الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ
جُمْلَتِهَا إقْرَارُ الصَّبِيِّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يُجْدِي هَذَا شَيْئًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ مِنْهُ أَنْ يُمَلِّكَ الْوَلِيُّ الْإِذْنَ لِلصَّبِيِّ بِالْإِقْرَارِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ تَمَلُّكَ الصَّبِيِّ الْإِقْرَارَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وِلَايَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ مِنْ الْوَلِيِّ إلَى الصَّبِيِّ، وَالْوِلَايَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ فَرْعُ الْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ وَالْوَلِيُّ لَا يَمْلِكُ نَفْسَ الْإِقْرَارِ عَلَى الصَّبِيِّ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ قَائِمَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِ الْإِقْرَارِ عَلَى الصَّبِيِّ فَكَيْفَ تَتَعَدَّى مِنْهُ الْوِلَايَةُ إلَى الصَّبِيِّ فِي حَقِّ ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ أَنْ يَمْلِكَ الْوَلِيُّ الْإِذْنَ بِالتِّجَارَةِ وَتَوَابِعِهَا فِي أَثْنَاءِ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ يَصِيرُ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ. ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ الصَّوَابَ فِي الْجَوَابِ مَنْعُ كَوْنِ وِلَايَةِ الصَّبِيِّ وِلَايَةً مُتَعَدِّيَةً، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الصَّبِيَّ يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّتِهِ وَالصِّبَا لَيْسَ سَبَبَ الْحَجْرِ لِذَاتِهِ بَلْ لِعَدَمِ هِدَايَتِهِ، وَإِذْنُ الْوَلِيِّ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى زَوَالِ ذَلِكَ الْمَانِعِ كَمَا كَانَ الْبُلُوغُ دَلِيلًا عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَكْتَسِبُ الْوِلَايَةَ مِنْ إذْنِهِ، إلَّا أَنَّ الصِّبَا لَمَّا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَرْحَمَةِ بِالْحَدِيثِ لَمْ يُؤَهَّلْ الصَّبِيُّ أَصْلًا لِمَا هُوَ ضَارٌّ مَحْضٌ وَأُهِّلَ لِمَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ قَبْلَ الْإِذْنِ وَبَعْدَهُ، وَأُهِّلَ لِمَا هُوَ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ بَعْدَ الْإِذْنِ فَقَطْ، وَالْإِقْرَارُ لَمَّا كَانَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ دَارَ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، إذْ مَنْ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ يَحْتَرِزُ النَّاسُ عَنْ مُعَامَلَتِهِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ فَأُهِّلَ الصَّبِيُّ لَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَلَيْهِ ذَاتِيَّةً لَا مُتَعَدِّيَةً مِنْ الْوَلِيِّ، فَتَبَصَّرْ فَإِنَّ هَذَا تَوْجِيهٌ حَسَنٌ وَجَوَابٌ شَافٍ تَنْحَسِمُ بِهِ مَادَّةُ الْإِشْكَالِ بِالْكُلِّيَّةِ.
(كِتَابُ الْغَصْبِ)
إيرَادُ الْغَصْبِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْغَصْبَ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ مَآلًا حَتَّى أَنَّ إقْرَارَ الْمَأْذُونِ لَمَّا صَحَّ بِدُيُونِ التِّجَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا صَحَّ بِدَيْنِ الْغَصْبِ، وَلَمْ يَصِحَّ بِدِينِ الْمَهْرِ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ مِنْ التِّجَارَةِ دُونَ الثَّانِي فَكَانَ ذِكْرُ النَّوْعِ بَعْدَ
[ ٩ / ٣١٥ ]
وَفِي الشَّرِيعَةِ: أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَهُ.
ذِكْرِ الْجِنْسِ مُنَاسِبًا. وَالثَّانِي أَنَّ الْمَغْصُوبَ مَا دَامَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا يَكُونُ الْغَاصِبُ مَالِكًا لِرَقَبَتِهِ فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِرَقَبَةِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَإِنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، فَذَكَر أَحَدَ الْمُتَجَانِسَيْنِ مُتَّصِلًا بِالْآخَرِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْغَصْبُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ كَوْنَ الْغَصْبِ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ مَآلًا إنَّمَا يُفِيدُ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْغَصْبِ وَبَيْنَ جِنْسِ التِّجَارَةِ لَا بَيْنَ الْغَصْبِ وَبَيْنَ الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ نَفْسَهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ التِّجَارَةِ قَطُّ بَلْ هُوَ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عِنْدَنَا عَلَى مَا مَرَّ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْمَأْذُونِ، وَالْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ مَسَائِلُ نَفْسِ الْإِذْنِ لَا مَسَائِلُ جِنْسِ التِّجَارَةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. وَالثَّانِي أَنَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِ النَّوْعِ بَعْدَ ذِكْرِ الْجِنْسِ مُتَحَقِّقَةً فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ أَيْضًا فَيَنْتَقِضُ ذَاكَ الْوَجْهُ بِهَا طَرْدًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِنَوْعِ عِنَايَةٍ: أَمَّا عَنْ الْأَوَّلِ فَبِأَنْ يُقَالُ: إنَّ الْإِذْنَ نَفْسَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ التِّجَارَةِ إلَّا أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجِنْسِ التِّجَارَةِ وَمَخْصُوصٌ بِهِ فَكَانَ لِلْغَصْبِ مُنَاسَبَةٌ لِلْإِذْنِ نَفْسِهِ أَيْضًا بِوَاسِطَةِ تَعَلُّقِهِ بِجِنْسِ التِّجَارَةِ.
وَأَمَّا عَنْ الثَّانِي فَبِأَنْ يَدَّعِيَ عَدَمَ لُزُومِ الِاطِّرَادِ فِي وُجُوهِ الْمُنَاسِبَاتِ بَيْنَ كُتُبِ هَذَا الْفَنِّ. وَيُقَالُ: إنَّ هَاتِيك الْوُجُوهِ مُصَحِّحَاتٌ لَا مُرَجِّحَاتٌ أَلْبَتَّةَ فَلَا ضَيْرَ فِي تَحَقُّقِهَا فِي غَيْرِ مَا سَبَقَتْ لَهُ أَيْضًا. ثُمَّ إنَّ الْأَظْهَرَ فِي وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ عِنْدِي أَنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ بِالْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ وَالْغَاصِبَ يَتَصَرَّفُ لَا بِإِذْنٍ شَرْعِيٍّ فَكَانَ بَيْنُهُمَا مُنَاسَبَةُ الْمُقَابَلَةِ، إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ كِتَابَ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَالْغَصْبُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَاسِنَ الْغَصْبِ مِنْ حَيْثُ الْأَحْكَامِ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِقْدَامِ كَمَا فِي الْجِنَايَاتِ وَالدِّيَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ بَيَانِ كِتَابِ الْغَصْبِ هُوَ بَيَانُ حُكْمِهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغَصْبِ شَيْءٌ مِنْ الْإِبَاحَةِ فَضْلًا عَنْ الْحُسْنِ وَالطَّاعَةِ بَلْ هُوَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ وَظُلْمٌ صِرْفٌ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ وَفِي الشَّرِيعَةِ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَهُ) أَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُزَادَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ قَيْدَانِ: أَحَدُهُمَا قَيْدُ أَوْ يُقْصِرَ يَدَهُ بِأَنْ يُقَالَ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَهُ أَوْ يُقْصِرَ يَدَهُ لِئَلَّا يَخْرُجُ عَلَى تَعْرِيفِ الْغَصْبِ فِي الشَّرْعِ مَا أَخَذَهُ الْغَاصِبُ مِنْ يَدِ غَيْرِ الْمَالِكِ، كَمَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ مِنْ يَدِ الْمُودَعِ فَإِنَّ الْغَاصِبَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَإِنْ لَمْ يُزِلْ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ فِي يَدِهِ وَقْتَ الْغَصْبِ وَإِزَالَةِ فَرْعِ تَحَقُّقِهَا إلَّا أَنَّهُ قَصَّرَ يَدَهُ عَنْ مَالِهِ فِي هَاتِيك الصُّوَرِ أَيْضًا.
وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ: الْغَصْبُ شَرْعًا أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَ الْمَالِكِ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ، أَوْ يُقْصِرُ يَدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ اهـ. وَهَكَذَا قَالَ فِي الْكَافِي أَيْضًا، وَثَانِيهِمَا قَيْدٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهَرَةِ كَمَا وَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي تَعْرِيفِ الْغَصْبِ شَرِيعَةُ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ الِامْتِيَازَ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ كَانَ الْغَصْبُ
[ ٩ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَى سَبِيلِ الْجِهَارِ وَالسَّرِقَةُ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ وَالِاسْتِسْرَارِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ لِتَعْرِيفِ الْغَصْبِ شَرِيعَةً فِي الْكِتَابِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ قَدْ تَنَبَّهَ لِلُّزُومِ زِيَادَةِ الْقَيْدِ الثَّانِي عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ لَتَخْرُجَ السَّرِقَةُ اهـ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ يَصْدُقُ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ عَلَى السَّرِقَةِ؟ قُلْت: نَعَمْ، إلَّا أَنَّ فِي السَّرِقَةِ خُصُوصِيَّةً بِهَا كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْحَدِّ فَدَخَلَ مَسَائِلَهَا بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ فِي الْحُدُودِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي دُخُولَهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا فِي الْغَصْبِ كَالشِّرَاءِ مِنْ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّهُ غَصْبٌ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْفُضُولِيِّ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ بِهَا صَارَتْ مِنْ مَسَائِلِهَا، وَمَنْ ذَهَبَ عَلَيْهِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ تَصَدَّى لِإِخْرَاجِهَا عَلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْهُ بَعْضُ أَفْرَادِ الْغَصْبِ كَأَخْذِ مَالٍ غَيْرِ مُحَرَّزٍ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ السَّرِقَةَ بِخُصُوصِيَّتِهَا الَّتِي كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْحَدِّ دَاخِلَةٌ فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ، إذْ لَا مَنْعَ لِشَيْءٍ مِنْ خُصُوصِيَّتِهَا عَنْ صِدْقِ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْنَةٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ خُصُوصِيَّتُهَا مَانِعَةً عِنْدَ صِدْقِ تَعْرِيفِ الْغَصْبِ عَلَيْهَا لَوْ زِيدَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ قَيْدٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهَرَةِ أَوْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ، فَإِنَّ مِنْ خُصُوصِيَّتِهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَيْدَ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهَرَةِ أَوْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ يُنَافِي الصِّدْقَ عَلَى مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ، فَإِذَا كَانَتْ السَّرِقَةُ بِخُصُوصِيَّتِهَا الَّتِي كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْحَدِّ دَاخِلَةً فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ حَدًّا لِلْغَصْبِ فِي الشَّرْعِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ بِخُصُوصِيَّتِهَا غَصْبًا شَرْعِيًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَا مَحَالَةَ لِلْقَطْعِ بِتَخَالُفِ حُكْمَيْ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ فِي الشَّرْعِ فَلَغَا قَوْلُهُ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي دُخُولَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِمَا بِالْغَصْبِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ كَالشِّرَاءِ مِنْ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّهُ غَصْبٌ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْفُضُولِيِّ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الشِّرَاءِ مِنْ الْفُضُولِيِّ لَيْسَ بِغَصْبٍ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَصِيرُ غَصْبًا أَخْذُ الْمُشْتَرِي مِنْ يَدِ الْفُضُولِيِّ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَهُوَ لَيْسَ بِبَيْعٍ جَزْمًا وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهِ نَفْسُ الشِّرَاءِ مِنْ الْفُضُولِيِّ فَلَا صِحَّةَ فِي التَّمْثِيلِ وَلَا فِي التَّعْلِيلِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ كَأَخْذِ مَالٍ غَيْرِ مُحَرَّزٍ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُخْرِجُ عَنْهُ بَعْضَ أَفْرَادِ الْغَصْبِ كَأَخْذِ مَالٍ غَيْرِ مُحَرَّزٍ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ غَيْرَ مُحَرَّزً كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَخْذُهُ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ، فَإِنَّ عَدَمَ الْإِحْرَازِ يُنَافِي الِاخْتِفَاءَ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي فَصْلِ الْحِرْزِ وَالْأَخْذِ مِنْهُ مِنْ كِتَابِ السَّرِقَةِ: الْحِرْزُ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِسْرَارَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ اهـ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ غَيَّرَ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ: بِلَا إذْنِ مَنْ لَهُ الْإِذْنُ.
وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَأْخُوذِ مِلْكًا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنَّ الْمَوْقُوفَ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ أَصْلًا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ اهـ. أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا خَلَلٌ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ فِي الشَّرْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ، وَعِنْدَهُمَا حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَزُولُ مِلْكُ الْوَاقِفِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ تَعُودُ مَنْفَعَتُهُ إلَى الْعِبَادِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَقْفِ فَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ الْمَوْقُوفُ مَمْلُوكًا فَكَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُهُ إنَّ الْمَوْقُوفَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ أَصْلًا، وَلَئِنْ سَلِمَ تَمَامُ ذَلِكَ فَكَوْنُ الْمَوْقُوفِ مَضْمُونًا لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَغْصُوبًا شَرْعِيًّا، فَإِنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ لَيْسَ بِحُكْمٍ مَخْصُوصٍ بِالْغَصْبِ الشَّرْعِيِّ، بَلْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا بِنَوْعٍ مِنْ التَّعَدِّي وَالْجِنَايَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ كَوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ، وَثَمَرَةِ الْبُسْتَانِ الْمَغْصُوبِ لَيْسَ بِمَغْصُوبَةٍ عِنْدَنَا شَرْعًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ يَدَ الْمَالِكِ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهَا حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ، بَلْ هِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إنْ هَلَكَتْ لَا يَضْمَنُهَا عِنْدَنَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً وَسَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ، مَعَ
[ ٩ / ٣١٧ ]
حَتَّى كَانَ اسْتِخْدَامُ الْعَبْدِ وَحَمْلُ الدَّابَّةِ غَصْبًا دُونَ الْجُلُوسِ عَلَى الْبِسَاطِ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ فَحُكْمُهُ الْمَأْثَمُ وَالْمَغْرَمُ، وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ فَالضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِهِ وَلَا إثْمَ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ مَوْضُوعٌ.
. قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهِ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمِثْلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
أَنَّهُ إذَا تَعَدَّى فِيهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً أَيْضًا وَسَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ، وَكَذَا إذَا قَتَلَ رَجُلٌ عَبْدَ رَجُلٍ خَطَأً فِي يَدِ مَالِكِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَةِ الْعَبْدِ بِلَا خِلَافٍ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِغَصْبٍ فِي الشَّرْعِ عِنْدَ أَحَدٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَرْقٌ بَيْنَ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَضَمَانِ الْإِتْلَافِ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ، فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ تَحَقُّقُ حَقِيقَةِ الْغَصْبِ الشَّرْعِيِّ فِي إتْلَافِ الْمَوْقُوفِ حَتَّى يُرَدَّ بِهِ النَّقْضُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ثِقَاتُ الْمَشَايِخِ فِي تَعْرِيفِ الْغَصْبِ فَيُحْتَاجُ إلَى تَغْيِيرِهِ؟
(قَوْلُهُ حَتَّى كَانَ اسْتِخْدَامُ الْعَبْدِ وَحَمْلُ الدَّابَّةِ غَصْبًا دُونَ الْجُلُوسِ عَلَى الْبِسَاطِ)؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِخْدَامِ وَالْحَمْلِ أَثْبَتَ يَدَ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ، وَمِنْ ضَرُورَاتِهِ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهُ فَتَحَقَّقَ الْغَصْبُ. بِخِلَافِ الْجُلُوسِ عَلَى الْبِسَاطِ؛ لِأَنَّ الْبَسْطَ فِعْلُ الْمَالِكِ وَقَدْ بَقِيَ أَثَرُ فِعْلِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَمَا بَقِيَ أَثَرُ فِعْلِهِ تَبْقَى يَدُهُ، فَلَمْ يُوجَدَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْغَصْبُ، كَذَا قَالُوا. قَالَ ابْنُ الْعِزِّ: وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا مُؤَاخَذَةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَهِيَ فِي قَوْلِهِ وَحَمْلِ الدَّابَّةِ: يَعْنِي وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ وَتَحْمِيلُ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ حَمَلَ لَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ إلَى اثْنَيْنِ وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ إلَى وَاحِدٍ وَإِلَى آخَرَ بِحَرْفِ الْجَرِّ، تَقُولُ حَمَلَتْ الْمَتَاعَ عَلَى الدَّابَّةِ فَيَصِحُّ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ مِنْهُ إلَى الْمَتَاعِ لَا إلَى الدَّابَّةِ فَتَقُولُ: حَمْلُ الْمَتَاعِ وَلَا تَقُولُ حَمْلُ الدَّابَّةِ، إلَّا أَنْ يُضَعَّفَ الْفِعْلُ فَيَتَعَدَّى إلَى اثْنَيْنِ بِنَفْسِهِ فَتَقُولُ: حَمَّلْت الدَّابَّةَ الْمَتَاعَ، فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ إضَافَةُ مَصْدَرِهِ إلَى الدَّابَّةِ فَتَقُولُ تَحْمِيلُ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ التَّحْمِيلَ مَصْدَرُ حَمَّلَ الْمُضَعَّفُ لِلتَّعْدِيَةِ اهـ كَلَامَهُ.
أَقُولُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي عَنْ هَذَا غَيَّرَ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا فَقَالَ: حَتَّى كَانَ اسْتِخْدَامُ عَبْدِ الْغَيْرِ وَالْحَمْلُ عَلَى دَابَّةِ الْغَيْرِ غَصْبًا، وَلَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا بِمَا وَجَّهَ بِهِ الْفَاضِلُ الشَّرِيفُ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ قَوْلَ الْعَلَّامَةِ الْكَاكِيِّ افْتِخَارًا بِمُوَاظَبَتِهَا حَيْثُ قَالَ: وَالْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا: أَيْ عَلَى الْعِبَادَةِ، إلَّا أَنَّهُ نَزَعَ الْخَافِضَ وَعَدَّى الْمَصْدَرَ بِالْإِيصَالِ اهـ. وَقَصَدَ بِهِ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ هُنَاكَ، وَفِي تَعْدِيَةِ الْمُوَاظَبَةِ بِنَفْسِهَا نَظَرٌ، وَالصَّوَابُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ ثُمَّ إنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ فَحُكْمُهُ الْمَأْثَمُ وَالْمَغْرَمُ، وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ فَالضَّمَانُ) أَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا هَلَكَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ فَحُكْمُهُ رَدُّ الْعَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ بِهَذَا الْمَقَامِ بَيَانُ حُكْمِهِ الْكُلِّيِّ دُونَ حُكْمِهِ الْخَاصِّ بِصُورَةِ الْهَلَاكِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَبْنِيَ كَلَامَهُ هُنَا عَلَى مَا قِيلَ إنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ لِلْغَصْبِ مُطْلَقًا هُوَ الْقِيمَةُ وَرَدُّ الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ كَمَا سَيَجِيءُ ذِكْرُهُ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ وَصَرَّحُوا بِهِ فِي الشُّرُوحِ ثُمَّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِ الْمُصَنِّفِ بِنَاءُ
[ ٩ / ٣١٨ ]
وَلِأَنَّ الْمِثْلَ أَعْدَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ فَكَانَ أَدْفَعَ لِلضَّرَرِ. قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِثْلِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ) وَهَذَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَوْمَ الْغَصْبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَوْمَ الِانْقِطَاعِ) لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْتَحَقَ بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْعِقَادِ السَّبَبِ إذْ هُوَ الْمُوجِبُ. وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمِثْلُ فِي الذِّمَّةِ.
كَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمِثْلَ أَعْدَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ: لِأَنَّ الْحِنْطَةَ مِثْلًا مِثْلُ الْحِنْطَةِ جِنْسًا، وَمَالِيَّةُ الْحِنْطَةِ الْمُؤَدَّاةِ مِثْلُ مَالِيَّةِ الْحِنْطَةِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ الْجُودَةَ سَاقِطَةُ الْعِبْرَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ اهـ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّعَرُّضِ هَاهُنَا لِبَيَانِ كَوْنِ الْجُودَةِ سَاقِطَةَ الْعِبْرَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ دَفْعُ وُرُودِ سُؤَالٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي إيجَابِ الْمِثْلِ مُرَاعَاةُ الْمَالِيَّةِ بِظُهُورِ تَحَقُّقِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ بِالْجُودَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَلَكِنَّ انْدِفَاعَهُ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاضِحٍ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِ الْجُودَةِ سَاقِطَةَ الْعِبْرَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ أَنَّهُ لَا تَفَاوَتَ بَيْنَ جَيِّدِهَا وَرَدِيئِهَا فِي الْمَالِيَّةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، إذْ التَّفَاضُلُ فِي الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْمُتَعَارَفِ ظَاهِرٌ جِدًّا.
وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ فِي وَصْفِ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» فَهُوَ مُسَلَّمٌ لَا كَلَامَ فِيهِ، لَكِنْ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ السُّؤَالُ الْمُتَّجِهُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ بِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْمَالِيَّةِ فِي إيجَابِ الْمِثْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِتَحَقُّقِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ بِالْجُودَةِ وَالرَّدَاءَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَالِيَّةِ، بَلْ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ لِتَفَاوُتِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ فِي وَصْفِ الْجُودَةِ وَالرَّدَاءَةِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ يُؤَيِّدُ وَرَوَّدَ ذَلِكَ السُّؤَالَ هَاهُنَا، إذْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ اعْتِبَارٌ لِتَفَاوُتِهَا فِي ذَلِكَ لَمَا تَصَوَّرَ التَّفَاوُتَ فِي الْمَالِيَّةِ عِنْدَ مُرَاعَاةِ التَّسَاوِي فِي الْوَصْفِ أَيْضًا تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلُهُ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْتَحَقَ بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ يَوْمِ انْعِقَادِ السَّبَبُ إذْ هُوَ الْمُوجِبُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْت: لِمَ قَدَّمَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي التَّعْلِيلِ وَلَمْ يُوَسِّطْهُ كَمَا هُوَ حَقُّهُ؟ قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ قَوْلُهُ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ إذْ فِيهِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِحَسَبِ ثُبُوتِ الْمُوجِبِ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ. وَالثَّانِي لِإِثْبَاتِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ بِحَسَبِ تَرْتِيبِ الزَّمَانِ عَلَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْأَوْقَاتِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ يَوْمُ الْغَصْبِ، ثُمَّ يَوْمُ الِانْقِطَاعِ، ثُمَّ يَوْمُ الْخُصُومَةِ. فَإِيرَادُ الْأَقْوَالِ عَلَى تَرْتِيبِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ لَمْ يَتَأَتَّ إلَّا بِتَقْدِيمِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ اهـ كَلَامَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَ الثَّانِي فَقَطْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْضًا، وَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْوَجْهَ فَقَطْ فِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا وَلَكِنْ بِطَرِيقِ النَّقْلِ بِقِيلَ. أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِك الْوَجْهَيْنِ مَنْظُورٌ فِيهِ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ دَلِيلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إنَّمَا دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ وَقْتَ الْغَصْبِ بِضَمَانِ الْمِثْلِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى ضَمَانِ الْقِيمَةِ بِالِانْقِطَاعِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ دَلِيلِ مُحَمَّدٍ، فَمِنْ أَيْنَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ دُونَ وَقْتِ الِانْقِطَاعِ حَتَّى يَلْزَمَ قُوَّةُ دَلِيلِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ قُوَّةَ دَلِيلِهِ فَهِيَ
[ ٩ / ٣١٩ ]
وَإِنَّمَا يُنْتَقَلُ إلَى الْقِيمَةِ بِالِانْقِطَاعِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّقْلَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ، وَلِهَذَا لَوْ صَبَرَ إلَى أَنْ يُوجَدَ جِنْسُهُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ وَالْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْقِيمَةِ بِأَصْلِ السَّبَبِ كَمَا وُجِدَ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ. .
قَالَ (وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصَبَهُ) مَعْنَاهُ الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَفَاوِتَةُ،
تَقْتَضِي تَأْخِيرَ دَلِيلِهِ إذْ مِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ الْمُسْتَمِرَّةِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْقَوِيَّ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ لِيَقَعَ الْمُؤَخَّرُ بِمَنْزِلَةِ الْجَوَابِ عَنْ الْمُقَدَّمِ، وَإِنْ كَانَ يُقَدِّمُ الْقَوِيَّ فِي الْأَكْثَرِ عِنْدَ نَقْلِ أَصْلِ الْأَقْوَالِ، وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَهُ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي مَعْرِفَةِ أَسَالِيبِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَلِأَنَّ إثْبَاتَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ بِحَسَبِ التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَظَرٌ فِقْهِيٌّ أَصْلًا، فَتَغْيِيرُ الْمُصَنِّفِ أُسْلُوبَهُ الْمُقَرَّرَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْوَهْمِيِّ مِمَّا لَا يُنَاسِبُ بِشَأْنِهِ الرَّفِيعِ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى هَاهُنَا أَيْضًا عَلَى عَادَتِهِ الْمُقَرَّرَةِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأَقْوَى فَالْأَقْوَى عِنْدَ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ لِيَحْصُلَ الْجَوَابُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ لِلْمُتَقَدِّمِ كَمَا حَصَلَ هَاهُنَا أَيْضًا ذَلِكَ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ التَّأَمُّلُ الصَّادِقُ. قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: أَقُولُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَعْدَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ نَوْعِهِ فِي يَوْمِ الْخُصُومَةِ، وَالْقِيمَةُ تُعْتَبَرُ بِكَثْرَةِ الرَّغَبَاتِ وَقِلَّتِهَا، وَفِي الْمَعْدُومِ هَذَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَيَوْمَ الِانْقِطَاعِ لَا ضَبْطَ لَهُ. وَأَيْضًا لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْقِيمَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَالِكِ طَلَبٌ، وَأَيْضًا عِنْدَ وُجُودِ الْمِثْلِ لَمْ يَنْتَقِلْ وَعِنْدَ عَدَمِهِ لَا قِيمَةَ لَهُ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَحَدُّ الِانْقِطَاعِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الثَّلْجِيُّ، وَهُوَ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي الْبُيُوتِ، وَعَلَى هَذَا انْقِطَاعُ الدَّرَاهِمِ اهـ. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا الْجَوَابِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ رَدُّ هَذَا الْجَوَابِ بِأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِالْمَعْدُومِ مَا هُوَ مَعْدُومٌ فِي السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ لَا الْمَعْدُومَ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقًا، وَكَأَنَّهُ لِهَذَا قَالَ: وَفِي الْمَعْدُومِ هَذَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ: يَعْنِي أَنَّهُ بَعْدَمَا عَدِمَ فِي السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْبُيُوتِ أَيْضًا يَتَعَذَّرُ التَّقْوِيمُ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهَا يَتَعَسَّرُ التَّقْوِيمُ؛ لِأَنَّ مِعْيَارَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ هُوَ السُّوقُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْأَشْيَاءُ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ لَا يَتَيَسَّرُ التَّقْوِيمُ الْعَادِلُ، وَكَذَا مُرَادُهُ بِعَدَمِ بَقَاءِ شَيْءٍ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ نَوْعِهِ فِي يَوْمِ الْخُصُومَةِ عَدَمُ بَقَائِهِ فِي السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الثَّلْجِيُّ فِي حَدِّ الِانْقِطَاعِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْقِيمَةِ بِأَصْلِ السَّبَبِ كَمَا وُجِدَ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ) أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ عَنْ قَرِيبٍ مِنْ أَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي الْغَصْبِ عَلَى مَا قَالُوا هُوَ رَدُّ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا رَدُّ الْقِيمَةِ مُخَلِّصٌ خَلْفًا، إذْ الْمُطَالِبُ بِأَصْلِ السَّبَبِ حِينَئِذٍ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ أَيْضًا إنَّمَا هُوَ رَدُّ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْقِيمَةِ بِهَلَاكِ الْعَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ قِيمَتُهُ وَقْتَ هَلَاكِ عَيْنِهِ لَا وَقْتَ وُجُودِ أَصْلِ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَصْبُ، أَلَا يَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ بَعْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ هُوَ الْمِثْلُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يُنْتَقَلُ إلَى الْقِيمَةِ بِالِانْقِطَاعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ وَقْتِ الِانْقِطَاعِ عِنْدَهُ، وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْخُصُومَةِ وَالْقَضَاءِ عِنْدَهُ وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ وُجُودِ أَصْلِ السَّبَبِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمَا.
وَبِالْجُمْلَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَا مِثْلَ لَهُ وَبَيْنَ مَا لَهُ مِثْلٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِأَنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ وُجُودِ أَصْلِ السَّبَبِ، وَفِي الثَّانِي عِنْدَ الِانْتِقَالِ إلَى الْقِيمَةِ غَيْرُ وَاضِحٍ عَلَى مَا قَالُوا: إنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي الْغَصْبِ مُطْلَقًا هُوَ رَدُّ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا رَدُّ الْقِيمَةِ مُخَلِّصٌ خَلْفًا كَمَا سَيَجِيءُ: وَأَمَّا عَلَى مَا قِيلَ:
[ ٩ / ٣٢٠ ]
لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ مُرَاعَاةُ الْحَقِّ فِي الْجِنْسِ فَيُرَاعَى فِي الْمَالِيَّةِ وَحْدَهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. أَمَّا الْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ فَهُوَ كَالْمَكِيلِ حَتَّى يَجِبَ مِثْلُهُ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ. وَفِي الْبُرِّ الْمَخْلُوطِ بِالشَّعِيرِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ. .
قَالَ (وَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ) مَعْنَاهُ مَا دَامَ
إنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْقِيمَةُ وَرَدُّ الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ كَمَا سَيَجِيءُ أَيْضًا فَلَا يَتِمُّ دَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا دَلِيلُ مُحَمَّدٍ رَأْسًا، إذْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي الْغَصْبِ غَيْرُ الْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا يُنْتَقَلُ إلَيْهَا بِأَمْرٍ عَارِضٍ، فَالْمَقَامُ لَا يَخْلُو عَنْ الْإِشْكَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ
(قَوْله وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصَبَهُ، مَعْنَاهُ الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَفَاوِتَةُ) يَعْنِي مَعْنَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَفَاوِتَةُ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ كَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ مِثْلُ الدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ اهـ. أَقُولُ: هَذَا الَّذِي عَدَّهُ تَحْقِيقًا مِمَّا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، بَلْ لَا حَاصِلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ مَا لَا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ فَيُنَافِيهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَيْضًا بِالْأَوْلَوِيَّةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ أَصْلًا.
وَقَدْ قَالَ فِي التَّعْلِيلِ: إنَّ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي قَوْلِهِ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصَبَهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَكِنْ لَا يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ بَلْ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَعْلِيلِهِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي قَوْلِهِ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَلْزَم الِاخْتِلَالُ فِي وَضَعَ الْمَسْأَلَةِ، إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَمَا لَا يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ بَلْ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
أَيْ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ فَيُشْبِهُ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ بِلَغْوٍ مِنْ الْكَلَامِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بِصَدْرِ الْمَسْأَلَةِ. وَبِالْجُمْلَةِ تَفْسِيرُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لَا يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَكَذَا تَفْسِيرُ مَا لَهُ مِثْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِمَا يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِمَّا لَا تَقْبَلُهُ فِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ لِاسْتِلْزَامِهِ اعْتِبَارَ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِدْرَاكِ وَاللَّاغِيَةِ.
فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَهُ مِثْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مَا لَهُ مِثْلٌ صُورَةً وَمَعْنًى وَهُوَ الْمِثْلُ الْكَامِلُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْمِثْلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَبِمَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي صُورَةٍ وَمَعْنًى، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ مَعْنًى فَقَطْ وَهُوَ الْقِيمَةُ الَّتِي هِيَ الْمِثْلُ الْقَاصِرُ.
وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ نَوْعَيْ الْمِثْلِ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ مِنْ قَبْلُ: إنَّ الْمِثْلَ نَوْعَانِ: كَامِلٌ وَهُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى وَهُوَ الْأَصْلُ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ، وَقَاصِرٌ وَهُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَالْقَاصِرُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا مَعَ احْتِمَالِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْمِثْلِ الْكَامِلِ اهـ.
فَيَصِيرُ مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَمَا لَا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ كَامِلٌ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ الْقَاصِرُ وَهُوَ الْقِيمَةُ فَيَنْتَظِمُ الْمَقَامَ بِلَا كُلْفَةٍ، قَالَ فِي الْكَافِي بَعْدَ ذِكْرِ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ: وَقَالَ مَالِكٌ: يَضْمَنُ مِثْلَهُ صُورَةً مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ لِمَا تَلَوْنَا. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ: " مَنْ كَسَرَ عَصَا فَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا " وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ اهـ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ هِيَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ لَمَا تَمَّ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ النَّصّ الشَّرِيفِ عَلَى وُجُوبِ ضَمَانِ الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى عَلَى مَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، وَقَدْ مَرَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ لِمَا تَلَوْنَا فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلَهُ أَمَّا الْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ فَهُوَ كَالْمَكِيلِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَكِيلِ وَلَمْ يَقُلْ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ مَا لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ وَهُوَ الْمَوْزُونُ الَّذِي فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ كَالْمَصُوغِ مِنْ الْقُمْقُمِ وَالطَّشْتِ اهـ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْمَكِيلِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ
[ ٩ / ٣٢١ ]
قَائِمًا لِقَوْلِهِ ﵊ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَقَالَ ﵊ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، فَإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ الْيَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ وَقَدْ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ فَيَجِبُ إعَادَتُهَا بِالرَّدِّ إلَيْهِ، وَهُوَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ عَلَى مَا قَالُوا، وَرَدُّ الْقِيمَةِ مُخَلِّصٌ خَلَفًا؛ لِأَنَّهُ قَاصِرٌ، إذْ الْكَمَالُ فِي رَدِّ الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ. وَقِيلَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ الْقِيمَةُ وَرَدُّ الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ،
وَلَيْسَ فَلَيْسَ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقَلَ مَا فِي النِّهَايَةِ بِقِيلَ: وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَكِيلِ مَا هُوَ كَذَلِكَ كَالْبُرِّ الْمَخْلُوطِ بِالشَّعِيرِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فَفِيهِ الْقِيمَةُ اهـ. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْمَكِيلِ
[ ٩ / ٣٢٢ ]
(وَالْوَاجِبُ الرَّدُّ فِي الْمَكَانِ الَّذِي غَصَبَهُ) لِتَفَاوُتِ الْقِيَمِ بِتَفَاوُتِ الْأَمَاكِنِ (فَإِنْ ادَّعَى هَلَاكَهَا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً لَأَظْهَرَهَا ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِ بِبَدَلِهَا)؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ رَدُّ الْعَيْنِ وَالْهَلَاكُ بِعَارِضٍ، فَهُوَ يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا إذَا ادَّعَى الْإِفْلَاسَ وَعَلَيْهِ ثَمَنُ مَتَاعٍ فَيُحْبَسُ إلَى أَنْ يُعْلَمَ مَا يَدَّعِيهِ، فَإِذَا عَلِمَ الْهَلَاكَ سَقَطَ عَنْهُ رَدُّهُ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ الْقِيمَةُ. .
قَالَ (وَالْغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ)؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ بِحَقِيقَتِهِ يَتَحَقَّقُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الْيَدِ بِالنَّقْلِ.
(وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) وَهَذَا
فِي قَوْلِهِ أَمَّا الْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ فَهُوَ كَالْمَكِيلِ حَتَّى يَجِبَ مِثْلُهُ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ هُوَ الْمَكِيلُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَفِي الْبُرِّ الْمَخْلُوطِ بِالشَّعِيرِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، وَبِقَرِينَةِ شُهْرَةِ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ مَعَ الْمَكِيلِ فِي تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْكَيْلِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الرِّبَا مِنْ الْبُيُوعِ
(قَوْله وَالْغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ) أَيْ الْغَصْبُ يَتَقَرَّرُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ بِحَقِيقَتِهِ وَيَتَحَقَّق فِيهِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. ثُمَّ إنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ دُونَ غَيْرِهِ لَا بَيَانُ مُجَرَّدِ تَحَقُّقِهِ فِي الْمَنْقُولِ، إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا اشْتِبَاهَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ وَالِاشْتِبَاهُ فِي عَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ بِالْبَيَانِ هَاهُنَا فَالْقَصْرُ مُعْتَبَرٌ فِي التَّرْكِيبِ الْمَذْكُورِ: أَعْنِي قَوْلَهُ وَالْغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ تَاجُ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أَيْ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِي الْمَنْقُولِ دُونَ غَيْرِهِ. وَأَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أَيْ تَحَقُّقُ الْغَصْبِ فِي الْمَنْقُولِ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: الْغَصْبُ كَائِنٌ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ لَا فِي الْعَقَارِ، بَلْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ: لِأَنَّ الْغَصْبَ بِحَقِيقَتِهِ يَتَحَقَّقُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ. قُلْت: بَقِيَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ أَدَاةَ الْقَصْرِ فِي التَّرْكِيبِ الْمَزْبُورِ مَاذَا؟ فَلَعَلَّهَا هِيَ تَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ قَصْرَ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ، وَمَثَّلُوهُ بِنَحْوِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالْكَرَمِ فِي الْعَرَبِ وَالْإِمَامِ مِنْ قُرَيْشٍ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْغَصْبَ بِحَقِيقَتِهِ يَتَحَقَّقُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الْيَدِ بِالنَّقْلِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الدَّلِيلِ بِدُونِ التَّفْصِيلِ الْآتِي فِي دَلِيلِ عَدَمِ الضَّمَانِ فِي غَصْبِ الْعَقَارِ لَا يُفِيدُ الْمُدَّعِي هَاهُنَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ بِحَقِيقَةِ الْمَقَامِ خُبْرًا، وَبِذِكْرِ التَّفْصِيلِ الْآتِي هُنَاكَ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الدَّلِيلِ هَاهُنَا. فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُكْتَفَى بِمَا سَيَأْتِي فِي تَعْلِيلِ جَوَابِ مَسْأَلَةِ غَصْبِ الْعَقَارِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا كَمَا اُكْتُفِيَ بِبَيَانِ الْخِلَافِ هُنَاكَ عَنْ بَيَانِهِ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا أَيْضًا لَا مَحَالَة
(قَوْله وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ)
[ ٩ / ٣٢٣ ]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِتَحَقُّقِ إثْبَاتِ الْيَدِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ زَوَالُ يَدِ الْمَالِكِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْيَدَيْنِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَتَحَقَّقُ الْوَصْفَانِ وَهُوَ الْغَصْبُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَصَارَ كَالْمَنْقُولِ وَجُحُودِ الْوَدِيعَةِ.
