا يَكُونَ مَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ
[ ١٠ / ٢١٩ ]
لِأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ
(وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ) لِمَا بَيَّنَّا
(وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ) قِيَاسًا لِلْمُسَاوَاةِ، وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِقِيَامِ الْمُبِيحِ
(وَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحُ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنُ وَبِنَاقِصِ الْأَطْرَافِ وَبِالْمَجْنُونِ) لِلْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ التَّفَاوُتِ فِيمَا وَرَاءَ الْعِصْمَةِ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ وَظُهُورَ التَّقَاتُلِ وَالتَّفَانِي
قَالَ (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ
دَلِيلًا لَهُ أَوْلَى، فَكَيْفَ يَثْبُتُ تَقْدِيرُ حَرْبِيٍّ عَلَى رَأْيِهِ وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ خَرَجَ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ بِالْكُلِّيَّةِ فَضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْغَايَةِ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ الْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْطِفْ قَوْلَهُ ﵊ " وَلَا ذُو عَهْدٍ " عَلَى كَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَطَفَ عَلَيْهِ لَقِيلَ بِالْجَرِّ بَلْ هُوَ عَطْفٌ عَلَى مُؤْمِنٍ، وَلَكِنْ نَقُولُ: إنَّ الذِّمِّيَّ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِالِاتِّفَاقِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْكَافِرِ الْحَرْبِيُّ اهـ
أَقُولُ: نَظَرُهُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ لَيْسَ لِبَيَانِ مُغَايَرَةِ: ذُو عَهْدٍ فِي الْحَدِيثِ لِكَافِرٍ حَتَّى يَتَّجِهَ مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ " وَلَا ذُو عَهْدٍ " لَمْ يُعْطَفْ عَلَى كَافِرٍ بَلْ لِبَيَانِ مُغَايَرَتِهِ لِمُؤْمِنٍ دَفْعًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذُو عَهْدٍ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْمُؤْمِنُ أَيْضًا؛ إذْ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يَظْهَرُ كَوْنُ الْمُرَادِ بِكَافِرٍ هُوَ الْحَرْبِيَّ؛ إذْ الْمُؤْمِنُ لَا يُقْتَلُ بِذِمِّيٍّ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَسْلَمُ التَّقْيِيدُ بِحَرْبِيٍّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذُو عَهْدٍ مُغَايِرًا لِمُؤْمِنٍ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ هُوَ الذِّمِّيَّ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَافِرٍ هُوَ الْحَرْبِيَّ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يُقْتَلَ الذِّمِّيُّ أَيْضًا مَعَ أَنَّ خِلَافَهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
وَالْعَجَبُ أَنَّ كَوْنَ مَقْصُودِ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ وُضُوحِهِ فِي نَفْسِهِ يُرْشِدُ إلَيْهِ جِدًّا تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَكَيْفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ لِمَا بَيَّنَّا) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحْقُونَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَمْ يَقْبَلْ رَأْيَ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَحْقُونَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَقِيلَ: هُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ﵊ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنْهُ فِي مِثْلِهِ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّا قَدَّرْنَا ذَلِكَ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ، إلَّا إذَا أُرِيدَ هُنَاكَ بِالْحَرْبِيِّ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُحَارَبًا وَهُوَ الْحَقُّ، وَيُغْنِينَا عَنْ السُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْحَرْبِيِّ وَالْجَوَابِ عَنْهُ وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: لِمَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمَرْوِيٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ تَأْوِيلٌ فَلَمْ يَقُلْ لِمَا رَوَيْنَا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ
أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ وَيُغْنِينَا عَنْ السُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْحَرْبِيِّ وَالْجَوَابِ عَنْهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ هُنَاكَ بِالْحَرْبِيِّ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُحَارِبِ يَرِدُ السُّؤَالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْمُحَارِبِ، فَإِنَّ قَتْلَ الْمُحَارِبِ وَاجِبٌ فَمَا مَعْنَى نَفْيِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَيُحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ بِالْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْغِنَى عَنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَرْبِيِّ هُنَاكَ هُوَ الْمُسْتَأْمَنَ فَقَطْ كَمَا هُوَ الْأَحْسَنُ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ مِنْ الْكَافِرِ الْمُسْتَأْمَنُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» عَطَفَ قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَكَانَ مَعْنَاهُ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِهِ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ اهـ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ») قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: قُلْت: خَصَّ بِهِ عُمُومَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهُ
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ يُقَادُ إذَا ذَبَحَهُ ذَبْحًا، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِحْيَائِهِ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُسْتَحَقَّ لَهُ إفْنَاؤُهُ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَفِّ الْأَعْدَاءِ مُقَاتِلًا أَوْ زَانِيًا وَهُوَ مُحْصَنٌ، وَالْقِصَاصُ يَسْتَحِقُّهُ الْمَقْتُولُ ثُمَّ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ، وَإِنْ عَلَا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَكَذَا الْوَالِدَةُ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ لِمَا بَيَّنَّا، وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ لِعَدَمِ الْمُسْقِطِ
قَالَ (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِعَبْدِهِ وَلَا مُدَبَّرِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ لِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْقِصَاصَ وَلَا وَلَدِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّأُ
الْخُصُوصُ
فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يُقْتَصُّ بِعَبْدِهِ وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبَزْدَوِيُّ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَصَلُحَ مُخَصِّصًا أَوْ نَاسِخًا حُكْمَ الْكِتَابِ اهـ
أَقُولُ: الْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْبَزْدَوِيُّ لَا مَا قَالَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ مَا قَالَهُ أَنَّ الْكِتَابَ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ صَارَ مِمَّا خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ بِعَدَمِ اقْتِصَاصِ الْمَوْلَى بِعَبْدِهِ وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ فَصَارَ ظَنِّيًّا فَجَازَ تَخْصِيصُ قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ مِنْ عُمُومِ الْكِتَابِ الدَّالِ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلَى بِالسُّنَّةِ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ؛ إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ إنَّمَا يَصِيرُ ظَنِّيًّا إذَا كَانَ تَخْصِيصُهُ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ بِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَعْضُ مِنْ الْعَامِّ مُخْرَجًا بِدَلِيلٍ مَفْصُولٍ عَنْهُ فَيَكُونُ عُمُومُهُ مَنْسُوخًا لَا مَخْصُوصًا وَيَصِيرُ قَطْعِيًّا فِي الْبَاقِي
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يُخْرِجُ قَتْلَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَوْ عَبْدَ وَلَدِهِ عَنْ آيَةِ الْقِصَاصِ لَيْسَ كَلَامًا مَوْصُولًا بِهَا فَلَا يُنَافِي قَطْعِيَّتَهَا، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ عَنْهَا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ، بَلْ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرِجُ حَدِيثًا مَشْهُورًا كَمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَصِيرِ هُنَا إلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْبَزْدَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَالْقِصَاصُ يَسْتَحِقُّهُ الْمَقْتُولُ ثُمَّ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ) قَالَ الشُّرَّاحُ: هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْوَارِثُ يَسْتَحِقُّ إفْنَاءَهُ لَا الْوَلَدُ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَوْ قَالَ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِفِنَائِهِ لَاسْتَغْنَى عَنْ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ اهـ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ إذْ لَا يَرَى جِهَةَ سَبَبِيَّةِ الْمَقْتُولِ لِفَنَاءِ الْقَاتِلِ سِوَى اسْتِحْقَاقِهِ الْقِصَاصَ، فَلَوْ قَالَ: فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِفِنَائِهِ، فَأَمَّا إنْ أَرَادَ بِتَسَبُّبِهِ لِفَنَائِهِ اسْتِحْقَاقَهُ الْقِصَاصَ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ الْمَزْبُورُ وَيُحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ بِهَا شَيْئًا سِوَى اسْتِحْقَاقِهِ الْقِصَاصَ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَكَيْفَ يَتِمُّ بِنَاءُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ تَدَبَّرْ تَفْهَمْ (قَوْلُهُ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَإِنْ عَلَا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَكَذَا الْوَالِدَةُ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ لِمَا بَيَّنَّا) أَقُولُ: مِنْ الْعَجَائِبِ هُنَا أَنَّ الْإِمَامَ الزَّاهِدِيَّ
[ ١٠ / ٢٢١ ]
قَالَ (وَمَنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ) لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ
قَالَ (وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إلَّا بِالسَّيْفِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ إنْ كَانَ فِعْلًا مَشْرُوعًا، فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا تُحَزَّ رَقَبَتُهُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ
وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَالْمُرَادُ بِهِ السِّلَاحُ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الزِّيَادَةِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ فَيُحَزُّ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَمَا فِي كَسْرِ الْعَظْمِ
قَالَ (وَإِذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا الْمَوْلَى وَتَرَكَ وَفَاءً فَلَهُ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا أَرَى فِي هَذَا قِصَاصًا)؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ سَبَبُ الِاسْتِيفَاءِ فَإِنَّهُ الْوَلَاءُ إنْ مَاتَ حُرًّا وَالْمِلْكُ إنْ مَاتَ عَبْدًا، وَصَارَ كَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِكَذَا، وَقَالَ الْمَوْلَى زَوَّجْتُهَا مِنْك لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ كَذَا هَذَا
وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمَوْلَى بِيَقِينٍ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَهُوَ مَعْلُومٌ وَالْحُكْمُ مُتَّحِدٌ، وَاخْتِلَافُ السَّبَبِ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَلَا إلَى اخْتِلَافِ حُكْمٍ فَلَا يُبَالَى بِهِ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مِلْكِ الْيَمِينِ يُغَايِرُ حُكْمَ النِّكَاحِ
قَالَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ: قُلْتُ: ذَكَرَ الْجَدَّةَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَلَمْ يُطْلِقْهَا، وَذَكَرَ فِيهَا الْأَجْدَادَ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالْأُمَّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَدَّةَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَصْلًا فَوَقَعَتْ لِي شُبْهَةٌ فِي الْجَدَّةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَقَدْ زَالَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا ذَكَرَ فِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ
قَالَ: وَلَا يُقْتَلُ أُصُولُ الْمَقْتُولِ بِهِ وَإِنْ عَلَوْا خِلَافًا لِمَالِكٍ فِيمَا إذَا ذَبَحَهُ ذَبْحًا اهـ
وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْجَدَّةَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مَذْكُورَةٌ فِي الْهِدَايَةِ هُنَا صَرَاحَةً فَكَيْفَ خَفِيَتْ عَلَيْهِ حَتَّى وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي أَمْرِهَا
(قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَالْمُرَادُ بِهِ السِّلَاحُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ: وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَهُوَ نَصٌّ عَلَى نَفْيِ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ بِغَيْرِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ مَا كَانَ سِلَاحًا
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ نَصًّا عَلَى نَفْيِ اسْتِيفَاءِ
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
(وَلَوْ تَرَكَ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا مَعَ الْمَوْلَى)؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْلَى إنْ مَاتَ عَبْدًا، وَالْوَارِثُ إنْ مَاتَ حُرًّا إذْ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي مَوْتِهِ عَلَى نَعْتِ الْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّ، بِخِلَافِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُتَعَيَّنٌ فِيهَا
الْقَوَدِ بِغَيْرِ السَّيْفِ فَكَيْفَ يَلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً مَا كَانَ سِلَاحًا مِنْ غَيْرِ السَّيْفِ، وَهُوَ يَتَصَوَّرُ أَنْ يَدُلَّ كَلَامٌ وَاحِدٌ عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ وَإِثْبَاتِهِ مَعًا
وَالْحَقُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّيْفِ فِي الْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ وَالسِّلَاحِ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ بِهِ السِّلَاحُ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَا: وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» أَيْ لَا قَوَدَ يُسْتَوْفَى إلَّا بِالسَّيْفِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّيْفِ السِّلَاحُ، هَكَذَا فَهِمَتْ الصَّحَابَةُ ﵃
وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا قَوَدَ إلَّا بِسِلَاحٍ، وَإِنَّمَا كَنَّى بِالسَّيْفِ عَنْ السِّلَاحِ اهـ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ لَا قَوَدَ يَجِبُ إلَّا بِالسَّيْفِ لَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا قَوَدَ يُسْتَوْفَى إلَّا بِالسَّيْفِ
قُلْنَا: الْقَوَدُ اسْمٌ لِفِعْلٍ هُوَ جَزَاءُ الْقَتْلِ دُونَ مَا يَجِبُ شَرْعًا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ كَانَ مَجَازًا، وَلِأَنَّ الْقُودَ قَدْ يَجِبُ بِغَيْرِ السَّيْفِ كَالْقَتْلِ بِالنَّارِ وَالْإِبْرَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ وُجُوبِ الْقَوَدِ بِدُونِ الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، وَإِنَّمَا السَّيْفُ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِيفَاءِ اهـ
وَذَكَرَ هَذَا السُّؤَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا، وَلَكِنْ قَصَرَ الْجَوَابَ عَنْهُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي النِّهَايَةِ
أَقُولُ: فِي ذَاكَ الْوَجْهِ مِنْ الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ كَانَ مَدَارُ السُّؤَالِ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظِ الْقَوَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ مَا يَجِبُ شَرْعًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَدَارُهُ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يُقَدَّرَ فِي الْحَدِيثِ لَفْظُ يَجِبُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا قَوَدَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ السُّؤَالِ فَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ؛ إذْ لَا مَجَازَ حِينَئِذٍ فِي لَفْظِ الْقَوَدِ
