الْقِسْمَةُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ مَشْرُوعَةٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَاشَرَهَا فِي الْمَغَانِمِ وَالْمَوَارِيثِ، وَجَرَى
فَلَا شَكَّ؛ كَمَا لَوْ تَرَكَ اكْتِسَابَ الْمَالِ لِمَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَبَعْدَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَا يُكْرَهُ الِاحْتِيَالُ أَيْضًا لِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ لَا لِإِضْرَارٍ بِالْغَيْرِ، فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، إلَى هُنَا لَفْظُ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ
(كِتَابُ الْقِسْمَةِ) مُنَاسَبَةُ الْقِسْمَةِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ نَتَائِجِ النَّصِيبِ الشَّائِعِ لِمَا أَنَّ أَقْوَى أَسْبَابِ الشُّفْعَةِ الشَّرِكَةُ، فَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَرَادَ الِافْتِرَاقَ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ طَلَبَ الْقِسْمَةَ وَمَعَ عَدَمِ بَقَائِهِ بَاعَ فَوَجَبَ عِنْدَهُ الشُّفْعَةُ؛ هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: أَوْ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ نَافِيَةٌ لِلشُّفْعَةِ قَاطِعَةٌ لِوُجُوبِهَا رُجُوعًا إلَى قَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَالنَّفْيُ يَقْتَضِي سَبْقَ الثُّبُوتِ فَكَانَتْ بَيْنَ الشُّفْعَةِ وَالْقِسْمَةِ مُنَاسَبَةُ الْمُضَادَّةِ، وَالْمُتَضَادَّانِ يَفْتَرِقَانِ أَبَدًا مَعَ تَقَدُّمِ الْمُثْبَتِ عَلَى الْمَنْفِيِّ كَمَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ كَوْنَ الْقِسْمَةِ نَافِيَةً لِلشُّفْعَةِ قَاطِعَةً لِوُجُوبِهَا رُجُوعًا إلَى قَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَئِمَّتِنَا فَلَا، لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ أَيْضًا وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأَحَادِيثَ أُخَرَ وَأَجَابُوا عَنْ اسْتِدْلَالِهِ
[ ٩ / ٤٢٥ ]
التَّوَارُثُ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، ثُمَّ هِيَ لَا تَعْرَى عَنْ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ، لِأَنَّ مَا يَجْتَمِعُ لِأَحَدِهِمَا بَعْضُهُ كَانَ لَهُ وَبَعْضُهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ فَهُوَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَمَّا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَكَانَ مُبَادَلَةً وَإِفْرَازًا، وَالْإِفْرَازُ هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، حَتَّى كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ، وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالْعُرُوضِ لِلتَّفَاوُتِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا أَخْذُ نَصِيبِهِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْآخَرِ.
وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً بَعْدَ الْقِسْمَةِ
بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلَئِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ نَفْيُ الشُّفْعَةِ بِسَبَبِ الْقِسْمَةِ الْحَاصِلَةِ بِوُقُوعِ الْحُدُودِ وَصَرْفِ الطُّرُقِ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَمَّا كَانَ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ كَانَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ أَنْ يُشْكِلَ أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَقُّ بِهَا الشُّفْعَةُ كَالْبَيْعِ؟ فَبَيَّنَ ﵊ عَدَمَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بِهَا، وَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ بِهَذَا التَّفْصِيلِ عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ حَتَّى النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، فَمَا مَعْنَى بِنَاءِ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ هَاهُنَا عَلَى مَا هُوَ الْمُزَيَّفُ هُنَاكَ ثُمَّ إنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّفْيَ يَقْتَضِي سَبْقَ الثُّبُوتِ يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَعْقُولَاتِ مِنْ أَنَّ السَّلْبَ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُتَضَادَّيْنِ يَفْتَرِقَانِ أَبَدًا مَعَ تَقَدُّمِ الْمُثْبَتِ عَلَى الْمَنْفِيِّ مَمْنُوعٌ.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَيْفَ تَقَدَّمَ الْمَنْفِيُّ هُنَاكَ عَلَى الْمُثْبَتِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَدَّمَ الشُّفْعَةَ لِأَنَّ بَقَاءَ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ أَصْلٌ انْتَهَى أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ فِي الشُّفْعَةِ بَقَاءَ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ حَيْثُ يَبْقَى فِيهَا الشُّيُوعُ عَلَى حَالِهِ وَإِنْ زَالَ مِلْكُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ كَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ حَيْثُ يَبْقَى فِيهَا مِلْكُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْبَعْضِ عَلَى حَالِهِ وَإِنْ زَالَ الشُّيُوعُ، بَلْ هَذَا الْبَقَاءُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا ذَكَرُوا فِي وَجْهِ مُنَاسَبَةِ الْقِسْمَةِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَرَادَ الِافْتِرَاقَ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ طَلَبَ الْقِسْمَةَ وَمَعَ عَدَمِ بَقَائِهِ بَاعَ فَوَجَبَ عِنْدَهُ الشُّفْعَةُ، فَكَوْنُ بَقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ أَصْلًا لَا يُرَجِّحُ تَقْدِيمَ الشُّفْعَةِ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ إنَّ الْقِسْمَةَ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلِاقْتِسَامِ كَالْقُدْوَةِ لِلِاقْتِدَاءِ وَالْأُسْوَةِ لِلِائْتِسَاءِ وَفِي الشَّرِيعَةِ: جَمْعُ النَّصِيبِ الشَّائِعِ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ
وَسَبَبُهَا طَلَبُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الِانْتِفَاعَ بِنَصِيبِهِ عَلَى الْخُلُوصِ وَرُكْنُهَا
الْفِعْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِفْرَازُ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ النَّصِيبَيْنِ كَالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونَاتِ وَالذَّرْعِ فِي الْمَذْرُوعَاتِ وَالْعَدِّ فِي الْمَعْدُودَاتِ وَشَرْطُهَا أَنْ لَا تَفُوتَ الْمَنْفَعَةُ بِالْقِسْمَةِ وَلِهَذَا لَا يُقْسَمُ الْحَائِطُ وَالْحَمَّامُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالْعُرُوضِ لِلتَّفَاوُتِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا أَخْذُ نَصِيبِهِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْآخَرِ. وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً بَعْدَ الْقِسْمَةِ) وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِمِثْلٍ لِمَا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ بِيَقِينٍ فَلَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ الْعَيْنِ حُكْمًا، كَذَا
[ ٩ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي الْعِنَايَةِ أَقُولُ: هُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا فِي الْكِتَابِ وَالشُّرُوحِ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَعْرَى عَنْ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَالْإِفْرَازِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، سَوَاءً كَانَتْ فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ أَوْ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ إلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّصِيبَيْنِ فَمَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضُهُ كَانَ مِلْكَهُ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ كَانَ لِصَاحِبِهِ فَصَارَ لَهُ عِوَضًا عَمَّا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَكَانَ الْقِسْمَةُ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ الَّذِي كَانَ مِلْكَهُ إفْرَازًا وَبِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ مُبَادَلَةً، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَوْنُ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ
هُوَ الظَّاهِرُ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحَيَوَانَاتِ وَالْعُرُوضِ غَيْرُ وَاضِحٍ، إذْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِوَضًا عَمَّا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَيْسَ بِمِثْلٍ بِيَقِينٍ لِمَا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ حَقِّهِ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَلَمْ يَكُنْ أَخْذُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ عَيْنِ حَقِّهِ حُكْمًا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْإِفْرَازُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ حَقِّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ أَخْذَهُ هَذَا الْبَعْضَ إفْرَازٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مُبَادَلَةٌ، فَقَدْ تَحَقَّقَ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ عَيْنِ حَقِّهِ إفْرَازٌ بِدُونِ الْمُبَادَلَةِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى مَا يَأْخُذُهُ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ مُبَادَلَةٌ بِدُونِ الْإِفْرَازِ فَكَانَ مَعْنَيَا الْإِفْرَازِ وَالْمُبَادَلَةِ فِيهِ مُتَسَاوِيَيْنِ، فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ ظُهُورُ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِيهِ كَمَا ادَّعَوْهُ قَاطِبَةً، بِخِلَافِ مَا قَالُوا فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ مِنْ ظُهُورِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيهَا فَإِنَّهُ وَاضِحٌ، لِأَنَّ أَخْذَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا مَا هُوَ عَيْنُ حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِهِ إفْرَازٌ بِلَا شُبْهَةٍ، وَأَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا مَا هُوَ نَصِيبُ صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ عَيْنِ حَقِّهِ لِكَوْنِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ فِيهَا مِثْلُ حَقِّهِ بِيَقِينٍ.
وَأَخْذُ الْمِثْلِ بِيَقِينٍ يُجْعَلُ كَأَخْذِ الْعَيْنِ حُكْمًا كَمَا فِي الْقَرْضِ فَتَحَقَّقَ فِيهَا مَعْنَى الْإِفْرَازِ بِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ أَيْضًا فَكَانَ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: مَعْنَى الْإِفْرَازِ ظَاهِرٌ فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَغَيْرُ ظَاهِرٍ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ بَلْ مَعْنَيَا الْإِفْرَازِ وَالْمُبَادَلَةِ سِيَّانِ فِيهِ لَكَانَ الْأَمْرُ هَيِّنًا، وَلَمَّا قَالُوا: مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ أَشْكَلَ ذَلِكَ كَمَا تَرَى وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَجْهًا أَبْسَطَ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْعِنَايَةِ لِظُهُورِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ نَاقِلًا عَنْ الْمُغْنِي حَيْثُ قَالَ: وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كُلِّهَا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ فَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَشَبَهُ الْمُبَادَلَةِ فِيهَا رَاجِحٌ لِأَنَّهَا إفْرَازٌ حُكْمًا مِنْ وَجْهٍ، وَمِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ هِيَ مُبَادَلَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلِأَنَّ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلٌ لِمَا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.