أَقُولُ: كَانَ اللَّائِقُ بِالْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ الْفَاءَ بَدَلَ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا إلَخْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْأَصْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُظْهِرَ عَلَامَةَ التَّفْرِيعِ فِي اللَّفْظِ كَمَا وَقَعَ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ، فَذُكِرَتْ كَلِمَةُ الْفَاءِ فِي عَامَّتِهَا وَكَلِمَةُ حَتَّى فِي الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَشَرْطُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَوْنُ الْمَأْخُوذِ مَنْقُولًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ، حَتَّى أَنَّ غَصْبَ الْعَقَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرَ لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ اهـ. وَالْعَجَبُ أَنَّ كَلِمَةَ الْفَاءِ كَانَتْ مَذْكُورَةً فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ فَبَدَّلَهَا الْمُصَنِّفُ بِالْوَاوِ فِي الْبِدَايَةِ وَالْهِدَايَةِ. ثُمَّ أَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْغَصْبِ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا هُوَ الْغَصْبُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الْغَصْبِ الشَّرْعِيِّ، فَلَا يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ حُكْمَ الْغَصْبِ مُطْلَقًا عِنْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ هُوَ الضَّمَانُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْحُكْمُ هَاهُنَا بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي غَصْبِ الْعَقَارِ وَهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْغَصْبِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ، وَالْمُتَحَقِّقُ هَاهُنَا هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا مُنَافَاةَ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إطْلَاقُ لَفْظِ الْغَصْبِ هُنَا مَجَازٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ اهـ. أَقُولُ فِيهِ: إنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ، وَهُنَا الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ مُتَيَسِّرَةٌ فَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمَجَازِ الْمَجَازَ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ الْمَجَازِ الْمُطْلَقِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَقِيقَةً بِالنَّظَرِ إلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَلَكِنْ حَقُّ الْأَدَاءِ مَا قَدَّمْنَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ فِي غَصْبِ الدُّورِ وَالْعَقَارِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْغَصْبُ وَلَكِنْ لَا عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَإِلَيْهِ مَال الْقُدُورِيُّ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْغَصْبِ وَنَفَى الضَّمَانَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلًا، وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ اهـ كَلَامَهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ يَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ الشَّرْعِيُّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْغَصْبَ الشَّرْعِيَّ يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمَا فِيهَا، كَيْفَ وَلَوْ قَالَهُ لَمَا صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لَا عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ، فَإِنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عِنْدَ هَلَاكِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ حُكْمٌ مُقَرَّرٌ لِمُطْلَقِ الْغَصْبِ الشَّرْعِيِّ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْغَصْبِ فِي عِبَارَةِ مَنْ أَثْبَتَ الْغَصْبَ وَنَفَى الضَّمَانَ هُوَ الْغَصْبُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الشَّرْعِيِّ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْغَصْبُ اللُّغَوِيُّ وَلَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْغَصْبُ اللُّغَوِيُّ أَيْضًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ إنَّ الْغَصْبَ اللُّغَوِيَّ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ اللُّغَوِيَّ عَلَى مَا مَرَّ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ، وَلَا شَكَّ فِي تَحَقُّقِ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْعَقَارِ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ إزَالَةِ
[ ٩ / ٣٢٤ ]
وَلَهُمَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ بِإِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ لَا تَزُولُ إلَّا بِإِخْرَاجِهِ عَنْهَا، وَهُوَ فِعْلٌ فِيهِ لَا فِي الْعَقَارِ فَصَارَ كَمَا إذَا بَعُدَ الْمَالِكُ عَنْ الْمَوَاشِي. وَفِي الْمَنْقُولِ: النَّقْلُ فِعْلٌ فِيهِ وَهُوَ الْغَصْبُ. وَمَسْأَلَةُ الْجُحُودِ مَمْنُوعَةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالضَّمَانُ هُنَاكَ بِتَرْكِ الْحِفْظِ الْمُلْتَزَمِ وَبِالْجُحُودِ تَارِكٌ لِذَلِكَ. قَالَ (وَمَا نَقَصَهُ مِنْهُ بِفِعْلِهِ أَوْ سُكْنَاهُ ضَمِنَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ وَالْعَقَارُ يُضْمَنُ بِهِ كَمَا إذَا نَقَلَ تُرَابَهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي الْعَيْنِ وَيَدْخُلُ فِيمَا قَالَهُ إذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ بِسُكْنَاهُ وَعَمَلِهِ، فَلَوْ غَصَبَ دَارًا وَبَاعَهَا وَسَلَّمَهَا وَأَقَرَّ بِذَلِكَ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ غَصْبَ الْبَائِعِ وَلَا بَيِّنَةَ لِصَاحِبِ الدَّارِ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْغَصْبِ
يَدِهِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ كَمَا هُوَ الْمَانِعُ عَنْ تَحَقُّقِ الْأَصْلِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَهُمَا فِي الْعَقَارِ عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ فَلَا يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ إنْكَارُ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ اللُّغَوِيِّ فِي الْعَقَارِ فَضْلًا عَنْ مِثْلِ مَشَايِخِنَا هَؤُلَاءِ الْأَجِلَّاءِ (قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ بِإِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ لَا تَزُولُ إلَّا بِإِخْرَاجِهِ عَنْهَا وَهُوَ فِعْلٌ فِيهِ لَا فِي الْعَقَارِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلَّ هَذَا الْمَحَلِّ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ بِإِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ: أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَهَذَا أَيْ هَذَا الْمَجْمُوعُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ لَا تَزُولُ إلَّا بِإِخْرَاجِهِ، أَيْ بِإِخْرَاجِ الْمَالِكِ عَنْهَا: أَيْ عَنْ الْعَقَارِ بِمَعْنَى الضَّيْعَةِ أَوْ الدَّارِ، وَهُوَ أَيْ الْإِخْرَاجُ فِعْلٌ فِي الْمَالِكِ لَا فِي الْعَقَارِ فَانْتَفَى إزَالَةُ الْيَدِ وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ اهـ.
أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِهِ قُصُورٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْبَاءَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِإِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ إذْ عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ السَّبَبِيَّةِ بَيْنَ إثْبَاتِ يَدِ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ كَانَ السَّبَبُ هُوَ إثْبَاتُ يَدِ الْغَاصِبِ دُونَ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ وُجُودِيًّا وَأَصْلًا صَادِرًا مِنْ الْغَاصِبِ. وَالثَّانِي أَمْرًا عَدَمِيًّا مُتَفَرِّعًا عَلَى الْأَوَّلِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْبَاءُ الْمَزْبُورَةُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَانَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وَلَهُمَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْمُسَبَّبِ عَنْ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْغَصْبِ عِنْدَهُمَا مَجْمُوعُ إثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ وَإِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ
[ ٩ / ٣٢٥ ]
هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ (وَإِذَا انْتَقَصَ بِالزِّرَاعَةِ يَغْرَمُ النُّقْصَانَ)؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ الْبَعْضَ فَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ. قَالَ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ) وَسَنَذْكُرُ الْوَجْهَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. .
قَالَ (وَإِذَا هَلَكَ النَّقْلِيُّ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ضَمِنَهُ)
كَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ ثَمَّةَ لِلْمُصَاحِبَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَهُمَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ مَعَ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ الْمَعْنَى وَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِ فَانْتَفَى إزَالَةُ الْيَدِ بِدُونِ التَّقْيِيدِ أَنْ لَا تَتَحَقَّقُ إزَالَةُ الْيَدِ أَصْلًا فِي غَصْبِ الْعَقَارِ عِنْدَهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ قَدْ مَرَّ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ مِنْ ضَرُورَةِ إثْبَاتِ الْيَدِ زَوَالُ يَدِ الْمَالِكِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْيَدَيْنِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِمَا هَاهُنَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، وَلَيْسَتْ بِقَابِلَةٍ لِلنَّفْيِ وَالْمَنْعِ لِتَقَرُّرِهَا وَبَدَاهَتِهَا فَلَا جَرَمَ كَانَتْ مُسَلَّمَةً عِنْدَهُمَا أَيْضًا فَكَيْفَ يَتِمُّ تَقْرِيرُ دَلِيلِهِمَا بِوَجْهِ يُشْعِرُ بِانْتِفَاءِ إزَالَةِ الْيَدِ أَصْلًا فِي غَصْبِ الْعَقَارِ؟
فَالْأَوْلَى فِي تَقْرِيرِ دَلِيلِهِمَا وَحَلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: وَلَهُمَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ مَعَ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ لَا مَعَ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءً كَانَتْ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ أَوْ بِفِعْلٍ فِي الْمَالِكِ، وَمَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ إثْبَاتِ الْيَدِ إنَّمَا هُوَ زَوَالُ يَدِ الْمَالِكِ مُطْلَقًا لَا زَوَالُهَا بِوَجْهٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ، وَهَذَا يَعْنِي مَجْمُوعَ مَا اُعْتُبِرَ فِي حَقِيقَةِ الْغَصْبِ مِنْ إزَالَةِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ مَعَ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ فِي الْعَقَارِ لَا تَزُولُ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْمَالِكِ عَنْهَا: أَيْ عَنْ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهُوَ أَيْ ذَلِكَ الْإِخْرَاجُ فِعْلٌ فِي الْمَالِكِ لَا فِي الْعَقَارِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ فَلَمْ يَلْزَمْ الضَّمَانُ عِنْدَ هَلَاكِهِ فِي يَدِ الْآخِذِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُثْبِتُ مُدَّعَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ الثَّانِي، وَيَخْرُجُ الْجَوَابُ عَمَّا ذُكِرَ فِي دَلِيلِ إمَامِنَا الثَّالِثِ وَالشَّافِعِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ.
وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا التَّعْلِيلَ حَيْثُ قَالَ: لَيْتَ شِعْرِي بِأَيِّ دَلِيلٍ ثَبَتَ كَوْنُ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ بِفِعْلٍ فِي الْعَيْنِ وَمَتَى ثَبَتَ، بَلْ مَفْهُومُ إزَالَةِ الْيَدِ تَحَقُّقُهُ فِي إخْرَاجِ الْمَالِكِ أَظْهَرُ اهـ.
أَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فَمَرَّا عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ الْغَصْبَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ بِفِعْلٍ فِي الْمَالِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْعَقَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا شَرْطُ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ الِاسْتِدْلَال بِضَمَانِ الْغَصْبِ، فَإِنَّ أَخْذَ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ تَفْوِيتُ يَدِهِ عَنْهُ بِفِعْلٍ فِي الضَّمَانِ فَيُسْتَدْعَى وُجُودَ مِثْلِهِ مِنْهُ فِي الْمَغْصُوبِ لِيَكُونَ اعْتِدَاءً بِالْمِثْلِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ أَوْرَدَ ذَلِكَ الْبَعْضَ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِمَا وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ
[ ٩ / ٣٢٦ ]
وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ: وَإِذَا هَلَكَ الْغَصْبُ وَالْمَنْقُولُ هُوَ الْمُرَادُ لِمَا سَبَقَ أَنَّ الْغَصْبَ فِيمَا يُنْقَلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ إذْ هُوَ السَّبَبُ. وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ رَدِّهِ يَجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ أَوْ يَتَقَرَّرُ بِذَلِكَ السَّبَبُ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ.
(وَإِنْ نَقَصَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ)؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ بِالْغَصْبِ، فَمَا تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ،
فِي الْعَقَارِ بِأَنْ قَالَ: لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ فِيهِ لِانْتِفَاءِ إثْبَاتِ الْيَدِ فَتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، إذْ لَيْسَ فِي الْخُصُومِ مَنْ يُنْكِرُ تَحَقُّقَ إثْبَاتِ الْيَدِ فِيهِ، وَلَا مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِيهِ كَمَا عَرَفْته آنِفًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ إنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ فِيهِ لِانْتِفَاءِ إثْبَاتِ الْيَدِ
(قَوْلُهُ وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ: وَإِذَا هَلَكَ الْغَصْبُ وَالْمَنْقُولُ هُوَ الْمُرَادُ لِمَا سَبَقَ أَنَّ الْغَصْبَ فِيمَا يُنْقَلُ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَرَادَ أَنَّ الْغَصْبَ الشَّرْعِيَّ فِيمَا يُنْقَلُ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يُعْلَمُ بِهِ كَوْنُ الْمَنْقُولِ هُوَ الْمُرَادُ بِالْغَصْبِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْغَصْبُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ يَعُمُّ الْمَنْقُولَ وَغَيْرَهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ الْغَصْبَ فِيمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَأَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْغَصْبَ مُطْلَقًا فِيمَا يُنْقَلُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ جِدًّا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا يُرَدُّ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْغَصْبِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ الْغَصْبُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ فِي الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَعْنَى مَجَازِيٌّ بِالنَّظَرِ إلَى وَضْعِ أَهْلِ الشَّرْعِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، بَلْ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ أَيْضًا، فَلَا بُدَّ فِي إرَادَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِالْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي تَخَاطُبِ أَهْلِ الشَّرْعِ مِنْ قَرِينَةٍ وَهَاهُنَا الْقَرِينَةُ مُنْتَفِيَةٌ فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ قُبَيْلَ ذَلِكَ وَالْغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْغَصْبِ فِي قَوْلِهِ غَصَبَ عَقَارًا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الشَّرْعِيِّ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا هَذِهِ تَعُمُّ الْمِثْلِيَّ وَغَيْرَ الْمِثْلِيِّ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ لِعُمُومِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي جَوَابِهَا كُلًّا مِنْهُمَا، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ لَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةِ الْمِثْلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵏، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي هَاتِيك الصُّورَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ فَلَمْ يَتِمَّ التَّقْرِيبُ لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ اتِّفَاقِيَّةً
(قَوْلُهُ وَإِنْ نَقَصَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ بِالْغَصْبِ، فَمَا تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ) أَقُولُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ قُصُورٌ، إذْ قَدْ صَرَّحَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ بِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا هَذِهِ تَعُمُّ مَا كَانَ النُّقْصَانُ فِي بَدَنِ الْمَغْصُوبِ مِثْلَ أَنْ كَانَ جَارِيَةً فَاعْوَرَّتْ أَوْ نَاهِدَةَ الثَّدْيَيْنِ فَانْكَسَرَ ثَدْيُهَا، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِ بَدَنِهِ مِثْلَ أَنْ كَانَ عَبْدًا مُحْتَرِفًا فَنَسِيَ الْحِرْفَةَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ لَا يَتَمَشَّى فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ
[ ٩ / ٣٢٧ ]
بِخِلَافِ تَرَاجُعِ السِّعْرِ إذَا رَدَّ فِي مَكَان الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ فُتُورِ الرَّغَبَاتِ دُونَ فَوْتِ الْجُزْءِ، وَبِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ. أَمَّا الْغَصْبُ فَقَبْضٌ وَالْأَوْصَافُ تُضْمَنُ بِالْفِعْلِ لَا بِالْعَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ. قَالَ ﵁: وَمُرَادُهُ غَيْرُ الرِّبَوِيِّ، أَمَّا فِي الرِّبَوِيَّات لَا يُمْكِنُهُ تَضْمِينُ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا. .
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ فَنَقَصَتْهُ الْغَلَّةُ فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ)؛ لِمَا بَيَّنَّا (وَيَتَصَدَّقُ بِالْغَلَّةِ) قَالَ ﵁ وَهَذَا عِنْدَهُمَا أَيْضًا.
فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْأَوْصَافُ دُونَ الْأَجْزَاءِ. فَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ يَدْخُلُ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ وَأَوْصَافِهِ فِي ضَمَانه بِالْغَصْبِ فَإِنَّهُ أَوْفَى بِالصُّورَتَيْنِ مَعًا وَأَوْفَقُ لِقَوْلِهِ الْآتِي: وَبِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ، أَمَّا الْغَصْبُ فَقَبْضٌ، وَالْأَوْصَافُ تُضْمَنُ بِالْفِعْلِ لَا بِالْعَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلَهُ وَمُرَادُهُ غَيْرُ الرِّبَوِيِّ، أَمَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ لَا يُمْكِنُهُ تَضْمِينُ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا) يَعْنِي أَنَّ مُرَادَ الْقُدُورِيِّ بِقَوْلِهِ وَإِنْ نَقَصَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ، وَأَمَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ: أَيْ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا فَلَا يُمْكِنُ لِلْمَالِكِ تَضْمِينُ النُّقْصَانِ فِي الْوَصْفِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، هَذَا فَحْوَى كَلَامِهِ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: عَدَمُ إمْكَانِ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا كَانَ نُقْصَانُ الرِّبَوِيَّاتِ فِي الْأَوْصَافِ كَمَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً تَعَفَّنَتْ فِي يَدِهِ، إذْ لَا اعْتِبَارَ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْوَصْفِ عِنْدَنَا فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ فَيُؤَدِّي تَضْمِينُ النُّقْصَانِ فِي الْوَصْفِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْأَصْلِ إلَى الرِّبَا لَا مَحَالَةَ، وَأَمَّا فِيمَا إذَا كَانَ نُقْصَانُهَا فِي الْأَجْزَاءِ كَمَا إذَا غَصَبَ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا فَتَلِفَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ فَنَقَصَ قَدْرُهُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَيُمْكِنُ لِصَاحِبِ الْمَالِ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْبَاقِي مِنْ الْأَصْلِ بِلَا تَأَدٍّ إلَى الرِّبَا أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى، فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِ مُرَادِ الْقُدُورِيِّ بِغَيْرِ الرِّبَوِيِّ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ إمْكَانِ تَضْمِينِ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْأَصْلِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمُرَادُهُ أَيْ مُرَادُ الْقُدُورِيِّ بِقَوْلِهِ وَإِنْ نَقَصَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ، أَمَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ كَمَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَعَفِنَتْ عِنْدَهُ أَوْ إنَاءَ فِضَّةٍ فَانْهَشَمَ فِي يَدِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، لَكِنَّ صَاحِبَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَضَمَّنَهُ مِثْلَهُ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَمَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِيضَاحِ إلَّا أَنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ فِيمَا مَرَّ حَتَّى الْعِنَايَةِ نَفْسِهَا
[ ٩ / ٣٢٨ ]
وَعِنْدَهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِالْغَلَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَجَّرَ الْمُسْتَعِيرُ الْمُسْتَعَارَ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ. أَمَّا الضَّمَانُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا عِنْدَنَا. وَلَهُمَا أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَمَا هَذَا حَالُهُ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ، إذْ الْفَرْعُ يَحْصُلُ عَلَى وَصْفِ الْأَصْلِ وَالْمِلْكُ الْمُسْتَنِدُ نَاقِصٌ فَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ الْخَبَثُ.
(فَلَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ حَتَّى ضَمِنَهُ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الضَّمَانِ)؛ لِأَنَّ الْخَبَثَ لِأَجَلِ الْمَالِكِ، وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى إلَيْهِ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ فَيَزُولُ الْخَبَثُ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اُسْتُحِقَّ وَغَرِمَهُ
وَفِي سَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَيْضًا بِأَنَّ الْوَزْنِيَّ الَّذِي فِي تَبْعِيضِهِ مَضَرَّةٌ كَالْمَصُوغِ مِنْ الْقُمْقُمِ وَالطَّسْتِ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ بَلْ هُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إنَاءَ فِضَّةٍ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ فَكَيْفَ يَتِمُّ تَمْثِيلُ الرِّبَوِيَّاتِ هَاهُنَا بِإِنَاءِ فِضَّةٍ انْهَشَمَ فِي يَدِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَضَمَّنَهُ مِثْلَهُ، وَتَضْمِينُ الْمِثْلِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ دُونَ ذَوَاتِ الْقِيَمِ الَّتِي مِنْهَا إنَاءُ فِضَّةٍ عَلَى مُقْتَضَى مَا صَرَّحُوا بِهِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، فَلَعَلَّ الْحَقَّ فِي حُكْمِ غَصْبِ إنَاءِ فِضَّةٍ إذَا نَقَصَ فِي يَدِهِ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَنْ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَنَّ صَاحِبَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مِنْ الذَّهَبِ، وَعِبَارَةُ الْكَرْخِيِّ هَكَذَا: وَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ فِضَّةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مِنْ الذَّهَبِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْإِنَاءُ مِنْ ذَهَبٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهُ مِنْ الْفِضَّةِ انْتَهَتْ.
وَنَقَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ الْمَبْسُوطِ بِطَرِيقِ التَّفْصِيلِ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاقِعَ فِيهِ قَلْبُ فِضَّةٍ بَدَلَ إنَاءِ فِضَّةٍ حَيْثُ قَالَ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَإِنْ اسْتَهْلَكَ قَلْبَ فِضَّةٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مِنْ الذَّهَبِ مَصُوغًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مِنْ جِنْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ لِلْجُودَةِ وَالرَّدَاءَةِ وَالصَّنْعَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ قِيمَةٌ، وَعِنْدَنَا لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا، فَلَوْ أَوْجَبْنَا مِثْلَ قِيمَتِهَا مِنْ جِنْسِهَا أَدَّى إلَى الرِّبَا، أَوْ لَوْ أَوْجَبْنَا مِثْلَ وَزْنِهَا كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْ الْجُودَةِ وَالصَّنْعَةِ، فَلِمُرَاعَاةِ حَقِّهِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الرِّبَا قُلْنَا يَضْمَنُ الْقِيمَةَ مِنْ الذَّهَبِ مَصُوغًا اهـ
(قَوْلُهُ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ. أَمَّا الضَّمَانُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا عِنْدَنَا) أَقُولُ: فِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ إنَّمَا هُوَ الْبَعْضُ الْفَائِتُ مِنْ الْمَغْصُوبِ دُونَ
[ ٩ / ٣٢٩ ]
لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَثَ مَا كَانَ لِحَقِّ الْمُشْتَرِي إلَّا إذَا كَانَ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ، فَلَوْ أَصَابَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا. .