فَإِنْ قُلْتَ: الْمَصِيرُ إلَى التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِأَسْهَلَ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى التَّجَوُّزِ فَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ لُزُومُ الْعُدُولِ إلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ مِنْ عِبَارَةِ الْحَدِيثِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ
قُلْتُ: لَا مَحِيصَ عَنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلُوهُ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَإِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى ذَاكَ لَا قَوَدَ يُسْتَوْفَى إلَّا بِالسَّيْفِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَعْنَى الِاسْتِيفَاءِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَرَكَ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ) أَقُولُ: أَطْلَقَ الْوَارِثَ هُنَا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْحُرِّ وَقَيَّدَهُ فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعْكَسَ الْأَمْرُ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَارِثُ هُنَا رَقِيقًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ لِكَوْنِ حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ حِينَئِذٍ لِلْمَوْلَى خَاصَّةً؛ إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْأَرِقَّاءِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ قَطُّ فَلَمْ يَشْتَبِهْ مَنْ لَهُ الْحَقُّ هُنَاكَ فَإِنَّهُ الْمَوْلَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ مَاتَ عَبْدًا فَبِالْمِلْكِ وَإِنْ مَاتَ حُرًّا فَبِالْوَلَاءِ
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَرِقَّاءَ فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى وَحْدَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَحْرَارًا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
(وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا بِلَا رَيْبٍ لِانْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِالْعَجْزِ
(وَإِذَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ)؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يَلِيهِ، وَالرَّاهِنُ لَوْ تَوَلَّاهُ لَبَطَل حَقُّ
فِي تِلْكَ الصُّورَةِ بِلَا رَيْبٍ
وَالتَّقْيِيدُ بِالْأَحْرَارِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْأَرِقَّاءِ خِلَافَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الرِّوَايَاتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَالْأَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: وَلَوْ تَرَكَ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ حُرٌّ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ وَقَالَ فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ أَوْ لَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى عِنْدَهُمْ
فَإِنْ قُلْتَ: الرَّقِيقُ لَا يَكُونُ وَارِثًا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ أَحَدُ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَمْنَعُ عَنْ الْإِرْثِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى تَقْيِيدِ الْوَارِثِ بِالْحُرِّ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ لِإِشْعَارِهِ بِكَوْنِ الرَّقِيقِ أَيْضًا وَارِثًا
قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْوَارِثِ هُنَا مَنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَرِثَ، وَالرَّقِيقُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ عِنْدَ زَوَالِ الرِّقِّ عَنْهُ لَا مَنْ يَرِثُ بِالْفِعْلِ فَيَتَحَمَّلُ التَّقْيِيدَ بِالْحُرِّيَّةِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتِمَّ تَقْيِيدُ الْوَرَثَةِ بِالْأَحْرَارِ فِي الصُّورَةِ الْأَتِيَّةِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهَا قُيِّدَتْ بِهَا فِي الْكِتَابِ بَلْ فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَلَا وَارِثَ لَهُ أَوْ لَهُ وَرَثَةٌ أَرِقَّاءُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ اهـ
أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ حُكْمِهِ حُكْمَ الْمَذْكُورِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِهِ بَلْ يَكُونُ بَيَانَ كَوْنِ حُكْمِهِ حُكْمَ الْمَذْكُورِ عَيْنَ الْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ وَفُصُولِهِ مُتَّحِدَةُ الْأَحْكَامِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لَأَنْ يُسْتَغْنَى بِذِكْرِ بَعْضِهَا عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ، عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ مَنْ لَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ بِالذِّكْرِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ خِلَافَ حُكْمِ الْمَذْكُورِ عَلَى قَاعِدَةِ كَوْنِ الْمَفْهُومِ مُعْتَبَرًا فِي الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ شَيْءٍ يُفِيدُ كَوْنَ الْحُكْمِ فِي الْمَتْرُوكِ حُكْمَ الْمَذْكُورِ
فَالْوَجْهُ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ حُكْمَ الْمَتْرُوكِ هَا هُنَا مَعْلُومٌ مِنْ حُكْمِ الْمَذْكُورِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ دَلَالَةِ النَّصِّ، فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى وَحْدَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ فَلَأَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى وَحْدَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَصْلًا أَوْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ أَرِقَّاءُ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِالْعَجْزِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ: وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَبْدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ إذَا مَاتَ عَاجِزًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ لَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّ عَجْزَ الْمُكَاتَبِ يَنْفَسِخُ بِهِ الْكِتَابَةُ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَمَوْتُ الْمُعْتَقِ لَمْ يَنْفَسِخْ بِهِ عِتْقُهُ فَالْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فِي بَعْضِهِ بِالْوَلَاءِ، وَفِي بَعْضِهِ بِالْمِلْكِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ اهـ
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، قَدْ مَرَّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ أَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ الَّذِي لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَلَا إلَى اخْتِلَافِ الْحُكْمِ لَا يُبَالَى بِهِ، وَلِهَذَا كَانَ لِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ عِنْدَهُمَا فِيمَا إذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ سِوَى الْمَوْلَى وَتَرَكَ وَفَاءً فَكَيْفَ يَتِمُّ تَعْلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا مَاتَ عَاجِزًا بِأَنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فِي بَعْضِهِ بِالْوَلَاءِ وَفِي بَعْضِهِ بِالْمِلْكِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ إذْ لَا إفْضَاءَ إلَى الْمُنَازَعَةِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ وَلَا إلَى اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فَمِنْ أَيْنَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِ السَّبَبِ؟ ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مُعْتَقِ
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ فَيُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا لِيَسْقُطَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِرِضَاهُ
قَالَ (وَإِذَا قُتِلَ وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ فَلِأَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ شُرِعَ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَيْهَا وَهُوَ تَشَفِّي الصَّدْرِ فَيَلِيهِ كَالْإِنْكَاحِ
الْبَعْضِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً مَا إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى، يَرْشُدُ إلَيْهِ ذِكْرُ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَيِّزِ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ إلَخْ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ تَتْمِيمُ مَا أَجْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِالْعَجْزِ بِأَنْ يُقَالَ: فَالْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فِي الْبَعْضِ الْمَمْلُوكِ بِالْمِلْكِ، وَالْوَارِثُ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْبَعْضِ الْمُعْتَقِ بِالْإِرْثِ فَيَكُونُ السَّبَبَانِ رَاجِعَيْنِ إلَى الشَّخْصَيْنِ فَيُبَالَى بِاخْتِلَافِهِمَا لِلْإِفْضَاءِ إلَى الْمُنَازَعَةِ تَأَمَّلْ تَقِفْ
(قَوْلُهُ وَإِذَا قُتِلَ وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ فَلِأَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَ) يَعْنِي إذَا قُتِلَ قَرِيبُ الْمَعْتُوهِ فَلِأَبِي الْمَعْتُوهِ أَنْ يَقْتُلَ: أَيْ لَهُ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ الْقَاتِلِ
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِذَا قُتِلَ وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ يَعْنِي ابْنَهُ فَلِأَبِيهِ وَهُوَ جَدُّ الْمَقْتُولِ الِاسْتِيفَاءُ
أَقُولُ: هَذَا تَقْصِيرٌ فِي بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ الْقِصَاصُ لَهُ حَقُّ الْمَعْتُوهِ دُونَ أَبِيهِ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ فِي ابْنِ الْمَعْتُوهِ بَلْ يَعُمُّ ابْنَهُ وَغَيْرَهُ كَأَخِيهِ وَأُخْتِهِ لِأُمٍّ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ وَكَأُمِّهِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ أَبِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وَعِبَارَةُ الْكِتَابِ تَتَحَمَّلُ التَّعْمِيمَ، فَإِنَّ وَلِيَّ الْمَعْتُوهِ بِمَعْنَى قَرِيبِهِ يَعُمُّ الْكُلَّ فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ عُمُومِ جَوَابِهَا
وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ أَصَابَ فِي تَفْسِيرِ وَلِيِّ الْمَعْتُوهِ، وَلَكِنْ أَفْسَدَ بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا قَتَلَ وَلِيٌّ الْمَعْتُوهَ أَيْ قَرِيبُهُ وَهُوَ ابْنُهُ: يَعْنِي إذَا كَانَ لِلْمَعْتُوهِ ابْنٌ فَقُتِلَ ابْنُهُ فَلِأَبِي الْمَعْتُوهِ وَهُوَ جَدُّ الْمَقْتُولِ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ اهـ
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ، وَالْحَقُّ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّعْمِيمِ، وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي تَوْجِيهِ كَلَامِهِمْ أَنْ يُحْمَلَ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى التَّمْثِيلِ دُونَ التَّخْصِيصِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ شُرِعَ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَيْهَا وَهُوَ تَشَفِّي الصَّدْرِ فَيَلِيهِ كَالْإِنْكَاحِ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْإِنْكَاحَ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ وَلَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ
فَأَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ كَالْأَبِ وَالِابْنِ، وَكَذَلِكَ يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ وَلِيٌّ أَقْرَبُ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ ثَمَّةَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَلَا يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدَّمَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ مَالَ الْمَقْتُولِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ حَتَّى الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْغَايَةِ
أَقُولُ: مَا نَسَبَهُ إلَى بَعْضِ الشَّارِحِينَ قَوْلُ كُلِّ الشَّارِحِينَ سِوَاهُ، وَرَدُّهُ عَلَيْهِمْ مَرْدُودٌ، فَإِنَّهُ نَاشِئٌ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ مَعْنَى الْمَقَامِ وَمُرَادِ الشُّرَّاحِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَقَامِ أَنَّهُ إذَا قُتِلَ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ الْقِصَاصُ لَهُ حَقُّ الْمَعْتُوهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ كَانَ لِأَبِي الْمَعْتُوهِ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ الْقَاتِلِ نِيَابَةً عَنْ الْمَعْتُوهِ كَمَا لَهُ وِلَايَةُ إنْكَاحِ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ، وَمُرَادُ الشُّرَّاحِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَمْلِكُ إنْكَاحَ الْغَيْرِ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ مِنْ قِبَلِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ الْأَخَ مَثَلًا يَمْلِكُ إنْكَاحَ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ وَلَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ مِنْ قِبَلِهِمَا، بِخِلَافِ الْأَبِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُمَا مَعًا
وَبَيَّنُوا وَجْهَ الْفَرْقِ بِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي وَلِلْأَبِ شَفَقَةٌ كَامِلَةٌ، يُعَدُّ ضَرَرُ الْوَلَدِ ضَرَرَ نَفْسِهِ فَجُعِلَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ التَّشَفِّي كَالْحَاصِلِ لِلِابْنِ، بِخِلَافِ الْأَخِ، فَقَوْلُ صَاحِبِ الْغَايَةِ: لِأَنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ كَالْأَبِ وَالِابْنِ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ بِاسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهُ بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدَّمَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ مَالَ الْمَقْتُولِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا مِسَاسَ لَهُ بِالْمَقَامِ وَلَا بِمَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ هَا هُنَا فِي وِلَايَةِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ نِيَابَةً بِدُونِ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْقِصَاصَ بِنَفْسِهِ أَصَالَةً، وَهُوَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ جِدًّا عِبَارَةُ الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَإِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِصَغِيرٍ أَوْ مَعْتُوهٍ فِي النَّفْسِ أَوْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَهُ أَبٌ وَلَا حَقَّ لِلْأَبِ فِي هَذَا الْقِصَاصِ فَإِنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ اهـ
وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ ذَلِكَ نِيَابَةً عَنْ الْغَيْرِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِنَفْسِهِ أَصَالَةً فَهُوَ مَمْنُوعٌ جِدًّا، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّ أَحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ وَقَالَ بِهِ
وَالدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَبِ
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
(وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ)؛ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّهِ (وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَعْتُوهِ عَمْدًا) لِمَا ذَكَرْنَا (وَالْوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِهِ، وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ الصُّلْحُ عَنْ النَّفْسِ وَاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْتَثْنَ إلَّا الْقَتْلُ
وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي النَّفْسِ بِالِاعْتِيَاضِ عَنْهُ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الِاسْتِيفَاءِ
وَوَجْهُ الْمَذْكُورِ هَا هُنَا
وَغَيْرِهِ هُنَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ قَطْعًا (قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ؛ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: هَذَا فِيمَا إذَا صَالَحَ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ
أَمَّا إذَا صَالَحَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ الْحَطُّ وَإِنْ قَلَّ وَيَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ اهـ
وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ
وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَالَ بَعْضُهُمْ فِي شَرْحِهِ: هَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى مِثْلِ الدِّيَةِ، أَمَّا إذَا صَالَحَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ الْحَطُّ وَإِنْ قَلَّ وَيَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ
وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُطْلَقٌ حَيْثُ جَوَّزَ صُلْحَ أَبِي الْمَعْتُوهِ عَنْ دَمِ قَرِيبِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِقَدْرِ الدِّيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الصُّلْحُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّيَةِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ صُلْحُهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمَعْتُوهِ مِنْ الْقِصَاصِ، فَإِذَا جَازَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فَالصُّلْحُ أَوْلَى، وَالنَّفْعُ يَحْصُلُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْكَرْخِيَّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَإِذَا وَجَبَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ أَوْ فِيمَا دُونَهَا فَصَالَحَ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَلِيلًا كَانَ الْمَالُ أَوْ كَثِيرًا كَانَ ذَلِكَ دُونَ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ أَوْ أَكْثَرَ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ، فَإِنَّ لِأَصْحَابِ التَّخْرِيجِ مِنْ الْمَشَايِخِ صَرْفَ إطْلَاقِ كَلَامِ الْمُجْتَهِدِ إلَى التَّقْيِيدِ إذَا اقْتَضَاهُ الْفِقْهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ هَا هُنَا كَذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشُّرَّاحَ أَخَذُوا التَّقْيِيدَ هُنَا مِنْ كَلَامِ مَشَايِخِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ التَّخْرِيجِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَصِلَ بَعْضٌ مَنْ أَنْفَسِ الشُّرَّاحِ أَيْضًا إلَى تِلْكَ الرُّتْبَةِ، فَلَا يَقْدَحُ فِيمَا قَالُوا إطْلَاقُ ظَاهِرِ لَفْظِ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا جَازَ صُلْحُهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمَعْتُوهِ مِنْ الْقِصَاصِ مُسَلَّمٌ
وَقَوْلُهُ: وَالنَّفْعُ يَحْصُلُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ فِي الْقِصَاصِ تَشَفِّيَ الصَّدْرِ وَمَا دُونَ الدِّيَةِ فِي مُقَابَلَةِ تَشَفِّي الصَّدْرِ لَا يُعَدُّ نَفْعًا عُرْفًا، وَوِلَايَةُ الْأَبِ لِلْمَعْتُوهِ نَظَرِيَّةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ مِنْ قَبِيلِ مَا يُعَدُّ نَفْعًا عُرْفًا وَعَادَةً
وَأَمَّا تَنْوِيرُهُ بِمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ جِدًّا، فَإِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ مَا إذَا كَانَ الْمُصَالِحُ صَاحِبَ حَقِّ الْقِصَاصِ بِنَفْسِهِ، وَصُلْحُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَنْ حَقِّهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَالِ وَقَلِيلِهِ جَائِزٌ بِلَا رَيْبٍ؛ إذْ لَهُ إسْقَاطُ حَقِّهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِلَا أَخْذِ عِوَضٍ عَنْهُ أَصْلًا فَتَرْكُهُ بِمُقَابَلَةِ مَالٍ وَإِنْ قَلَّ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمُصَالِحَ هُنَا وَلِيُّ صَاحِبِ حَقِّ الْقِصَاصِ، وَهُوَ أَبُوهُ لَا نَفْسُ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الْمَعْتُوهُ فَلَا بُدَّ فِي تَصَرُّفِهِ مِنْ
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصُّلْحِ الْمَالُ وَأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَمَا يَجِبُ بِعَقْدِ الْأَبِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّشَفِّي وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَبِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِبْطَالِ فَهُوَ أَوْلَى
وَقَالُوا الْقِيَاسُ أَلَّا يَمْلِكَ الْوَصِيُّ الِاسْتِيفَاءَ فِي الطَّرَفِ كَمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَّحِدٌ وَهُوَ التَّشَفِّي
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ اسْتِيفَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَالصَّبِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْتُوهِ فِي هَذَا، وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي الصَّحِيحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ يَسْتَوْفِهِ السُّلْطَانُ، وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَتِهِ فِيهِ
قَالَ (وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتُلُوا الْقَاتِلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ الصِّغَارُ)؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ
النَّظَرِ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ لِكَوْنِ وِلَايَتِهِ نَظَرِيَّةً وَبِالْجُمْلَةِ مَدَارُ كَلَامِهِ هَذَا أَيْضًا عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ أَصَالَةً وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ نِيَابَةً
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ شَيْءٌ فِي أَصْلِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ أَنْظَرُ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَهُوَ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى مَالٍ إذَا كَانَ أَنْظَرَ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ مِنْ الْقِصَاصِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الْأَبُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ مِنْ قِبَلِ الْمَعْتُوهِ عِنْدَ إمْكَانِ الْمُصَالَحَةِ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ عَلَى الْمَعْتُوهِ لَمَّا كَانَتْ نَظَرِيَّةً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ مَا هُوَ الْأَنْظَرُ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَ الْوِلَايَةِ نَظَرِيَّةً لَا يَسْتَدْعِي وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمَا هُوَ الْأَنْظَرُ؛ لِأَنَّ فِي خِلَافِهِ أَيْضًا حُصُولَ أَصْلِ النَّظَرِ، بَلْ إنَّمَا يَقْتَضِي أَوْلَوِيَّةَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْفِ أَحَدٌ أَوْلَوِيَّةَ الْمُصَالَحَةِ عَلَى الْمَالِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْمُصَالَحَةِ أَنْظَرَ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ مِنْ الْقِصَاصِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ مَمْنُوعٌ، وَدَلَالَةُ عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَلَيْهِ أَيْضًا مَمْنُوعَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُصَالَحَةُ أَنْظَرَ فِي حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ حُصُولُ مَنْفَعَةِ الْمَالِ لَهُ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ أَنْظَرَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ دَفْعُ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِصَاصِ تَشَفِّي الصَّدْرِ أَوْ دَفْعُ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ أَوْلَوِيَّةُ الْعَمَلِ بِالْمُصَالَحَةِ رَأْسًا فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهِ
(قَوْلُهُ: وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ) قَالَ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ بِأَنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَخَوَانِ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ وَالْآخَرُ كَبِيرٌ
أَقُولُ: هَذَا الشَّرْحُ لَا يُطَابِقُ عِبَارَةَ الْمَشْرُوحِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَوْلِيَاءِ فِي الْمَشْرُوحِ صِيغَةُ الْجَمْعِ، وَكَذَا لَفْظُ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَصْوِيرُ مَعْنَى الْمَشْرُوحِ بِأَنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَخَوَانِ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا وَالْآخَرُ كَبِيرًا وَلَا يُسَاعِدُهُ لَفْظُ الْأَوْلِيَاءِ فَضْلًا عَنْ لَفْظَيْ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ
وَالظَّاهِرُ فِي التَّصْوِيرِ أَنْ يُقَالَ بِأَنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ إخْوَةٌ بَعْضُهُمْ صِغَارٌ وَبَعْضُهُمْ كِبَارٌ، وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ ذَيْنِك الشَّارِحَيْنِ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ مَقْصُودُهُمَا
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
الْبَعْضِ لِعَدَمِ التَّجَزِّي، وَفِي اسْتِيفَائِهِمْ الْكُلَّ إبْطَالُ حَقِّ الصِّغَارِ فَيُؤَخَّرُ إلَى إدْرَاكِهِمْ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْكَبِيرَيْنِ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ
وَلَهُ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَجَزَّأُ لِثُبُوتِهِ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الْقَرَابَةُ، وَاحْتِمَالُ الْعَفْوِ مِنْ الصَّغِيرِ مُنْقَطِعٌ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلًا كَمَا فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ، بِخِلَافِ الْكَبِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ مِنْ الْغَائِبِ ثَابِتٌ وَمَسْأَلَةُ الْمَوْلَيَيْنِ مَمْنُوعَةٌ
قَالَ (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِمَرٍّ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ أَصَابَهُ بِالْحَدِيدِ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ
شَرْحَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى وَفْقِ عَيْنِ عِبَارَتِهِ، بَلْ مَقْصُودُهُمَا مُجَرَّدُ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ الْإِشَارَةَ إلَّا أَنَّهُ لَا احْتِيَاجَ فِي تَحَقُّقِ مَادَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى تَحَقُّقِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ لَا فِي جَانِبِ الصَّغِيرِ وَلَا فِي جَانِبِ الْكَبِيرِ بَلْ وَلَا فِي مَجْمُوعِ الْجَانِبَيْنِ أَيْضًا (قَوْلُهُ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْكَبِيرَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ: أَيْ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَحَالِّ
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَرْحٍ صَحِيحٍ عِنْدِي؛ إذْ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ مُسْتَدْرَكًا مَحْضًا إذْ يَتَنَاوَلُهُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْكَبِيرَيْنِ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَيَسْتَغْنِي عَنْ قَوْلِهِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ مُرَادُهُ ذَلِكَ لَمَا قَدَّمَ قَوْلَهُ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ قَوْلَهُ: وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ عَنْ ذَلِكَ لِيَتَعَلَّقَ بِمَجْمُوعِ الْقَوْلَيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْدِيرِ فِي الثَّانِي، وَالصَّوَابُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ أَنْ يُقَالَ: أَيْ وَأَحَدُهُمَا صَغِيرٌ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ شَيْءٌ مِنْ الْمَحْذُورَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَلْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ قَوْلَيْهِ الْمَزْبُورَيْنِ إشَارَةً إلَى مَسْأَلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُغَايِرَةٍ لِلْأُخْرَى، وَيُوَافِقُهُ صَرِيحُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالدَّمِ مِنْ الدِّيَاتِ:
صُورَةٌ
مَسْأَلَةُ الْمَوْلَيَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَقُتِلَ الْعَبْدُ لَيْسَ لِلْكَبِيرِ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ الصَّغِيرُ بِالِاتِّفَاقِ اهـ تَبَصَّرْ (قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَجَزَّأُ لِثُبُوتِهِ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الْقَرَابَةُ)
أَقُولُ: فِي تَمَامِ الِاسْتِدْلَالِ بِعَدَمِ تَجَزُّؤِ سَبَبِ الْقِصَاصِ وَهُوَ الْقَرَابَةُ عَلَى عَدَمِ تَجَزُّؤِ الْقِصَاصِ نَفْسِهِ خَفَاءٌ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَجِدُ مَحْذُورًا فِي كَوْنِ السَّبَبِ بَسِيطًا وَالْمُسَبَّبِ مُرَكَّبًا، كَيْفَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَرَابَةَ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ كَمَا أَنَّهَا سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْقِصَاصَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ كَذَلِكَ هِيَ سَبَبٌ أَيْضًا لِاسْتِحْقَاقِهِ الدِّيَةَ فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ، مَعَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الدِّيَةَ تَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ وَالْمَالُ مُنَجَّزٌ بِلَا رَيْبٍ
فَالْأَظْهَرُ فِي بَيَانِ كَوْنِ الْقِصَاصِ حَقًّا لَا يَتَجَزَّأُ مَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَثْنَاءَ تَقْرِيرِ دَلِيلِ الْإِمَامَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَتْلَ غَيْرُ مُنَجَّزٍ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الرُّوحِ وَذَا لَا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ طَعَنَ فِي قَوْلِهِمْ هُنَا إنَّ سَبَبَ الْقِصَاصِ هُوَ الْقَرَابَةُ حَيْثُ قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ سَبَبُهُ الْقَرَابَةَ وَهُوَ يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ اهـ
أَقُولُ: نَعَمْ يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ بَلْ لِلْمُعْتَقِ وَالْمُعْتَقَةِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ السَّبَبَ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ هُوَ الزَّوْجِيَّةُ، وَفِي الْمُعْتَقِ وَالْمُعْتَقَةِ هُوَ الْوَلَاءُ دُونَ الْقَرَابَةِ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَا هُنَا وَهُوَ الْقَرَابَةُ إمَّا بِنَاءً عَلَى التَّغْلِيبِ لِكَوْنِ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فِي الْأَكْثَرِ قَرَائِبَهُ، وَإِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْقَرَابَةِ هُنَا الِاتِّصَالَ الْمُوجِبَ لِلْإِرْثِ دُونَ حَقِيقَةِ الْقَرَابَةِ فَيَعُمُّ الْكُلَّ (قَوْلُهُ: وَاحْتِمَالُ الْعَفْوِ مِنْ الصَّغِيرِ مُنْقَطِعٌ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلًا كَمَا فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: وَجْهُ أَبِي حَنِيفَةَ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ الْغُيَّبِ مِنْ حَيْثُ
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
بِالْعُودِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ) قَالَ ﵁: وَهَذَا إذَا أَصَابَهُ بِحَدِّ الْحَدِيدِ لِوُجُودِ الْجُرْحِ فَكَمُلَ السَّبَبُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِظَهْرِ الْحَدِيدِ فَعِنْدَهُمَا يَجِبُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا مِنْهُ لِلْآلَةِ، وَهُوَ الْحَدِيدُ
وَعَنْهُ إنَّمَا يَجِبُ إذَا جَرَحَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا الضَّرْبُ بِسِنْجَاتِ الْمِيزَانِ؛ وَأَمَّا إذَا ضَرَبَهُ بِالْعُودِ فَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ لِوُجُودِ قَتْلِ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ وَامْتِنَاعِ الْقِصَاصِ حَتَّى لَا يُهْدَرَ الدَّمُ، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَصَا الْكَبِيرَةِ فَيَكُونُ قَتْلًا بِالْمُثْقَلِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ، وَقِيلَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّوْطِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُوَالَاةِ
لَهُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الضَّرَبَاتِ إلَى أَنْ مَاتَ دَلِيلُ الْعَمْدِيَّةِ فَيَتَحَقَّقُ الْمُوجِبُ
وَلَنَا مَا رَوَيْنَا «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ» وَيُرْوَى " شِبْهِ الْعَمْدِ " الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ عَدَمِ الْعَمْدِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّأْدِيبِ أَوْ لَعَلَّهُ اعْتَرَاهُ الْقَصْدُ فِي خِلَالِ الضَّرَبَاتِ فَيَعْرَى أَوَّلُ الْفِعْلِ عَنْهُ وَعَسَاهُ أَصَابَ الْمَقْتَلَ، وَالشُّبْهَةُ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ فَوَجَبَ الدِّيَةُ
قَالَ (وَمَنْ غَرَّقَ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا فِي الْبَحْرِ فَلَا قِصَاصَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ: يُقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَهُمَا يُسْتَوْفَى حَزًّا وَعِنْدَهُ يُغَرَّقُ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ
لَهُمْ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» وَلِأَنَّ الْآلَةَ قَاتِلَةٌ فَاسْتِعْمَالُهَا أَمَارَةُ الْعَمْدِيَّةِ،
