وَالْبَعْضِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا بَاعَ الْعَبْدَ الْمُوَكَّلَ بِبَيْعِهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَكِيلُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ وَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَكَذَا لَوْ دَبَّرَهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ اُسْتُحِقَّ أَوْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، وَفِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ أَوْ جُنَّ أَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ الَّذِي وَكَّلَ بِبَيْعِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لَا يَرْجِعُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَكِيلَ هُنَاكَ وَإِنْ صَارَ مَعْزُولًا بِتَصَرُّفِ الْمُوَكِّلِ لَكِنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِتَرْكِ إعْلَامِهِ إيَّاهُ فَصَارَ كَفِيلًا لَهُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ أَوْ ضَمَانُ الْغُرُورِ فِي الْحَقِيقَةِ ضَمَانُ الْكَفَالَةِ، وَمَعْنَى الْغُرُورِ لَا يَتَقَرَّرُ فِي الْمَوْتِ وَهَلَاكِ الْعَبْدِ وَالْجُنُونِ وَأَخَوَاتِهَا فَهُوَ الْفَرْقُ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ وَهَبَ الْمَالَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَالْوَكِيلُ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ فَقَبَضَ الْوَكِيلُ الْمَالَ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ كَانَ لِدَافِعِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ الْمُوَكِّلَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ يَدُ نِيَابَةٍ عَنْ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِأَمْرِهِ وَقَبْضُ النَّائِبِ كَقَبْضِ الْمَنُوبِ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَمَا وَهَبَهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَرَجَعَ عَلَيْهِ، فَكَذَا هَذَا، إلَى هُنَا لَفْظُ الْبَدَائِعِ.
(كِتَابُ الدَّعْوَى)
لَمَّا كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ الَّتِي هِيَ أَشْهَرُ أَنْوَاعِ الْوَكَالَاتِ سَبَبًا دَاعِيًا إلَى الدَّعْوَى ذَكَرَ كِتَابَ الدَّعْوَى عَقِيبَ كِتَابِ الْوَكَالَةِ لِأَنَّ الْمُسَبِّبَ يَتْلُو السَّبَبَ. ثُمَّ إنَّ هَاهُنَا أُمُورًا مِنْ دَأْبِ الشُّرَّاحِ بَيَانُ أَمْثَالِهَا فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ، وَهِيَ مَعْنَى الدَّعْوَى لُغَةً وَشَرْعًا وَسَبَبُهَا وَشَرْطُهَا وَحُكْمُهَا وَنَوْعُهَا، فَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ إيجَابَ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: مُطَالَبَةُ حَقٍّ فِي مَجْلِسِ مَنْ لَهُ الْخَلَاصُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ انْتَهَى. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى كَمَا سَيَجِيءُ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَعْرِيفُهَا بِهَا لِلْمُبَايَنَةِ إلَّا أَنْ تُؤَوَّلَ بِالْمَشْرُوطِ بِالْمُطَالَبَةِ. أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُطَالَبَةِ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى لَا يُنَافِي اسْتِقَامَةَ تَعْرِيفِ نَفْسِ الدَّعْوَى بِهَا، إذْ الْمُبَايَنَةُ لِصِحَّةِ الشَّيْءِ لَا تَقْتَضِي الْمُبَايَنَةَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبَايِنٌ لِصِحَّتِهِ لِكَوْنِهَا وَصْفًا مُغَايِرًا لَهُ وَلَيْسَ بِمُبَايِنٍ لِنَفْسِهِ قَطْعًا غَايَةُ مَا لَزِمَ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَ صِحَّةُ الدَّعْوَى مَشْرُوطًا بِالْمُطَالَبَةِ الَّتِي هِيَ نَفْسُ الدَّعْوَى وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، فَإِنَّ صِحَّةَ الدَّعْوَى وَصْفٌ لَهَا وَتَحَقُّقُ الْوَصْفِ مَشْرُوطٌ بِتَحَقُّقِ الْمَوْصُوفِ دَائِمًا
[ ٨ / ١٥٢ ]
قَالَ (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ)
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ بَيَانِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ عَلَى وَجْهِ الْبَسْطِ وَالتَّفْصِيلِ: وَأَمَّا سَبَبُهَا فَمَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ وَالْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِي لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ أَمْرًا رَاجِعًا إلَى إبْقَاءِ نَسْلِهِ أَوْ أَمْرًا رَاجِعًا إلَى بَقَاءِ نَفْسِهِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا، وَكِلَاهُمَا قَدْ ذُكِرَا، وَأَمَّا شَرْطُ صِحَّتِهَا عَلَى الْخُصُوصِ فَمَجْلِسُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجْلِسِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَوَابُ الْمُدَّعِي.
وَمِنْ شَرَائِطِ صِحَّتِهَا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ دَعْوَى الْمُدَّعِي عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِمَا أَنَّ الْفَاسِدَةَ مِنْ الدَّعْوَى هِيَ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَصْمُ حَاضِرًا وَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مَجْهُولًا، لِأَنَّ عِنْدَ الْجَهَالَةِ لَا يُمْكِنُ لِلشُّهُودِ الشَّهَادَةُ وَلَا لِلْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ، وَأَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَى الْمَطْلُوبِ شَيْءٌ بِدَعْوَاهُ نَحْوُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ وَكِيلُ هَذَا الْخَصْمِ الْحَاضِرِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ هَذِهِ إذَا أَنْكَرَ آخَرُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ عَزْلُهُ فِي الْحَالِ. وَأَمَّا حُكْمُهَا فَوُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْخَصْمِ بِنَعَمْ أَوْ بِلَا، وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ حَتَّى يُوفِيَ مَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوَابِ. وَأَمَّا أَنْوَاعُهَا فَشَيْئَانِ: دَعْوَى صَحِيحَةٌ، وَدَعْوَى فَاسِدَةٌ.
فَالصَّحِيحَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُهَا وَهِيَ إحْضَارُ الْخَصْمِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالْجَوَابِ وَالْيَمِينِ إذَا أَنْكَرَ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُدَّعَى بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالنُّكُولِ، وَالدَّعْوَى الْفَاسِدَةُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَفَسَادُ الدَّعْوَى بِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُلْزِمًا لِلْخَصْمِ شَيْئًا وَإِنْ ثَبَتَتْ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ وَكِيلُهُ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا فِي نَفْسِهِ وَالْمَجْهُولُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمَجْهُولِ لَا بِالْبَيِّنَةِ وَلَا بِالنُّكُولِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي تَحْرِيرِهِ نَوْعُ اخْتِلَالٍ وَاضْطِرَابٍ. فَإِنَّ قَوْلَهُ وَأَمَّا شَرْطُ صِحَّتِهَا عَلَى الْخُصُوصِ إلَى قَوْلِهِ وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِصِحَّتِهَا شُرُوطًا أَرْبَعَةً: وَهِيَ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ، وَحُضُورُ الْخَصْمِ، وَكَوْنُ الْمُدَّعَى بِهِ شَيْئًا مَعْلُومًا وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ.
وَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَكُونَ فَسَادُهَا بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ وَهِيَ: انْتِفَاءَاتُ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ لِمَا أَنَّ الْفَاسِدَةَ مِنْ الدَّعْوَى هِيَ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَصْمُ حَاضِرًا إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ عَزْلُهُ فِي الْحَالِ يُشْعِرُ بِأَنَّ فَسَادَهَا إنَّمَا هُوَ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ، وَهِيَ عَدَمُ حُضُورِ الْخَصْمِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مَجْهُولًا، وَأَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَى الْمَطْلُوبِ شَيْءٌ بِالدَّعْوَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ إذَا جُعِلَ مُبْتَدَأً كَمَا فِي قَوْلِهِ إنَّ الْفَاسِدَةَ مِنْ الدَّعْوَى فَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْخَبَرِ نَحْوُ: الْكَرَمُ التَّقْوَى. وَالْإِمَامُ مِنْ قُرَيْشٍ.
عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ وَفَسَادُ الدَّعْوَى بِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَسَادَهَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْمَصْدَرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَفَسَادُ الدَّعْوَى تُفِيدُ الْقَصْدَ نَحْوُ ضَرْبِي زَيْدًا فِي الدَّارِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَأَمَّا أَنْوَاعُهَا فَشَيْئَانِ لَا يَخْلُو عَنْ سَمَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ حَيْثُ حَمَلَ التَّثْنِيَةَ عَلَى الْجَمْعِ بِالْمُوَاطَأَةِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ) وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ
[ ٨ / ١٥٣ ]
وَمَعْرِفَةُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ ﵏ فِيهِ، فَمِنْهَا مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ. وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ
حَيْثُ قَالَ فِي مَتْنِهِ: الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَقَالَ فِي شَرْحِهِ لَمْ يَقُلْ إذَا تَرَكَهَا كَمَا قَالَ الْقُدُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ حَالَتَيْ التَّرْكِ وَالْفِعْلِ، وَالْقَيْدُ الْمَذْكُورُ يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ إذْ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ قِيلَ التَّرْكُ يَلْزَمُ أَنْ يُنْتَقَضَ تَعْرِيفُ الْمُدَّعِي بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَالَةَ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ ضَرُورَةَ عَدَمِ تَصَوُّرِ الْجَبْرِ عَلَى الْفِعْلِ حَالَةَ حُصُولِهِ، وَأَمَّا إيهَامُ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ الِاخْتِصَاصَ فَمَمْنُوعٌ لِانْدِفَاعِهِ بِشَهَادَةِ ضَرُورَةِ الْعَقْلِ عَلَى عَدَمِ تَصَوُّرِ الْجَبْرِ حَالَةَ الْفِعْلِ (وَمَعْرِفَةُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْ أَهَمِّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى) فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَكُونُ مُدَّعِيًا صُورَةً وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا فِي الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا (وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ ﵏ فِيهِ) أَيْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (فَمِنْهَا مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي مُخْتَصَرَ الْقُدُورِيِّ (وَهُوَ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ، وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ) وَهِيَ الْبَيِّنَةُ أَوْ الْإِقْرَارُ أَوْ النُّكُولُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ كَمَا سَيُعْلَمُ فِي بَابِ الْيَمِينِ (كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحَقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهُوَ لَيْسَ بِعَامٍّ: أَيْ جَامِعٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ صُورَةَ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُمْكِنُ تَوْضِيحُ كَلَامِهِ وَتَقْرِيرُ مَرَامِهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ قَوْلُ الْمُودَعِ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُودَعَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِحُجَّةٍ. ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْوَجْهَيْنِ مَعًا أَنَّهُ سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ، فَلِهَذَا أَنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ دُونَ الصُّورَةِ، فَحِينَئِذٍ لَا ضَيْرَ فِي عَدَمِ تَنَاوُلِ تَعْرِيفِ الْمُدَّعِي صُورَةَ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُدَّعِيًا حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى. وَيُمْكِنُ جَوَابٌ آخَرُ عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُودَعَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعٍ رَدَّ الْوَدِيعَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَأَمَّا اسْتِحْقَاقُهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَبِالْجُمْلَةِ قَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ مُعْتَبَرٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ اسْتِحْقَاقَ غَيْرِهِ انْتَهَى. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ دَفْعَ اسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِ لَا يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ نَفْسِهِ، بَلْ يَقْتَضِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمُسْتَحِقِّ، فَكَوْنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ اسْتِحْقَاقَ غَيْرِهِ لَا يُنَافِي صِحَّةَ تَعْرِيفِهِ بِمَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ فِي بَيَانِ تَعْرِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ هُوَ لِي كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ مَا لَمْ يُثْبِتْ الْغَيْرُ اسْتِحْقَاقَهُ. فَإِنْ قُلْت: صِيغَةُ الْفِعْلِ تُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالْحُدُوثَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ فَيَكُونُ مَعْنَى
[ ٨ / ١٥٤ ]
وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يَتَمَسَّكُ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ
مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مَنْ يَتَجَدَّدُ وَيَحْدُثُ اسْتِحْقَاقُهُ بِقَوْلِهِ مَعَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَتَجَدَّدُ وَلَا يَحْدُثُ بِقَوْلِهِ بَلْ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّعْوَى.