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ أَلْفًا فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً فَبَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ جَارِيَةً فَبَاعَهَا بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الرِّبْحِ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا) وَأَصْلُهُ أَنَّ الْغَاصِبَ أَوْ الْمُودَعَ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ أَوْ الْوَدِيعَةِ وَرَبِحَ لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ مَرَّتْ الدَّلَائِلُ وَجَوَابُهُمَا فِي الْوَدِيعَةِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ الْمِلْكُ إلَى مَا قَبْلَ التَّصَرُّفِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالْإِشَارَةِ، أَمَّا فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالثَّمَنَيْنِ
مَجْمُوعِ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا نَقَصَتْهُ الْقِلَّةُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ الْأَصْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَلَّةَ: أَيْ الْأُجْرَةَ بِمُقَابَلَةِ مَنَافِعِ مَجْمُوعِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ الْمُسْتَغَلِّ لَا بِمُقَابِلَةِ مَنْفَعَةِ وَصْفِهِ الْفَائِتِ فَقَطْ، فَمَا وَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَلَّةِ أَصْلًا فَتَفَكَّرْ
(قَوْلَهُ فَلَوْ أَصَابَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا) فَسَّرَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ بِوَقْتِ اسْتِهْلَاكِ الثَّمَنِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ الْمَبْسُوطِ بِعِبَارَةٍ صَرِيحَةٍ فِيهَا فَسَّرُوا بِهِ وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْمَبْسُوطِ: فَإِذَا أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَ الثَّمَنَ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ وَهُوَ غَنِيٌّ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا يَوْمَ اسْتَهْلَكَ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا وَقْتَ اسْتِهْلَاكِ الثَّمَنِ وَيَصِيرُ فَقِيرًا وَقْتَ الِاسْتِعَانَةِ بِالْغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَيْفَ يُؤَثِّرُ الْغِنَى السَّابِقُ الثَّابِتُ وَقْتَ اسْتِهْلَاكِ الثَّمَنِ فِي حَقِّ الْغَلَّةِ الْمَصْرُوفَةِ إلَى حَاجَتِهِ فِي حَالِ فَقْرِهِ اللَّاحِقِ حَتَّى يَلْزَمَهُ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهَا عِنْدَ إصَابَتِهِ مَالًا، أَوَ لَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهَا إلَى حَاجَةِ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْفُقَرَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهَا مِنْ بَعْدُ أَصْلًا؛ فَفِيمَا إذَا صَرَفَهَا إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ حَالَ فَقْرِهِ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِيمَا قَبْلُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ تَأْثِيرِ الْغِنَى السَّابِقِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ هُوَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْ الثَّمَنَ حَالَ غِنَاهُ بِلَا ضَرُورَةٍ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الثَّمَنُ إلَى وَقْتِ لُزُومِ أَدَاءِ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْغَلَّةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ أَمْرٌ مَوْهُومٌ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَدَارًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَتَدَبَّرْ.
وَفَسَّرَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِوَقْتِ الصَّرْفِ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ. أَقُولُ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَكِنْ فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الصَّرْفَ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ إنَّمَا يَجُوزُ رَأْسًا إذَا كَانَ لَا يَجِدُ غَيْرَ تِلْكَ الْغَلَّةِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَجِدُ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ فَقِيرًا أَلْبَتَّةَ فَلَمْ يَكُنْ وَجْهٌ لِتَرْدِيدِ الْمُصَنِّفِ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ فَلَوْ أَصَابَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إذْ مَعْنَاهُ فَبَعْدَ أَنْ صَرَفَهَا إلَى حَاجَةِ
[ ٩ / ٣٣٠ ]
فَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ اشْتَرَى بِهَا إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا اشْتَرَى بِهَا وَنَقَدَ مِنْهَا الثَّمَنَ. أَمَّا إذَا أَشَارَ إلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ نَقَدَ مِنْهَا وَأَشَارَ إلَى غَيْرِهَا أَوْ أَطْلَقَ إطْلَاقًا وَنَقَدَ مِنْهَا بِطِيبٍ لَهُ، وَهَكَذَا قَالَ الْكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إذَا كَانَتْ لَا تُفِيدُ التَّعْيِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَأَكَّدَ بِالنَّقْدِ لِيَتَحَقَّقَ الْخَبَثُ. وَقَالَ مَشَايِخُنَا: لَا يَطِيبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ، وَكَذَا بَعْدَ الضَّمَانِ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِإِطْلَاقِ الْجَوَابِ فِي الْجَامِعَيْنِ وَالْمُضَارَبَةِ. .
قَالَ (وَإِنْ اشْتَرَى بِالْأَلْفِ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَوَهَبَهَا أَوْ طَعَامًا فَأَكَلَهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ)، وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ.
نَفْسِهِ لَوْ أَصَابَ مَالًا إلَخْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا وَلَا يَجِدُ غَيْرَ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ ابْنَ السَّبِيلِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلَهُ فَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ اشْتَرَى بِهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا اشْتَرَى بِهَا وَنَقَدَ مِنْهَا) أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهَا يَئُولُ إلَى أَنْ يُقَالَ فَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ اشْتَرَى بِهَا إشَارَةً إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرَى بِهَا فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَجِبُ إذَا اشْتَرَى بِهَا وَنَقَدَ مِنْهَا نَفْسَ مَا فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ وَنَقَدَ مِنْهَا أَمْرٌ مُغَايِرٌ لَهُ، وَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِأَنَّ فِي الشَّيْءِ إشَارَةً إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: فَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ اشْتَرَى بِهَا إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا أَشَارَ إلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْهَا إذْ حِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ، وَتَظْهَرُ الْمُقَابَلَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَأَمَّا إذَا أَشَارَ إلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ نَقَدَ مِنْهَا وَأَشَارَ إلَى غَيْرِهَا كَمَا لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي مُسْكَةٍ.
ثُمَّ إنَّ مَأْخَذَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالْإِشَارَةِ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِإِطْلَاقِ الْجَوَابِ فِي الْجَامِعَيْنِ وَالْمُضَارَبَةُ مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَفْظُهُ: إذَا أَشَارَ إلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْهَا بَدَلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذَا اشْتَرَى بِهَا وَنَقَدَ مِنْهَا، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَهَذَا وَاضِحٌ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ. فَأَمَّا فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ إذَا اشْتَرَى بِهَا يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا إذَا أَشَارَ إلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْهَا. وَكَانَ الْكَرْخِيُّ يَقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ إنَّ ذَلِكَ عَلَى أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا وَيَنْقُدَ مِنْهَا، وَإِمَّا أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا وَيَنْقُدَ مِنْ غَيْرِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقَ إطْلَاقًا وَيَنْقُدَ مِنْهَا أَوْ يُشِيرَ إلَى غَيْرِهَا وَيَنْقُدَ مِنْهَا. وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَطِيبُ إلَّا أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا وَيَنْقُدَ مِنْهَا فَإِنَّ الْإِشَارَةَ إلَيْهَا لَا تُفِيدُ التَّعْيِينَ فَيَسْتَوِي وُجُودُهَا
[ ٩ / ٣٣١ ]
فَصْلٌ فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِعَمَلِ الْغَاصِبِ
قَالَ (وَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعِظَمُ مَنَافِعُهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا، كَمَنْ غَصَبَ شَاةً وَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا أَوْ طَبَخَهَا
وَعَدَمُهَا إلَّا أَنْ يَتَأَكَّدَ بِالنَّقْدِ مِنْهَا. قَالَ مَشَايِخُنَا: بَلْ لَا يَطِيبُ بِكُلِّ حَالٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ، وَبَعْدَ الضَّمَانِ لَا يَطِيبُ الرِّبْحُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ هَاهُنَا وَالْمُضَارَبَةُ وَالْجَامِعُ الْكَبِيرُ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، إلَى هُنَا لَفْظُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ مَشَايِخُنَا: الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ لِكَثْرَةِ الْحَرَامِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْ النَّاسِ، وَعَلَى هَذَا تَقَرَّرَ: أَيْ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ.
(فَصْلٌ فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِعَمَلِ الْغَاصِبِ)
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حَقِيقَةِ الْغَصْبِ وَحُكْمِهِ مِنْ وُجُوبِ رَدِّ الْعَيْنِ أَوْ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ أَعْقَبَهُ بِذِكْرِ مَا يَزُولُ بِهِ مِلْكُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ عَارِضٌ وَحَقُّهُ الْفَصْلُ عَمَّا قَبْلَهُ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا يَزُولُ بِهِ مِلْكُ الْمَالِكِ وَإِنْ كَانَ عَارِضًا لِأَصِلْ الْغَصْبِ إلَّا أَنَّ رَدَّ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى تَحَقُّقِ هَذَا الْعَارِضِ، فَإِنَّ مُوجِبَ أَصْلِ الْغَصْبِ إنَّمَا هُوَ رَدُّ الْعَيْنِ، وَلَا يُصَارُ إلَى رَدِّ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ إلَّا بَعْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ، فَلَمْ يَكُنْ رَدُّ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ إلَّا بَعْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ حُكْمُ الْغَصْبِ إلَّا بَعْدَ حُدُوثِ ذَلِكَ الْعَارِضِ، فَكَانَ بِالتَّأْخِيرِ أَحْرَى مِنْهُ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ كَوْنَ مَا يَزُولُ بِهِ مِلْكُ الْمَالِكِ عَارِضًا إنَّمَا يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَهُ لِلتَّأْخِيرِ لَا لِفَصْلِهِ عَمَّا قَبْلَهُ بِأَنْ يُورِدَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ فَلَمْ يَتَّمَ قَوْلُهُ وَحَقُّهُ الْفَصْلُ عَمَّا قَبْلَهُ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْغَايَةِ تَدَارَكَهُ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ عَارِضٌ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَتِمُّ بِهِ تَمَامَ التَّقْرِيبِ إذْ الْمَقْصُودُ بَيَانُ وَجْهِ ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْعَارِضِ مِنْ الْمَسَائِلِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لَا بَيَانُ وَجْهِ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ مُتَأَخِّرًا عَمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ وَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعِظَمُ مَنَافِعِهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، مِثْلَ أَنْ صَارَ الْعِنَبُ زَبِيبًا بِنَفْسِهِ أَوْ خَلًّا
[ ٩ / ٣٣٢ ]
أَوْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ حَدِيدًا فَاِتَّخَذَهُ سَيْفًا أَوْ صُفْرًا فَعَمِلَهُ آنِيَةٌ) وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْقَطِعَ حَقُّ الْمَالِكِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ الدَّقِيقِ لَا يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضَمِّنُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ لَكِنَّهُ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ. لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقٍ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ
أَوْ الرُّطَبُ تَمْرًا، فَإِنَّ الْمَالِكَ فِيهِ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَضَمَّنَهُ. وَقَوْلُهُ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ بِالذَّبْحِ مِلْكُ مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ اسْمُهَا. يُقَالُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ وَشَاةٌ حَيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ وَعِظَمُ مَنَافِعِهَا يَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةَ إذَا غَصَبَهَا وَطَحَنَهَا، فَإِنَّ الْمَقَاصِدَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِعَيْنِ الْحِنْطَةِ كَجَعْلِهَا هَرِيسَةً وَكِشْكًا وَنَشَاءً وَبَدْرًا وَغَيْرَهَا تَزُولُ بِالطَّحْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ زَالَ اسْمُهَا يَتَنَاوَلُهُ، فَإِنَّهَا إذَا طُحِنَتْ صَارَتْ تُسَمَّى دَقِيقًا لَا حِنْطَةً. إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ كَوْنَ قَيْدِ وَعِظَمِ مَنَافِعِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْكُورٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مَعَ وُقُوعِهِ فِي عِبَارَاتٍ عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ وَالْمُخْتَصَرَاتِ عَلَى الِاطِّرَادِ بَعِيدٌ جِدًّا لَا تَقْبَلُهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِ الْعَطَنِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا وَأَرَّبَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ بِالذَّبْحِ وَالتَّأْرِيبِ مِلْكُ مَالِكِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّهُ زَالَ اسْمُهَا بَعْدَ التَّأْرِيبِ وَلَكِنْ لَمْ يَزُلْ عِظَمُ مَنَافِعِهَا وَهُوَ اللَّحْمِيَّةُ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ حَتَّى الْعِنَايَةِ نَفْسِهَا وَلِهَذَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا تَدَبَّرْ (قَوْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ الدَّقِيقِ لَا يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ عِنْدَهُ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ.
أَقُولُ: ظُهُورُهُ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ فِي بَيَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَيَأْتِي: وَلَنَا أَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْحِنْطَةِ تَزْدَادُ بِجَعْلِهَا دَقِيقًا، وَكَذَا قِيمَةُ الشَّاةِ تَزْدَادُ بِطَبْخِهَا، فَإِذَا ازْدَادَ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ بِجَعْلِهَا دَقِيقًا فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ هُنَاكَ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ نُقْصَانُ الْوَصْفِ كَمَا إذَا عَفِنَتْ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ الدَّقِيقَ عَيْنُ الْحِنْطَةِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ كَمَا قَبْلَ الطَّحْنِ. ثُمَّ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى بَقَاءِ جِنْسِ الْحِنْطَةِ فِيهِ جَرَيَانُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجْرِي الرِّبَا إلَّا بِاعْتِبَارِ الْمُجَانَسَةِ. وَقَالَ: فَلَمَّا ثَبَتَتْ الْمُجَانَسَةِ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا كَانَ أَخْذُ الدَّقِيقِ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ، وَلَوْ أَخَذَ عَيْنَ الْحِنْطَةِ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهَا شَيْئًا آخَرَ لِنُقْصَانِ صِفَتِهَا بِسَبَبِ الْعُفُونَةِ لِأَدَائِهِ إلَى الرِّبَا عَلَى مَا مَرَّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا اهـ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ذَلِكَ الْقَائِلِ أَيْضًا بِنُقْصَانِ الْقِيمَةِ نُقْصَانُهَا بِسَبَبِ فَوَاتِ الْوَصْفِ لَا نُقْصَانَهَا بِمُجَرَّدِ الطَّحْنِ مِنْ غَيْرِ نُقْصَانِ الْوَصْفِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ فِي مِثْلِهِ إضَافَةُ النُّقْصَانِ إلَى الْوَصْفِ لَا إلَى الْقِيمَةِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقٍ إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ
[ ٩ / ٣٣٣ ]
وَتَتْبَعُهُ الصَّنْعَةُ كَمَا إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ فِي الْحِنْطَةِ وَأَلْقَتْهَا فِي طَاحُونَةٍ فَطُحِنَتْ. وَلَا مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَصَارَ كَمَا إذَا انْعَدَمَ الْفِعْلُ أَصْلًا وَصَارَ كَمَا إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ الْمَغْصُوبَةَ وَسَلَخَهَا وَأَرَّبَهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً صَيَّرَ حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَبَدَّلَ الِاسْمُ وَفَاتَ مُعْظَمُ الْمَقَاصِدِ وَحَقُّهُ فِي الصَّنْعَةِ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ فَائِتٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلَا نَجْعَلُهُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحْظُورٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إحْدَاثُ الصَّنْعَةِ،
وَلِلشَّافِعِيِّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، فَإِنَّ الْوَاوَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هَاهُنَا فِي نُسَخِ الْهِدَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَصْلًا، وَلَوْ سُلِّمَ وُجُودُهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلِابْتِدَاءِ، إذْ لَوْ كَانَتْ لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا لَزِمَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُهُ، وَقَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَخْ.
وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دُرْبَةٌ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ رَكَاكَةُ ذَلِكَ جِدًّا وَكَوْنُهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ شَأْنِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ جَوَازِ ضَمَانِهِ النُّقْصَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا خَلَفٌ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقٍ أَنَّ لَهُ فِي إثْبَاتِ مَذْهَبِهِ كَذَا، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ وَلِلشَّافِعِيِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، إلَّا أَنَّ لَهُ فِي إثْبَاتِ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ كَذَا حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ جَوَازِ ضَمَانِ النُّقْصَانِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، كَيْفَ وَلَوْ لَزِمَ مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ الْمَحْذُورِ هَاهُنَا لَلَزِمَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعِ الْخِلَافِ يُقَالُ فِيهِ عِنْدَ إقَامَةِ أَدِلَّةِ الْمَذَاهِبِ لَهُ كَذَا وَلَهُ كَذَا وَلَنَا كَذَا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَذْكُورَ ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ بِالْوَاوِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ، مَعَ أَنَّ مُدَّعَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُخَالِفُ الْآخَرَ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ قَوْلِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ قَطْعًا عَلَى قَوْلِهِ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيلٍ لِمَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيُّ بِلَا رَيْبٍ. فَالْوَجْهُ فِي صِحَّةِ الْعَطْفِ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ كُلِّهَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَهُ فِي إثْبَاتِ مَذْهَبِهِ كَذَا وَلَنَا
[ ٩ / ٣٣٤ ]
بِخِلَافِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ اسْمَهَا بَاقٍ بَعْدَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ، وَهَذَا الْوَجْهُ يَشْمَلُ الْفُصُولَ الْمَذْكُورَةَ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا فَاحْفَظْهُ. وَقَوْلُهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَزُفَرَ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، رَوَاهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. وَوَجْهُهُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ جَازَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُهُ ﵊ «فِي الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ الْمَصْلِيَّةِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا أَطْعِمُوهَا الْأَسَارَى» أَفَادَ الْأَمْرُ بِالتَّصَدُّقِ زَوَالَ مِلْكِ الْمَالِكِ وَحُرْمَةَ الِانْتِفَاعِ لِلْغَاصِبِ قَبْلَ الْإِرْضَاءِ،
فِي إثْبَاتِ مَذْهَبِنَا كَذَا، وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ أَصْلًا فَاحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ اسْمَهَا بَاقٍ بَعْدَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَصَارَ كَمَا إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ الْمَغْصُوبَةَ وَسَلَخَهَا وَأَرَّبَهَا، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ حُدُوثُ الْفِعْلِ مِنْ الْغَاصِبِ وَعَلَى وَجْهٍ يَتَبَدَّلُ الِاسْمُ، وَاسْمُ الشَّاةِ بَعْدَ الذَّبْحِ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ يُقَال شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ مَسْلُوخَةٌ كَمَا يُقَالُ شَاةٌ حَيَّةٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْكَلَامُ فِيهَا بَعْدَ التَّأْرِيبِ، وَلَا يُقَالُ شَاةٌ مَأْرُوبَةٌ بَلْ يُقَالُ لَحْمٌ مَأْرُوبٌ فَقَدْ حَصَلَ الْفِعْلُ وَتَبَدَّلَ الِاسْمُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ الْمَالِكِ. أُجِيبُ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ذَبَحَهَا فَقَدْ أَبْقَى اسْمَ الشَّاةِ فِيهَا مَعَ تَرْجِيحِ جَانِبِ اللَّحْمِيَّةِ فِيهَا إذْ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهَا اللَّحْمُ ثُمَّ السَّلْخُ وَالتَّأْرِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُفَوِّتُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّبْحِ بَلْ يُحَقِّقُهُ فَلَا يَكُونُ دَلِيلُ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ الْوَارِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِيمَا ذَكَرَهُ جَوَابًا عَمَّا اسْتَشْهَدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَسْأَلَةِ ذَبْحِ الشَّاةِ الْمَغْصُوبَةِ وَسَلْخِهَا وَتَأْرِيبِهَا، فَإِنَّهُ عَلَّلَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ بِبَقَاءِ اسْمِ الشَّاةِ فِيهَا بَعْدَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ قَطْعًا أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ فِي الشَّاةِ الَّتِي ذُبِحَتْ ثُمَّ أُرِّبَتْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْمَ الشَّاةِ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ التَّأْرِيبِ فَلَمْ تَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَبَدُّلُ الِاسْمِ وَعَدَمِ تَبَدُّلِهِ، فَلَمْ يَصْلُحُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ جَوَابًا عَمَّا اسْتَشْهَدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ. نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَمَّا اسْتَشْهَدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ بِمَا قُرِّرَ فِي الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ، لَكِنَّهُ لَا يَدْفَعُ قُصُورَ مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ، وَمَدَارُ السُّؤَالِ الْمَزْبُورِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ
[ ٩ / ٣٣٥ ]
وَلِأَنَّ فِي إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ فَتْحُ بَابِ الْغَصْبِ فَيَحْرُمُ قَبْلَ الْإِرْضَاءِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ وَنَفَاذِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ مَعَ الْحُرْمَةِ لِقِيَامِ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْمِلْكِ الْفَاسِدِ. وَإِذَا أَدَّى الْبَدَلَ يُبَاحُ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ صَارَ مُوَفًّى بِالْبَدَلِ فَحَصَلَتْ مُبَادَلَةٌ بِالتَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِهِ، وَكَذَا إذَا أَدَّى بِالْقَضَاءِ أَوْ ضَمِنَهُ الْحَاكِمُ أَوْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِطَلَبِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا أَوْ نَوَاةً فَغَرَسَهَا غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ فِيهِمَا قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِقِيَامِ الْعَيْنِ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ. وَفِي الْحِنْطَةِ يَزْرَعُهَا لَا يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَأَصْلُهُ مَا تَقَدَّمَ. .