احْتِمَالُ الْعَفْوِ فِي الْحَالِ وَعَدَمُهُ، فَإِنَّ الْعَفْوَ فِي الْغَائِبِ مَوْهُومٌ حَالَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ عَفَا، وَالْحَاضِرُ لَا يَشْعُرُ بِهِ فَلَوْ اسْتَوْفَى كَانَ اسْتِيفَاءً مَعَ الشُّبْهَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ
وَأَمَّا الْعَفْوُ فِي الصَّغِيرِ فَمَأْيُوسٌ حَالَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَفْوِ، وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ الْعَفْوُ مِنْهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَالشُّبْهَةُ فِي الْمَالِ لَا تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْقِصَاصِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَنْدَمَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَلَى قَتْلِهِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ شُعُورٌ أَصْلًا بِكَوْنِ قَرِيبِهِ مَقْتُولًا بِأَنْ كَانَ فِي مَسِيرَةِ سَنَةٍ مَثَلًا مِنْ مَوْضِعِ الْقَتْلِ فَأَنَّى يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الْعَفْوُ فِي الْحَالِ؛ إذْ الْعَفْوُ عَنْ الشَّيْءِ فَرْعُ الشُّعُورِ بِهِ، فَحَيْثُ لَا شُعُورَ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَمَسْأَلَةُ الْغَائِبِ تَعُمُّ مِثْلَ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا فَكَيْفَ يَتِمُّ فِيهَا مَا ذَكَرُوا مِنْ التَّفْرِقَةِ
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْغَائِبُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ قَبْلَهَا كُلُّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِي عَلَى الْغَيْرِ فَإِنِّي عَفَوْتُهُ وَبَرِئْت مِنْهُ، فَيَنْدَرِجُ فِي هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ عَفَوْهُ عَنْ قَتْلِ قَرِيبِهِ أَيْضًا، وَلَا يَلْزَمُ الشُّعُورُ بِخُصُوصِهِ فَهَذَا الِاحْتِمَالُ فِي صُورَةِ أَنْ كَانَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ غَائِبًا، وَإِنْ كَانَ مَوْهُومًا يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْحَالِ فَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَعَلَّ حَلَّ هَذَا الْمَقَامِ بِهَذَا الْوَجْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ أَهْمَلَهُ الْجُمْهُورُ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قِيلَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَصَا الْكَبِيرَةِ فَيَكُونُ قَتْلًا بِالْمُثْقَلِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ) أَقُولُ: كَانَ حَقُّ التَّحْرِيرِ هُنَا أَنْ يَقُولَ: وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِيمَا سَبَقَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وُجُوبُ الدِّيَةِ عِنْدَ الْإِصَابَةِ بِالْعُودِ لَا وُجُوبُ الْقَوَدِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَخِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ لَا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِ فَإِنَّ وُجُوبَهَا فِيهِ عَيْنُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
وَقُصُورُ تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا جِدًّا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ لَا مِنْ جِهَةِ الْقَدْحِ وَلَا مِنْ جِهَةِ التَّوْجِيهِ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَتَنَبَّهُوا لَهُ
(قَوْلُهُ لَهُمْ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ») قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَقَوْلُهُ لَهُمْ: أَيْ لِلشَّافِعِيِّ وَلَهُمَا لَكِنْ لِلشَّافِعِيِّ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ وَلَهُمَا الِاسْتِدْلَال بِالْمَعْقُولِ اهـ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُهُ لَهُمْ: أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ، لَكِنْ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَدِيثِ وَاسْتِدْلَالُهُمَا بِالْمَعْقُولِ اهـ
أَقُولُ: لَا مُسَاعَدَةَ فِي عِبَارَةِ الْمَشْرُوحِ
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
وَلَا مِرَاءَ فِي الْعِصْمَةِ
وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا» وَفِيهِ «وَفِي كُلِّ خَطَإٍ أَرْشٌ»؛ لِأَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مُعَدَّةٍ لِلْقَتْلِ، وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ لِتَعَذُّرِ اسْتِعْمَالِهِ فَتَمَكَّنَتْ شُبْهَةُ عَدَمِ الْعَمْدِيَّةِ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَمِنْهُ الْقُصَّةُ لِلْجَلَمَيْنِ، وَلَا تَمَاثُلَ بَيْنَ الْجَرْحِ وَالدَّقِّ لِقُصُورِ الثَّانِي عَنْ تَخْرِيبِ الظَّاهِرِ، وَكَذَا لَا يَتَمَاثَلَانِ فِي حِكْمَةِ الزَّجْرِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالسِّلَاحِ غَالِبٌ وَبِالْمُثْقَلِ نَادِرٌ،
لِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَ لَامَ التَّعْلِيلِ فِي الْمَعْقُولِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الْآلَةَ قَاتِلَةٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْآلَةَ قَاتِلَةٌ إلَخْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ لَهُمْ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» فَلَمْ يَبْقَ فِي حَيِّزِ قَوْلِهِ لَهُمْ إلَّا الْحَدِيثُ فَلَا مَجَالَ لِلتَّوْزِيعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى لَهُمْ الْحَدِيثُ وَالْمَعْقُولُ، وَعِبَارَةُ الْكِتَابِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَهُمْ الْحَدِيثُ، وَلَهُمْ الْمَعْقُولُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِمُشَارَكَةِ مَجْمُوعِهِمْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ تَأَمَّلْ تَقِفْ
وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إذْ لِلشَّافِعِيِّ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي الِاسْتِيفَاءِ
وَلَهُمَا الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَلَمْ يَعْمَلَا فِي الِاسْتِيفَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» اهـ
أَقُولُ: وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ وَكَيْفِيَّةَ الِاسْتِيفَاءِ إنَّمَا يُسْتَفَادَانِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ غَرَّقْنَاهُ، فَالْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ فِي نَفْسِهِ لَا مُوجِبَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» أَنْ لَوْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ قَوْلِهِ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» عَنْ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» أَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ أَقْوَى مِنْهُ وَشَيْءٌ مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُتْ لَا يُقَالُ: يَكْفِي التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُمَا إذَا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا
لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» عَلَى أَنْ لَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إلَّا بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَصْلُحُ لَأَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ مَعَ أَنَّ أَئِمَّتَنَا تَمَسَّكُوا بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَطْلَبِ وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ
ثُمَّ أَقُولُ: الْأَوْلَى عِنْدِي فِي تَوْجِيهِ الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ: الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ كُلِّهِمْ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُبْقِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَحْمِلُ التَّغْرِيقَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَمَّا الْإِمَامَانِ فَيَحْمِلَانِهِ عَلَى الْكِنَايَةِ عَنْ الْإِهْلَاكِ لِكَوْنِ الْإِهْلَاكِ لَازِمَ التَّغْرِيقِ فَيَصِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ " غَرَّقْنَاهُ " أَهْلَكْنَاهُ، وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِغَرَّقْنَاهُ لِمُشَاكَلَةِ قَوْلِهِ " مَنْ غَرَّقَ " وَإِنَّمَا يَحْمِلَانِهِ عَلَى ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ ظَاهِرُ النَّصَّيْنِ يُطْلَبُ الْمُخَلِّصُ مَهْمَا أَمْكَنَ فِي التَّوْفِيقِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَهَاهُنَا الْمُخَلِّصُ عِنْدَهُمَا يَتَيَسَّرُ بِحَمْلِ التَّغْرِيقِ عَلَى الْإِهْلَاكِ وَالْقَتْلِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا» وَفِيهِ «وَفِي كُلِّ خَطَإٍ أَرْشٌ») أَقُولُ فِي دَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مُدَّعَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ التَّغْرِيقِ خَفَاءٌ كَمَا تَرَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ لِبَيَانِ وَجْهِ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ،
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ، وَقَدْ أَوْمَتْ إلَيْهِ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ فِيهِ
وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ.
قَالَ (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِوُجُودِ السَّبَبِ وَعَدَمِ مَا يُبْطِلُ حُكْمَهُ فِي الظَّاهِرِ فَأُضِيفَ إلَيْهِ
قَالَ (وَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ظَنَّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)؛ لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَإِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالْخَطَأُ بِنَوْعَيْهِ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَكَذَا الدِّيَةُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ نَصُّ الْكِتَابِ «وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِالدِّيَةِ» قَالُوا: إنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ إذَا كَانُوا مُخْتَلَطِينَ، فَإِنْ كَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ لَا تَجِبُ لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ بِتَكْثِيرِ سَوَادِهِمْ قَالَ ﵊ «مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»
قَالَ (وَمَنْ شَجَّ نَفْسَهُ وَشَجَّهُ رَجُلٌ وَعَقَرَهُ أَسَدٌ وَأَصَابَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَسَدِ وَالْحَيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِكَوْنِهِ هَدَرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِعْلُهُ بِنَفْسِهِ هَدَرٌ فِي الدُّنْيَا مُعْتَبَرٌ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى يَأْثَمَ عَلَيْهِ
وَفِي النَّوَادِرِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ
وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ ذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا كَتَبْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ فَلَمْ يَكُنْ هَدَرًا مُطْلَقًا وَكَانَ جِنْسًا آخَرَ، وَفِعْلُ الْأَجْنَبِيِّ مُعْتَبَرٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَصَارَتْ ثَلَاثَةَ أَجْنَاسٍ فَكَأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَتْ بِثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ فَيَكُونُ التَّالِفُ بِفِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْإِنْصَافُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً إقْنَاعِيَّةً وَإِنْ أَمْكَنَ التَّوْجِيهُ بِبَعْضِ مِنْ التَّمَحُّلَاتِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَرَكَ
[ ١٠ / ٢٣١ ]
فَصْلٌ
قَالَ (وَمَنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا فَقَدْ أَطَلَّ دَمَهُ» وَلِأَنَّهُ بَاغٍ فَتَسْقُطُ عِصْمَتُهُ بِبَغْيِهِ، وَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الْقَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَهُ قَتْلُهُ
وَقَوْلُهُ فَعَلَيْهِمْ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَحَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ، وَالْمَعْنَى وُجُوبُ دَفْعِ الضَّرَرِ
وَفِي سَرِقَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ شَهَرَ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ شَهَرَ عَلَيْهِ عَصًا لَيْلًا فِي مِصْرٍ أَوْ نَهَارًا فِي طَرِيقٍ فِي غَيْرِ مِصْرٍ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ فَيَحْتَاجُ إلَى دَفْعِهِ بِالْقَتْلِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَلْبَثُ وَلَكِنْ فِي اللَّيْلِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَيُضْطَرُّ إلَى دَفْعِهِ بِالْقَتْلِ، وَكَذَا فِي النَّهَارِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فِي الطَّرِيقِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَإِذَا قَتَلَهُ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا
قَالُوا: فَإِنْ كَانَ عَصًا لَا تَلْبَثُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ السِّلَاحِ عِنْدَهُمَا
قَالَ (وَإِنْ شَهَرَ الْمَجْنُونُ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيُّ وَالدَّابَّةُ
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الدَّابَّةِ وَلَا يَجِبُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ
لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَتَلَهُ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ فَيُعْتَبَرُ بِالْبَالِغِ الشَّاهِرِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحْمُولًا عَلَى قَتْلِهِ بِفِعْلِهِ فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ
التَّمَسُّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ هَا هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ وَاكْتَفَى بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ مَعَ كَوْنِ عَادَتِهِ أَنْ يَقْتَفِيَ أَثَرَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي وَضْعِ الْمَسَائِلِ وَبَسْطِ الدَّلَائِلِ
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
أَمَّا فِعْلُهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى لَوْ حَقَّقْنَاهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ، وَكَذَا عِصْمَتُهُمَا لِحَقِّهِمَا وَعِصْمَةُ الدَّابَّةِ لِحَقِّ مَالِكِهَا فَكَانَ فِعْلُهُمَا مُسْقِطًا لِلْعِصْمَةِ دُونَ فِعْلِ الدَّابَّةِ، وَلَنَا أَنَّهُ قَتَلَ شَخْصًا مَعْصُومًا أَوْ أَتْلَفَ مَالًا مَعْصُومًا حَقًّا لِلْمَالِكِ وَفِعْلُ الدَّابَّةِ لَا يَصْلُحُ مُسْقِطًا وَكَذَا فِعْلُهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ عِصْمَتُهُمَا حَقَّهُمَا لِعَدَمِ اخْتِيَارٍ صَحِيحٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا صَحِيحًا، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُبِيحِ وَهُوَ دَفْعُ الشَّرِّ فَتَجِبُ الدِّيَةُ
قَالَ (وَمَنْ شَهَرَ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فِي الْمِصْرِ فَضَرَبَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ فَعَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ) مَعْنَاهُ: إذَا ضَرَبَهُ فَانْصَرَفَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارِبًا بِالِانْصِرَافِ فَعَادَتْ عِصْمَتُهُ
قَالَ (وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لَيْلًا وَأَخْرَجَ السَّرِقَةَ فَاتَّبَعَهُ وَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «قَاتِلْ دُونَ مَالِك» وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْقَتْلُ دَفْعًا فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَا اسْتِرْدَادًا فِي الِانْتِهَاءِ، وَتَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ إلَّا بِالْقَتْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ غَيْرِهِ عَمْدًا مِنْ الْمِفْصَلِ قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ أَكْبَرَ مِنْ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وَهُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ رِعَايَتُهَا فِيهِ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَمَا لَا فَلَا، وَقَدْ أَمْكَنَ فِي الْقَطْعِ مِنْ الْمِفْصَلِ فَاعْتُبِرَ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِكِبَرِ الْيَدِ وَصِغَرِهَا لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْيَدِ لَا تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ
(بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، إذْ الْجُزْءُ يَتْبَعُ الْكُلَّ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أَيْ ذَاتُ قِصَاصٍ، كَذَا فِي التَّفَاسِيرِ وَالشُّرُوحِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: أَيْ ذُو قِصَاصٍ
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
الرِّجْلُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنُ لِإِمْكَانِ رِعَايَةِ الْمُمَاثَلَةِ. .