وَأَخْذُ الْمِثْلِ كَأَخْذِ الْعَيْنِ حُكْمًا فَكَانَ إفْرَازًا، إلَّا أَنَّ مَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِمِثْلٍ لِمَا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ بِيَقِينٍ، لِأَنَّ الْمَقْسُومَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَفِيمَا لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لَا تَثْبُتُ الْمُعَادَلَةُ بِيَقِينٍ، فَالْإِفْرَازُ مَعَ الْمُبَادَلَةِ اسْتَوَيَا فِي الْحُكْمِ ثُمَّ تَرَجَّحَتْ الْمُبَادَلَةُ بِالْحَقِيقَةِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ الْإِشْكَالَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ مَعَ زِيَادَةٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ رُجْحَانِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِيمَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ عِوَضًا عَمَّا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ لَا عَلَى تَحَقُّقِ رُجْحَانِ ذَلِكَ فِي الْمَقْسُومِ كُلِّهِ، كَيْفَ وَمَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نَصِيبِ نَفْسِهِ لَا يُوجَدُ فِيهِ إلَّا إفْرَازٌ مَحْضٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْإِفْرَازِ أَنْ يَقْبِضَ عَيْنَ حَقِّهِ وَأَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ نَفْسِهِ قَبْضٌ لِعَيْنِ حَقِّهِ لَا غَيْرُ وَالْمُدَّعِي رُجْحَانَ الْمُبَادَلَةِ فِي الْقِسْمَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى رُجْحَانِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِي ذَلِكَ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ أَخْذَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنَ حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِ نَفْسِهِ إفْرَازٌ مَحْضٌ، وَإِذَا كَانَ أَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ أَخْذًا لِمِثْلِ مَا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَكَانَ أَخْذُ ذَلِكَ
[ ٩ / ٤٢٧ ]
إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَجْبَرَ الْقَاضِي عَلَى الْقِسْمَةِ عِنْدَ طَلَبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ لِتَقَارُبِ الْمَقَاصِدِ وَالْمُبَادَلَةُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الْجَبْرُ كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَهُمْ بِطَلَبِ الْقِسْمَةِ يَسْأَلُ الْقَاضِيَ أَنْ يَخُصَّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ وَيَمْنَعَ الْغَيْرَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ، فَيَجِبَ عَلَى الْقَاضِي إجَابَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً لَا يُجْبِرُ الْقَاضِي عَلَى قِسْمَتِهَا لِتَعَذُّرِ الْمُعَادَلَةِ بِاعْتِبَارِ فُحْشِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَقَاصِدِ، وَلَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ قَالَ (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ قَاسِمًا يَرْزُقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيَقْسِمَ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ أَجْرٍ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ الْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتِمُّ بِهِ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ فَأَشْبَهَ رِزْقَ الْقَاضِي، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ نَصْبِ الْقَاسِمِ تَعُمُّ الْعَامَّةَ
الْمِثْلِ كَأَخْذِ الْعَيْنِ حُكْمًا فَكَانَ إفْرَازًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ كَانَ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِي ذَلِكَ ظَاهِرًا رَاجِحًا لِتَحَقُّقِهِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ وَتَحَقُّقُ الْمُبَادَلَةِ فِي بَعْضِهَا كَمَا تَحَقَّقْته
(قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَجْبَرَ الْقَاضِي عَلَى الْقِسْمَةِ عِنْدَ طَلَبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ لِتَقَارُبِ الْمَقَاصِدِ) هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي ذَلِكَ لَمَا أُجْبِرَ الْآبِي عَلَى الْقِسْمَةِ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ أَقُولُ: هَاهُنَا أَيْضًا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ بِالنَّظَرِ إلَى النَّصِيبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ لِعَيْنِ حَقِّهِ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ، إذْ يَبْقَى الْكَلَامُ حِينَئِذٍ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى أَخْذِ النَّصِيبِ الْآخَرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَيَظْهَرُ عَلَى مَا قَالُوا، وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ بِالنَّظَرِ إلَى النَّصِيبِ الَّذِي كَانَ لِصَاحِبِهِ وَيَأْخُذُهُ عِوَضًا عَمَّا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ لِتَقَارُبِ الْمَقَاصِدِ فَذَلِكَ يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، إذْ لَا شَكَّ فِي تَحَقُّقِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى النَّصِيبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ لِعَيْنِ حَقِّهِ وَإِذَا تَحَقَّقَ فِيهِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ بِالنَّظَرِ إلَى النَّصِيبِ الْآخَرِ أَيْضًا كَانَ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيهِ ظَاهِرًا جِدًّا، فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ أَقُولُ: لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ فِيهِ إمْكَانَ الْمُعَادَلَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ لَكَانَ سَالِمًا عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ، وَكَانَ مُنَاسِبًا لَا مَحَالَةَ لِقَوْلِهِ لِتَعَذُّرِ الْمُعَادَلَةِ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً كَمَا سَيَأْتِي تَبَصَّرْ تَقِفْ