(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا أَدَّى بِالْقَضَاءِ أَوْ ضَمِنَهُ الْحَاكِمُ أَوْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِطَلَبِهِ) فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ ضَمِنَهُ الْحَاكِمُ وَمِنْ قَوْلِهِ أَوْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ، وَعَنْ هَذَا اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِهِمَا، فَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ أَوْ ضَمِنَهُ الْحَاكِمُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَنْ كَانَ الْقَاضِي وَلِيًّا لَهُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ قَضَى بِالضَّمَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِطَلَبِهِ اهـ.
وَاخْتَارَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ أَوْ ضَمِنَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مَالَ الْيَتِيمِ أَوْ الْغَائِبِ، وَكَذَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: يَعْنِي إذَا كَانَ مَالَ الْيَتِيمِ. أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِطَلَبِهِ غَيْرُ مُسَاعِدٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ الْقَاضِي وَلِيًّا لَهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الطَّلَبُ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ بِحَقِّهِ، بَلْ قَدْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الطَّلَبُ كَمَا إذَا كَانَ الْيَتِيمُ صَغِيرًا جِدًّا وَكَمَا إذَا كَانَ الْغَائِبُ بَعِيدًا غَيْرَ عَالِمٍ بِالْقَضِيَّةِ أَصْلًا. وَيَرُدُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ قَبْلَ هَذَا وَكَذَا إذَا أَدَّى بِالْقَضَاءِ يَأْبَى ذَلِكَ، إذْ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنْ طَلَبَ الْقَاضِي فِي حُكْمِ طَلَبِ مَنْ كَانَ الْقَاضِي وَلِيًّا لَهُ لِكَوْنِهِ نَائِبًا مَنَابَهُ، فَكَانَ الْقَضَاءُ هُنَاكَ أَيْضًا بِطَلَبِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ حُكْمًا. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ضَمِنَهُ الْحَاكِمُ قَضَى بِالضَّمَانِ مُجَرَّدُ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ بِدُونِ وُقُوعِ أَدَاءِ الْبَدَلِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ قُبَيْلَ ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا أَدَّى بِالْقَضَاءِ أَدَاءَ الْبَدَلِ بِالْقَضَاءِ فَافْتَرَقَا وَلَا تَكْرَارَ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ أَخَذَ الضَّمَانَ أَوْ تَرَاضَيَا عَلَى مِقْدَارٍ مِنْ الضَّمَانِ اهـ. أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ وَإِذَا أَدَّى الْبَدَلَ يُبَاحُ: يَعْنِي عَنْ هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْغَاصِبِ الْبَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أَخْذَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الضَّمَانَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَوْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ مُسْتَدْرِكًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَضْمِينِ الْمَالِكِ أَخْذُهُ الضَّمَانَ بِغَيْرِ رِضَا الْغَاصِبِ وَبِغَيْرِ الْقَضَاءِ دُونَ مُطْلَقِ أَخْذِ الضَّمَانِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ وَإِذَا أَدَّى الْبَدَلَ أَدَاؤُهُ بِرِضَاهُ دُونَ مُطْلَقِ الْأَدَاءِ وَإِلَّا يَلْزَمُ اسْتِدْرَاكُ قَوْلِهِ وَكَذَا إذَا أَدَّى بِالْقَضَاءِ، وَأَدَاؤُهُ بِرِضَاهُ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ أَخْذَ الضَّمَانِ بِرِضَاهُ دُونَ أَخْذِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَلَا اسْتِدْرَاكَ.
بَقِيَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْكِفَايَةِ أَوْ تَرَاضَيَا عَلَى مِقْدَارٍ مِنْ الضَّمَانِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِدْرَاكَ، إذْ التَّرَاضِي قَدْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِذَا أَدَّى الْبَدَلَ يُبَاحُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ هُنَاكَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ صَارَ مُوَفًّى بِالْبَدَلِ فَحَصَلَتْ مُبَادَلَةٌ بِالتَّرَاضِي. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا التَّرَاضِي عَلَى مِقْدَارٍ مِنْ الضَّمَانِ: أَيْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ فِيمَا تَقَدَّمَ التَّرَاضِي عَلَى أَدَاءِ كُلِّ الضَّمَانِ فَحَصَلَ التَّغَايُرُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ
[ ٩ / ٣٣٦ ]
قَالَ (وَإِنْ غَصَبَ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةً لَمْ يَزُلْ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَأْخُذُهَا وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ، وَقَالَا: يَمْلِكُهَا الْغَاصِبُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا)؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُعْتَبَرَةً صَيَّرَ حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَسَرَهُ وَفَاتَ بَعْضُ الْمَقَاصِدِ وَالتِّبْرُ لَا يَصْلُحُ رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمَضْرُوبُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وَلَهُ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ وَمَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ الثَّمَنِيَّةُ وَكَوْنُهُ مَوْزُونًا وَأَنَّهُ بَاقٍ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِرَأْسِ الْمَالِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّنْعَةِ دُونَ الْعَيْنِ، وَكَذَا الصَّنْعَةُ فِيهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا. .
قَالَ (وَمِنْ غَصَبَ سَاجَةً فَبَنَى عَلَيْهَا زَالَ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا وَلَزِمَ الْغَاصِبَ قِيمَتُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِلْمَالِكِ أَخْذُهَا، وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَدَّمْنَاهُ.
وَانْدَفَعَ الِاسْتِدْرَاكُ، لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ حَمْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ عَلَى التَّرَاضِي عَلَى مِقْدَارٍ مِنْ الضَّمَانِ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ جِدًّا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ أَصْلًا. وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَوْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ: أَيْ طَلَبَ الْمَالِكُ مِنْ الْغَاصِبِ الضَّمَانَ بِحِلِّ الِانْتِفَاعِ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ اهـ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا بُعْدٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَمَنْ غَصَبَ سَاجَةً فَبَنَى عَلَيْهَا زَالَ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا وَلَزِمَ الْغَاصِبَ قِيمَتُهَا) ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّاجَةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السَّاجَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْبِنَاءِ فَلَمْ يَزُلْ
[ ٩ / ٣٣٧ ]
وَوَجْهٌ آخَرُ لَنَا فِيهِ أَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ إضْرَارًا بِالْغَاصِبِ بِنَقْضِ بِنَائِهِ الْحَاصِلِ مِنْ غَيْرِ خَلَفٍ، وَضَرَرُ الْمَالِكِ فِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَجْبُورٌ بِالْقِيمَةِ، فَصَارَ كَمَا إذَا خَاطَ بِالْخَيْطِ الْمَغْصُوبِ بَطْنَ جَارِيَتِهِ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ أَدْخَلَ اللَّوْحَ الْمَغْصُوبَ فِي سَفِينَتِهِ. ثُمَّ قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرَ: إنَّمَا لَا يُنْقَضُ إذَا بَنَى فِي حَوَالِي السَّاجَةِ،
مِلْكُ مَالِكِهَا اهـ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ: وَسَيَظْهَرُ لَك وَجْهُ ذَلِكَ إنْ تَأَمَّلْت فِي قَوْلِهِ وَجْهٌ آخَرُ لَنَا فِيهِ اهـ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ صَحِيحٌ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَجْهُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ فِي قَوْلِهِ وَجْهٌ آخَرُ لَنَا فِيهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ ضَرَرَ الْغَاصِبِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ضَرَرٌ مِنْ غَيْرِ خَلَفٍ، وَضَرَرُ الْمَالِكِ فِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ ضَرَرٌ مَجْبُورٌ بِالْقِيمَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الضَّرَرَ الْمَجْبُورَ دُونَ الضَّرَرِ الْمَحْضِ فَلَا يَرْتَكِبُ الضَّرَرَ الْأَعْلَى عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِالضَّرَرِ الْأَدْنَى. وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّاجَةِ وَبَيْنَ الْعَكْسِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الضَّرَرَ الْمَحْضَ أَشَدُّ وَأَثْقَلُ مِنْ الضَّرَرِ الْمَجْبُورِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُتَحَمَّلَ الثَّانِي لِدَفْعِ الْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَمَلًا بِاخْتِيَارِ أَهْوَنِ الشَّرَّيْنِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ وَجْهُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كِلَا الضَّرَرَيْنِ مَجْبُورَيْنِ بِالْقِيمَةِ، فَإِنَّمَا هُوَ أَقَلُّ قِيمَةً حِينَئِذٍ يَكُونُ أَخَفَّ وَأَيْسَرَ تَحَمُّلًا وَلَيْسَ فَلَيْسَ.
ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ فِي قَوْلِهِ وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَدَّمْنَاهُ، فَإِنَّ مَا قَدَّمَهُ مِنْ جَانِبِنَا هُوَ قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً صَيَّرَ حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِيمَةَ الْبِنَاءِ إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّاجَةِ كَانَ الْبِنَاءُ غَالِبًا عَلَى السَّاجَةِ فَيَصِحُّ إذْ ذَاكَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْغَاصِبَ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً صَيَّرَ إحْدَاثُهَا حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ لِظُهُورِ صِحَّةِ تَصْيِيرِ الْغَالِبِ الْمَغْلُوبِ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السَّاجَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ فَإِنَّمَا تَكُونُ السَّاجَةُ غَالِبَةً عَلَى الْبِنَاءِ فَيَشْكُلُ هُنَاكَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً صَيَّرَ حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ، إذْ تَصْيِيرُ الْمَغْلُوبِ الْغَالِبَ هَالِكًا غَيْرُ ظَاهِرٍ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ (قَوْلَهُ وَوَجْهٌ آخَرُ لَنَا فِيهِ أَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ إضْرَارًا بِالْغَاصِبِ بِنَقْضِ بِنَائِهِ الْحَاصِلِ مِنْ غَيْرِ خَلَفٍ وَضَرَرُ الْمَالِكِ فِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَجْبُورٌ بِالْقِيمَةِ) بَيَانُهُ أَنَّ فِيمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵂ إضْرَارًا بِالْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِ، وَفِيمَا قُلْنَا إضْرَارٌ بِالْمَالِكِ، وَلَكِنَّ ضَرَرَ الْمَالِكِ مَجْبُورٌ بِالْعِوَضِ وَهُوَ الْقِيمَةُ، فَكَانَ فَوَاتُ حَقِّهِ كَلَا فَوَاتٍ، وَضَرَرُ الْغَاصِبِ لَيْسَ بِمَجْبُورٍ بِشَيْءٍ فَيَفُوتُ حَقُّهُ لَا إلَى خَلَفٍ، فَكَانَ قَطْعُ حَقِّ الْمَالِكِ أَوْلَى مِنْ قَطْعِ حَقِّ الْغَاصِبِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُشْكِلُ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِمَا إذَا غَصَبَ سَاحَةً بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَبَنَى عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مَعَ جَرَيَانِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِعَيْنِهِ هُنَاكَ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى. نَعَمْ يُوجَدُ هُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ فَارَقَ بَيْنَهُمَا، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي انْتِقَاضِ هَذَا الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلَهُ كَمَا إذَا خَاطَ بِالْخَيْطِ الْمَغْصُوبِ بَطْنَ جَارِيَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ أَدْخَلَ اللَّوْحَ الْمَغْصُوبَ فِي سَفِينَتِهِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ جَوَازِ نَزْعِ الْخَيْطِ وَاللَّوْحِ عِنْدَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَلَفُ النَّاسِ لَا؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ
[ ٩ / ٣٣٨ ]
مَا إذَا بَنَى عَلَى نَفْسِ السَّاجَةِ يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ. وَجَوَابُ الْكِتَابِ يَرُدُّ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ. .
قَالَ (وَمِنْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ فَمَالِكُهَا بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَّهُ قِيمَتَهَا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ نُقْصَانَهَا، وَكَذَا الْجَزُورُ، وَكَذَا إذَا قَطَعَ يَدَهُمَا) هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَجْهُهُ أَنَّهُ إتْلَافٌ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ
مَلَكَ ذَلِكَ بِمَا صَنَعَ فَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ لِاخْتِلَافِ الْمُنَاطِ. قُلْنَا: ثَبَتَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَقُّ الْمَالِكِ وَغَيْرِهِ، وَجَعَلَ حَقَّ غَيْرِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بِإِبْطَالِهِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى ضَرَرِ الْمَالِكِ فَكَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ اهـ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنْ قَالَ: كَيْفَ يُقَاسُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالسَّاجَةُ كِلَاهُمَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ يُبَاحُ لَهُ نَقْضُ بِنَائِهِ وَإِخْرَاجُ السَّاجَةِ مِنْ تَحْتِهِ، بِخِلَافِ اللَّوْحِ وَالسَّفِينَةِ وَالْخَيْطِ وَالْجَارِيَةِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ لَا يُبَاحُ لَهُ نَزْعُ الْخَيْطِ وَاللَّوْحِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ إذْ لَا يَجِبُ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ اشْتَرَاك الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، بَلْ يَكْفِي اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لُحُوقُ زِيَادَةِ ضَرَرٍ بِغَيْرِ الْمَالِكِ عَلَى تَقْدِيرِ إبْطَالِ حَقِّهِ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْمَقِيسِ أَيْضًا بِلَا رَيْبٍ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالسَّاجَةُ كِلَاهُمَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ صَارَ بِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ، إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ هُنَاكَ، وَلَا يَكُونُ صَاحِبُ الْبِنَاءِ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ حِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِيمَا وَقَعَ مَقِيسًا هَاهُنَا، وَلَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعِلَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهِيَ لُحُوقُ زِيَادَةِ ضَرَرٍ بِغَيْرِ الْمَالِكِ عَلَى تَقْدِيرِ إبْطَالِ حَقِّهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ وَلَا بِالْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ فِيهِ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ وَجَوَابُ الْكِتَابِ يَرُدُّ ذَلِكَ) قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَنَا فِي قَوْلِهِ وَجَوَابُ الْكِتَابِ يَرُدُّ ذَلِكَ: أَيْ جَوَابُ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ يَرُدُّ مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقُدُورِيَّ يَرْوِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، فَكَيْفَ يَرُدُّ مُجَرَّدُ جَوَابِ الْقُدُورِيِّ قَوْلَ الْكَرْخِيِّ وَسَنَدُ رِوَايَتِهِ إلَيْهِ. نَعَمْ يَجُوزُ رُجْحَانِ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ، أَمَّا بِمُجَرَّدِ الرِّوَايَةِ فَلَا اهـ كَلَامَهُ.
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ اسْتِنَادَ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ مُخْتَصَرِهِ أَوْ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا إلَى الْكَرْخِيِّ فَهُوَ مَمْنُوع، كَيْف وَقَدْ صَرَّحَ هَذَا الشَّارِحُ نَفْسُهُ بِأَنَّ الْقُدُورِيَّ قَالَ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ: وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ يَقُولُ: الْمَسْأَلَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّهُ بَنَى عَلَى حَوَالَيْ السَّاجَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي الْبِنَاءِ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يُنْقَضُ.
وَأَمَّا إذَا بَنَى عَلَى نَفْسِ السَّاجَةِ يُنْقَضُ بِنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى فِيهِ. وَكَانَ الْهِنْدُوَانِيُّ يَخْتَارُ هَذَا الْقَوْلَ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فِيمَنْ غَصَبَ دِرْهَمًا فَجَعَلَهُ عُرْوَةَ مُزَادَةً سَقَطَ حَقُّ مَالِكِهِ، وَالْفِضَّةُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ مَالِكِهَا فِيهَا بِالصِّيَاغَةِ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَهُ بِكَوْنِهَا تَابِعَةً لِلْمَزَادَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِعَمَلٍ يُوقِعُهُ فِيهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى إطْلَاقِهَا وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَالِكِ فِي السَّاجَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ: إلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ. وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْقُدُورِيِّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقُدُورِيَّ لَا يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْكَرْخِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّقْيِيدِ بِأَنْ بَنَى عَلَى حَوَالَيْ السَّاجَةِ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى إطْلَاقِهَا بِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الصَّرْفِ كَمَا تَرَى، فَتَعَيَّنَ أَنَّ رِوَايَةَ الْقُدُورِيِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ قَالَ فَبَنَى عَلَيْهَا لَا يَسْتَنِدُ إلَى الْكَرْخِيِّ، بَلْ هُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَهُ وَمُتَمَسِّكٌ بِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الصَّرْفِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ اسْتِنَادَ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ إلَى الْكَرْخِيِّ بِالطَّرِيقِ الْمَزْبُورِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يُجْدِي ذَلِكَ هَاهُنَا شَيْئًا فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي مَسْأَلَةِ السَّاجَةِ وَهُوَ فِي رِوَايَتِهَا يُخَالِفُ الْكَرْخِيَّ كَمَا عَرَفَتْ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرَهُ فَمَالِكُهَا بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ نُقْصَانَهَا، وَكَذَا الْجَزُورُ) وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ مِنْ الْإِبِلِ، مِنْ الْجَزْرِ وَهُوَ
[ ٩ / ٣٣٩ ]
فَوْتِ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ مِنْ الْحَمْلِ وَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَبَقَاءِ بَعْضِهَا وَهُوَ اللَّحْمُ فَصَارَ كَالْخَرْقِ الْفَاحِشِ فِي الثَّوْبِ،
الْقَطْعُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَهِيَ تُؤَنَّثُ، كَذَا قَالُوا: وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْجَزُورَ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْحُكْمَ فِي الشَّاةِ مِنْ الْخِيَارِ بَيْنَ تَضْمِينِ الْقِيمَةِ وَتَضْمِينِ النُّقْصَانِ لِدَفْعِ شُبْهَةٍ تَرِدُ عَلَى اخْتِيَارِ تَضْمِينِ النُّقْصَانِ بِأَنْ يُقَالَ: النُّقْصَانُ بِالذَّبْحِ فِي الشَّاةِ إنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ تَفْوِيتِ صَلَاحِيَّتِهَا لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالْجَزُورُ هِيَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلذَّبْحِ فَلَمْ يَكُنْ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ مَطْلُوبَيْنِ هَاهُنَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الْغَاصِبُ النُّقْصَانَ بَلْ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ مِنْ جِزَارَتِهِ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ حَقَّقَ مَقْصُودَهُ فِيهَا فَكَانَ زِيَادَةً لَا نُقْصَانًا، كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ حَيْثُ يَضْمَنُ الْمَالِكُ لِلْغَاصِبِ مَا زَادَ الصِّبْغُ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ لِكَوْنِ صَبْغِ الْحُمْرَةِ زِيَادَةٌ فَدَفَعَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ وَكَذَا الْجَزُورُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ إزَالَةِ الْحَيَاةِ عَنْ الْحَيَوَانِ نُقْصَانٌ فَكَانَ لِلْمَالِكِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَالِكِ مَقْصُودٌ فِيهَا سِوَى الدَّرِّ وَالنَّسْلِ مِنْ الِاسْمَانِ وَتَبْقِيَتِهَا إلَى زَمَانٍ لِيُحَصِّلَ مَقَاصِدَهُ مِنْهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. وَأَفَادَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ خُلَاصَةَ هَذَا الْمَعْنَى بِعِبَارَةٍ أُخْرَى حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّهُ لِدَفْعِ مَا عَسَى أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ غَاصِبَهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ لِجِزَارَتِهِ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ حَقَّقَ مَقْصُودَهُ فِيهِ فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِيهِ لَا نُقْصَانًا حَيْثُ أُعِدَّ لِلْجَزْرِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْهُ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ إزَالَةِ الْحَيَاةِ عَنْ الْحَيَوَانِ نُقْصَانٌ فَكَانَ لِلْمَالِكِ الْخِيَارُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مَقْصُودٌ سِوَاهُمَا مِنْ زِيَادَةِ الِاسْمَانِ وَالتَّأْخِيرِ إلَى وَقْتٍ آخَرَ لِمَصْلَحَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ اهـ كَلَامَهُ. .
وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلَهُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ لِدَفْعِ مَا عَسَى أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ غَاصِبَهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ حَيْثُ قَالَ: لَا مَجَالَ لِهَذَا التَّوَهُّمِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ غَصْبًا فَهُوَ تَبَرُّعٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأَجْرَ. وَقَالَ: فَالْأَوْلَى طَيُّ قَضِيَّةِ اسْتِحْقَاقِ أَجْرِ الْمِثْلِ مِنْ الْبَيْنِ وَيَقُولُ بَدَلَهُ إنَّ ذَابِحَهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ غَاصِبًا اهـ. أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ لَا مَجَالَ لِهَذَا التَّوَهُّمِ أَصْلًا تَحَكُّمٌ. وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ غَصْبًا فَهُوَ تَبَرُّعٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأَجْرَ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا لِمَا زَادَهُ الصَّبْغُ فِيمَا
[ ٩ / ٣٤٠ ]
وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَقَطَعَ الْغَاصِبُ طَرَفَهَا لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِخِلَافِ قَطْعِ طَرَفِ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ حَيْثُ يَأْخُذُهُ مَعَ أَرْشِ الْمَقْطُوعِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ قَطْعِ الطَّرَفِ. .
قَالَ (وَمَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ خَرْقًا يَسِيرًا ضَمِنَ نُقْصَانَهُ وَالثَّوْبُ لِمَالِكِهِ)؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا دَخَلَهُ عَيْبٌ فَيَضْمَنُهُ (وَإِنْ خَرَقَ خَرْقًا كَبِيرًا يُبْطِلَ عَامَّةَ مَنَافِعِهِ فَلِمَالِكِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَكَأَنَّهُ أَحْرَقَهُ. قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ يَتْرُكُ الثَّوْبَ عَلَيْهِ: وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّهُ تَعْيِيبٌ مِنْ وَجْهٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَيْنَ بَاقٍ، وَكَذَا بَعْضُ الْمَنَافِعِ قَائِمٌ، ثُمَّ إشَارَةُ الْكِتَابِ إلَى
إذَا أَخَذَ ثَوْبَ غَيْرِهِ فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، بَلْ ضَمِنَهُ لِلْمَالِكِ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَبَرِّعًا لِمَا زَادَهُ الذَّبْحُ فِيمَا إذَا ذَبَحَ جَزُورَ غَيْرِهِ، بَلْ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقَّقَ مَقْصُودَ الْمَالِكِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْقِيَاسِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنَاطًا لِلِاجْتِهَادِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأً لِلتَّوَهُّمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ؟ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ وَكَذَا الْجَزُورُ وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَقَطَعَ الْغَاصِبُ طَرَفهَا لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قِيلَ لَيْسَ لِتَقْيِيدِهِ بِغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّ حُكْمَ مَأْكُولِهِ أَيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ قَوْلَهُ وَكَذَا إذَا قَطَعَ يَدَهُمَا عَلَى قَوْلِهِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ نُقْصَانَهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ. وَمِنْ الشَّارِحِينَ مَنْ قَالَ: هَذَا إنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ تَضْمِينِ الْقِيمَةِ بِلَا خِيَارٍ فِيهِمَا: يَعْنِي فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِهِ إذَا قَطَعَ طَرَفَهُ فَكَانَ فَائِدَةُ ذِكْرِهِ رَدُّ ذَلِكَ الظَّاهِرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَفَى أَنْ يَقُولَ: وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ. وَالثَّانِي أَنَّ التَّعْلِيلَ يَدُلُّ عَلَى مُغَايَرَةِ الْحُكْمِ بَيْنَ قَطْعِ طَرَفِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِهِ حَيْثُ قَالَ فِي الْأَوَّلِ: إنَّهُ إتْلَافٌ مِنْ وَجْهٍ، وَفِي الثَّانِي: لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ اهـ.
أَقُولُ: الْقَائِلُ بِعَدَمِ فَائِدَةِ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ إنَّمَا هُوَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَصَاحِبُ مِعْرَاجِ الدَّارِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُرَادُ بِمَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ الشَّارِحِينَ مَنْ قَالَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الشَّارِحِينَ بِمَا يُشْبِهُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ سِوَى صَاحِبِ الْغَايَةِ، إلَّا أَنَّ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لَيْسَ عَيْنَ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْغَايَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ عَيْنَ عِبَارَتِهِ هَكَذَا: هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فِي قَطْعِ الطَّرَفِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ تَضْمِينِ جَمِيعِ الْقِيمَةِ فِيهَا بِلَا خِيَارٍ، وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ هَذَا اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى هَاتِيك الْعِبَارَةِ شَيْءٌ مِنْ وَجْهَيْ نَظَرِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مَدَارَ وُرُودِهِمَا عَلَى حَمْلِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ عَلَى تَسْوِيَةِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِهِ فِي الْحُكْمِ، وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الْغَايَةِ تُنَادِي عَلَى حَمْلِ مُرَادِهِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا حَيْثُ قَالَ: هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فِي قَطْعِ الطَّرَفِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ تَبَصَّرْ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَفْيَ خِيَارِ الْمَالِكِ بَيْنَ
[ ٩ / ٣٤١ ]
أَنَّ الْفَاحِشَ مَا يَبْطُلُ بِهِ عَامَّةُ الْمَنَافِعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَاحِشَ مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْعَيْنِ وَجِنْسُ الْمَنْفَعَةِ وَيَبْقَى بَعْضُ الْعَيْنِ وَبَعْضُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْيَسِيرُ مَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ النُّقْصَانُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا جَعَلَ فِي الْأَصْلِ قَطْعَ الثَّوْبِ نُقْصَانًا فَاحِشًا وَالْفَائِتُ بِهِ بَعْضُ الْمَنَافِعِ. .
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا أَوْ بَنَى قِيلَ لَهُ
تَضْمِينِ قِيمَتِهَا وَبَيْنَ إمْسَاكِ الْجُثَّةِ وَتَضْمِينِ نُقْصَانِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ نَقْلُ الْكُتُبِ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي فَقَالَ: وَفِي الْمُنْتَقَى: هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ: رَجُلٌ قَطَعَ يَدَ حِمَارٍ أَوْ رِجْلَهُ وَكَانَ لِمَا بَقِيَ قِيمَةٌ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَ وَيَأْخُذَ النُّقْصَانَ اهـ كَلَامَهُ.
أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ مُخَالَفَةَ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ لِنَقْلِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ مَا رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ مِنْ جَوَازِ اخْتِيَارِ الْإِمْسَاكِ وَأَخْذِ النُّقْصَانِ فِيمَا إذَا قَطَعَ طَرَفًا مِنْ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ كَانَ لِمَا بَقِيَ قِيمَةٌ كَمَا تَرَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وُجُوبَ تَضْمِينِ جَمِيعِ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَا بَعْدَ قَطْعِ الطَّرَفِ قِيمَةٌ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ الِاسْتِهْلَاكُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِيمَا إذَا كَانَ لِمَا بَقِيَ بَعْدَ قَطْعِ الطَّرَفِ قِيمَةٌ، بَلْ يَبْقَى فِيهِ مَنْفَعَةُ الْقِيمَةِ فَيَصِيرُ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكِفَايَةِ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَقَطَعَ الْغَاصِبُ طَرَفَهَا لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا: أَيْ الْوَاجِبُ هُنَا جَمِيعُ الْقِيمَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلدَّابَّةِ مَنْفَعَةٌ بَعْدَ قَطْعِ طَرَفِهَا لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا إذَا كَانَ لِمَا بَقِيَ قِيمَةٌ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَ وَيَأْخُذَ النُّقْصَانَ، وَنَقَلَ مَا فِي
[ ٩ / ٣٤٢ ]
اقْلَعْ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَرُدَّهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَلِأَنَّ مِلْكَ صَاحِبِ الْأَرْضِ بَاقٍ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَصِرْ مُسْتَهْلَكَةً وَالْغَصْبُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا، وَلَا بُدَّ لِلْمِلْكِ مِنْ سَبَبٍ فَيُؤْمَرُ الشَّاغِلُ بِتَفْرِيغِهَا، كَمَا إذَا شَغَلَ ظَرْفَ غَيْرِهِ بِطَعَامِهِ (فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ ذَلِكَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ لَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ مَقْلُوعًا وَيَكُونَانِ لَهُ)؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لَهُمَا وَدُفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا. وَقَوْلُهُ قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا مَعْنَاهُ قِيمَةُ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهِ، إذْ لَا قَرَارَ لَهُ فِيهِ فَتَقُومُ الْأَرْضُ بِدُونِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ وَتَقُومُ وَبِهَا شَجَرٌ أَوْ بِنَاءٌ، لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا. .
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ وَمِثْلَ السَّوِيقِ وَسَلَّمَهُ لِلْغَاصِبِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا وَغَرِمَ مَا زَادَ الصَّبْغُ وَالسَّمْنُ فِيهِمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الثَّوْبِ: لِصَاحِبِهِ أَنْ يَمْسِكَهُ وَيَأْمُرَ الْغَاصِبَ بِقَلْعِ الصَّبْغِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ اعْتِبَارًا بِفَصْلِ السَّاحَةِ
الْمُنْتَقَى مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀
(قَوْلُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ») صَحَّحَهُ فِي الْمُغْرِبِ بِتَنْوِينِ عَرَقٍ حَيْثُ قَالَ: أَيْ لِذِي عَرَقٍ ظَالِمٍ، وَهُوَ الَّذِي يَغْرِسُ فِي الْأَرْضِ غَرْسًا عَلَى وَجْهِ الِاغْتِصَابِ لِيَسْتَوْجِبَهَا وُصِفَ الْعَرَقُ بِالظُّلْمِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ صَاحِبِهِ مَجَازًا، وَقَدْ رُوِيَ بِالْإِضَافَةِ لَيْسَ لِعِرْقِ غَاصِبٍ ثُبُوتٌ بَلْ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا.
أَقُولُ: فِيمَا ذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّرَ الْمُضَافَ أَوَّلًا حَيْثُ قَالَ: أَيْ لِذِي عَرَقٍ ظَالِمٍ، وَجَعَلَ وَصْفَ الْعَرَقِ بِالظُّلْمِ تَجَوُّزًا ثَانِيًا، وَبَيْنَهُمَا تَنَافُرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّرَ الْمُضَافَ يَصِيرُ ظَالِمُ صِفَةً لَهُ لَا لِعَرَقٍ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» أَنَّ قَوْلَهُ مَحْرَمٌ صِفَةُ ذَا وَجَرَّهُ لِلْجِوَارِ فَيَتِمُّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَلَا يَكُونُ لِلْمَصِيرِ إلَى التَّجَوُّزِ وَجْهٌ، وَعَنْ هَذَا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ مَا ذَكَرَهُ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ خَلَا الْقَوْلِ بِوَصْفِ الْعَرَقِ بِالظُّلْمِ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ بِقَوْلِهِ أَيْ لِذِي عَرَقٍ ظَالِمٍ مُجَرَّدُ تَصْوِيرِ الْمَعْنَى، لَا أَنَّ هُنَاكَ مُضَافًا مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلَا مَجَالَ لِكَوْنِ ظَالِمٍ نَعْتًا لِذِي؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ اهـ. أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ أَمْرٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّ ذَا الَّذِي بِمَعْنَى صَاحِبِ لَا يَكُونُ إلَّا مُضَافًا، وَيَكُونُ نَكِرَةً إنْ أُضِيفَ إلَى نَكِرَةٍ، وَمَعْرِفَةً إنْ أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ. وَعَنْ هَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ: وَأَمَّا ذُو الَّذِي بِمَعْنَى صَاحِبِ فَلَا يَكُونُ إلَّا مُضَافًا، فَإِنْ وَصَفْت بِهِ نَكِرَةً أَضَفْتَهُ إلَى نَكِرَةٍ، وَإِنْ وَصَفْت بِهِ مَعْرِفَةً أَضَفْتَهُ إلَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُضِيفَهُ إلَى مُضْمَرٍ وَلَا إلَى زَيْدٍ وَمَا أَشْبَهَهُ اهـ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ الَّذِي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ عَرَقٌ نَكِرَةٌ فَيَكُونُ الْمُضَافُ أَيْضًا نَكِرَةً، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَلَا مَجَالَ لِكَوْنِ ظَالِمٍ نَعْتًا لِذِي؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ، وَكَأَنَّ وَهْمَهُ ذَهَبَ إلَى ذِي الَّتِي هِيَ مُؤَنَّثُ ذَا مِنْ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ. وَنِعْمَ مَا قَالُوا: لِكُلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ، وَلِكُلِّ صَارِمٍ نَبْوَةٌ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ مِلْكَ صَاحِبِ الْأَرْضِ بَاقٍ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَصِرْ مُسْتَهْلَكَةً وَالْغَصْبُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا إلَخْ) أَقُولُ: لِمُتَوَهِّمٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي التَّعْلِيلِ وَالْغَصْبِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا يُنَافِي وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْغَصْبِ بِأَنْ قَالَ: وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا أَوْ بَنَى. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَصْبِ الْمَذْكُورِ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَبِالْغَصْبِ الْمَنْفِيِّ تَحَقُّقُهُ فِي الْأَرْضِ فِي أَثْنَاءِ
[ ٩ / ٣٤٣ ]
بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُمْكِنٌ، بِخِلَافِ السَّمْنِ فِي السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَذِّرٌ. وَلَنَا مَا بَيَّنَّا أَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الْجَانِبَيْنِ وَالْخِيَرَةُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْأَصْلِ، بِخِلَافِ السَّاحَةِ بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لَهُ بَعْدَ النَّقْضِ؛ أَمَّا الصِّبْغُ فَيَتَلَاشَى، وَبِخِلَافِ مَا إذَا انْصَبَغَ بِهُبُوبِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ لِيَضْمَنَ الثَّوْبَ فَيَتَمَلَّكُ صَاحِبُ الْأَصْلِ الصِّبْغَ. قَالَ أَبُو عِصْمَةَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الثَّوْبِ بَاعَهُ وَيَضْرِبُ بِقِيمَتِهِ أَبْيَضَ وَصَاحِبُ الصَّبْغِ بِمَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ الصَّبْغَ بِالْقِيمَةِ، وَعِنْدَ امْتِنَاعِهِ تَعَيَّنَ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَيَتَأَتَّى، هَذَا فِيمَا إذَا انْصَبَغَ الثَّوْبُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا لِوَجْهٍ فِي السَّوِيقِ، غَيْرَ أَنَّ السَّوِيقَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ وَالثَّوْبُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ. وَقَالَ فِي الْأَصْلِ: يَضْمَنُ قِيمَةَ السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ السَّوِيقَ يَتَفَاوَتُ بِالْقَلْيِ فَلَمْ يَبْقَ مِثْلِيًّا. وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمِثْلُ سَمَّاهُ بِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَالصُّفْرَةُ كَالْحُمْرَةِ. وَلَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ فَهُوَ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ. وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ. وَقِيلَ إنْ كَانَ ثَوْبًا يُنْقِصُهُ السَّوَادُ فَهُوَ نُقْصَانٌ، وَإِنْ كَانَ ثَوْبًا يُزِيدُ فِيهِ السَّوَادُ فَهُوَ كَالْحُمْرَةِ وَقَدْ عُرِفَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا تُنْقِصُهُ الْحُمْرَةُ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَتَرَاجَعَتْ بِالصَّبْغِ إلَى عِشْرِينَ، فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى ثَوْبٍ تُزِيدُ فِيهِ الْحُمْرَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَمْسَةً يَأْخُذُ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْخَمْسَتَيْنِ جُبِرَتْ بِالصَّبْغِ.
التَّعْلِيلِ هُوَ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ عَلَى أَصْلِ أَئِمَّتِنَا فَلَا مُنَافَاةَ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَدْ مَرَّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْغَصْبِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ أَنَّ عِبَارَاتِ مَشَايِخِنَا اخْتَلَفَتْ فِي غَصْبِ الدُّورِ وَالْعَقَارِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْغَصْبُ، وَلَكِنْ لَا عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْقُدُورِيُّ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ لَمْ يَضْمَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ السُّؤَالُ عَلَى قَوْلِهِ وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَحَقَّقُ فَيُجَابُ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا تَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْغَصْبِ سَمَّاهُ غَصْبًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾؛ لِأَنَّهُ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْمَلَائِكَةِ اهـ كَلَامَهُ. أَقُولُ: قَدْ مَرَّ مِنَّا أَيْضًا هُنَاكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ مَشَايِخِنَا: إنَّ الْغَصْبَ الشَّرْعِيَّ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْعَقَارِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ
[ ٩ / ٣٤٤ ]
(فَصْلٌ)
وَمَنْ غَصَبَ عَيْنًا فَغَيَّبَهَا فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا مَلَكَهَا وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ. وَلَنَا أَنَّهُ مَلَكَ الْبَدَلَ بِكَمَالِهِ، وَالْمُبَدَّلُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَيَمْلِكُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّقْلِ لِحَقِّ الْمُدَبَّرِ،
لَمَا صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لَا عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ، فَإِنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عِنْدَ هَلَاكِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ حُكْمٌ مُقَرَّرٌ لِمُطْلَقِ الْغَصْبِ الشَّرْعِيِّ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا اغْتَرَّ صَاحِبُ الْغَايَةِ بِاسْتِعْمَالِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لَفْظَ الْغَصْبِ فِي الْعَقَارِ. وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلَى طَرَفِ التَّمَامِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا، فَلَا وَجْهَ لِبِنَاءِ عَدَمِ وُرُودِ السُّؤَالِ عَلَى قَوْلِهِ وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ الشَّرْعِيِّ فِي الْعَقَارِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَنَى عَلَيْهِ لَوَرَدَ السُّؤَالُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ، وَالْغَصْبُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُطَابِقَ التَّعْلِيلُ الْمُعَلِّلَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْقَوْلِ بِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِي الْعَقَارِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْغَصْبِ سَمَّاهُ غَصْبًا فَلَهُ وَجْهٌ؛ وَلَكِنْ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مَنْدُوحَةٌ عَنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى.
(فَصْلٌ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ كَيْفِيَّةِ مَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْغَاصِبِ بِالضَّمَانِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً تَتَّصِلُ بِمَسَائِلِ الْغَصْبِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُصَنِّفِينَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا بِعِبَارَةٍ أَقْصَرَ. أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ مَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْغَاصِبِ بِفِعْلِهِ وَعَمَلِهِ لَا بِالضَّمَانِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ هُنَاكَ عِنْوَانُ الْفَصْلِ حَيْثُ قَالَ: فَصْلٌ فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِعَمَلِ الْغَاصِبِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا قَوْلُهُ: وَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعَظُمَ مَنَافِعُهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ، وَلَوْ سَلَّمَ ذَلِكَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ مَا ذَكَرَ فِي صَدْرِ هَذَا الْفَصْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَمَنْ غَصَبَ عَيْنًا فَغَيَّبَهَا فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا مَلَكَهَا فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْغَاصِبِ بِالضَّمَانِ صَرِيحًا (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ. وَلَنَا أَنَّهُ مَلَكَ الْبَدَلَ بِكَمَالِهِ، وَالْمُبْدَلُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَيَمْلِكُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وَكَلَامُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُوَ الْغَصْبُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ
[ ٩ / ٣٤٥ ]
نَعَمْ قَدْ يُفْسَخُ التَّدْبِيرُ بِالْقَضَاءِ لَكِنَّ الْبَيْعَ بَعْدَهُ يُصَادِفُ الْقِنَّ.
قَالَ (وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِالْحُجَّةِ الْمُلْزِمَةِ.
تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ مُنَاسِبًا اهـ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ عَدَمَ مُنَاسَبَتِهِ لَا يُهِمُّنَا، غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا آخَرَ لَنَا فِي الْجَوَابِ اهـ.