قَالَ: (وَمَنْ ضَرَبَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَلَعَهَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِامْتِنَاعِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقَلْعِ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَذَهَبَ ضَوْءُهَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: تُحْمَى لَهُ الْمِرْآةُ وَيُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ وَتُقَابَلُ عَيْنُهُ بِالْمِرْآةِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُهَا، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. .
قَالَ: (وَفِي السِّنِّ الْقِصَاصُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (وَإِنْ كَانَ سِنُّ مَنْ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَكْبَرَ مِنْ سِنِّ الْآخَرِ) لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السِّنِّ لَا تَتَفَاوَتُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ. قَالَ: (وَفِي كُلِّ شَجَّةٍ تَتَحَقَّقُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ الْقِصَاصُ) لِمَا تَلَوْنَا. قَالَ (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنِّ) وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَقَالَ ﵊: «لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ» وَالْمُرَادُ غَيْرُ السِّنِّ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُمَاثَلَةِ فِي غَيْرِ السِّنِّ مُتَعَذِّرٌ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، بِخِلَافِ السِّنِّ لِأَنَّهُ يُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ، وَلَوْ قَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ يُقْلَعُ الثَّانِي فَيَتَمَاثَلَانِ. .
أَقُولُ: لَا وَجْهَ لِتَذْكِيرِ ذُو هُنَا إلَّا بِتَمَحُّلٍ رَكِيكٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْتَكَبَ بِلَا ضَرُورَةٍ سِيَّمَا فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ يَقْلَعُ الثَّانِي فَيَتَمَاثَلَانِ) قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَعَامَّةُ شُرَّاحِ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَلَوْ قَلَعَ السِّنَّ مِنْ أَصْلِهِ لَا يُقْلَعُ سِنُّهُ قِصَاصًا لَتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فَرُبَّمَا تَفْسُدُ بِهِ لِثَاتُهُ، وَلَكِنْ يُبْرِدُ بِالْمِبْرَدِ إلَى مَوْضِعِ أَصْلِ السِّنِّ، وَعَزَاهُ الشُّرَّاحُ إلَى الْمَبْسُوطِ. أَقُولُ: أُسْلُوبُ تَحْرِيرِهِمْ هَاهُنَا مَحَلُّ تَعَجُّبٍ، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لَا بِالرَّدِّ وَلَا بِالْقَبُولِ، بَلْ ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَكَانَ مِنْ دَأْبِ الشُّرَّاحِ التَّعَرُّضُ لِمَا فِي الْكِتَابِ إمَّا بِالْقَبُولِ وَإِمَّا بِالرَّدِّ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ أَصْلًا. نَعَمْ الْقَوْلُ الَّذِي نَقَلْتُهُ هُنَا عَنْ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَكِنَّهُ وَاقِعٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ لَيْسَ بِمَثَابَةِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ. كَيْفَ وَقَدْ أَخَذَهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ فَذَكَرَهُ فِي مَتْنِهِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا قَوْدَ فِي عَظْمٍ إلَّا السِّنِّ فَتُقْلَعُ إنْ قُلِعَتْ وَتُبْرَدُ إنْ كُسِرَتْ،
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
قَالَ: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ) لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ يَعُودُ إلَى الْآلَةِ، وَالْقَتْلُ هُوَ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا دُونَ مَا دُونَ النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ إتْلَافُهُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ.
(وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا فِي الْحُرِّ يَقْطَعُ طَرَفَ الْعَبْدِ. وَيُعْتَبَرُ الْأَطْرَافُ بِالْأَنْفُسِ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً لَهَا.
وَكَأَنَّ مَأْخَذَ مَتْنِ الْوِقَايَةِ هُوَ الْهِدَايَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكَذَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتُونِ. ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ هَاهُنَا هُوَ أَنَّهُ إذَا قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ هَلْ يُقْلَعُ سِنُّهُ قِصَاصًا أَمْ يُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى اللَّحْمِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِكَسْرِ بَعْضِ السِّنِّ يُؤْخَذُ مِنْ سِنِّ الْكَاسِرِ بِالْمِبْرَدِ مِقْدَارُ مَا كَسَرَ مِنْ سِنِّ الْآخَرِ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِقَلْعِ سِنٍّ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يُقْلَعُ سِنُّ الْقَالِعِ وَلَكِنْ يُبْرَدُ سِنُّ الْقَالِعِ بِالْمِبْرَدِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى اللَّحْمِ وَيَسْقُطُ الْبَاقِي، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يُقْلَعُ سِنُّ الْقَالِعِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ ذَكَرَ بِلَفْظِ النَّزْعِ، وَالنَّزْعُ وَالْقَلْعُ وَاحِدٌ. وَفِي الزِّيَادَاتِ نَصَّ عَلَى الْقَلْعِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَدْ ذَكَرَهُ مَرَّةً لَكِنَّهُ ذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُ عَمْدٌ وَهَاهُنَا أَنَّهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إنْ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ انْتَهَى. أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا تَمَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَاكَ بِأَنْ قَالَ: يَعْنِي لَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ الشَّرْحُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ كَلَامَيْ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَقَامَيْنِ فَرْقٌ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ أَقُولُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا عِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ وَمَا ذَكَرَهُ فِيمَا سَبَقَ عِبَارَةُ نَفْسِهِ، وَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ مَعْنًى مُغَايِرٌ لِمَعْنَى الْأُخْرَى، فَإِنَّ مَا سَبَقَ هَكَذَا: وَمَا يَكُونُ شِبْهُ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا ` سِوَاهَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ وَهُوَ تَعَمُّدُ الضَّرْبِ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
وَلَنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ. بِخِلَافِ التَّفَاوُتِ فِي الْبَطْشِ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ فَاعْتُبِرَ أَصْلُهُ، وَبِخِلَافِ الْأَنْفُسِ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ إزْهَاقُ الرُّوحِ وَلَا تَفَاوَتَ فِيهِ.
(وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ) لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي الْأَرْشِ. .
السِّلَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا سِوَى النَّفْسِ سَوَاءٌ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ بِهِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ لِمَانِعٍ يَمْنَعُ عَنْهُ، فَإِنَّ سُقُوطَ الْقِصَاص لِمَانِعٍ يَقَعُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ، كَمَا إذَا قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا وَكَمَا إذَا وَرِثَ الِابْنُ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ، فَلَأَنْ يَقَعَ فِي الْعَمْدِ فِي الْأَطْرَافِ أَوْلَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ أَنَّ الَّذِي كَانَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ لَا أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، فَإِنَّ ضَمِيرَ هُوَ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ رَاجِعٌ إلَى مَا كَانَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَا إلَى شِبْهِ عَمْدٍ، إذْ لَا مَجَالَ لَأَنْ يَكُونَ شِبْهُ الْعَمْدِ خَطَأً لَا فِي النَّفْسِ وَلَا فِي الْأَطْرَافِ، لِأَنَّ تَعَمُّدَ الضَّرْبِ مُعْتَبَرٌ فِي مَفْهُومِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ، فَإِذَا كَانَ مَعْنَيَا الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَقَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى تَوْجِيهِ مَا سَبَقَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إنْ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ، بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ كَمَا تَحَقَّقْتُهُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فَتَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ النِّزَاعِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْكُمْ. قُلْنَا: قَدْ خُصُّ مِنْهُ الْحَرْبِيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ، وَالنَّصُّ الْعَامُّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَخَصَّصْنَاهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ «قَطَعَ عَبْدٌ لِقَوْمٍ فُقَرَاءَ أُذُنَ عَبْدٍ لِقَوْمٍ أَغْنِيَاءَ، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقْضِ بِالْقِصَاصِ» انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّصَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ بِهِ يَكُونُ ذَلِكَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ الْبَعْضُ ظَنِّيًّا فِي الْبَاقِي فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا إذَا أُخْرِجَ مِنْ النَّصِّ الْعَامِّ شَيْءٌ بِمَا هُوَ مَفْصُولٌ عَنْهُ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظَنِّيًّا فِي الْبَاقِي بَلْ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى حَالَتِهِ
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أَوْ جَرَحَهُ جَائِفَةٌ فَبَرَأَ مِنْهَا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ، إذْ الْأَوَّلُ كَسْرُ الْعَظْمِ وَلَا ضَابِطَ فِيهِ، وَكَذَا الْبُرْءُ نَادِرٌ فَيُفْضِي الثَّانِي إلَى الْهَلَاكِ ظَاهِرًا. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعِ صَحِيحَةً وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ فَالْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ الْيَدَ الْمَعِيبَةَ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ كَامِلًا) لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ كَامِلًا مُتَعَذَّرٌ فَلَهُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِدُونِ حَقِّهِ وَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى الْعِوَضِ كَالْمِثْلِيِّ إذَا انْصَرَمَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ بَعْدَ الْإِتْلَافِ ثُمَّ إذَا اسْتَوْفَاهَا نَاقِصًا فَقَدْ رَضِيَ بِهِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ كَمَا إذَا رَضِيَ بِالرَّدِيءِ مَكَانَ الْجَيِّدِ (وَلَوْ سَقَطَتْ الْمُؤْنَةُ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ قُطِعَتْ ظُلْمًا فَلَا شَيْءَ لَهُ) عِنْدَنَا لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمَالِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ بِحَقٍّ عَلَيْهِ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ
الْأُولَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَخْرَجَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ مِنْ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ بِكَلَامٍ مَوْصُولٍ بِهَا فَتَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى قَطْعِيَّتِهَا الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقَدَّمْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ نَظِيرَ هَذَا النَّظَرِ فِي مَحَالِّهِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إنَّمَا يُفِيدُ عَدَمَ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، وَلَا يُفِيدُ عَدَمَ جَرَيَانِهِ فِيهَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، فَبَقِيَ الِاعْتِرَاضُ بِإِطْلَاقِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَلَمْ يَتِمَّ الْجَوَابُ.
وَالصَّوَابُ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ آيَةُ الْقِصَاصِ وَالْقِصَاصُ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، فَالْمُرَادُ بِمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ لَا غَيْرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ هَاتِيَكَ الْآيَةِ مِنْ التَّنْزِيلِ حَيْثُ قَالَ: وَمَعْنَاهُ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَتُعْرَفُ الْمُسَاوَاةُ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ رِعَايَتُهَا فِيهِ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَمَا لَا فَلَا، وَأَشَارَ إلَيْهِ هَاهُنَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ بِالْقِيمَةِ فَلَمْ تَكُنْ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ مُجْرَاةً عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهَا حَتَّى يَكُونَ إطْلَاقُهَا حُجَّةً عَلَيْنَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَكَيْف يُتَصَوَّرُ إجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهَا، وَلَا قِصَاصَ فِي الْعَيْنِ إذَا قَلَعَهَا بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقَلْعِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي قَطْعِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ مِنْ غَيْرِ الْمِفْصَلِ، وَكَذَا فِيمَا إذَا قَطَعَ الْحُرُّ طَرْفَ الْعَبْدِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمَدَارَ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ إمْكَانُ الْمُمَاثَلَةِ وَأَنَّ مَعْنَى النَّظْمِ الشَّرِيفِ مَصْرُوفٌ إلَى ذَلِكَ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ النَّاشِئُ مِنْ تَوَهُّمِ الْإِطْلَاقِ.
ثُمَّ إنَّهُ بَقِيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ إشْكَالٌ قَوِيٌّ ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا وُجُودَ التَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ، لَكِنَّ الْمَعْقُولَ مِنْهُ أَنْ يَمْنَعَ اسْتِيفَاءَ الْأَكْمَلِ بِالْأَنْقَصِ دُونَ الْعَكْسِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الشَّلَّاءَ تُقْطَعُ بِالصَّحِيحَةِ وَأَنْتُمْ لَا تَقْطَعُونَ يَدَ الْمَرْأَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ أَيْضًا، وَالشُّرَّاحُ كَانُوا فِي طَرِيقِ دَفْعِهِ طَرَائِقَ قِدَدًا، فَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَالْجَوَابُ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّفَاوُتُ الْمَالِيُّ مَانِعًا مُطْلَقًا وَالشَّلَلُ لَيْسَ مِنْهُ فَيُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ تَفَاوُتًا مَالِيًّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ تَفَاوُتًا فِي الْمَنْفَعَةِ
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
سَرِقَةٍ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا فَصَارَتْ سَالِمَةً لَهُ مَعْنًى. .
قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَاسْتَوْعَبَتْ الشَّجَّةُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَهِيَ لَا تَسْتَوْعِبُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ فَالْمَشْجُوجُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ اقْتَصَّ بِمِقْدَارِ شَجَّتِهِ يَبْتَدِئُ مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ) لِأَنَّ الشَّجَّةَ مُوجِبَةٌ لِكَوْنِهَا مَشِينَةٌ فَقَطْ فَيَزْدَادُ الشَّيْنُ بِزِيَادَتِهَا، وَفِي اسْتِيفَائِهِ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَا يَلْحَقُهُ مِنْ الشَّيْنِ بِاسْتِيفَائِهِ قَدْرَ حَقِّهِ مَا يَلْحَقُ الْمَشْجُوجَ فَيَنْتَقِصُ فَيُخَيَّرُ كَمَا فِي الشَّلَّاءِ وَالصَّحِيحَةِ، وَفِي عَكْسِهِ يُخَيَّرُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِيفَاءُ كَامِلًا لِلتَّعَدِّي إلَى غَيْرِ.
يَنْتَفِي بِهِ الْمُمَاثَلَةُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ، فَقُلْنَا: يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ بَاذِلًا لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَطْرَافِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَنْقَصِ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ جَائِزٌ دُونَ الْبَذْلِ بِالْأَطْرَافِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّفَاوُتَ الْمَالِيَّ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَانِعًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَا لَيْسَ تَفَاوُتًا مَالِيًّا بَلْ مُوجِبًا لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمَنْفَعَةِ كَالشَّلَلِ فَيُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ وَلَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ جِهَةِ الْأَنْقَصِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي أَقَامَهَا عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَنْقَصِ وَهِيَ أَنَّهُ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ جَائِزٌ فِي الْأَطْرَافِ دُونَ الْبَذْلِ مُتَمَشِّيَةٌ بِعَيْنِهَا فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ إسْقَاطُ حَقِّهِ فِي الْمَنْفَعَةِ يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُ حَقِّهِ الْمَالِيِّ أَيْضًا بِلَا تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ التَّفَاوُتُ الْمَالِيُّ أَيْضًا مَانِعًا مِنْ جِهَةِ الْأَنْقَصِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الشَّلَلِ مِمَّا لَا يُوجِبُ التَّفَاوُتَ الْمَالِيَّ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقِيمَةُ الْيَدِ تَتَفَاوَتُ بِالصِّحَّةِ وَالشَّلَلِ قَطْعًا، فَإِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ أَرْشَ الْيَدِ الصَّحِيحَةِ نِصْفَ دِيَةِ النَّفْسِ وَجَعَلَ أَرْشَ الْيَدِ الشَّلَّاءِ حُكُومَةَ عَدْلٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الدِّيَاتِ وَأَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِي أَثْنَاءِ تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا، وَلِأَنَّ أَرْشَ الْأَطْرَافِ مُخْتَلِفٌ فَصَارَتْ كَالصَّحِيحِ وَالْأَشَلِّ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ قُلْنَا: نَعَمْ إذَا كَانَ التَّفَاوُتُ بِسَبَبٍ حِسِّيٍّ كَالشَّلَلِ وَفَوَاتِ بَعْضِ الْأَصَابِعِ فَهُوَ كَمَا قُلْت: يَعْنِي يُمْنَعُ اسْتِيفَاءُ الْأَكْمَلِ بِالْأَنْقَصِ دُونَ الْعَكْسِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ التَّفَاوُتُ بِمَعْنًى حُكْمِيٍّ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ اسْتِيفَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ كَالْيَمِينِ مَعَ الْيَسَارِ وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ التَّفَاوُتَ إذَا كَانَ لِمَعْنَى حِسِّيٍّ فَمَنْ لَهُ الْحَقُّ إذَا رَضِيَ بِالِاسْتِيفَاءِ يُجْعَلُ مُبْرِئًا لِبَعْضِ حَقِّهِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا بَقِيَ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلِهَذَا لَا يُسْتَوْفَى الْأَكْمَلُ بِالْأَنْقَصِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْقَاطِعُ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالرِّضَا بَاذِلًا لِلزِّيَادَةِ، وَلَا يَحِلُّ اسْتِيفَاءُ الطَّرَفِ بِالْبَذْلِ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ التَّفَاوُتُ بِمَعْنًى حُكْمِيٍّ فَلَا وَجْهَ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهَا بِطَرِيقِ إسْقَاطِ الْبَعْضِ وَلَا بِطَرِيقِ الْبَذْلِ انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ، إذْ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّفَاوُتِ الْحِسِّيِّ وَبَيْنَ التَّفَاوُتِ الْحُكْمِيِّ فِي اسْتِيفَاءِ الْأَنْقَصِ بِالْأَكْمَلِ تَحَكُّمٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِالْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ فَصَاحِبُ الْأَكْمَلِ إنْ رَضِيَ بِأَنْ يَسْتَوْفِيَ فِي الْأَنْقَصِ مِنْ صَاحِبِ الْأَنْقَصِ بِمُقَابِلَةِ الْأَكْمَلِ يَصِيرُ مُسْقِطًا لِبَعْضِ حَقِّهِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا بَقِيَ بِالضَّرُورَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ أَمْرًا حِسِّيًّا أَوْ أَمْرًا حُكْمِيًّا. وَأَمَّا صَاحِبُ الْأَنْقَصِ، فَإِنْ رَضِيَ بِأَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ صَاحِبُ الْأَنْقَصِ الْأَكْمَلَ بِمُقَابَلَةَ الْأَنْقَصِ يَصِيرُ بَاذِلًا لِزِيَادَةِ حَقِّهِ بِالضَّرُورَةِ أَيْضًا بِلَا تَفَاوُتٍ بَيْنَ كَوْنِ سَبَبِ التَّفَاوُتِ حِسِّيًّا أَوْ حُكْمِيًّا، وَالْبَذْلُ فِي الْأَطْرَافِ غَيْرُ جَائِزٍ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا إسْقَاطُ الْحَقِّ بِالرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ فَجَائِزٌ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَلَا مَجَالَ لِلْفَرْقِ الْمَزْبُورِ. فَإِنْ قُلْتَ: السَّبَبُ الْحُكْمِيُّ لَا يُفِيدُ التَّفَاوُتَ الْحَقِيقِيَّ، وَإِسْقَاطُ الْبَعْضِ وَبَذْلُ الزِّيَادَةِ فَرْعُ التَّفَاوُتِ الْحَقِيقِيِّ فَهَذَا مَدَارُ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ.
قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إسْقَاطَ بَعْضِ الْحَقِّ وَبَذْلِ زِيَادَتِهِ فَرْعُ التَّفَاوُتِ الْحِسِّيِّ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ الْغَيْرِ الْحِسِّيَّةِ يَجْرِي فِيهَا الْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ، فَلَا جَرَمَ يَكُونُ الرِّضَا بِالنَّاقِصِ مِنْهَا عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ الْكَامِلَ إسْقَاطًا لِبَعْضِ الْحَقِّ، وَيَكُونُ إيفَاءُ الْكَامِلِ مِنْهَا
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
حَقِّهِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الشَّجَّةُ فِي طُولِ الرَّأْسِ وَهِيَ تَأْخُذُ مِنْ جَبْهَتِهِ إلَى قَفَاهُ وَلَا تَبْلُغُ إلَى قَفَا الشَّاجِّ فَهُوَ بِالْخِيَارِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ. .
قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي اللِّسَانِ وَلَا فِي الذَّكَرِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ يَجِبُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ (إلَّا أَنْ تُقْطَعَ الْحَشَفَةُ) لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَعْلُومٌ كَالْمَفْصِلِ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ أَوْ بَعْضَ الذَّكَرِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ، بِخِلَافِ الْأُذُنِ إذَا قُطِعَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ وَلَهُ حَدٌّ يُعْرَفُ فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ، وَالشَّفَةُ إذَا اسْتَقْصَاهَا بِالْقَطْعِ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَ بَعْضُهَا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُهَا. .
فَصْلٌ
قَالَ: (وَإِذَا اصْطَلَحَ الْقَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْمَالُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةُ عَلَى مَا قِيلَ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الصُّلْحِ. وَقَوْلُهُ ﵊.
بَدَلَ النَّاقِصِ بَذْلًا لِلزِّيَادَةِ، كَيْفَ وَلَوْ سَلَّمَ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ لَا يَتِمَّ أَصْلُ دَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، فَإِنَّ مَدَارَ ذَلِكَ عَلَى انْعِدَامِ التَّمَاثُلِ فِي الْأَطْرَافِ بِتَحَقُّقِ التَّفَاوُتِ الْحُكْمِيِّ بَيْنَهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ فِي دَفْعِ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ قُلْنَا: شَرْعُ الْقِصَاصِ فِي الْأَصْلِ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ، فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ ثَابِتًا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ كَنُقْصَانِ طَرَفِ الْأُنْثَى وَالْعَبْدِ مِنْ طَرَفِ الذَّكَرِ وَالْحُرِّ مُنِعَ شَرْعُ الْقِصَاصِ لِانْتِفَاءِ مَحَلِّهِ، وَإِنْ كَانَ التَّسَاوِي فِي الْأَصْلِ ثَابِتًا وَالتَّفَاوُتُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ عَارِضٍ كَانَ الْقِصَاصُ مَشْرُوعًا فَيُمْنَعُ اسْتِيفَاءُ الْكَامِلِ بِالنَّاقِصِ دُونَ عَكْسِهِ إذَا رَضِيَ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ انْتَهَى. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا رَأْيُ تَاجِ الشَّرِيعَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ شَرْعَ الْقِصَاصِ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلتَّفَاوُتِ بِحَسْبِ أَمْرٍ عَارِضٍ يَلْزَمُ أَنْ يَجُوزَ اسْتِيفَاءُ الْكَامِلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ بِالنَّاقِصِ وَهُوَ الْأَشَلُّ، كَمَا يَجُوزُ عَكْسُهُ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ بِحَسَبِ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهَا بِحَسَبِ أَمْرٍ عَارِضٍ وَهُوَ الشَّلَلُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْكَامِلِ بِالنَّاقِصِ بِلَا رَيْبٍ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ شَرْعَ الْقِصَاصِ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لَكِنْ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ إذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِهِ لِرِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ لَا لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ فَمَعَ إبَاءِ عِبَارَةِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ عَنْهُ جِدًّا يَلْزَمُ أَنْ يَجُوزَ اسْتِيفَاءُ طَرَفِ الْمَرْأَةِ بِطَرَفِ الرَّجُلِ أَيْضًا إذَا رَضِيَ الرَّجُلُ بِهِ لِوُجُودِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ فِي هَاتِيَكَ الصُّورَةِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَصْلًا فَتَأَمَّلْ حَقَّ التَّأَمُّلِ، فَلَعَلَّ حَلَّ هَذَا الْمَقَامِ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الْإِشْكَالُ عَنْهُ بِالْمَرَّةِ مِمَّا تُسْكَبُ فِيهِ الْعَبَرَاتُ.
(فَصْلٌ)
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: لَمَّا كَانَ تَصَوُّرُ الصُّلْحِ بَعْدَ تَصَوُّرِ الْجِنَايَةِ وَمُوجِبِهَا أَتْبَعَهُ ذَلِكَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
«مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ» الْحَدِيثُ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْأَخْذُ بِالرِّضَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَهُوَ الصُّلْحُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْوَرَثَةِ يَجْرِي فِيهِ الْإِسْقَاطُ عَفْوًا فَكَذَا تَعْوِيضًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إحْسَانِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِحْيَاءِ الْقَاتِلِ فَيَجُوزُ بِالتَّرَاضِي. وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مُقَدَّرٌ فَيُفَوَّضُ إلَى اصْطِلَاحِهِمَا كَالْخُلْعِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا حَالًّا وَلَا مُؤَجَّلًا فَهُوَ حَالٌّ لِأَنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ، وَالْأَصْلُ فِي أَمْثَالِهِ الْحُلُولُ نَحْوُ الْمَهْرِ وَالثَّمَنِ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ لِأَنَّهَا مَا وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ. .
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَعَبْدًا فَأَمَرَ الْحُرُّ وَمَوْلَى الْعَبْدِ رَجُلًا بِأَنْ يُصَالِحَ عَنْ دَمِهِمَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ فَالْأَلْفُ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَوْلَى نِصْفَانِ) لِأَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ أُضِيفَ إلَيْهِمَا.
(وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مِنْ الدَّمِ أَوْ صَالَحَ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى عِوَضٍ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ عَنْ الْقِصَاصِ وَكَانَ لَهُمْ نُصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ).