قُلْت: هَذِهِ مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ يُمْكِنُ دَفْعُهَا أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِمَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مَنْ يَكُونُ ثَابِتًا عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا مَجَازًا ثَابِتًا عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ كَذِي الْيَدِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ ثَبِّتْنَا عَلَى هُدَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَاَلَّذِي يَلْزَمُ حِينَئِذٍ مِنْ صِيغَةِ الْفِعْلِ فِي تَعْرِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ أَنْ يَتَجَدَّدَ الثَّبَاتُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ لَا أَنْ يَتَجَدَّدَ نَفْسُ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: قَدْ مَرَّ فِي الدَّرْسِ السَّابِقِ أَنَّ لِدَوَامِ الْأُمُورِ الْمُسْتَمِرَّةِ الْغَيْرِ اللَّازِمَةِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ، مَعَ أَنَّ فِي الْعُدُولِ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِقَوْلِهِ إلَى قَوْلِهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ إيمَاءً إلَى دَفْعِ هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ يَكُونُ اسْتِحْقَاقُهُ دَائِمًا لِدَلَالَةِ الِاسْمِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ اهـ.
أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ شِقَّيْ جَوَابِهِ نَظَرٌ: أَمَّا فِي شِقِّهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ لِدَوَامِ التَّصَرُّفَاتِ الْغَيْرِ اللَّازِمَةِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ السَّابِقِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ فَتَأَمَّلْ. وَأَمَّا فِي شِقِّهِ الثَّانِي لَا يَذْهَبُ عَلَى مَنْ لَهُ دُرْبَةٌ بِالْعُلُومِ الْأَدَبِيَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِقَوْلِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ فِي إفَادَةِ التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ، لِأَنَّ صِلَةَ مَنْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَتَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ قَطْعًا، وَكَوْنُ الْخَبَرِ اسْمًا فِي الثَّانِيَةِ مِمَّا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إفَادَةِ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ أَصْلًا، عَلَى أَنَّ الثِّقَاتِ مِنْ مُحَقِّقِي النُّحَاةِ كَالرَّضِيِّ وَأَضْرَابِهِ صَرَّحُوا بِأَنَّ ثُبُوتَ خَبَرِ بَابِ كَانَ مُقْتَرِنٌ بِالزَّمَانِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْفِعْلِ النَّاقِصِ، إمَّا مَاضِيًا أَوْ حَالًا أَوْ اسْتِقْبَالًا، فَكَانَ لِلْمَاضِي وَيَكُونُ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَكُنْ لِلِاسْتِقْبَالِ. وَقَالَ الْفَاضِلُ الرَّضِيُّ: وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ كَانَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ مَضْمُونِ الْخَبَرِ فِي جَمِيعِ الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَشُبْهَتُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَذَهِلَ أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَرِينَةِ وُجُوبِ كَوْنِ اللَّهِ سَمِيعًا بَصِيرًا لَا مِنْ لَفْظِ كَانَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ كَانَ زَيْدٌ نَائِمًا فَاسْتَيْقَظَ، وَكَانَ قِيَاسُ مَا قَالَ أَنْ يَكُونَ كُنْ وَيَكُونُ لِلِاسْتِمْرَارِ أَيْضًا.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَكَانَ تَكُونُ نَاقِصَةً لِثُبُوتِ خَبَرِهَا دَائِمًا أَوْ مُنْقَطِعًا رَدٌّ عَلَى ذَلِكَ الْقَائِلِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِيءُ دَائِمًا كَمَا فِي الْآيَةِ، وَمُنْقَطِعًا كَمَا فِي قَوْلِك كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا، وَلَمْ يَدُلَّ لَفْظُ كَانَ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بَلْ ذَلِكَ إلَى الْقَرِينَةِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. فَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا دَوَامَ فِي مَضْمُونِ خَبَرِ كَانَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ ذُهُولًا. وَأَمَّا الدَّوَامُ فِي خَبَرِ يَكُونُ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ فَمِمَّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ قَطُّ، فَمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْمُجِيبُ خَارِجٌ عَنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ فِي التَّعْرِيفِ مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ بِقَوْلِهِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لَتَمَّ الْفَرْقُ وَلَيْسَ فَلَيْسَ (وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يَتَمَسَّكُ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَعَلَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْمُودَعِ فَإِنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمُتَمَسِّكٍ بِالظَّاهِرِ إذْ رَدُّ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْفَرَاغَ لَيْسَ بِأَصْلٍ بَعْدَ الِاشْتِغَالِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ وَهُوَ يُنْكِرُ الْوَكَالَةَ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ الْمَدْيُونَ يَدَّعِي بَرَاءَةً بَعْدَ الشُّغْلِ فَكَانَتْ عَارِضَةً، وَالشُّغْلُ أَصْلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُورِدَ بِالْعَكْسِ بِأَنَّهُ مُدَّعٍ وَيَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ عَدَمُ الضَّمَانِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُودَعَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ
[ ٨ / ١٥٥ ]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ، وَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَتِهِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ، فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ.
لَيْسَ هُوَ بِمُتَمَسِّكٍ بِالظَّاهِرِ. قَوْلُهُ إذْ رَدُّ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ. قُلْنَا: مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ تَمَسُّكَهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ مُتَمَسِّكٌ بِعَدَمِ الضَّمَانِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَكَذَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُدَّعٍ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ بَلْ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ مُلْتَمِسٌ غَيْرَ الظَّاهِرِ وَهُوَ رَدُّ الْوَدِيعَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ زَعَمَ حَيْثِيَّةَ كَوْنِ الْمُودَعِ مُدَّعِيًا حَيْثِيَّةَ كَوْنِهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَبِالْعَكْسِ فَأَوْرَدَ النَّقْضَ عَلَى تَعْرِيفِهِمَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ، كَيْفَ وَلَوْ تَمَّ مَا زَعَمَهُ لَوْ رُدَّ النَّقْضُ بِالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُدَّعٍ رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَيُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَعَ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ.
ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ كُلَّهُ عَلَى تَسْلِيمِ اعْتِبَارِ جَانِبِ الصُّورَةِ أَيْضًا فِيمَا إذَا ادَّعَى الْمُودَعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ إنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ جَانِبُ الْمَعْنَى دُونَ جَانِبِ الصُّورَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَسَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ فَلَا يَتَوَجَّهُ النَّقْضُ بِالْعَكْسِ أَصْلًا. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى بَعْضِ مُقَدِّمَاتِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ فِي صُورَةِ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الْمُودَعِ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ حَتَّى يَكُونَ دَعْوَى الرَّدِّ مِنْهُ دَعْوَى الْبَرَاءَةِ بَعْدَ الشُّغْلِ، بَلْ إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ إنْكَارِ الضَّمَانِ وَثُبُوتُ الشَّيْءِ فِي ذِمَّتِهِ، بِخِلَافِ صُورَةِ الدَّيْنِ، وَأُشِيرَ إلَى هَذَا فِي الْكَافِي اهـ. أَقُولُ: نَعَمْ قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ رَآهُ وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَقُولَ سَلَّمْنَا أَنَّ فِي صُورَةِ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الْمُودَعِ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ، وَلَكِنْ فِي عُهْدَتِهِ حِفْظُ مَالِ الْوَدِيعَةِ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ أَنَّهَا عَقْدُ اسْتِحْفَاظٍ، وَأَنَّ حُكْمَهَا وُجُوبُ الْحِفْظِ عَلَى الْمُودَعِ فَكَانَ دَعْوَى الرَّدِّ مِنْهُ دَعْوَى الْبَرَاءَةِ بَعْدَ اشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِالْحِفْظِ، وَالْفَرَاغُ لَيْسَ بِأَصْلٍ بَعْدَ الِاشْتِغَالِ فَيَتَمَشَّى كَلَامُهُ، وَيَتِمُّ مَرَامُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَخْ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى مُجَرَّدِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي كَوْنِ الْفَرَاغِ لَيْسَ بِأَصْلٍ بَعْدَ الِاشْتِغَالِ، وَإِنْ كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ بِكَوْنِ الِاشْتِغَالِ فِي إحْدَاهُمَا بِالْمَالِ وَفِي الْأُخْرَى بِالْحِفْظِ، فَاَلَّذِي يَقْطَعُ عِرْقَ إيرَادِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ لَا غَيْرُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: فِي الْأَصْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ، وَهَذَا صَحِيحٌ) لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَرُوِيَ «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَتِهِ) أَيْ مَعْرِفَةِ الْمُنْكِرِ (وَالتَّرْجِيحِ بِالْفِقْهِ) أَيْ بِالْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ (عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: يَعْنِي إذَا تَعَارَضَ الْجِهَتَانِ فِي صُورَةٍ فَالتَّرْجِيحُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى يَكُونُ بِالْفِقْهِ: أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَهُوَ يَدَّعِي الرَّدَّ صُورَةً، فَلَوْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ، وَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا فَكَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ اعْتَبَرَ الصُّورَةَ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا اعْتَبَرَ مَعْنَاهَا، فَإِنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ اهـ. أَقُولُ: شَرْحُ هَذَا الْمَقَامِ بِهَذَا الْوَجْهِ لَا يَكَادُ يَصِحُّ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَشْرُوحِ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَالتَّرْجِيحُ
[ ٨ / ١٥٦ ]
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ)
بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمَعَانِي لَا غَيْرُ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ اعْتَبَرَ الصُّورَةَ وَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا اعْتَبَرَ مَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لَهُ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الصُّورَةَ أَيْضًا مُعْتَبَرَةٌ فَيَصِيرُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْعَمَلِ بِالْجِهَتَيْنِ لَا مِنْ قَبِيلِ تَرْجِيحِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ أَوَّلَ هَذَا الشَّرْحِ مُخَالِفٌ لِآخِرِهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَوَّلِ إذَا تَعَارَضَ الْجِهَتَانِ فِي صُورَةٍ فَالتَّرْجِيحُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى يَكُونُ بِالْفِقْهِ: أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ جِهَةُ الْمَعْنَى دُونَ جِهَةِ الصُّورَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْآخَرِ فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ اعْتَبَرَ الصُّورَةَ وَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا اعْتَبَرَ مَعْنَاهَا، صَرِيحٌ فِي أَنَّ كِلْتَا الْجِهَتَيْنِ مُعْتَبَرَتَانِ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَصَدَ تَوْجِيهَ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا وَتَبْيِينَ مَرَامِهِ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْجِهَتَيْنِ الْإِنْكَارُ الصُّورِيُّ وَالْإِنْكَارُ الْمَعْنَوِيُّ لَا الِادِّعَاءُ الصُّورِيُّ وَالْإِنْكَارُ الْمَعْنَوِيُّ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُعْتَبَرٌ حَيْثُ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الرَّدِّ أَيْضًا فَلَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْمَعْنَوِيِّ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الشَّرْحَ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ حِينَئِذٍ أَيْضًا، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّورَةِ هَاهُنَا الِادِّعَاءُ الصُّورِيُّ حَيْثُ جَعَلَ الصُّورَةَ قَيْدًا لِلِادِّعَاءِ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْإِنْكَارِ الصُّورِيِّ وَالْإِنْكَارِ الْمَعْنَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّعَارُضِ هَاهُنَا مُجَرَّدُ التَّخَالُفِ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ التَّنَافِي فِي الصِّدْقِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بَيْنَ الْإِنْكَارِ الصُّورِيِّ وَالْإِنْكَارِ الْمَعْنَوِيِّ. أَمَّا عَدَمُ تَحَقُّقِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَدَمُ تَحَقُّقِ الثَّانِي بَيْنَهُمَا فَلِأَنَّ الْمُنْكِرَ الْمَعْنَوِيَّ فِيمَا إذَا قَالَ الْمُودَعُ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ هُوَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ حَيْثُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ، وَالْمُنْكِرُ الصُّورِيُّ هُوَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ حَيْثُ يُنْكِرُ الرَّدَّ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ إنْكَارَيْهِمَا فِي الصِّدْقِ لِجَوَازِ أَنْ يَصْدُقَا مَعًا بِأَنْ لَا يَرُدَّ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ لِهَلَاكِ الْوَدِيعَةِ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْجِهَتَانِ فِي قَوْلِهِ: يَعْنِي إذَا تَعَارَضَ الْجِهَتَانِ.
وَأَيْضًا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَمَحَلُّ الْإِنْكَارِ الصُّورِيِّ مُغَايِرٌ لِمَحَلِّ الْإِنْكَارِ الْمَعْنَوِيِّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِقِيَامِ أَحَدِهِمَا بِالْمُودِعِ بِالْكَسْرِ وَالْآخَرِ بِالْمُودَعِ بِالْفَتْحِ فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ الِادِّعَاءِ الصُّورِيِّ وَالْإِنْكَارِ الْمَعْنَوِيِّ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُمَا التَّعَارُضُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَطْعًا، وَمَحَلُّهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ فَكَانَ مَوْقِعًا لِلتَّعَارُضِ وَنِعْمَ مَا قِيلَ وَلَنْ يُصْلِحَ الْعَطَّارُ مَا أَفْسَدَ الدَّهْرُ ثُمَّ إنَّ الْحَقَّ عِنْدِي أَنْ يُشْرَحَ هَذَا الْمُقَامَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْجِهَتَانِ: أَيْ جِهَةُ الِادِّعَاءِ الصُّورِيِّ وَجِهَةُ الْإِنْكَارِ الْمَعْنَوِيِّ فَالتَّرْجِيحُ بِالْفِقْهِ: أَيْ بِالْمَعْنَى عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ، فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ مَعْنًى وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً، وَأَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ قَبُولِ بَيِّنَةِ الْمُودِعِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ: إنَّمَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُودِعِ إذَا أَقَامَهَا عَلَى الرَّدِّ لِدَفْعِ الْيَمِينِ عَنْهُ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ تُقْبَلُ لِدَفْعِ الْيَمِينِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي الزِّيَادَةَ، فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ تُقْبَلُ أَيْضًا لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ لِدَفْعِ الْيَمِينِ كَمَا إذَا أَقَامَ الْمُودَعُ بَيِّنَةً عَلَى رَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمَالِكِ تُقْبَلُ اهـ.
فَحِينَئِذٍ يَتَّضِحُ الْمُرَادُ وَيَرْتَفِعُ الْفَسَادُ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ) كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَقَدْرَهُ) مِثْلَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ كُرًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِي دَعْوَى الدَّيْنِ لَا فِي دَعْوَى الْعَيْنِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ إذَا كَانَتْ حَاضِرَةً تَكْفِي الْإِشَارَةُ إلَيْهَا بِأَنَّ هَذِهِ مِلْكٌ لِي، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ قِيمَتَهَا عَلَى مَا سَيُفَصَّلُ. فَإِنْ قُلْتَ: عِبَارَةُ الْكِتَابِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّقْيِيدِ
[ ٨ / ١٥٧ ]
لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الْإِلْزَامُ بِوَاسِطَةِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَالْإِلْزَامُ فِي الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ (فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى) عَلَيْهِ كُلِّفَ إحْضَارَهَا لِيُشِيرَ إلَيْهَا بِالدَّعْوَى، وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ وَالِاسْتِحْلَافِ، لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ وَذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِي الْمَنْقُولِ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى وُجُوبُ الْحُضُورِ، وَعَلَى هَذَا الْقُضَاةُ مِنْ آخِرِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ
قُلْتُ: نَعَمْ، إلَّا أَنَّ الْعِبَارَةَ وَقَعَتْ كَذَلِكَ فِي عَامَّةِ مُعْتَبَرَاتِ الْمُتُونِ فَلَعَلَّهَا بِنَاءً عَلَى انْفِهَامِ الْمُرَادِ بِهَا مِمَّا يُذْكَرُ بَعْدَهَا مِنْ تَفْصِيلِ أَحْوَالِ دَعْوَى الْأَعْيَانِ، وَمَعَ هَذَا قَدْ تَصَدَّى صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ إيضَاحًا لِلْمَقَامِ. وَأَمَّا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَلَمَّا فَهِمُوا الْخَفَاءَ فِيهَا غَيَّرُوهَا فِي مُتُونِهِمْ إلَى التَّصْرِيحِ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الدَّعَاوَى عَلَى حِدَةٍ مَعَ بَيَانِ شَرَائِطِهِ الْمَخْصُوصَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ (لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الْإِلْزَامُ) أَيْ الْإِلْزَامُ عَلَى الْخَصْمِ (بِوَاسِطَةِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَالْإِلْزَامُ فِي الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ.) أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ. وَهُوَ أَنَّ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْإِلْزَامِ فِي الْمَجْهُولِ مَمْنُوعٌ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَجْهُولِ صَحِيحٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي صَدْرِ كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ حُكْمَ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْخَصْمِ إمَّا بِالْإِقْرَارِ وَإِمَّا بِالْإِنْكَارِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ إنْ أَجَابَ الْخَصْمُ بِالْإِقْرَارِ يُمْكِنُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَجْهُولِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مُؤَاخَذًا بِإِقْرَارِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ الدَّعْوَى فِيهِ أَيْضًا لِظُهُورِ فَائِدَتِهَا عَلَى تَقْدِيرِ الْجَوَابِ بِالْإِقْرَارِ. وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ الْإِلْزَامَ كَمَا يَتَحَقَّقُ بِوَاسِطَةِ حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِوَاسِطَةِ حُجَّةِ الْإِقْرَارِ، فَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ الْأَوَّلُ فِي دَعْوَى الْمَجْهُولِ يُتَصَوَّرْ الثَّانِي فِيهَا فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ. لَا يُقَالُ: إقْرَارُ الْخَصْمِ مُحْتَمَلٌ لَا مُحَقَّقٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِلْزَامُ فِي دَعْوَى الْمَجْهُولِ بَلْ يُحْتَمَلُ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِتَحَقُّقِ الْإِلْزَامِ الَّذِي عُدَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى إمْكَانُ تَحَقُّقِهِ دُونَ وُقُوعِهِ بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ لَا تَتَحَقَّقَ الْفَائِدَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ دَعَاوَى الْمَعْلُومِ أَيْضًا، كَمَا إذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ وَلَمْ يُقِرَّ الْخَصْمُ بِمَا ادَّعَاهُ بَلْ أَنْكَرَ وَحَلَفَ إذًا حِينَئِذٍ لَا يَقَعُ الْإِلْزَامُ بِالْفِعْلِ قَطْعًا (فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْمُدَّعَى (عَيْنًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كُلِّفَ إحْضَارَهَا) أَيْ كُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إحْضَارَ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ (لِيُشِيرَ) أَيْ الْمُدَّعِي (إلَيْهَا بِالدَّعْوَى) هَذَا الَّذِي ذُكِرَ لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ وَالِاسْتِحْلَافِ) يَعْنِي إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ أَوْ اُسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَيْهَا كُلِّفَ إحْضَارَهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِيُشِيرَ الشُّهُودُ إلَيْهَا عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَلِيُشِيرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَيْهَا عِنْدَ الْحَلِفِ (لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ، وَذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِي الْمَنْقُولِ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ) حَتَّى قَالُوا فِي الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا كَالرَّحَى وَنَحْوِهِ حَضَرَ الْقَاضِي عِنْدَهَا أَوْ بَعَثَ أَمِينًا، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى) أَيْ بِالدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ: أَيْ بِمُجَرَّدِهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وُجُوبُ الْحُضُورِ) أَيْ وُجُوبُ حُضُورِ الْخَصْمِ مَجْلِسَ الْقَاضِي (وَعَلَى هَذَا الْقُضَاةُ) أَيْ عَلَى وُجُوبِ حُضُورِ الْخَصْمِ مَجْلِسَ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ الْقُضَاةُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ لِإِعْرَاضِهِمْ عِنْدَ الطَّلَبِ (مِنْ آخِرِهِمْ) أَيْ مِنْ آخِرِهِمْ إلَى أَوَّلِهِمْ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ بِأَجْمَعِهِمْ، وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَآلِ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: أَيْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ كَمَا لَا يَخْفَى (فِي كُلِّ عَصْرٍ) فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَعَلَهُ، وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵄ فَعَلَا ذَلِكَ، وَالتَّابِعُونَ بَعْدَ
[ ٨ / ١٥٨ ]
وَوُجُوبُ الْجَوَابِ إذَا حَضَرَ لِيُفِيدَ حُضُورُهُ وَلُزُومُ إحْضَارِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ لِمَا قُلْنَا وَالْيَمِينِ إذَا أَنْكَرَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا لِيَصِيرَ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا) لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهِ وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ
الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ (وَوُجُوبُ الْجَوَابِ إذَا حَضَرَ) عَطْفٌ عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ: أَيْ وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ أَيْضًا وُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَعَمْ أَوْ بِلَا (لِيُفِيدَ حُضُورُهُ) أَيْ حُضُورَ الْخَصْمِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حُضُورِهِ الْجَوَابُ (وَلُزُومُ إحْضَارِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ) أَيْ وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ أَيْضًا لُزُومُ أَنْ يُحْضِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِيُشِيرَ إلَيْهَا بِالدَّعْوَى (وَالْيَمِينِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى إحْضَارِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ، فَالْمَعْنَى: وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ أَيْضًا لُزُومُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إذَا أَنْكَرَهُ) أَيْ إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ (وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ وَسَنَذْكُرُ لُزُومَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ
(قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ: أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْعَيْنُ الْمُدَّعَاةُ حَاضِرَةً فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ كَانَتْ غَائِبَةً لَا يَدْرِي مَكَانَهَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي قِيمَةَ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ الْغَائِبَةِ (لِيَصِيرَ الْمُدَّعِي مَعْلُومًا) فَتَصِحُّ الدَّعْوَى بِوُقُوعِهَا عَلَى مَعْلُومٍ (لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ) لِإِمْكَانِ مُشَارَكَةِ أَعْيَانٍ كَثِيرَةٍ فِيهِ، وَإِنْ بُولِغَ فِيهِ فَذَكَرَ الْوَصْفَ لَا يُفِيدُ (وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهِ) أَيْ وَالْقِيمَةُ شَيْءٌ تُعْرَفُ الْعَيْنُ بِهِ فَذِكْرُهَا يُفِيدُ (وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهِ: أَيْ وَالْقِيمَةُ شَيْءٌ تُعْرَفُ بِهِ: يَعْنِي وَالْحَالُ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ مُتَعَذِّرَةٌ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ إذْ ذَاكَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ الْإِعْلَامُ.
وَقَدْ جَعَلَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ
[ ٨ / ١٥٩ ]
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
الْجُمْلَةَ الْمَزْبُورَةَ حَالِيَّةً مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ فَعَلَيْك الِاخْتِبَارُ ثُمَّ الِاخْتِيَارُ (وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي فَخْرِ الدِّينِ وَصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ كَانَ الْعَيْنُ غَائِبًا وَادَّعَى أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ أَنْ بَيَّنَ الْمُدَّعِي قِيمَتَهُ وَصِفَتَهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْقِيمَةَ وَقَالَ غَصَبَ مِنِّي عَيْنَ كَذَا وَلَا أَدْرِي أَنَّهُ هَالِكٌ أَمْ قَائِمٌ وَلَا أَدْرِي كَمْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ مَالِهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بَيَانَ الْقِيمَةِ لَتَضَرَّرَ بِهِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ: إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكَلِّفَ الْمُدَّعِيَ بَيَانَ الْقِيمَةِ، وَإِذَا كَلَّفَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ مَالِهِ، فَلَوْ كَلَّفَهُ بَيَانَ الْقِيمَةِ فَقَدْ أَضَرَّ بِهِ، إذْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ بَيَانُ الْقِيمَةِ مِنْ الْمُدَّعِي سَقَطَ عَنْ الشُّهُودِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بَعْدَ نَقْلِ مَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي: فَإِذَا سَقَطَ بَيَانُ الْقِيمَةِ عَنْ الْمُدَّعِي سَقَطَ عَنْ الشُّهُودِ أَيْضًا، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُمْ أَبْعَدُ عَنْ مُمَارَسَتِهِ اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي الْكَافِي: أَقُولُ فَائِدَةُ صِحَّةِ الدَّعْوَى مَعَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ تَوَجُّهُ الْيَمِينِ عَلَى الْخَصْمِ إذَا أَنْكَرَ، وَالْجَبْرُ عَلَى الْبَيَانِ إذَا أَقَرَّ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّ كَلَامَ الْكَافِي لَا يَكُونُ كَافِيًا إلَّا بِهَذَا التَّحْقِيقِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَائِدَةِ جَارٍ فِي جَمِيعِ صُوَرِ دَعْوَى الْمَجْهُولِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا، فَيَقْتَضِي صِحَّةَ دَعْوَى الْمَجْهُولِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى كَوْنَ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ، وَأَنَّ رِوَايَةَ صِحَّةِ دَعْوَى الْعَيْنِ مَعَ جَهَالَةِ الْقِيمَةِ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ فَقَطْ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِهِ إنَّ مُجَرَّدَ جَرَيَانِ الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ دَعْوَى الْمَجْهُولِ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ دَعْوَى الْمَجْهُولِ مُطْلَقًا، بَلْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى مِنْ عِلَّةٍ مُقْتَضِيَةٍ لَهَا غَيْرِ فَائِدَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلَيْهَا، وَقَدْ بَيَّنُوا تَحَقُّقَ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى فِي صُورَةِ دَعْوَى الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ الْمَجْهُولَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ مَالِهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بَيَانَ الْقِيمَةِ لَتَضَرَّرَ بِهِ. وَبَقِيَ بَيَانُ الْفَائِدَةِ فِيهَا فَبَيَّنَهَا صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغَرَرِ، بِخِلَافِ سَائِرِ صُوَرِ دَعْوَى الْمَجْهُولِ إذْ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهَا عِلَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى فَلَا يُفِيدُ جَرَيَانَ الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا، وَلَكِنْ يَرِدُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا مِنْ صُوَرِ دَعْوَى الْمَجْهُولِ، كَمَا إذَا كَانَ لِمُوَرِّثِ رَجُلٍ دُيُونٌ فِي ذِمَمِ النَّاسْ وَلَمْ يَعْرِفْ الْوَارِثُ جِنْسَ تِلْكَ الدُّيُونِ وَلَا قَدْرَهَا أَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدَهُمَا، فَلَوْ كُلِّفَ ذَلِكَ الْوَارِثُ فِي دَعْوَى تِلْكَ الدُّيُونِ عَلَى الْمَدْيُونِ بِبَيَانِ جِنْسِهَا أَوْ قَدْرِهَا لَتَضَرَّرَ بِهِ، إذْ الْإِنْسَانُ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَالِ مُوَرِّثِهِ وَلَا جِنْسَهُ عِنْدَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَالِ فِي يَدِ مُوَرِّثِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْرِفَهُمَا عِنْدَ كَوْنِهِ فِي ذِمَمِ النَّاسِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ دَعْوَى مِثْلِ تِلْكَ الدُّيُونِ الْمَجْهُولَةِ مِثْلُ مَا قِيلَ فِي صِحَّةِ دَعْوَى الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ الْمَجْهُولَةِ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
ثُمَّ أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَإِذَا سَقَطَ بَيَانُ الْقِيمَةِ عَنْ الْمُدَّعِي سَقَطَ عَنْ الشُّهُودِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَنَّ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ تُسْمَعُ الدَّعْوَى مَعَ جَهَالَةِ قِيمَةِ الْمُدَّعَى وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ مَعَ جَهَالَةِ قِيمَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ هَذِهِ الدَّعْوَى وَقَبِلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَمْ يَحْكُمْ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الدَّعْوَى حَيْثُ
[ ٨ / ١٦٠ ]
قَالَ (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ)
قَالُوا: إنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى كَوْنَ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا، وَعَلَّلُوهُ بِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَضَاءِ بِالْمَجْهُولِ، لَا يُقَالُ: الْقَاضِي يُجْبِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَيَانِ قِيمَةِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمَا بَيَّنَ فَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْجَبْرُ عَلَيْهِ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ أَقَرَّ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْجَهَالَةِ، فَإِنَّ التَّجْهِيلَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ أَجْمَلَ مَا اعْتَرَفَ بِلُزُومِهِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ بَلْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ التَّجْهِيلُ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا فَلَا وَجْهَ لِإِجْبَارِهِ عَلَى الْبَيَانِ بِمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْفِقْهِ فَبَقِيَ الْإِشْكَالُ.