أَقُولُ: كَيْفَ لَا يُهِمُّنَا عَدَمُ مُنَاسَبَةِ تَعْلِيلِهِ وَهُوَ خَصْمُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَزْيِيفُ دَلِيلِ خَصْمِنَا مِمَّا يُهِمُّنَا لَا مَحَالَةَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ الْمِلْكِ هُوَ الْغَصْبُ عِنْدَنَا لَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى الْمُصَنِّفِ بَيَانُ عَدَمِ مُنَاسَبَةِ تَعْلِيلِهِ لِمَا قُلْنَا لِيَتَزَيَّفَ بِهِ دَلِيلُهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ تَزْيِيفِ دَلِيلِهِ بِهَذَا الْوَجْهِ بِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَنَا أَنَّهُ مَلَكَ الْبَدَلَ بِكَمَالِهِ إلَخْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْبَعْضُ بِقَوْلِهِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا آخَرَ لَنَا فِي الْجَوَابِ. قُلْنَا: مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَنَا أَنَّهُ مَلَكَ الْبَدَلَ إلَخْ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا آخَرَ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ إشْكَالُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي تَعْلِيلِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ الْمِلْكِ عِنْدَنَا هُوَ الْغَصْبُ لَمَا تَرَكَ مَنْعَ كَوْنِ الْغَصْبِ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عِنْدَنَا فِي الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ الْخَصْمُ، فَهَلْ يَسْتَغْنِي الْعَاقِلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْجَلِيِّ الْقَاطِعِ عِنْدَ إمْكَانِ التَّشَبُّثِ بِهِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ خَفِيُّ الدَّلَالَةَ عَلَى دَفْعِ مَا قَالَهُ الْخَصْمُ كَمَا تَرَى، فَصَحَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ سَوْقَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ عِنْدَنَا هُوَ الْغَصْبُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فِي الْأَسْرَارِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْغَصْبُ يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْمَغْصُوبِ عِنْدَ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ أَوْ التَّرَاضِي عَلَيْهِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) فَإِنْ عَجَزَ الْمَالِكُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبَ يَمِينَ الْغَاصِبِ وَلِلْغَاصِبِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ
[ ٩ / ٣٤٦ ]
قَالَ (فَإِنْ ظَهَرَتْ الْعَيْنُ وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ وَقَدْ ضَمِنَهَا بِقَوْلِ الْمَالِكِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا أَوْ بِنُكُولِ الْغَاصِبِ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا خِيَارَ لِلْمَالِكِ وَهُوَ الْغَاصِبُ)؛ لِأَنَّهُ تَمَّ لَهُ الْمِلْكُ بِسَبَبٍ اتَّصَلَ بِهِ رِضَا الْمَالِكِ حَيْثُ ادَّعَى هَذَا الْمِقْدَارَ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ بِقَوْلِ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَيْنَ وَرَدَّ الْعِوَضَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ حَيْثُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَأَخَذَهُ دُونَهَا لِعَدَمِ الْحُجَّةِ. وَلَوْ ظَهَرَتْ الْعَيْنُ وَقِيمَتُهَا مِثْلَ مَا ضَمَّنَهُ أَوْ دُونَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْأَخِيرِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ ﵀ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ حَيْثُ لَمْ يُعْطِ لَهُ مَا يَدَّعِيهِ وَالْخِيَارُ لِفَوَاتِ الرِّضَا.
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ فَقَدْ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ)؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ الثَّابِتَ فِيهِ نَاقِصٌ لِثُبُوتِهِ مُسْتَنِدًا أَوْ ضَرُورَةً، وَلِهَذَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ دُونَ الْأَوْلَادِ، وَالنَّاقِصُ يَكْفِي لِنُقُودِ الْبَيْعِ دُونَ
بِقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ، بَلْ يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَنْفِي الزِّيَادَةَ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ، وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ يَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عُدَّتْ مُشْكِلَةً. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ، وَبِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَسْقَطْتَهَا وَارْتَفَعْتَ الْخُصُومَةُ. وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَعَلَيْهِ هَاهُنَا الْيَمِينُ وَالْقِيمَةُ، وَبِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا الْيَمِينُ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمُودِعِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: فِيمَا ذَكَرُوا مِنْ وَجْهِ الْفَرْقِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ أَنْ لَا يَكُونَ الْغَاصِبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْمُودِعِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ حَيْثُ وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ الْيَمِينُ وَالْقِيمَةُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُودَعِ إلَّا الْيَمِينُ
[ ٩ / ٣٤٧ ]
الْعِتْقِ كَمِلْكِ الْمُكَاتَبِ.
قَالَ (وَوَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ وَنَمَاؤُهَا، وَثَمَرَةُ الْبُسْتَانِ الْمَغْصُوبِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إنْ هَلَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُتَعَدَّى فِيهَا أَوْ يَطْلُبَهَا مَالِكُهَا فَيَمْنَعُهَا إيَّاهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً لِوُجُودِ الْغَصْبِ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا فِي الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ إذَا وَلَدَتْ فِي يَدِهِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَ الْمَالِكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَدُ الْمَالِكِ مَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ،
وَهَذَا لَا يُنَافِي صِحَّةَ قِيَاسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ فِي قَبُولِ الْبَيِّنَةِ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الِاتِّحَادَ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْجِهَةِ كَافٍ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ، وَلَا يَضُرُّهَا وُجُوبُ الْقِيمَةِ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا عَجَزَ الْمَالِكُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَقَلِّ الَّذِي كَانَ مُعْتَرِفًا بِهِ، وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ إلَّا مُجَرَّدُ إسْقَاطِ الْيَمِينِ عَلَى الزِّيَادَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِذَا حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الْفَائِدَةُ صَارَ فِي مَعْنَى الْمُودِعِ مِنْ جِهَةِ اتِّحَادِ فَائِدَةِ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَ الْمَالِكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَدُ الْمَالِكِ مَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَلَدَ إذَا غَصَبَ الْجَارِيَةَ حَامِلًا؛ لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا غَصَبَهَا غَيْرَ حَامِلٍ فَحَبِلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَوَلَدَتْ، وَالرِّوَايَةُ فِي الْأَسْرَارِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ بِمَالٍ، بَلْ يُعَدُّ عَيْبًا فِي الْأَمَةِ فَلَمْ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالًا لَمَا صَحَّ إعْتَاقُهُ وَتَدْبِيرُهُ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ لَا يَكُونُ إلَّا مَالًا مَمْلُوكًا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّهُ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ وَتَدْبِيرُهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَالًا. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ مَحَلَّ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَالًا بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مِلْكًا، وَأَنَّ الْمِلْكَ يَجُوزُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِي غَيْرِ الْمَالِ أَيْضًا.
فَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ لَا يُصْلِحُ عِبَارَةَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُ أَنَّ وَجْهَ عَدَمِ ضَمَانِ الْوَلَدِ فِيمَا إذَا غَصَبَ الْجَارِيَةَ حَامِلًا هُوَ عَدَمُ كَوْنِ الْحَمْلِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مَالًا، لَا أَنَّ يَدَ الْمَالِكِ مَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَيَدُ الْمَالِكِ مَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَا تَتَنَاوَلُ مَا إذَا غَصَبَ الْجَارِيَةَ حَامِلًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ فِي هَاتِيكَ الصُّورَةِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ، فَلَمْ يَنْدَفِعْ وُرُودُ
[ ٩ / ٣٤٨ ]
وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْوَلَدِ لَا يُزِيلُهَا، إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْمَنْعِ، حَتَّى لَوْ مَنَعَ الْوَلَدَ بَعْدَ طَلَبِهِ يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إذَا تَعَدَّى فِيهِ كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَذَلِكَ بِأَنْ أَتْلَفَهُ أَوْ ذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، وَفِي الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ لَا يَضْمَنُ وَلَدَهَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْإِرْسَالِ لِعَدَمِ الْمَنْعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إذَا هَلَكَ بَعْدَهُ لِوُجُودِ الْمَنْعِ بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الشَّرْعُ، عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا.
وَلَوْ أَطْلَقَ الْجَوَابَ فَهُوَ ضَمَانُ جِنَايَةٍ،
الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ عَلَى عِبَارَةِ الْكِتَابِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْوَلَدِ لَا يُزِيلُهَا إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْمَنْعِ) أَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا غَصَبَ الْجَارِيَةَ غَيْرَ حَامِلٍ فَحَبِلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
وَأَمَّا فِيمَا إذَا غَصَبَهَا حَامِلًا فَلَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَانَ جُزْءًا مِنْ أُمِّهِ حِينَ الْغَصْبِ فَكَانَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ أُمِّهِ مُسْتَلْزِمًا لِإِزَالَتِهَا عَنْهُ أَيْضًا ضَرُورَةَ اسْتِلْزَامِ إزَالَةِ الْيَدِ عَنْ الْكُلِّ إزَالَتَهَا عَنْ أَجْزَائِهِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إذْ ذَاكَ أَنْ يُقَالَ: وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْوَلَدِ لَا يُزِيلُهَا، وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِأَنْ يُقَالَ: إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْكُلِّ بِإِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهُ مَنْعٌ لِجُزْئِهِ أَيْضًا، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا غَصَبَهَا حَامِلًا وَبَيْنَ مَا إذَا غَصَبَهَا غَيْرَ حَامِلٍ فَحَبِلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فِي كَوْنِ الْوَلَدِ غَيْرَ مَضْمُونٍ عِنْدَنَا، فَكَانَ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ قَاصِرًا عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَعُورِضَ بِأَنَّ الْأُمَّ مَضْمُونَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَالْأَوْصَافُ الْقَارَّةُ فِي الْأُمَّهَاتِ تَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ كَالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالْمِلْكِ فِي الشِّرَاءِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الضَّمَانَ لَيْسَ بِصِفَةٍ قَارَّةٍ فِي الْأُمِّ بَلْ هُوَ لُزُومُ حَقٍّ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ فَإِنْ وَصَفَ بِهِ الْمَالَ كَانَ مَجَازًا اهـ كَلَامُهُ.
وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذِكْرِ مَضْمُونِ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي، يُقَالُ: ضَمِنَهُ ضَمَانًا، وَلِمِثْلِ هَذَا الْمَصْدَرِ تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِيرُ وَصْفًا لَهُ
[ ٩ / ٣٤٩ ]
وَلِهَذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا، وَيَجِبُ بِالْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ، فَلَأَنْ يَجِبَ بِمَا هُوَ فَوْقَهَا وَهُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْأَمْنِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
قَالَ (وَمَا نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءً بِهِ انْجَبَرَ
وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِيرُ وَصْفًا لَهُ أَيْضًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي التَّلْوِيحِ فِي فَصْلِ أَلْفَاظِ الْعَامِّ وَحَقَّقَهُ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ مُحْتَاجٌ إلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فِي التَّعَقُّلِ وَالْوُجُودِ جَمِيعًا، وَإِلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ فِي الْوُجُودِ فَقَطْ. وَقَالَ: وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَصْفٌ لَهُ.
وَقَالَ: وَلَا امْتِنَاعَ فِي قِيَامِ الْإِضَافِيَّاتِ بِالْمُضَافِينَ، وَرَدَّ بِهِ قَوْلَ صَاحِبِ الْكَشْفِ إنَّ الضَّرْبَ قَائِمٌ بِالضَّارِبِ فَلَا يَقُومُ بِالْمَضْرُوبِ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِشَخْصَيْنِ، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ الضَّمَانَ كَمَا يُوصَفُ بِهِ الْغَاصِبُ حَقِيقَةً فَيُقَالُ هُوَ ضَامِنٌ يُوصَفُ بِهِ الْمَالُ أَيْضًا حَقِيقَةً فَيُقَالُ هُوَ مَضْمُونٌ، فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ فَإِنْ وُصِفَ بِهِ الْمَالُ كَانَ مَجَازًا مَمْنُوعٌ جِدًّا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وُجِدَ الضَّمَانُ فِي مَوَاضِعَ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا فَكَانَ أَمَارَةَ زَيْفِهَا، وَذَلِكَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يُزِلْ يَدَ الْمَالِكِ بَلْ أَزَالَ يَدَ الْغَاصِبِ، وَكَالْمُلْتَقِطِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِشْهَادِ وَلَمْ يُزِلْ يَدًا، وَالْمَغْرُورُ إذَا مَنَعَ الْوَلَدَ يَضْمَنُ بِهِ الْوَلَدَ وَلَمْ يُزِلْ يَدًا فِي حَقِّ الْوَلَدِ، وَيَضْمَنُ الْأَمْوَالَ بِالْإِتْلَافِ تَسَبُّبًا كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَلَيْسَ ثَمَّةَ إزَالَةُ يَدِ أَحَدٍ وَلَا إثْبَاتُهَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا قُلْنَا إنَّ الْغَصْبَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ يُوجِبُ الضَّمَانَ مُطَّرِدٌ لَا مَحَالَةَ. وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَانَ غَصْبًا فَلَمْ يُلْتَزَمْ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ حُكْمًا نَوْعِيًّا يَثْبُتُ كُلُّ شَخْصٍ مِنْهُ بِشَخْصٍ مِنْ الْعِلَّةِ مِمَّا يَكُونُ تَعَدِّيًا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ قَوْلَك الْغَصْبُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ يُوجِبُ الضَّمَانَ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لَتَحَقَّقَ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ بِدُونِ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ تَعْلِيلَ مَسْأَلَتِنَا بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ مُنْتَقَضٌ بِالصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّ تَفْسِيرَ الْغَصْبِ بِمَا ذَكَرْنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي زَوَائِدِ الْمَغْصُوبِ فَلَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ فِيهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ أَيْضًا مَعَ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِيهَا فَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ ذَلِكَ السُّؤَالَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ. فَالْأَوْلَى فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَا فُصِّلَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، فَإِنْ شِئْت فَرَاجِعْهُمَا.
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: أَيْ يَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَدَّى الضَّمَانَ بِسَبَبِ إخْرَاجِ الصَّيْدِ عَنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ أَخْرَجَ ذَلِكَ الصَّيْدَ مِنْ الْحَرَمِ يَجِبُ ضَمَانٌ آخَرُ، كَذَا وَجَدْتُ بِخَطِّ شَيْخِي، وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الْإِرْسَالِ بِتَكَرُّرِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحَرَمِ، وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ فِي الْمَنَاسِكِ حَيْثُ جَعَلَ هُنَاكَ إيصَالَ صَيْدِ الْحَرَمِ إلَى الْحَرَمِ بِمَنْزِلَةِ إيصَالُ
[ ٩ / ٣٥٠ ]
النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ وَسَقَطَ ضَمَانُهُ عَنْ الْغَاصِبِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُهُ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا لِمِلْكِهِ كَمَا فِي وَلَدِ الظَّبْيَةِ، وَكَمَا إذَا هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ أَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَبِالْوَلَدِ وَفَاءٌ، وَصَارَ كَمَا إذَا جَزَّ صُوفَ شَاةِ غَيْرِهِ أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ شَجَرِ غَيْرِهِ أَوْ خَصَى عَبْدَ غَيْرِهِ أَوْ عَلَّمَهُ الْحِرْفَةَ فَأَضْنَاهُ التَّعْلِيمُ.
وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ أَوْ الْعُلُوقُ عَلَى مَا عُرِفَ،
الْمَغْصُوبِ إلَى يَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَفِي الْغَصْبِ إذَا وَصَلَ الْمَغْصُوبُ إلَى الْمَالِكِ كَمَا غُصِبَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ بِتَكَرُّرِ الْغَصْبِ فَكَذَا هُنَا، إلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ فِي تَجْوِيزِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هَاهُنَا، وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ سِوَاهُ بِتَرْجِيحِ الْمَعْنَى الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: وَلِهَذَا يَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ لَوْ أَدَّى الضَّمَانَ بِسَبَبِ إخْرَاجِ الصَّيْدِ عَنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِيهِ ثُمَّ أَخْرَجَ ذَلِكَ الصَّيْدَ مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ جَزَاءٌ آخَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الْإِرْسَالِ بِتَكَرُّرِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحَرَمِ اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَا جَوَازَ عِنْدِي لِلْمَعْنَى الثَّانِي هَاهُنَا أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَوْلَى كَمَا زَعَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ ضَمَانُ جِنَايَةٍ كَمَا تَرَى، وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّفَرُّعُ عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِ قَوْلِهِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ تَكَرُّرَ وُجُوبِ الْإِرْسَالِ بِتَكَرُّرِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ لَا يَكُونُ أَمَارَةً عَلَى كَوْنِ ضَمَانِ وَلَدِ الظَّبْيَةِ ضَمَانَ جِنَايَتِهِ لَا ضَمَانَ غَصْبٍ فَإِنَّ تَكَرُّرَ وُجُوبِ الْإِرْسَالِ بِتَكَرُّرِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ يَنْتَظِمُ كَوْنَ ضَمَانِ وَلَدِ الظَّبْيَةِ ضَمَانَ جِنَايَةٍ وَكَوْنَهُ ضَمَانَ غَصْبٍ عَلَى السَّوَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى، بَلْ رِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ فِي الْمَنَاسِكِ أَوْفَقُ لِكَوْنِهِ ضَمَانَ غَصْبٍ عَلَى مَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ: جَعَلَ هُنَاكَ إيصَالَ صَيْدِ الْحَرَمِ إلَى الْحَرَمِ بِمَنْزِلَةِ إيصَالِ الْمَغْصُوبِ إلَى يَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَفِي الْغَصْبِ إذَا وَصَلَ الْمَغْصُوبُ إلَى الْمَالِكِ كَمَا غُصِبَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ شَيْءٍ.
وَلَكِنْ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ بِتَكَرُّرِ الْغَصْبِ فَكَذَا هُنَا اهـ تَدَبَّرْ تَقِفُ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوِلَادَةُ أَوْ الْعُلُوقُ عَلَى مَا عُرِفَ) ذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْكِفَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا عُرِفَ إشَارَةٌ إلَى مَا يَجِيءُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى مَا ذُكِرَ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ. وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ الثَّانِي، وَذَكَرَ الْأَوَّلَ أَيْضًا بِطَرِيقِ النَّقْلِ حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ، وَقِيلَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا عَلَى مَا يَجِيءُ اهـ.
أَقُولُ: لَا مَجَالَ عِنْدِي لِلْحَمْلِ عَلَى الْأَوَّلِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ هَاهُنَا سَبَبُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَبِمَا يَجِيءُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا
[ ٩ / ٣٥١ ]
وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا، وَصَارَ كَمَا إذَا غَصَبَ جَارِيَةً سَمِينَةً فَهَزَلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا ثُمَّ نَبَتَتْ أَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِهِ وَأَخَذَ أَرْشَهَا وَأَدَّاهُ مَعَ الْعَبْدِ يُحْتَسَبُ عَنْ نُقْصَانِ الْقَطْعِ، وَوَلَدُ الظَّبْيَةِ مَمْنُوعٌ، وَكَذَا إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ. وَتَخْرِيجُ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الْأُمِّ، إذْ الْوِلَادَةُ لَا تُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَدِّ أَصْلِهِ لِلْبَرَاءَةِ، فَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ رَدِّ خَلَفِهِ، وَالْخِصَاءُ لَا يُعَدُّ زِيَادَةً؛ لِأَنَّهُ غَرَضُ بَعْضِ الْفَسَقَةِ، وَلَا اتِّحَادَ فِي السَّبَبِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ الْقَطْعُ
سَبَبُ الْمَوْتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُوَ سَبَبٌ لِأَحَدِهِمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْآخَرِ أَيْضًا أَلْبَتَّةَ، حَتَّى يَصِحَّ حَوَالَةُ مَعْرِفَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْآخَرِ، أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَيَأْتِي وَتَخْرِيجُ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الْأُمِّ إذْ لَا تُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا اهـ.