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ، وَبَيَانُ وَجْهِ اتِّبَاعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَحْدَهَا لَا يَكْفِي فِي اتِّبَاعِ جَمِيعِ مَا شَمِلَهُ هَذَا الْفَصْلُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا تَرَى وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ كَوْنَ تَصَوُّرِ الصُّلْحِ عَنْ الْجِنَايَةِ بَعْدَ تَصَوُّرِ الْجِنَايَةِ وَمُوجِبِهَا إنَّمَا يَقْتَضِي مُجَرَّدَ اتِّبَاعِهِ ذَلِكَ وَتَأْخِيرِهِ عَنْهُ لَا ذِكْرُهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي تَالِي الشَّرْطِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَتْبَعَهُ ذَلِكَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْوَرَثَةِ يَجْرِي فِيهِ الْإِسْقَاطُ عَفْوًا فَكَذَلِكَ تَعْوِيضًا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ الْإِسْقَاطِ عَفْوًا فِي شَيْءٍ جَرَيَانُهُ تَعْوِيضًا أَيْضًا فِيهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ لِلشَّفِيعِ إسْقَاطَ حَقِّ شُفْعَتِهِ بِلَا عِوَضٍ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ حَقِّ شُفْعَتِهِ عَلَى مَالٍ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ
(قَوْلُهُ وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مِنْ الدَّمِ أَوْ صَالَحَ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى عِوَضٍ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ مِنْ الْقِصَاصِ وَكَانَ لَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ) أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ هَاهُنَا فُتُورٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ كَلِمَةَ عَفَا تُعَدَّى بِعَنْ وَقَدْ عَدَّاهَا فِي الْكِتَابِ بِمِنْ حَيْثُ قَالَ: مِنْ الدَّمِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ يُقَالُ صَالَحَ عَنْ كَذَا عَلَى عِوَضٍ، وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ كَلِمَةَ مِنْ مَوْضِعَ كَلِمَةِ عَنْ حَيْثُ قَالَ: أَوْ صَالَحَ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى عِوَضٍ وَالثَّالِثُ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِيبِ فِي قَوْلِهِ أَوْ صَالَحَ مِنْ نَصِيبِهِ تُوهِمُ تَجَزُّؤَ الْقِصَاصِ لِأَنَّ النَّصِيبَ هُوَ الْحِصَّةُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مُتَجَزِّئ فَيَثْبُتُ كَامِلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ، فَالْأَظْهَرُ فِي وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ عَنْ الدَّمِ أَوْ صَالَحَ عَنْ حَقِّهِ عَلَى عِوَضٍ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِي الْقِصَاصِ وَكَانَ لَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالنَّصِيبِ إنَّمَا أَصَابَ الْمُجَزَّءَ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ لَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّ الدِّيَةَ مُتَجَزِّئَةٌ لِكَوْنِهَا مِنْ قَبِيلِ الْأَمْوَالِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبٌ مِنْهَا بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ الْإِرْثِ.
وَأَمَّا حَقُّ التَّعْبِيرِ فِي شَأْنِ الْقِصَاصِ فَأَنْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْحَقِّ بَدَلَ لَفْظِ النَّصِيبِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ عِنْدَ تَقْرِيرِ دَلِيلِنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَمِنْ ضَرُورَةِ سُقُوطِ حَقِّ الْبَعْضِ فِي الْقِصَاصِ سُقُوطُ حَقِّ الْبَاقِينَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَكَذَا الدِّيَةَ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّوْجَيْنِ. لَهُمَا أَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَهِيَ بِالنَّسَبِ دُونَ السَّبَبِ لِانْقِطَاعِهِ بِالْمَوْتِ، وَلَنَا «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ»،
قَوْلُهُ (وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَكَذَا الدِّيَةُ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّوْجَيْنِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا اللَّفْظُ كَمَا تَرَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجَيْنِ حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جَمِيعًا عِنْدَهُمَا، وَنُقِلَ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَالْأَسْرَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِلَافَ مَالِكٍ فِي الزَّوْجَيْنِ فِي الدِّيَةِ خَاصَّةً. وَأَمَّا فِي حَقِّ الْقِصَاصِ فَفِيهِ خِلَافُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي الزَّوْجَيْنِ، وَنُقِلَ عَنْ الْأَسْرَارِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: لَا حَظَّ لِلنِّسَاءِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَلَهُنَّ حَقُّ الْعَفْوِ.
ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَا حَظَّ لِلزَّوْجَيْنِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَالْأَسْرَارِ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ تِلْكَ الْكُتُبِ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلزَّوْجَيْنِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جَمِيعًا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّوْجَيْنِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ وَكَذَا الدِّيَةُ وَحْدَهُ لَا بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَكَذَا الدِّيَةُ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ إرْشَادٍ إلَيْهِ فَصَّلَ قَوْلَهُ وَكَذَا الدِّيَةُ بِذِكْرِ لَفْظَةِ كَذَا، إذْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ أَيْضًا لَقَالَ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّوْجَيْنِ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّوْجَيْنِ: فَعِنْدَهُمَا لَا يَرِثُ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا لِأَنَّ وُجُوبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالزَّوْجِيَّةُ تَنْقَطِعُ بِهِ انْتَهَى. حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقِصَاصِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ، وَيُوَافِقُهُ تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْوَرَثَةِ وَكَذَا الدِّيَةُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَرِثُ الزَّوْجَانِ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ مُؤَاخَذَةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُخَالِفَةِ لَهَا عَدَمُ صِحَّةِ مَا نَقَلَهُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِمَا مَا نَقَلَهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: بَلْ مَا ذَكَرَهُ نَفْسُهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ لَمْ يَدَعْ عَدَمَ صِحَّةِ مَا فِي الْكِتَابِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ أَرَادَ بَيَانَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فِي الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَقْبُولَةِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لَا سِيَّمَا الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ فَإِنَّ صَاحِبَيْهِمَا مِنْ أَسَاطِينِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنْ لَيْسَ لِلزَّوْجَيْنِ حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جَمِيعًا، بَلْ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِمَا مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، فَالْأَوْجَهُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا ذُكِرَ فِيهَا وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بِمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ آنِفًا (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا
[ ١٠ / ٢٤١ ]
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ، حَتَّى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنٍ كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الصُّلْبِيِّ وَابْنِ الِابْنِ فَيَثْبُتُ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَالزَّوْجِيَّةُ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا فِي حَقِّ الْإِرْثِ أَوْ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الْجُرْحُ، وَإِذَا ثَبَتَ لِلْجَمِيعِ فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَالْإِسْقَاطِ عَفْوًا وَصُلْحًا وَمِنْ ضَرُورَةِ سُقُوطِ حَقِّ الْبَعْضِ فِي الْقِصَاصِ سُقُوطُ حَقِّ الْبَاقِينَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُتِلَ رَجُلَيْنِ وَعَفَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ قِصَاصَانِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ لِاخْتِلَافِ الْقَتْلِ وَالْمَقْتُولِ وَهَاهُنَا وَاحِدٌ لِاتِّحَادِهِمَا، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْبَاقِينَ مَالًا لِأَنَّهُ امْتَنَعَ لِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى الْقَاتِلِ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِفِعْلِهِ وَرِضَاهُ، ثُمَّ يَجِبُ مَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ فِي سَنَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ وَعَفَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ خَطَأً.
الدَّلِيلَ لَا يُفِيدُ تَمَامَ الْمُدَّعِي هَاهُنَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ بِالزَّوْجِيَّةِ فِي حَقِّ الدِّيَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْقِصَاصِ، وَالْعُمْدَةِ هَاهُنَا هُوَ الثَّانِي، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْآخِرَ اسْتِطْرَادًا كَمَا تَرَى.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ، حَتَّى أَنْ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنٍ كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الصُّلْبِيِّ وَابْنِ الِابْنِ فَيَثْبُتُ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ) أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ وَإِنْ كَانَ يَتَمَشَّى فِي الْقِصَاصِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِيهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا يَتَمَشَّى فِيهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ فِي أَوَّلِ بَابِ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ أَنَّ الْقِصَاصَ طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْوِرَاثَةِ عِنْدَهُمَا كَالدَّيْنِ وَالدِّيَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَطَرِيقُهُ طَرِيقُ الْخِلَافَةِ دُونَ الْوِرَاثَةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِهِ إنَّهُ حَقٌّ يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ مَعَ أَنَّ الْمُدَّعِي هَاهُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَكَذَا الدِّيَةُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا قَاطِبَةً فَكَيْفَ يَتِمُّ تَعْلِيلُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِالْمُخْتَلِفِ فِيهِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَتِمَّتِهِ: حَتَّى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنٍ كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الصُّلْبِيِّ وَابْنِ الِابْنِ لَا يُجْدِي نَفْعًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَرَيَانِ الْإِرْثِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمَقْتُولِ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ هُنَاكَ يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِلْمُوَرِّثِ الْغَيْرِ الْمَقْتُولِ قَبْلَ مَوْتِهِ وِرَاثَةً مِنْ الْمَقْتُولِ عِنْدَهُمَا وَخِلَافَةً عَنْهُ لَا وِرَاثَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، بِخِلَافِ الْمَقْتُولِ فَإِنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ لَا يَثْبُتُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ عِنْدَهُ، بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِوَرَثَتِهِ ابْتِدَاءً لِتَشَفِّي الصُّدُورِ كَمَا سَتَطَّلِعُ عَلَى تَفْصِيلِهِ فِي بَابِهِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي وَرَثَةِ نَفْسِ الْمَقْتُولِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ عَلَى أَصْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي شَرْحِ هَذَا التَّعْلِيلِ: وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُمَا مَوْرُوثَانِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ كَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا أَوَّلًا لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ وَلَا يَقَعُ لِلْمَيِّتِ إلَّا بِأَنْ يُسْنِدَ الْوُجُوبَ إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الْجُرْحُ، فَكَانَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فِي ثُبُوتِهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ انْتَهَى، أَقُولُ: قَدْ زَادَ هَذَا
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
وَلَنَا أَنَّ هَذَا بَعْضُ بَدَلِ الدَّمِ وَكُلَّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ، وَالْوَاجِبُ فِي الْيَدِ كُلُّ بَدَلِ الطَّرَفِ وَهُوَ فِي سَنَتَيْنِ فِي الشَّرْعِ وَيَجِبُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ. .
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْ جَمِيعِهِمْ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِيهِ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ،
الشَّارِحُ هَاهُنَا نَغْمَةً فِي الطُّنْبُورِ حَيْثُ زَادَ فَسَادًا عَلَى فَسَادٍ، لِأَنَّهُ مَعَ إتْيَانِهِ فِي تَضَاعِيفِ شَرْحِهِ بِمَا يُقَرِّرُ أَنْ لَا يَتِمَّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا أَوَّلًا لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ صَرَّحَ بِأَنَّهُمَا يَعْنِي الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ مَوْرُوثَانِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَوْرُوثٍ مِنْ الْمَقْتُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَالتَّصْرِيحُ بِالِاتِّفَاقِ فَسَادٌ فَوْقَ فَسَادٍ، وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ
(قَوْلُهُ وَإِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْ جَمِيعِهِمْ لِقَوْلِ عُمَرَ فِيهِ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ.
وَفِي الْقِيَاسِ: لَا يَلْزَمُهُمْ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةُ لِمَا فِي الزِّيَادَةِ مِنْ الظُّلْمِ عَلَى الْمُعْتَدِي وَفِي النُّقْصَانِ مِنْ الْبَخْسِ بِحَقِّ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْوَاحِدِ هَذَا شَيْءٌ يُعْلَمُ بِبَدَاهَةِ الْعَقْلِ، فَالْوَاحِدُ مِنْ الْعَشَرَةِ يَكُونُ مَثَلًا لِلْوَاحِدِ فَكَيْفَ تَكُونُ الْعَشَرَةُ مَثَلًا لِلْوَاحِدِ. وَأَيَّدَ هَذَا الْقِيَاسَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وَذَلِكَ يَنْفِي مُقَابَلَةَ النُّفُوسِ بِنَفْسٍ، وَلَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا فَقَضَى عُمَرُ ﵁ بِالْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتهمْ بِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وَقَالَ فِي بَيَانِهِ: وَذَلِكَ يَنْفِي مُقَابَلَةَ النُّفُوسِ بِنَفْسٍ، فَعَلَى ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ هَذَا الْقِيَاسِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِمَدْلُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي قَضَائِهِ وَقَوْلِهِ الْمَزْبُورَيْنِ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ قَوْلَ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ وَفِعْلَهُ لَا يَصْلُحَانِ لِلْمُعَارَضَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ الرُّجْحَانِ عَلَيْهِ، وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حَيْثُ كَانُوا مُتَوَافِرَيْنِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَحَلَّ مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا فَكَذَلِكَ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ، وَالْقِصَاصُ مَزْجَرَةٌ لِلسُّفَهَاءِ فَيَجِبُ تَحْقِيقًا لِحِكْمَةِ الْإِحْيَاءِ.
(وَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً فَحَضَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِينَ قُتِلَ لِجَمَاعَتِهِمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قُتِلَ لَهُ وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمْ وَيَجِبُ لِلْبَاقِينَ الْمَالُ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا وَلَمْ يُعْرَفْ الْأَوَّلُ قُتِلَ لَهُمْ وَقُسِمَتْ الدِّيَاتُ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَيُقْتَلُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ. لَهُ أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الْوَاحِدِ قِتْلَاتٌ وَاَلَّذِي تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ قَتْلُ وَاحِدٍ فَلَا تَمَاثُلَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنَّهُ عُرِفَ بِالشَّرْعِ. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ فَجَاءَ التَّمَاثُلُ أَصْلُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ،
نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ كَمَا لَا يَكُونُ الْقِيَاسُ نَاسِخًا لِشَيْءٍ مِنْهُمَا، فَالْحَقُّ فِي أُسْلُوبِ تَحْرِيرِ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِحَدِيثِ كَوْنِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مُؤَيَّدَةً لِمَا فِي مُقْتَضَى الْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنْ يُبَيِّنَ عَدَمَ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ مَدْلُولِ تِلْكَ الْآيَةِ وَبَيْنَ جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ هَاهُنَا، وَسَيَجِيءُ مِنَّا الْكَلَامُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ وَالْقِصَاصُ مَزْجَرَةٌ لِلسُّفَهَاءِ فَيَجِبُ تَحْقِيقًا لِحِكْمَةِ الْإِحْيَاءِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمَعْقُولِ إنْ لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا عَلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ فَلَا يَرْبُو عَلَى الْقِيَاسِ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِهِ الْمُؤَيِّدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى سَائِرِ أَبْوَابِ الْعُقُوبَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْفَسَادَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَيَرْبُو عَلَى ذَلِكَ بِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ وَهُوَ إحْيَاءُ حِكْمَةِ الْإِحْيَاءِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لَا يُنَافِيهِ لِأَنَّهُمْ فِي إزْهَاقِ الرُّوحِ الْغَيْرِ الْمُتَجَزِّئِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ جَعْلَ الْأَشْخَاصِ الْمُتَعَدِّدَةِ الذَّوَاتِ فِي الْحَقِيقَةِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ إزْهَاقِ الرُّوحِ الْغَيْرِ الْمُتَجَزِّئِ عَنْ مَجْمُوعِهِمْ وَجَعَلَهُمْ مُسَاوِينَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ بَيْنَ ذَلِكَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ مُمَاثَلَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْقِصَاصِ بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ مُسَاعِدَةِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَأَيْضًا يُنَافِي هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ فَكَانَ الصَّادِرُ مِنْهُمْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَتْلَاتٍ مُتَعَدِّدَةً عَلَى عَدَدِ رُءُوسهمْ فَحَصَلَتْ الْمُمَاثَلَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْقِصَاصِ.