فَإِنْ قُلْت: الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بَلْ يَحْكُمُ بِرَدِّ تِلْكَ الْعَيْنِ نَفْسِهَا إلَى صَاحِبِهَا وَالْجَهَالَةُ فِي قِيمَةِ تِلْكَ الْعَيْنِ لَا فِي نَفْسِهَا فَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ.
قُلْت: قَدْ مَرَّ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْعَيْنَ إنَّمَا تُعْرَفُ بِالْقِيمَةِ لَا بِغَيْرِهَا فَالْجَهَالَةُ فِي قِيمَةِ الْعَيْنِ جَهَالَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَأَيْضًا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِرَدِّ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ إلَى صَاحِبِهَا فَعَجَزَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَنْ رَدِّهَا إلَى صَاحِبِهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ فَالْقَاضِي إنْ حَكَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِيمَةِ تِلْكَ الْعَيْنِ يَعُودُ الْإِشْكَالُ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا يُضَيِّعُ حَقَّ الْمُدَّعِي وَلَا يَظْهَرُ لِسَمَاعِ دَعْوَاهُ وَقَبُولِ بَيِّنَتِهِ فَائِدَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ عَلَى الْخَصْمِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ بَلْ يَحْبِسُهُ لِيَرُدَّ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ إلَى الْمُدَّعِي فَفَائِدَةُ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَقَبُولِ الْبَيِّنَةِ هِيَ الْحَبْسُ. قُلْنَا: إلَى مَتَى يَحْبِسُهُ، إنْ حَبَسَهُ أَبَدًا يَصِيرُ ظَالِمًا لَهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ عَجْزُهُ عَنْ رَدِّهَا إلَى الْمُدَّعِي بِأَنْ يَمْضِيَ عَلَى الْحَبْسِ مُدَّةٌ يَعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ لَوْ بَقِيَتْ الْعَيْنُ الْمُدَّعَاةُ لَأَظْهَرَهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، وَإِنْ حَبَسَهُ إلَى مُدَّةِ ظُهُورِ عَجْزِهِ عَنْ رَدِّهَا إلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْزِمَهُ الضَّمَانَ فَمِثْلُ ذَلِكَ لَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرْعِ عِنْدَ إثْبَاتِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَخْلُو الْمَقَامُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَنْ ضَرْبٍ مِنْ الْإِشْكَالِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ) أَيْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي حُدُودَهُ (وَذَكَرَ أَنَّهُ) أَيْ الْعَقَارَ (فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) أَيْ وَذَكَرَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يُطَالِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمُدَّعَى.
أَقُولُ: هَكَذَا وَقَعَ وَضْعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَامَّةِ مُعْتَبَرَاتِ الْمُتُونِ، وَلَكِنْ فِيهِ قُصُورٌ إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ ذِكْرَ حُدُودِ الْعَقَارِ كَافٍ فِي تَعْرِيفِهِ عِنْدَ الدَّعْوَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ قَدْ صَرَّحَ فِي مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى بَلْ فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا الدَّارُ وَمِنْ ذِكْرِ الْمَحَلَّةِ وَمِنْ ذِكْرِ السِّكَّةِ وَمِنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ. وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: تَصِحُّ الدَّعْوَى إذَا بَيَّنَ الْمِصْرَ وَالْمَحَلَّةَ وَالْمَوْضِعَ وَالْحُدُودَ. وَقِيلَ ذِكْرُ الْمَحَلَّةِ وَالسُّوقِ وَالسِّكَّةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَذِكْرُ الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ لَازِمٌ انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى أَيْضًا بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْبُدَاءَةِ، فَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْحَاكِمُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي شُرُوطِهِ: إذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا الدَّارُ، ثُمَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَلَّةِ، ثُمَّ مِنْ ذِكْرِ السِّكَّةِ، فَيَبْدَأُ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْكُورَةِ ثُمَّ بِالْمَحَلَّةِ اخْتِيَارًا لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَعَمِّ ثُمَّ يَنْزِلَ مِنْهُ إلَى الْأَخَصِّ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْبَغْدَادِيُّ: يَبْدَأُ بِالْأَخَصِّ ثُمَّ بِالْأَعَمِّ، فَيَقُولُ دَارٌ فِي سِكَّةِ كَذَا فِي مَحَلَّةِ كَذَا فِي كُورَةِ كَذَا
[ ٨ / ١٦١ ]
لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ فَيُصَارُ إلَى التَّجْدِيدِ فَإِنَّ الْعَقَارَ يُعْرَفُ بِهِ، وَيَذْكُرُ الْحُدُودَ الْأَرْبَعَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَدِّ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا يَكْتَفِي بِذِكْرِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةً مِنْ الْحُدُودِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا غَلِطَ فِي الرَّابِعَةِ لِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ بِهِ الْمُدَّعَى وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا، وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَفِي الْعَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي وَتَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بَلْ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ
وَقَاسَهُ عَلَى النَّسَبِ حَيْثُ يَقُولُ فُلَانٌ ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ فُلَانٍ ثُمَّ يَذْكُرُ الْجَدَّ. فَيَبْدَأُ بِمَا هُوَ الْأَقْرَبُ ثُمَّ يَتَرَقَّى إلَى الْأَبْعَدِ. قَالَ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفُصُولَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَحْسَنُ، لِأَنَّ الْعَامَّ يُعْرَفُ بِالْخَاصِّ وَلَا يُعْرَفُ الْخَاصُّ بِالْعَامِّ وَفَصْلُ النَّسَبِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَعَمَّ اسْمُهُ، فَإِنَّ جَعْفَرًا فِي الدُّنْيَا كَثِيرٌ، فَإِنْ عُرِفَ فِيهَا وَإِلَّا تَرَقَّى إلَى الْأَخَصِّ فَيَقُولُ ابْنُ مُحَمَّدٍ وَهَذَا أَخَصُّ، فَإِنْ عُرِفَ فِيهَا وَإِلَّا تَرَقَّى إلَى الْجَدِّ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الشُّرُوطِ فِي الْبُدَاءَةِ بِالْأَعَمِّ أَوْ بِالْأَخَصِّ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْخِيَارِ فِي الْبُدَاءَةِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ انْتَهَى. وَقَالَ عِمَادُ الدِّينِ فِي فُصُولِهِ: قُلْت اخْتِلَافَاتُ أَهْلِ الشُّرُوطِ أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنْ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ، أَوْ مِنْ الْأَخَصِّ إلَى الْأَعَمِّ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْبَيَانِ انْتَهَى.
فَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ كُلِّهِ أَنَّ ذِكْرَ الْحُدُودِ لَيْسَ بِكَافٍ فِي تَعْرِيفِ الْعَقَارِ، بَلْ لَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ ذِكْرِ الْبَلْدَةِ وَالْمَحَلَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا قُرِّرَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ لُزُومِ التَّحْدِيدِ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ (لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ) أَيْ نَقْلِ الْعَقَارِ (فَيُصَارُ إلَى التَّحْدِيدِ، فَإِنَّ الْعَقَارَ يُعْرَفُ بِهِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ تَعَذَّرَ النَّقْلِ لَا يَقْتَضِي تَعَذُّرَ التَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْضُرَ الْقَاضِي عِنْدَ الْعَقَارِ أَوْ يَبْعَثَ أَمِينَهُ إلَيْهِ فَيُشِيرَ الْمُدَّعَى إلَيْهِ فِي مَحْضَرِ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ بِعَيْنِ مَا قَالُوا فِي الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا كَالرَّحَى وَنَحْوِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَرَّ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ بِأَنَّ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُتَعَذَّرُ نَقْلُهَا نَادِرَةٌ فَالْتُزِمَ فِيهَا حُضُورُ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ عِنْدَهَا لِعَدَمِ تَأَدِّيهِ إلَى الْحَرَجِ، بِخِلَافِ الْعَقَارَاتِ فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ، فَلَوْ كُلِّفَ الْقَاضِي بِحُضُورِهِ عِنْدَهَا أَوْ بَعَثَ أَمِينَهُ إلَيْهَا لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ فَافْتَرَقَا (وَيَذْكُرُ الْحُدُودَ الْأَرْبَعَةَ وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَدِّ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّ ذِكْرَ الْأَبِ يَكْفِي (وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا) مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (يَكْتَفِي بِذِكْرِهِ) يَعْنِي لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ حِينَئِذٍ لِحُصُولِ التَّعْرِيفِ بِالِاسْمِ بِلَا ذِكْرِ النَّسَبِ. وَفِي الدَّارِ لَا بُدَّ مِنْ التَّحْدِيدِ وَإِنْ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الشُّهْرَةَ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ، وَلَهُ إنْ قَدَّرَهَا لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِالتَّحْدِيدِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةً مِنْ الْحُدُودِ يَكْتَفِي بِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ) دَلِيلٌ لَنَا: يَعْنِي أَنَّ إقَامَةَ الْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ فَنَعْمَلُ بِهِ هَاهُنَا أَيْضًا (بِخِلَافِ مَا إذَا غَلِطَ فِي الرَّابِعَةِ) أَيْ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ وَأَنَّثَهُ الْمُصَنِّفُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ يَعْنِي إذَا ذَكَرَ الْحُدُودَ الثَّلَاثَةَ وَسَكَتَ عَنْ الرَّابِعِ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ الْحَدَّ الرَّابِعَ أَيْضًا وَغَلِطَ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ (لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِهِ) أَيْ بِالْغَلَطِ (الْمُدَّعِي وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا) وَنَظِيرُ مَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَتَرَكَا ذِكْرَ الثَّمَنِ جَازَ، وَلَوْ غَلِطَا فِي الثَّمَنِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُ صَارَ عَقْدًا آخَرَ بِالْغَلَطِ، وَبِهَذَا الْفَرْقِ بَطَلَ قِيَاسُ زُفَرَ التَّرْكَ عَلَى الْغَلَطِ (وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ) فَيَجْرِي فِي الثَّانِيَةِ مَا يَجْرِي فِي الْأُولَى (وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ) أَيْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَذَكَرَ أَنَّهُ) يَعْنِي الْعَقَارَ (فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا) أَيْ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ (إذَا كَانَ فِي يَدِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى فِي يَدِهِ (وَفِي الْعَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي وَتَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ) أَيْ الْعَقَارَ (فِي يَدِهِ بَلْ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ) بِأَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ عَايَنُوا أَنَّ ذَلِكَ الْعَقَارَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ قَالُوا سَمِعْنَا إقْرَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، وَكَذَا الْحَالُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَدْ لَا يُفَرِّقُ الشُّهُودُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَهُمْ الْقَاضِي
[ ٨ / ١٦٢ ]
أَوْ عِلْمِ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ إذْ الْعَقَارُ عَسَاهُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا
أَعَنْ مُعَايَنَةٍ تَشْهَدُونَ أَمْ عَنْ سَمَاعٍ، كَذَا ذُكِرَ فِي مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى (أَوْ عِلْمِ الْقَاضِي) عَطْفٌ عَلَى الْبَيِّنَةِ أَيْ أَوْ بِعِلْمِ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ الْعَقَارَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ يَكْفِي تَصْدِيقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ، وَإِنَّمَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِي الْعَقَارِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ عِلْمِ الْقَاضِي عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ (نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ إذْ الْعَقَارُ عَسَاهُ) أَيْ لَعَلَّهُ (فِي يَدِ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُصَدِّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِيَ بِأَنَّ الْعَقَارَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيَحْكُمَ الْقَاضِي بِالْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَتَصَرَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْوَاقِعِ فِي يَدِ الثَّالِثِ فَكَانَ ذَلِكَ قَضَاءً بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْغَيْرِ، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى نَقْضِ الْقَضَاءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ أَنَّهُ فِي يَدِ الثَّالِثِ اهـ كَلَامُهُ.
وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ بِهَذَا الْمَعْنَى صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ثُمَّ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ ثُمَّ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: هَذَا خَبْطٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ لَا يَدَّعِي عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا بَلْ يُصَدِّقُ الْمُدَّعِي فِي قَوْلِهِ إنَّ الْعَقَارَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَصْدِيقَ الْآخَرِ لَيْسَ بِدَعْوَى عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ هُنَاكَ مِنْ الْقَاضِي الْحُكْمُ بِالْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الدَّعْوَى. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ إلَّا بِحُجَّةٍ مِنْ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ وَقَدْ انْتَفَتْ بِقِسْمَيْهَا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. أَمَّا انْتِفَاءُ الْبَيِّنَةِ فَلِأَنَّ الْمَفْرُوضَ أَنْ لَا تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِحَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا مِنْ الْمُدَّعِي بِالنِّسْبَةِ إلَى حَقِّ الْيَدِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، فَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْحُجَّةُ أَصْلًا لِثُبُوتِ الْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ مِنْ الْقَاضِي بِالْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُنَاكَ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ لِيَحْكُمَ الْقَاضِي بِالْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَخْ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا هُوَ أَنَّ الْعَقَارَ قَدْ يَكُونُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَهُمَا يَتَوَاضَعَانِ عَلَى أَنْ يُصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي أَنَّ ذَلِكَ الْعَقَارَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَقَارَ لَهُ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي بِكَوْنِهِ لَهُ فَيَصِيرُ هَذَا قَضَاءً لَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ الَّذِي كَانَ ذَلِكَ الْعَقَارُ فِي يَدِهِ فِي الْوَاقِعِ وَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى نَقْضِ الْقَضَاءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ فِي يَدِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلَقَدْ أَفْصَحَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ عَنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ الْخَصَّافُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّ فِي يَدِهِ الدَّارَ الَّتِي حَدُّهَا كَذَا وَبَيَّنَ حُدُودَهَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا يَقْبَلُ بَيِّنَتَهُ عَلَى الْمِلْكِ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ لِتَوَهُّمِ أَنَّهُمَا تَوَاضَعَا فِي مَحْدُودٍ فِي يَدِ ثَالِثٍ عَلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ أَحَدُهُمَا فَيَقُولَ الْآخَرُ بِأَنَّهَا فِي يَدِهِ وَيُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ وَالدَّارُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا
[ ٨ / ١٦٣ ]
بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ، وَبِالْمُطَالَبَةِ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي الْمَنْقُولِ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
قَضَاءٌ عَلَى الْمُسَخَّرِ اهـ (بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ) فَلَا مَجَالَ لِلْمُوَاضَعَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَقَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى تَقْدِيرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُطَالَبَةِ فَتَأَمَّلْ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فَكَانَ مَعْنَاهُ الْمُطَالَبُ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ إيرَادِهِ وَجَوَابِهِ سَاقِطٌ. أَمَّا سُقُوطُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي طَلَبِهِ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إلَى حَقِّهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ، بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ ضَمِيرُ حَقِّهِ وَهُوَ الْمُدَّعِي؛ فَالْمَعْنَى الْمُطَالَبَةُ حَقُّ الْمُدَّعِي فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُدَّعِي حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْقَاضِي إعَانَتُهُ فَلَا مُسَامَحَةَ أَصْلًا. وَأَمَّا سُقُوطُ الثَّانِي فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ مِنْ طَالَبَهُ بِكَذَا فَالْمُطَالَبُ الْمَفْعُولُ هَاهُنَا هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءُ هُوَ الْمُدَّعِي، فَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُطَالَبُ حَقُّ الْمُدَّعِي صَارَ الْمَعْنَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَلَا خَفَاءَ فِي فَسَادِهِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُدَّعَى أَيْضًا لَيْسَ بِحَقِّ الْمُدَّعِي أَلْبَتَّةَ، بَلْ إنْ ثَبَتَ دَعْوَى الْمُدَّعِي يَكُونُ الْمُدَّعَى حَقَّهُ وَإِلَّا فَلَا، فَفِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ مِنْ أَيْنَ ثَبَتَ أَنَّهُ حَقُّهُ حَتَّى يَتِمَّ أَنْ يُقَالَ هُوَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ حَقُّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ أَيْضًا عَلَى زَعْمِهِ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى تَقْدِيرِ قَيْدٍ عَلَى زَعْمِهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى جَعْلِ الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ شَأْنَ الْمُصَنِّفِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّعَسُّفِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْمُطَالَبَةُ اسْمَ مَفْعُولٍ وَالتَّأْنِيثُ بِتَأْوِيلِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا اهـ.
أَقُولُ: هَذَا بَعِيدٌ عَنْ الْحَقِّ، وَأَبْعَدُ مِمَّا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي جَوَابِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي سُقُوطِ جَوَابِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُقْتَضَاهُ التَّعْبِيرُ عَنْ كُلِّ مَطْلُوبٍ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَطْلُوبٍ مُذَكَّرٌ بِمُؤَنَّثٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا تَقْبَلُهُ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، بِخِلَافِ مَا قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ (وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ) أَيْ الْمُدَّعَى (مَرْهُونًا فِي يَدِهِ) أَيْ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ) فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ أَوْ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ (وَبِالْمُطَالَبَةِ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ) إذْ لَوْ كَانَ مَرْهُونًا أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ لَمَا طَالَبَ بِالِانْتِزَاعِ مِنْ ذِي الْيَدِ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ أَوْ الثَّمَنِ (وَعَنْ هَذَا) أَيْ بِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَالِ (قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (فِي الْمَنْقُولِ) أَيْ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ (يَجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي أَدَّعِيهِ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ
[ ٨ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إزَالَةً لِهَذَا الِاحْتِمَالِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ فِي تَيْنِكَ الصُّورَتَيْنِ بِحَقٍّ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرَ الْمُطَالَبَةَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ أَيْضًا فَقَدْ حَصَلَ زَوَالُ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ فِيهَا بِذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ، كَمَا فِي دَعْوَى الْعَقَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ زِيَادَةٌ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ، كَمَا لَا تَجِبُ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَ الْمُطَالَبَةَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ يَكُونُ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي وُجُوبِ ذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ وَدَعْوَى الدَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّ الْمُدَّعِي فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ مَنْقُوضًا بِصُورَةِ دَعْوَى الْمَنْقُولِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِنَوْعِ بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ وَتَحْقِيقٍ فِي الْمَقَامِ، وَهُوَ أَنَّ ذِكْرَ الْمُطَالَبَةِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ أَيْضًا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ وَفِي دَعْوَى الدَّيْنِ، لَكِنْ لَا يَجِبُ ذِكْرُهَا قَبْلَ إحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَنْقُولَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، بَلْ إنَّمَا يَجِبُ ذِكْرُهَا بَعْدَ إحْضَارِهِ إلَيْهِ لِأَنَّ إعْلَامَ الْمُدَّعِي بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ، وَذَلِكَ فِي الْمَنْقُولِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِشَارَةِ كَمَا مَرَّ، فَمَا لَمْ يُحْضِرْ الْمَنْقُولَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي لَمْ تَحْصُلْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَمَا لَمْ يَحْصُلْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ لَمْ يَصِرْ مَعْلُومًا بِمَا يَجِبُ إعْلَامُهُ بِهِ، وَمَا لَمْ يَصِرْ مَعْلُومًا بِهَذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ، يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَيَأْتِي، لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ حَيْثُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ مَا بَقِيَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَمَامُ الدَّعْوَى لَمْ يَجِبْ ذِكْرُ الْمُطَالَبَةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ إحْضَارَ الْمَنْقُولِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَمَامُ الدَّعْوَى، فَلَمْ يَجِبْ قَبْلَهُ عَلَى الْمُدَّعِي ذِكْرُ الْمُطَالَبَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ قَبْلَهُ عَلَيْهِ ذِكْرُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ أَنْ يَقُولَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ إزَالَةً لِلِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إحْضَارُ الْمُدَّعَى الْمَنْقُولِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَيَصِحُّ لِلْقَاضِي تَكْلِيفُهُ بِإِحْضَارِهِ إلَيْهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى زِيَادَةِ قَيْدِ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ لِأَجْلِ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إحْضَارُ الْمُدَّعَى إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَوُجُوبُ إحْضَارِ الْمُدَّعَى إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي مُخْتَصٌّ بِدَعْوَى الْمَنْقُولِ كَمَا مَرَّ فِي الْكِتَابِ فَوَجَبَ زِيَادَةُ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ دُونَ غَيْرِهَا. ثُمَّ لَمَّا زِيدَ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ قَبْلَ إحْضَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعَى إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَزَالَ الِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ بِهِ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ فِيهَا بَعْدَ إحْضَارِهِ
[ ٨ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَيْهِ إلَّا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ كَمَا هِيَ الْعِلَّةُ فَقَطْ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْعَقَارِ فَإِنَّ لِذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ فِيهَا عِلَّتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَبِهَذَا الْبَسْطِ وَالتَّحْقِيقِ تَبَيَّنَ انْدِفَاعُ اعْتِرَاضِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْقَوْمِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ لِلْوِقَايَةِ: أَقُولُ هَذِهِ الْعِلَّةُ تَشْمَلُ الْعَقَارَ أَيْضًا، فَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ الْمَنْقُولِ بِهَذَا الْحُكْمِ اهـ.