فَإِنَّ ذَاكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَكُون سَبَبًا لِمَوْتِ الْأُمِّ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ دَلَالَةً أَنَّ الْعُلُوقَ أَيْضًا لَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ؛ لِأَنَّ إفْضَاءَهُ إلَى الْمَوْتِ أَبْعَدُ مِنْ إفْضَاءِ الْوِلَادَةِ إلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، مَعَ أَنَّهُ حَكَمَ هَاهُنَا بِأَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ هُوَ الْوِلَادَةُ وَالْعُلُوقُ. ثُمَّ إنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى مَا يَجِيءُ أَنْ يُقَالَ عَلَى مَا يَجِيءُ أَوْ عَلَى مَا سَيُعْرَفُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَا عُرِفَ فَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ، فَالْوَجْهُ هُوَ الْحَمْلُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ لَا غَيْرَ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْوَاحِدَ لَمَّا أَثَّرَ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ، كَالْبَيْعِ لَمَّا أَزَالَ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ دَخَلَ الثَّمَنُ فِي مِلْكِهِ فَكَانَ الثَّمَنُ خَلَفًا عَنْ مَالِيَّةِ الْمَبِيعِ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ، حَتَّى إنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِبَيْعِ شَيْءٍ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ كَلَا فَوَاتٍ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ جَوَابٌ لِلْخَصْمِ عَنْ أَصْلِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُ الْمَوْلَى فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَابِرًا لِنُقْصَانٍ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ بَلْ هُوَ عَلَى حَالِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إلَى جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعَدَّ نُقْصَانًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَابِرٍ، فَإِطْلَاقُ الْجَابِرِ عَلَيْهِ تَوَسُّعٌ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ. أَقُولُ: الْجَوَابُ مَنْظُورٌ فِيهِ، فَإِنَّ النُّقْصَانَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا مَجَالَ لِإِنْكَارِ وُقُوعِهِ، إذْ وَضْعُ مَسْأَلَتِنَا فِيمَا إذَا نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ، وَلَا يُرَى وَجْهٌ لَأَنْ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ النُّقْصَانُ الْمُحَقَّقُ نُقْصَانًا سِوَى انْجِبَارِ ذَلِكَ النُّقْصَانِ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ الْوَلَدُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشُّرَّاحِ قَاطِبَةً فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا كَمَا مَرَّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ (فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءً بِهِ جُبِرَ النُّقْصَانِ بِالْوَلَدِ وَسَقَطَ ضَمَانُهُ عَنْ الْغَاصِبِ)، وَلَوْ كَانَ إطْلَاقُ الْجَابِرِ عَلَيْهِ تَوَسُّعًا وَلَمْ يُوجَدْ الْجَبْرُ حَقِيقَةً لَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ لَأَنْ يُعَدَّ نُقْصَانُ الْمَغْصُوبِ الْوَاقِعِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ نُقْصَانًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ، وَأَنْ لَا يُعَدَّ نُقْصَانُهُ الْوَاقِعُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ نُقْصَانًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَنَا بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَحَكُّمًا بَحْتًا، وَحَاشَا لِأَئِمَّتِنَا مِنْ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَصَارَ كَمَا إذَا غَصَبَ جَارِيَةً سَمِينَةً فَهَزَلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا ثُمَّ نَبَتَتْ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا اتِّحَادَ
[ ٩ / ٣٥٢ ]
وَالْجَزُّ، وَسَبَبَ الزِّيَادَةِ النُّمُوُّ، وَسَبَبَ النُّقْصَانِ التَّعْلِيمُ، وَالزِّيَادَةُ سَبَبَهَا الْفَهْمُ. .
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا فَحَبِلَتْ ثُمَّ رَدَّهَا وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ عَلِقَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحُرَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الْأَمَةِ أَيْضًا) لَهُمَا أَنَّ الرَّدَّ قَدْ صَحَّ، وَالْهَلَاكُ بَعْدَهُ بِسَبَبٍ حَدَثَ فِي يَدِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ
فِي السَّبَبِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ وَهُوَ الْهُزَالُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَسُقُوطُ الثَّنِيَّةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يُغَايِرُ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَهِيَ السِّمَنُ فِي الْأُولَى وَنَبْتُ الثَّنِيَّةِ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَدْ رَدَّ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ قِيَاسَ الْخَصْمِ عَلَى نَحْوِ جَزِّ صُوفِ شَاةٍ وَقَطْعِ قَوَائِمِ الشَّجَرِ بِعَدَمِ الِاتِّحَادِ فِي السَّبَبِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تَشَبَّثَ هَاهُنَا بِالْقِيَاسِ عَلَى تَيْنِكَ الصُّورَتَيْنِ مَعَ عَدَمِ الِاتِّحَادِ فِي السَّبَبِ فِيهَا أَيْضًا. ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ: إنَّ الْفَرْقَ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ وَعَدَمِ اتِّحَادِهِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي قَدْحِ الْقِيَاسِ فِي عَدَمِ سُقُوطِ الضَّمَانِ كَمَا هُوَ مُدَّعَى الْخَصْمِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سُقُوطِهِ عِنْدَ عَدَمِ اتِّحَادِ السَّبَبِ عَدَمُ سُقُوطِهِ عِنْدَ اتِّحَادِهِ، إذْ يُمْكِنُ عِنْدَ اتِّحَادِهِ أَنْ لَا يُعَدَّ النُّقْصَانُ نُقْصَانًا كَمَا ذَكَرُوهُ، بِخِلَافِ عَدَمِ اتِّحَادِهِ، إذْ لَا وَجْهَ عِنْدَهُ أَصْلًا لِئَلَّا يُعَدَّ النُّقْصَانُ نُقْصَانًا، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ الْفَرْقُ فِي الْقِيَاسِ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ كَمَا هُوَ مُدَّعَانَا؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ الضَّمَانُ عِنْدَ عَدَمِ اتِّحَادِ السَّبَبِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِ أَنْ لَا يُعَدُّ النُّقْصَانُ هُنَاكَ نُقْصَانًا فَلَأَنْ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عِنْدَ اتِّحَادِ السَّبَبِ مَعَ جَوَازِ أَنْ لَا يُعَدَّ النُّقْصَانُ هُنَا نُقْصَانًا أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى فَتَدَبَّرْ، فَإِنَّهُ وَجْهٌ لَطِيفٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ وَلَمْ أُسْبَقْ إلَى كَشْفِهِ وَبَيَانِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّنِيَّةَ لَا قِيمَةَ لَهَا بِخِلَافِ الْقَوَائِمِ وَالصُّوفِ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الثَّنِيَّةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ إلَّا أَنَّ سُقُوطَهَا يُورِثُ نُقْصَانًا لِلْجَارِيَةِ بِلَا رَيْبٍ، وَالْكَلَامُ فِي نُقْصَانِ الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ الْفَرْقُ شَيْئًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَالْهَلَاكُ بَعْدَهُ بِسَبَبٍ حَدَثَ فِي يَدِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ)
[ ٩ / ٣٥٣ ]
فَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ. كَمَا إذَا حُمَّتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ثُمَّ رَدَّهَا فَهَلَكَتْ. أَوْ زَنَتْ فِي يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا فَجُلِدَتْ فَهَلَكَتْ مِنْهُ، وَكَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً قَدْ حَبِلَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ. وَلَهُ أَنَّهُ غَصَبَهَا وَمَا انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ التَّلَفِ وَرُدَّتْ وَفِيهَا ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ الرَّدُّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ فَلَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ، وَصَارَ كَمَا إذَا جَنَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ جِنَايَةً فَقُتِلَتْ بِهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ، أَوْ دُفِعَتْ بِهَا بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً يُرْجَعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ الْقِيمَةِ. كَذَا هَذَا. بِخِلَافِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ لِيَبْقَى ضَمَانُ الْغَصْبِ بَعْدَ فَسَادِ الرَّدِّ. وَفِي فَصْلِ الشِّرَاءِ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءِ التَّسْلِيمِ. مَا ذَكَرْنَا شَرْطُ صِحَّةِ الرَّدِّ وَالزِّنَا سَبَبٌ لِجَلْدٍ مُؤْلِمٍ لَا جَارِحٍ وَلَا مُتْلِفٍ فَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ. .
قَالَ (وَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ بِاسْتِعْمَالِهِ فَيَغْرَمُ النُّقْصَانَ)
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ جَعَلَ الْوِلَادَةَ هَاهُنَا سَبَبًا لِلْهَلَاكِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْمَوْتِ حَيْثُ قَالَ: وَتَخْرِيجُ
[ ٩ / ٣٥٤ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُهَا، فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَذْهَبَيْنِ بَيْنَ مَا إذَا عَطَّلَهَا أَوْ سَكَنَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ سَكَنَهَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ عَطَّلَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. لَهُ أَنَّ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ حَتَّى تُضْمَنَ بِالْعُقُودِ فَكَذَا بِالْغُصُوبِ. وَلَنَا أَنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ لِحُدُوثِهَا فِي إمْكَانِهِ إذْ هِيَ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَيَمْلِكُهَا دَفْعًا لِحَاجَتِهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ
الثَّانِيَةِ أَنَّ الْوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الْأُمِّ، إذَا لَا تُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا فَكَانَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَدَافُعٌ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْجِيهِ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ لِحُدُوثِهَا فِي إمْكَانِهِ، إذْ هِيَ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَيَمْلِكُهَا دَفْعًا لِحَاجَتِهِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مُقْتَضَى هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ لَا تَجِبَ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا إذَا حَدَثَتْ الْمَنَافِعُ فِي يَدِهِ كَمَا فِي اسْتِئْجَارِ الدُّورِ وَالْأَرَاضِيِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا لَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ بِمُقَابَلَةِ مِلْكِهِ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا حَامَ حَوْلَ جَوَابِ هَذَا الْإِشْكَالِ مَعَ ظُهُورِ وُرُودِهِ إلَّا صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْإِيجَابِ.
قُلْنَا: لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ عِنْدَنَا بِمُقَابَلَةِ الْمَنَافِعِ بَلْ بِمُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ إلَّا بِتَمَكُّنِهِ كَانَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إلَى اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ فَأَعْطَى لِمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَنْفَعَةِ حُكْمَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُخَلِّصًا هَاهُنَا إلَّا أَنَّهُ يَسْتَدْعِي تَرْكَ ظَاهِرِ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ، كَقَوْلِهِمْ الْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ النَّافِعِ بِعِوَضٍ، وَقَوْلِهِمْ وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ، وَقَوْلُهُمْ وَتَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسْبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَقْتَضِي التَّسَاوِي، وَالْمِلْكَ فِي الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ يَقَعُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسْبِ حُدُوثِهَا فَكَذَا فِي بَدَلِهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ، وَقَوْلُهُمْ وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهَا لِيَرْتَبِطَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ ثُمَّ عَمَلُهُ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَنْفَعَةِ مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا حَالَ وُجُوبِ الْمَنْفَعَةِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْأُجْرَةِ بِمُقَابَلَةِ الْمَنَافِعِ، وَلَعَلَّ تَأْوِيلَ كُلِّهَا مُتَعَسِّرٌ بَلْ مُتَعَذِّرٌ تَأَمَّلَ تَقِفُ.
ثُمَّ أَقُولُ: الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: اقْتِضَاءُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَدَمَ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا إذَا حَدَثَتْ الْمَنَافِعُ فِي يَدِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِجَارَاتِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَهَا، إلَّا أَنَّهَا جُوِّزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ اسْتِحْسَانًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَأَنَّ جَوَازَهَا عِنْدَنَا بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ لِوُجُودِ الْمَنْفَعَةِ كَالدَّارِ مَثَلًا مَقَامَ
[ ٩ / ٣٥٥ ]
غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ لِسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَبَقَاءِ الْأَعْيَانِ،
الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَيَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِمُقَابَلَةِ الْمَنَافِعِ الَّتِي حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِهِ بِحُدُوثِهَا فِي يَدِهِ إذَا وَقَعَ التَّرَاضِي عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ وَسَبَبٌ لِوُجُودِ الْمَنْفَعَةِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى مُوجِبِ الِاسْتِحْسَانِ بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا فَلَا يُرْتَكَبُ فِيهِ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ لِسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَبَقَاءِ الْأَعْيَانِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الدَّلِيلُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ لَا تُضْمَنُ بِالْأَعْيَانِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَا تُضْمَنُ بِالْمَنَافِعِ الْمُمَاثِلَةِ لَهَا وَالْمُدَّعَى عَدَمُ مَضْمُونِيَّتِهَا أَصْلًا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ مَبْنَى تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الدَّلِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَزْبُورِ تَقَرُّرُ عَدَمِ مَضْمُونِيَّتِهَا بِالْمَنَافِعِ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِظُهُورِهِ، يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي هَذَا الدَّلِيلَ حَيْثُ قَالَ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا تَصَوُّرَ غَصْبِهَا فَلَا يُمْكِنُ تَضَمُّنُهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ فَإِمَّا أَنْ تُضْمَنَ بِالْمَنَافِعِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، أَوْ بِالْأَعْيَانِ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى وَقْتَيْنِ وَالْعَيْنُ تَبْقَى أَوْقَاتًا. وَبَيْنَ مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ، وَضَمَانُ الْعُدْوَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ أَيْضًا تَقْرِيرُ صَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ ذَلِكَ الدَّلِيلَ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَوْ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً بِأَمْثَالِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ، أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً بِالْأَمْثَالِ وَهِيَ الْمَنَافِعُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً بِالْأَعْيَانِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْمُمَاثَلَةُ شَرْطٌ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ اهـ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَاعْتُرِضَ بِمَا إذَا أَتْلَفَ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي تَبْقَى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مِنْ حَيْثُ الْفَنَاءُ وَالْبَقَاءُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَبِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِدَرَاهِمِ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمْ صَحِيحًا لَمَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَانَ إلَى مَالِ الْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْوَجْهِ الْأَحْسَنِ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ مَا تَكُونُ بَيْنَ بَاقٍ وَبَاقٍ لَا بَيْنَ بَاقٍ وَأَبْقَى فَكَانَ السُّؤَالُ غَيْرَ وَارِدٍ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى أَنَّهَا تُعْتَبَرُ بَيْنَ جَوْهَرَيْنِ لَا بَيْنَ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، أَلَا يَرَى أَنَّ بَيْعَ الثِّيَابِ بِالدَّرَاهِمِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَبْلَى دُونَ الْآخَرِ، وَعَنْ الثَّانِي بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ شِرَاءَ الثِّيَابِ بِدَرَاهِمِ الْيَتِيمِ جَائِزٌ لِلْوَصِيِّ مَعَ وُجُودِ التَّفَاوُتِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْبَانَ بِالْأَحْسَنِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ هُوَ مَا لَا يُعَدُّ عَيْبًا فِي التَّصَرُّفَاتِ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيمَا ذَكَرَهُ فِي كُلٍّ مِنْ الْجَوَابَيْنِ شَيْءٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّ تَنْوِيرَهُ بِقَوْلِهِ أَلَا يَرَى أَنَّ بَيْعَ الثِّيَابِ بِالدَّرَاهِمِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَبْلَى دُونَ الْآخَرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ جَوَازَ نَوْعٍ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ فِي الْبَيْعِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ؛ لِأَنَّ لِلْعَقْدِ وَالرِّضَا تَأْثِيرًا فِي تَجْوِيزِ كَثِيرٍ مِنْ التَّفَاوُتِ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: يَجُوزُ بَيْعُ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ بِأُلُوفٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ قَطْعًا، أَلَا يَرَى أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ يَجُوزُ أَيْضًا بِالْعَقْدِ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْفَعَةَ دَارٍ مَثَلًا بِدَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ مَعَ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ لَا تُتَصَوَّرُ بَيْنَ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ كَمَا صَرَّحَا بِهِ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ جَوَازَ شِرَاءِ الثِّيَابِ بِدَرَاهِمِ الْيَتِيمِ لِلْوَصِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْوَصِيِّ لِلْيَتِيمِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِدَرَاهِمِهِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأَوَّلِ بَيْنَ جَوْهَرٍ وَجَوْهَرٍ وَهُوَ تَفَاوُتٌ غَيْرُ فَاحِشٍ، وَالتَّفَاوُتُ فِي الثَّانِي بَيْنَ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ وَهُوَ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ جَوَازَ تَصَرُّفِ الْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ بِالتَّفَاوُتِ الْغَيْرِ الْفَاحِشِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهِ بِالتَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ، أَلَا يَرَى أَنَّ التَّفَاوُتَ الْفَاحِشَ الَّذِي بَيْنَ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ يَمْنَعُ الْمُمَاثَلَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ دُونَ التَّفَاوُتِ الْغَيْرِ الْفَاحِشِ الَّذِي بَيْنَ جَوْهَرٍ وَجَوْهَرٍ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي تَصَرُّفِ
[ ٩ / ٣٥٦ ]
وَقَدْ عَرَفْت هَذِهِ الْمَآخِذَ فِي الْمُخْتَلِفِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ فِي ذَاتِهَا، بَلْ تُقَوَّمُ ضَرُورَةً عِنْدَ وُرُودِ الْعَقْدِ وَلَمْ يُوجَدْ الْعَقْدُ، إلَّا أَنَّ مَا اُنْتُقِصَ بِاسْتِعْمَالِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ.
الْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ أَيْضًا كَذَلِكَ؟ فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَتْ دَلَالَةُ جَوَازِ شِرَاءِ الثِّيَابِ بِدَرَاهِمِ الْيَتِيمِ لِلْوَصِيِّ عَلَى أَنَّ الْقُرْبَانَ بِالْأَحْسَنِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ هُوَ مُجَرَّدُ مَا لَا يُعَدُّ عَيْبًا فِي التَّصَرُّفَاتِ. نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقُرْبَانِ الْأَحْسَنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَكِنَّهُ إنَّمَا يُعْرَفُ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ جَوَازِ شِرَاءِ الثِّيَابِ بِدَرَاهِمِ الْيَتِيمِ لِلْوَصِيِّ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ عَرَفْت هَذِهِ الْمَآخِذَ فِي الْمُخْتَلِفِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْمَآخِذِ: أَيْ الْعِلَلِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ، مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ، وَثَانِيًا بِقَوْلِهِ إنَّهَا لَا يَتَحَقَّقُ غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا، وَثَالِثًا بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ إلَخْ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ نَوْعُ خَلَلٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: أَوْ مَا ذَكَرَهُ، بِكَلِمَةِ أَوْ وَهِيَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِلَلَ الَّتِي كَانَتْ مَنَاطَ الْحُكْمِ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْمَآخِذِ هِيَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَثَالِثًا بِأَقْوَالِهِ الْمَزْبُورَةِ لَا أَمْرٌ آخَرُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ بِكَلِمَةِ أَوْ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ هَاهُنَا: أَرَادَ بِالْمَآخِذِ الْعِلَلَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ، وَأَرَادَ بِالْمَآخِذِ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ إنَّهَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ وَثَانِيًا إنَّهَا لَا يَتَحَقَّقُ غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا وَثَالِثًا إنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ، وَالشَّرْطُ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ الْمُمَاثَلَةُ بِالنَّصِّ اهـ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ الْعِلَلَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ هَاهُنَا هِيَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَثَالِثًا بِعَيْنِهِ كَمَا عَرَفْتَهُ آنِفًا، فَمَا مَعْنَى قَوْلِ هَذَا الشَّارِحِ أَرَادَ بِالْمَآخِذِ هَذَا وَأَرَادَ بِهَا ذَاكَ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ بِقَوْلِهِ أَرَادَ بِالْمَآخِذِ الْعِلَلَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ تَفْسِيرَ مَعْنَى الْمَآخِذِ هَاهُنَا، وَبِقَوْلِهِ وَأَرَادَ بِالْمَآخِذِ مَا ذَكَرَهُ إلَخْ تَفْسِيرَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَآخِذُ هَاهُنَا وَتَعَيُّنَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ بِمَعْنَى الْمَآخِذِ هَاهُنَا هَذَا وَأَرَادَ بِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَآخِذُ هَاهُنَا ذَاكَ، وَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ وَمَا صَدَقَ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ فَيَصِحُّ الْعَطْفُ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الثَّانِي وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْمَآخِذِ مَا ذَكَرَهُ إلَخْ لَكَانَ أَحْسَنَ لِكَوْنِهِ أَدَلَّ عَلَى إرَادَةِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَآخِذُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَحْثٌ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى بِأَنَّ مَنَافِعَ الْغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الْوَقْفِ وَمَالِ الْيَتِيمِ وَمَا كَانَ مُعَدًّا لِلْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّ الْعِلَلَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ بِعَدَمِ ضَمَانِ مَنَافِعِ الْغَصْبِ جَارِيَةٌ بِعَيْنِهَا فِي تِلْكَ الصُّوَرِ أَيْضًا. فَإِنْ قُلْت: الْعِلَلُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ وَالْقَوْلُ بِضَمَانِ الْمَنَافِعِ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ مُوجِبُ الِاسْتِحْسَانِ نَظَرًا لِلْوَقْفِ وَمَالِ الْيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ تَرْكُ الْقِيَاسِ بِالِاسْتِحْسَانِ. قُلْت: ذَلِكَ فِيمَا يُتَصَوَّرُ وَيُمْكِنُ، وَتِلْكَ الْعِلَلُ بَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَصَوُّرِ الْغَصْبِ وَالْعُدْوَانِ فِي الْمَنَافِعِ، وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ تَضْمِينِ الْمَنَافِعِ بِالْأَعْيَانِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا، وَبِنَاءُ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِجْرَاءُ الِاسْتِحْسَانِ فِي خِلَافِ ذَلِكَ مُشْكِلٌ جِدًّا.
[ ٩ / ٣٥٧ ]