وَالْحَقُّ عِنْدِي هُنَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لَا يُنَافِي مَا قَالُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى اعْتِبَارِ الْوِحْدَةِ فِي النَّفْسِ، بَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ مُقَابِلَةِ جِنْسِ النَّفْسِ بِجِنْسِ النَّفْسِ كَمَا تَرَى، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ أَنْ يُقْتَصَّ النَّفْسُ بِغَيْرِ النَّفْسِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ﴾ وَنَحْوَهُمَا وَأَمَّا أَنَّهُ هَلْ تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْقِصَاصِ عِنْدَ تَعَدُّدِ النَّفْسِ فِي جَانِبِ الْقَاتِلِ أَوْ الْمَقْتُولِ فَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْعَيْنَ الْيُمْنَى لَا تُقْتَصُّ بِالْعَيْنِ الْيُسْرَى وَكَذَا الْعَكْسُ، مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.
لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهِ، بَلْ إنَّمَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَكَذَا هُنَا تَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ فَجَاءَ التَّمَاثُلُ أَصْلُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ)
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُرْحٌ صَالِحٌ لِلْإِزْهَاقِ فَيُضَافُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمْ إذْ هُوَ لَا يَتَجَزَّأُ،.
أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتَلَا بِوَصْفِ الْكَمَالِ أَمْرٌ مُتَعَذِّرٌ لِاسْتِلْزَامِهِ تَوَارُدَ الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ وَهُوَ مُحَالٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ شُرَّاحَ الْكِتَابِ وَغَيْرَهُمْ صَرَّحُوا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ الْمُمَاثَلَةُ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ قَطْعًا بَلْ بَدِيهَةً، لَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَتْلِ جَمَاعَةٍ بِوَاحِدٍ، فَالْقَوْلُ هَاهُنَا بِتَحَقُّقِ التَّمَاثُلِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا يُنَافِي ذَلِكَ، إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ جَوَابَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ مَعًا.
فَإِنْ قُلْت: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ حَقِيقَةً، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْعِ تَحْقِيقًا لِلْمُمَاثَلَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْقِصَاصِ فَيَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ وَجْهَيْ الْإِشْكَالِ مَعًا.
قُلْت: تَوَارُدُ الْعِلَّتَيْنِ الْمُسْتَقِلَّتَيْنِ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ مُمْتَنِعٌ عَقْلِيٌّ، وَاعْتِبَارُ الشَّرْعِ مَا هُوَ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ وَاقِعًا مِمَّا لَا وُقُوعَ لَهُ فِي شَيْءٍ، وَلَوْ فَرَضْنَا وُقُوعَهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْعَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الظُّلْمُ عَلَى الْمُعْتَدِي عَلَى تَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ، وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْبَخْسُ لِحَقِّ الْمُعْتَدَى عَلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ النُّقْصَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الظُّلْمَ وَالْبَخْسَ إنَّمَا يَنْدَفِعَانِ بِتَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي مُجَرَّدِ اعْتِبَارِ غَيْرِ الْمُمَاثِلِ مُمَاثِلًا فَلَا يَخْلُو الْأَمْرُ عَنْ الظُّلْمِ أَوْ الْبَخْسِ حَقِيقَةً، وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ بَلْ غَيْرُ جَائِزٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُرْحٌ صَالِحٌ لِلْإِزْهَاقِ فَيُضَافُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذْ هُوَ لَا يَتَجَزَّأُ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَاصِلُ هَذَا الدَّلِيلِ بَيَانُ وَجْهِ قَوْلِهِ فِي الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا مَعْطُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ إلَخْ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي شَرْعِ هَذَا الدَّلِيلِ: يَعْنِي أَنَّ الْقَتْلَ جُرْحٌ صَالِحٌ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الْبَاقِينَ كَانَ قَاتِلًا بِصِفَةِ الْكَمَالِ. وَالْحُكْمُ إذَا حَصَلَ عَقِيبَ عِلَلٍ لَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا، فَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إلَيْهَا تَوْزِيعًا أَوْ كَامِلًا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِعَدَمِ التَّجَزِّي فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ جَمَاعَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلَ فُلَانًا فَاجْتُمِعُوا عَلَى قَتْلِهِ حَنِثُوا انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ لَا يَجُوزَ إضَافَةُ الْقَتْلِ إلَى تِلْكَ الْعِلَلِ تَوْزِيعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَجَزَّأُ تَعَيَّنَ أَنْ يُضَافَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَامِلًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ كَامِلًا إلَى مَجْمُوعِ تِلْكَ الْعِلَلِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَجْمُوعٌ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَوَارُدُ الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ فَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ بِأَنَّ مَدَارَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ وَوُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُرْحٌ صَالِحٌ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ فِي الْحَقِيقَةِ كَامِلًا مُضَافًا إلَى مَجْمُوعِهِمْ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بِنَاءَ حِنْثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى الْعُرْفِ. وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَقِيقَةُ لَا غَيْرُ.
ثُمَّ أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا يَتَمَشَّيَانِ فِيمَا إذَا حَضَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولَيْنِ وَقَتَلُوا الْقَاتِلَ جُمْلَةً، وَأَمَّا فِيمَا إذَا حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَحْدَهُ فَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ كَمَا ذُكِرَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ فَلَا تَمْشِيَةَ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ مِنْ الْبَاقِينَ الْغَيْرِ الْحَاضِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُبَاشِرُوا الْقَتْلَ أَصْلًا إنَّهُ قَاتِلٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ، وَكَذَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ جُرْحٌ صَالِحٌ لِلْإِزْهَاقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لِلْبَاقِينَ الْمَالُ
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ مَعَ الْمُنَافِي لِتَحْقِيقِ الْإِحْيَاءِ وَقَدْ حَصَلَ بِقَتْلِهِ فَاكْتَفَى بِهِ. .
قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا مَاتَ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِفَوَاتِ مَحِلِّ الِاسْتِيفَاءِ فَأَشْبَهَ مَوْتَ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَيَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ إذْ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ. .
قَالَ (وَإِذَا قَطَعَ رَجُلَانِ يَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْطَعُ يَدَاهُمَا، وَالْمُفْرِضُ إذَا أَخَذَ سِكِّينًا وَأَمَرَّهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى انْقَطَعَتْ لَهُ الِاعْتِبَارُ بِالْأَنْفُسِ، وَالْأَيْدِي تَابِعَةٌ لَهَا فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِجَامِعِ الزَّجْرِ. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ بَعْضَ الْيَدِ، لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ حَصَلَ بِاعْتِمَادِيِّهِمَا وَالْمَحَلُّ مُتَجَزِّئٌ فَيُضَافُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَعْضُ فَلَا مُمَاثَلَةَ، بِخِلَافِ النَّفْسِ لِأَنَّ الِانْزِهَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ الِاجْتِمَاعِ غَالِبٌ حَذَارِ الْغَوْثِ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى قَطْعِ الْيَدِ مِنْ الْمِفْصَلِ فِي حَيِّزِ النُّدْرَةِ لِافْتِقَارِهِ إلَى مُقَدَّمَاتٍ بَطِيئَةٍ فَيَلْحَقُهُ الْغَوْثُ. قَالَ (وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُ دِيَةُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ وَهُمَا قَطَعَاهَا.
(وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ فَحَضَرَا فَلَهُمَا أَنْ يَقْطَعَا يَدَهُ وَيَأْخُذَا مِنْهُ نِصْفَ الدِّيَةِ يَقْسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ سَوَاءٌ قَطَعَهُمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي التَّعَاقُبِ يُقْطَعُ بِالْأَوَّلِ، وَفِي الْقِرَانِ يُقْرَعُ لِأَنَّ الْيَدَ اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهَا لِلثَّانِي كَالرَّهْنِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَفِي الْقِرَانِ الْيَدُ الْوَاحِدَةُ لَا تَفِي بِالْحَقَّيْنِ فَتُرَجَّحُ بِالْقُرْعَةِ. وَلَنَا أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِهِ كَالْغَرِيمَيْنِ فِي التَّرِكَةِ، وَالْقِصَاصُ مِلْكُ الْفِعْلِ يَثْبُتُ مَعَ الْمُنَافِي فَلَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ.
فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ مَعَ الْمُنَافِي لِتَحْقِيقِ الْإِحْيَاءِ وَقَدْ حَصَلَ بِقَتْلِهِ فَاكْتَفَى بِهِ) أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ تَحْقِيقَ الْإِحْيَاءِ حِكْمَةُ الْقِصَاصِ، وَبِمُجَرَّدِ حُصُولِ حِكْمَتِهِ لَا يَتِمُّ أَمْرُهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ شَرَائِطِهِ أَيْضًا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْمُمَاثَلَةُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ وَلَا الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ، وَكَذَا لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ بِوَلَدِهِ وَلَا بِوَلَدِ وَلَدِهِ وَلَا بِعَبْدِهِ وَلَا بِمُدَبَّرِهِ وَلَا بِمُكَاتَبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ حُصُولَ تَحْقِيقِ الْإِحْيَاءِ مُتَصَوَّرٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ لِانْتِفَاءِ بَعْضِ شَرَائِطِهِ أَوْ لِتَحَقُّقِ بَعْضِ مَوَانِعِهِ.
وَعِنْدَ أَنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ: إنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الْوَاحِدِ قَتْلَاتٌ وَاَلَّذِي تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ قَتْلٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يُوجَدْ التَّمَاثُلُ الَّذِي هُوَ مَبْنَى الْقِصَاصِ، كَيْف يَتِمُّ أَنْ يُقَالَ فِي مُقَابَلَتِهِ قَدْ حَصَلَ تَحْقِيقُ الْإِحْيَاءِ بِقَتْلِهِ فَاكْتَفَى بِهِ، وَلَعَلَّ صَاحِبَ
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
أَمَّا الْمَحِلُّ فَخُلُوٌّ عَنْهُ فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الثَّانِي، بِخِلَافِ الرَّهْنِ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي الْمَحَلِّ. فَصَارَ كَمَا إذَا قَطَعَ الْعَبْدُ يَمِينَيْهِمَا عَلَى التَّعَاقُبِ فَتُسْتَحَقُّ رَقَبَتُهُ لَهُمَا، وَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقَطَعَ يَدَهُ فَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ لِثُبُوتِ حَقِّهِ وَتَرَدُّدِ حَقِّ الْغَائِبِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى لَمْ يَبْقَ مَحِلُّ الِاسْتِيفَاءِ فَيَتَعَيَّنُ حَقُّ الْآخَرِ فِي الدِّيَةِ لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا. .
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ لَزِمَهُ الْقَوَدُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ يُلَاقِي حَقَّ الْمَوْلَى بِالْإِبْطَالِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْمَالِ. وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِهِ فَيُقْبَلُ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ عَمَلًا بِالْآدَمِيَّةِ حَتَّى لَا يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَبُطْلَانُ حَقِّ الْمَوْلَى بِطَرِيقِ الضِّمْنِ فَلَا يُبَالَى بِهِ.
(وَمَنْ رَمَى رَجُلًا عَمْدًا فَنَفَذَ السَّهْمُ مِنْهُ إلَى آخَرَ فَمَاتَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِلْأَوَّلِ وَالدِّيَةُ لِلثَّانِي عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَمْدٌ وَالثَّانِي أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَأِ، كَأَنَّهُ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَثَرِ. .
الْكَافِي فَهِمَ ضَعْفَ هَذَا التَّعْلِيلِ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَهُ مَعَ كَوْنِ عَادَتِهِ أَنْ يَقْتَفِي أَثَرَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَمْدٌ وَالثَّانِي أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَإِ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ.
أَقُولُ: هَذَا خَبْطٌ ظَاهِرٌ، إذْ قَدْ مَرَّ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْخَطَأَ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِي شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِي غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ فِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا كَأَنَّهُ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا (قَوْلُهُ وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَثَرِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قِيلَ فَإِنَّ الرَّمْيَ إذَا أَصَابَ حَيَوَانًا وَمَزَّقَ جِلْدَهُ سُمِّيَ جُرْحًا، وَإِنْ
[ ١٠ / ٢٤٧ ]