(قَوْلُهُ وَالْمُبَادَلَةُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الْجَبْرُ كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالْمُبَادَلَةِ لِأَنَّهَا مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الْجَبْرُ كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنَّ الْمَدْيُونَ يُجْبَرُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا عَلَى مَا عُرِفَ، فَصَارَ مَا يُؤَدِّي الْمَدْيُونُ بَدَلًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: جَرَيَان الْجَبْرِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ لِكَوْنِ مَا أَخَذَهُ الدَّائِنُ مِنْ الْبَدَلِ مِثْلَ مَا ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ بِيَقِينٍ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَخْذَ مِثْلِ الْحَقِّ بِيَقِينٍ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ الْعَيْنِ، وَعَنْ هَذَا جَعَلُوا أَخْذَ الْمِثْلِ فِي الْقَرْضِ كَأَخْذِ الْعَيْنِ فَجَعَلُوا الْقَرْضَ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَإِنَّ مَا يَأْخُذُهُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِيهِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ لَيْسَ مِثْلَ مَا تَرَكَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ بِيَقِينٍ فَلَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ عَيْنِ الْحَقِّ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: إنَّ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِيهِ هُوَ الظَّاهِرُ، فَمِنْ ذَلِكَ نَشَأَ السُّؤَالُ الْمُقَدَّرُ وَاحْتِيجَ إلَى الْجَوَابِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَكَيْفَ يَتِمُّ قِيَاسُ جَرَيَانِ الْجَبْرِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى جَرَيَانِهِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ تَحَقُّقِ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا
(قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحِلِّ: وَلَوْ تَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ جَازَ، لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ مُبَادَلَةٌ كَالتِّجَارَةِ، وَالتَّرَاضِي فِي التِّجَارَةِ شَرْطٌ بِالنَّصِّ انْتَهَى أَقُولُ: هَذَا الشَّرْحُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَشْرُوحِ، وَلَيْسَ بِتَامٍّ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ مُبَادَلَةٌ مَحْضَةٌ كَالتِّجَارَةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الْقِسْمَةَ مُطْلَقًا لَا تَعْرَى عَنْ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَالْإِفْرَازِ، إلَّا أَنَّ مَعْنَى الْإِفْرَازِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُبَادَلَةَ فِي قِسْمَةِ مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ هِيَ الظَّاهِرَةُ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي قِسْمَةِ غَيْرِ مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ مَعَ أَنَّ التَّرَاضِيَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا، عَلَى أَنَّ كَوْنَ التَّرَاضِي شَرْطًا فِي التِّجَارَةِ بِالنَّصِّ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ شَرْطًا فِي قِسْمَةِ مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ أَيْضًا لِأَنَّ قِسْمَتَهُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى
[ ٩ / ٤٢٨ ]
فَتَكُونَ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ غُرْمًا بِالْغُنْمِ قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ نَصَّبَ قَاسِمًا يَقْسِمُ بِالْأَجْرِ) مَعْنَاهُ بِأَجْرٍ عَلَى الْمُتَقَاسِمِينَ، لِأَنَّ النَّفْعَ لَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَبِقَدْرِ أَجْرِ مِثْلِهِ كَيْ لَا يَتَحَكَّمَ بِالزِّيَادَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَأَبْعَدُ عَنْ التُّهْمَةِ.
(وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مَأْمُونًا عَالِمًا بِالْقِسْمَةِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ الْقَضَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ وَهِيَ بِالْعِلْمِ، وَمِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ بِالْأَمَانَةِ (وَلَا يُجْبِرُ الْقَاضِي النَّاسَ عَلَى قَاسِمٍ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ لَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرُوهُ لِأَنَّهُ لَا جَبْرَ عَلَى الْعُقُودِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ لَتَحَكَّمَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ (وَلَوْ اصْطَلَحُوا فَاقْتَسَمُوا جَازَ، إلَّا إذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ فَيَحْتَاجُ إلَى أَمْرِ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ (وَلَا يَتْرُكُ الْقُسَّامَ يَشْتَرِكُونَ) كَيْ لَا تَصِيرَ الْأُجْرَةُ غَالِيَةً بِتَوَاكُلِهِمْ، وَعِنْدَ عَدَمِ الشَّرِكَةِ يَتَبَادَرُ كُلٌّ مِنْهُمْ إلَيْهِ خِيفَةَ الْفَوْتِ فَيُرَخِّصُ الْأَجْرَ قَالَ (وَأُجْرَةُ الْقِسْمَةِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ) لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ وَنَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ الْمُشْتَرَكِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَجْرَ مُقَابَلٌ بِالتَّمْيِيزِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ، وَرُبَّمَا يَصْعُبُ الْحِسَابُ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَلِيلِ، وَقَدْ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ فَيَتَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ فَيَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ
التِّجَارَةِ فِي كُلِّ الْوُجُوهِ، إذْ الْقِسْمَةُ مُطْلَقًا لَا تَعْرَى عَنْ مَعْنَى الْإِفْرَازِ أَلْبَتَّةَ، بِخِلَافِ التِّجَارَةِ، فَكَيْفَ تَلْحَقُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا هُوَ أَنَّهُمْ لَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا جَازَ، لِأَنَّهُ الْحَقُّ لِهَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَعَدَمُ الْجَبْرِ عَلَى قِسْمَةِ مُخْتَلِفِ الْأَجْنَاسِ لِخَوْفِ أَنْ يَبْقَى حَقُّ أَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ لِتَعَذُّرِ الْمُعَادَلَةِ بِاعْتِبَارِ فُحْشِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَقَاصِدِ، وَإِذَا تَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسْقَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ الْبَاقِيَ عَلَى الْآخَرِ فَصَحَّتْ الْقِسْمَةُ بِلَا رَيْبٍ، اُنْظُرْ إلَى هَذَا الْمَعْنَى الْوَجِيهِ الْوَاضِحِ هَلْ يُشْبِهُ بِمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ مَعْنَاهُ بِأَجْرٍ عَلَى الْمُتَقَاسِمِينَ لِأَنَّ النَّفْعَ لَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ) أَقُولُ: قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّفْعَ لَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ يُنَافِي بِحَسَبِ الظَّاهِرِ قَوْلَهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ نَصْبِ الْقَاسِمِ تَعُمُّ الْعَامَّةَ فَتَكُونَ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ غُرْمًا بِالْغُنْمِ فَتَأَمَّلْ فِي التَّوْفِيقِ
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مَأْمُونًا عَالِمًا بِالْقِسْمَةِ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: ذِكْرُ الْأَمَانَةِ بَعْدَ الْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ لَوَازِمِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ظَاهِرِ الْأَمَانَةِ انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ ثُمَّ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَرَدَّ هَذَا التَّوْجِيهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْوِقَايَةِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْوِقَايَةِ لَمَّا اكْتَفَى بِقَوْلِهِ وَيَجِبُ كَوْنُهُ عَدْلًا عَالِمًا بِهَا قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ لَمْ يَقُلْ عَدْلًا مَأْمُونًا عَالِمًا
[ ٩ / ٤٢٩ ]
بِأَصْلِ التَّمْيِيز، بِخِلَافِ حَفْرِ الْبِئْرِ لِأَنَّ الْأَجْرَ مُقَابَلٌ بِنَقْلِ التُّرَابِ وَهُوَ يَتَفَاوَتُ، وَالْكَيْلُ وَالْوَزْنُ إنْ كَانَ لِلْقِسْمَةِ قِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقِسْمَةِ فَالْأَجْرُ مُقَابَلٌ بِعَمَلِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَهُوَ يَتَفَاوَتُ وَهُوَ الْعُذْرُ لَوْ أُطْلِقَ وَلَا يُفَصَّلُ وَعَنْهُ أَنَّهُ عَلَى الطَّالِبِ دُونَ الْمُمْتَنِعِ لِنَفْعِهِ وَمَضَرَّةِ الْمُمْتَنِعِ قَالَ.
(وَإِذَا حَضَرَ الشُّرَكَاءُ عِنْدَ الْقَاضِي وَفِي أَيْدِيهِمْ دَارٌ أَوْ ضَيْعَةٌ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَرِثُوهَا عَنْ فُلَانٍ لَمْ يَقْسِمْهَا الْقَاضِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَوْتِهِ وَعَدَدِ وَرَثَتِهِ وَقَالَ صَاحِبَاهُ: يَقْسِمُهَا بِاعْتِرَافِهِمْ، وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَمَهَا بِقَوْلِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الْمُشْتَرَكُ مَا سِوَى الْعَقَارِ وَادَّعَوْا أَنَّهُ مِيرَاثٌ قَسَمَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَلَوْ ادَّعَوْا فِي الْعَقَارِ أَنَّهُمْ اشْتَرَوْهُ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ) لَهُمَا أَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَالْإِقْرَارَ أَمَارَةُ الصِّدْقِ وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ كَمَا فِي الْمَنْقُولِ الْمَوْرُوثِ وَالْعَقَارِ الْمُشْتَرَى، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مُنْكِرَ وَلَا بَيِّنَةَ إلَّا عَلَى الْمُنْكِرِ فَلَا يُفِيدُ، إلَّا أَنَّهُ يَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَمَهَا بِإِقْرَارِهِمْ لِيَقْتَصِرَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَدَّاهُمْ وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ قَضَاءً عَلَى الْمَيِّتِ إذْ التَّرِكَةُ مُبْقَاةٌ عَلَى مِلْكِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، حَتَّى لَوْ حَدَثَتْ
بِهَا كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ، لِأَنَّ الْأَمَانَةَ مِنْ لَوَازِمِ الْعَدَالَةِ وَقَالَ: وَالتَّوْجِيهُ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ظَاهِرِ الْأَمَانَةِ كَمَا وَقَعَ فِي الْكِفَايَةِ لَيْسَ بِتَامٍّ، لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَدَالَةِ يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَهَا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ، أَقُولُ: الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ نَفْسُ الْعَدَالَةِ لَا ظُهُورُهَا، فَاسْتِلْزَامُ ظُهُورِهَا ظُهُورَ الْأَمَانَةِ لَا يَقْتَضِي اسْتِدْرَاكَ ذِكْرِ الْأَمَانَةِ الْمُرَادِ بِهَا ظُهُورُهَا فَإِنْ قُلْت: فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَدَالَةِ ظُهُورُهَا كَمَا أُرِيدَ فِي الْأَمَانَةِ حَتَّى يُسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعَدَالَةِ عَنْ ذِكْرِ الْأَمَانَةِ بِالْكُلِّيَّةِ قُلْت: إرَادَةُ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ مِنْ لَفْظِ الْعَدَالَةِ خِلَافُ الظَّاهِرِ لَا تُفْهَمُ مِنْ لَفْظِهَا وَحْدَهُ بِدُونِ الْقَرِينَةِ، وَأَمَّا إرَادَةُ ظُهُورِ الْأَمَانَةِ مِنْ لَفْظِ الْأَمَانَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْكِتَابِ فَبِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الْعَدَالَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِنَفْسِ الْأَمَانَةِ نَعَمْ لَوْ قَالَ فِي الْكِتَابِ ابْتِدَاءً ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ عَدْلًا لَحَصَلَ الْغِنَى عَنْ ذِكْرِ الْأَمَانَةِ، لَكِنَّ مُرَادَ
[ ٩ / ٤٣٠ ]
الزِّيَادَةُ قَبْلَهَا تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ فِيهَا وَتُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهَا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَإِذَا كَانَتْ قَضَاءً عَلَى الْمَيِّتِ فَالْإِقْرَارُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ مُفِيدٌ، لِأَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمُورِثِ.
وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ كَمَا فِي الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ الْمُقِرِّ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مَعَ إقْرَارِهِ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ نَظَرًا لِلْحَاجَةِ إلَى الْحِفْظِ أَمَّا الْعَقَارُ فَمُحْصَنٌ بِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْمَنْقُولَ مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي يَدِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعَقَارُ عِنْدَهُ،
هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ تَوْجِيهُ الْعِبَارَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْكِتَابِ لَا نَفْيُ مَجَالِ إفَادَةِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ هَاهُنَا بِعِبَارَةٍ أَخَصْرَ مِمَّا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مُفِيدٌ لِأَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمُورِثِ وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ كَمَا فِي الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ الْمُقِرِّ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مَعَ إقْرَارِهِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِأَحَدِ الْوَرَثَةِ بِأَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا وَالْآخَرُ بِكَوْنِهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ، بِخِلَافِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لِتَعَيُّنِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُنَاكَ وَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَالَ لَا أَقْسِمُ حَتَّى تُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَوْتِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ هُمْ يَجْعَلُونَ أَحَدَهُمْ مُدَّعِيًا لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُمْ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: لَا اسْتِشْكَالَهُ شَيْءٌ وَلَا جَوَابَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ التَّعْيِينِ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْمَقَامِ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِهِمْ فَتَرْتَفِعَ الْجَهَالَةُ بِتَعْيِينِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَالْقَاضِي يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَيَقْسِمُ الدَّارَ وَيَجْعَلُ أَحَدَ الْحَاضِرَيْنِ مُدَّعِيًا وَالْآخَرَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ الْحَاضِرِينَ صُلُوحًا لَأَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا فِي دَعْوَى حَقِّ نَفْسِهِ عَلَى الْآخَرِ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْآخَرِ حَقَّهُ عَلَيْهِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَصِيرُ مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْ حَيْثِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَلَا تُتَوَهَّمُ الْجَهَالَةُ حِينَئِذٍ أَصْلًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ اسْتِمَاعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ وَقِسْمَةُ الدَّرَاهِمِ بَيْنَهُمْ عَلَى جَعْلِهِمْ أَحَدَهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ مُدَّعِيًا وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ وَلَمْ يُرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ، فَإِنَّهُمْ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَعْنَى الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْلَمُوا مِثْلَ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ انْتِصَابِ الْوَرَثَةِ خُصَمَاءَ عَنْ الْمُورِثِ يَقْسِمُ الْقَاضِي الدَّارَ بَيْنَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ أَنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَوْتِ الْمُورِثِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ
[ ٩ / ٤٣١ ]
وَبِخِلَافِ الْمُشْتَرَى لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَقْسِمْ فَلَمْ تَكُنْ الْقِسْمَةُ قَضَاءً عَلَى الْغَيْرِ قَالَ (وَإِنْ ادَّعَوْا الْمِلْكَ وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفَ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِسْمَةِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَيْرِ، فَإِنَّهُمْ مَا أَقَرُّوا بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِمْ قَالَ ﵁: هَذِهِ رِوَايَةُ كِتَابِ الْقِسْمَةِ.
(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَرْضٌ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا وَأَرَادَا الْقِسْمَةَ لَمْ يَقْسِمْهَا حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُمَا) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمَا ثُمَّ قِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ
كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ بِأَسْرِهَا
(قَوْلُهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَرْضٌ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا وَأَرَادَا الْقِسْمَةَ لَمْ يَقْسِمْهَا حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمَا) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: أَعَادَ لَفْظَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمَا مِلْكًا لِغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَذْكُرَا السَّبَبَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِيرَاثًا فَيَكُونَ مِلْكًا لِلْغَيْرِ، وَأَنْ يَكُونَ مُشْتَرًى فَيَكُونَ مِلْكًا لَهُمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَكُونَ الْأَمْلَاكُ فِي يَدِ مَالِكِهَا فَلَا يَقْسِمُ احْتِيَاطًا انْتَهَى أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْنَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَكُونَ الْأَمْلَاكُ فِي يَدِ مَالِكِهَا غَيْرَ مُفِيدٍ هَاهُنَا، بَلْ هُوَ مُخِلٌّ بِالْمَقَامِ لِأَنَّ ذَاكَ الْأَصْلَ: أَعْنِي كَوْنَ الْأَمْلَاكِ فِي يَدِ مَالِكِهَا يُرَجِّحُ كَوْنَ مَا فِي أَيْدِيهِمَا مِلْكًا لَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْسِمَ بِدُونِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، مَعَ أَنَّ جَوَابَ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنْ لَا يَقْسِمَ بِدُونِهَا كَمَا تَرَى، فَالصَّوَابُ أَنْ يَتْرُكَ تِلْكَ الْمُقَدَّمَةَ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي بَيَانِ وَجْهِ رِوَايَةِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ كَمَا مَرَّتْ مِنْ قَبْلُ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَذْكُرَا السَّبَبَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِيرَاثًا إلَى آخِرِهِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، بَلْ الْمُحْتَمَلُ هُنَا أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكًا لَهُمَا لَا إرْثًا وَلَا شِرَاءً، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ مِلْكًا لَهُمَا لَتَعَرَّضَا