ثُمَّ إنَّ هَاهُنَا كَلِمَاتٍ أُخْرَى لِلْفُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَلَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْقُلَهَا وَنَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا. فَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ أَجَابَ عَنْ اعْتِرَاضِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: إنَّ دِرَايَةَ وَجْهِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ مُسَلَّمَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ دَعْوَى الْأَعْيَانِ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى ذِي الْيَدِ، كَمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الشُّبْهَةَ مُعْتَبَرَةٌ يَجِبُ دَفْعُهَا لَا شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ، كَمَا قَالُوا إنَّ شُبْهَةَ الرِّبَا مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ لَا شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ. إذَا عَرَفْتهمَا فَاعْلَمْ أَنَّ فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى الْعَقَارِ شُبْهَةً لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُشَاهَدٍ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّهُ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ فَوَجَبَ دَفْعُهَا فِي دَعْوَى الْعَقَارِ بِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ لِتَصِحَّ الدَّعْوَى، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ يَكُونُ احْتِمَالُ كَوْنِ الْيَدِ لِغَيْرِ الْمَالِكِ بِحَقِّ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ.
وَأَمَّا الْيَدُ فِي الْمَنْقُولِ فَلِكَوْنِهِ مُشَاهَدًا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ لَكِنْ فِيهِ شُبْهَةُ كَوْنِ الْيَدِ لِغَيْرِ الْمَالِكِ فَوَجَبَ دَفْعُهَا لِتَصِحَّ الدَّعْوَى اهـ. وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْجَوَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَالشُّرُوحِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُطَالَبَةِ فِي الْعَقَارِ أَيْضًا لِيَزُولَ احْتِمَالُ كَوْنِهِ مَرْهُونًا أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ، وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ وَأَوْجَبُوا دَفْعَهُ فِي الْعَقَارِ أَيْضًا، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي لَمْ يَعْتَبِرُوهَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَدَبِّرِ فَتَدَبَّرْ اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَإِنْ أَرَدْت تَحْقِيقَ الْمَقَامِ وَتَلْخِيصَ الْكَلَامِ، فَاسْتَمِعْ لِمَا يُتْلَى عَلَيْك مُسْتَعِينًا بِالْمَلِكِ الْعَلَّامِ، وَمُسْتَمِدًّا مِنْ وَلِيِّ الْفَيْضِ وَالْإِلْهَامِ، فَأَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ فِي الْعَقَارِ شُبْهَةً فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ شُبْهَةً فِي كَوْنِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ أَقَاوِيلَهُمْ، وَأَنَّ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ إلَّا إذَا انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ فَإِنَّ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ حِينَئِذٍ تَكُونُ مُعْتَبَرَةً؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ غَائِبَةٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ هُوَ شُبْهَةُ دَعْوَى النِّكَاحِ إذَا حَضَرَتْ ثُمَّ شُبْهَةُ صِدْقِهَا فِي تِلْكَ الدَّعْوَى فَلَا تُعْتَبَرُ لِكَوْنِهَا شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ.
وَأَمَّا إذَا حَضَرَتْ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَادَّعَتْ النِّكَاحَ لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ اعْتِبَارًا لِشُبْهَةِ الصِّدْقِ. إذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ فَنَقُولُ: لَوْ أَتَى مُدَّعِي الْعَقَارِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَقَالَ هُوَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ قَرَعَ سَمْعَك مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي كَلَامٍ مُثْبَتٍ أَوْ مَنْفِيٍّ تَقْيِيدٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَمَنَاطُ الْإِفَادَةِ هُوَ ذَلِكَ الْقَيْدُ يَلْزَمُ عَكْسُ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الِاهْتِمَامُ بِدَفْعِ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ مَعَ بَقَاءِ الشُّبْهَةِ بِحَالِهَا، فَأَحَالُوا دَفْعَهَا إلَى كَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَأَخِّرٍ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ عَنْ ثُبُوتِ الْيَدِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُدَّعِي أُطَالِبُهُ فَإِنَّ فِي تِلْكَ الرُّتْبَةِ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ بِطَرِيقِهَا وَبَقِيَتْ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ شُبْهَةً مُعْتَبَرَةً بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَأَوْجَبُوا تِلْكَ الزِّيَادَةِ لِتَنْدَفِعَ بِهَا شُبْهَةُ كَوْنِ الْيَدِ بِحَقٍّ. أَوْ نَقُولُ: لَوْ زَادَ الْمُدَّعِي قَوْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ، وَلَمْ يَنْدَفِعْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، شُبْهَةُ كَوْنِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ يَلْزَمُ اعْتِبَارُ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَالْمُطَالَبَةُ مُتَأَخِّرَةٌ مَرْتَبَةً عَنْ ثُبُوتِ الْيَدِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْدِفَاعِهَا بِهِ مَحْذُورٌ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ كَوْنِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَاغْتَنِمْ هَذَا فَإِنَّهُ هُوَ الْكَلَامُ الْفَصْلُ وَالْقَوْلُ الْجَزْلُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي الْمَنْقُولِ كَالْمُطَالَبَةِ فِي الدُّيُونِ لَيْسَ لِدَفْعِ الِاحْتِمَالِ بَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْعَقَارِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَأَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْفَاضِلُ هَاهُنَا وَسَمَّاهُ بِالتَّحْقِيقِ مِمَّا لَا يُجْدِي طَائِلًا وَمَا هُوَ بِذَلِكَ التَّلْقِيبِ بِحَقِيقٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ خُلَاصَةَ كَلَامِهِ هِيَ أَنَّ مُدَّعِي الْعَقَارِ لَوْ أَتَى بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ وَجَعَلَهَا قَيْدًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَقَصَدَ بِهَا دَفْعَ شُبْهَةِ كَوْنِ الْيَدِ بِحَقٍّ لَزِمَ اعْتِبَارُ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَالِاهْتِمَامُ بِدَفْعِهَا مَعَ بَقَاءِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ شُبْهَةُ كَوْنِهِ فِي يَدِ الْغَيْرِ بِحَالِهَا إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْيَدِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ قَبْلُ انْدِفَاعِ الشُّبْهَةِ، فَأَحَالُوا دَفْعَ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ إلَى كَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَأَخِّرٍ فِي الرُّتْبَةِ عَنْ ثُبُوتِ الْيَدِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُدَّعِي أُطَالِبُهُ، فَإِنَّ فِي تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ وَبَقِيَتْ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ مُعْتَبَرَةً، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ فِيهِ مُشَاهَدٌ فَلَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ كَوْنِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَأَوْجَبُوا
[ ٨ / ١٦٦ ]
قَالَ (وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذُكِرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْوَصْفِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا) لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ (فَإِنْ اعْتَرَفَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا)
تِلْكَ الزِّيَادَةَ لِيَنْدَفِعَ بِهَا شُبْهَةُ كَوْنِ الْيَدِ بِحَقٍّ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهَا أَنْ لَا يَصِحَّ الْإِتْيَانُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ قَيْدًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي صِحَّةَ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى أَنْ تُجْعَلَ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِأَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي إنَّهُ فِي يَدِهِ وَإِنَّ يَدَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ حِينَئِذٍ تَصِيرُ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا كَمَا تَرَى وَتَصِيرُ مُتَأَخِّرًا فِي الرُّتْبَةِ عَنْ ثُبُوتِ الْيَدِ كَقَوْلِهِ أُطَالِبُهُ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ حَقَّ ذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْيَدِ، كَذَلِكَ حَقُّ ذِكْرِ أَنَّ يَدَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، إذْ قَبْلَ ثُبُوتِ الْيَدِ كَمَا لَا فَائِدَةَ فِي الْمُطَالَبَةِ لَا فَائِدَةَ أَيْضًا فِي بَيَانِ أَنَّ يَدَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ عَدَمِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ مُطْلَقًا فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ.
وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ مَا ذَكَرَهُ وَجْهٌ لَفْظِيٌّ مَخْصُوصٌ بِصُورَةِ كَوْنِ الزِّيَادَةِ قَيْدًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ لَا وَجْهٌ فِقْهِيٌّ عَامٌّ لِجَمِيعِ صُوَرِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ قَطْعًا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي الْمَقَامِ بِأَنَّ شُبْهَةَ كَوْنِ الْيَدِ بِحَقٍّ تَنْدَفِعُ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ أَيْضًا بِالْمُطَالَبَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي دَعْوَى الْمَنْقُولِ كَمَا تُتْرَكُ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ، وَلَا يَنْحَلُّ هَذَا الْإِشْكَالُ بِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي الْمَنْقُولِ كَالْمُطَالَبَةِ فِي الدُّيُونِ لَيْسَ لِدَفْعِ الِاحْتِمَالِ بَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْعَقَارِ انْتَهَى؛ لِأَنَّ دَفْعَ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ يَحْصُلُ قَطْعًا مِنْ ذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ فِي الْمَنْقُولِ أَيْضًا فَلَا يُدْفَعُ: أَيْ لَا يُقْصَدُ بِهَا دَفْعُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ فِي الْمَنْقُولِ اسْتِدْرَاكُ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ. وَأَمَّا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّحْقِيقِ فَيَنْدَفِعُ بِهِ هَذَا الْإِشْكَالُ كَمَا يَنْدَفِعُ بِهِ اعْتِرَاضُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ كَمَا تَحَقَّقْته مِنْ قَبْلُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هُدَانَا اللَّهُ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى حَقًّا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ: يَعْنِي إنْ كَانَ دَيْنًا لَا عَيْنًا (ذُكِرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) يَعْنِي ذُكِرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْنِ عَلَى مَا فَصَّلَ فِيمَا مَرَّ (لِمَا قُلْنَا) تَعْلِيلٌ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ فِيهِ وَإِشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ (وَهَذَا) أَيْ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِذِكْرِ الْمُطَالَبَةِ (لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ) أَيْ تَعْرِيفِ مَا فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ الدَّيْنُ (بِالْوَصْفِ) أَيْ بِالصِّفَةِ؛ فَالْمَعْنَى: لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْوَصْفِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ عَلَى مَا عُرِفَ فِيمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ، وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ (لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ) أَيْ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ: أَيْ الصِّفَةِ، بِأَنْ يُقَالَ إنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ وَسَطٌ أَوْ رَدِيءٌ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهُ وَقَدْرَهُ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الصِّفَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا وَزْنِيًّا إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ.
أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ وَمُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْوَصْفِ هَاهُنَا مَعْنَى الصِّفَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ حَيْثُ مَعْنَى الْمَقَامِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِهِ مَعْنَى الْبَيَانِ، فَالْمَعْنَى: لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ مَا فِي الذِّمَّةِ أَيْضًا بِالْبَيَانِ: أَيْ بِبَيَانِ مَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ مُطْلَقًا، وَمِنْ نَوْعِهِ وَصِفَتِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى مَا فَصَّلَ فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَفُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ. وَبِالْجُمْلَةِ لَا بُدَّ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْإِعْلَامِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ بِهِ التَّعْرِيفُ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى) أَيْ وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى بِشُرُوطِهَا (سَأَلَ) أَيْ الْقَاضِي (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الدَّعْوَى (لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ) أَيْ لِيَنْكَشِفَ لِلْقَاضِي وَجْهُ الْحُكْمِ: أَيْ طَرِيقُهُ إنْ ثَبَتَ حَقُّ الْمُدَّعِي فَإِنَّ الْحُكْمَ مِنْهُ يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْبَيِّنَةُ وَالْإِقْرَارُ وَالنُّكُولُ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَرِيقٌ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقَضَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيَنْكَشِفَ لَهُ طَرِيقُ حُكْمِهِ (فَإِنْ اعْتَرَفَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا) أَيْ فَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى بِمَعْنَى الْمُدَّعَى
[ ٨ / ١٦٧ ]
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ فَيَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ (وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊ " أَلَك بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ " سَأَلَ وَرَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى فَقْدِ الْبَيِّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِحْلَافُ
. قَالَ (فَإِنْ أَحْضَرَهَا قُضِيَ بِهَا) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهَا (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ) اسْتَحْلَفَهُ (عَلَيْهَا) لِمَا رَوَيْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ كَيْفَ أُضِيفَ إلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ.
أَوْ بِمُوجِبِ الدَّعْوَى.
ثُمَّ إنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْقَضَاءِ هَاهُنَا تَوَسُّعٌ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ، فَكَانَ الْحُكْمُ مِنْ الْقَاضِي إلْزَامًا لِلْخُرُوجِ عَنْ مُوجِبِ مَا أَقَرَّ بِهِ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَصِيرُ حُجَّةً بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَقَدْ جَعَلَهَا الْقَاضِي حُجَّةً بِالْقَضَاءِ بِهَا وَأَسْقَطَ جَانِبَ احْتِمَالِ الْكَذِبِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِهَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ فَيَأْمُرُهُ) أَيْ يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِالْخُرُوجِ عَنْهُ) أَيْ عَمَّا يُوجِبُهُ الْإِقْرَارُ (وَإِنْ أَنْكَرَ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (سَأَلَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ) أَيْ طَلَبَ الْقَاضِي مِنْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ (لِقَوْلِهِ ﵊) أَيْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊ لِلْمُدَّعِي (أَلَك الْبَيِّنَةُ؟ فَقَالَ لَا) أَيْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي (فَقَالَ) أَيْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَك يَمِينُهُ) أَيْ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (سَأَلَ) أَيْ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُدَّعِيَ عَنْ الْبَيِّنَةِ (وَرَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى فَقْدِ الْبَيِّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ) أَيْ فَلَا بُدَّ لِلْقَاضِي مِنْ السُّؤَالِ عَنْ الْبَيِّنَةِ (لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِحْلَافُ) أَيْ لِيُمْكِنَ الْقَاضِيَ اسْتِحْلَافُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ فَقْدِ الْبَيِّنَةِ
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (فَإِنْ أَحْضَرَهَا) أَيْ فَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ (قَضَى بِهَا) أَيْ قَضَى الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ (لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الدَّعْوَى لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذِبِ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ: أَيْ الْبَيِّنَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ الْبَيَانِ لِأَنَّهَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ يَظْهَرُ بِهَا الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَقِيلَ فَيْعَلَةٌ مِنْ الْبَيْنِ إذْ بِهَا يَقَعُ الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ كَذَا فِي الْكَافِي (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ وَإِنْ عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إحْضَارِ الْبَيِّنَةِ (وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ) وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهَا) أَيْ اسْتَحْلَفَ الْقَاضِي خَصْمَهُ عَلَى دَعْوَاهُ (لِمَا رَأَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَك يَمِينُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا (وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ) أَيْ مِنْ طَلَبِ الْمُدَّعِي اسْتِحْلَافَ خَصْمِهِ (لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُدَّعِي (أَلَا يَرَى أَنَّهُ كَيْفَ أُضِيفَ إلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ) أَيْ كَيْفَ أُضِيفَ الْيَمِينُ إلَى الْمُدَّعِي بِحَرْفِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَك يَمِينُهُ» وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاخْتِصَاصِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أُضِيفَ بِتَذْكِيرِ الْفِعْلِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْنَدًا إلَى ضَمِيرِ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ مُؤَنَّثٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقَسَمِ أَوْ الْحَلِفِ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَالْفِقْهُ فِيهِ: أَيْ فِي كَوْنِ الْيَمِينِ حَقَّ الْمُدَّعِي أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتْوَى حَقَّهُ بِإِنْكَارِهِ فَشُرِعَ الِاسْتِحْلَافُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ يَكُونُ إتْوَاءً بِمُقَابَلَةِ إتْوَاءً، فَإِنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ
[ ٨ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَلَّا يَنَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الثَّوَابَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ صَادِقًا، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ بِوَجْهٍ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِي الْكَافِي: ثُمَّ إنَّمَا رَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى الْبَيِّنَةِ لَا عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ اسْتِحْقَاقَ الْمُدَّعِي لِلْمُدَّعَى لِأَنَّ فِيهِ إسَاءَةَ الظَّنِّ بِالْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَوَجَبَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي لِإِثْبَاتِ اسْتِحْقَاقِهِ بِهَا، فَيُطَالِبُهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّذْكِيرِ لَهُ، فَلَوْ قَدَّمْنَا الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ الْيَمِينِ، فَلَوْ حَلَّفْنَاهُ أَوَّلًا ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ افْتَضَحَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَبَيَّنَ وَجْهَ النَّظَرِ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ لَوْ وَرَدَ بِتَقْدِيمِ الْيَمِينِ لَمَا كَانَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ مَشْرُوعَةً، كَمَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ الْيَمِينَ بَعْدَهَا لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ اهـ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ لَمَّا كَانَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ مَشْرُوعَةً فِيهِ بَحْثٌ، بَلْ تَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ الْبَيِّنَةِ إذَا عَجَزَ عَنْ الْيَمِينِ بِأَنْ نَكَلَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: بَحْثُهُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ لَمَّا كَانَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْيَمِينِ وَصُدُورِهِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَشْرُوعَةً يُرْشِدُ إلَيْهِ قَطْعًا قَوْلُهُ كَمَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ الْيَمِينَ بَعْدَهَا لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَمُرَادُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ إذْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ الْيَمِينِ مَشْرُوعِيَّةَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْيَمِينِ وَصُدُورِهِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ افْتِضَاحَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَاحْتِمَالُ كَوْنِ مَشْرُوعِيَّةِ الْبَيِّنَةِ إذَا عَجَزَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ بِأَنْ نَكَلَ لَا يُفِيدُ فِي دَفْعِ نَظَرِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَمَّا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، عَلَى أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ النُّكُولَ عَنْ الْيَمِينِ لَيْسَ بِعَجْزٍ عَنْهَا، إذْ هُوَ حَالَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي، بِخِلَافِ الْعَجْزِ عَنْ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ نَظَرٌ آخَرُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ، وَهُوَ مَشْرُوعِيَّةُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ افْتِضَاحُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ مَحْذُورًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ تَسْتَلْزِمُ الِافْتِضَاحَ الْمَزْبُورَ، وَمَشْرُوعِيَّةُ إقَامَتِهَا بَعْدَ الْيَمِينِ تَقْتَضِي حُسْنَهَا، فَإِنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَنَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا يَسْتَلْزِمُ الْحُسْنَ الشَّرْعِيَّ فَهُوَ حُسْنٌ شَرْعِيُّ أَيْضًا فَلَا يَصِيرُ الِافْتِضَاحُ الْمَزْبُورُ مَحْذُورًا شَرْعِيًّا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فَتَأَمَّلْ.
[ ٨ / ١٦٩ ]