لَهُ، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ فِي الْأُولَى ادَّعَوْا الْمِلْكَ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُحْتَمَلَ هُنَا أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكًا لَهُمَا أَصْلًا لَا غَيْرُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَقَوْلُهُ كَيْفَ وَلَوْ كَانَ مِلْكًا لَهُمَا لَتَعَرَّضَا لَهُ غَيْرُ تَامٍّ، فَإِنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِشَيْءٍ لَا يُنَافِي احْتِمَالَهُ فِي الْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا يُنَافِي تَقَرُّرَهُ وَتَعَيُّنَهُ كَيْفَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمِلْكِ لَهُمَا احْتِمَالٌ أَصْلًا لَمَا جَازَ اسْتِمَاعُ الْبَيِّنَةِ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ هُنَا فَهُوَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِصِحَّةِ التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِيرَاثًا وَأَنْ يَكُونَ مُشْتَرًى يَكْفِي فِي أَنْ لَا يَقْسِمَ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ احْتِيَاطًا ثُمَّ إنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِدْرَاكِ قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَكُونَ الْأَمْلَاكُ فِي يَدِ مَالِكِهَا لِإِخْلَالِهِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ آنِفًا. وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِهِ فِي تَعْلِيلِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَيَسْقُطَ جِدًّا مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ مِنْ احْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكًا لَهُمَا أَصْلًا لِدَلَالَةِ ثُبُوتِ أَيْدِيهِمَا عَلَى أَنَّ مَا فِيهَا مِلْكٌ لَهُمَا، وَيَكُونُ سَبَبُ عَدَمِ تَعَرُّضِهِمَا لِكَوْنِهِ مِلْكًا لَهُمَا هُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى دَلَالَةِ ذَلِكَ
[ ٩ / ٤٣٢ ]
وَقِيلَ قَوْلُ الْكُلِّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحِفْظِ فِي الْعَقَارِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَقِسْمَةُ الْمِلْكِ تَفْتَقِرُ إلَى قِيَامِهِ وَلَا مِلْكَ فَامْتَنَعَ الْجَوَازُ قَالَ (وَإِذَا حَضَرَ وَارِثَانِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَفَاةِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ وَالدَّارُ فِي أَيْدِيهمْ وَمَعَهُمْ وَارِثٌ غَائِبٌ قَسَمَهَا الْقَاضِي بِطَلَبِ الْحَاضِرِينَ وَيُنَصِّبُ وَكِيلًا يَقْبِضُ نَصِيبَ الْغَائِبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَكَانَ الْغَائِبِ صَبِيٌّ يَقْسِمُ وَيُنَصِّبُ وَصِيًّا يَقْبِضُ نَصِيبَهُ) لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُ أَيْضًا خِلَافًا لَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ (وَلَوْ كَانُوا مُشْتَرِينَ لَمْ يَقْسِمْ مَعَ غَيْبَةِ أَحَدِهِمْ) وَالْفَرْقُ أَنْ مِلْكَ الْوَارِثِ مِلْكُ خِلَافَةٍ حَتَّى يُرَدَّ بِالْعَيْبِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُورِثُ أَوْ بَاعَ وَيَصِيرُ مَغْرُورًا بِشِرَاءِ الْمُورِثِ فَانْتَصَبَ أَحَدُهُمَا خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا فِي يَدِهِ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَتْ الْقِسْمَةُ قَضَاءً بِحَضْرَةِ الْمُتَخَاصِمِينَ.
أَمَّا الْمِلْكُ الثَّابِتُ بِالشِّرَاءِ مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِ بَائِعِهِ
عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ قَوْلُ الْكُلِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحِفْظِ فِي الْعَقَارِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَقِسْمَةَ الْمَلِكِ تَفْتَقِرُ إلَى قِيَامِهِ وَلَا مِلْكَ فَامْتَنَعَ الْجَوَازُ) يَعْنِي أَنَّ الْقِسْمَةَ نَوْعَانِ: قِسْمَةٌ لِحَقِّ الْمِلْكِ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ، وَقِسْمَةٌ لِحَقِّ الْيَدِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ، وَالثَّانِي فِي الْعَقَارِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ قِسْمَةُ الْمِلْكِ وَقِسْمَةُ الْمِلْكِ تَفْتَقِرُ إلَى قِيَامِ الْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ فَامْتَنَعَ الْجَوَازُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْقِسْمَةُ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ فِيمَا إذَا ادَّعَوْا الشِّرَاءَ أَيْضًا فِي الْعَقَارِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ فِيهِ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنْ لَا تَجُوزَ الْقِسْمَةُ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَيْضًا فِيمَا إذَا ادَّعَوْا الْإِرْثَ فِي الْعَقَارِ وَمَعَ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَيْضًا أَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِجَوَازِهَا فِيهِ بِمُجَرَّدِ اعْتِرَافِهِمْ ثُمَّ أَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ ﵀ بِقَوْلِهِ وَلَا مِلْكَ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا مِلْكَ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ لِانْتِقَاضِهِ بِصُورَةِ ادِّعَائِهِمْ الشِّرَاءَ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، وَبِصُورَةِ ادِّعَائِهِمْ الْإِرْثَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ آنِفًا، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ فِي دَعْوَاهُمَا: أَيْ لَمْ يَدَّعِيَا الْمِلْكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لَهُ أَصْلًا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، بَلْ إنَّمَا ادَّعَيَا أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ رِوَايَةِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا هُنَاكَ صَرِيحَ الْمِلْكِ فَافْتَرَقَتَا فَحِينَئِذٍ لَا انْتِقَاضَ بِالصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا فِيهِمَا سَبَبَ الْمِلْكِ مِنْ الْإِرْثِ أَوْ الشِّرَاءِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ إنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْوَضْعِ فَمَوْضُوعُ كِتَابِ الْقِسْمَةِ فِيمَا إذَا ادَّعَيَا الْمِلْكَ ابْتِدَاءً وَمَوْضُوعُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِيمَا إذَا ادَّعَيَا الْيَدَ ابْتِدَاءً،
[ ٩ / ٤٣٣ ]
فَلَا يَصْلُحُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فَوَضَحَ الْفَرْقُ (وَإِنْ كَانَ الْعَقَارُ فِي يَدِ الْوَارِثِ الْغَائِبِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يُقْسَمْ، وَكَذَا إذَا كَانَ فِي يَدِ مُودِعِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ فِي يَدِ الصَّغِيرِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ بِاسْتِحْقَاقِ يَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ عَنْهُمَا، وَأَمِينُ الْخَصْمِ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْهُ فِيمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، وَالْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِ الْخَصْمِ لَا يَجُوزُ.
وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا أُطْلِقَ فِي الْكِتَابِ قَالَ (وَإِنْ حَضَرَ وَارِثٌ وَاحِدٌ لَمْ يَقْسِمْ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ خَصْمَيْنِ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْلُحُ مُخَاصِمًا وَمُخَاصَمًا، وَكَذَا مُقَاسِمًا وَمُقَاسَمًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحَاضِرُ اثْنَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا (وَلَوْ كَانَ الْحَاضِرُ كَبِيرًا وَصَغِيرًا نَصَبَ الْقَاضِي عَنْ الصَّغِيرِ وَصِيًّا وَقَسَمَ إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ، وَكَذَا إذَا حَضَرَ وَارِثٌ كَبِيرٌ وَمُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ فِيهَا وَطَلَبَا الْقِسْمَةَ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ يَقْسِمُهُ) لِاجْتِمَاعِ الْخَصْمَيْنِ الْكَبِيرِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْمُوصَى لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَا الْوَصِيُّ عَنْ الصَّبِيِّ كَأَنَّهُ حَضَرَ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ
وَبَيَانُهُ أَنَّهُمَا لَمَّا ادَّعَيَا الْمِلْكَ ابْتِدَاءً وَالْيَدُ ثَابِتَةٌ وَمَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ مَا لَمْ يُنَازِعْهُ غَيْرُهُ، إذْ الْأَصْلُ أَنَّ الْأَمْلَاكَ فِي يَدِ الْمُلَّاكِ فَيُعْتَبَرُ هَذَا الظَّاهِرُ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِلْكَ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ احْتِمَالٌ بِلَا دَلِيلٍ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، أَمَّا إذَا ادَّعَيَا الْيَدَ وَأَعْرَضَا عَنْ ذِكْرِ الْمِلْكِ مَعَ حَاجَتِهِمَا إلَى بَيَانِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا طَلَبَا الْقِسْمَةَ مِنْ الْقَاضِي وَالْقِسْمَةُ فِي الْعَقَارِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْمِلْكِ، فَلَمَّا سَكَتُوا عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ لَهُمَا فَتَأَكَّدَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ السَّابِقُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِيَزُولَ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمَا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ فَتَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ بِاسْتِحْقَاقِ يَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ عَنْهُمَا) يَعْنِي أَنَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ أَوْ الصَّغِيرِ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ عَنْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ عَنْهُمَا، كَذَا التَّقْرِيرُ فِي الْكَافِي وَالْمَبْسُوطِ أَقُولُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ الْعَقَارُ كُلُّهُ فِي يَدِ الْغَائِبِ أَوْ الصَّغِيرِ، أَوْ كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ زَائِدٌ قَدْرُهُ عَلَى حِصَّةِ الْغَائِبِ أَوْ الصَّغِيرِ مِنْ الْمِيرَاثِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَمَّا فِيمَا إذَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْعَقَارِ شَيْءٌ يُسَاوِي قَدْرُهُ حِصَّةَ ذَلِكَ مِنْ الْمِيرَاثِ أَوْ يَصِيرُ أَقَلَّ مِنْهَا فَلَا يَتَمَشَّى فِيهَا ذَلِكَ التَّعْلِيلُ، إذْ لَا يَلْزَمُ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ الصَّغِيرِ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ عَنْ يَدِهِ بَلْ يَلْزَمُ إبْقَاءُ مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى يَدِهِ فِي صُورَةِ التَّسَاوِي وَزِيَادَةُ شَيْءٍ عَلَيْهِ مِمَّا فِي يَدِ الْحَاضِرِينَ فِي صُورَةِ النُّقْصَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَدَمِ وُقُوعِ ذِكْرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، فَإِنَّ هَذَا الْقَيْدَ فِي وَضْعِهَا مِنْ زِيَادَةِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَتَأَمَّلْ
[ ٩ / ٤٣٤ ]